← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9879

جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول - رسالة ماجستير

القرافي

Полный текст (780 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

مفسدةً (١) في وقتٍ أو إحداهما دون الآخرى (٢) ، وتكون الفائدة في بقاء التلاوة دون الحكم ما يحصل من العلم بأن الله تعالى أنزل مثل [هذا الحكم] (٣) رحمة منه بعباده (٤) . وعن أنس نزل (٥) في قتلى بئر مَعُوْنة (٦) : ((بلِّغوا إخواننا أنَّا لقينا ربَّنا فرضي عنَّا وأرضانا)) (٧) . وعن أبي بكر ﵁ كنا نقرأ من القرآن: ((لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كُفْرٌ بكم)) (٨) ومثال التلاوة والحكم معاً: ما روي عن عائشة ﵂ قالت (٩) : ((كان فيما أنْزل الله تعالى: عَشْرُ رَضَعَاتٍ، فنُسِخْنَ بخَمْسٍ)) (١٠) ، وروي أن سورة (١١)

стр. 317

الأحزاب كانت تَعْدِل سورة (١) البقرة (٢) . حكم النسخ في الأخبار ص: ونسخ الخبر (٣) إذا كان متضمِّناً لحكمٍ عندنا (٤) ، خلافاً لمن جوزه (٥) مطلقاً (٦) ، أو منعه (٧) مطلقاً (٨) وهو أبو علي (٩)

стр. 318

وأبو هاشم (١) وأكثر المتقدمين (٢) . لنا: أن نسخ الخبر يوجب عدم المطابقة (٣) وهو مُحَالٌ (٤) ، فإذا تضمن الحُكْمَ جاز نسخه؛ لأنه مستعار له ونَسْخُ الحكم جائز كما لو (٥) عبَّر عنه بالأمر. الشرح قال " الإمام فخر الدين ": إن كان الخبر خبراً عما لا يجوز تغييره، كالخبر عن حَدَث العالم، فلا يتطرق (٦) إليه النسخ. وإن كان عما يجوز تغييره، وهو إما ماضٍ أو مستقبل، والمستقبل إما [وعدٌ أو وعيدٌ أو خبرٌ] (٧) عن حكم: كالخبر عن وجوب الحج، فيجوز النسخ في الكل، ومنع أبو علي وأبو هاشم وأكثر المتقدمين الكل (٨) . قال (٩) : لنا أنَّ الخبر إذا كان عن أمرٍ ماضٍ نحو: ((عمّرتُ نوحاً ألْفَ سَنَةٍ)) جاز أن يُبَيِّن مِنْ (١٠) بَعْدُ أنه ((ألف سنة إلا خمسين عاماً)) . وإن كان خبراً عن مستقبل - كان وعداً أو وعيداً - فهو كقوله ((لأعاقبن الزاني أبداً)) فيجوز أن يُبَيِّن أنه أراد

стр. 319

ألف سنة. وإن كان عن (١) حكم الفعل في (٢) المستقبل فإنَّ الخبر كالأمر في تناوله الأوقات المستقبلة فيجوز أن يراد بعضها (٣) . احتجوا بأن نسخ الخبر يُوْهِم (٤) الخُلْف. قال (٥) : وجوابه أن نسخ الأمر أيضاً يُوْهِم البَدَاء (٦) . قلت: أسماء الأعداد (٧) نصوص لا يجوز فيها المجاز (٨) وإرادة (٩) المتكلم بالألف (١٠) ألفاً (١١) إلا خمسين عاماً (١٢) مجاز فلا يجوز، وأما إطلاق الأبد على ألف سنة فهو

стр. 320

تخصيص في الخبر وهو مجمع عليه، إنما النزاع في النسخ وأين أحدهما من الآخر؟ وقد تقدَّمت الفروق بينهما (١) . وأما قولهم: يوهم الخُلْف، فذلك (٢) مدفوع بالبراهين الدالة على استحالة الخُلْف على الله تعالى والبَدَاء عليه، والبداء هو أحد الطرق التي استدلت به اليهود على استحالة النسخ (٣) ، ومعناه: أمر بشيءٍ ثم بدا له أن المصلحة في خلافه، وذلك إنما يتأتى في حق من تخفى عليه الخفيات، والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك (٤) . وجوابهم: أن الله تعالى عالم بأن الفعل الفلاني مصلحةٌ في وقتِ كذا مفسدةٌ في وقت كذا، وأنه ينسخه إذا وصل إلى وقت المفسدة، فالكل معلوم في الأزَل (٥) ، وما تَجَدَّدَ العلمُ بشيءٍ، [فما لزم من النسخ البداء، فيجوز] (٦) . حكم نسخ الحكم المقيّد بالتأبيد ص: ويجوز [نسخ ما] (٧) قال فيه: افعلوه (٨) أبداً (٩) خلافاً

стр. 321

لقومٍ (١) ؛ لأن صيغة " أبداً " بمنزلة العموم في الأزمان (٢) ، والعموم قابل للتخصيص والنسخ (٣) . الشرح احتجوا بأن (٤) صيغة " أبداً " لو جاز أن لا يراد بها الدوام لم يبق لنا طريق إلى

стр. 322

الجزم بخلود أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار؛ [لأن ذلك كُلَّه] (١) مستفادٌ من قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (٢) . والجواب: [أن الجزم إنما حصل في الخلود ليس بمجرد لفظ " أبداً " بل بتكرُّره] (٣) تَكَرُّراً (٤) أفاد القطع بسياقاته (٥) وقرائنه (٦) على ذلك (٧) ، أما مجرد لفظة واحدة من " أبداً " (٨) فلا (٩) توجب الجزم، والكلام في هذه المسألة إنما هو في مثل هذا (١٠) .

стр. 323

الفصل الثالث في الناسخ والمنسوخ ص: يجوز عندنا نسخُ الكتاب بالكتاب وعند الأكثرين (١) . الشرح حجتنا: ما تقدَّم (٢) في الرد على أبي مسلم الأصفهاني (٣) . احتجوا بقوله تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (٤) . وقد تقدَّم جوابه (٥) . ص: والسنة المتواترة بمثلها (٦) . الشرح السنة المتواترة بمثلها هو (٧) كالكتاب (٨) بالكتاب لحصول المساواة والتواتر في البابين (٩) : الناسخ والمنسوخ.

стр. 324

ص: والآحاد بمثلها (١) . الشرح [لأنَّا نشترط] (٢) في الناسخ أن يكون مساوياً للمنسوخ أو أقوى (٣) ، والآحاد مساويةٌ للآحاد فيجوز. ص: وبالكتاب والسنة (٤) المتواترة إجماعاً (٥) . الشرح سبب (٦) أن الكتاب والسنة المتواترة ينسخان خبر الواحد، أنَّهما (٧) أقوى منه، والأقوى أولى بالنسخ.

стр. 325

حكم نسخ الكتاب بالآحاد ص: وأما جواز نسخ الكتاب بالآحاد فجائز عقلاً غير واقع سَمْعاً (١) ، خلافاً لبعض أهل الظاهر (٢) والباجي (٣) منا مستدلاً بتحويل القبلة عن بيت (٤) المَقْدِس إلى مكة (٥) .

стр. 326

لنا: أن الكتاب متواتر قَطْعِيٌ (١) فلا يُرْفع بالآحاد المظنونة؛ لتقدُّمِ العلم على الظنِّ (٢) . الشرح [واستدلوا أيضاً بقوله تعالى] (٣) : ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ (٤) الآية نُسِختْ بنهيه ﵊ عن أكْل كُلِّ ذي نابٍ من السِّبَاع* (٥) وهو خبر واحد (٦) . وبقوله تعالى*: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ (٧) نُسِخ ذلك بقوله ﵊: ((لا تنْكَح المرأةُ على عَمَّتِها ولا على خَالَتِها)) (٨) الحديث.

стр. 327

ولأنه دليل شرعي فَيَنْسَخ كسائر الأدلة. ولأنه يخصِّص الكتاب فينسخه؛ لأن النسخ تخصيص في الأزمان (١) . والجواب عن الأول: أن الآية إنما اقتضت التحريم إلى تلك الغاية فلا ينافيها ورود (٢) تحريم بعدها، وإذا لم ينافِها (٣) لا يكون نسخاً (٤) ، لأن من شرط النسخ التنافي (٥) . وعن الثاني: أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال*، فيُحمل العام على حالة عدم القرابة المذكورة (٦) . سلمناه لكنه تخصيص، ونحن نسلمه إنما النزاع في النسخ. وعن الثالث: الفرق، أن تلك الأدلة المتفق عليها مساوية أو أقوى (٧) ، وهذا رجوع (٨) ، فلا يلحق بها. وعن الرابع: أن النسخ إبطال لما اتصف بأنه مراد، فيحتاط فيه أكثر من التخصيص؛ لأنه بيانٌ للمراد فقط. وأما تحويل القبلة فقالوا احتفَّتْ به قرائن وجدها أهل قُبَاء (٩) لما أخبرهم المُخْبر من

стр. 328

ضجيج أهل المدينة (١) ، وغير ذلك (٢) حصل لهم العلم، فلذلك قبلوا تلك الرواية (٣) . سلمنا عدم القرائن لكن ذلك فِعْل بعض الأمة، فليس حجة، ولعله مذهب لهم فإنه مسألة خلاف. حكم نسخ السنة بالكتاب ص: ويجوز نسخ السنة بالكتاب عندنا (٤) خلافاً للشافعي ﵁ وبعض أصحابه (٥) . لنا: نَسْخُ القبلة بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٦)

стр. 329

ولم يكن التوجه لبيت (١) المَقْدِس ثابتاً بالكتاب (٢) عملاً بالاستقراء (٣) . الشرح في كون التوجه لبيت المقدس ليس من القرآن، فيه نظر، من جهة أن القاعدة أن كل بيان لمُجْملٍ يُعدُّ مراداً [من ذلك] (٤) المجمل وكائناً فيه (٥) . والله تعالى قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (٦) ولم يبين صفتها، فبينها ﵊ بفعله لبيت (٧) المقدس [فكان ذلك مراداً بالآية، كما أنَّا نقول في قوله ﵊: ((فيما سَقَت السماءُ العُشْر)) (٨) بيان لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٩) وهو مراد منها،

стр. 330

وكذلك هاهنا، وهو القاعدة: أن كل بيان لمجملٍ يُعدُّ مراداً من ذلك المجمل، فكان التوجه لبيت المَقْدِس] (١) بالقرآن بهذه الطريقة (٢) . حجة الشافعي (٣) ﵁ قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٤) فجعله ﵊ مبيِّناً بالسنة للكتاب المنزل، فلا يكون الكتاب ناسخاً للسنة، لأن الناسخ مبيِّن للمنسوخ، فيكون كل واحد منهما مبيِّناً لصاحبه فيلزم الدَّوْر (٥) . والجواب عنه: أن الكتاب والسنة ليس كل واحد منهما محتاجاً للبيان، ولا وقع فيه النسخ، فأمكن أن يكون بعض الكتاب بياناً لبعض السنة، والبعض الآخر الذي لم يبينه الكتاب [بياناً للكتاب] فلا دور، لأنه لم يوجد شيئان (٦) كل واحد منهما متوقف على الآخر، بل الذي يتوقف عليه من السنة غير متوقف، [والبعض المتوقف عليه من الكتاب غير متوقف (٧) . سلمناه، لكنه معارَض بقوله تعالى في حق الكتاب العزيز: ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٨) ، والسنة شيء، فيكون الكتاب تبياناً لها، فينسخها وهو المطلوب (٩) .

стр. 331

حكم نسخ الكتاب بالسنة المتواترة ص: ويجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة لمساواتها له في الطريق العلمي عند أكثر أصحابنا (١) ، وواقع كنسخ الوصية للوارث (٢) بقوله ﵊: ((لا وصية لوارث)) (٣) (٤) . ونسخ آية (٥) الحبس (٦) في البيوت

стр. 332

بالرجم (١) . وقال الشافعي ﵁: لم يقع، لأن آية الحبس في البيوت نُسِختْ بالجلد (٢) . الشرح واحتجوا أيضاً [على الوقوع] (٣) بقوله ﵊: ((لا وصية لوارث)) (٤) . نَسَخت الوصيةَ للأقربين الذين في الكتاب، وبقوله ﵊: (( لا تُنْكَح المرأة على عَمَّتِها)) (٥) الحديث ناسخ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ﴾ (٦) . وأما قول الشافعي ﵁ إن آية الحبس نُسختْ بالجلد، فذلك يتوقف على تاريخٍ لم يتحقَّقْ، ومن أين لنا أن آية الجلد نزلت بعد آية الحبس؟! بل ظاهر السنة يقتضي خلاف ما قاله، لأنه ﵊ قال: ((خذوا عني قد جعل الله لهنَّ سبيلاً:

стр. 333

الثيِّب بالثيِّب رَجْمٌ بالحجارة والبكْر بالبكْر جَلْدُ مائة جلدة وتَغْريبُ عام)) (١) فظاهره يقتضي أنه (٢) الآن نُسِخ ذلك الحكم (٣) . ويرد على الأول: أن الوصية (٤) جائزة لغير الوارث إذا كان قريباً فدخله (٥) التخصيص، والمُدَّعَى النسخ (٦) . وعلى الثاني (٧) : أنه أيضاً تخصيص دخل في الكتاب لا نسخ؛ لأن بعض ما أحِلَّ حرم ولا تنازع فيه.

стр. 334

حكم نسخ الإجماع والنسخ به ص: والإجماع لا يُنْسخ ولا يُنْسخ به (١) . الشرح هذا نقل " المحصول " (٢) ، وقال " الشيخ سيف الدين " (٣) : كون الإجماع يُنْسخ الحكمُ الثابت به (٤) نفاه الأكثرون وجوَّزه الأقلُّون (٥) ، وكون الإجماع ناسخاً منعه الجمهور (٦) . وجوَّزه بعض المعتزلة وعيسى بن أبَان (٧) .

стр. 335

وبنى الإمام فخر الدين هذه المسألة على قاعدةٍ (١) وهي: أن الإجماع لا ينعقد في زمانه ﵊، لأنه بعض المؤمنين بل سيّدهم، ومتى وُجِد قوله ﵊ فلا عبرة بقول (٢) غيره (٣) ، وإذا لم ينعقد إلا بعد وفاته ﵊ لم يمكن (٤) نَسْخُه بالكتاب والسنة لتعذرهما بعد وفاته ﵊، ولا بالإجماع لأن هذا الإجماع الثاني إن كان لا عن دليل فهو خطأ، وإن كان عن دليل فقد غفل عنه الإجماع الأول فكان خطأً، والإجماع لايكون خطأً (٥) ، فاستحال النسخ بالإجماع (٦) . ولا بالقياس لأن من شرطه أن لا يكون على خلاف الإجماع، فيتعذر (٧) نسخ الإجماع مطلقاً. وأما كون الإجماع ناسخاً فقال (٨) : لا يمكن أن يَنْسَخ كتاباً ولا سنةً؛ لأنه يكون على خلافهما فيكون خطأً، ولا إجماعاً (٩) لأن أحدهما يلزم أن يكون خطأً لمخالفته لدليل الإجماع الآخر، ولا قياساً (١٠) لأن من شرط القياس عدم الإجماع، فإذا أجمعوا على خلاف حكم القياس زال القياس لعدم شرطه (١١) .

стр. 336

وهذه الطريقة مشكلة بسبب أنَّ وجود (١) النبي ﷺ لا يمنع وجود الإجماع، لأنه ﵊ شهد لأمته بالعصمة فقال: ((لا تجتمع أمتي على خطأ)) (٢) وصفة المُضَاف غير المضاف إليه، وهو ﵊ لو شهد لواحدٍ في زمانه ﵊ بالعصمة لم يتوقف ذلك على أن يكون بعده ﵊، فالأمة أولى (٣) . ثم إنه نقض هذه القاعدة بعد ذلك فقال* (٤) : يمكن نسخ القياس في زمانه ﵊ بالإجماع، فصرح بجواز انعقاد الإجماع في زمانه ﵊ (٥) .

стр. 337

وأما سيف الدين فلم يقل ذلك، بل قال: الإجماع الموجود بعد وفاته ﵊ لا ينسخ بنص ولا غيره إلى آخر (١) التقسيم (٢) . وقال أبو الحسين البصري في " المعتمد " (٣) - الموضوع له في أصول الفقه - كما قاله المصنف، ثم قال: إن قيل: أيجوز (٤) أن يُنْسَخ إجماعٌ (٥) وقع في زمانه ﵊؟ قلنا: يجوز، وإنما منعنا (٦) الإجماع بعده أن يُنْسخ، وأما في حياته فالمنسوخ الدليل الذي أجمعوا عليه لا حكمه (٧) . وقال أبو إسحاق: ينعقد الإجماع في زمانه ﵊ (٨) .

стр. 338

وقال ابن بَرْهان في كتاب " الأوسط " (١) : ينعقد الإجماع في زمانه ﵊ (٢) . وجماعةٌ من المصنِّفين وافقوا الإمام فخر الدين على دعواه على ما فيها من الإشكال (٣) . وحجة الجواز لمن خالف (٤) في هذه المسألة، فهي مبنية على أنه يجوز أن ينعقد إجماع بعد إجماعٍ مخالفٍ له، ويكون كلاهما حقاً، ويكون انعقاد الأول مشروطاً بأن لا يطرأ عليه إجماع آخر وهو شذوذ من المذاهب، فبُنِيَ (٥) الشاذ على الشاذ، والكل ممنوع. حكم نسخ الفحوى والنسخ به ص: ويجوز نسخ الفَحْوى (٦) - الذي هو مفهوم الموافقة - تبعاً* للأصل، ومنع أبو الحسين (٧) من نسخه مع بقاء الأصل دفعاً للتناقض بين تحريم التأفيف - مثلاً -

стр. 339

وحِلِّ الضرب (١) . ويجوز النسخ به وفاقاً (٢) لفظيةً كانت دلالته أو قطعيةً على الخلاف. الشرح قال الإمام فخر الدين: اتفقوا على جواز نسخ الأصل والفحوى معاً، وأما نسخ الأصل وحده فإنه يقتضي نسخ الفحوى، [لأن الفحوى تبع. وأما نسخ الفحوى] (٣) مع بقاء الأصل فمنعه أبو الحسين (٤) ، لئلا يَنْتَقِض الغَرَض [في الأصل] (٥) كما تقدَّم في (٦) التأفيف، فتحريمه لنفي العقوق وإباحة الضرب أبلغ في العقوق، فيبطل المقصود من تحريم التأفيف (٧) . وقال سيف الدين (٨) : تَرَدَّد قول القاضي عبد الجبار (٩) في نسخ الفحوى دون

стр. 340

الأصل، فجوزه تارة ورآه من باب التخصيص؛ لأنه نص على الجميع، ثم خصص البعض (١) ، ومنعه مرة للتناقض، ونقْضِ الغرض (٢) . وقولي: ((كانت دلالته لفظيةً أو قطعيةً)) : أريد بالقطعية العقلية (٣) الذي هو القياس، فإن الناس اختلفوا في تحريم الضرب مثلاً في تلك الآية (٤) : هل هو ثابت بالقياس على تحريم التأفيف* بطريق الأولى، أو هو بدلالة اللفظ عليه التزاماً (٥) لا بالقياس (٦) ؟. فإن كانت [دلالته التزاماً] (٧) صحَّ النسخ بها، أو قياساً صحَّ النسخ بها، لأنه (٨) حُكْمٌ [صار مناقضاً] (٩) لحكمٍ متقدِّمٍ (١٠) ، فصحَّ النسخ (١١) به كسائر ما يجوز به النسخ. نعم يشترط في المنسوخ أن يكون مثله في السند أو أخفض رتبة.

стр. 341

حكم نسخ القياس والنسخ به مسألة (١) : قال الإمام فخر الدين في " المحصول " (٢) : نسخ القياس إن كان في حياته ﵊ فلا يمتنع رفعه بالنص وبالإجماع وبالقياس، بأن يَنُصَّ ﵊ في الفرع (٣) بخلاف حكم القياس بعد استقرار التعبُّد بالقياس. وأما بالإجماع فلأنه إذا اختلفت الأمة على قولين قياساً، ثم أجمعوا على أحد القولين، كان إجماعهم رافعاً لحكم القياس المقتضي للقول الآخر. وأما بالقياس فبأن ينصّ في صورةٍ بخلاف ذلك الحكم ويجعله معللاً بعلةٍ موجودةٍ في ذلك الفرع، [وتكون أمارة عِليَّتها] (٤) أقوى من أمارة عِليِّة (٥) الوصف للحكم الأول في الأصل (٦) الأول. وأما بعد وفاته ﵊ فإنه يجوز نسخه في المعنى وإن كان لا يسمى نسخاً في اللفظ (٧) ، كما إذا أفتى المجتهد بالقياس ثم ظفر بالنص أو بالإجماع أو بالقياس المخالف للأول (٨) ، فإن قلنا: ((كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ)) (٩) كان هذا الوُجْدان ناسخاً لقياسه الأول (١٠) ، وإن قلنا: ((المصيب واحد)) لم يكن القياس الأول متعبَّداً به (١١) .

стр. 342

وأما كون القياس ناسخاً فيمتنع في الكتاب والسنة (١) والإجماع، لأن تقدُّمَها يبطله (٢) ، وأما القياس فقد تقدَّم القول فيه (٣) . حكم النسخ بالعقل ص: والعقل يكون ناسخاً في حقِّ مَنْ سَقَطَتْ (٤) رجْلاه فإن الوجوب ساقط عنه، قاله الإمام (٥) . الشرح هذا (٦) ليس نسخاً، فإنَّ بقاء المَحَلِّ شرطٌ، وعدمُ الحكم لعدم سببه أو شرطه أو قيام مانعه ليس بنسخ وإلا كان النسخ واقعاً طول الزمان؛ لطريان (٧) الأسباب وعدمها (٨) .

стр. 343

الفصل الرابع فيما يتوهم (١) أنه ناسخ حكم الزيادة على النص ص: زيادة صلاةٍ على الصلوات أو عبادةٍ على العبادات ليست نسخاً وفاقاً (٢) ،

стр. 344

وإنما جعل أهل العراق (١) الوتر ناسخاً لما فيه من رفع قوله تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ (٢) فإن المحافظة على الوسطى تذهب لصيرورتها غير وسطى. الشرح زيادة الحج على العبادات في آخر الإسلام ليس نسخاً لما تقدَّمه من العبادات، لعدم المنافاة، ومن شرط النسخ التنافي. وأما زيادة الوتر لما اعتقد الحنفية أنه واجب (٣) صارت الصلوات عندهم ستاً، وكلُّ عددِ زوجٍ لا توسُّط فيه، إنما يمكن التوسُّط في عددِ الفرد، كالخمسة اثنان واثنان وواحدٌ بينهما، أما الستة ثلاثة (٤) وثلاثة، [لا يبقى شيء يتوسط] (٥) بينهما، فارتفع الطلب المتعلِّق بالوسطى لزوال الوصف، والطلب لذلك حكم شرعي، فقد ارتفع حكم شرعي، فيكون نسخاً (٦) .

стр. 345

وهذا البحث مبني على أنها سُمِّيت وسطى لتوسُّطها بين عددين، وقيل: لتوسُّطها بين الليل والنهار وهي الصبح، وقيل: لتوسُّطها بين الأعداد الثُّنَائية والرُّبَاعية، وهي (١) الثُّلاثية، فتكون المغرب. وعلى القول الأول تكون العصر، لأن قبلها الصبح والظهر، وبعدها المغرب والعشاء (٢) . حكم الزيادة غير المستقلة على النص ص: والزيادة على العبادة الواحدة (٣) ليست نسخاً عند مالك* ﵀ وعند أكثر أصحابه* والشافعي (٤) ، خلافاً للحنفية (٥) ، وقيل: إن نفت

стр. 346

الزيادة ما دل عليه المفهوم (١) الذي هو دليل الخطاب أو الشرط (٢) كانت (٣) نسخاً وإلا فلا (٤) ، وقيل: إن لم يَجْزِ (٥) الأصلُ بعدها فهي نسخ وإلا فلا (٦) ، فعلى مذهبنا زيادة التغريب (٧) [على الجلد] (٨) ليست نسخاً، وكذلك تقييد الرقبة بالإيمان (٩)

стр. 347

وإباحة قطع السارق في الثانية، والتخيير بين (١) الواجب وغيره، لأن المنع من إقامة الغير مُقَامه عقلي (٢) لا شرعي، وكذلك لو وجب الصوم إلى الشفق (٣) . الشرح حجتنا أن الله تعالى إذا أوجب الصلاة ركعتين ركعتين ثم جعلها أربعاً فإن هذه الزيادة لم تبْطِل وجوب الركعتين الأوليين (٤) ولا تنافيهما، وما لا ينافي (٥) لا يكون نسخاً. فإن قلت: التشهد كان يجب بعد (٦) ركعتين والسلام بآخر (٧) ذلك (٨) ، وبطل ذلك (٩) ، وصار في موضع آخر، وهو بعد الأربع (١٠) ، فقد بطل حكم شرعي فيكون نسخاً.

стр. 348

قلت (١) : لا نسلم أن الله تعالى أوجب السلام عقيب الركعتين لكونهما ركعتين بل أوجبه (٢) آخر الصلاة كيف كانت ثنائيةً أو ثلاثيةً أو رباعيةً ولا مدخل للعدد في إيجاب السلام (٣) ، بل كونه آخر الصلاة فقط، [وكون السلام آخر الصلاة] (٤) لم يبطل، بل هو على حاله [فليس هو بنسخ] (٥) . وهذا السؤال هو مدرك الحنفية (٦) ، واحتجوا أيضاً بأن الركعتين كانتا مجزئتين [والآن هما] (٧) غير مجزئتين، والإجْزَاء (٨) حكم شرعي فقد ارتفع حكم شرعي، فيكون نسخاً (٩) . ولأن إباحة الأفعال بعد الركعتين كانت حاصلة ومع الزيادة بطلت هذه الإباحة والإباحة حكم شرعي ارتفع فيكون نسخاً (١٠) . والجواب عن الأول: أنَّ معنى [قولنا: هما مجزئتان] (١١) ، أنه لم يبقَ شيءٌ آخر يجب على المكلف، وقولنا: لم يجب عليه شيء (١٢) ، إشارة إلى عدم التكليف، وعدم التكليف حكم عقلي لا شرعي [والحكم العقلي رفعه ليس نسخاً، بدليل أن العبادة إذا وجبت (١٣) ابتداء فإن وجوبها رافع للحكم (١٤) العقلي] (١٥) ، وليس ذلك نسخاً إجماعاً.

стр. 349

وعن الثاني: أن إباحة الأفعال (١) بعد الركعتين تابع لكونه ما وجب عليه شيء آخر، وقولنا: ما وجب عليه (٢) إشارة إلى نفي الحكم الشرعي، وبراءة الذمة التي هي حكم عقلي، [والتابع للعقلي عقلي] (٣) ، فلا يكون رفعه نسخاً. ومثال [نفي الزيادة بالشرط، أن يقول صاحب الشرع: إنْ كانت الغنم سائمةً ففيها الزكاة (٤) ، ثم يقول: في الغنم] (٥) مطلقاً الزكاة، فإن هذا العموم ينفي مفهوم الشرط المتقدِّم. ومثال المفهوم، أن يقول: في الغنم السائمة الزكاة، ثم يقول: في الغنم الزكاة، فإن هذا العموم رافعٌ للمفهوم المتقدِّم فيكون نسخاً، فإنه رفع ما هو ثابت بدليلٍ شرعي وهو الشرط* أو المفهوم، وهذا التقرير (٦) مبني على أن النفي (٧) الأصلي قد تقرَّر بمفهوم الشرط ومفهوم الصفة، وأن تقرير (٨) النفي الأصلي حكم شرعي، وليس كذلك، لأن الله تعالى لو قال لا أشرع لكم في هذه السنة حكماً ولا أكلفكم بشيء لم يكن لله تعالى في هذه السنة شريعة عملاً بتنصيصه تعالى على ذلك، مع أنه تعالى قد قرَّر النفي الأصلي، وكذلك لما قرَّر رفع التكليف عن المجنون والنائم وغيرهما

стр. 350

لم يكن ذلك حكماً شرعياً بل إخْبارٌ عن عدم الحكم (١) . والجنوح إلى مفهوم الصفة هو (٢) قول القاضي عبد الجبار، وهو مع تدقيقه قد فاته هذا الموضع (٣) . ومثال ما لا يجزئ بعد الزيادة: أن الصلاة فُرضتْ مَثْنَى مَثْنَى كما جاء في الحديث (٤) ، فلما زيد في صلاة الحضر ركعتان، بقيت الركعتان الأوليان (٥) لا تجزئان (٦) بدون هذه الزيادة. ومثال ما يجزئء منفرداً بعد الزيادة: زيادة التغريب بعد الجلد (٧) ، فإن الإمام لو

стр. 351

اقتصر على الجلد واسْتَفْتى بعد ذلك، فقيل له: لابد من التغريب، فإنه لا يحتاج إلى إعادة الجلد مرةً أخرى، بخلاف المُصلِّي يحتاج إلى إعادة الجميع، ووجه الفرق على هذا المذهب: أن الأصل إذا لم يُجْزيءْ بعد الزيادة اشتدَّ التغيير فكان نسخاً، بخلاف القسم الآخر، التغيير فيه قليل. وأما على أصلنا فهذه (١) الصور كلها ليست نسخاً، أما التغريب فلأنه رافع [لعدم وجوبه] (٢) ، وعدم الوجوب حكم عقلي، [ورفع الحكم العقلي ليس] (٣) نسخاً. وتقييد الرقبة بالإيمان رافع (٤) لعدم لزوم تحصيل الإيمان فيها (٥) ، وذلك حكم عقلي، وإباحة قطع الساق في الثانية (٦) ليست نسخاً، لأنه رافع لعدم الإباحة وهو حكم عقلي فلا يكون نسخاً. فإن قلتَ: الآدميُّ وأجزاؤه محرَّم مطلقاً، وهذا التحريم حكم شرعي فيكون نسخاً [لِمَا رُفِع] (٧) . قلتُ: لنا هاهنا مقامان، أحدهما: أن ندَّعي أن الأصل في الآدمي وغيره عدم الحكم لا تحريم ولا إباحة؛ لأنه الأصل في أجزاء العالم كلها حتى وردت الشرائع،

стр. 352

كما تقرَّر أنه لا حكم للأشياء قبل الشرائع (١) ، فعلى هذا الإباحة رافعة لعدم الحكم لا للتحريم فلا يكون نسخاً. أو نُسلِّم التحريم (٢) ، ونقول حكمه التحريم* بمقتضى آدميَّته وشرفه من غير نظر إلى الجنايات، وهذا التحريم باقٍ، ولا تنافي بين تحريمه (٣) من حيث هو هو (٤) ، وإباحته من جهة الجنايات، كما أن إباحة الميتة من جهة الاضطرار لا تكون نسخاً للتحريم الثابت لها من حيث هي هي، وإنما يحصل التنافي أن لو أبحناه (٥) من حيث هو هو، وأبحنا (٦) الميتة من حيث هي ميتة، وإذا لم يحصل التناقض لا يكون نسخاً [فلا تكون إباحة يده مع الجناية نسخاً] (٧) بل رفعاً (٨) لعدم الحكم، فإن أحكام الجناية لم تكن مرتَّبةً (٩) ، ثم (١٠) صارت مرتَّبةً (١١) .

стр. 353

وكذلك التخيير بين الواجب وغيره ليس نسخاً (١) ؛ لأنه إذا قيل لك: لِمَ لا تتخير بين صلاة الظهر وصدقة درهم؟ تقول (٢) : لأن البدل لم يشرع، فيشير (٣) إلى عدم المشروعية، وعدم المشروعية حكم عقلي، فمتى خُيِّر* بين واجب وغيره فقد رفع عدم مشروعية ذلك البدل فقط. ووجوب الصوم إلى الشفق يرفع عدم الوجوب من المغرب إلى الشفق، فهو حكم عقلي (٤) ، وبهذه التقريرات (٥) يتضح لك ما هو نسخ مما ليس بنسخ، فتأملها. حكم النقص من النص ص: ونقصان العبادة نسخ (٦) لما سقط دون الباقي إن لم يتوقَّفْ (٧) ، وإن توقَّف

стр. 354

قال القاضي عبد الجبار: هو نسخ في الجزء دون الشرط (١) ، واختار الإمام فخر الدين والكَرْخِي (٢) عدم النسخ (٣) . الشرح مثال نسخ مالا تتوقف عليه العبادة: نسخ الزكاة بالنسبة للصلاة، فإنه لا يكون نسخاً (٤) . مثال الجُزْء: ركعة من الصلاة. مثال الشَّرْط: الطهارة مع الصلاة (٥) . لنا: أنَّ إيجاب ذلك كله (٦) يجري مجرى إثبات الحكم للعموم، وكما أن إخراج بعض صور العموم لا يقدح، فكذلك هاهنا (٧) . احتجوا بأن نسخ هذه الركعة مثلاً يقتضي نفي عدم إجْزاء الركعة الباقية، فإنها كانت ما تجزيء ثم صارت تجزيء، ويقتضي رفع وجوب تأخير التشهد إلى بعد الركعة المنسوخة، فإنه ما بقي ذلك بعد النسخ، بل يتعجَّل (٨) التشهد عقيب الباقي بعد

стр. 355

النسخ، وكانت الركعة الباقية (١) تجزيء إذا فعل معها المنسوخة، والآن وجب علينا إخلاء الصلاة منها، والإجْزاء حكم شرعي (٢) . والجواب: أن عدم الإجزاء يرجع إلى إيجاب الركعة الثانية، ونحن قد سلمنا أنه انتسخ (٣) ، إنما نتكلَّم في الركعة الباقية. وأما تأخير التشهد، فالتشهد لم يشرع عقيب ركعتين ولا ركعة بل آخر الصلاة، [وما زال يجب آخر الصلاة] (٤) ، فما حصل نسخ، وكذلك إجْزاء الصلاة مع المنسوخة كان تابعاً لوجوبها، [ونحن نسلم أن وجوبها] (٥) نسخ، إنما النزاع فيما بقي (٦) .
следующие страницы →