← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9879

جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول - رسالة ماجستير

القرافي

Полный текст (780 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

اقتصر على الجلد واسْتَفْتى بعد ذلك، فقيل له: لابد من التغريب، فإنه لا يحتاج إلى إعادة الجلد مرةً أخرى، بخلاف المُصلِّي يحتاج إلى إعادة الجميع، ووجه الفرق على هذا المذهب: أن الأصل إذا لم يُجْزيءْ بعد الزيادة اشتدَّ التغيير فكان نسخاً، بخلاف القسم الآخر، التغيير فيه قليل. وأما على أصلنا فهذه (١) الصور كلها ليست نسخاً، أما التغريب فلأنه رافع [لعدم وجوبه] (٢) ، وعدم الوجوب حكم عقلي، [ورفع الحكم العقلي ليس] (٣) نسخاً. وتقييد الرقبة بالإيمان رافع (٤) لعدم لزوم تحصيل الإيمان فيها (٥) ، وذلك حكم عقلي، وإباحة قطع الساق في الثانية (٦) ليست نسخاً، لأنه رافع لعدم الإباحة وهو حكم عقلي فلا يكون نسخاً. فإن قلتَ: الآدميُّ وأجزاؤه محرَّم مطلقاً، وهذا التحريم حكم شرعي فيكون نسخاً [لِمَا رُفِع] (٧) . قلتُ: لنا هاهنا مقامان، أحدهما: أن ندَّعي أن الأصل في الآدمي وغيره عدم الحكم لا تحريم ولا إباحة؛ لأنه الأصل في أجزاء العالم كلها حتى وردت الشرائع،

стр. 352

كما تقرَّر أنه لا حكم للأشياء قبل الشرائع (١) ، فعلى هذا الإباحة رافعة لعدم الحكم لا للتحريم فلا يكون نسخاً. أو نُسلِّم التحريم (٢) ، ونقول حكمه التحريم* بمقتضى آدميَّته وشرفه من غير نظر إلى الجنايات، وهذا التحريم باقٍ، ولا تنافي بين تحريمه (٣) من حيث هو هو (٤) ، وإباحته من جهة الجنايات، كما أن إباحة الميتة من جهة الاضطرار لا تكون نسخاً للتحريم الثابت لها من حيث هي هي، وإنما يحصل التنافي أن لو أبحناه (٥) من حيث هو هو، وأبحنا (٦) الميتة من حيث هي ميتة، وإذا لم يحصل التناقض لا يكون نسخاً [فلا تكون إباحة يده مع الجناية نسخاً] (٧) بل رفعاً (٨) لعدم الحكم، فإن أحكام الجناية لم تكن مرتَّبةً (٩) ، ثم (١٠) صارت مرتَّبةً (١١) .

стр. 353

وكذلك التخيير بين الواجب وغيره ليس نسخاً (١) ؛ لأنه إذا قيل لك: لِمَ لا تتخير بين صلاة الظهر وصدقة درهم؟ تقول (٢) : لأن البدل لم يشرع، فيشير (٣) إلى عدم المشروعية، وعدم المشروعية حكم عقلي، فمتى خُيِّر* بين واجب وغيره فقد رفع عدم مشروعية ذلك البدل فقط. ووجوب الصوم إلى الشفق يرفع عدم الوجوب من المغرب إلى الشفق، فهو حكم عقلي (٤) ، وبهذه التقريرات (٥) يتضح لك ما هو نسخ مما ليس بنسخ، فتأملها. حكم النقص من النص ص: ونقصان العبادة نسخ (٦) لما سقط دون الباقي إن لم يتوقَّفْ (٧) ، وإن توقَّف

стр. 354

قال القاضي عبد الجبار: هو نسخ في الجزء دون الشرط (١) ، واختار الإمام فخر الدين والكَرْخِي (٢) عدم النسخ (٣) . الشرح مثال نسخ مالا تتوقف عليه العبادة: نسخ الزكاة بالنسبة للصلاة، فإنه لا يكون نسخاً (٤) . مثال الجُزْء: ركعة من الصلاة. مثال الشَّرْط: الطهارة مع الصلاة (٥) . لنا: أنَّ إيجاب ذلك كله (٦) يجري مجرى إثبات الحكم للعموم، وكما أن إخراج بعض صور العموم لا يقدح، فكذلك هاهنا (٧) . احتجوا بأن نسخ هذه الركعة مثلاً يقتضي نفي عدم إجْزاء الركعة الباقية، فإنها كانت ما تجزيء ثم صارت تجزيء، ويقتضي رفع وجوب تأخير التشهد إلى بعد الركعة المنسوخة، فإنه ما بقي ذلك بعد النسخ، بل يتعجَّل (٨) التشهد عقيب الباقي بعد

стр. 355

النسخ، وكانت الركعة الباقية (١) تجزيء إذا فعل معها المنسوخة، والآن وجب علينا إخلاء الصلاة منها، والإجْزاء حكم شرعي (٢) . والجواب: أن عدم الإجزاء يرجع إلى إيجاب الركعة الثانية، ونحن قد سلمنا أنه انتسخ (٣) ، إنما نتكلَّم في الركعة الباقية. وأما تأخير التشهد، فالتشهد لم يشرع عقيب ركعتين ولا ركعة بل آخر الصلاة، [وما زال يجب آخر الصلاة] (٤) ، فما حصل نسخ، وكذلك إجْزاء الصلاة مع المنسوخة كان تابعاً لوجوبها، [ونحن نسلم أن وجوبها] (٥) نسخ، إنما النزاع فيما بقي (٦) .

стр. 356

الفصل الخامس فيما يُعْرف به النسخ ص: يُعْرف بالنصِّ على الرَّفْع (١) أو على ثبوت النقيض أو الضدِّ (٢) ، ويُعْلَم التاريخ (٣) : بالنص على التأخير، أو السَّنَة، أو الغزوة، أو الهجرة، ويُعْلَم نسبة ذلك إلى زمان الحكم، أو برواية من مات قبل رواية الحكم الآخر (٤) . قال القاضي عبد الجبار (٥) : قولُ الصحابي في الخبرين المتواترين هذا قَبْل ذلك مقبول (٦) ، وإن لم يُقْبَل قوله في نسخ (٧) المعلوم (٨) ، كثبوت

стр. 357

الإحْصان (١) بشهادة اثنين بخلاف الرجم وكشهادة النساء في الولادة دون النسب (٢) . وقال الإمام فخر الدين (٣) : قول الصحابي ((هذا منسوخ)) لا يُقْبل؛ لجواز أن يكون اجتهاداً منه، وقال الكَرْخي: إنْ قال ((ذا (٤) نسخ ذاك)) لم يُقْبَل (٥) ، وإنْ قال: ((هذا منسوخ)) قُبل؛ لأنه لم يُخَلِّ للاجتهاد مجالاً فيكون قاطعاً به (٦) ، وضعَّفه الإمام (٧) .

стр. 358

الشرح متى ثبت نقيضُ الشيء أو ضدُّه انتفى، فكان ذلك دليل الرفع. وأما النص على السَّنَة (١) بأن يقول: كان (٢) هذا التحريم سَنَةَ خَمْسٍ، ونعلم (٣) أن الإباحة سَنَةَ سَبْعٍ، فتكون الإباحة ناسخة لتأخُر تاريخها، وإن قال: في غزوة كذا، كان (٤) ذلك كتعيين السَّنَة، فإن الغزوات معلومة السنين، وينظر نسبة ذلك لزمان الحكم فينسخ المتأخر المتقدم، وكذلك إذا قال قبل الهجرة أو بعدها تتبيّن السَّنَة أيضاً. ونظيرُ قولِهِ: [هذا منسوخ فيقبل] (٥) لأنه لم يُخَلِّ للاجتهاد مجالاً قولُهم في الخبر المُرْسَل (٦) : هو أقوى من المُسْند (٧) عند بعضهم (٨) ، لأنه إذا بيَّن (٩) السند ورجاله (١٠) فقد جعل ذلك مجالاً في الاجتهاد في عدالتهم، أما إذا سكت عنه فقد التزمه في ذِمَّتِهِ، فهو أقوى في العدالة ممن لم يلتزم (١١) .

стр. 359

الباب الخامس عشر في الإجماع وفيه خمسة فصول:

стр. 360

الفصل الأول في حقيقته (١) ص: وهو (٢) اتفاق أهل الحلِّ والعَقْد من هذه الأمة في أمرٍ من الأمور (٣) . ونعني بالاتفاق: الاشتراك إما في القول أو (٤) الفعل أو (٥) الاعتقاد. وبأهل الحَلِّ والعَقْدِ: المجتهدين في الأحكام الشرعية (٦) . وبأمرٍ من الأمور:

стр. 361

الشَّرْعِيَّات (١) والعَقْلِيَّات (٢) والعُرْفِيَّات (٣) . الشرح قال إمام الحرمين في " البرهان " (٤) : ((لا أثر للإجماع في العقليات (٥) ، فإن المعتبر فيها الأدلة القاطعة، فإذا انتصبت لم يعارضْها شِقَاقٌ ولم يَعْضُدْها وفَاقٌ، وإنما يعتبر الإجماع في السمعيات)) . ((وإذا أجمعوا على فعلٍ نحو: أكلهم الطعام دلَّ إجماعهم على إباحته، كما يدل أكله ﵊ على الإباحة، ما لم تقم (٦) قرينة دالة على الندب أو (٧) الوجوب)) (٨) . فهذا تفصيل حسن.

стр. 362

قال القاضي عبد الوهاب في " الملخص " (١) : اُخْتُلف في انعقاد الإجماع في العقليات، فقيل: لا يُعْلم بالإجماع عقلي؛ لأن العلوم العقلية (٢) يجب تقديمها على السمعيات التي هي أصل الإجماع. وقال القاضي أبو بكر ﵀ (٣) : ((العقليات قسمان: ما يُخِلُّ الجهلُ به بصحة الإجماع والعلم به كالتوحيد والنبوة ونحوهما، فلا يثبت بالإجماع (٤) ، وإلا جاز ثبوته بالإجماع، كجواز رؤية الله تعالى، وجواز (٥) العفو عن الكبائر، والتعبد بخبر الواحد، والقياس ونحو ذلك)) . (٦) وقال أبو الحسين في " المعتمد " (٧) : ((لا يجوز اتفاقهم على القول والفعل والرضا ويخبرون (٨) عن (٩) الرضا في أنفسهم، فيدل على حسن ما رضوا به، وقد يجمعون (١٠) على ترك القول [وترك] (١١) الفعل فيدل (١٢) على أنه غير واجب، ويجوز أن يكون ما تركوه مندوباً إليه، لأن تركه غير محظور)) . فهذه التفاصيل أولى من التعميم الأول (١٣) وهو قول الإمام فخر الدين في " المحصول " (١٤) .

стр. 363

حكم إجماع الأمم السالفة وقال إمام الحرمين في " البرهان " (١) : ((اختلف الأصوليون في الإجماع في الأمم السالفة هل كان حجة؟ ً (٢) فقيل: لا، وهو من خصائص هذه الأمة (٣) ، وقيل: إجماع كلِّ أمةٍ حجةٌ، ولم يزل ذلك في الملل. وقال القاضي: لست أدري كيف كان (٤) الحال؟)) . قال الإمام (٥) : ((والذي أراه أن أهل الإجماع إن قطعوا بقولهم في كل أمة فهو حجة؛ لاستناده إلى حجةٍ قاطعةٍ، لأن العادة لا تختلف في الأمم، وإن كان المستند مظنوناً فالوجه الوقف)) . قال الشيخ أبو إسحاق في " اللُّمَع " (٦) : ((الأكثرون على أن إجماع غير (٧) هذه الأمة ليس بحجة*. واختار الشيخ أبو إسحاق الإسْفَرَاييني أنه حجة)) (٨) .

стр. 364

فائدة: تقول العرب: جَمَع الرجلُ قومَه وأجْمَع أمْرَه؛ قاله أبو علي (١) في " الإيضاح " (٢) . وتقول: أجْمَع الرجلُ؛ إذا صار ذا جَمْعٍ، مثل: ألْبَنَ إذا صار ذا لَبَنٍ وأتْمَر إذا صار ذا تَمْرٍ (٣) ، فقولنا: أجمع المسلمون على وجوب الصلاة يصحُّ بمعنى: صاروا ذوي جَمْعٍ (٤) ، وبمعنى: أجْمَعوا رأيهم (٥) .

стр. 365

الفصل الثاني في حكمه (١) ص: وهو عند الكَافَّة حجةٌ خلافاً للنَّظَّام (٢) والشيعة (٣) والخوارج (٤) (٥) . لقوله

стр. 366

تعالى ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ﴾ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا (١) وثبوت الوعيد على المخالفة يدل على وجوب المتابعة (٢) . وقوله ﵊*: ((لا تجتمعُ أمتي على خطأ)) (٣) يدل على ذلك. الشرح أيضاً (٤) قوله تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٥) . قال أئمة اللغة (٦) والمفسرون (٧) : الوَسَط الخيار، سمي الخيار وَسَطاً: لتوسُّطه بين طَرَفَي الإفراط والتفريط، وإنما يحسن هذا المدح إذا كانوا على الصواب (٨) .

стр. 367

وقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (١) . وجه التمسك به (٢) : ذِكْرُهم في سياق المدح يدلُّ على أنهم على الصواب، والصواب يجب اتباعه، فيجب اتباعهم. ولأنه تعالى وصفهم بأنهم يأمرون بالمعروف، واللام للعموم، فيأمرون بكل معروفٍ، فلا يفوتهم حقٌّ؛ لأنه من جملة المعروف، ولقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَر﴾ (٣) والمنكر باللام يفيد أنهم ينهون عن كل منكر، فلا يقع الخطأ بينهم (٤) ويُوَافِقُوا عليه، لأنه منكر. والعمدة الكبرى: أن كل نص من هذه النصوص مضمومٌ للاستقراء التام (٥) من نصوص القرآن والسنة وأحوال الصحابة وذلك (٦) يفيد القطع عند المطَّلِع عليه، وأن هذه الأمة معصومة من الخطأ وأن الحق لا يفوتها* فيما تثبته (٧) شرعاً والحق واجب الاتباع، فقولهم واجب الاتباع. احتجوا: بأن اتفاق الجمع العظيم على الكلمة الواحدة مُحالٌ في مجاري العادات، كما أن اتفاقهم على الميل إلى الطعام الواحد في الزمان الواحد محالٌ (٨) .

стр. 368

ولأن الله تعالى نهاهم عن المنكر بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١) ، ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى﴾ (٢) ، ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ﴾ (٣) ، وغير ذلك من النصوص، ولولا أنهم قابلون للمعاصي لما صح نهيهم عن هذه المناكير (٤) (٥) . والجواب عن الأول: أن اتفاقهم في زمن الصحابة ممكن، ولا يكاد يوجد إجماعٌ اليومَ إلا وهو واقع في عصر الصحابة (٦) ﵃، واجتماعهم (٧) حينئذٍ ممكنٌ لعدم انتشار الإسلام في أقطار الأرض. ولأن (٨) مقصودنا أنه حجة إذا وقع، ولم نتعرض للوقوع، فإن لم يقع فلا كلام، وإن وقع كان حجة، هذا هو المقصود (٩) . وعن الثاني: أن الصيغ

стр. 369

العامة موضوعة في لسان العرب لكل واحدٍ واحدٍ (١) . لا للمجموع، فيكون كل واحد منهم (٢) غير معصوم، ولا نزاع في ذلك، إنما النزاع في مجموعهم لا في آحادهم، وقد تقدَّم بَسْطُ هذا في باب العموم (٣) . وأما إمام الحرمين في " البرهان " (٤) . فسلك طريقاً آخر (٥) ، وهو أن إجماعهم على (٦) دليلٍ قاطعٍ أوجب لهم الاجتماع (٧) ، فيكون قولهم حجة قطعاً لذلك القاطع، لا لقولهم (٨) . والجمهور يقولون (٩) بل النصوص شهدت لهم بالعصمة (١٠) ، فلا يقولون إلا حقاً، استندوا لعلمٍ أو ظنٍّ. كما أن الرسول ﵊ معصوم لا ينطق عن الهوى، وما يقوله في التبليغ يجب اعتقاد أنه حق، كان مستنده ظناً أو علماً، فالقطع نشأ عن العصمة لا عن المستند.

стр. 370

حكم إحداث قولٍ ثالثٍ إذا أجمعت الأمة على قولين ص: وعلى (١) منع القول الثالث (٢) . الشرح قال الإمام فخر الدين في " المحصول " (٣) : ((إحداث القول الثالث غير جائز عند الأكثرين. والحق أنه إن لزم منه الخروج عمَّا أجمعوا عليه امتنع وإلا جاز)) . فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: الجواز مطلقاً (٤) ، والمنع مطلقاً (٥) ، والتفصيل (٦) .

стр. 371

احتج المانعون: بأن الأمة أجمعت قبل الثالث على الأخذ [بهذا القول، أو بهذا القول (١) ] (٢) ، فالأخذ بالثالث خارقٌ للإجماع (٣) . ولأن الحق لا يفوت الأمة، فلا يكون الثالث حقاً، وإلا لَمَا فاتهم، فيكون باطلاً قطعاً وهو المطلوب (٤) . ويرد على الأول: أن الإجماع الأول (٥) مشروط بألاَّ يجتمعوا (٦) على أحدهما وقد أجمعوا ففات الشرط. فإن قلت: يلزمك ذلك في القول الواحد إذا أجمعوا عليه، فجاز أن يقال تمتنع (٧) مخالفته بشرط ألاَّ يذهب أحد إلى خلافه. قلتُ: لو كان الأول مشروطاً لما كان هذا مشروطاً، [بسبب أن] (٨) القول الواحد تعيَّنتْ فيه المصلحة، فلا معنى للشرطية، بخلاف القولين لم تتعين المصلحة في أحدهما عَيْناً، ولم يقل بكل واحد منهما إلا بعض الأمة، وبعض الأمة غير معصوم (٩) . وعن الثاني: لا نسلم تعيّن الحق في قول الأمة إلا إذا اتفقت كلها على قول، أما مع الاختلاف فممنوع، فظهر بهذه الأجوبة حجة الجواز. مثال التفصيل: اختلفت الأمة على قولين: هل الجدُّ يقاسم الإخوة أو يكون المال كله له؟ (١٠) . فالقول الثالث: أن الإخوة يحوزون المال كله على خلاف الإجماع،

стр. 372

فالقول الثالث مُبْطِل لما أجمعوا عليه، فيكون باطلاً، لأن الحق لا يفوتهم، هذا قول الإمام فخر الدين وتمثيله (١) . وقال ابن حَزْم (٢) في " المُحلَّى " (٣) : (( إن بعضهم قال: المال كله للإخوة تغليباً للبُنوَّة على الأبوة)) (٤) فلا يصح على هذا ما قاله الإمام من الإجماع (٥) .

стр. 373

حكم الفَصْل فيما أجمعوا على الجَمْع فيه ص: وعدمُ (١) الفَصْل (٢) فيما جمعوه فإن جميع ما خالفهم يكون خطأً لتعيُّن الحق في جهتهم. الشرح قال الإمام فخر الدين: ((إن قالوا لا يُفْصَل (٣) بين المسألتين لم يَجْز الفَصْلُ، وكذلك إن علم أن طريقة الحكم واحدة في المسألتين، وإن لم يكن كذلك فالحق جواز الفرق، وإلا كان من وافق الشافعي في مسألةٍ لدليلٍ يلزمه أن يوافقه في الكل. وإنما لم يَجُز الفصل؛ لأنهم صرحوا بعدمه فيكون عدمه هو الحق، والفصلُ باطلاً (٤) فيمتنع، ومثاله: ذوو الأرحام، اتفقوا على عدم الفصل بينهم، فمن ورَّث العَمَّة ورَّث الخالة بموجِب القرابة والرَّحِم، ومن لم يورِّث العمَّة لم يورِّث الخالة لضعف* القرابة

стр. 374

عن التوريث فلا يجوز لأحدٍ أن يورث العمَّة دون الخالة، ولا الخالة دون العمَّة (١) ، فالطريقة واحدة في المسألتين..)) (٢) . وإن كان المدرك مختلفاً، بأن يقول [أحد الفريقين] (٣) : لا أورِّث الخالة لأنها تُدْلي بالأم، ويقول الآخر: لا أورِّث (٤) العمَّة لبعدها من الأب، جاز (٥) بسبب أن اختلاف المدارك يسوِّغ ذلك، لأنه إذا قال: أورِّث العمة لشائبة الإدلاء بالأب ولا أورِّث الخالة لإدلائها بالأم، وجهة الأمومة ضعيفة. فهذا قد قال بالتوريث في العمَّة، وقد قاله بعض الأمة، فلم يَخْرِق الإجماع، وقال بعدم التوريث في الخالة، وهو قول بعض الأمة، فلم يخرق الإجماع، وكذلك قال باعتبار ما اعتبره من العلة بعضُ الأمة، وبإلغاء ما ألغاه بعض الأمة، فلم يخالف (٦) الإجماع. أما لو كانت الطريقة واحدة كما في التمثيل الأول كان خارقاً (٧) للإجماع باعتبار المدرك، لأن كل من قال باعتبار أحد المدركين قال باعتباره في الجميع، وانعقد الإجماع (٨) على أنه إذا أُلغيت إحدى العلتين بقيت (٩) الأخرى، فالقول بإلغائها في البعض دون اعتبار الآخر خلاف الإجماع.

стр. 375

ومن هاهنا حسن التنظير بالشافعي ﵁، فإن الإنسان إذا وافقه في مسألة لمدركٍ فقد اعتقد صحة ذلك المدرك، فيلزمه أن يتبعه في فروع ذلك المدرك كلها. أما إذا كانت مدارك الشافعي ﵁ مختلفةً (١) كما هو الواقع فلا يلزم من موافقته في مسألة موافقته في جميع المسائل؛ لأن مدرك تلك المسائل غير مدرك تلك المسألة، فكذلك الأمة توافق بعضها في بعض مداركه، ولا توافق في البعض الآخر، فلا جَرَم صحَّ التفريق فيما قالوا فيه بعدم الفصل إذا اختلفت المدارك. قال القاضي عبد الوهاب في " الملخص " (٢) : إن عيَّنوا الحكم وقالوا لا يُفْصَل (٣) حَرُم الفَصْل، وإن لم يُعيِّنوا ولكن أجمعوا عليه مجْملاً فلا يعلم تفصيله إلا بدليلٍ غير الإجماع، فإنْ دل الدليل على أنهم أرادوا مُعيناً تعيَّن أو أرادوا العموم تعيَّن العموم، وإن لم يدل دليل حصل العموم أيضاً، فإنَّ ترك البيان مع الإجمال (٤) دليل التعميم، ومتى كان مدرك أحد الصِّنْفين مختلفاً أو جاز أن يكون مختلفاً جاز التفصيل بين المسألتين. إحداث قول ثالث، والفصْل فيما جمعوا بينهما ص: وإذا اختلف أهل (٥) العصر الأول على قولين [لم يَجُزْ] (٦) لمن بعدهم إحداث قولٍ ثالثٍ عند الأكثرين، وجوزه أهل الظاهر (٧) . وفصَّل الإمام فقال: إنْ لزم منه خلاف ما أجمعوا عليه امتنع وإلا فلا، كما قيل: للجدِّ كل المال، وقيل: يقاسم الأخ، فالقول بجعل المال كلِّه للأخ [مناقض للأول] (٨) . وإذا أجمعت (٩) الأمة

стр. 376

على عدم الفصل بين مسألتين (١) [لا يجوز] (٢) لمن بعدهم الفصل بينهما. الشرح [هذه هي (٣) التي تقدَّمت، وقد (٤) تقدَّم بسطها (٥) ، غير أني قدمتها] (٦) في أول الكلام مجْملةً، ثم ذكرتها مفصَّلة (٧) . والفرق بين قولهم: لا يجوز إحداث القول الثالث، وبين قولهم: لا يجوز الفصل بين مسألتين؛ أن القول الثالث يكون في الفعل الواحد [في ذاتٍ واحدةٍ] (٨) ، كما نقول في سِبَاع الوحوش: قال بعضهم هي حرام (٩) ، وقال بعضهم ليس بحرام (١٠) ، فالقائل (١١) بأن (١٢) بعض السباع حرام وبعضها ليس بحرام خارق للإجماع فيكون باطلاً (١٣) ، وعدم الفصل يكون (١٤) في مسألتين مثل (١٥) توريث ذوي الأرحام [كما

стр. 377

تقدم تقريره] (١) (٢) . حكم الإجماع على أحد القولين بعد الاتفاق على القول بهما ص: ويجوز حصول الاتفاق بعد الاختلاف في العصر الواحد (٣) خلافاً للصيرفي (٤)

стр. 378

(١) . وفي العصر الثاني (٢) لنا (٣) وللشافعية (٤) والحنفية (٥) فيه قولان (٦) مبنيَّان على أن إجماعهم على الخلاف (٧) يقتضي أنه الحق، فيمتنع الاتفاق أو هو مشروط بعدم الاتفاق، وهو الصحيح.

стр. 379

الشرح لنا: أن الصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا في أمر الإمامة ثم اتفقوا عليها (١) ، فدلَّ على ما قلناه. وأما المسألة الثانية: فصورتها أن يكون لأهل (٢) العصر (٣) الأول قولان، ثم يتفق أهل العصر الثاني على أحد ذَيْنِك القولين. لنا: أنَّ هذا القول قد صار قولَ كلِّ (٤) الأمة، لأن أهل العصر الثاني (٥) هم كل الأمة، فالصواب لا يفوتهم فيتعيَّن قولهم هذا (٦) حقاً وما عداه باطلاً (٧) . حجة المخالف: أن أهل العصر الأول قد اتفقوا على جواز الأخذ بكل واحدٍ من القولين بدلاً عن الآخر، فالقول بحصر الحق في [هذا القول] (٨) خلاف الإجماع (٩) . ولقوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١٠) وهذا حكم وقع فيه النزاع في العصر الأول، فوجب رده إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، ولا تنحسم مادة النظر فيه لظاهر الآية (١١) . ولقوله ﵊:

стр. 380

((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) (١) وهذا عام سواء حصل بعدهم إجماع أو لا، ووجب إذا قال قائل بذلك القول المتروك (٢) (٣) أن يكون حقاً لظاهر الحديث (٤) . والجواب عن الأول: أن تجويز الأخذ بكلا القولين مشروط بألاَّ يحدث إجماع. فإن قُلْتَ: يلزمك ذلك في الإجماع على القول الواحد أن يكون مشروطاً بعدم طريان الخلاف. قُلْتُ: قد (٥) تقدَّم الجواب عنه (٦) . وعن الثاني: أن موجب الرد هو التنازع، وقد ذهب بحصول (٧) الاتفاق فينتفي الرد (٨) .

стр. 381

وعن الثالث: لا نسلم أن قوله باقٍ في العصر الثاني بعد الاتفاق حتى يحسن الاقتداء به. مسألة: اشتراط انقراض عصر المجمعين ص: وانقراض العصر (١) ليس شرطاً (٢) - خلافاً لقومٍ من الفقهاء والمتكلمين (٣) - لتجدُّد الولادة كلَّ يومٍ فيتعذَّر الإجماع. الشرح لنا: النصوص الدالة على كون الإجماع حجةً (٤) . ولأن التابعين يولدون في زمن الصحابة، ويصير منهم فقهاء قبل انقراض (٥) عصرهم، فيلزم ألاَّ ينعقد إجماع الصحابة دونهم، ثم عصر التابعين أيضاً كذلك، فتتداخل الأعصار في بعضها، فلا ينعقد إجماع.

стр. 382

احتجوا: بأن الناس ما داموا أحياء فهم في مهلة (١) النظر، فلا يستقرُّ الرأي، فلا ينعقد الإجماع (٢) . ولأن الله تعالى يقول: ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٣) وأنتم تجعلونهم شهداء على أنفسهم (٤) . والجواب عن الأول: أن اتفاق الآراء الآن دل على صحتها عملاً بأدلة الإجماع، فيكون ما عداها باطلاً فلا يفيد الانتقال إليه (٥) . وعن الثاني: أن كون الإنسان شاهداً على غيره لا يمنع من قبول شهادته (٦) على نفسه، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ (٧) ، ثم المراد بهذه الآية الدار الآخرة، والشهادة على الأمم يوم القيامة، فلا تعلُّق لها بما نحن فيه (٨) .

стр. 383

حجية الإجماع السكوتي ص: وإذا حكم بعض الأمة وسكت الباقون (١) فعند الشافعي والإمام ليس بحجة ولا إجماع (٢) . وعند الجُبَّائي (٣) إجماع وحجة بعد انقراض العصر (٤) .

стр. 384

وعند أبي هاشم (١) ليس بإجماع، وهو حجة (٢) . وعند أبي علي بن أبي هريرة (٣) إن كان القائل حاكماً لم يكن إجماعاً ولا حجة، وإن كان غيره فهو إجماع وحجة (٤) . الشرح حجة الأول: أن السكوت قد يكون لأنه في مهلة النظر، أو يعتقد أن (٥) قول خصمه مما يمكن أن يذهب إليه ذاهب، أو يعتقد أن كل مجتهد مصيب، أو هو عنده (٦) منكر ولكن يَعْتقد أن غيره قام بالإنكار عنه، أو يعتقد أن إنكاره لا يفيد، ومع هذه الاحتمالات (٧) لا يقال للساكت موافق للقائل، وهو معنى قول الشافعي ﵁: ((لا يُنْسب إلى ساكتٍ قولٌ)) (٨) وإذا لم يكن إجماعاً لا يكون حجة، لأن قول بعض الأمة ليس بحجة.

стр. 385

حجة الجُبَّائي (١) : أن السكوت ظاهر في الرضا ولاسيما (٢) مع طول المدة، ولذلك (٣) قال ﵊ في البِكْر: ((وإذْنُها صُمَاتُها)) (٤) وإذا كان الساكت موافقاً كان إجماعاً وحجة، عملاً بالأدلة الدالة (٥) على كون الإجماع حجة (٦) . حجة (٧) [أبي هاشم] (٨) : أنه ليس إجماعاً لاحتمال السكوت ما تقدم (٩) من غير الموافقة، وأما أنه حجة فإنه يفيد الظن والظن، حجة لقوله ﵊: ((أمِرْتُ أن أقضي بالظاهر والله يتولَّى السرائر)) (١٠) . وقياساً على

стр. 386

المدارك الظنية (١) . حجة أبي علي (٢) : أن الحاكم يُتْبِعُ أحكامَه ما يَطَّلع عليه من أمور رعيته (٣) ، فربَّما علم في حقهم ما يقتضي عدم سماع دعواه (٤) لأمر باطن يعلمه، وظاهر الحال يقتضي (٥) أنه (٦) مخالفٌ للإجماع، وكذلك في تحليفه وإقراره، وغير ذلك مما انعقد الإجماع على قبوله (٧) ، وأما المفتي فإنما يفتي بناءً على المدارك الشرعية، وهي معلومة عند غيره، فإذا رآه خالفها نبَّهه، وأما أمور الرعية (٨) وخواص أحوالهم فلا يَطّلع عليها إلا من ولي عليهم، فتلجئه الضرورة للكشف عنهم، فلا يشاركه غيره في ذلك، فلا يحسن الإنكار عليه، ثم إنه قد يرى المذهب المرجوح في حق غير هذا الخصم هو

стр. 387

الراجح المتعين في حق هذا الخصم لأمر اطلع عليه، فلا يمكن الاعتراض عليه لهذه الاحتمالات (١) . إذا قال بعض المجتهدين قولاً ولم ينتشر ولم يعلم له مخالف، هل يكون إجماعاً سكوتياً ؟ ص: فإن قال بعض الصحابة قولاً ولم يُعْرف له مخالف (٢) ، قال الإمام (٣) : إن كان مما تَعُمُّ به البلوى (٤) ، ولم ينتشر (٥) ذلك القول فيهم، [ففيه مخالف لم يظهر] (٦) ،

стр. 388

فيجري مَجْرى قول البعض وسكوت البعض، وإنْ كان مما لا تعم به (١) البلوى فليس بإجماعٍ ولا حجةٍ. الشرح إذا كانت الفتوى مما تعم بها البلوى فإنَّ (٢) سببها عامٌّ كدم البراغيث (٣) وطين المطر والفِصَادة (٤) وكونها تَنْقُض الطهارةَ ونحو ذلك (٥) ، فشأن هذه الفتوى (٦) أن تنتشر (٧) بينهم لعموم سببها وشموله لهم، فإذا لم تنتشر (٨) فبعضهم عنده علم تلك الفتوى لوجود سببها في حقه وهو إما موافق لما ظهر أو مخالف له. وقولي: ((فيه مخالف)) : غير هذه العبارة أجود، بل نقول (٩) : ((فيه قائل)) ، أما المخالف فلا يتعيَّن لاحتمال أنه موافق (١٠) . وأما إذا لم تعم به البلوى فيتخرَّج على الإجماع السكوتي، هل هو إجماع وحجة أم

стр. 389

لا؟ (١) . وهذا الذي نقلته هو قول الإمام فخر الدين في " المحصول " (٢) ، ولما كان مذهبه في الإجماع السكوتي أنه ليس إجماعاً ولا حجة، [قال هنا] (٣) كذلك، [وهو يتخرج] (٤) على الخلاف المتقدِّم (٥) . ص: وإذا جوَّزنا الإجماع السكوتي فكثيرٌ ممن لم يَعتبر انقراض العصر في القولي اعتبره في السكوتي (٦) . الشرح سبب الفرق أن الإجماع القولي قد صرَّح كل واحد بما (٧) في نفسه، فلا معنى للانتظار، و [في السكوتي] (٨) احتمال أن يكون الساكت في مهلة النظر (٩) ،

стр. 390

فيُنْتَظر (١) حتى ينقرض العصر، فإذا مات علمنا رضاه. قال الإمام فخر الدين: ((وهذا ضعيف؛ لأن السكوت إن (٢) دل على الرضا دل في الحياة أو لايدل، فلا يدل عند الممات)) (٣) . حكم الإجماع المروي بخبر الآحاد ص: والإجماع المرويُّ بأخبار الآحاد حجة خلافاً لأكثر الناس (٤) ، لأن هذه الإجماعات وإن لم تُفِد العلم (٥) فهي تفيد الظن، والظن (٦) معتبرٌ في الأحكام كالقياس وخبرالواحد (٧) . غير أنَّا لا نكفِّر مخالفها (٨) ، قاله الإمام (٩) .
следующие страницы →