← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9879

جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول - رسالة ماجستير

القرافي

Полный текст (780 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

التواتر (١) ، والقيد الثاني احتراز (٢) عن بقية معجزات الرسول ﵊: كنبع الماء من بين أصابعه (٣) ، وإشباع العدد العظيم من الطعام القليل (٤) ، فإنه حضره الجمع العظيم، غير أن الأمة اكتفت بنقل القرآن وإعجازه عن غيره من المعجزات، فنُقلتْ آحاداً (٥) مع أن شأنها أن تكون متواترة. وأما الأحاديث (٦) فلها حالتان: أول الإسلام قبل أن تُدوَّن وتُضْبط، فهذه الحالة إذا طُلب حديث ولم يوجد ثُمَّ وجد لا يدل على كذبه، فإن (٧) السنة كانت متفرِّقة في الأرض في صدور الحفظة.

стр. 457

والحالة الثانية: بعد الضبط التام وتحصيلها، إذا طُلب حديثٌ فلم يوجد في شيء من دواوين الحديث ولا عند رواته (١) دل ذلك على عدم صحته، غير أنه يشترط استيعاب الاستقراء (٢) بحيث لا يبقى ديوان ولا راوٍ إلا (٣) كُشِف (٤) أمره في جميع [أقطار الأرض] (٥) ، وهو عَسِرٌ أو متعذِّر (٦) . وأما الكشف في البعض فلا يحصل القطع بكذبه لاحتمال أن يكون في البعض الآخر. وقد ذكر أبو حازم (٧) في مجلس هارون الرشيد حديثاً وحضره ابن شهاب الزهري (٨) فقال ابن شهاب: لا أعرف هذا الحديث [فقال له (٩) أبو حازم] (١٠) أكلّ سنةِ رسول الله ﷺ عَرَفْتَه (١١) ؟ فقال: لا، فقال

стр. 458

له (١) : أثُلُثَيْها؟ فقال: لا، فقال له (٢) : أنصفها؟ فسكت، فقال له (٣) : اجعل هذا من (٤) النصف الذي لم (٥) تعرفه (٦) ، [وهذا هو] (٧) ابن شهاب الزهري [شيخ مالك] (٨) ، فما ظنك بغيره؟!

стр. 459

الفصل الخامس في خبر الواحد (١) وهو خبر العَدْلِ (٢) الواحدِ (٣) أو العدولِ المفيد للظن (٤) وهو عند مالك رحمة الله عليه، وعند (٥) أصحابه حجة (٦) . واتفقوا على جواز العمل به (٧) في الدنيويات والفتوى (٨) والشهادات، والخلاف إنما هو في كونه حجة في حق المجتهدين* (٩) ، فالأكثرون على أنه حجة لمبادرة الصحابة رضوان الله عليهم إلى العمل به. الشرح كون خبر الجماعة إذا أفاد الظن يُسمَّى: خبر واحد، هو اصطلاح (١٠) لا لغة (١١) .

стр. 460

وقد تقدَّم أول الباب أن الأخبار ثلاثة أقسام: تواتر، وآحاد، ولا تواتر ولا آحاد وهو: خبر الواحد المنفرد إذا احتفت به القرائن حتى أفاد العلم: وجمهور أهل العلم على أن خبر الواحد حجة عند (١) مالكٍ والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم (٢) . قال القاضي عبد الوهاب في "الملخص" (٣) : "اختلف الناس في جواز التعبد بخبر الواحد، فقال به الفقهاء والأصوليون، وخالف بعض المتكلمين (٤) . "، والقائلون بجواز التعبد (٥) به (٦) اختلفوا في وقوع التعبد به (٧) ، فمنهم من قال: لا يجوز (٨) التعبد به (٩) ، لأنه لم يرد التعبد به بل ورد السمع بالمنع منه، ومنهم من يقول (١٠) : يجوز العمل به إذا عضده غيره ووجد أمر (١١) يقويه. ومنهم من يقول: لا يقبل إلا خبر

стр. 461

اثنين فصاعداً إذا كانا عدلين ضابطين (١) ، قاله الجُبائي (٢) . وحكى المازري وغيره (٣) "أنه (٤) قال (٥) : لا يُقْبل في الأخبار التي تتعلق بالزنا إلا أربعة قياساً للرواية على الشهادة. " (٦) حجة المنع من جواز التعبد به (٧) : أن التكاليف تعتمد تحصيلَ (٨) المصالح* ودفعَ المفاسد وذلك يقتضي أن تكون (٩) المصلحة أو المفسدة معلومة، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن، وهو يجوز خطؤه فيقع المكلف في الجهل والفساد، وهو غير جائز. وهذه الحجة باطلة إما لأنها مبنية على قاعدة الحُسْن والقبح ونحن نمنعها (١٠) ، أو لأن الظن إصابته (١١) غالبة وخطؤه نادر، ومقتضى القواعد أن (١٢) لا [تُتْرك المصالح] (١٣) الغالبة للمفسدة النادرة (١٤) ، فلذلك أقام صاحب الشرع الظن مقام العلم* لغلبة صوابه وندرة خطئه (١٥) .

стр. 462

حجة المنع من الوقوع (١) : قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ (٢) وخبر الواحد لا يوجب علماً فلا يُتَّبع (٣) . وقوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئاً﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿إن يتبعون إلا الظن﴾ (٥) في سياق الذم وذلك يقتضي (٦) تحريم اتباع الظن وهذه النصوص كثيرة (٧) . وجوابها: أن ذلك مخصوص بقواعد الديانات وأصول العبادات القطعيات (٨) ، ويدل على ذلك قوله ﵇ " نحن نقضي بالظاهر والله يتولَّى السرائر" (٩) ، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة﴾ (١٠) فجعل [الله تعالى] (١١) الموجب للتبين (١٢) كونه فاسقاً، فعند عدم الفسق يجب العمل وهو المطلوب، وقوله تعالى (١٣) : ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ (١٤) [أوجب تعالى الحذر] (١٥) بقول الطائفة الخارجة من الفرقة [مع أن] (١٦) الفرقة تصدق

стр. 463

على الثلاثة (١) ، فالخارج منها يكون أقل منها، فإذا وجب الحذر عند قولهم كان قولهم حجة وهو المطلوب، وقياساً على الفتوى والشهادة. ومعنى قولي "اتفقوا على أنه حجة في الدنيويات. " أنه يجوز الاعتماد على قول العدل في الأسفار وارتكاب الأخطار إذا أخْبر أنها مأمونة، وكذلك سقي الأدوية، ومعالجة المرضى وغير ذلك من أمور الدنيا. ويجوز بل يجب الاعتماد على قول المفتي وإن كان قوله لا يفيد عند المستفتي إلا الظن، ولذلك (٢) أجمعت (٣) الأمة على أن الحاكم يجب عليه أن يحكم بقول (٤) الشاهدين، وإن (٥) لم يحصل عنده إلا الظن، وإنما الخلاف إذا اجتهد العلماء في الأحكام المتعلقة بالفتاوى هل يجوز للمجتهد الاعتماد على ذلك؟ شروط قبول خبر الآحاد المتعلِّقة بالراوي ويشترط في المخبر (٦) العقلُ والتكليفُ (٧) ، وإن كان تحمُّل الصبي صحيحاً، والإسلامُ، والضبْطُ (٨) واخْتُلف في المبتدعة إذا

стр. 464

كفرناهم (١) ، فعند القاضي أبي بكر (٢) مِنَّا والقاضي عبد الجبار (٣) لا تقبل روايتهم، وفصَّل الإمام فخر الدين (٤) وأبوالحسين (٥) بين من يبيح الكذب وغيره. والعدالةُ (٦) ، والصحابة رضوان الله عليهم عُدُول إلا عند قيام المعارض. الشرح حكم رواية الصبي أما العقل فلأنه أصل الضبط (٧) ، والتكليف هو الوازع عن الكذب، فمَنْ لا تكليف عليه هو آمن من عذاب الله تعالى في كذبه فيُقْدِم عليه، ولا يحصل الوثوق به، وتحمُّل (٨) الصبي جائز؛ لأنه إنما يقبل أداؤه (٩) وروايته بعد بلوغه وحصول التكليف (١٠) الوازع (١١) في حقه (١٢) . وكذلك تحمَّل الفاسق والكافر، ويؤدون إذا زالت هذه النقائص (١٣)

стр. 465

عنهم (١) ، فإنَّ من حَصَل له العلم بشيء (٢) جاز له الإخبار عنه [ولا تضرُّه الحالة المقارنة لحصول العلم] (٣) . ونقل في مذهب الشافعي (٤) ﵁ قول (٥) بجواز رواية الصبي، وهو منكر من حيث النظر والقواعد بخلاف التّحمُّل (٦) ، وما زال الصحابة رضوان الله عليهم يسمعون رواية العدول [فيما تحمَّلوه] (٧) في حالة الكفر (٨) والصبا (٩) وذلك غير قادح، وكذلك الشهادة لا يقدح فيها أن وقت التحمُّل كان عدواً أو صبياً أو كافراً أو فاسقاً إذا سَلِمتْ حالة الأداء عن ذلك، فكذلك هاهنا. حكم رواية الكافر وأما الكافر الذي هو من غير أهل القبلة (١٠) فلا تقبل روايته في الدين، وإن كان أبو حنيفة ﵁ قَبِل شهادة أهل الذمة (١١) في الوصية وعلى بعضهم لقوله تعالى:

стр. 466

﴿أو آخران من غيركم (١) ﴾ ، فالجمهور يقولون من غير تلك القبيلة، وأبو حنيفة يقول من غير دينكم، والمسألة مُسْتَقْصَاة في الفقه والخلاف (٢) . حكم رواية المبتدع وأما المبتدعة فقد قَبِل البخاري (٣) وغيره روايتهم كعَمْرو بن عُبيد (٤) وغيره من المعتزلة

стр. 467

وغيرهم (١) ، نظراً إلى أنهم من أهل القبلة من حيث الجملة، وردَّها غيرُهم لأنهم إما كفرة أو فسقة (٢) ، وهو مذهب مالك (٣) ﵀ لقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة﴾ (٤) وهؤلاء إما فسقة أو كفرة (٥) . اشتراط العدالة في الراوي والعدالةُ شَرْطٌ: لقوله تعالى: ﴿ذوى عدل منكم﴾ (٦) مع قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (٧) فهذا مطلق وذاك مقيد، والمطلق يحمل

стр. 468

على المقيد. ولقوله تعالى في الآية الأخرى ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾ (١) وإذا اشْتُرِطتْ العدالة في الشهادة المتعلقة بأمر جزئي لا يتعداه الحكم المشهود به فأولى الرواية، لأنها (٢) تُثْبتُ حكماً عاماً على الخلق إلى يوم القيامة، ولأن الدليل ينفي العمل بالظن خالفناه في حق العدل (٣) ، فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل. ولقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ (٤) دل على عدم قبول قول الفاسق فلابد من العلم بعدم الفسق حتى يتغيَّر حكم التوقف (٥) وذلك هو ثبوت العدالة، وهو المطلوب. تعريف الصحابي وعدالته ومعنى قول العلماء: "الصحابة رضوان الله عليهم عدول (٦) " أي: الذين كانوا ملازمين له والمهتدين بهديه ﵊، وهذا هو أحد التفاسير للصحابة (٧) . وقيل: الصحابة من رآه ولو مرةً، وقيل: من كان في زمانه (٨) ، وهذان القسمان

стр. 469

لا تلزم فيهما العدالة مطلقاً، بل فيهم العَدْل وغيره، بخلاف الملازمين له ﵇، وفَاضَتْ عليهم (١) أنواره، وظهرتْ فيهم بركاته وآثاره، وهو المراد بقوله ﵇ "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (٢) . وقولي: "عند قيام المعارض": حَذَراً (٣) من زنا مَاعِزٍ (٤) والغَامِدِيَّة (٥) وغير ذلك مما

стр. 470

جرى في زمن عمر في قصة أبي بَكَرة (١) وما (٢) فيها من القذف والجلد؛ القصة المشهورة (٣) ، فمع (٤) قيام أسباب الردِّ لا تثبت العدالة، غير أنها هي (٥) الأصلُ فيهم من غيرِ عصمةٍ (٦) ، وغيرُهم الأصلُ

стр. 471

فيه (١) عدُم العدالة (٢) [حتى تثبت العدالة] (٣) عملاً بالغالب في الفريقين. تعريف العدالة والعدالة (٤) : اجتنابُ الكبائرِ وبعضِ الصغائر والاصرارِ عليها (٥) والمباحاتِ القادحةِ في المروءة. الشرح الكبيرة والصغيرة يرجعان (٦) إلى كِبَر (٧) المفسدة

стр. 472

وصغرها (١) ، وقال بعض العلماء (٢) : لا (٣) يقال في معصية الله تعالى صغيرةٌ نظراً إلى من عُصِى (٤) بها مع حصول الاتفاق على أن العدالة لا تذهب بجميع الذنوب، بل الخلاف في التسمية. قال بعض العلماء*: كل معصية فيها حَدٌّ فهي كبيرة، وكذلك [كلُّ ما] (٥) ورد في الكتاب أو السنة لعنةُ فاعله أو التشديدُ في الوعيد عليه فهو (٦) كبيرة ثم ما وقع من غير ذلك اعتبر بالنسبة إليه، فإن ساواه في المفسدة حُكِم بأنه كبيرة (٧) ، ووردت السنة

стр. 473

بأن القُبْلَةَ أو النَّظْرة في الأجنبية صغيرة (١) ، فيُنْظر أيضاً ما ساواهما (٢) فهو صغيرة. وأما الإصرار فيُخْرج الصغيرة عن [أن تكون] (٣) صغيرة، ولذلك يقال: "لا صغيرة مع إصرار*، ولا كبيرة مع استغفار" (٤) . والإصرار أن يكون العزم حاصلاً على معاودة مثل (٥) تلك المعصية، أما من تقع (٦) منه الصغيرة فيقلع عنها ويتوب ثم يواقعها من غير عَزْمٍ (٧) سابقٍ على تكرار الفعل فليس بإصرار.

стр. 474

فائدة (١) : ما ضابط الإصرار الذي يُصيِّر (٢) الصغيرةَ (٣) كبيرةً؟ قال بعض العلماء (٤) : [حد ذلك] (٥) أن يتكرر منه تكراراً (٦) يُخِلُّ بالثقة (٧) بصدقه كما تُخِلُّ (٨) به ملابسة الكبيرة، فمتى وصل إلى هذه الغاية صارت الصغيرة كبيرة، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص واختلاف (٩) الأحوال، والنظر في ذلك لأهل الاعتبار والنظر الصحيح من الحُكَّام وعلماء الأحكام الناظرين في التجريح (١٠) والتعديل. والمباحات القادحة في المروءة (١١) : نحو الأكل في الطرقات، والتعرِّي في الخلوات ونحو ذلك مما يدل على أنه غير مكترث باستهزاء الناس به. قال* الغزالي (١٢) : إلا أن يكون (١٣) ممن يعمل ذلك على سبيل كسر النفس وإلزامها التواضع كما يفعله كثير من العباد.

стр. 475

وقولي "بعض الصغائر": معناه أن من الصغائر ما لا يكون فيه إلا مجرد المعصية (١) كالكِذْبة التي لا يتعلق بها ضرر، والنظر لغير ذات مَحْرم، ومنها (٢) ما يكون دالاً على الاستهزاء بالدين أو (٣) المروءة كما لو قَبَّل امرأة في الطريق أو أمسك (٤) فرجها بحضرة الناس (٥) غير مُكْتَرِث بهم، فهذه أفعال من لا يوثق بدينه ولا مروءته، فلا تأمنه في (٦) الشهادة على الكذب فيها. فائدة (٧) : (٨) ما تقدَّم من أن الكبيرة تَتَبْع عِظَم المفسدة، فما لا تعظم مفسدته لا يكون كبيرة، استثنى صاحب الشرع من ذلك أشياء حقيرةَ المفسدة، وجعلها مسقطة للعدالة موجبة للفسوق (٩) لقبح ذلك الباب (١٠) في نفسه لا لعظم المفسدة، وذلك (١١) كشهادة الزور فإنها فسوق (١٢) مطلقاً وإن كان (١٣) لم يُتْلِف بها (١٤) على المشهود عليه إلا (١٥) فَلْساً واحداً (١٦) ، ومقتضى القاعدة (١٧) : أنها لا تكون كبيرة إلا إذا عظمت

стр. 476

مفسدتها، وكذلك السرقة والغصب لقبح هذه الأبواب في أنفسها، ومما يدل على التفرقة بين أسباب الفسوق وغيرها قوله تعالى: ﴿وكرَّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ (١) فرَّق تعالى بين الكفر والفسوق الذي هو الكبائر، [والعصيان الذي هو الصغائر] (٢) التي ليست فسوقاً (٣) . حكم رواية الفاسق ثم الفاسق (٤) إن كان فسقه مظنوناً قُبلتْ روايته بالاتفاق (٥) ، وإن كان

стр. 477

مقطوعاً به قبل الشافعي رواية أرباب الأهواء إلا الخَطَّابِيَّة (١) من الرافضة لتجويزهم الكذب لموافقة مذهبهم (٢) ، ومنع القاضي أبوبكر من قبولها (٣) . واختلف العلماء في شارب النبيذ من غير سُكْر (٤) ، فقال الشافعي أحُدُّه وأقْبَلُ شهادته (٥) بناءً على أن فِسْقه مظنونٌ وقال مالك: أحُدُّه ولا أقْبَلُ شهادته (٦) ، كأنه قطع بفسقه. الشرح معنى (٧) ((الفسق المظنون الذي تقبل معه الرواية)) : أن يكون هو يعتقد أنه على (٨)

стр. 478

صواب لمستندٍ حصل له، ونحن نظن بطلان ذلك المستند (١) ولا نقطع ببطلانه، فهو في حكم الفاسق لولا ذلك المستند، أما لو ظننا فسقه ببيِّنةٍ شَهِدتْ بارتكابه أسبابَ الفسوق فليس هو (٢) من هذا القبيل، بل تُردُّ روايته. ومعنى ((أن أرباب الأهواء مقطوع بفسقهم)) أي: خالفوا قطعياً (٣) ، وهم يعتقدون أنهم على صواب. والقسم الأول خالف ظناً فقط. حجة الشافعي (٤) : أنه من أهل القبلة فنقبل (٥) روايتهم كما نورِّثهم ونَرِثهم ونُجْرِي (٦) عليهم أحكام الإسلام. حجة القاضي: أن مخالفتهم القواطع (٧) تقتضي القطع بفسقهم، فيندرجون في قوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ (٨) . ولأن قبول (٩) روايتهم ترويج (١٠) لبدعتهم فيحرم (١١) . وأما شارب النبيذ (١٢) : فالأمر فيه مبني على قاعدتين؛ إحداهما: أن الزواجر تعتمد المفاسد ودرأها لا حصول العصيان (١٣) ، ولذلك (١٤) نؤلم (١٥) الصبيان والبهائم

стр. 479

استصلاحاً لهم وإن لم يكونوا عصاة، فكذلك (١) يقام الحدُّ على الحنفى لدرء (٢) مفسدة السُّكْر وفساد العقل والتسبب له وإن لم يكن عاصياً لتقليده أبا حنيفة، فهذه القاعدة هي الموجبة لحدِّه وقبول (٣) شهادته، ولا تَنَاقُض حينئذٍ [لأن الزواجرَ] (٤) لدرء المفسدة، وقبولَ الشهادة لعدم المعصية (٥) . ويَرِدُ على الشافعي في هذه القاعدة (٦) أنها وإن كانت صحيحة غير أنَّا لم نجدها إلا في (٧) الزواجر التي ليست محدودة (٨) ، أما المحدودة (٩) فما عهدناها في الشرع إلا في المعاصي (١٠) . القاعدة الثانية: وهي أن قضاء القاضي يُنْقَض (١١) إذا خالف أحد أربعة أشياء: الإجماع أو النص الجلي (١٢) أو القياس الجلي أو القواعد (١٣) .

стр. 480

[فمتى خالف إحدى (١) ] (٢) هذه (٣) الأربعة قضاءُ قاضٍ لا لمعارض له (٤) في القياس أو النص أو القواعد نُقَض، هذا هو (٥) مدار الفتاوى في المذاهب (٦) المعمول بها، وإذا كنا لا نقرِّه شرعاً مع تأكده بقضاء القاضي وبنقضه، فأولى أن لا نقره شرعاً إن لم يتأكد، وإذا لم نقِّره شرعاً لم يجز التقليد فيه، ويكون الناطق به من المجتهدين كأنه ساكت لم يقل شيئاً، والمقلد لذلك المجتهد كأنه لم يقلد أحداً، ومن (٧) لم يكن مقلداً في شرب النبيذ كان عاصياً، والعاصي بمثل هذه الفِعْلة يكون فاسقاً؛ فلهذه القاعدة قال مالك: أحُدُّه للمعصية، وأردُّ شهادته لفسقه (٨) ، وهو أوجه في النظر من قول الشافعي، لما تقدم من الإشكال على قول الشافعي، ومسألة النبيذ خولف فيها النصوص كقوله ﵇: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" (٩) ونحوه (١٠) ، وهو كثير في السنة، والقياس الجلي على الخمر، والقواعد من جهة أن القاعدة سد الذريعة في صون العقول لانعقاد الاجماع على تحريم النقطة من الخمر وإن كانت لا تُسْكِر سداً [لذريعة الإسكار] (١١) .

стр. 481

حكم رواية المجهول: وقال أبوحنيفة (١) : يُقْبل قولُ المجهول (٢) . الشرح خالفه الجمهور في ذلك لقوله ﵇ "يَحْمِل هذا العلمَ من كلِّ خَلَفٍ عُدُوْلُه" (٣) .

стр. 482

وهو (١) صيغته (٢) صيغةُ الخبر ومعناه الأمر، تقديره (٣) : لِيَحْملْ هذا العلم [من كل خَلَفٍ عُدولُه] (٤) . فلولا أن العدالة شرط (٥) لبطلتْ (٦) حكمة (٧) هذا الأمر فإن العدل وغيره سواء حينئذٍ. احتج أبوحنيفة: بقوله تعالى (٨) : ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبتوا﴾ (٩) . أوجب الله تعالى التثبت عند وجود الفسق، فعند عدم* الفسق وجب أن لا يجب التثبت، فيجوز العمل وهو المطلوب. ولقوله (١٠) تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ (١١) .

стр. 483

أوجب الحذر عند قولهم ولم يشترط العدالة، فوجب جواز (١) قبول (٢) قول (٣) المجهول. ولأن (٤) أعرابياً جاء يشهد (٥) عند رسول الله ﷺ بالهلال فقبل شهادته وأمر الناس بالصوم (٦) . وإذا جاز ذلك في الشهادة جاز في الرواية بطريق الأولى؛ لأن الشهادة يشترط فيها ما لا يشترط في الرواية من الذكورية (٧) والحرية والعدد وغير ذلك (٨) . والجواب عن الأول: أنا إذا علمنا زوال الفسق ثبتت (٩) العدالة؛ لأنهما ضدَّان لا ثالث لهما، متى عُلم نفي (١٠) أحدهما ثبت الآخر. وعن الثاني: أن الطائفة مطلقةٌ في الآية فتُحمل على ما تقدَّم من تقييد السنة بقوله ﵇ ". يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله". وعن الثالث: أن القصة محتملة من حيث اللفظ، وليس في الحديث أنه كان مجهولاً ولا معلوماً (١١) ، غير أن قضايا الأعيان تتنزل (١٢) على القواعد،

стр. 484

وقاعدة الشهادة العدالة (١) ، ولو نُقِل عن بعض قُضَاة الزمان أنه حكم بقول رجلٍ ولم يذكر صفته حُمِل على أنه ثبتتْ (٢) عنده عدالته [فرسول الله ﷺ أولى] (٣) لاسيما وهو يقول: "إذا شهد ذَوَا عَدْل فصوموا وأفطروا وانْسُكوا" (٤) فتصريحه (٥) ﵇ بالعدالة يأبى قبول شهادة المجهول. طرق معرفة العدالة وتثبت العدالة إما بالاختبار أو بالتزكية (٦) واختلف الناس* في اشتراط العدد (٧) في التزكية والتجريح (٨) فشَرَطَه بعض المحدثين (٩) في التزكية والتجريح

стр. 485

في (١) الرواية والشهادة. واشترطه القاضي أبو بكر (٢) في تزكية الشهادة (٣) فقط (٤) واختاره الإمام فخر الدين (٥) . إبداء أسباب الجرح والتعديل: وقال الشافعي (٦) : يشترط إبداء سبب التجريح دون التعديل (٧) لاختلاف المذاهب، والعدالة شيء واحد، وعكس* قوم (٨) لوقوع الاكتفاء بالظاهر في العدالة

стр. 486

دون التجريح، ونفى ذلك القاضي أبو بكر فيهما (١) . الشرح الاختبار: كالمعاملة (٢) والمخالطة (٣) التي تطلَّع على خبايا النفوس ودسائسها، والتزكية: ثناء العدول* المبرِّزين عليه بصفات العدالة على ما تقرَّر في كتب (٤) الفقه (٥) . وتُعلم العدالة أيضاً بغير هاتين الطريقتين وهي السُّمْعة (٦) الجميلة المتواترة (٧) أو المستفيضة، ولذلك نقطع بعدالة أقوام من العلماء والصلحاء من سلف هذه الأمة ولم نختبرهم (٨) ، بل بالسماع المتواتر أو المستفيض، فهذا كافٍ وقد نصَّ الفقهاء على أن (٩) من عُرِف بالعدالة لا تطلب (١٠) له تزكية (١١) .

стр. 487

حجة اشتراط العدد في الجميع: أن التجريح والتعديل [صفتان فيحتاجان] (١) إلى عَدْلين فصاعداً كالترشد والتسفيه والكفاءة وغيرها. حجة القاضي أبي بكر: أن الرواية يكفي فيها الواحد على الصحيح فأصلها كذلك، والشهادة لا يكفي فيها الواحد، فلا يكفي في أصلها (٢) الواحد تسويةً بين البابين والفروع والأصول (٣) ، وأما إبداء أسباب التجريح و (٤) التعديل (٥) فالفقه (٦) فيه أن المُجرِّح والمُعدِّل إذا كان (٧) عالماً مبرزاً (٨) اكتفى الحاكم بعلمه عن سؤاله، فإن العالم لا يجرِّح إلا بما لو صرَّح به للحاكم (٩) كان جرحاً، وكذلك التعديل. وأما اختلاف المذاهب (١٠) : فالعالم المُتْقِن لا يجرح بأمرٍ مُخْتَلف فيه يمكن أن يصح التقليد فيه، ولا يُفسِّق بذلك إلا جاهل، فما من مذهب إلا وفيه أمور ينكرها أهل المذهب الآخر، ولا سبيل إلى التفسيق بذلك، وإلا لفسَّقتْ كلُّ طائفةٍ الطائفةَ (١١) الأخرى، فتفْسُق جميع الأمة، وهو خلاف الاجماع، بل كل من قلَّد تقليداً صحيحاً فهو مطيع لله تعالى، وإن كان غيره من المذاهب يخالفه (١٢) في ذلك.

стр. 488

وأما الاكتفاء بالظاهر (١) ؛ فهو (٢) شأن الجهلةِ (٣) الأغبياءِ (٤) الضعفاءِ الحزم (٥) والعزم ومثل هؤلاء لا ينبغي للحاكم الاعتماد على قولهم في التزكية. وكل من كان يغلب عليه حسْنُ الظن بالناس لا ينبغي أن يكون مزكِّياً ولا حاكماً لبعده من الحزم (٦) . وقد قال ﷺ "الحزْمُ سوءُ الظن" (٧) فمن ضيع سوء

стр. 489

الظن (١) فقد ضيَّع الحزم (٢) ، نعم (٣) لا ينبغي أن يبني على سوء ظنه شيئاً إلا لمستند شرعي، وهو معنى قوله تعالى "اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم" (٤) أي: اجتنبوا العمل به حتى يثبت بطريق شرعي (٥) . فالحقُّ مذهبُ القاضي. تعارض الجرح والتعديل ويُقدَّم الجرح على التعديل (٦) إلا أن يَجْرَحه (٧) بقتل إنسانٍ، فيقول المعدِّل: رأيْتُهُ حيّاً. وقيل: يُقدَّم المعدِّل إن (٨) زاد عدده. الشرح إنما قُدِّم الجرح (٩) لأن الجارح مطَّلع على ما لم (١٠) يطَّلعْ عليه المُعدِّل؛ [لأن المعدِّل] (١١) مدركه استصحاب الحال، والمطَّلعُ على الرافع للاستصحاب (١٢) مقدَّمٌ على

стр. 490

المتمسِّك بالاستصحاب. أما إذا (١) جَرَحه بقتل من شُهِد بحياته فلا يمكن أن يقال اطَّلع الجارحُ على ما ذَهَل عنه المعدِّل فيحصل التعارض (٢) والتوقف (٣) ، وليس أحدهما أولى من الآخر فتُسْتصحِب الحالةَ السابقة المتقرِّرة من غير هاتين البيِّنتين، وكأنَّ هاتين البينتين ما وجدتنا. ووجه تقديم (٤) العدد الأكثر: أن الكثرة تقوِّي الظن والعمل بأقوى الظنين واجب كما في الأمارتين والحديثين وغيرهما.

стр. 491

الفصل السادس في مستند الراوي (١) [فأعلى مراتبه] (٢) أن يَعْلم (٣) قراءته على شيخه أو (٤) إخباره به (٥) (٦) و (٧) يتفكر (٨) ألفاظ قراءته. وثانيها: أن يَعْلم قراءة (٩) جميع الكتاب ولا يَذْكُر الألفاظ ولا الوقت. وثالثها: أن يشكَّ في سماعه فلا يجوز (١٠) له روايته (١١) بخلاف الأوَّلين (١٢) .

стр. 492

ورابعها: أن يعتمد على خطه (١) فيجوز عند الشافعي وأبي يوسف (٢) ومحمد (٣) خلافاً لأبي حنيفة (٤) . الشرح إذا عَلِم قراءة جميع الكتاب (٥) ولا يَذْكُر نطقه به (٦) فهو جازم بروايته عن (٧) شيخه من حيث الجملة، فيجوز العمل بما رواه لحصول الثقة بذلك، كما أن (٨) مَنْ يَقْطع بأنه رأى مسألة في كتاب ولا يتذكر (٩) صورة حروفها يجوز له (١٠) الاعتماد على ما جزم به

стр. 493

من ذلك بخلاف الشَّاكِّ (١) لا مستند له، لا علمٌ ولا ظنٌّ. وأما الاعتماد على الخط فهي مسألةٌ ذاتُ (٢) ثلاثةِ أقوال: اعتبره مالك في الرواية والشهادة بناءً على الإنسان قد (٣) يقطع بصور الحروف وأنها لم تُبدَّل بقرائن حالية عنده لتلك الحروف لا (٤) يمكن التعبير* (٥) عن تلك القرائن، كما أن المُنْتَقِد للفضة والذهب يَقْطع [بجيِّدهما ورديئهما] (٦) بقرائن في (٧) تلك الأعيان لا يمكنه أن يعبر عنها. وقيل: لا يعتمد على الخطِّ مطلقاً؛ لقوة احتمال التزْوير، ومن استقرأ أحوال المزوِّرين للخطوط علم أن وضع مثل (٨) الخط ليس من البعيد المتعذِّر بل من القريب، حتى روى بعض المصنفين في مذهب مالك [أن مالكاً] (٩) رجع عن الشهادة على الخطِّ (١٠) . وفصّل الشافعي بين الرواية فتجوز؛ لأن الداعية (١١) في التزوير فيها ضعيفة، لأنها لا تتعلق بشخص معين، وبين الشهادة (١٢) فيمتنع، لأنها تتعلق (١٣) بمعين وهو مظنة العداوة، ولا يتصور أن يعادي أحدٌ الأمةَ إلى [قيام الساعة] (١٤) ، ولأن الشهادة إنما تقع غالباً في

стр. 494

الأموال النفيسة، وما (١) هو متعلِّق بالأغراض (٢) من الأمور الخطرة (٣) فتتوفر (٤) الدواعي على التزوير فيها لتحصيلها بمقتضى الطباع البشرية (٥) .

стр. 495

الفصل السابع في عدده (١) والواحد عندنا وعند جمهور الفقهاء يكفي خلافاً للجُبَّائي (٢) في اشتراط (٣) اثنين (٤) أو يعضد الواحدَ ظاهرٌ (٥) أو عملُ بعض الصحابة أو اجتهادٌ (٦) أو يكون منتشراً فيهم، ولم يقبل في الزنا إلا أربعة. لنا أن الصحابة رضوان الله عليهم قبلوا خبر عائشة ﵂ في التقاء الختانين (٧) وحدها وهو مما تعم به البلوى. الشرح احتج الجُبَّائي بأن رسول الله (٨) ﷺ لما سلم من اثنين قال له ذو اليدين (٩) : أقَصُرتْ الصلاة أم نسِيْتَ يا رسول الله؟ فقال: ((كلُّ ذلك لم يكن. فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فقال ﵇ للصحابة "أحقٌّ ما يقول ذو اليدين؟ "
следующие страницы →