← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9879

جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول - رسالة ماجستير

القرافي

Полный текст (780 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الفصل السادس في مستند الراوي (١) [فأعلى مراتبه] (٢) أن يَعْلم (٣) قراءته على شيخه أو (٤) إخباره به (٥) (٦) و (٧) يتفكر (٨) ألفاظ قراءته. وثانيها: أن يَعْلم قراءة (٩) جميع الكتاب ولا يَذْكُر الألفاظ ولا الوقت. وثالثها: أن يشكَّ في سماعه فلا يجوز (١٠) له روايته (١١) بخلاف الأوَّلين (١٢) .

стр. 492

ورابعها: أن يعتمد على خطه (١) فيجوز عند الشافعي وأبي يوسف (٢) ومحمد (٣) خلافاً لأبي حنيفة (٤) . الشرح إذا عَلِم قراءة جميع الكتاب (٥) ولا يَذْكُر نطقه به (٦) فهو جازم بروايته عن (٧) شيخه من حيث الجملة، فيجوز العمل بما رواه لحصول الثقة بذلك، كما أن (٨) مَنْ يَقْطع بأنه رأى مسألة في كتاب ولا يتذكر (٩) صورة حروفها يجوز له (١٠) الاعتماد على ما جزم به

стр. 493

من ذلك بخلاف الشَّاكِّ (١) لا مستند له، لا علمٌ ولا ظنٌّ. وأما الاعتماد على الخط فهي مسألةٌ ذاتُ (٢) ثلاثةِ أقوال: اعتبره مالك في الرواية والشهادة بناءً على الإنسان قد (٣) يقطع بصور الحروف وأنها لم تُبدَّل بقرائن حالية عنده لتلك الحروف لا (٤) يمكن التعبير* (٥) عن تلك القرائن، كما أن المُنْتَقِد للفضة والذهب يَقْطع [بجيِّدهما ورديئهما] (٦) بقرائن في (٧) تلك الأعيان لا يمكنه أن يعبر عنها. وقيل: لا يعتمد على الخطِّ مطلقاً؛ لقوة احتمال التزْوير، ومن استقرأ أحوال المزوِّرين للخطوط علم أن وضع مثل (٨) الخط ليس من البعيد المتعذِّر بل من القريب، حتى روى بعض المصنفين في مذهب مالك [أن مالكاً] (٩) رجع عن الشهادة على الخطِّ (١٠) . وفصّل الشافعي بين الرواية فتجوز؛ لأن الداعية (١١) في التزوير فيها ضعيفة، لأنها لا تتعلق بشخص معين، وبين الشهادة (١٢) فيمتنع، لأنها تتعلق (١٣) بمعين وهو مظنة العداوة، ولا يتصور أن يعادي أحدٌ الأمةَ إلى [قيام الساعة] (١٤) ، ولأن الشهادة إنما تقع غالباً في

стр. 494

الأموال النفيسة، وما (١) هو متعلِّق بالأغراض (٢) من الأمور الخطرة (٣) فتتوفر (٤) الدواعي على التزوير فيها لتحصيلها بمقتضى الطباع البشرية (٥) .

стр. 495

الفصل السابع في عدده (١) والواحد عندنا وعند جمهور الفقهاء يكفي خلافاً للجُبَّائي (٢) في اشتراط (٣) اثنين (٤) أو يعضد الواحدَ ظاهرٌ (٥) أو عملُ بعض الصحابة أو اجتهادٌ (٦) أو يكون منتشراً فيهم، ولم يقبل في الزنا إلا أربعة. لنا أن الصحابة رضوان الله عليهم قبلوا خبر عائشة ﵂ في التقاء الختانين (٧) وحدها وهو مما تعم به البلوى. الشرح احتج الجُبَّائي بأن رسول الله (٨) ﷺ لما سلم من اثنين قال له ذو اليدين (٩) : أقَصُرتْ الصلاة أم نسِيْتَ يا رسول الله؟ فقال: ((كلُّ ذلك لم يكن. فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فقال ﵇ للصحابة "أحقٌّ ما يقول ذو اليدين؟ "

стр. 496

فقالوا: نعم (١) فلم يقبل ﵇ قول ذي (٢) اليدين وحده، ولأن عمر ﵁ لم يقبل خبر أبي موسى الأشعري وحده في الاستئذان (٣) ، ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعاً (٤) ، ولأن النصوص مانعة من العمل بالظن كما تقدَّم بيانها (٥) خالفناه في العدد إذا أجبروا فيبقى فيما عداه (٦) على مقتضى الدليل (٧) . والجواب عن الأول: أنا نقول بخبر المنفرد ما لم تحصل (٨) فيه رِيْبةٌ وتلك واقعة عظيمة في جمع عظيم فلو لم يخبر بها غير ذي اليدين لكان ذلك ريبة توجب الرد، فسأل رسول الله ﷺ لزوال الريبة، لا لأن العدد شرط. وكذلك (٩) لم يَردَّ عمر ﵁ الخبر إلا لحصول الريبة بسبب أن الاستئذان أمر يتكرر فلو لم يعرفه إلا واحد لكان ذلك ريبة توجب (١٠) الرد.

стр. 497

وعن الثالث: أن ظواهر تلك النصوص مخصوصة بعمل الصحابة رضوان الله عليهم لقبولهم خبر عائشة المتقدِّم وخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجِزْيَة من المجوس (١) لمَّا روى لهم قوله ﵇ "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهل الكتاب" (٢) .

стр. 498

الفصل الثامن فيما اخْتُلِف (١) فيه من الشروط (٢) قال الحنفية: إذا لم يَقْبَل راوي الأصلِ الحديث لا تُقْبل روايةُ الفرع، قال الإمام: إن جزم* كل واحد منهما لم يُقْبل وإلا عُمِل بالراجح (٣) ، وقال أكثر أصحابنا والشافعية والحنفية: إذا شكَّ الأصل في الحديث لا يضر ذلك، خلافاً للكرخي (٤) .

стр. 499

الشرح حجة الحنفية: أن اعتبارَ الفرعِ، فرعُ اعتبار الأصل، والأصل أنكر أن يكون الفرع روى عنه فلا يقبل الفرع، كما لو قال الأصل في الشهادة: لم أعلم هذه الشهادة، أو أجْزِمُ بعدم تحمُّلِها، فإن الشهادة لا تقبل. قال الإمام فخر الدين (١) : إذا لم يجزم بعدمه بل قال: لا أذْكُر أنه رواه عني قُبِلتْ رواية الفرع، لأن عدالته تقتضي (٢) صدقه، وعدم علم الأصل لا ينافي صدقه (٣) ، فالمُثْبت مقدَّم على النافي، وإن جزم الأصل بعدم الرواية ولم يجزم الفرع بل قال: الظاهر أني رويته، قدم الأصل لجزمه، وإن جزم كل واحد منهما: هذا بالرواية وهذا بعدمها حصل التوقف، إذ ليس أحدهما أولى من الآخر. ووجه قول أصحابنا: أنه يقبل في شك الأصل أن عدالة الفرع تمنعه الكذب، والشك من الأصل لا يعارض اليقين. هل يشترط في الراوي الفقه ؟ والمنقول عن مالك ﵀ أن الراوي إذا لم يكن فقيهاً فإنه كان يَتْرك روايته* (٤) ووافقه أبوحنيفة (٥) ، وخالفه الإمام فخر الدين وجماعة (٦) .

стр. 500

الشرح حجة مالك: أن غير الفقيه يسوء فهمه فيفهم الحديث على خلاف وضعه، وربما خطر له أن ينقله بالمعنى الذي فهمه مُعْرِضاً عن اللفظ (١) ، فيقع الخلل في مقصود الشارع، فالحزم (٢) أن لا يُروى عن غير فقيه، [ولقوله ﷺ "نضَّر الله امْرءاً سمع مقالتي فأداها كما سمعها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه، ورُبَّ حاملِ فقهٍ (إلى من) ليس بفقيه" (٣) فجعل الحامل إما فقيهاً وغيره أفقه منه أو غيره جاهلاً (٤) ، ولم يجعل من جملة الأقسام أن الحامل جاهل] (٥) .

стр. 501

حجة الجواز: قوله ﵇ "يحمل هذا العلم من كلِّ خَلَفٍ عُدولُه" (١) ولم يشترط الفقه، فكان ساقطاً عن الاعتبار، ولأن العدالة تمنع من تبديل اللفظ إلا بشروطه، ومتى كان هذا هو لفظَ صاحب الشرع أو بدلَ لفظِه بشروطه، أمِنَّا الخَلَل فإن من شرط تبديل اللفظ مساواتَه في الدلالة. أمور لا تقدح في الراوي: قال الإمام (٢) : ولا يُخِلُّ بالراوي تساهُله في غير الحديث، ولا جهلُه بالعربية، ولا الجهلُ بنسبه، ولا مخالفةُ (٣) أكثر الأمة لروايته، وقد اتفقوا على أن (٤) مخالفةَ الحُفَّاظ (٥) لا تمنع من القبول، ولا كونُه على خلاف الكتاب، خلافاً لعيسى بن أبَان (٦) . الشرح المقصود ضبط الشرائع فالتساهل في غيرها لا يضرُّ، إذا عُلم ضبطه وتشديده (٧) في الحديث (٨) .

стр. 502

وإذا جَهِل العربيةَ فعدالته تمنعه أن يروى الحديث (١) إلا كما سمع وعلى إعرابه (٢) وصورته، وأنه متى شكَّ في شيء تركه. [هذا كله أثر العدالة وهي موجودة] (٣) فيُكْتفَى بها (٤) . والجهل بنسبه إنما يتوقع منه التدليس به (٥) ، وتركيبه على نَسَبٍ آخر [فيقع التدليس] (٦) ، ولكنْ هذا أمرٌ يتعلق بالراوي عنه الذي يُدلّس به، أما هو فلا (٧) . ومخالفة الأكثر [لروايته أو الحفاظ] (٨) لا تقدح (٩) ؛ لأنه قد ينفرد بما لم يطَّلعوا عليه (١٠) . حجة عيسى بن أبان (١١) : ما روى عن رسول الله ﷺ أنه قال "إذا رُوي لكم عني

стр. 503

حديثٌ فاعْرِضُوه على كتاب الله فإن وافقه (١) فاقبلوه وإن خالفه فردُّوه" (٢) . جوابه: أنه مُعارَضٌ بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٣) ومن البيان التخصيص، والمخصِّص (٤) ، مخالف للعام المخصَّص، فكان يلزم (٥) ردُّه (٦) وليس كذلك لظاهر الآية، ولأن ظاهر الحديث يقتضي ردَّه (٧) وإن كان متواتراً وليس كذلك، بل يُحمل الحديث على ما إذا دلَّت قواطع الكتاب على نقيض مقتضاه مع تعذُّر التأويل (٨) . هل العبرة في الراوي بما رأى أم بما روى ؟ ولا كونُ مذهبه على خلاف روايته وهو مذهب أكثر* أصحابنا (٩) ،

стр. 504

وفيه أربعة مذاهب، قال الحنفية (١) : إن خصصه رُجِع إلى مذهب الراوي لأنه أعلم (٢) . وقال الكرخي (٣) : ظاهر الخبر أولى. وقال الشافعي (٤) : إن خالف ظاهرَ الحديث رُجِع إلى الحديث، وإن كان (٥) أحدُ الاحتمالين (٦) . رجع إليه (٧) . وقال القاضي عبد الجبار (٨) : إن كان تأويله (٩) على خلاف الضرورة ترك (١٠) وإلا وجب النظر في ذلك. الشرح هذه المسألة عندي ينبغي أن تُخصَّص (١١) ببعض الرواة، فتحمل على الراوي المباشر للنقل عن رسول الله ﷺ ، حتى يحسن أن يقال هو أعلم بمراد المتكلم، أما مثل (١٢) مالك

стр. 505

و (١) مخالفتِه لحديث بيع الخيار (٢) الذي رواه (٣) وغيره من الأحاديث فلا يندرج في هذه المسألة، لأنه لم يباشر المتكلّمَ حتى يحسن أن يقال فيه لعله شاهد من القرائن الحالية أو المقالية ما (٤) يقتضي مخالفته، فلا تكون المسألة على عمومها (٥) . حجة الاعتماد على الحديث مطلقاً: أن الحجة في لفظ صاحب الشرع لا في مذهب الراوي فوجب المصير إلى الحديث. حجة الحنفية: أن (٦) المباشر يُحصِّل من القرائن ما يقتضي تخصيص العام، فيُرجع إليه في التخصيص، كما يُرجع إليه في أصل الحديث. حجة الشافعي: أن الحديث إذا كان له ظاهر رُجع إليه، لأن الحجة في ظواهر (٧) الشريعة لا في مذاهب (٨) الرواة، أما إذا لم يكن له ظاهر فقد سقطت الحجة منه فيعتمد على تفسير الراوي، لأنه أعلم بحال المتكلم ولم يعارضْه ظاهر شرعي، وهذا كاللفظ

стр. 506

المشترك (١) ، كما إذا (٢) قال رسول الله ﷺ : اعتدِّي بقرء وقرء وقرءة فحمله الراوي على الأطهار صحَّ ذلك (٣) . وأما مذهب القاضي عبد الجبار فقد حكى خلافاً وذلك عَسِرٌ؛ لأن ما هو على خلاف الضرورة كيف يمكن أحداً (٤) أن يقول هو معتبر؟! فكأنه تفسير لا خلاف (٥) . وأما قوله: ((نظر في ذلك)) ، فهو خلافٌ لمن جَزَم بتقديم الخبر أو (٦) المذهب، ووجهه: أنه موضعُ تَعَارُضٍ لما تقدَّم من المدارك المتعارضة، فينظر في كل مادة ما يقتضي ترجيح بعض ذلك (٧) [على بعض] (٨) . حكم قبول الخبر في مسائل الاعتقاد وإذا ورد الخبر في مسألة علمية (٩) وليس في الأدلة القطعية ما يَعْضُده رُدَّ؛

стр. 507

لأن الظن لا يكفي في القطعيات وإلا قُبِل (١) . الشرح مسائل أصول الدين المطلوب فيها اليقين وهو المكلف به فيها عند الجمهور، فإذا ورد ما يفيد الظن وفي الأدلة العقلية ما يقتضي ذلك المطلب بعينه حصل المقصود بذلك القطعي (٢) وبقى السَّمْعي مؤكِّداً (٣) له ومؤنِّساً؛ فإن اليقين بما ورد فيه السمع والعقل

стр. 508

[أشد] (١) بخلاف العقل وحده (٢) ، وإن لم يكن غيره رُدَّ لعدم الفائدة فيه، لأن ما يفيده ذلك الخبر لا يعتبر، والذي هو معتبر لا يفيده ذلك الخبر، فيسقط (٣) اعتباره. حكم الخبر فيما تعمُّ به البلوى وإنْ اقتضى عملاً تعمُّ به البلوى (٤) قُبِل عند المالكية (٥) والشافعية (٦) ، خلافاً للحنفية (٧) . لنا حديث عائشة المتقدِّم في التقاء الختانين (٨) الشرح قالت الحنفية: ما تعم به البلوى شأنه أن يكون معلوماً عند الكافة، لوجود سببه عندهم، فيحتاج كلٌّ منهم لمعرفة حكمه، فيسأل عنه ويُروَى الحديث فيه، فلو كان فيه حكم لعلمه الكافَّة، فحيث [لم يعلمه الجمهور] (٩) دلَّ ذلك (١٠) على بطلانه.

стр. 509

وقد نقضوا أصلهم بأحاديث قبلوها فيما تعم به البلوى، فأثبتوا الوضوء من القهقهة (١) والفِصَادة (٢) والحِجَامة (٣) (٤) أخبار آحاد، مع [أن هذه الأمور] (٥) مما تعم بها (٦) البلوى، وكذلك الوضوء من القيء والرعاف (٧) ونحو ذلك*. واحتجوا أيضاً (٨) بقوله تعالى: ﴿إن الظن لا يغني من الحق شيئاً﴾ (٩) خالفناه في قبول خبر الواحد إذا لم تعم به البلوى، فيبقى على مقتضى الدليل فيما عداه،

стр. 510

وهو معارَضٌ بقوله تعالى: س ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ (١) ومقتضاه الجزم بالعمل عند عدم الفسق كان فيما تعم به (٢) البلوى أم لا

стр. 511

الفصل التاسع في كيفية الرواية (١) مراتب رواية الصحابي ص: إذا قال الصحابي: سمعت النبي ﷺ أو أخبرني أو شافهني فهذا أعلى المراتب (٢) . وثانيها: أن يقول: قال ﵇ (٣) . وثالثها: [أن يقول] (٤) أمَر (٥) بكذا أو نَهَى عن كذا، فهذا (٦) كله محمول عند المالكية (٧) على أمره ﵇، خلافاً لقوم (٨) .

стр. 512

الشرح الفرق بين قال وما قبلها، أن قوله: ((قال)) يصدق مع الواسطة وإن لم يُشَافَهْ، كما يقول أحدنا اليوم: قال النبي ﵇، [وإن كان لم يسمعه] (١) ، ولا شك أن اللفظ الدال على المشافهة أنَصُّ (٢) في المقصود وأبعد عن الخلل المتوقع من الوسائط. ودون ذلك أمر أو نهى؛ لأنه يدخله احتمالُ الوسائط وتوقُّعُ الخلل من قِبَلها مضافاً إلى الخلل الحاصل من اختلاف الناس في صيغتي (٣) الأمر والنهي، هل هما للطلب الجازم أو (٤) لا؟ (٥) واحتمال آخر وهو أن ذلك الأمر للكل أو للبعض (٦) وهل (٧) دائماً أو غير دائم (٨) ؟ وقولي: ((إنه محمول عند المالكية على أمره ﵇) : أريد إذا لم يُذْكر النبي ﷺ في الأمر، بل يقول الراوي: أمر بكذا أو أمرنا بكذا، فان (٩) اللفظ يحتمل أن فاعل هذا الأمر هو النبي ﷺ أو غيره (١٠) ، لكن العادة أن من له رئيس معظّم فقال أمر بكذا أو

стр. 513

أمرنا بكذا، إنما يريد أمر رئيسه، ولا يفهم عنه إلا ذلك، ورسول الله ﷺ هو عظيم الصحابة ومرجعهم والمشار إليه في أقوالهم وأفعالهم. فتنصرف إطلاقاتهم إليه ﷺ ، أما مع تعيين الفاعل للأمر فلا يبقى هنالك احتمال ألبتَّة (١) . حجة غير المالكية: أن الفاعل إذا حذف احتمل (٢) النبي ﷺ وغيره، فلا نثبت شرعاً بالشك*. وجوابه: ظاهر الحال صارف للنبي ﷺ كما تقدَّم تقريره. ص: ورابعها: أن يقول: أُمِرْنا بكذا أو نُهِيْنا عن كذا (٣) ، فعندنا (٤) وعند الشافعي (٥) يحمل على أمره ونهيه (٦) ﷺ ، خلافاً للكرخي (٧) . وخامسها: أن يقول: السنة كذا، فعندنا يحمل على سنته ﵇* خلافاً لقوم (٨) .

стр. 514

الشرح قد [تقدم تقرير] (١) أمرنا ونهينا (٢) . وأما السنة فأصلها في اللغة: الطريقة (٣) ، ومنه سنن الطريق (٤) الذي يُمْشَى (٥) فيه، غير أنها في عرف الاستعمال صارت موضوعة لطريقته (٦) ﵇ في الشريعة، فمن رجَّح اللغة توقَّفَ لعدم تعين ذلك النوع من السنة التي تقتضيها اللغة (٧) ، ومن لاحظ النقل (٨) حمله على الشريعة. وللعلماء خلاف في لفظ السنة، فمنهم من يقول: السنة هو المندوب (٩) ولذلك تُذْكر قُبَالة الفرض، فيقال فروض الصلاة كذا (١٠) [وسننها كذا] (١١) ، ومنهم من يقول: السنة ما ثبت من قبله (١٢) ﵇ بقول (١٣) أو فعل [غير القرآن] (١٤) كان واجباً أو سنةً (١٥) ، فيقال من السنة كذا، ويريد أنه وجب (١٦) بالسنة، ولذلك يقول الشافعي الختان

стр. 515

من السنة وهو عنده واجب (١) ، ومنهم من يقول: السنة ما فعله ﵇ وواظب عليه (٢) . ص: وسادسها: أن يقول عن النبي ﵇، فقيل: يُحمل على سماعه هو، وقيل: لا. الشرح يحتمل أن يكون المراد رَوَى عن النبي، فلا يلزم أن يكون هو سامعاً، أو يكون المراد أخذْتُ (٣) عن النبي ﷺ أو نقلتُ [عن النبي ﷺ ] (٤) فيكون هو السامع (٥) ، فاللفظة (٦) محتملة (٧) ، فمنهم من غلَّب ظاهر حال (٨) الصحابي، [وأن الغالب عليه أن يكون] (٩) هو

стр. 516

السامع فجَعَله (١) مباشراً، أو ينظر إلى احتمال اللفظ فلا تتعين المباشرة (٢) . ص: وسابعها: كُنَّا نفعل كذا، وهو يقتضي كونه شرعاً (٣) . الشرح لأن مقصود (٤) الصحابي أن يخبرنا بما يكون شرعاً بسبب أنهم كانوا يفعلون ذلك، وأن الغالب اطلاعه ﵇ على ذلك وتقريره عليه (٥) ، وذلك يقتضي الشرعية (٦) ،

стр. 517

وأيضاً فالصحابة رضوان الله عليهم يقتضي حالهم أنهم لا يُقِرُّون بين أظهرهم إلا ما يكون شرعاً، فيكون ذلك شرعاً. مراتب رواية غير الصحابي ص: وأما غير الصحابي: فأعلى مراتبه أن يقول: حدَّثني أو أخْبَرني [أو سمعتُه (١) ، وللسامع منه أن يقول حدثني أو أخبرني أو سمعته يحدّث عن فلان، إن قصد إسماعه خاصةً أو في جماعة، وإلا فيقول] (٢) : سمعته يحدث (٣) . الشرح إذا حدَّث جماعةً هو أحدُهم صَدَق لغةً أن يقول: حدثني وأخبرني، وأما إذا لم يقصِدْ إسماعَه ولا إسماع جماعةٍ هو فيهم لا يصْدُق أنه حدَّثه ولا أخبره، بل يصدق أنه سمع فقط، فإن سماعه (٤) لا يتوقف على [قصد إسماعه] (٥) . ص: وثانيها (٦) : أن يقول له (٧) : أسمعت هذا من فلان؟ فيقول (٨) : نعم، أو يقول (٩) بعد الفراغ (١٠) : الأمر كما قُرِيء (١١) ، فالحكم مثل الأول في وجوب العمل ورواية

стр. 518

السامع (١) . الشرح لأن لفظة ((نعم)) في لغة العرب تقتضي إعادة الكلام الأول وتقريره، فإذا قلْتَ لغيرك: أقام زيد؟ فيقول: نعم، تقديره: نعم قام زيد، فإذا قيل له: أسمعت هذا؟ فقال (٢) : نعم؛ [تقديره: نعم] (٣) سمعته. وقوله الأمر كما قُرِيء المراد بالأمر مسموعه وما ضَبَطه، تقديره الذي سمعْتُه وضبطْتُه (٤) مثلُ الذي قُرِيء، فيكون عين المسموع له، لأنا (٥) لا نعني بعينه إلا ذلك، فإن اللفظ إذا أعيد بعينه كان الثاني مثل الأول قطعاً، وكلما كرَّر الإنسان (٦) الفاتحة كانت أصواته الثانية مِثْلَ أصواته الأولى (٧) لا عَيْنَها، بل هي أمثالٌ تُكَرَّرُ.

стр. 519

ص: وثالثها: أن يكتب (١) إلى غيره سماعه (٢) ، فللمكتوب إليه [أن يعمل بكتابه] (٣) إذا تحقّقه أو ظنه (٤) ، ولا يقول: سمعتُ ولا حدثني (٥) ، ويقول: أخبرني (٦) . الشرح قد تقدَّم أن (٧) الاعتماد على الخط والكتابة جوَّزه في الرواية كثيرٌ ممن منعه في الشهادة، وتقدَّم الفرق بينهما، وتوجيهُ الخلاف في ذلك (٨) ، وكونُ المكتوب إليه يقول: ((أخبرني)) معناه: أعلمني، والإعلام والإخبار يصدق لغةً (٩) بالرسائل (١٠) ، وفي التحقيق

стр. 520

هو مجاز لغوي حقيقة اصطلاحية (١) ، فإن الإخبار لغةً إنما هو في اللفظ، وتسمية الكتابة (٢) إخباراً أو خَبَراً؛ لأنها تدل على ما يدل عليه الإخبار، والحروف الكتابية موضوعة للدلالة على الحروف اللسانية، فلذلك سميت خبراً أو إخباراً من باب تسمية الدليل باسم المدلول. ص: ورابعها: أن يقال له: هل سمعْتَ هذا (٣) ، فيشير برأسه أو بأصبعه، فيجب العمل به (٤) ، ولا يقول المشار إليه: أخبرني ولا حدثني ولا سمعته (٥) . الشرح هذه الإشارة قائمة في اللغة والعُرْف مقام قوله: نعم، فتفيد غلبة الظن أنه معتقِدٌ صحةَ ما قيل له، والعمل بالظن واجب في [هذا الباب] (٦) ، ولا تسمى هذه الإشارة خبراً ولا إخباراً ولا حديثاً، ولا هي شيء يسمع (٧) ، فلا يقول: سمعته (٨) ،

стр. 521

ويُحْتاج (١) في هذا المقام إلى الفرق بينها وبين الكتابة، فإنَّ كليهما فعل، وكلاهما لا يصدق عليه الإخبار حقيقةً لغويةً، فيقع الفرق من وجهين (٢) ، أحدهما: أن الكتابة أمسُّ بالإخبار في كثرة الاستعمال، فلما اطَّرد* ذلك صار كأنه موضوع للإخبار، والإشارة أقل من الكتابة في ذلك، وتداولُ المُكاتَبات بين الناس أكثر من تداول الإشارات (٣) ، ولذلك امتلأت الخزائن من الكتب، والدول من الدواوين كلها بطريق الكتابة. وثانيهما في الفرق: أن الكتابة فيها وضع اصطلاحي بخلاف الإشارة. ص: وخامسها: أن يقرأ عليه، فلا ينكره* بإشارة ولا عبارة، ولا يعترف، فإن غلب على الظن اعترافهُ لزم العمل (٤) ، وعامة الفقهاء جوّزوا روايته، وأنكرها (٥) المتكلمون، وقال بعض المحدثين: ليس له أن يقول إلا أخبرني قراءة عليه (٦) . وكذلك الخلاف لو قال القاريء للراوي بعد قراءة الحديث: أأرويه (٧) عنك؟ فقال: نعم، وهو السادس (٨) ، وفي مثل هذا اصطلاحُ المحدِّثين (٩) وهو من مجاز

стр. 522

التشبيه (١) (٢) ، شُبِّه (٣) السكوت بالإخبار (٤) . الشرح إذا غلب على (٥) الظن اعترافه لزم العمل به؛ لأن العمل بالظن واجب، غير أن هاهنا إشكالاً (٦) : وهو أن مطلق الظن كيف كان لم يعتبره صاحب الشرع، بل [ظنٌ خاصٌّ] (٧) [عند سببٍ خاصٍّ] (٨) ، فما ضابط هذا الظن الحاصل (٩) هاهنا؟. فإن قلنا: يكفي مطلق الظن ضَعُف من حيث القواعد، وإن قلنا: المطلوب ظن خاص ضعف ضبطه (١٠) . ووجه تجويز الرواية أمران، أحدهما: قياساً على العمل به (١١) ، وثانيهما: أن الظن حصل باعترافه فتجوز الرواية، كما لو قال: نعم.

стр. 523

حجة المنع: أن الرواية هي التحمُّل والنقل، وهو لم يأذن في شيء فيتحمَّل عنه، والتحمل بغير سماع ولا ما يقوم مقام السماع لا يجوز (١) . وقوله: ((أخبرني قراءةً عليه)) : معناه أن إخباره لم يكن بإسماعي (٢) لفظاً (٣) [من قِبَله] (٤) ، لأنه ساكت بل إخباري قراءةً عليه، فكأنه فسَّر* الإخبار بأنه قرأ عليه، فإن ((قراءةً)) منصوب على التمييز والتمييز مُفسِّر (٥) . وأما قوله: ((نعم)) فهو أقوى من الأول لوجود التصريح بالجواب من حيث الجملة (٦) . ص: وسابعها: إذا قال له: حدِّثْ عني ما في هذا الكتاب، ولم يقل له (٧) : سمعتُه، فإنه لا يكون محدِّثاً له به، وإنما أذِن له في التحديث (٨) عنه (٩) .

стр. 524

وثامنها: الإجازة (١) تقتضي أن الشيخ أباح له أن يحدث به، وذلك إباحة للكذب، ولكنه في عُرْف المحدثين (٢) معناه: أن ما صحَّ عندك أني سمعته فارْوه عني. [والعمل عندنا (٣) بالإجازة جائزٌ (٤) خلافاً لأهل الظاهر (٥) في اشتراطهم المناولة، وكذلك إذا كتب إليه أن الكتاب الفلاني رويتُه فارْوه عني إن (٦) صح عندك، فإذا صح عنده جازت له الرواية، وكذلك إذا قال له مشافهةً: ما صح عندك من حديثي فارْوه عني] (٧) .

стр. 525

الشرح إيضاح للمرتبة السابعة وحكمها لا يمكنه أن يسند الرواية إلى رسول الله ﷺ إذا لم يقل له (١) : سمعْتُه، فإنه لم يُثْبِتْ أصْلَ نفسه، فيبطل (٢) العمل به. إيضاح المرتبة الثامنة وهي الإجازة والإجازة تقتضي بظاهرها الكذب؛ لأن لفظها أجزْتُ لك أن تروي عني كل شيء، أو أجزْتُ لك الرواية عني مطلقاً (٣) ، فهذا يقتضي أنه يروي* عنه كل شيء، وهو إباحة الكذب، [أما لو قُيِّدتْ بقوله (٤) : أجزت لك أن تروي عني (٥) ما صح عندك أني أرويه (٦) لم تكن إباحةً للكذب] (٧) ، وكذلك إذا (٨) قال له (٩) المجيز: لك (١٠) ذلك بشرطه شرعاً (١١) أو بشرطه المعتبر عند أهل الأثر، فهذا كله مقيد، وليس فيه إباحة كذب. والعمل بالإجازة جائز، معناه إذا صح عنده أن مجيزه روى (١٢) هذا بطريق صحيح، فيرويه (١٣) هو عنه بمقتضى الإجازة، فيتصل السند وإذا اتصل السند جاز العمل.

стр. 526

قال القاضي عبد الوهاب (١) : اختلف أهل العلم (٢) (٣) في الإجازة، وهي: أن يقول الراوي لغيره قد أجزْتُ لك أن تروي هذا الكتاب عني أو يكتب إليه بذلك فمنعها (٤) مالك وأشهب (٥) وعليه أكثر الفقهاء، واختلفوا فيما يقول المُجَاز إذا أجزْنا (٦) ذلك، فقيل: يقول ((أخبرني إجازة)) ولا يقول ((أخبرني مطلقاً، ولا حدثني)) . وقيل: يقول ((كتب إليّ (٧) وأجازني)) فقط (٨) .

стр. 527

حجة أهل الظاهر: أن خصوص هذا الكتاب الذي وجده الآن لم يسمعه من شيخه، فلم يتصل السند فيه، فلا يجوز نسبته إلى رسول الله ﷺ ، فلا يجوز العمل به. وجوابهم: أن السند متصل بالطريق الذي بيَّناه. وقد صح عنده (١) رواية مجيزه له فاتصل السند، ولا حاجة للمناولة؛ لأنه إذا ثبت أن مجيزه يرويه، فهذا (٢) الطريق (٣) يقوم (٤) مقام المناولة، والمقصود حصول اتصال السند بطريق صحيح كيف كان. ومعنى قوله: ((إن الكتاب الفلاني رويته فاروه عني إذا صح عندك)) معناه: إذا صحَّ عندك [أن النسخة التي معك هي] (٥) النسخة التي رويتُها أنا، أو هي مُقابَلةٌ (٦) عليها مُقَابَلةً لا يُشك أن هذه مثلَ تلك من غير زيادة ولا نقص. أما صحة أصل الرواية في ذلك الديوان من حيث الجملة لا تبيح له إباحة جميع نُسَخه كيف كانت؛ لاحتمال الزيادة أو النقص، فلا تجوز الرواية ولا العمل (٧) ، وفي الأول تجوز الرواية والعمل، ومعنى جواز العمل: أنه يجوز للمجتهد أن يجعله مستنده في الفتيا بحكم الله تعالى، أما

стр. 528

من ليس بمجتهد فلا يجوز له العمل بمقتضى حديثٍ وإن صحَّ عنده سنده، لاحتمال نسخه وتقييده وتخصيصه وغير ذلك من عوارضه التي (١) لا يضبطها إلا المجتهدون (٢) ، وكذلك لا يجوز للعامي الاعتماد على آيات الكتاب العزيز لما تقدَّم، بل الواجب على العامي تقليدُ مجتهدٍ مُعْتَبرٍ ليس إلا، لا يُخلِّصه من (٣) الله تعالى إلا ذلك، كما أنه لا يخلِّص المجتهدَ التقليدُ، بل يؤدي إليه اجتهادُه بعد بذل جهده بشرطه.

стр. 529

الفصل العاشر في مسائل شتى (١) حجية الحديث المرسل ص: فالأولى (٢) : المراسيل (٣) عند مالك وأبي حنيفة وجمهور المعتزلة حجة (٤) ،

стр. 530

خلافاً للشافعي (١) ؛ لأنه إنما أرسل حيث جزم بالعدالة [فيكون حجة] (٢) . الشرح حجة الشافعي ﵁: أنه إذا سكت عن الراوي جاز أن يكون إذا اطلعنا نحن عليه لا نقبل (٣) روايته، ولم نُكلَّف نحن بحسن ظن المُرْسِل (٤) فيه، فحصول الظن لنا إذا كشفنا حاله أقوى من حصوله إذا قلدناه فيه وجهلناه، والدليل ينفي العمل بالظن (٥) كما تقدَّم (٦) ، خالفناه إذا عُلِمتْ عدالة الراوي بالبحث والمباشرة، فيبقى على مقتضى الدليل فيما عداه. حجة الجواز: أن سكوته عنه مع [عدالة الساكت] (٧) وعلمِهِ أن روايته يترتَّب عليها شرع عام، فيقتضي ذلك أنه ما سكت عنه إلا وقد جزم بعدالته، فسكوته كإخباره بعدالته، وهو لو زكَّاه عندنا قبلنا تزكيته وقبلنا روايته، فكذلك سكوته عنه، حتى قال بعضهم: إن المُرْسَل أقوى من المُسْند (٨) بهذا (٩) الطريق، وهو أن المُرْسِل قد
следующие страницы →