← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9879

جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول - رسالة ماجستير

القرافي

Полный текст (780 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قال القاضي عبد الوهاب (١) : اختلف أهل العلم (٢) (٣) في الإجازة، وهي: أن يقول الراوي لغيره قد أجزْتُ لك أن تروي هذا الكتاب عني أو يكتب إليه بذلك فمنعها (٤) مالك وأشهب (٥) وعليه أكثر الفقهاء، واختلفوا فيما يقول المُجَاز إذا أجزْنا (٦) ذلك، فقيل: يقول ((أخبرني إجازة)) ولا يقول ((أخبرني مطلقاً، ولا حدثني)) . وقيل: يقول ((كتب إليّ (٧) وأجازني)) فقط (٨) .

стр. 527

حجة أهل الظاهر: أن خصوص هذا الكتاب الذي وجده الآن لم يسمعه من شيخه، فلم يتصل السند فيه، فلا يجوز نسبته إلى رسول الله ﷺ ، فلا يجوز العمل به. وجوابهم: أن السند متصل بالطريق الذي بيَّناه. وقد صح عنده (١) رواية مجيزه له فاتصل السند، ولا حاجة للمناولة؛ لأنه إذا ثبت أن مجيزه يرويه، فهذا (٢) الطريق (٣) يقوم (٤) مقام المناولة، والمقصود حصول اتصال السند بطريق صحيح كيف كان. ومعنى قوله: ((إن الكتاب الفلاني رويته فاروه عني إذا صح عندك)) معناه: إذا صحَّ عندك [أن النسخة التي معك هي] (٥) النسخة التي رويتُها أنا، أو هي مُقابَلةٌ (٦) عليها مُقَابَلةً لا يُشك أن هذه مثلَ تلك من غير زيادة ولا نقص. أما صحة أصل الرواية في ذلك الديوان من حيث الجملة لا تبيح له إباحة جميع نُسَخه كيف كانت؛ لاحتمال الزيادة أو النقص، فلا تجوز الرواية ولا العمل (٧) ، وفي الأول تجوز الرواية والعمل، ومعنى جواز العمل: أنه يجوز للمجتهد أن يجعله مستنده في الفتيا بحكم الله تعالى، أما

стр. 528

من ليس بمجتهد فلا يجوز له العمل بمقتضى حديثٍ وإن صحَّ عنده سنده، لاحتمال نسخه وتقييده وتخصيصه وغير ذلك من عوارضه التي (١) لا يضبطها إلا المجتهدون (٢) ، وكذلك لا يجوز للعامي الاعتماد على آيات الكتاب العزيز لما تقدَّم، بل الواجب على العامي تقليدُ مجتهدٍ مُعْتَبرٍ ليس إلا، لا يُخلِّصه من (٣) الله تعالى إلا ذلك، كما أنه لا يخلِّص المجتهدَ التقليدُ، بل يؤدي إليه اجتهادُه بعد بذل جهده بشرطه.

стр. 529

الفصل العاشر في مسائل شتى (١) حجية الحديث المرسل ص: فالأولى (٢) : المراسيل (٣) عند مالك وأبي حنيفة وجمهور المعتزلة حجة (٤) ،

стр. 530

خلافاً للشافعي (١) ؛ لأنه إنما أرسل حيث جزم بالعدالة [فيكون حجة] (٢) . الشرح حجة الشافعي ﵁: أنه إذا سكت عن الراوي جاز أن يكون إذا اطلعنا نحن عليه لا نقبل (٣) روايته، ولم نُكلَّف نحن بحسن ظن المُرْسِل (٤) فيه، فحصول الظن لنا إذا كشفنا حاله أقوى من حصوله إذا قلدناه فيه وجهلناه، والدليل ينفي العمل بالظن (٥) كما تقدَّم (٦) ، خالفناه إذا عُلِمتْ عدالة الراوي بالبحث والمباشرة، فيبقى على مقتضى الدليل فيما عداه. حجة الجواز: أن سكوته عنه مع [عدالة الساكت] (٧) وعلمِهِ أن روايته يترتَّب عليها شرع عام، فيقتضي ذلك أنه ما سكت عنه إلا وقد جزم بعدالته، فسكوته كإخباره بعدالته، وهو لو زكَّاه عندنا قبلنا تزكيته وقبلنا روايته، فكذلك سكوته عنه، حتى قال بعضهم: إن المُرْسَل أقوى من المُسْند (٨) بهذا (٩) الطريق، وهو أن المُرْسِل قد

стр. 531

تذمَّم الراوي وأخذه [في ذمته] (١) عند الله تعالى، وذلك يقتضي وثوقه بعدالته، أما إذا أسند فقد فوَّض أمره للسامع ينظر فيه ولم يتذمَّمه، فهذه الحالة أضعف من الإرسال (٢) . المراسيل التي يقبلها الشافعي فرع: نُقِل عن الشافعي ﵁ أنه قال: لا أقبل المراسيل (٣) إلا مراسيل سعيد بن المسُيَّب (٤) ، فإني اعتبرتها فوجدتها مسندةً (٥) ، ففي الحقيقة ما اعتبر إلا مسنداً. قال القاضي عبد الوهاب (٦) في " الملخص ": ظاهر مذهب الشافعي رد المراسيل مطلقاً وهو قول أصحاب الحديث، ومن أصحابه من يقول: إن مذهبه قبول مراسيل الصحابة، وأما مراسيل التابعين فيعتبرها بأمور تقويها (٧) ، أحدها: إذا كان ظاهر حاله أن ما يرسله يسنده (٨) غيره (٩) . وثانيها: أن ما أرسله قال به بعض الصحابة. وثالثها: أن يفتي به عامةُ العلماء. ورابعها: أن يُعْلم [من حاله] (١٠) أنه إذا سمَّى لا يُسمِّي

стр. 532

مجهولاً ولا من فيه علةٌ تمنع من (١) قبول حديثه*. ومن أصحابه من يقول مذهبه قبول مراسيل سعيد والحسن (٢) دون غيرهما (٣) ، وحُكي عن بعض من يقبل المراسيل أنه شرط أن يكون المُرْسِل صحابياً أو تابعياً دون تابعي التابعي (٤) إلا أن يَثْبتَ أنه إمام، وقاله عيسى بن أبان (٥) . سؤال: الإرسال هو إسقاط صحابي من السند* (٦) ، والصحابة كلهم عدول، فلا فرق بين ذكره والسكوت عنه، فكيف جرى الخلاف فيه؟ جوابه (٧) : أنهم عدول إلا عند قيام المعارض (٨) وقد يكون المسكوت [عنه منهم] (٩)

стр. 533

عَرَض في حقه ما يوجب القَدْح فيُتَوقَّف في قبول (١) الحديث حتى يعلم سلامته عن القادح. وإسقاط تابعيٍّ أو غيرِه يسمى منقطعاً [لا مرسلاً] (٢) في الاصطلاح (٣) . حكم رواية الحديث بالمعنى ص: ونَقْل الخبر بالمعنى عند أبي الحسين البصري (٤) ، وأبي حنيفة (٥) والشافعي (٦) جائز خلافاً لابن سيرين (٧) [وبعض المحدثين] (٨) بثلاثة شروط: أن لا تزيد الترجمة،

стр. 534

ولا تَنْقُص، ولا تكون أخفى (١) ؛ لأن المقصود إنما هو إيصال المعاني (٢) ، فلا يضر فوات غيرها (٣) . الشرح متى زادت عبارة الراوي أو نقصت، فقد زاد في الشرع أو نقص، وذلك حرام إجماعاً، ومتى كانت عبارة الحديث جلِيَّة فغيَّرها (٤) بعبارة خفية فقد أوقع في الحديث وَهْناً يوجب (٥) تقديم غيره عليه بسبب خفائه، فإن الأحاديث إذا تعارضتْ (٦) في الحكم الواحد يُقدَّم أجْلاها على أخفاها، فإذا كان أصل الحديث جلِياً فأبدله بخفيٍّ فقد أبطل (٧)

стр. 535

منه مزية (١) حسنة تُخِلُّ به عند التعارض، وكذلك إذا كان الحديث خفي العبارة فأبدلها بأجلى منها، فقد أوجب له حكم التقديم على غيره، وحكم الله أن يُقدَّم غيرُه عليه عند التعارض. فقد تسبَّبَ (٢) بهذا التغيير (٣) في العبارة إلى تغيير (٤) حكم الله تعالى وذلك لا يجوز، فهذا هو مستند (٥) هذه الشروط، [فإذا حصلت هذه الشروط] (٦) حينئذٍ يجري الخلاف في الجواز، أما عند عدمها فلا يجوز إجماعاً (٧) . حجة الجواز: أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسمعون (٨) الأحاديث، ولا يكتبونها، ولا يكررون عليها، ثم يروونها بعد السنين الكثيرة، ومثل هذا يَجْزِم الإنسان فيه أن نفس العبارة لا تنضبط بل المعنى فقط، ولأن أحاديث كثيرة وقعت بعباراتٍ مختلفة وذلك مع اتحاد القصة، وهو دليل جواز النقل بالمعنى، ولأن لفظ السنة ليس متعبَّداً (٩) به بخلاف لفظ القرآن، فإذا ضُبِط المعنى فلا يضرُّ (١٠) فوات ما ليس بمقصود. حجة المنع: قوله ﵇ ((رحم الله ـ أو نضَّر الله ـ امْرَءاً سمع مقالتي فأدَّاها كما سمعها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه، ورُبَّ حاملِ فقه (إلى من) (١١) ليس بفقيه)) (١٢) ، فقوله: ((أدَّاها كما سمعها)) يقتضي أن يكون اللفظ المؤدَّى كاللفظ

стр. 536

المسموع عملاً بكاف التشبيه، والمسموع في الحقيقة إنما هو اللفظ وسماع المعنى تَبَعٌ له، والتشبيه وقع بالمسموع فلا يشبهه (١) حينئذٍ إلا مسموع (٢) ، أما المعنى فلا، وذلك يقتضي أنه ﵇ أوجب نَقْلَ مثل ما سمعه لا خلافَه، وهو المطلوب (٣) . حكم زيادة الثقة ص: وإذا زادتْ إحدى الروايتين على الأخرى - والمجلسُ مختلفٌ - قُبِلتْ، وإن كان واحداً - ويتأتَّى (٤) الذُّهُول عن تلك الزيادة - قُبِلتْ، وإلا لم تقبل (٥) .

стр. 537

الشرح قال القاضي عبد الوهاب (١) في " الملخص ": إذا انفرد بعض رواة الحديث بزيادة وخالفه بقية الرواة، فعند (٢) مالك (٣) وأبي الفرج (٤) من أصحابنا تقبل (٥) إن كان ثقة ضابطاً (٦) . وقال الشيخ أبوبكر الأبهري (٧) وغيره لا تقبل (٨) ، ونفوا الزيادة المروية في حديث عدي بن حاتم* ((وإن أكَل فلا تأكل)) (٩) وبالأول قال الشافعية. حجة الجواز: أن انفراده بالزيادة كانفراده بحديثٍ آخر، فتقبل كما يقبل الحديث الأجنبي، وأما ما يُفرق به [من أن] (١٠) انفراده بالزيادة يُوجِب [فيه وَهْناً] (١١) بخلاف الحديث الأجنبي، فمدفوع بأنه قد يسمع ولا يسمعون، ويذكر

стр. 538

وينسون، وعدالته وضبطه يوجب (١) قبول قوله مطلقاً، وقد يكون المجلس (٢) واحداً (٣) ، ويَلْحَق بعضَهم ما يشغله عن سماع جميع الكلام. حجة المنع: أن روايةَ جميع الحفاظ (٤) - غيرَ هذا الراوي - عدمَ الزيادة [في روايتهم تقوم (٥) مقام تصريحهم] (٦) بعدمها، وتصريحهم مقدَّم على روايته هو. والجواب: أنه ليس كالتصريح بل يتعين حمله على الذهول الشاغل، جمعاً بين ظاهر عدالة راوي الزيادة وعدالة التاركين لها. قال القاضي (٧) : ((واختلف في صفة (٨) الزيادة المعتبرة، فقيل: الاعتبار بالزيادة اللفظية فقط المفيدة لحكم شرعي، ولا تكون (٩) تأكيداً ولا قصة (١٠) لا يتعلق بها حكم شرعي، كقولهم في مُحْرِمٍ وَقَصَتْ (١١) به ناقته في أُخَاقِيق جُرْذان (١٢) فإنَّ ذِكْر الموضعِ لا يتعلق به

стр. 539

حكم شرعي، وكذلك الناقة دون الفرس. وأما الزيادة في المعنى فلا عبرة بها، بل يجب الأخذ بالزيادة اللفظية وإن أدَّتْ إلى نقصانٍ من جهة المعنى، ولا يُعتدّ بزيادة المعنى في باب الترجيح؛ لأن الزيادة إنما تكون في النقل، والنقل إنما يكون في اللفظ، ويصير (١) ذلك كخبرٍ مفيدٍ مبتديءٍ.

стр. 540

الباب السابع عشر في القياس وفيه سبعة فصول

стр. 541

الفصل الأول في حقيقته (١) ص: وهو إثباتُ مِثْلِ حُكْمِ معلومٍ لمعلومٍ آخرَ لأجْل اشتباههما في علةِ الحكم عند المُثبت (٢) . فالإثبات المراد به: المشتركُ بين العلم والظنِّ والاعتقاد (٣) ، ونعني (٤) بالمعلوم (٥) : المشتركَ بين [المعلوم والمظنون] (٦) ، وقولنا: عند المُثبت، ليدخل فيه القياس الفاسد. الشرح

стр. 542

لأنَّا إذا أثبتنا (١) فقد نعلم ثبوت (٢) الحكم في الفروع، وقد نعتقده اعتقاداً جازماً لا (٣) يحتمل عدم المطابقة، وقد نظنُّه (٤) ، فاشتركت الثلاثة في الإثبات فهو مرادنا. وقولي (٥) : ((معلوم)) أولى من قول مَنْ قال: إثباتُ حكمِ [أصلٍ لفرعٍ] (٦) ، أو إثباتُ حكمِ الأصلِ في الفرع (٧) ؛ لأن الأصل والفرع إنما يُعْقلان (٨) بعد معرفة القياس، فتعريف القياس بهما (٩) دَوْر (١٠) ، فإذا قلنا: ((معلوم)) اندفعتْ هذه الشبهة الموجبة للدَّوْر. وقولي: ((لأجل اشتباههما في علة الحكم)) احتراز (١١) من إثبات الحكم بالنص، فإن ذلك لا يكون قياساً، كما لو ورد نصٌّ يخصُّ الأُرْزَ (١٢) بتحريم الربا

стр. 543

كما ورد في البُرِّ (١) . وقولي: ((مثل حكم)) ، لأن الحكم (٢) الثابت في الفرع ليس هو عينَ الثابت في الأصل بل مثلُه، وهما مختلفان بالعوارض، فالأول امتاز ثبوته (٣) بالإجماع (٤) ، والثاني ثابت (٥) بالقياس، والأول لا خلاف (٦) فيه، والثاني فيه الخلاف، غير أنه مثله من جهة أنه تحريم أو تحليل، والعوارض من جهة المَحَالِّ والأدلة مُعَيِّنات ومُمَيِّزات (٧) لأحد المِثْلين عن الآخر، ولابد لأحد المِثْلين من (٨) مميِّزٍ وإلا كانا واحداً، والواحد ليس بمِثْلين (٩) . ومعنى قولنا (١٠) : ليندرج (١١) القياس الفاسد: أنَّا لو قلنا لاشتراكهما في علة* الحكم (١٢) لم (١٣) يتناول ذلك إلا (١٤) العلة المرادة لصاحب الشرع، فالقياس بغيرها يلزم أن لا يكون قياساً، لكن الخلاف لما وقع في الربا هل عِلَّته الطعم أو الكيل أو القوت أو

стр. 544

غير ذلك من المذاهب في العلل (١) ، وقاس (٢) كل إمام بعلته التي اعتقدها، فأجمعنا على أن* الجميع أقيسةٌ شرعيةٌ؛ لأنا إنْ (٣) قلنا: ((كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ)) (٤) فظاهر، وإن قلنا: ((المصيب واحد)) فلم يتعيَّن (٥) ، فتعين أن يكون الجميع أقيسة شرعية، مع أنَّ جميع تلك العلل ليست مرادة لصاحب الشرع، فالقياس بغير علة صاحب الشرع قياس (٦) فاسد، وهو قياس، فلذلك قلنا: ((عند المثبت)) ليتناول جميع العلل كانت علة صاحب الشرع أم (٧) لا (٨) . حقيقة القياس اللغوية فائدة: القياس معناه فى اللغة (٩) : التَّسْوية، يقال (١٠) : قاس الشيءَ بالشيء، إذا ساواه (١١) به، والقياس فى الشريعة مُسَوٍّ (١٢) للفرع بالأصل فى ذلك الحكم [فسُمِّي

стр. 545

قياساً] (١) ، فهو من باب تخصيص اللفظ ببعض مسمَّياته، كتخصيص الدابَّة ببعض مسمَّياتها وهو: الفَرَس عند العراقيين والحِمَار عند المصريين (٢) ، فالقياس على هذا حقيقةٌ عُرْفيَّة مجازٌ راجحٌ لغويٌّ (٣) .

стр. 546

الفصل الثاني فى حكمه (١) ص: وهو حجة عند مالك (٢) ﵀ [وجماهير (٣) العلماء] (٤) رحمة الله عليهم (٥) خلافاً لأهل الظاهر (٦) لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ (٧) . ولقول مُعاذٍ* ﵁: ((أجْتَهِدُ (٨) رأيي)) (٩) ، بعد ذكره الكتاب والسنة.

стр. 547

الشرح أدلة المثبتين لحجية القياس وجه الاستدلال من الآية (١) : أن قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ (٢) مُشْتقٌّ من العبور وهو المجاوزة، ومنه سُمِّي المُعْبرَ للمكان الذي يُعْبر منه من شطِّ (٣) الوادي ويُعْبر فيه وهو السفينة (٤) ، وسُمِّيت العَبْرة عَبْرةً (٥) ؛ لأنها تعبر من الشؤون (٦) إلى العين، وعَابِرُ المنام هو المتجاوز من تلك المُثْل المرئِيَّة إلى المراد بالمنام من الأمور الحقيقية (٧) ، والقائس (٨) عَابِرٌ من حكم الأصل إلى حكم الفرع، فتناوله لفظ الآية بطريق الاشتقاق (٩) . سؤال: استدل جماعة من العلماء بهذه الآية، وهي غير مفيدةٍ للمقصود؛ بسبب (١٠) أن الفعل في سياق الإثبات مطْلقٌ لا عموم فيه، والآية فِعلٌ في سياق الإثبات، فتتناول (١١) مطلق العبور، فلا عموم فيها حتى تتناول (١٢) كل عبور فتندرج (١٣) فيها (١٤) صورة النزاع، وإذا كانت مطلقة كانت دالة على ما هو أعم من القياس،

стр. 548

والدال على الأعمِّ غير دال على الأخصِّ، كما أن لفظ الحيوان لا يدل على الإنسان، ولفظ العدد لا يدل على الزَّوْج (١) . ومما يدل على القياس إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على العمل بالقياس (٢) ، وذلك يُعْلم [من استقراء] (٣) أحوالهم ومناظراتهم (٤) ، وقد كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري ((اعْرِف (٥) الأشباه والنظائر وما اختلج في صدرك فألْحِقهُ بما هو أشبه بالحق)) (٦) وهذا هو عين القياس. ولأنه ﵊ نبَّه على القياس في مواطن، منها: أن عمر ﵁ سأل (٧) عن قبلة الصائم فقال له (٨) ﵊ ((أرأيت لو تمضمضْتَ بماءٍ ثم

стр. 549

مَجَجْتَه (١) أكنْتَ شاربه؟!)) (٢) ، وجه الدليل [من ذلك] (٣) : أنه ﵊ شبَّه بالمضْمَضة (٤) إذا لم يَعْقُبْها شَرْبٌ القُبْلةَ (٥) إذا لم يعقُبْها إنزالٌ بجامع انتفاء الثمرة المقصودة من (٦) الموضعين؛ وهذا هو عين القياس. ومنها (٧) قوله ﵇ للخَثْعَمِيَّة (٨) ((أرأيتِ لو (٩) كان على أبيك دَيْنٌ أكنتِ قاضيته؟! قالت: نعم. قال: ((فدَيْنُ الله أحقُّ بالقضاء (١٠)) ) (١١) وهذا هو عين القياس.

стр. 550

أدلة النافين لحجية القياس احتجوا بوجوهٍ، أحدها: قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١) والحكم بالقياس حكم بغير ما أنزل الله. وثانيها: قوله ﵊: ((تعمل هذه الأمة بُرْهةً بالكتاب وبُرْهةً بالسنة وبُرْهةً بالقياس فإذا فعلوا ذلك فقد ضَلُّوا)) (٢) . وثالثها: أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يذمُّون القياس، قال الصدِّيق ﵁: ((أيُّ سماءٍ تُظِلُّنِي وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني إذا قلتُ في كتاب الله برأيي)) (٣) ، وقال عمر ﵁: ((إيَّاكم وأصحابَ الرأي فإنهم أعداءُ السُّنَن (٤) أعْيَتْهم الأحاديثُ أن يُحْصُوها (٥) ، فقالوا بالرأي فضَلُّوا وأضلُّوا)) (٦) . وقال

стр. 551

علي ﵁: ((لو كان الدِّيْن يؤخذ قياساً لكان باطنُ الخُفِّ أولى بالمسح من ظاهره)) (١) ، وهذا يدل على اتفاقهم على منع القياس. والجواب عن الأول: أن الحكم (٢) بالقياس حكمٌ (٣) بما أنزل الله في عمومات القرآن [من جهة] (٤) قوله تعالى ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ (٥) [ومن جهة قوله تعالى] (٦) ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٧) وقد جاءنا بالقياس (٨) . وعن الثاني: أنه محمول على القياس الفاسد الوضع؛ لمخالفته النصوص، ومن شرط القياس ألاَّ يخالف النص الصريح. وعن الثالث: أنَّ ذمَّ (٩) الصحابة رضوان الله عليهم محمول على الأقيسة الفاسدة والآراء الفاسدة المخالفة لأوضاع الشريعة، جمعاً بين ما نقله الخصم وما نقلناه (١٠) . القياس القطعي والظني والقياس في الدنيويات فرع: قال الإمام فخر الدين: إذا كان تعليل* الأصل قطعياً، ووجود العلة في الفرع (١١) قطعياً (١٢) كان القياس متفقاً عليه.

стр. 552

وأما القياس الظني فهو حجة في الأمور الدنيوية اتفاقاً (١) كمداواة الأمراض (٢) ، والأسفار والمتاجر وغير ذلك، وإنما (٣) النزاع في كونه حجةً في الشرعيات ومستندات المجتهدين (٤) . تعارض القياس مع خبر الواحد ص: وهو مقدَّمٌ على خبر الواحد (٥) عند مالك (٦) ﵀؛ لأن الخبر إنما ورد (٧)

стр. 553

لتحصيل الحكم، والقياس متضمِّنٌ للحكمة (١) ، فيُقدَّم على الخبر. وهو حجة في الدنيويات اتفاقاً (٢) . الشرح حكى القاضي عِيَاض (٣) في: " التنبيهات " (٤) ، وابن رشد (٥) في: " المقدِّمات " (٦)

стр. 554

في مذهب مالك في تقديم القياس على خبر الواحد قولين (١) ، وعند الحنفية قولان (٢) أيضاً (٣) . حجة تقديم القياس: أنه موافق للقواعد من جهة تضمُّنه تحصيل (٤) المصالح أو دَرْء المفاسد، والخبر المخالف له يمنع من ذلك فيُقدَّم الموافِق للقواعد على المخالِف لها (٥) . حجة المنع: أن القياس فرع النصوص والفرع لا يُقدَّم على أصله.

стр. 555

بيان الأول: أن القياس لم يكن حجةً إلا بالنصوص، فهو فرعها، ولأن المقيس عليه لابد وأن يكون منصوصاً عليه، فصار القياس فرع النصوص من هذين الوجهين، وأما أن الفرع لا يُقدَّم على أصله؛ فلأنه لو قُدِّم (١) على أصله لأبْطَل أصله، ولو أبطل أصله لبطل (٢) ، [فلا يَبْطُل أصله] (٣) . والجواب عن هذه النُّكْتة: أن النصوص التي هي أصل القياس غيرُ النص الذي قُدِّم عليه القياس فلا تناقض، ولم يُقدَّم الفرع على أصله بل على غير أصله. تنقيح المناط وتخريجه وتحقيقه ص: وهو إن كان (٤) بإلغاء الفارق (٥) فهو تنقيح المناط* عند الغزالي، أو باستخراج الجامع من الأصل، ثم تحقيقه في الفرع، فالأول: تخريج المناط، والثاني: تحقيقه (٦) . الشرح المناط اسم مكان الإناطة، والإناطة التعليق والإلصاق (٧) ، قال حسَّان بن ثابت

стр. 556

فيمن هجاه (١) : وأنْتَ زَنِيْمٌ نِيْطَ في آلِ هَاشِمٍ كما نِيْطَ خَلْفَ الراكبِ القَدَحُ الفَرْدُ (٢) أي: عُلِّق، وقال حبيب (٣) الطائي (٤) : بِلادٌ بها نِيْطَتْ عَليَّ تمائمي وأولُ أرضٍ مَسَّ جِلْدِي تُرَابُها (٥) أي: عُلِّقتْ عليَّ الحُروز (٦) فيها، والعلة رُبِط بها الحكم وعُلِّق عليها، فسُمِّيتْ

стр. 557

مناطاً على وجه التشبيه (١) والاستعارة. واختلف الناس في تنقيح المناط، فقال الغزالي: هو إلغاء* الفارق، كما تقول لا فارق بين بيع (٢) الصفة (٣) و (٤) بيع الرؤية إلا الرؤية، وهي لا تصلح أن تكون فارقاً في متعلَّقات (٥) أغراض المبيع، فوجب استواؤهما في الجواز، ولا فارق بين الذكور والإناث في مفهوم الرِّقِّ (٦) وتشطير (٧) الحَدِّ، فوجب استواؤهما فيه، وقد ورد النص بذلك في أحدهما في قوله تعالى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ (٨) ﴾ (٩) [ولا فارق بين الأَمَة والعبد في التقويم (١٠) على مُعْتِق الشِّقْص (١١) ، فوجب استواؤهما في ذلك (١٢) ، فإن النص إنما ورد في العبد الذَّكَر خاصة] (١٣) في قوله

стр. 558

عليه الصلاة والسلام: ((من أعتق شِرْكاً له في عبد)) (١) ونحو ذلك، فهذا القياس يُسمى (٢) : تنقيح المناط على اصطلاح (٣) هؤلاء. وقال الحَسْكَفِي (٤) في " جَدَلِهِ " (٥) وغيره (٦) : تنقيح المناط: هو تعيين علة من أوصاف مذكورة، وتخريج المناط: هو استخراجها من أوصاف غير مذكورة (٧) (٨) . مثال الأول: [حديث الأعرابي] (٩) ((جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يَضْرِب صَدْره ويَنْتِفُ شَعْرَه فقال: هلكْتُ وأهلكْتُ؛ واقعتُ أهلي في شهر رمضان. فأوجب ﵊ عليه (١٠) الكفارة)) الحديث المشهور (١١) فذُكِر في الحديث كونه أعرابياً،

стр. 559

وضرْبُ الصدرِ ونتْفُ الشَّعْر، وهي لا تصلح للتعليل، وكونُه (١) مفسِداً للصوم مناسبٌ للكفارة، فعيَّن علةً من أوصاف مذكورة. ومثال الثاني: نهيه ﵇ عن بيع البر بالبر إلا مثلاً بمثل يداً بيدٍ (٢) ، ولم يذكر العلة ولا أوصافاً هي مشتملة عليها، فتعْيِيْنُ (٣) الطعمِ (٤) أو الكيل أو القوت أو الماليَّة للعليَّة (٥) إخراجُ علةٍ من أوصاف غير مذكورة، فهذا هو تخريج المناط، لأنا أخرجنا العلة من غيب (٦) ، والأول تنقيحٌ؛ لأنه تصفية وإزالة لما لا يصلح عما (٧) يصلح، وتنقيح الشيء إصلاحه (٨) ، فهذا اصطلاح مناسب، فيحْصُل لنا في تنقيح المناط مذهبان (٩) ، وفي تخريج المناط قولان (١٠) . وأما تحقيق المناط: فهو تحقيق العلة المُتَّفق عليها في الفرع، مثاله: أن يُتَّفق (١١) على أن العلة في الربا هي (١٢) القوت الغالب (١٣) ، ويُخْتَلف (١٤) في الربا في التِّيْن بناء على

стр. 560

أنه يقتات غالباً في الأندلس أو لا، نظراً إلى الحجاز وغيرها، فهذا تحقيق المناط (١) ، يُنْظر (٢) هل هو محقَّق أم لا بعد الاتفاق عليه؟. فقد ظهر الفرق بين تخريج المناط وتنقيح المناط، وتحقيق المناط، وهي اصطلاحات لفظية.

стр. 561

الفصل الثالث في الدال على العلة (١) ص: وهو ثمانية (٢) : النص، والإيماء، والمناسبة، والشَّبَه، والدوران، والسَّبْر، والطَّرْد، وتنقيح المناط (٣) . المسلك الأول: النص فالأول (٤) : النص على العلة، وهو ظاهر. المسلك الثاني: الإيماء والثاني (٥) : الإيماء (٦) ، وهو خمسة: الفاء (٧) نحو قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي

стр. 562

فَاجْلِدُوا﴾ (١) . وترتيب (٢) الحكم على الوصف (٣) ، نحو: ترتيب الكفارة على قوله: ((واقعتُ أهلي في شهر (٤) رمضان)) (٥) . قال الإمام: سواء كان مناسباً أو لا (٦) . وسؤاله ﵊ عن وصف المحكوم عليه (٧) نحو قوله ﷺ ((أينْقُصُ الرُّطَبُ إذا جَفَّ)) (٨) . أو تفريق الشارع بين شيئين في الحكم (٩) ، نحو قوله ﷺ ((القاتل لا يرث)) (١٠) . أو ورود (١١) النهي عن فعلٍ

стр. 563

يَمْنَع ما تقدَّم وجوبُه (١) . الشرح النص على العلة: نحو قوله (٢) : العلة كذا (٣) أو فعلْتُه (٤) لأجل كذا، فهذا نصٌّ في التعليل. والفاء تدخل على المعلول (٥) نحو ما تقدَّم (٦) ، فإن الجَلْد معلول الزنا، وتدخل (٧) على العلة نحو قوله ﵊ ((لا تمِسُّوه بطيبٍ فإنه يُبعث يوم القيامة مُحْرِماً)) (٨) فالإحرام هو (٩) علة المنع من الطيب. ومعنى قول الإمام فخر الدين: ((سواء كان مناسباً أو لا)) : يشير إلى أن المناسبة مستقِلَّة بالدلالة على العليَّة (١٠) ، وكذلك الترتيب (١١) ، فإن القائل لو قال: أكْرِمِ الجُهَّال وأهِنِ العلماء، أنكر السامعون هذا القول وعابوه، ومدرك الاستقباح أنهم فهموا أنه جعل الجهل علة الإكرام والعلم علة الإهانة، وليس لهم مستند في اعتقاد التعليل إلا ترتيب الحكم على الوصف لا

стр. 564

المناسبة، فإن المناسبة مفقودة ها هنا، فدل ذلك على أن الترتيب (١) يدل على العلية (٢) وإن فُقِدتْ المناسبة (٣) . وما سؤال رسول الله ﷺ عن (٤) نقصان الرُّطَب إذا جَفَّ لأنه لا يعلم ذلك بل ليعرف (٥) به (٦) السامعون، فيكون ذلك (٧) تنبيهاً على علة المنع، فيكون السامع مستحضراً لعلة الحكم حالة وروده عليه، فيكون ذلك أقرب لقبوله الحكم، بخلاف إذا غابت العلة عن السامع ربما (٨) صَعُب عليه تَلقِّي الحكم واحتاج لنفسه من المجاهدة ما لا يحتاجها إذا علم العلة وحضرتْ له. ومعنى التفريق بين الشيئين: أن الآية وردت [بتوريث الأبناء] (٩) مطلقاً بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ (١٠) فلما قال ﵇ ((القاتل لا يرث)) (١١) علم أن ذلك [لأجل علة] (١٢) القتل، مع أن هذا أيضاً فيه (١٣) ترتيب الحكم على الوصف. ومثال النهي عن الفعل الذي يمنع ما تقدَّم وجوبُه: قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 565

آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) فهذا وجوبٌ للجمعة، فقوله تعالى بعد ذلك ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٢) نهي عن البيع؛ لأنه يمنع من فعل الجمعة بالتشاغل بالبيع، فيكون هذا إيماءً؛ لأن العلة في تحريم البيع هي التشاغل عن فعل الجمعة. المسلك الثالث: المناسب ص: والثالث (٣) : المناسب (٤) ما تضمَّن (٥) تحصيلَ مصلحةٍ (٦) أو دَرْءَ مفسدةٍ، فالأول كالغِنَى علة (٧) لوجوب الزكاة، والثاني كالإسكار علة لتحريم الخمر، والمناسب ينقسم (٨) إلى [ما هو في محل الضرورات (٩) ،
следующие страницы →