← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9879

جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول - رسالة ماجستير

القرافي

Полный текст (780 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الفصل الثالث في الدال على العلة (١) ص: وهو ثمانية (٢) : النص، والإيماء، والمناسبة، والشَّبَه، والدوران، والسَّبْر، والطَّرْد، وتنقيح المناط (٣) . المسلك الأول: النص فالأول (٤) : النص على العلة، وهو ظاهر. المسلك الثاني: الإيماء والثاني (٥) : الإيماء (٦) ، وهو خمسة: الفاء (٧) نحو قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي

стр. 562

فَاجْلِدُوا﴾ (١) . وترتيب (٢) الحكم على الوصف (٣) ، نحو: ترتيب الكفارة على قوله: ((واقعتُ أهلي في شهر (٤) رمضان)) (٥) . قال الإمام: سواء كان مناسباً أو لا (٦) . وسؤاله ﵊ عن وصف المحكوم عليه (٧) نحو قوله ﷺ ((أينْقُصُ الرُّطَبُ إذا جَفَّ)) (٨) . أو تفريق الشارع بين شيئين في الحكم (٩) ، نحو قوله ﷺ ((القاتل لا يرث)) (١٠) . أو ورود (١١) النهي عن فعلٍ

стр. 563

يَمْنَع ما تقدَّم وجوبُه (١) . الشرح النص على العلة: نحو قوله (٢) : العلة كذا (٣) أو فعلْتُه (٤) لأجل كذا، فهذا نصٌّ في التعليل. والفاء تدخل على المعلول (٥) نحو ما تقدَّم (٦) ، فإن الجَلْد معلول الزنا، وتدخل (٧) على العلة نحو قوله ﵊ ((لا تمِسُّوه بطيبٍ فإنه يُبعث يوم القيامة مُحْرِماً)) (٨) فالإحرام هو (٩) علة المنع من الطيب. ومعنى قول الإمام فخر الدين: ((سواء كان مناسباً أو لا)) : يشير إلى أن المناسبة مستقِلَّة بالدلالة على العليَّة (١٠) ، وكذلك الترتيب (١١) ، فإن القائل لو قال: أكْرِمِ الجُهَّال وأهِنِ العلماء، أنكر السامعون هذا القول وعابوه، ومدرك الاستقباح أنهم فهموا أنه جعل الجهل علة الإكرام والعلم علة الإهانة، وليس لهم مستند في اعتقاد التعليل إلا ترتيب الحكم على الوصف لا

стр. 564

المناسبة، فإن المناسبة مفقودة ها هنا، فدل ذلك على أن الترتيب (١) يدل على العلية (٢) وإن فُقِدتْ المناسبة (٣) . وما سؤال رسول الله ﷺ عن (٤) نقصان الرُّطَب إذا جَفَّ لأنه لا يعلم ذلك بل ليعرف (٥) به (٦) السامعون، فيكون ذلك (٧) تنبيهاً على علة المنع، فيكون السامع مستحضراً لعلة الحكم حالة وروده عليه، فيكون ذلك أقرب لقبوله الحكم، بخلاف إذا غابت العلة عن السامع ربما (٨) صَعُب عليه تَلقِّي الحكم واحتاج لنفسه من المجاهدة ما لا يحتاجها إذا علم العلة وحضرتْ له. ومعنى التفريق بين الشيئين: أن الآية وردت [بتوريث الأبناء] (٩) مطلقاً بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ (١٠) فلما قال ﵇ ((القاتل لا يرث)) (١١) علم أن ذلك [لأجل علة] (١٢) القتل، مع أن هذا أيضاً فيه (١٣) ترتيب الحكم على الوصف. ومثال النهي عن الفعل الذي يمنع ما تقدَّم وجوبُه: قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 565

آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١) فهذا وجوبٌ للجمعة، فقوله تعالى بعد ذلك ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٢) نهي عن البيع؛ لأنه يمنع من فعل الجمعة بالتشاغل بالبيع، فيكون هذا إيماءً؛ لأن العلة في تحريم البيع هي التشاغل عن فعل الجمعة. المسلك الثالث: المناسب ص: والثالث (٣) : المناسب (٤) ما تضمَّن (٥) تحصيلَ مصلحةٍ (٦) أو دَرْءَ مفسدةٍ، فالأول كالغِنَى علة (٧) لوجوب الزكاة، والثاني كالإسكار علة لتحريم الخمر، والمناسب ينقسم (٨) إلى [ما هو في محل الضرورات (٩) ،

стр. 566

وإلى] (١) ما هو في محل الحاجات (٢) ، وإلى ما هو في محل التَّتِمَّات (٣) ، فيُقدَّم الأول على الثاني، والثاني على الثالث عند التعارض، فالأول: نحو الكليَّات الخمس: وهي حفظ النفوس والأديان والأنساب والعقول والأموال، وقيل: والأعراض، والثاني: مثل تزويج الوليِّ الصغيرةَ، فإن النكاح غير ضروري، لكن الحاجة تدعو إليه* في تحصيل الكفء لئلا يفوت، والثالث: ما كان حَثّاً على مكارم الأخلاق، كتحريم تناول القاذورات وسَلْب أهلية الشهادات عن الأرقاء* (٤) ونحو الكتابات (٥) (٦) ونفقات القرابات. وتقع أوصافٌ متردِّدة بين هذه المراتب كقطع الأيدي باليد الواحدة، فإن شرعيته ضرورية صوناً للأطراف (٧) (٨) وأمكن أن يقال ليس منه؛ لأنه يحتاج

стр. 567

الجاني فيه إلى الاستعانة بالغير وقد يتعذَّر (١) . ومثال اجتماعها كلها في وصف واحد: أن نفقة النفس ضرورية، والزوجات حاجية، والأقارب* تتمة، واشتراط العدالة في الشهادة (٢) ضروري [صوناً للنفوس] (٣) والأموالِ، وفي الإمامة - على الخلاف (٤) - حاجية؛ لأنها شفاعة، والحاجة (٥) داعية لإصلاح حال الشفيع (٦) ، وفي النكاح تتمة لأن الولي قريب يزعه (٧) طَبْعه عن الوقوع في العار والسعي في الإضرار، وقيل: حاجية (٨) على الخلاف، ولا تشترط (٩) في الإقرار (١٠) ؛ لقوة الوازع الطبعي ودفع المشقة عن النفوس مصلحة ولو أفضتْ إلى مخالفة (١١) القواعد. وهي ضرورية مؤثرة في الترخيص (١٢) كالبلد الذي

стр. 568

يتعذَّر فيه العدول (١) ، قال ابن أبي زيد (٢) في " النوادر " (٣) : تقبل شهادة أمْثَلِهم* حالاً؛ لأنها ضرورة، وكذلك يلزم في القضاة وولاة الأمور (٤) ، وحاجية (٥) على الخلاف في الأوصياء في عدم اشتراط العدالة، وتماميَّة في السَّلَم (٦) والمُسَاقاة (٧) وبيع الغائب، فإن في مَنْعِها مشقةً على الناس وهي من تتمات معايشهم.

стр. 569

الشرح الكليات الخمس: حكى الغزالي (١) وغيره (٢) إجماع الملل على اعتبارها، فإن الله تعالى ما أباح النفوس ولا شيئاً من الخمسة المتقدمة في ملة من الملل، وإنَّ المسكرات حرام في جميع الملل، وإنْ وقع الخلافُ في اليسير الذي لا يُسْكر، ففي الإسلام هو حرام (٣) ، وفي الشرائع المتقدمة حلال، أما القدر المسكر فحرام إجماعاً من الملل (٤) ، واختلف العلماء في عدِّها (٥) ، فبعضهم (٦) يقول الأديان عِوَضَ الأعراضِ، وبعضهم يذكر الأعراض ولا يذكر الأديان (٧) وفي التحقيق الكل متّفق على تحريمه فما أباح الله

стр. 570

تعالى العرض (١) بالقذف (٢) والسباب قط (٣) ، وكذلك (٤) لم يبح الأموالَ بالسرقة والغصب (٥) ، ولا الأنساب [بإباحة الزنا] (٦) ، ولا العقولَ بإباحة المسكرات، ولا النفوسَ والأعضاءَ بإباحة القطع والقتل، ولا الأديان بإباحة الكفر وانتهاك حرم (٧) المحرمات. وجَعْلُهم الكتاباتِ (٨) تتمة؛ لأنها عون على حصول العتق وإزالة الرق عن البشرية المكرمة من بني آدم، فهو من مكارم الأخلاق وتتمات المصالح، وكذلك نفقات الأقارب من تتمات مكارم الأخلاق. وقولي: ((إن (٩) العدالة شرط في الولي على الخلاف)) إشارة إلى ما وقع في الفقه في الولي إذا كان فاسقاً: هل تسقط ولايته بفسقه أم لا؟. قولان في مذهب مالك (١٠) ، والمشهور عدم سلبها اكتفاء بالوازع الطبعي عن (١١) العدالة، وعدم اشتراط العدالة في الإقرار، فيُقْبل إقرار البَرِّ والفاجر؛ لأنه إلزامٌ لنفسه [ومُضِرٌّ بها] (١٢) ، ولا يقع الإقرار إلا كذلك، وإلا كان دعوى أو شهادة، والوازع الطبعي (١٣) يمنع من

стр. 571

الإضرار (١) بغير موجب، فما أقرَّ إلا والمُقَرُّ به حقٌّ، فيقبل منه، وإن كان فاجراً أو كافراً من غير خلاف بين الأمة (٢) . وقولي في الأوصياء: ((حاجة)) (٣) معناه: أن الناس قد (٤) يحتاجون إلى أن يوصوا (٥) لغير العَدْل وفيه خلاف (٦) ، مذهب مالك يشترط فيه أن يكون مستور الحال (٧) ، وعلى القول بعدم اشتراط العدالة مع أنها ولاية، والولاية لابد فيها من العدالة، فقد خالفنا (٨) القواعد في عدم اشتراط العدالة في الأوصياء، دفعاً للمشقة الناشئة من الحيلولة بين الإنسان وبين من يريد أن يعتمد عليه، وكذلك خولفت القواعد في السَّلَم والمُسَاقاة

стр. 572

وبيع الغائب والجُعَالة (١) والمُغَارسة (٢) والصيد وغير ذلك مما فيه جهالةٌ في الأجرة وغَرَرٌ (٣) ، وأما الصيد فلبقاء الفَضَلات وعدم تسهيل الموت على الحيوانات (٤) ، فقد خولفت القواعد لتتمَّة المعايشِ (٥) ، فإن من الناس من يحتاج في معايشه (٦) إلى أحد هذه الأمور، فجُعلتْ شرعاً عاماً لعدم الانضباط في مقادير الحاجات. وهذه الرُّتَب يظهر أثرها (٧) عند تعارض الأقيسة، فيُقدَّم الضروري على الحاجي، والحاجي (٨) على التتمة. تقسيم المناسب ص: وهو أيضاً ينقسم إلى: ما اعتبره الشرع، وإلى ما ألغاه، وإلى ما جُهِل حاله (٩) .

стр. 573

فالأول ينقسم إلى: [ما اعتُبِر] (١) نوعه في نوع الحكم كاعتبار نوع الإسكار في نوع التحريم، وإلى ما اعتُبِر جنسه [في جنسه] (٢) كالتعليل بمطلق المصلحة كإقامة الشُّرْب مُقَام القَذْف؛ لأنه مظنته، وإلى ما اعتُبِر نوعه في جنسه كاعتبار الأخوة [في التقديم] (٣) في الميراث (٤) ، فيقدمون (٥) في النكاح، وإلى ما اعتُبِر جنسه في نوع الحكم كإسقاط الصلاة عن الحائض بالمشقة، فإن المشقة جنس وهو (٦) نوع من الرخص. فتأثير النوع في النوع مقدَّم على تأثير النوع في الجنس. وتأثير النوع في الجنس مقدَّم على تأثير الجنس في النوع (٧) ، وهو مقدَّم على تأثير الجنس في الجنس. والمُلْغَى (٨) نحو: المنع من زراعة العنب خشية الخمر. والذي جُهِل أمره (٩) هو المصلحة المرسلة (١٠) التي نحن نقول بها، وعند التحقيق هي عامة في المذاهب.

стр. 574

الشرح الحكم أعَمُّ أجناسه كونُه حكماً، وأخصُّ منه كونه طلباً أو تخييراً وأخصُّ منه كونه تحريماً أو إيجاباً، وأخص منه كونه تحريم الخمر أو إيجاب الصلاة، وأعم أحوال الوصف كونه وصفاً، وأخص منه كونه مناسباً، وأخص [من المناسب] (١) كونه معتبراً، وأخص منه كونه مشقة أو مصلحة أو مفسدة خاصة، ثم أخص من ذلك كون تلك المفسدة في محل الضرورات أو الحاجات أو التتمات (٢) ، فبهذا (٣) الطريق تظهر (٤) الأجناس العالية والمتوسطة والأنواع السافلة (٥) للأحكام والأوصاف من المناسب وغيره (٦) ، فالإسكار نوع من المفسدة، والمفسدة جنس له (٧) .

стр. 575

ويحكى عن علي ﵁ أنه قال لما سُئِل عن حدِّ (١) شارب الخمر: ((إذا شَرِب سَكِر وإذا سَكِر هَذَى، وإذا هَذَى افترى، فأرى عليه حَدَّ المفتري)) (٢) ، فأخذ علي ﵁ مطلق المناسبة، ومطلق المظنة (٣) . والأُخُوَّة نوع من الأوصاف (٤) ، والتقدُّم في الميراث نوع من الأحكام، فهو نوعٌ في نوعٍ (٥) ، وكذلك التقديم* في النكاح (٦) أو صلاة الجنازة نوع من الأحكام، فيقاس أحد النوعين على الآخر. وجُعِلت المشقة جنساً؛ لأنها متنوعة إلى مشقة قضاء الصلاة، ومشقة الصوم، ومشقة القيام في الصلاة، وغير ذلك من أنواع المشاق، فمطلق المشقة جنس، وهو نوعٌ باعتبار الوصف المصلحيِّ أو المناسب، وإسقاط الصلاة عن الحائض نوع من الأحكام والإسقاطات والرخص. وتأثير النوع في النوع مقدَّم على الجميع؛ لأن الخصوصِيَّيْن قد حصلا فيه: خصوصُ الوصف وخصوصُ الحكم، والأخص بالشيء مقدَّمٌ على الأعم، ولذلك

стр. 576

قُدِّمت البنوة في الميراث على الأخوة، والأخوة على العمومة (١) ، وكذلك قُدِّم لُبْس النَّجس على الحرير (٢) ، فمُنِع (٣) في الصلاة؛ لأنه أخص بالصلاة من الحرير، ولأن تحريم (٤) الحرير لا يختص بالصلاة، فكان تحريم النجس (٥) أقوى منه؛ لأنه مختص بها (٦) ، وكذلك (٧) إذا لم يجد المُحْرِم إلا مَيْتةً وصيداً أكل الميتة دون الصيد، لأن تحريم الصيد خاص بالإحرام (٨) ، فالقاعدة: أن الأخص أبداً مقدَّمٌ [على الأعم] (٩) ، فكما أن النوع في النوع أخص الجميع، فالجنس في الجنس أعم الجميع، والمنقول: أن النوع في الجنس والجنس في النوع متساويان (١٠) متعارضان (١١) مقدَّمان على الرابع (١٢) لوجود الخصوص فيهما من حيث الجملة، [والذي في الأصل (١٣) ما أرى نَقْلَه إلا سهواً] (١٤) .

стр. 577

وأما المصلحة المرسلة: فالمنقول أنها خاصة بنا، وإذا افتقدْتَ (١) المذاهب وجدْتَهم إذا قاسوا أو جمعوا وفرقوا بين المسألتين لا يطلبون شاهداً بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا أو فرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، [وهذه هي] (٢) المصلحة المرسلة، فهي حينئذٍ في جميع المذاهب (٣) . ومن المعلوم أن المصلحة المرسلة أخص من مطلق المناسب* ومطلق المصلحة؛ لأن مطلق (٤) المصلحة قد تلْغى كما تقدَّم في زراعة العنب، فإن المناسبة تقتضي ألاَّ يُزْرع سدّاً لذريعة الخمر، لكن أجمع المسلمون على إلغاء ذلك (٥) ، وكذلك المنع من التجاور في البيوت خشية الزنا فإنه مناسب، لكن أجمع المسلمون على جواز المجاورة بالنساء في الدُّوْر الجامعة وإلغاء هذا المناسب (٦) ، فالمناسب حينئذٍ أعم من المرسلة، لأن المرسلة مصلحة بقيد (٧) السكوت* عنها فهي أخص. المسلك الرابع: الشبه ص: الرابع: الشَّبَه (٨) قال القاضي أبو بكر: هو الوصف الذي لا يناسب

стр. 578

لذاته (١) ويستلزم المناسب لذاته (٢) ، وقد شهد الشرع لتأثير (٣) جنسه القريب (٤) في جنس الحكم القريب (٥) . والشبه يقع في الحكم (٦) : كمشابهة (٧) العبد المقتول بالحُرِّ، أو شَبَهِهِ (٨) بسائر المملوكات. وعند ابن عُلَيَّة (٩) يقع الشَّبَه في الصورة كرد الجلْسة الثانية إلى

стр. 579

الجلْسة (١) الأولى في الحكم (٢) . وعند الإمام التسويةُ بين الأمرين إذا غلب* على الظن أنه مستلزم للحكم (٣) ، وهو ليس بحجة عند القاضي منا (٤) . الشرح مثال الشبه عند القاضي: قولنا في الخَلِّ مائعٌ لا تُبْنى (٥) القنطرة على جنسه فلا تزال به النجاسة كالدُّهْن، فقولنا: لا تبنى (٦) القنطرة على جنسه ليس مناسباً في ذاته،

стр. 580

غير أنه [مستلزم للمناسب] (١) ، فإن العادة أن القنطرة لا تبنى (٢) على الأشياء القليلة بل على الكثيرة كالأنهار، والقِلَّة مناسبة لعدم مشروعية (٣) المتَّصِف بها من المائعات للطهارة (٤) العامة، فإن [الشرع العام يقتضي] (٥) أن تكون أسبابه عامة الوجود (٦) . أما تكليف الكل بما لا يجده إلا البعض فبعيدٌ عن (٧) القواعد، فصار قولنا: [لا تبنى القنطرة على جنسه] (٨) ليس بمناسب (٩) ، وهو مستلزم للمناسب، وقد شهد الشرع بجنس القلة والتعذّر في عدم مشروعية الطهارة، بدليل أن الماء إذا قلَّ واشتدت إليه (١٠) الحاجة فإنه يسقط الأمر به، ويتوجه التيمم (١١) . قال القاضي أبو بكر في هذا التقسيم: الوصف إن كان مناسباً بذاته فهو المناسب، وإن لم يكن مناسباً في ذاته، فلا يخلو إما (١٢) أن يكون مستلزماً للمناسب أو لا. الأول الشبه. والثاني الطَّرْدِي (١٣) المُلْغى إجماعاً. والعبد المقتول: فيه (١٤) كونُه مملوكاً، والمِلْك حكم شرعي، وكونه آدميّاً، وهذا

стр. 581

وصف حقيقي لا حكم شرعي، فقد حصل فيه الشَّبَهان. فمن غَلَّب شَبَه الحكم الشرعي - وهو (١) مالك (٢) والشافعي (٣) - أوجب فيه قيمته بالغة [ما بلغتْ] (٤) ، وإن زادتْ على دية الحُرِّ، ومن لاحظ شَبَه الحُرِّ وهو الآدميَّة لم يوجب (٥) فيه الزيادة على دِيَة الحرِّ، وهو أبو حنيفة (٦) . وابن عُليَّة أوجب الجلْسة الأولى قياساً على الثانية في الوجوب بجامع أنها جلسة (٧) ، وهذا شَبَهٌ صُوْري لا حكم شرعي. قال الإمام فخر الدين: إذا غلب على الظن أن شيئاً من هذه الشَّبَهَات علة (٨) الحكم ومستلزم له شرعاً جعلناه علة (٩) كان صورة أو حكماً أو غير ذلك عملاً بموجب الظن (١٠) .

стр. 582

حجة القاضي في أن الشَّبَه ليس بحجة: أن الدليل ينفي العمل بالظن مطلقاً، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (١) خالفناه في قياس المناسبة، فبقينا في قياس الشبه على موجب الدليل، ولأن الصحابة إنما أجمعت (٢) على المناسبة (٣) ، أما الشبه فلا نُوجب (٤) أن (٥) يكون حجة. جوابه: أنه مُعارَضٌ بقوله تعالى ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ (٦) ، وبقوله ﵊ ((نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر)) (٧) وهو يفيد الظن فوجب أن يندرج في عموم النص، ولأنه (٨) مندرج في عموم قول معاذ بن جبل اجتهد رأيي (٩) ، وهذا (١٠) نوع من الاجتهاد. المسلك الخامس: الدوران ص: الخامس: الدَّوَرَان (١١) ، وهو عبارة عن اقتران ثبوت الحكم مع ثبوت الوصف وعدمه مع عدمه. وفيه خلافٌ، والأكثرون من أصحابنا وغيرهم

стр. 583

يقولون (١) بكونه حجة (٢) . الشرح مثاله (٣) : العنب حين كونه عصيراً ليس بمسكر ولا حرام، فقد اقترن العدم بالعدم، وإذا صار مسكراً صار حراماً، فقد اقترن الثبوت بالثبوت، فإذا تخلَّل لم يبْقَ مسكراً ولا حراماً، فقد اقترن العدم بالعدم، فهذا هو الدوران في صورة واحدة وهي الخمر. وقد يقع في صورتين وهو دون الأول، مثاله: أن (٤) ندَّعي (٥) وجوب الزكاة في الحُلِيّ المُتَّخَذ (٦) لاستعمالٍ مباحٍ، فنقول الموجِب لوجوب الزكاة في النقدين كونهما أحد الحَجَرين (٧) ؛ لأن وجوب الزكاة دار مع* [كونه أحد الحجرين] (٨) وجوداً وعدماً، أما وجوداً ففي المَسْكُوك (٩) هو (١٠) أحد الحجرين والزكاة واجبة فيه، وأما عدماً فالعقار (١١) ليس أحد الحجرين ولا تجب الزكاة فيه، وإنما رَجَحَتْ (١٢) الصورة

стр. 584

الأولى على هذه؛ لأن انتفاء الحكم بعد ثبوته في الصورة المعينة يقتضي أنه لم يبق (١) معه ما يتقضيه في تلك الصورة وإلا لثبت (٢) فيها. أما إذا انتفى من (٣) صورة أخرى غير صورة الثبوت أمكن أن يقال: إن موجِبَ الحكم غيرُ الوصف المدَّعَى علةً، وأن ما ذكرتموه من الوصف لو فرض انتفاؤه لثبت الحكم بذلك الوصف الآخر، فما تعين عدم اعتبار غيره بخلاف الصورة الواحدة. [حجة أن الدوران] (٤) دليل العِلِّية (٥) : أن اقتران الوجود بالوجود والعدمِ بالعدم يغلب على الظن أن المَدَار (٦) علة الدَائِر (٧) ، بل قد يحصل القطع بذلك، لأن من ناديناه باسم فغضب ثم سَكَتْنا عنه فزال غضبه ثم ناديناه به فغضب (٨) كذلك مراراً كثيرة، حصل (٩) لنا (١٠) الظن الغالب بأن علة غضبه إنما هو ذلك الاسم الذي ناديناه به. ولذلك جزم الأطباء بالأدوية المُسْهِلة والقابضة وجميع ما يعطونه (١١) من المبرِّدات وغيرها بسبب وجود تلك الآثار (١٢) عند وجود تلك العقاقير وعدمها عند عدمها. فالدوران أصل كبير في أمور الدنيا والآخرة، فإذا وُجِد بين الوصف والحكم جَزَمْنا بعليَّة الوصف للحكم، أو نقول: بعض الدوران حجة قطعاً، كدوران قطع الرأس مع الموت في مجرى العادة، فوجب أن تكون (١٣) جميع الدَّوَرَانات حجةً لقوله تعالى

стр. 585

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (١) والعدل التسوية (٢) ، وعدم الاختلاف إحسان للخلق بتوفير خواطرهم عن الفحص عن (٣) الفكرة في مدارك (٤) الفروق. حجة المنع: أن بعض الدورانات ليس بحجة، فوجب أن يكون الجميع ليس بحجة إلا ما أجمعنا عليه، أما أن بعض الدورانات ليس بحجة، فلأن الجوهر (٥) والعَرَض (٦) دائران كلُّ واحدٍ منهما مع (٧) الآخر وليس أحدهما علة للآخر، والحكم دائر مع السبب (٨) وشرطه وجزء علته، وليس أحدهما علة للآخر، وحركات الأفلاك دائرة مع الكواكب وليس أحدهما علة للآخر. وأما أنه إذا كان كذلك وجب ألاَّ يكون فيها شيءٌ حجةً، فلأنه لو كان حجة للزم النقض بذلك البعض الآخر والنقض خلاف الدليل. والجواب: أنا لا ندعي أن الدوران حجة إلا بوصف كونه لا يُقطع بعدم عليَّته (٩) ،

стр. 586

والدوران الموصوف بهذه الصفة لم يوجد في صورة النقض، فلا يتجه النقض؛ لأن من شرط النقض وجود الموجب بجميع صفاته، ولم يوجد فلا نقض، فاندفع السؤال. المسلك السادس: السَّبْر والتقسيم السادس: السَّبْر والتَّقْسيم (١) . وهو أن نقول (٢) : إما أن يكون الحكم معللاً بكذا أو بكذا، والكل باطل إلا كذا، فيتعيَّن (٣) . الشرح السبر معناه في اللغة: الاختبار ومنه سُمِّي (٤) ما يُخْتبر (٥) به طولُ الجُرْح وعرْضُه مِسْباراً، وتقول العرب: هذه القضية يُسْبر بها غَوْر العقل: أي يختبر (٦) . والأصل أن نقول (٧) : التقسيم (٨) والسبر، لأنَّا نقسِّم أولاً ثم نقول في معرض الاختبار لتلك الأوصاف الحاصلة في التقسيم هذا لا يصلح، وهذا لا يصلح، فيتعيَّن (٩) هذا، فالاختبار واقع* بعد التقسيم، لكن التقسيم لما كان وسيلة للاختبار، والاختبار

стр. 587

هو المقصد، وقاعدة العرب تقديم الأهم والأفضل، [قُدِّم السبر] (١) ؛ لأنه المقصد الأهم، وأخَّر التقسيم؛ لأنه وسيلة أخْفضُ رتبةً من المقصد (٢) . وهذه الطريقة* مفيدة للعلة (٣) ؛ لأن الحكم مهما أمكن أن يكون معللاً لا يُجْعل تعبُّداً، وإذا أمكن إضافته للمناسب فلا يضاف لغير المناسب، ولم نجد مناسباً إلا ما بقي بعد السَّبْر، فوجب كونه علة بهذه القاعدة (٤) . المسلك السابع: الطرد ص: السابع: الطَّرْد (٥) : وهو عبارة عن اقتران الحكم بسائر صور الوصف،

стр. 588

وليس مناسباً ولا مستلزماً للمناسب (١) ، وفيه خلاف (٢) . الشرح لأنه متى كان مناسباً كان ذلك طريقاً آخر غير الطرد (٣) ، ونحن نقصد أن (٤) نثبت طريقاً غير المناسبة (٥) ، وكذلك لا يكون مستلزماً للمناسب، إذ لو [كان مستلزماً للمناسب] (٦) لكان هو: الشَّبَه، ونحن نقصد طريقاً غير الشبه، فمجرد (٧) الاقتران هو (٨) طريق مستقل على الخلاف. حجة الجواز: أن (٩) الحكم لابد له من علة - وليس غير هذا الوصف علةً (١٠) - عملاً بالأصل (١١) ، فتعيَّن (١٢) هذا الوصف؛ نفياً للتعبُّد بحسب الإمكان، ولأن الاقتران بجميع الصور مع انتفاء ما يصلح للتعليل بغير (١٣) المقْترِن يغلب على الظن عِليَّة (١٤) ذلك المُقْترِن، والعمل بالراجح متعيِّن.

стр. 589

حجة المنع: أن الأصل ألا (١) يعتبر في الشرائع إلا المصالح أو درء المفاسد، فما لم يعلم فيه تحصيل مصلحة ولا درء مفسدة وجب ألاَّ يعتبر، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم إنما نُقِل عنهم العمل بالمناسب، أما غير المناسب فلا، فوجب بقاؤه على الأصل في عدم الاعتبار (٢) . المسلك الثامن: تنقيح المناط ص: الثامن: تنقيح المناط، وهو إلغاء الفارق فيشتركان في الحكم (٣) . الشرح قد تقدَّم الخلاف (٤) في موضوع تنقيح المناط (٥) هل هو إلغاء الفارق أو تعيين العلة من أوصاف مذكورة؟. والدليل على أنه حجة بهذا التفسير: أن الأصل في كل مِثْلين أن يكون حكمهما واحداً، فإذا استوت (٦) صورتان، ولم (٧) يوجد بينهما فارق، فالظن القوي القريب من القطع أنهما مستويان في الحكم، ونجد في أنفسنا من اعتقاد الاستواء في الحكم ها هنا أكثر مما نجده في الطرد والشبه، والعلم بهذا التفاوت ضروري عند من سلك مسالك الاعتبار والنظر، فوجب كونه دليلاً على عليَّة (٨) المشترك على سبيل الإجمال، وإن كُنَّا لا نعيِّنه، بل نجزم بأن ما اشتركا فيه هو موجب العلة (٩) .

стр. 590

الفصل الرابع في الدال على عدم اعتبار العلة (١) وهو خمسة (٢) : القادح الأول: النّقض ص: الأول: النَّقْضُ (٣) : وهو وجود الوصف بدون الحكم (٤) ، وفيه أربعة مذاهب (٥) :

стр. 591

ثالثها (١) : إنْ وجد المانع في صورة النقض فلا (٢) يقدح، وإلا قدح (٣) ، [ورابعها: إنْ نَصَّ عليها لم يقدح وإلا قدح] (٤) (٥) . الشرح النقض قد يكون على العلة وعلى الحدِّ وعلى الدليل، فوجود الحدِّ بدون المحدود نقض عليه، ووجود الدليل بدون المدلول نقض عليه*، والألفاظ اللغوية كلها أدلة، فمتى وُجد لفظٌ بدون مسماه لغة فهو نقض عليه، ويجمع الثلاثة: وجود المستلْزِم بدون المستلْزَم. حجة المنع مطلقاً (٦) : أن الوصف لو كان علة لثبت الحكم معه في جميع صوره عملاً به، ولم يثبت معه في جميع صوره، فلا يكون علة. ولأن الوصف من حيث هو هو إما أن يكون مستلزماً للعلة [أو لا يكون، فإن كان لزم (٧) وجود (٨) الحكم معه في

стр. 592

جميع صوره، وإنْ لم يكن كان] (١) الوصف وحده ليس بعلة حتى ينضاف (٢) إليه غيره، والمقدَّر أنه علة، وهذا خُلْفٌ. حجة الجواز مطلقاً (٣) : أن الموجِب للعلية هو المناسبة، فالمناسبة (٤) تقتضي أنها حيث وجدت ترتَّب الحكم معها وقد وجدت فيما عدا صورة النقض، فوجب (٥) ثبوت الحكم معها، وإن لم يوجد (٦) معها في صورة النقض - وتكون العلة كالعام المخصوص إذا خرجت عنه بعض الصور - بقي حجةً فيما عدا صورة التخصيص، سواء علم موجب التخصيص أم (٧) لا، كذلك ها هنا. فإن (٨) تناول المناسبة لجميع الصور [كتناول الدلالة اللغوية لجميع الصور] (٩) ، فهو في الحقيقة تخصيص، ولذلك يقول كثير من الأصوليين والجدليين في النقض: إنه تخصيص للعلة (١٠) ، وهذا هو المذهب المشهور (١١) .

стр. 593

حجة الثالث: أن الفرق (١) إذا وجد في صورة النقض كان ذلك الفارق مانعاً من ثبوت الحكم مع العلة في صورة النقض، فكان العذر منتهضاً (٢) في عدم ثبوته في صورة النقض، أما إذا لم يوجد فارق كان عدم الحكم في صورة النقض مضافاً لعدم عليَّة الوصف لا لقيام المانع، فلا يكون الوصف علة (٣) . حجة الرابع: أن الوصف إذا نُصَّ على كونه علة تعين الانقياد لنص صاحب الشرع وهو أعلم بالمصالح، فلا عبرة بالنقض مع نص صاحب الشريعة (٤) ، بل النص مقدم، أما إذا لم يوجد (٥) نص تعيَّن أن الوصف ليس بعلة؛ لأنه لو كان علة لثبت الحكم معه في جميع صوره، وليس فليس. وجواب النقض (٦) : إما بمنع وجود الوصف في صورة النقض، أو بالتزام الحكم فيها. لما كان النقض لا يتم إلا بأمرين، أحدهما: وجود الوصف في صورة النقض، والثاني: عدم الحكم فيها (٧) ، [كان انتفاء] (٨) أحد هذين يمنع تحقُّق النقض، فإنه إن لم يوجد الوصف لا يقال وجد الوصف بدون الحكم، وكذلك إذا وجد الحكم فلَكَ منع وجود الوصف في صورة النقض، بأن تعتبر (٩) بعض قيود العلة، فلا تجده في صورة

стр. 594

النقض، والمُوْرِد للنقض تخيّل (١) أنه موجود، فتمنعه (٢) حينئذٍ، مثاله قولك (٣) في (٤) الوقف: عقد نَقْلٍ (٥) ، فوجب أن يفتقر للقبول قياساً على البيع، فيقول السائل: يُشْكل بالعتق (٦) ، فنقول له: لا نسلم أن العتق نَقْلٌ بل هو إسقاط كالطلاق، والإسقاط لا يفتقر للقبول بخلاف النقل والتمليك (٧) . ولك منع عدم الحكم في صورة النقض بناءً على أحد القولين عندك في مذهبك بناءً على الخلاف من حيث الجملة (٨) . القادح الثاني: عدم التأثير ص: الثاني: عدم التأثير، وهو: أن يكون الحكم موجوداً مع وصف، [ثم يُعْدم] (٩) ذلك الوصف ويبقى الحكم (١٠) ، فيقدح، بخلاف " العكس ": وهو وجود الحكم بدون الوصف في صورة أخرى (١١) فلا يقدح؛ لأن العلل الشرعية يخلف

стр. 595

بعضها بعضاً (١) . الشرح مثال عدم التأثير: أن تحريم الخمر ثابت مع اللون الخاص للخمر، فإذا (٢) تغيَّرتْ إلى لون آخر والتحريم باقٍ، فيُعلم أن علة التحريم ليس هو ذلك اللون. والعكس: هو عكس النقض، فإن النقض وجود العلة بدون الحكم، والعكس وجود الحكم بدون العلة. مثال النقض: تعليل الزكاة بالغنى، فيُنْقض (٣) بالعَقَار الذي فيه الأجرة العظيمة والمنافع الجزيلة مع عدم وجوب الزكاة، فهذا نقض؛ لأنه وجود العلة التي هي الغنى بدون الحكم الذي هو وجوب* الزكاة. ومثال العكس: تعليل الحد بجناية القذف، فينقض بشرب الخمر أو بغيره، فلا يرد؛ لأن [علل الشريعة] (٤) يَخْلُف بعضها بعضاً، وكما لو قال قائل: الإنزال سبب وجوب (٥) الغسل، فيُنقض بانقطاع دم الحيض، فإن الغسل واجب ولا إنزال، فلا يرد هذا السؤال؛ لأن الأسباب يخلف بعضها بعضاً، وكذلك الأسباب والأدلة. قال الشيخ سيف الدين الآمدي ﵀: يرد سؤال النقض ولا يرد سؤال العكس، إلا أن يتفق (٦) المناظران على اتحاد العلة، فيرد النقض والعكس (٧) .

стр. 596

وكثيراً (١) ما يغلط (٢) طلبة العلم في إيراد العكس، فيوردونه (٣) كما يوردون (٤) النقض، وهو غلط كما بيَّنْتُ لك، فقد ظهر الفرق بين النقض والعكس وعدم التأثير، فتأمَّلْ ذلك (٥) . القادح الثالث: القَلْب ص: الثالث: القَلْب (٦) : وهو إثبات نقيض الحكم بعين العلة، كقولنا (٧) في الاعتكاف: لُبْثٌ في مكان مخصوص، فلا يستقلُّ بنفسه (٨) قياساً على الوقوف بعرفة (٩) ، فيكون الصوم شرطاً فيه، فيقول السائل: لُبْثٌ في مكان مخصوص، فلا يكون الصوم شرطاً فيه كالوقوف بعرفة (١٠) ، وهو إما أن يُقْصد به (١١) إثبات مذهب

стр. 597

السائل، أو إبطال مذهب المستدل (١) . فالأول كما سبق، والثاني كما يقول الحنفي: المسح (٢) ركنٌ من أركان الوضوء، فلا يكفي (٣) فيه أقلُّ ما يمكن، أصله الوجه، فيقول الشافعي: ركن من أركان الوضوء، فلا يُقدَّر بالرُّبْع، أصله الوجه (٤) . الشرح القلب: يُبْطل العلة من جهة أنه مُعارَضة في أنها موجبة لذلك الحكم، فإذا أثْبتَ (٥) بها القالب نقيض ذلك الحكم في صورة النزاع استحال [إيجابها لذلك الحكم] (٦) في صورة النزاع، وإلا لاجتمع النقيضان في صورة النزاع* وهو محال. ومعنى قوله (٧) ((فيكون الصوم شرطاً فيه)) : معناه أنه إذا لم يستقل بنفسه، وكل من قال: إن الاعتكاف لا يستقل بنفسه قال الذي يضاف إليه هو الصوم، فالمقدمة

стр. 598

الأولى: ثابتة بقياس القلب (١) ، والثانية: ثابتة بالإجماع، من باب لا قائل بغير ذلك، فلو ثبت أن المضاف غير الصوم لزم خلاف الإجماع*. وأما قول الحنفي: ركن من أركان الوضوء فلا يكفي فيه أقل ما يمكن [أصله الوجه] (٢) ، هو استدلال على الشافعي، لأنه هو (٣) القائل (٤) : يكفي في الرأس أقلُّ ما يسمى مسحاً، فيُبْطِل بهذا القلب مذهب الشافعي، ولا يُثبت مذهب الحنفي في إيجاب مسح الربع [من الرأس] (٥) ، بل جاز أن يكون الواقع [مذهب مالك، وهو إيجاب الجميع، ولا يكفي أقل ما يمكن من المسح (٦) . وكذلك قول الشافعي لما قلب فلا يُقدَّر بالربع أصله الوجه، لا يلزم من عدم تمثيله بالربع الاكتفاء بأقل ما يمكن، بل جاز أن يكون الواجب] (٧) مسح الجميع، فليس في هذا القلب إثبات مذهب القالب، بل إبطال مذهب المستدل فقط. القادح الرابع: القول بالمُوجب ص: الرابع: القول بالموجَب (٨) : وهو تسليم ما ادَّعاه المستدل موجَب علته

стр. 599

مع بقاء الخلاف في صورة النزاع. الشرح القول بالموجَب يدخل في العلل والنصوص وجميع ما يستدل به، ومعناه الذي يقتضيه ذلك الدليل ليس هو المتنازع فيه، وإذا لم يكن المتنازع فيه أمكن تسليمه واستبقاء الخلاف على حاله في صورة النزاع. مثاله في العلل: قول القائل الخيل (١) حيوان يُسابق عليه فتجب (٢) فيه الزكاة كالإبل؛ فإن الخيل يُسابق عليها كالإبل، فيقول السائل: أقول بموجَب هذه العلة، فإن الزكاة عندي واجبة (٣) في الخيل إذا كانت للتجارة، فإيجاب الزكاة (٤) من حيث الجملة أقول به، إنما النزاع إيجاب الزكاة في رقابها من حيث هي خيل (٥) ، فسلَّم ما اقتضته العلة، ولم يضره (٦) ذلك في صورة النزاع. ومثاله في النصوص: قول المستدل: إن المُحْرم لا يُغَسَّل ولا يُمَسُّ بطيبٍ، لقوله ﷺ في محرم وَقَصَتْ به ناقته: ((لا تُمِسُّوه بطيبٍ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)) (٧) يقول السائل: النزاع ليس في ذلك المحرم الذي ورد فيه النص، وإنما النزاع في المحرمين في زماننا، والنص ليس فيه عموم يتناولهم، إنما هو في شخص مخصوص (٨) ، فلا يضرنا

стр. 600

التزام موجَبه (١) ، وكذلك لو استدل بعضهم على وجوب الزكاة بسورة الإخلاص، فإنا نقول بموجَبها الذي هو التوحيد، ولا يلزم من ذلك وجوب الزكاة في صورة النزاع. القادح الخامس: الفرق ص: الخامس: الفَرْق (٢) : وهو إبداء معنىً مناسبٍ للحكم في إحدى الصورتين مفقود في الأخرى (٣) . وقَدْحه مبنيٌ (٤) على أن الحكم لا يُعلَّل بعلتين، لاحتمال أن يكون الفارق إحداهما، فلا يلزم من عدمه عدم الحكم، لاستقلال الحكم بإحدى العلتين. الشرح قولنا: ((مناسب)) احتراز من غير المناسب، وقد يكون الشيء مناسباً لحكم غير الحكم المتنازع فيه. مثال غير المناسب: أن نقيس (٥) الأرز على البر في حكم الربا، فيقول السائل: الفرق بينهما أن الأرز أشد بياضاً أو أيسر تقشيراً من سنبله (٦) .
следующие страницы →