← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9879

جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول - رسالة ماجستير

القرافي

Полный текст (780 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وكثيراً (١) ما يغلط (٢) طلبة العلم في إيراد العكس، فيوردونه (٣) كما يوردون (٤) النقض، وهو غلط كما بيَّنْتُ لك، فقد ظهر الفرق بين النقض والعكس وعدم التأثير، فتأمَّلْ ذلك (٥) . القادح الثالث: القَلْب ص: الثالث: القَلْب (٦) : وهو إثبات نقيض الحكم بعين العلة، كقولنا (٧) في الاعتكاف: لُبْثٌ في مكان مخصوص، فلا يستقلُّ بنفسه (٨) قياساً على الوقوف بعرفة (٩) ، فيكون الصوم شرطاً فيه، فيقول السائل: لُبْثٌ في مكان مخصوص، فلا يكون الصوم شرطاً فيه كالوقوف بعرفة (١٠) ، وهو إما أن يُقْصد به (١١) إثبات مذهب

стр. 597

السائل، أو إبطال مذهب المستدل (١) . فالأول كما سبق، والثاني كما يقول الحنفي: المسح (٢) ركنٌ من أركان الوضوء، فلا يكفي (٣) فيه أقلُّ ما يمكن، أصله الوجه، فيقول الشافعي: ركن من أركان الوضوء، فلا يُقدَّر بالرُّبْع، أصله الوجه (٤) . الشرح القلب: يُبْطل العلة من جهة أنه مُعارَضة في أنها موجبة لذلك الحكم، فإذا أثْبتَ (٥) بها القالب نقيض ذلك الحكم في صورة النزاع استحال [إيجابها لذلك الحكم] (٦) في صورة النزاع، وإلا لاجتمع النقيضان في صورة النزاع* وهو محال. ومعنى قوله (٧) ((فيكون الصوم شرطاً فيه)) : معناه أنه إذا لم يستقل بنفسه، وكل من قال: إن الاعتكاف لا يستقل بنفسه قال الذي يضاف إليه هو الصوم، فالمقدمة

стр. 598

الأولى: ثابتة بقياس القلب (١) ، والثانية: ثابتة بالإجماع، من باب لا قائل بغير ذلك، فلو ثبت أن المضاف غير الصوم لزم خلاف الإجماع*. وأما قول الحنفي: ركن من أركان الوضوء فلا يكفي فيه أقل ما يمكن [أصله الوجه] (٢) ، هو استدلال على الشافعي، لأنه هو (٣) القائل (٤) : يكفي في الرأس أقلُّ ما يسمى مسحاً، فيُبْطِل بهذا القلب مذهب الشافعي، ولا يُثبت مذهب الحنفي في إيجاب مسح الربع [من الرأس] (٥) ، بل جاز أن يكون الواقع [مذهب مالك، وهو إيجاب الجميع، ولا يكفي أقل ما يمكن من المسح (٦) . وكذلك قول الشافعي لما قلب فلا يُقدَّر بالربع أصله الوجه، لا يلزم من عدم تمثيله بالربع الاكتفاء بأقل ما يمكن، بل جاز أن يكون الواجب] (٧) مسح الجميع، فليس في هذا القلب إثبات مذهب القالب، بل إبطال مذهب المستدل فقط. القادح الرابع: القول بالمُوجب ص: الرابع: القول بالموجَب (٨) : وهو تسليم ما ادَّعاه المستدل موجَب علته

стр. 599

مع بقاء الخلاف في صورة النزاع. الشرح القول بالموجَب يدخل في العلل والنصوص وجميع ما يستدل به، ومعناه الذي يقتضيه ذلك الدليل ليس هو المتنازع فيه، وإذا لم يكن المتنازع فيه أمكن تسليمه واستبقاء الخلاف على حاله في صورة النزاع. مثاله في العلل: قول القائل الخيل (١) حيوان يُسابق عليه فتجب (٢) فيه الزكاة كالإبل؛ فإن الخيل يُسابق عليها كالإبل، فيقول السائل: أقول بموجَب هذه العلة، فإن الزكاة عندي واجبة (٣) في الخيل إذا كانت للتجارة، فإيجاب الزكاة (٤) من حيث الجملة أقول به، إنما النزاع إيجاب الزكاة في رقابها من حيث هي خيل (٥) ، فسلَّم ما اقتضته العلة، ولم يضره (٦) ذلك في صورة النزاع. ومثاله في النصوص: قول المستدل: إن المُحْرم لا يُغَسَّل ولا يُمَسُّ بطيبٍ، لقوله ﷺ في محرم وَقَصَتْ به ناقته: ((لا تُمِسُّوه بطيبٍ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)) (٧) يقول السائل: النزاع ليس في ذلك المحرم الذي ورد فيه النص، وإنما النزاع في المحرمين في زماننا، والنص ليس فيه عموم يتناولهم، إنما هو في شخص مخصوص (٨) ، فلا يضرنا

стр. 600

التزام موجَبه (١) ، وكذلك لو استدل بعضهم على وجوب الزكاة بسورة الإخلاص، فإنا نقول بموجَبها الذي هو التوحيد، ولا يلزم من ذلك وجوب الزكاة في صورة النزاع. القادح الخامس: الفرق ص: الخامس: الفَرْق (٢) : وهو إبداء معنىً مناسبٍ للحكم في إحدى الصورتين مفقود في الأخرى (٣) . وقَدْحه مبنيٌ (٤) على أن الحكم لا يُعلَّل بعلتين، لاحتمال أن يكون الفارق إحداهما، فلا يلزم من عدمه عدم الحكم، لاستقلال الحكم بإحدى العلتين. الشرح قولنا: ((مناسب)) احتراز من غير المناسب، وقد يكون الشيء مناسباً لحكم غير الحكم المتنازع فيه. مثال غير المناسب: أن نقيس (٥) الأرز على البر في حكم الربا، فيقول السائل: الفرق بينهما أن الأرز أشد بياضاً أو أيسر تقشيراً من سنبله (٦) .

стр. 601

مثال المناسب (١) لغير الحكم المذكور: أن نقيس (٢) المساقاة على القِرَاض (٣) في جواز المعاملة على جزء مجهول، فيقول السائل: الفرق أن الشجر إذا تُرِك العمل فيها هلكتْ بخلاف النَّقْدين، وهذا [مناسب لأَنْ يكون] (٤) عقد المساقاة [لازماً لا جائزاً بخلاف] (٥) القراض، فإن القول بجوازه يؤدي إلى جواز رده بعد مدة، فيَتْلَف الشجر، أما باعتبار الغرر فلا مدخل لمناسبة هذا الفرق فيه. مثال المناسب للحكم المذكور: أن نقيس الهبة (٦) على البيع في منع الغرر فيها، فيقول المالكي: الفرق أن البيع عقد معاوضة، والمعاوضة مكايسة (٧) يُخلُّ بها الغرر، والهبة إحسانٌ صِرْفٌ لا يُخلُّ به الغرر، فإن لم يحصل شيء لا يتضرر الموهوب له، بخلاف المشتري (٨) . قال الإمام فخر الدين: وقَدْحُه في القياس مبني على أن الحكم لا يعلل بعلتين (٩)

стр. 602

[فإن شأن تعليل الحكم بعلتين] (١) أن انفراد (٢) إحداهما (٣) يوجب (٤) ثبوت الحكم، وعدم الأخرى لا يضر، كما نقول في تعليل إجبار الأب: إنه معلل بالصِّغَر والبكارة، فإذا انفردت إحدى العلتين وهي البكارة ثبت الجبر [كالمُعَنَّسة (٥) على الخلاف (٦) ، أو الصغر ثبت الجبر] (٧) كالثيب الصغيرة، أو اجتمعتا معاً ثبت الجبر كالبِكْر الصغيرة، فإذا أورد السائل الفرق، يقول القائس: فَرْقُه معنى (٨) مناسب هو علة أخرى في الأصل مع المشترك بين صورة الأصل وصورة النزاع، [وقد اجتمعتا (٩) معاً في الأصل، فترتَّب الحكم، وانفرد المشترك في صورة النزاع] (١٠) ، وهو إحدى (١١) العلتين، فترتب الحكم عليه، ولا يضر عدم الفارق في (١٢) صورة (١٣) النزاع، لأن عدم إحدى العلتين لا يمنع ترتب الحكم، فلذلك قال (١٤) : إن سماع الفرق مبني على أن الحكم لا يعلل بعلتين. [غير أن ها هنا إشكالاً وهو: أن الجمهور على جواز تعليل الحكم بعلتين] (١٥) ،

стр. 603

والجمهور على سماع الفرق (١) ، فيبطل قوله: إن سماع الفرق ينافي تعليل الحكم بعلتين (٢) ؟. والجواب: أن الفرق قد (٣) يصلح للاستقلال (٤) بالعليَّة، كما نقول (٥) في الصغر مع* البكارة، وقد لا يصلح للاستقلال (٦) كما يفرق بزيادة المشقة ومزيد الغرر من باب صفة الصفة التي لا تصلح للتعليل المستقل، فما (٧) لا يصلح للاستقلال (٨) يمكن أن يسمع مع جواز التعليل بعلتين؛ لأن السؤال السابق حينئذٍ لا يتجه، وهو الذي قال به الجمهور، وما (٩) يصلح للاستقلال (١٠) لا يمكن إيراده إذا جوَّزنا التعليل بعلتين، فهذا تلخيص هذا الموضع (١١) .

стр. 604

الفصل الخامس في تعدد العلل (١) ص: يجوز تعليل الحكم الواحد (٢) بعلتين منصوصتين (٣) خلافاً لبعضهم، نحو وجوب الوضوء على مَنْ بَالَ ولاَمَسَ (٤) ، ولا (٥) يجوز بمستنبطتين؛ لأن الأصل عدم الاستقلال (٦) فيُجْعلان علةً واحدة (٧) . الشرح حجة الجواز في المنصوصتين (٨) : أن لصاحب الشرع أن يربط الحكم بعلة،

стр. 605

وبعلتين فأكثر، [وبغير علة] (١) وبعلتين فأكثر، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ثم إن المصالح قد تتقاضى ذلك في وصفين، كما قلنا في الصغر والبكارة، فينص الشرع (٢) عليهما، وعلى استقلال كل واحد (٣) منهما تحصيلاً لتلك المصلحة وتكثيراً لها. حجة المنع: أنه (٤) لو عُلِّل الحكم بعلتين لاجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان وهو محال، وإلا لاسْتُغْني بكل واحد منهما عن كل واحد (٥) منهما، فيلزم أن يقع بهما حالة عدم وقوعه بهما، [وأن لا يقع بهما حالة وقوعه بهما] (٦) ، وهو جمع بين النقيضين؛ لأن [الوقوع بكل] (٧) واحد منهما سَبَّبَ (٨) عدم الوقوع من الآخر، فلو حصل العلتان وهو الوقوع بهما لحصل المعلولان وهو عدم الوقوع بهما. ولأن تعليل الحكم بعلتين يفضي إلى نقض العلة وهو خلاف الأصل (٩) .

стр. 606

بيانه: أنه إذا وجدت إحدى العلتين ترتَّب عليها (١) الحكم، فإذا وُجِدت الأخرى بعدها لا يترتب عليها شيء، فقد وجدت العلة الثانية بدون الترتُّب (٢) لتقدُّم الترتّب (٣) عليها بناء على العلة الأخرى، فيلزم وجود العلة بدون مقتضاها، وهو نقض عليها (٤) . والجواب عن الأول: أن علل الشرع معرِّفات لا مؤثرات (٥) ، والمحال المذكور إنما يلزم من المؤثرات، ويجوز اجتماع معرِّفين (٦) فأكثر على مدلول واحد، كما يُعرَف (٧) الله تعالى وصفاته العُلا بكل جزء من أجزاء العالم (٨) .

стр. 607

وعن الثاني: أن النقض لقيام المانع لا يقدح في العلة (١) كما تقدَّم (٢) في النقض (٣) ، فنقول به. هذا في المنصوصتين، أما المستنبطتان فلا سبيل إلى التعليل بهما؛ لأن الشرع إذا ورد بحكم مع أوصاف مناسبة وجب جعل كل واحد منهما (٤) جزءَ علةٍ لا علةً مستقلةً؛ لأن الأصل عدم الاستقلال حتى ينص صاحب الشرع على استقلالهما، أو [أحدهما فيستقل] (٥) .

стр. 608

الفصل السادس في أنواعها وهي أحَدَ عَشَرَ نوعاً: حكم التعليل بالمحل ص: الأول: التعليل بالمحلِّ، فيه خلاف (١) ، قال الإمام: إنْ جوَّزنا أن تكون العلةُ قاصرةً جوَّزناه، كتعليل الخمر بكونه خمراً، أو البُرِّ يحرم الربا فيه لكونه بُرّاً (٢) . الشرح العلة* القاصرة: هي العلة (٣) التي لا توجد في غير محلِّ النص، كوصف البرِّ والخمر إذا قلنا إن الخمر خاص بما عُصِر من العنب (٤) على صورة خاصة. والخلاف في العلة القاصرة هو مع الحنفية، منعوها وأجازها الجمهور (٥) . غير أن الفرق بين المحلِّ والعلة القاصرة - من حيث الصورةُ والمعنى لا من حيث جوازُ التعليل - أن (٦) العلة القاصرة قد تكون وصفاً اشتمل عليه (٧) محل النص لم يوضع اللفظ له، والمحل ما وضع اللفظ له، كوصف البُرِّيَّة مثلاً (٨) إذا قيل: إنَّ البر اشتمل على نوع من الحرارة والرطوبة لاءم به

стр. 609

مزاج الإنسان ملاءمةً لا تحصل بين الإنسان والأرز، فإنَّ الأرز حارٌّ يابِسٌ [يُبْساً شديداً ينافي مزاج الإنسان] (١) ، فحَرُم الربا في البرِّ، ومُنِع بَدَلُ واحدٍ منه باثنين؛ لأجل هذه الملاءمة الخاصة التي لا توجد في غير البرِّ (٢) ، فهذه (٣) علة قاصرة لا محلٌّ، وأما وصف البُرِّيَّة بما هي بُرِّيَّة فهو المحل (٤) ، فلذلك حسن من الإمام تخريج التعليل بالمحل على التعليل بالعلة القاصرة، ولو كانا شيئاً واحداً لم يحسن التخريج ولا التفريع، إذا ظهر لك الفرق بينهما فكل ما يذكر في العلة القاصرة من الحِجَاج بين الفريقين نفياً وإثباتاً هو بعينه ها هنا، فيكتفى بذلك عن ذكره ها هنا. حكم التعليل بالحكمة ص: الثاني: الوصف إن لم يكن منضبطاً جاز التعليل بالحكمة (٥) ، وفيه خلافٌ (٦) ،

стр. 610

والحكمة هي التي لأجلها صار الوصف علةً، كذهاب (١) العقل الموجِب لجعل الإسكار علةً. الشرح ومن الحكمة اختلاط الأنساب، فإنه سبب جَعَل وصف الزنا سببَ وجوب (٢) الحدِّ، وكضياع المال الموجب لجعل وصف السرقة سبب القطع. حجة الجواز: أن الوصف إذا جاز التعليل به فأولى بالحكمة؛ لأنها أصله، وأصل الشيء لا يَقْصُر عنه، ولأنها نفس المصلحة والمفسدة وحاجات الخَلْق، وهذا هو سبب ورود الشرائع، فالاعتماد عليها أولى من الاعتماد على فرعها. حجة المنع: أنه لو جاز التعليل بالحكمة لما جاز التعليل بالوصف، لأن الأصل لا يُعْدل عنه إلى فرعه إلا عند تعذُّره، والحكمة ليست متعذِّرة، فلا يجوز العدول عنها فيُعلَّل بها، [ومتى عُلِّل بها] (٣) سقط التعليل بالوصف، فظهر أنه لو صحَّ التعليل بالحكمة لامتنع التعليل بالوصف، لكن (٤) المنع من الوصف خلاف إجماع (٥) القائسين (٦) ، ولأنه لو جاز التعليل بالحكمة (٧) للزم تخلُّف الحكم عن علته وهو خلاف الأصل. بيانه: أن وصف الرضاع سبب حرمة النكاح (٨) ، وحكمتُه (٩) : أن جُزْء المرأة صار جزءاً (١٠) للرضيع؛ لأن لبنها جزؤها، وقد صار لَحْماً للجنين، فأشْبَه مَنِيَّها الذي

стр. 611

صار جزءاً للجنين، فكما أن ولد الصُّلْب حرام فكذلك ولد الرضاع، وهو سر قوله ﵊ ((الرضاع لُحْمَةٌ كلُحْمَة النسب)) (١) إشارة إلى الجزئية، فإذا كانت هذه هي الحكمة، فلو أكل جَنينٌ (٢) قطعةً من لحم امرأة فقد صار جزؤها جزأه، فكان يلزم التحريم وهو لم يقل به أحد، وكذلك إذا كانت الحكمة في وصف الزنا هي (٣) اختلاط الأنساب، فإذا أخذ رجل صِبْياناً (٤) ، وفرَّقهم [إلى حيث لم يرهم] (٥) آباؤهم، حتى صاروا رجالاً ولم يعرفْهم (٦) آباؤهم، فاختلطت أنسابهم حينئذٍ، فينبغي أن يجب (٧) عليه حدُّ الزنا لوجود حكمة وصف الزنا، لكنه خلاف الإجماع، فعلمنا أنه لو جاز التعليل بالحكمة [للزم النقض وهو خلاف الأصل، فلا يجوز التعليل بالحكمة] (٨) ، وهو (٩) المطلوب.

стр. 612

حكم التعليل بالعدم ص: والثالث: يجوز التعليل بالعدم خلافاً لبعض الفقهاء، فإنَّ عدم العلة علةٌ لعدم المعلول (١) . الشرح حجة المنع: أن (٢) العدم نفي (٣) محض لا تمييز فيه، [وما لا تمييز فيه] (٤) لا يمكن (٥) جعله علة، فإن العلة فرع التمييز.

стр. 613

ولأن (١) العلة وصف وجودي؛ لأنها نقيض [أن لا عليَّة] (٢) المحمولةِ على العدم و (٣) ((لا عليَّة)) عَدَمٌ، فتكون العلة (٤) وجودية (٥) ، والصفة الوجودية لا تقوم بالعدم ولا المعدوم، وإلا لزمنا الشكُّ في وجود الأجسام؛ لأنا لا نرى من العالم إلا أعراضه، فإذا جوَّزنا قيام الصفات الوجودية بالمعدوم، جوَّزنا أن تكون هذه الألوان قائمة بالمعدوم فلا يوجد شيءٌ من أجزاء العالم، وهو خلاف الضرورة. والجواب عن الأول: أن العدم* الذي يقع (٦) التعليل** به لابد أن يكون عدم شيءٍ بعينه، فهو عَدَمٌ متميِّزٌ فيصح التعليل به، كما تقول عدم علة التحريم علة الإباحة في جميع موارد الشريعة؛ لأن الإسكار علة التحريم والتنجيس، فإذا عُدِم ثَبَت التطهيرُ والإباحة. وعن الثاني: قولنا " لا عليّة "، حَرْف سَلْبٍ دخل على اسم سَلْبٍ؛ لأن العليَّة عندنا نِسْبة وإضافة (٧) ، والنسب والإضافات عدمية عندنا، والسلب

стр. 614

إذا دخل على السلب صار ثبوتاً، فـ" لا عليَّة " ثبوتٌ لا سلبٌ، فلا يتمُّ مقصودكم، فتكون العلية عدمية، لأن نقيضها ثبوت. حكم التعليل بالإضافات ص: الرابع: المانعون من التعليل بالعدم امتنعوا من التعليل بالإضافات (١) ؛ لأنها عدم (٢) . الشرح النسب والإضافات كالأبوة والبنوة، و [التقدُّم والتأخُّر] (٣) ، والمعية والقبلية والبعدية، وجوديةٌ عند الفلاسفة عدميةٌ عندنا، غير أن (٤) وجودها ذهني فقط (٥) ، فهي موجودة في الأذهان لا (٦) في الأعيان، والأوصاف العدمية عَدَمٌ مطلقٌ (٧) في الذهن والخارج، فهذا هو الفرق بينهما، واستوى القسمان في العدم في الخارج، فلذلك من منع هناك (٨) منع هنا (٩) .

стр. 615

حكم التعليل بالحكم الشرعي ص: الخامس: يجوز التعليل بالحكم الشرعي [للحكم الشرعي] (١) خلافاً لقوم، كقولنا (٢) نَجِسٌ فيحرم (٣) . الشرح حجة الجواز: أن (٤) علل الشرع معرِّفات، فللشارع أن يَنْصِب حكماً عَلَمًا على حكم آخر (٥) كما يَنْصِب النجاسة (٦) التي هي حكم شرعي على تحريم البيع أو الأكل الذي هو حكم شرعي. حجة المنع: أن (٧) الحكم شأنه أن يكون معلولاً، فلو صار علة لانقلبت الحقائق. ولأن (٨) الحكمين متساويان (٩) في أن كل واحد منهما حكم (١٠) ، فليس جعل أحدهما علة للآخر (١١) أولى من العكس.

стр. 616

والجواب عن الأول: ليس في ذلك قلْبٌ للحقائق، بل يكون ذلك الحكم معلولاً لعلَّته (١) ، وعلَّته (٢) معرِّفةٌ لحكمٍ آخر غير علته وغيره. فإن ادعيتم أن شأن الحكم أن (٣) لا يكون علةً ألبتة، فهذا محل النزاع. وعن الثاني: أن المناسبة تعيِّن (٤) أحدهما للعلية والآخر للمعلولية، كما تقول: نجس فيحرم، وطاهر فتجوز به الصلاة، فإن النجاسة مناسبة للتحريم، والطهارة مناسبة لإباحة الصلاة، فما وقع الترجيح [إلا بمرجّح] (٥) ، ولو عُكِس هذا وقيل: لا يجوز بيعه [فيحرم لم ينتظم (٦) ؛ لإنه قد يحرم بيعه لغصبه أو لعجزه عن تسليمه أو غير ذلك] (٧) . حكم التعليل بالأوصاف العُرْفيَّة ص: السادس: يجوز التعليل بالأوصاف العُرْفية كالشَّرف، والخِسَّة (٨) ، بشرط [اطِّرادها وتميُّزِها عن غيرها] (٩) .

стр. 617

الشرح أما الجواز: فإن الشرف يناسب التكريم والتعظيم وتحريم الإهانة ووجوب الحفظ، والخسة تناسب ضِدَّ هذه الأحكام من تحريم التعظيم وإباحة الإهانة، فهذا وجه (١) جواز (٢) التعليل بها. وأما اشتراط اطِّرادها: فلأن (٣) ذلك الحكم إذا لم يوجد في جميع صور ذلك الوصف، ووجد (٤) الحكم بدونه ومعه، فهو عدم التأثير (٥) ، وهو يدل على [عدم اعتبار] (٦) ذلك الوصف. وأما التمييز: فلأن التعليل بالشيء فرع تمييزه (٧) عن غيره، لأن الحكم يعتمد التصور (٨) (٩) . حكم التعليل بالعلة المركبة ص: السابع: يجوز التعليل بالعلة المركبة (١٠) عند الأكثرين، كالقتل العمد

стр. 618

العدوان (١) . الشرح حجة (٢) الجواز: أن المصلحة قد لا تحصل إلا بالتركيب، فإن الوصف الواحد (٣) قد يقصر، كما تقول: إن وصف الزنا لا يستقل بمناسبة وجوب (٤) الحدِّ إلا بشرط أن يكون الواطيء عالماً بأنها أجنبية، فلو (٥) جهل ذلك لم يناسب وجوب الحد، وكذلك القتل وحده لا يناسب وجوب القصاص حتى ينضاف إليه العمد العدوان. حجة المنع: أن القول بتركيب العلة الشرعية يفضي إلى نقض العلة العقلية (٦) . [بيانه: أن القاعدة* العقلية] (٧) أن عدم جزء المركَّب علةٌ (٨) لعدم ذلك المركب، فإذا فرضنا علةً شرعية مركبة أو عقلية فعُدِم جزء منها فلا شك أن ذلك المركب يُعْدم وتعدم تلك العلية (٩) تبعاً (١٠) له، فإذا عُدِم جزء آخر بعد ذلك لم يترتب عليه عَدَم ذلك

стр. 619

المركب، ولا تلك العلية (١) ؛ لتقدُّم ذلك على عدمه، وإلا لزم تحصيل الحاصل (٢) ، فقد وُجِدت العلة العقلية بدون أثرها وهو نقض (٣) العلة العقلية، وهو محال. فإن قلت: هذا يقتضي ألاّ يوجد مركب في العالم، وهو خلاف الضرورة. قلتُ: لا معنى للمركّب في (٤) الخارج إلا تلك الأجزاء، والمجموع إنما هو صورة (٥) ذهنية، أما العليَّة (٦) فهي حكم شرعي خارجيٌّ عَرَضيٌّ (٧) لذلك المركب فافترقا. والجواب: أن نقض العلة العقلية غير لازم؛ لأنه إذا عُدِم جزءٌ من الثلاثة عُدِمت الثلاثة، والباقي بعد ذلك هو جزء الاثنين لا جزء الثلاثة (٨) ، فإذا عُدِم أحد (٩) الاثنين الباقيين الآن يُعدم مجموع الاثنين، فعَدَمه علةٌ لعدم الاثنين لا لعدم الثلاثة (١٠) ؛ لأن عدم الباقي ليس جزء الثلاثة؛ فإن جزئية الثلاثة أمر نسبي يذهب عند ذهاب أحد الطرفين وهو الثلاثة (١١) . حكم التعليل بالعلَّة القاصرة ص: الثامن: يجوز التعليل بالعلة القاصرة (١٢) عند

стр. 620

الشافعي (١) وأكثر المتكلمين (٢) خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه (٣) ، إلا أن تكون منصوصة (٤) ؛ لأن فائدة التعليل عند الحنفية التعدية للفرع وقد انتفتْ (٥) . وجوابهم: بقاء (٦) سكون النفس للحكم والاطلاع على مقصود الشرع فيه. الشرح قال القاضي عبد الوهاب: القاصرة (٧) قال [بها بعض] (٨) أصحابنا وأصحاب الشافعي، وانبنى على ذلك تعليل الذهب والفضة بأنهما أصول الأثمان* والمتمولات،

стр. 621

ومنعها أكثر العراقيين (١) ، وفصَّل بعضهم بين المنصوصة والمستنبطة، فمنع المستنبطة، إلا أن ينعقد (٢) فيها إجماع (٣) . حجة المنع مطلقاً: أن القاصرة غير معلومة من طريق (٤) الصحابة رضوان الله عليهم فلا تثبت؛ لأن القياس وتفاريعه إنما تُلُقِّي (٥) من الصحابة، ويلزم من عدم المدرك (٦) عدم الحكم. حجة من فصَّل بين المنصوصة وغيرها: أن النص تعبُّد من الشارع يجب تلقيه بالقبول، أما استنباطنا نحن فلا يجوز (٧) أن يكون إلا للتعدية (٨) . والجواب عن الأول (٩) : أن المنقول عن الصحابة رضوان الله عليهم الفحص عن حِكَم (١٠) الشريعة وأسرارها بحسب الإمكان، ومن حِكَم (١١) الشريعة الاطلاع على حكمة الشرع في الأصل، فيكون ذلك أدعى لطواعية العبد وسكون نفسه للحكم (١٢) . وعن الثاني (١٣) : أنا نستنبط لما تقدَّم من الفوائد (١٤) ، ولأنه قد يجتمع (١٥) في الأصل مع القاصرة وصْفٌ متعدٍّ، والحكم منفيٌّ عنه (١٦) بالإجماع، فيكون ذلك الوصف

стр. 622

المتعدي (١) إنما تُرِك لأجل عدم (٢) القاصرة، فإنَّ عدم العلة علةٌ لعدم المعلول، فإذا لم يُعتبر القاصر يكون المتعدي قد تُرِك [بلا معارض] (٣) . فهذه فائدة أخرى في اعتبار القاصرة (٤) . حكم التعليل بالاسم وبالأوصاف المقدَّرة ص: التاسع: اتفقوا على أنه لا يجوز التعليل بالاسم (٥) .

стр. 623

العاشر: اختار الإمام (١) أنه لا يجوز التعليل بالأوصاف المقدرة (٢) خلافاً لبعض الفقهاء (٣) ، كتعليل العتق عن الغير بتقدير المِلْك (٤) . الشرح أما الاسم بمجرده؛ فلأنه طَرْديٌ، مَحْضٌ والشرائع شأنها رعاية المصالح ومظانها. أمَّا ما لا يكون مصلحة ولا مظنة للمصلحة فليس دَأْب الشرائع (٥) اعتباره. وأما المقدرات فقد اشتد نكير الإمام فخر الدين عليها، وأنها من الأمور التي لا يجوز أن تُعْتقد في الشرائع، وأنكر كون الولاء (٦) للمُعْتِق عن* الغير معلَّلاً بتقدير الملك له، وأنكر تقدير الأعيان في الذمَّة، وأنها لا تُصوَّر (٧) . واعلم أن [المقدَّرات في] (٨) الشريعة لا يكاد يعرى عنها باب من أبواب الفقه،

стр. 624

وقد بسطتُ ذلك في كتاب " الأمنية " (١) . وكيف يتخيَّل عاقل أن المطالبة تتوجه على أحدٍ بغير أمر (٢) مطالَب به، وكيف يكون الطلب بلا مطلوب؟! وكذا المطلوب يُمنع أن يكون معيَّناً في السَّلَم وإلا لما كان سَلَماً، فيتعين أن يكون في الذمة، ولا نعني بالتقدير إلا هذا، وكيف يصح (٣) العَقْد على إرْدَبٍّ (٤) من الحِنْطة وهو غير معيَّن ولا مقدَّر في الذمة، [فحينئذٍ هذا عقدٌ] (٥) بلا معقودٍ عليه، بل لفظ بلا معنى؟. وكذلك إذا باعه بثمنٍ إلى أجَلٍ هذا الثمنُ غير معيَّن، فإذا لم يكن مقدَّراً في الذمة كيف يبقى بعد ذلك ثمنٌ (٦) يُتصوَّر؟. وكذلك الإجارة لابد من تقدير منافع في الأعيان حتى يصح أن تكون (٧) موردَ العقد، إذ لولا (٨) تُخيِّل ذلك فيها امتنعت إجارتها ووقْفُها وعاريتها وغير لك من عقود المنافع، وكذلك الصُّلْح على (٩) الدَّيْن (١٠) وغيره لابد من تَخيُّل المصالح عليه حتى يقابل بالطرف الآخر ويكون متعلَّقَ عقدِ الصلح، وإذا لم يُقدَّر الملِكُ للمعتَق عنه كيف يصحُّ القول ببراءة ذمته (١١) من الكفارة (١٢) التي أعْتق عنها؟ وكيف يكون له الولاء في غير عبد يملكه وهو لم يملكه

стр. 625

محققا؟! فتعيَّن (١) أن يكون مقدراً، وكذلك لا يكاد (٢) يعرى باب من أبواب الفقه عن التقدير، فإنكار الإمام مُنْكر، والحق التعليل بالمقدرات. حكم التعليل بالمانع ص: الحادي عشر: يجوز تعليل الحكم (٣) العدمي بالوصف الوجودي (٤) ، ولا يتوقف على وجود المُقْتضِي عند الإمام (٥) خلافاً للأكثرين في التوقف (٦) . وهذا هو تعليل انتفاء (٧) الحكم بالمانع، فهو يقول: المانع (٨) هو (٩) ضد علة الثبوت والشيء لا يتوقف على ضده.

стр. 626

وجوابه: أنه لا يَحْسُن في العادة أن يقال للأعمى: إنه لا يبصر زيداً للجدار الذي بينهما، وإنما يَحْسُن ذلك في البصير. الشرح مدرك الجماعة (١) : العوائد والشرائع، أما العوائد فكما تقدم في الضرير (٢) ونحوه، أما الشرائع فلا نقول في الفقير: إنه (٣) لا يجب عليه الزكاة؛ لأن عليه ديناً، وإنما نقول: لأنه (٤) فقير، ولا نقول في (٥) الأجنبي: إنه لا يرث؛ لأنه عبد بل لأنه أجنبي. وأما حجة الإمام: فلأن (٦) المانع ضد المقتضي، وأحد الضدين لا يكون [شرطاً في الآخر] (٧) ؛ لأن من شَرْط الشرط إمكانَ اجتماعه مع المشروط، والضدّ لا يمكن اجتماعه مع ضده (٨) . فالجواب عنه: أن المانع ليس ضد المقتضى، بل أثره ضد أثره، فالتضادُّ بين الأثرين لا بين المؤثِّرين، فالدَّيْن والنِّصاب لا تضاد بينهما، فيكون مديوناً وله نصاب من غير منافاة، لكن أثر الدين عدم وجوب الزكاة، وأثر النصاب وجوب الزكاة، والزكاة وعدمها متناقضان، ونحن لم نقل بأن أحد الأثرين شرطٌ في الآخر [بل نَفَيْنا أحدَ الأثرين جَزْماً، وإنما قلنا أحدُ المؤثِّرين شرطٌ في الآخر] (٩) ، فأين أحد البابين من الآخر؟!

стр. 627

الفصل السابع فيما يدخله القياس وهو ثمانية أنواع: القياس في العقليات ص: الأول: اتفق* أكثر (١) المتكلمين على جوازه في العقليات ويسمونه (٢) : ((إلحاق الغائب بالشاهد)) (٣) . الشرح جعلوا الجامع في إلحاق الغائب بالشاهد (٤) أربعة (٥) : الجمع بالحقيقة (٦) : كقولنا ((حقيقة العالِم مَنْ قام به العلم)) ، والله تعالى عالم فيقوم به العلم. والجمع (٧) بالدليل: كقولنا ((الاتقان في الشاهد دليل العلم)) ، والله تعالى مُتْقِنٌ

стр. 628

لأفعاله (١) فيكون عالماً. والجمع بالشرط: كقولنا العلم في الشاهد مشروط بالحياة، والله تعالى عالم، فيكون حياً. والجمع بالعلة: كقولنا العلم في الشاهد علة للعالِمِيَّة، والله تعالى له علم، فيكون عالماً (٢) . وكثير من مباحث أصول الدين مبني (٣) على قياس الشاهد على الغائب (٤) . حجة المنع: أن* صورة المقيس (٥) إنْ كانت بعينها (٦) صورة المقيس عليه فهما واحدةٌ فلا قياس حينئذٍ، وإن تغايرا (٧) فلكل واحدٍ منهما تعيُّنٌ، فلعل تعينَ الأصل شرطٌ، فلأجل ذلك صح ثبوت الحكم، [وتعيُّن الفرع مانعٌ (٨) فلا يثبت الحكم (٩) ] (١٠) ومع الاحتمال لا يقين (١١) ، والمطلوب بهذا القياس اليقين. والجواب: أن العقل قد يقطع بسقوط (١٢) الخصوصيات عن الاعتبار، كما نقول (١٣) : إن اللون الذي قام بزيْدٍ مُفْتقرٌ للجوهر، وكذلك الجماد والنبات، وإن خصوصية الحيوان والجماد والنبات لا مدخل لها (١٤) في افتقار اللون للمحل لا شرطاً

стр. 629

ولا مانعاً ولا* موجباً، بل ذلك لذات اللون من حيث هو لون، وكذلك عِلْم زَيْدٍ إنما هو مشروط بالحياة؛ لأنه علم لا بخصوص محل، ونحن إنما نقيس فيما هذا شأنه، فاندفع الاحتمال، وحصل القطع [باستواء الموضعين] (١) في الحكم. القياس في اللغات ص: الثاني: اختار (٢) الإمام (٣) وجماعة (٤) جواز (٥) القياس في اللغات (٦) ، وقال ابن جِنِّي (٧) : هو قول أكثر الأدباء (٨) ، خلافاً للحنفية (٩) وجماعة من الفقهاء (١٠) .

стр. 630

الشرح قال سيف الدين الآمدي (١) : لا يجوز القياس في اللغات، وقال بعضهم (٢) : جميع اللغات اليوم ثابتة بالقياس؛ لأن العرب إنما وَضعتْ أسماء الأجناس للأعيان التي شاهدوها، فإذا هلكتْ تلك الأعيان وجاءت أعيان أُخْر (٣) فإنما يطلق عليها الاسم بالقياس، فلفظ (٤) الفرس وغيره من الحيوانات اليوم إنما يطلق بالقياس. وهذا غلط، فإن (٥) العرب إنما وضعتْ لما تصورتهُ بعقولها، لا لما شاهدته بأبصارها، والمتصوَّر بالعقل موجود في الأشخاص الماضية والحاضرة على حدٍّ واحدٍ، فمفهوم الفرسِ المعقولُ هو الموضوع له، ويصير معنى ذلك: أن الواضع قال: كلُّ ما تنطبق عليه هذه الصورة الذهنية هو المسمَّى بالفرس عندي، وكذلك بقية أسماء الأجناس. ولم توضع لما في الخارج من المُشَاهد بالبصر إلا أعلامُ الأشخاص (٦) دون أعلام الأجناس (٧) ، فهذا ذكره الشيخ أبو إسحاق في " اللمع " (٨) ، وعَليه ما ترى.

стр. 631

إنما (١) القياس في اللغة مثل: كون العرب وضعتْ السرقة لأخذ المال على صورة مخصوصة، حتى فرَّقتْ بين الغاصب والمُحارب والجاحد والخائن والمخْتلِس والسارق (٢) ، فحينئذٍ السرقة (٣) موضوعة (٤) لشيء مخصوص، فهل يُسمَّى النَّبَّاش (٥) للقبور سارقاً لأجل مشابهته للسارق أو يسمى اللائط (٦) زانياً لمشابهته للزاني؟ هذا موضع الخلاف. حجة المنع: أنه (٧) لو صح القياس لبطل المجاز خصوصاً المستعار، فإن المشابهة هي علاقته، [فحينئذٍ إن] (٨) أرادوا بالقياس أنه يصير حقيقةً بطل هذا المجاز كله، وقد أجمعنا على ثوبته (٩) ، وإن أرادوا جواز الإطلاق على سبيل المجاز فهو متفق عليه، فعلم (١٠) بأن القول بالقياس لا سبيل إليه، ولأن الأَبْلَق (١١) يقال للفرس لاجتماع السواد

стр. 632

والبياض فيه، ولا يقال ذلك لغيره من الحيوانات (١) ، فلو كان القياس سائغاً لساغ ذلك، لكن أهل اللغة منعوه، وكذلك " القارورة " تقال (٢) للزُّجاجة لأجل ما يستقر فيها (٣) ، ولا يقال ذلك للنهر ولا لغيره وإن استقرت فيه (٤) المائعات. حجة الجواز: أن الفاعل يُرفع في زماننا، والمفعول يُنْصب، وغير ذلك من المعمولات، وذلك في* أسماء لم تسمعْها العرب من الأعلام وغيرها، فلا يمكن أن يقال ذلك بالوضع؛ لأن العرب لم تسمع هذه الأسماء. والوضع فرع التصوُّر، فيتعيَّن أن يكون بالقياس. والجواب: أن ذلك بالوضع، والعرب لما وَضَعت الفاعل ورفعتْهُ لم تضعْه لشيء بعينه بل للحقيقة الكلية، وتلك الحقيقة الكلية - وهو (٥) كونه مُسنداً (٦) إليه الفعلُ وما في معنى الفعل من اسم الفاعل ونحوه - موجود في جميع هذه الصور (٧) ، فلا جَرَم صحَّ الإطلاق، وكان عربياً حقيقة لا مجازاً ولا قياساً. القياس في الأسباب ص: الثالث: الشهير (٨) أنه لا يجوز إجراء القياس في الأسباب (٩) ، كقياس

стр. 633

اللِّواط على الزنا (١) في وجوب الحدِّ (٢) لأنه لا يَحْسُن أن يقال في (٣) طلوع الشمس: إنه مُوجِبُ للعبادة كغروبها (٤) . الشرح حجة الجواز: أن السببية حكم شرعي، فجاز القياس فيها كسائر الأحكام، ولأن السبب إنما يكون سبباً لأجل الحكمة التي اشتمل عليها، فإذا وجدت في غيره وجب أن يكون سبباً تكثيراً لتلك الحكمة. [حجة المنع: أن الحِكَم] (٥) غير منضبطة (٦) ؛ لأنها مقادير من الحاجات، وإنما المنضبط الأوصاف، ولذلك إنما (٧) ترتب الحُكْم على سببه وُجدتْ حكمته أم لا، بدليل أنا نقطع بالسرقة وإن لم يتلف المال بأن وجد مع السارق، ونحدُّ الزاني (٨) وإن لم يختلط نسب (٩) بل (١٠) تحيض ولا يظهر حَبَل (١١) ، فعلمنا أن الحِكَم إنما هي مَرْعِيَّة في

стр. 634

الجملة، والمعتبر إنما هو الأوصاف، فإذا قسنا إنما نجمع بالحكمة وهي غير منضبطة، والجمع بغير (١) المنضبط لا يجوز. حكم القياس في العدم الأصلي ص: الرابع: اختلفوا في جواز (٢) دخول القياس في العدم الأصلي. قال الإمام (٣) : والحق أنه يدخله قياس الاستدلال (٤) بعدم (٥) خواص (٦) الشيء على عدمه دون قياس العلة (٧) ، [وهذا] (٨) بخلاف الإعدام فإنه حكم شرعي (٩) .

стр. 635

الشرح العدم الأصلي كعدم صلاةٍ سادسةٍ، وعدم وجوب صوم شهرٍ غير (١) رمضان، ونحوه. حجة الجواز: أنه يمكن أن يقال: إنما لم يجب الفعل الفلاني؛ لأن فيه مفسدة خالصة أو راجحة، وهذا الفعل مشتمل (٢) على مفسدة خالصة أو راجحة، فوجب أن لا يجب. حجة المنع: أن العدم الأصلي ثابت مستمر بذاته، وما هو مستمر بذاته يستحيل إثباته (٣) بالغير، فلا يمكن إثباته بالقياس (٤) . حجة الإمام (٥) أن العلة إنما تكون في المعاني الوجودية، والعدم نفي محض، فلا نتصوّر فيه العلل. وجوابه (٦) : ما تقدّم أن العدم قد يُعلل* بدرء المفسدة، كما تقول: إنما لم يبح الله تعالى الزنا ونحوه لما فيه من المفاسد. وأمَّا الإعدام فهو رفع الحكم بعد ثبوته، ولا شك أن رفع الحكم (٧) الثابت يحتاج إلى رافعٍ، بخلاف تحقيق ما هو متحقق، فإنه يلزم منه تحصيل الحاصل، فظهر الفرق بين العدم والإعدام (٨) .
следующие страницы →