← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9879

جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول - رسالة ماجستير

القرافي

Полный текст (780 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

إنما (١) القياس في اللغة مثل: كون العرب وضعتْ السرقة لأخذ المال على صورة مخصوصة، حتى فرَّقتْ بين الغاصب والمُحارب والجاحد والخائن والمخْتلِس والسارق (٢) ، فحينئذٍ السرقة (٣) موضوعة (٤) لشيء مخصوص، فهل يُسمَّى النَّبَّاش (٥) للقبور سارقاً لأجل مشابهته للسارق أو يسمى اللائط (٦) زانياً لمشابهته للزاني؟ هذا موضع الخلاف. حجة المنع: أنه (٧) لو صح القياس لبطل المجاز خصوصاً المستعار، فإن المشابهة هي علاقته، [فحينئذٍ إن] (٨) أرادوا بالقياس أنه يصير حقيقةً بطل هذا المجاز كله، وقد أجمعنا على ثوبته (٩) ، وإن أرادوا جواز الإطلاق على سبيل المجاز فهو متفق عليه، فعلم (١٠) بأن القول بالقياس لا سبيل إليه، ولأن الأَبْلَق (١١) يقال للفرس لاجتماع السواد

стр. 632

والبياض فيه، ولا يقال ذلك لغيره من الحيوانات (١) ، فلو كان القياس سائغاً لساغ ذلك، لكن أهل اللغة منعوه، وكذلك " القارورة " تقال (٢) للزُّجاجة لأجل ما يستقر فيها (٣) ، ولا يقال ذلك للنهر ولا لغيره وإن استقرت فيه (٤) المائعات. حجة الجواز: أن الفاعل يُرفع في زماننا، والمفعول يُنْصب، وغير ذلك من المعمولات، وذلك في* أسماء لم تسمعْها العرب من الأعلام وغيرها، فلا يمكن أن يقال ذلك بالوضع؛ لأن العرب لم تسمع هذه الأسماء. والوضع فرع التصوُّر، فيتعيَّن أن يكون بالقياس. والجواب: أن ذلك بالوضع، والعرب لما وَضَعت الفاعل ورفعتْهُ لم تضعْه لشيء بعينه بل للحقيقة الكلية، وتلك الحقيقة الكلية - وهو (٥) كونه مُسنداً (٦) إليه الفعلُ وما في معنى الفعل من اسم الفاعل ونحوه - موجود في جميع هذه الصور (٧) ، فلا جَرَم صحَّ الإطلاق، وكان عربياً حقيقة لا مجازاً ولا قياساً. القياس في الأسباب ص: الثالث: الشهير (٨) أنه لا يجوز إجراء القياس في الأسباب (٩) ، كقياس

стр. 633

اللِّواط على الزنا (١) في وجوب الحدِّ (٢) لأنه لا يَحْسُن أن يقال في (٣) طلوع الشمس: إنه مُوجِبُ للعبادة كغروبها (٤) . الشرح حجة الجواز: أن السببية حكم شرعي، فجاز القياس فيها كسائر الأحكام، ولأن السبب إنما يكون سبباً لأجل الحكمة التي اشتمل عليها، فإذا وجدت في غيره وجب أن يكون سبباً تكثيراً لتلك الحكمة. [حجة المنع: أن الحِكَم] (٥) غير منضبطة (٦) ؛ لأنها مقادير من الحاجات، وإنما المنضبط الأوصاف، ولذلك إنما (٧) ترتب الحُكْم على سببه وُجدتْ حكمته أم لا، بدليل أنا نقطع بالسرقة وإن لم يتلف المال بأن وجد مع السارق، ونحدُّ الزاني (٨) وإن لم يختلط نسب (٩) بل (١٠) تحيض ولا يظهر حَبَل (١١) ، فعلمنا أن الحِكَم إنما هي مَرْعِيَّة في

стр. 634

الجملة، والمعتبر إنما هو الأوصاف، فإذا قسنا إنما نجمع بالحكمة وهي غير منضبطة، والجمع بغير (١) المنضبط لا يجوز. حكم القياس في العدم الأصلي ص: الرابع: اختلفوا في جواز (٢) دخول القياس في العدم الأصلي. قال الإمام (٣) : والحق أنه يدخله قياس الاستدلال (٤) بعدم (٥) خواص (٦) الشيء على عدمه دون قياس العلة (٧) ، [وهذا] (٨) بخلاف الإعدام فإنه حكم شرعي (٩) .

стр. 635

الشرح العدم الأصلي كعدم صلاةٍ سادسةٍ، وعدم وجوب صوم شهرٍ غير (١) رمضان، ونحوه. حجة الجواز: أنه يمكن أن يقال: إنما لم يجب الفعل الفلاني؛ لأن فيه مفسدة خالصة أو راجحة، وهذا الفعل مشتمل (٢) على مفسدة خالصة أو راجحة، فوجب أن لا يجب. حجة المنع: أن العدم الأصلي ثابت مستمر بذاته، وما هو مستمر بذاته يستحيل إثباته (٣) بالغير، فلا يمكن إثباته بالقياس (٤) . حجة الإمام (٥) أن العلة إنما تكون في المعاني الوجودية، والعدم نفي محض، فلا نتصوّر فيه العلل. وجوابه (٦) : ما تقدّم أن العدم قد يُعلل* بدرء المفسدة، كما تقول: إنما لم يبح الله تعالى الزنا ونحوه لما فيه من المفاسد. وأمَّا الإعدام فهو رفع الحكم بعد ثبوته، ولا شك أن رفع الحكم (٧) الثابت يحتاج إلى رافعٍ، بخلاف تحقيق ما هو متحقق، فإنه يلزم منه تحصيل الحاصل، فظهر الفرق بين العدم والإعدام (٨) .

стр. 636

حكم إثبات أصول العبادات بالقياس ص: الخامس: قال الجُبَّائي (١) والكرخي (٢) لا يجوز إثبات أصول العبادات (٣) بالقياس (٤) . الشرح حجة المنع: أن الدليل ينفي العمل بالظن (٥) ، خالفناه في إثبات فروع العبادات بالقياس (٦) ، فيبقى على مقتضى الدليل في أصولها (٧) . والفرق أن أصل العبادة أمر مهمٌّ في الدين، فيكون بالتنصيص من جهة صاحب الشرع لاهتمامه به. والفرع بعد ذلك ينبه عليه أصله، فيكفي فيه القياس. حجة الجواز: أن الشريعة إذا وجد فيها أصل عبادة لنوع من المصالح، ووجد ذلك النوع من المصالح في فعل آخر، وجب أن يكون مأموراً به عبادة قياساً على ذلك النوع الثابت بالنص تكثيراً للمصلحة. والأدلة الدالة على القياس لم تُفرِّق بين مصلحة ومصلحة، وما ذكرتموه من الفرق معارَضٌ بأن مصلحة أصل العبادة إمَّا أعظم من مصلحة الفرع أو مثلُها (٨) ؛ لأن الأصل لا يكون أضعف من فرعه، وعلى كل تقدير

стр. 637

وجب القول بالقياس تحصيلاً لتلك المصلحة التي هي أعظم بطريق الأولى، أو (١) المصلحة المساوية، لأن حكم أحد المثلين حكم للآخر. القياس في المقدرات والحدود والكفارات ص: السادس: يجوز عند ابن القصار (٢) والباجي (٣) والشافعي (٤) جريان القياس في المقدَّرات [والحدود والكفارات] (٥) خلافاً لأبي حنيفة ﵀ وأصحابه (٦) لأنها أحكام شرعية. الشرح [حجة المنع: أن المقدَّرات كنُصُب الزكوات، والحدود كجلد (٧) الزاني مائةً، والكفارات] (٨) كصيام ثلاثة أيامٍ، لا يعقل معناها (٩) دون (١٠) ما هو أقل منها كتسعة عشر ديناراً في الزكاة، أو تسعة وتسعين سوطاً، أو يومين، أو [واحدٍ وستين] (١١) في كفارة الظهار مثلاً، وما لا يُعقل معناه يتعذر القياس فيه (١٢) .

стр. 638

والجواب: أنا إنما نقول بالقياس حيث ظفرنا بالمعنى الذي لأجله ثبت الحكم فحيث تعذر ذلك وكان تعبداً فإنا لا نقيس، فلا ترد علينا مواطن التعبد (١) . القياس في الرخص ص: السابع: يجوز القياس عند الشافعي على الرخص (٢) ، خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه (٣) . الشرح حكى المالكية عن مذهب (٤) مالك قولين في جواز القياس على الرخص (٥) ،

стр. 639

وخرَّجوا على القولين فروعاً كثيرة في المذاهب، منها لُبْس خُفٍّ على خُفٍّ (١) وغير ذلك (٢) . حجة المنع: أن الرخص مخالِفَة للدليل، فالقول بالقياس عليها يؤدي إلى كثرة مخالفة الدليل، فوجب ألاَّ يجوز. حجة الجواز: أن الدليل إنما يخالفه (٣) صاحبُ الشرع لمصلحةٍ تزيد على مصلحة ذلك الدليل عملاً بالاستقراء، وتقديمُ الأرجح هو شأن صاحب الشرع، وهو مقتضى الدليل، فإذا وجدنا تلك المصلحة التي لأجلها [خولف الدليل] (٤) في صورةٍ وجب أن يُخَالَف [الدليلُ بها] (٥) عملاً برجحانها، فنحن حينئذٍ كَثَّرْنا موافقة الدليل لا مخالفته (٦) . القياس في العاديات ونحوها ص: الثامن: لا يدخل القياس فيما طريقه الخِلْقَة (٧) والعادة (٨) كالحيض، [وفيما لا] (٩)

стр. 640

يتعلق به عمل كفتح مكة عَنْوةً (١) ، ونحوه (٢) . الشرح لا يمكن أن نقول فُلاَنة* تحيض عشرة أيام وينقطع دمُها فوجب أن تكون الأخرى كذلك قياساً عليها (٣) ، فإن هذه الأمور تتبع الطِّباع والأمزجة والعوائد في الأقاليم، فرُبَّ إقليم يَغْلِب عليه معنىً لا يَغْلِب على غيره من الأقاليم. وأما فتح مكة عَنْوة فإن أريد به [أنَّه وجب أن يكون الواقع] (٤) العَنْوةَ في دمشق كما وقعتْ في بلدٍ عُلم أنه (٥) عنوةٌ فهذا صحيح (٦) ، فإنَّ العَنْوة تَتْبع أسبابها، ولا يمكن

стр. 641

إثبات عَنوةٍ ولا صلحٍ بالقياس، وإن أُريد أن العنوة ليس فيها حكم شرعي، فليس كذلك، بل لنا أن نثبت للعَنْوة أحكاماً شرعيةً بالقياس (١) كالحُبُس (٢) في الأراضي (٣) وغيرها من الإجارات والشُّفْعات (٤) وصحة القِسْمة (٥) والإرث (٦) وغير ذلك، فقد قال مالك: إن أرض العنوة يمتنع فيها جميع (٧) ذلك (٨) ، وقال الشافعي: يجوز فيها جميع ذلك (٩) ، [فهذا تعلَّق به] (١٠) أحكامٌ شرعية، أمكن التمسك في بعضها بالقياس إذا وُجد جامعٌ يقتضيه، غير أن الإمام فخر الدين أطلق القول في ذلك (١١) ، والحق (١٢) هذا (١٣) التفصيل.

стр. 642

الباب الثامن عشر في التعارض (١) والترجيح (٢) وفيه خمسة فصول: الفصل الأول هل يجوز تساوي الأمارتين ؟ ص: اختلفوا هل يجوز (٣) تساوي الأمارتين (٤) ؟. فمنعه الكَرْخي (٥) ، وجوَّزه الباقون (٦) ، والمجوِّزون اختلفوا، فقال القاضي أبوبكر (٧) منا وأبو علي وأبو هاشم (٨)

стр. 643

يتخيَّر، ويتساقطان عند بعض الفقهاء (١) ، قال الإمام ﵀: إن وقع التعارض في فعل واحد باعتبار حكمين فهذا متعذِّر (٢) ، وإن وقع في فعلين والحكم واحد كالتوجُّه إلى جهتين للكعبة (٣) فيتخيَّر (٤) . قال الباجي في القسم الأول (٥) : إذا تعارضا في الحظر (٦) والإباحة يتخيَّر (٧) ، وقال الأَبْهَري: يتعين الحظر (٨) بناءً (٩) على أصله أن الأشياءعلىالحظر (١٠) ، وقال أبو الفرج: تتعين (١١) الإباحة بناءً (١٢) على أصله أن الأشياء على الإباحة (١٣) ، فالثلاثة رجعوا إلى حكم العقل (١٤) بناءً (١٥) على أصولهم (١٦) .

стр. 644

الشرح حجة منع تساويهما: أن (١) الظنون لها مراتب تختلف باختلاف العقول (٢) والسجايا، [ولكن العقول والسجايا] (٣) غير منضبطة المقدار، [فما (٤) نشأ (٥) عنها غير منضبط المقدار] (٦) ، فيتعذَّر (٧) تساوي الأمارتين (٨) . حجة الجواز: أن الغيم الرَّطْب المُسِفَّ (٩) في زمن الشتاء يستوي العقلاء أو عاقلان (١٠) فقط (١١) في موجَبه وما يقتضيه حاله (١٢) ، وكذلك الجدار المتداعي للسقوط لابد أن يجتمع في العالم اثنان على حكمه، وإن خالفهما (١٣) الباقون، فيحصل المقصود، فإنا لا ندعي وجوب (١٤) التساوي بل [جواز التساوي] (١٥) وذلك (١٦) كافٍ فيما ذكرناه.

стр. 645

حجة القول بالتخيير (١) : أن (٢) التساوي يمنع الترجيح، والعمل بالدليل الشرعي واجب بحسب الإمكان، فإذا خيَّرناه بينهما فقد أعملنا (٣) الدليل الشرعي من حيث الجملة، بخلاف إذا قلنا بالتساقط فإنه إلغاء بالكلية. حجة التساقط: أنا (٤) إذا خيرناه فقد أعملنا (٥) دليل* الإباحة، والتقدير أنه (٦) مساو (٧) لأمارة الحظر، فيلزم الترجيح [من غير مرجِّح] (٨) . ولأنهما (٩) إذا تعارضا لم يحصل في نفس المجتهد ظن، وإذا فُقِد الظنُّ والعلم حَرُمت الفتيا. والجواب عن الأول: لا نسلم أنه ترجيح لأمارة الإباحة من حيث هي أمارة إباحة، بل هذا التخيير نشأ عن التساوي لا عن أمارة الإباحة، وقد تشترك المختلفات في لازم واحد (١٠) ، فلم (١١) يلزم الترجيح من غير مرجح. وعن الثاني: أن ظن اعتبار أحدهما عيناً منفي (١٢) ، أما ظن التخيير الناشيء عن التساوي فلا نسلم أنه غير حاصل. وقول الإمام: ((هذا يتعذر في حكمين في فعل واحد)) ليس كما قال، المتعذِّرُ ثبوت حكمين لفعل واحد من وجهٍ، أما ثبوتهما له من وجهين فليس كذلك، كالصلاة

стр. 646

في الدار المغصوبة حرام وواجبة، وليس (١) من ذلك تعارض الأمارتين فإنَّا [لم نقل] (٢) بمقتضاهما (٣) ، بل قلنا اقتضيا (٤) حكمين متضادين، فلو امتنع ذلك (٥) لامتنع وجود المقتضي والمانع في جميع صور (٦) الشريعة وليس كذلك (٧) ، فلا محال حينئذٍ. ومثاله في حكم واحد في فعلين: أن تدلَّه أمارة على أن القبلة في استقبال جهةٍ (٨) وأمارة أخرى على أنها في استدبار تلك الجهة، فالاستقبال والاستدبار فعلان وحكمهما واحد، وهو وجوب التوجه، فيتخيَّر في الجهتين (٩) كما قاله الإمام. ورجَّح السيف الآمدي الحظر على الإباحة عند التعارض بثلاثة أوجهٍ (١٠) : أحدها: أن الحظر إنما يكون لتضمن المفاسد، وعناية (١١) الشارع والعقلاء بدرء (١٢) المفاسد أعظم من رعايتهم (١٣) لتحصيل المصالح، فيقُدَّم الحظر عنده على الواجب والمندوب والمباح. وثانيها: أن القول بترجيح الحظر يقتضي موافقة الأصل، فإن موجبه عدم الفعل، وعدم الفعل هو الأصل، أما الوجوب ونحوه فموجِبه الفعل (١٤) وهو خلاف الأصل.

стр. 647

وثالثها: أن الحظر يُخْرج الإنسان عن عهدته وإن لم يشعر به (١) ، فهو أهون (٢) وأقرب للأصول، بخلاف الوجوب ونحوه لابد فيه من الشعور حتى يخرج عن العهدة، فهذه ترجيحاتٌ غير تلك الأصول المتقدمة. تعدد أقوال المجتهد في المسألة الواحدة ص: وإذا نُقل عن مجتهدٍ قولان (٣) ، فإن كانا في موضعين وعُلم التاريخ عُدَّ الثاني رجوعاً عن الأول (٤) . وإن لم يُعلم حُكي عنه القولان (٥) ، ولا (٦) يُحكم عليه برجوعٍ (٧) ، وإن كانا (٨) في موضع* واحد بأن يقول: في المسألة قولان (٩) ، فإن أشار

стр. 648

إلى تقوية أحدهما فهو قوله، [وإن لم] (١) يعلم فقيل (٢) : يتخيَّر السامع بينهما (٣) . الشرح إذا عُلِم الرجوع عن الأول [لم يجز] (٤) الفتيا به، ولا تقليده فيه، ولا بقي (٥) يُعَدُّ (٦) من الشريعة، بل هو كالنص المنسوخ من نصوص (٧) صاحب الشريعة (٨) [لم يبق (٩) منها] (١٠) . فإن قلتَ: لأيِّ شيءٍ جَمَع الفقهاء الأقوال كلها السابقة واللاحقة في كتب الفقه، بل كان ينبغي ألاّ يُثْبَت (١١) لكل إمام إلا قوله الذي لم يَرْجع عنه؟ قلتُ: ما ذكرتموه أقرب للضبط، غير أنهم قصدوا معنى آخر، وهو الاطلاع على المدارك واختلاف الآراء، وأنَّ مِثْل هذا قد صار إليه المجتهد في وقت، فيكون ذلك أقرب للترقي لرتبة (١٢) الاجتهاد. وهو مطلب عظيم أهم من تيسير الضبط، فلذلك جُمِعت الأقوال في المذاهب. وإذا لم يُعْلم التاريخ ولم يُحْكم عليه برجوع ينبغي ألاّ يعمل بأحدهما، فإنا نجزم بأن أحدهما مرجوع عنه منسوخ، وإذا اختلط الناسخ بالمنسوخ (١٣) حَرُم العمل بهما، كاختلاط المذكَّاة بالميتة، وأختِ الرَّضاع بالأجنبية، فإن المنسوخ لا يجوز الفتيا به

стр. 649

فذلك (١) كله من باب اختلاط الجائز بالممنوع (٢) فتحرم (٣) الفتيا حينئذٍ بتلك الأقوال حتى يتعيَّن (٤) المتأخر منها (٥) ، أو يعلم (٦) أنها محمولة على أحوال مختلفة أو أقسام متباينة، فيحمل [كلُّ قولٍ] (٧) على حالةٍ أو قِسْمٍ، ولا تكون (٨) حينئذٍ أقوال (٩) في مسألة واحدة، بل كل مسألة فيها قول. وأما القولان في الموطن الواحد إذا لم يُشِرْ إلى تقوية أحدهما توجَّه (١٠) التخيير بينهما قياساً على تعارض الأمارتين، فإن نصوص المجتهد بالنسبة إلى المقلد كنسبة نصوص صاحب الشرع للمجتهد (١١) ، ولذلك (١٢) يُحمل عامُّ (١٣) المجتهد على خاصِّهِ، ومطلقُه على مقيَّدِه، وناسخُه على منسوخه، وصريحُه على مُحْتَمله (١٤) ، كما [يُعمل ذلك في نصوص صاحب الشرع] (١٥) . وأما كيف يُتصَوَّر أن يقول المجتهد في المسألة قولان، مع أنه لا يُتصوَّر عنده (١٦) الرجحان إلا في أحدهما؟ فقيل معناه: أنه أشار إلى أنهما قولان للعلماء (١٧) وأنهما احتمالان يمكن أن يقول بكل واحد منهما عالم لتقاربهما من الحق، وأما أنه جازم بهما فمحال ضرورة (١٨) .

стр. 650

الفصل الثاني في الترجيح ص: والأكثرون (١) اتفقوا على التمسك به (٢) ، وأنكره بعضهم (٣) وقال: يلزم التخيير أو التوقف (٤) . الشرح حجة الجواز (٥) : قوله ﵊: ((عليكم بالسواد الأعظم)) (٦) ، وهو يقتضي تغليب الظاهر الراجح (٧) ، وقوله ﵊ ((نحن نحكم بالظاهر)) (٨) ، وقياساً على البناء على الظاهر في الفتيا والشهادة وقيم المتلفات وغيرها، فإن الظاهر الصدق في ذلك والكذب مرجوح، وقد اعتبر الراجح إجماعاً، فكذلك هاهنا (٩) . حجة المنع (١٠) : أن الدليلين إذا تعارضا ورجح أحدهما ففي كل واحد منهما مقدار هو مُعارَض بمثله، فيسقط (١١) المِثْلان، ويبقى مجرد الرُّجْحان، [ومجرد الرجحان] (١٢) ليس

стр. 651

بدليل، وما ليس بدليل لا يجوز الاعتماد عليه، فلا يُعْتمد* على (١) الرجحان، بل ينبغي تخريج هذه الصورة على صورةِ تَسَاوي الأمارتين، والحكم* هناك التخيير على المشهور، والتوقف على الشاذِّ، فكذلك يجري هاهنا القولان. والجواب: أن القول بالترجيح ليس حكماً بمجرد الرجحان بل بالدليل الراجح، ولا نُسلِّم أن الجهة (٢) المتساوية في (٣) جهة الرجحان تسقط بمقابلها إذا عَضَدها الرجحان، وإنما نُسلِّم السقوط مع المساواة، وهذا كما نقضي (٤) بأَعْدل البيِّنتين، ليس معناه أنَّا (٥) نقضي بمزيد العدالة دون أصلها، بل [بأصل العدالة] (٦) مع الرجحان، فيُقضَى بالبيِّنة الراجحة (٧) لا برجحانها مع قطع النظر عنها، فكذلك هاهنا. الترجيح في العقليات ص: ويَمْتَنِع الترجيح في العقليات؛ لتعذُّر (٨) التفاوت بين القَطْعِيَّيْن (٩) .

стр. 652

الترجيح بكثرة الأدلة: ومذهبنا (١) ومذهب الشافعي (٢) الترجيح بكثرة الأدلة (٣) ، خلافاً لقوم (٤) . الشرح لأن (٥) كثرة الأدلة توجب مزيد (٦) الظن بالمدلول، فيكون من باب القضاء (٧) بالراجح كما تقدَّم بيانه (٨) . حجة المنع: القياس على المنع من الترجيح بالعدد في البيِّنات، فإن المشهور المنع منه (٩) بخلاف* الترجيح بمزيد العدالة. والجواب: أن الفرق بأن الترجيح بكثرة العدد يمنع سدَّ باب الخصومات، ومقصود صاحب الشرع سدُّه، بأن يقول الخصم: أنا (١٠) آتي (١١) بعددٍ أكثر من

стр. 653

عدده، فيتحيَّل ويأتي به، فيقول الآخر: وأنا أفعل ذلك، فلا تنفصل خصومة، بخلاف الترجيح بمزيد العدالة، ليس في قدرة الخصم أن يُصيِّر (١) بيِّنته أعدل من بينة خصمه، وكذلك الأدلة لا تقبل أن يَصِيْر مرجوحها راجحاً ولا قليلها كثيراً، فإن الأدلة قد استقرَّتْ من جهة صاحب الشرع فتتعذَّر (٢) الزيادة فيها، فالترجيح بكثرة الأدلة كالترجيح بالعدالة [لا كالترجيح بالعدد] (٣) ، فظهر الجواب والفرق. العمل عند تعارض الدليلين ص: وإذا تعارض دليلان (٤) فالعمل بكل واحدٍ منهما من وَجْهٍ أولى من العمل بأحدهما دون الآخر (٥) . وهما (٦) إن كانا عامَّيْن معلومين والتاريخ معلوم نَسَخ المتأخرُ المتقدِّمَ، وإن كان مجهولاً سقطا، وإن علمت المقارنة خُيِّر بينهما. وإن كانا مظنونين فإن عُلِم المتأخر نَسَخ المتقدِّمَ وإلا رُجِعَ إلى الترجيح (٧) . وإن كان أحدهما معلوماً والآخر مظنوناً

стр. 654

والمتأخرُ المعلومُ نَسَخ (١) أو المظنونُ لم يَنْسَخْ، وإن جُهِل الحال تعيَّن المعلوم. وإن كانا خاصَّيْن فحكمهما (٢) حُكْمُ العامَّيْن، وإن كان أحدهما عاماً والآخر خاصاً، قُدِّم الخاص على العام؛ لأنه لا يقتضي (٣) إلغاء أحدهما بخلاف العكس، وإن كان أحدهما عاماً من وجْهٍ كما في قوله تعالى ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ (٤) مع قوله تعالى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٥) وجب الترجيح إن كانا مظنونين (٦) . الشرح إنما يرجح (٧) العمل بأحدهما من وجهٍ؛ لأن كل واحد منهما يجوز إطلاقه بدون إرادة ذلك الوجه الذي تُرِك، ولا يجوز إطلاقه بدون (٨) جميع ما دلَّ (٩) عليه، فإن ذلك هَدَرٌ بالكلية؛ فكان الأول أولى، كقوله (١٠) ﵊ ((لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها لبولٍ أو غائطٍ)) (١١) ورَوَى ابن عمر ﵁ أنه (١٢) رأى رسول الله

стр. 655

صلى الله عليه وسلم فَعَل ذلك في بيته (١) ، الحديثين المشهورين، فَحَمَلْنا الأول على الأَفْضية، والثاني على الأبنية (٢) . وإذا كانا عامَّيْن لا يمكن حملهما على حالين تعيَّن نسخُ المتأخرِ للمتقدم كانا معلومين أو مظنونين (٣) ؛ لأنا نشترط في الناسخ أن يكون مساوياً أو أقوى (٤) ، ويسقطان مع الجهل لاحتمال النسخ، فكل واحد منهما دائر بين أن يكون ناسخاً حجة أو منسوخاً ليس بحجة، والأصل عدمُ الحكم وبراءة الذمة، فيجب التوقف حتى يتعين موجِب الشَّغْل، وإذا عُلمتْ المقارنة خُيِّر بينهما؛ لأن من (٥) شرط النسخ التراخي، والمقارنة ضِدُّه فلا نسخ، فكل واحد منهما حجة قطعاً فتعيَّن التخيير (٦) ، وإذا (٧) كان المتأخر هو المظنون لم يَنْسَخ المعلومَ، لما تقدَّم: أن القاعدة أنا نشترط في الناسخ أن يكون مساوياً أو أقوى (٨) ، والمظنون أضعف من المعلوم، ويتعين (٩) المعلوم عند جهل التاريخ لرجحانه بكونه معلوماً، ومهما (١٠) ظَفِرْنا بجهة ترجيح تعيَّن العملُ بالراجح.

стр. 656

وتقديم (١) الخاص على العام كقوله ﵊ ((لا تقتلوا الصبيان)) (٢) مع قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) فإن تقديم الحديث لا يقتضي إلغاءه (٤) ولا إلغاء الآية، وتقديم عموم الآية يقتضي إلغاء الحديث، ولأن الآية يجوز إطلاقها بدون [إرادة الصبيان] (٥) ، [ولا يجوز إطلاق الحديث بدون إرادة الصبيان] (٦) ، لأنهم جميع مدلوله فيبقى هَدَراً، فالأول أولى. وقوله تعالى: ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ (٧) يتناول المملوكتين والحُرَّتين، وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٨) يتناول الأختين والأجنبيتين، وضابطُ الأعمِّ والأخصِّ من وجهٍ: أن يوجد كل واحد منهما مع الآخر وبدونه، وقد وجد الأول في الأختين الحرتين بدون المِلْك، ووجد الثاني في المملوكات الأجنبيات بدون الأُخُوَّة (٩) ، واجتمعا معاً في الأختين المملوكتين، [فكلٌّ منهما حينئذ] (١٠) أعم من الآخر من وجهٍ وأخص من وجهٍ، فلا رجحان لأحدهما على الآخر من هذا الوجه

стр. 657

بل من خارج، و [قد رُجِّحَ] (١) المشهور من المذاهب التحريمُ في الأختين المملوكتين (٢) بأنَّ آيتهما لم يدخلها التخصيص بالإجماع، بل قيل: لا تخصيص فيها وهو المشهور، وقيل: يباحان (٣) ، وقيل: بالتوقف (٤) كما قال بعض الصحابة رضوان الله عليهم، (( أحلَّتْهما آيةٌ وحرَّمَتْهما آية)) (٥) . وأما آية المِلْك فمخصوصةٌ إجماعاً بملك اليمين من موطوءات الآباء وغيرهم (٦) ، وما لم يُخَصَّص (٧) بالإجماع مقدَّم على ما خُصِّص (٨) بالإجماع، فتُقدَّم آية الأختين، فيحرم الجمع بينهما.

стр. 658

الفصل الثالث في ترجيحات الأخبار ترجيح الأخبار في الإسناد ص: وهي إما في الإسناد (١) [وإما] (٢) في المتن، فالأول: قال الباجي رحمة الله عليه: يترجَّح بأنه في قصة (٣) مشهورة والآخر ليس كذلك. أو رُواته (٤) أحفظ أو أكثر، أو مسموعٌ منه (٥) ﵊، والآخر مكتوب به، أو متَّفَق (٦) على رفعه إليه ﵊، أو تتفق رواته عند (٧) إثبات الحكم به، أو رَاوِيْه (٨) صاحب القصة (٩) ، أو إجماعُ (١٠) أهل المدينة على العمل به، أو روايته أحسن نَسَقاً، أو سالمٌ من الاضطراب، أو موافق لظاهر الكتاب، والآخر ليس كذلك (١١) .

стр. 659

الشرح القصة المشهورة يبعد الكذب فيها بخلاف القصة الخفية. والكتابة تحتمل التزوير بخلاف المسموع. والمرفوع إلى النبي ﷺ حجةٌ إجماعاً، أما الموقوف على بعض الصحابة [يقوله من قِبَل نفسه، ولا يقول: سمعت من رسول الله ﷺ ] (١) ، فيحتمل أن يكون سمعه من النبي ﷺ فيكون حجة إجماعاً، أو هو من اجتهاده فيُخرَّج على الخلاف في قول الصحابي وفعله هل هو حجة أم لا (٢) ؟، والحجة إجماعاً مقدَّم على المتردِّد بين الحجة وغيرها. واتفاق الرواة عند إثبات الحكم دليلُ قوة الخبر وضَبْطِه عندهم، وإذا اختلفوا دل ذلك على ضعف السَّند أو (٣) الدلالة أو وجود (٤) المعارض، فكان الأول أرجح. وصاحب* القصة إذا رواها كان (٥) أعلم بها وأبعد عن (٦) الذهول والتخليط فيها (٧) ، بخلاف [إذا روى] (٨) غيرُه. وإجماع أهل (٩) المدينة مرجِّح (١٠) ؛ لأنهم (١١) مهبط الوحي، ومعدن الرسالة، وإذا وقع شَرْعٌ كان ظاهراً فيهم، وعنهم يأخذ غيرهم، فإذا لم يوجد شيءٌ بين أظهرهم دل ذلك (١٢) على بطلانه أو نسخه.

стр. 660

وحُسْن النَّسَق (١) أنسب للفظ النبوة، فإنه ﵊ أفصح العرب، فإضافة الأفصح إليه أنسب من ضدِّه (٢) . والاضطراب (٣) : اختلاف ألفاظ الرواة (٤) ، وهو يوجب خللاً في الظن عند السامع، فما لا خلل فيه أرجح. والمعضود بالكتاب العزيز أقوى* في الظن من المنفرد بغير عاضد فيُقدَّم.

стр. 661

ص: قال الإمام فخر الدين: أو يكون راويه (١) فقيهاً، أو عالماً بالعربية، أو عُرِفت عدالته بالاختبار، أو عُلِمت (٢) بالعدد الكثير، أو ذكِر [سبب عدالته] (٣) ، أو لم يَخْتَلط (٤) عقله في بعض الأوقات، أو كونه (٥) من أكابر الصحابة (٦) رضوان الله عليهم، أو له اسم واحد، أو لم تُعرف له رواية في زمن الصبا (٧) والآخر ليس كذلك أو يكون مدنياً والآخر مكياً، أو راويه (٨) متأخر الإسلام (٩) . الشرح العلم بالفقه أو بالعربية مما يُبْعد الخطأ في النقل، فيُقدَّم على الجاهل بهما. وعدالة الاختبار هي عدالة* الخُلْطة، فهي أقوى من عدالة التزكية من غير خلطة للمزكِّي عنده. والمذكورُ سببُ عدالته دليلُ قوة سبب التزكية، فإنه لا يُذكر (١٠) إلا مع قوته. وأما إذا سكت المزكِّي عن سبب العدالة احتمل الضعف.

стр. 662

والذي اختلط (١) عقله (٢) في بعض (٣) الأوقات يُخْشى أن يكون ما يرويه لنا الآن ما سمعه في تلك الحالة، والذي لم يختلط عقله أمِنَّا فيه ذلك. والذي له اسم واحد يَبْعد التدليس (٤) به، والذي له اسمان يَقْرُب اشتباهه بغيره ممن ليس بعَدْلٍ وهو مسمىً (٥) بأحد اسْمَيْه، فتقع الرواية عن ذلك الذي ليس بعدل، فيظن السامع أنه العدل [ذو (٦) الاسمين] (٧) فيقبله (٨) . والذي وقعت له روايةٌ في زمن الصبا إذا رُوِي عنه، فإنه (٩) يجوز أن يكون مما نُقِل (١٠) عنه في زمن (١١) الصِّبَا، ورواية الصبي (١٢) غير موثوق بها بخلاف الذي لم يرو إلا بعد البلوغ. وما رُوي بالمدينة ظاهر حاله التأخُّر (١٣) عن المكي (١٤) ؛ لأنه (١٥) بعد الهجرة،

стр. 663

والمتأخَّر يُرَجَّح؛ لأنه قد يكون الناسخ، ولقول (١) ابن عباس ﵄: ((كنَّا نأخذ بالأحدث فالأحدث من أمر (٢) رسول الله ﷺ ) (٣) . ورواية متأخر الإسلام يتعيَّن تأخُّرها (٤) ، (٥) فهو كالمدني (٦) ، ومتقدِّمُ الإسلام يحتمل أن يكون حديثه مما سمعه في [آخر الأمر من رسول الله ﷺ ] (٧) ، فيكون مساوياً لمتأخر الإسلام، ويحتمل [سماعه أول إسلامه، فيكون متقدماً في الزمان مرجوحاً في العمل] (٨) ، والذي لا احتمال فيه أولى مما فيه احتمال المرجوحِيَّة (٩) .

стр. 664

ترجيح الأخبار في المتن ص: وأما ترجيح المتن (١) قال (٢) الباجي رحمة الله عليه: يترجَّح السالمُ من الاضطراب*، والنصُّ في المراد، أو غير متَّفقٍ على تخصيصه، أو ورد (٣) على غير (٤) سببٍ، أو قُضِي به على الآخَر في موضع، أو ورد بعباراتٍ مختلفة، أو يتضمن نفي النقص (٥) عن الصحابة رضوان الله عليهم (٦) والآخر ليس كذلك (٧) . الشرح الاضطراب اختلاف ألفاظ الرواة (٨) . والنص هو الذي لا يحتمل المجاز. والذي لم يُتَّفق على تخصيصه [كما تقدَّم في آية الأختين] (٩) . والوارد على سببٍ: اختلف العلماء (١٠) فيه، هل يُقْصَر (١١) على سببه أو (١٢)

стр. 665

يبقى (١) على عمومه؟ (٢) [والذي لم يرد على سببٍ سَلِم من (٣) هذا الاختلاف، ويحمل على عمومه] (٤) إجماعاً. وإذا قُدِّم أحد الخبرين على الآخر في موطن كان ذلك ترجيحاً له عليه (٥) ؛ لأنه (٦) مزيَّة له (٧) . وإذا ورد بعبارات مختلفة والمعنى واحد قَوِي ذلك المعنى في النفس، وبَعُد اللفظ عن المجاز، والعبارة الواحدة تحتمل المجاز، وأن يراد غير ذلك المعنى الظاهر، وهذا غير (٨) الاضطراب، فإنه اختلاف اللفظ واختلاف المعنى بالزيادة والنقصان. ص: قال الإمام ﵀: أو يكون فصيحَ اللفظ، أو لفظه حقيقةً، أو يدل على المراد من وجهين، أو تأكَّد (٩) لفظه بالتكرار، أو يكون ناقلاً عن حكم العقل، أو لم يعمل بعض الصحابة أو السلف على (١٠) خلافه مع الاطلاع (١١) عليه، أو كان (١٢) مما (١٣) لا تعمُّ به البلوى، والآخر ليس كذلك (١٤) .

стр. 666

الشرح الناقل عن البراءة الأصلية أرجح؛ لأنه مقصود بعثة الرسل، وأما استصحاب حكم العقل (١) فيكفي فيه العقل فيقدم الناقل كما يقدم [المنشيء على المؤكِّد] (٢) . وعمل بعض (٣) الأكابر على خلاف الخبر مع اطلاعهم (٤) عليه يدلُّ على اطلاعهم (٥) على (٦) نسخه، فالسالم من ذلك مقدَّم عليه، أما إذا لم يطَّلع جاز أن يكون تركه لعدم اطلاعه عليه، فيسقط الترجيح. والذي تعمُّ به البلوى: اختلف العلماء في قبوله، منعه الحنفية من أخبار الآحاد [وتقدم الكلام فيه] (٧) فيضعف للخلاف في قبوله، فالسالم عن هذا الخلاف مقدّم.

стр. 667

الفصل الرابع في ترجيح الأقيسة (١) ص: قال الباجي: يترجَّح أحد القياسين على الآخر بالنص [على عِلَّتِهِ] (٢) ، أو لا يعود على أصله بالتخصيص، أو علته مطَّردة منعكسة (٣) ، أو شهد لها أصول كثيرة، أو يكون [أحدُ القياسين فَرْعُه] (٤) من جنس أصله، أو علته متعدِّية، أو تعمُّ فروعَها، أو هي أعم، أو هي (٥) مُنْتَزَعة من أصلٍ منصوصٍ عليه، أو أقلُّ أوصافاً والقياس الآخر ليس كذلك (٦) . الشرح النصُّ على العلة يدل على العلية أكثر من الاستنباط، فإن اجتهادنا يحتمل الخطأ، [والنص صواب جزماً] (٧) . ومثال ما يعود على أصله بالتخصيص: جَعْلُنا علة منع بيع الحيوان باللحم (٨)

стр. 668

معلَّلاً بالمزابنة (١) - وهي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه (٢) - فاقتضى ذلك حمل الحديث على الحيوان الذي يقصد لِلَّحمْ، فخرج (٣) بسبب هذه العلة أكثر الحيوانات، وبطل حكم النهي فيها. وكذلك تعليل منع بيع الحاضر للبادي (٤) ، بأن الأعيان على أهل البادية تُقوَّم بغير مالٍ كالحَطَب والسَّمْن وغيرهما (٥) ، فاقتضى هذا التعليل أن تَخْرُج (٦) الأعيان التي (٧) اشتراها البدوي، وأنَّ نُصْحَه فيها متعيَّن أو إعانته، بخلاف القسم الأول (٨) [يترك فيه] (٩) مع الحضري ولا ينصح، فالعلة التي لا تعود (١٠) على أصلها بالبطلان أولى. والعلة المتعدية أولى من القاصرة (١١) ، غير أن هذا لا يستقيم من جهة أن القاصرة

стр. 669

لا قياس فيها، والكلام [إنما هو] (١) في ترجيح الأقيسة، فإن كان في ترجيح العلل من غير قياس صح (٢) . والعلل التي تعمُّ فروعها متقدِّمةٌ بسبب أنها إذا لم تعم تكون بقية الفروع معللةً بعلة أخرى، وتعليل الأحكام المستوية بالعلل (٣) المختلفة مُخْتَلفٌ (٤) فيه، والمتفق عليه أولى. والتي هي أعم تكون فائدتها أكثر، فتُقدَّم. والمُنْتَزَعةُ من أصلٍ منصوصٍ عليه مقدَّمةٌ على ما أُخِذ من أصلٍ (٥) اتفق عليه الخصمان فقط. والعلة إذا قلَّت أوصافها أو كانت ذاتَ (٦) وصفٍ* واحدٍ [كانت مقدَّمةً] (٧) ؛ لأن المركَّب يُسْرِع (٨) إليه العَدَمُ بطريقين، من جهة عدم كل واحد من أوصافه، وما كثرت شروطه كان مرجوحاً (٩) .

стр. 670

ص: قال الإمام ﵀: أو يكون أحد القياسين متفقاً (١) على علته، أو أقلَّ خلافاً، أو بعضُ مقدماته يقينية، أو علَّتُه وصفٌ حقيقي. ويترجَّح (٢) التعليل بالحكمة على العدم والإضافيِّ والحكمِ الشرعيِّ والتقديريِّ، والتعليل* بالعدم أولى من التقديري، وتعليلُ الحكم الوجودي [بالوصف الوجودي] (٣) أولى من العدمي بالعدمي (٤) ومن العدمي بالوجودي و [من] (٥) الوجودي بالعدمي؛ لأن التعليل بالعدم يستدعي تقدير الوجود، وبالحكم الشرعي أولى من التقديري (٦) ؛ [لكون التقدير] (٧) على خلاف الأصل. والقياس الذي يكون ثبوت الحكم في أصله أقوى (٨) أو بالإجماع أو بالتواتر أقوى مما ليس كذلك (٩) . الشرح الوصف الحقيقي كالإسكار، والعدمي كقولنا: غير مستحقّ أو عدوان، فإنه سلب محض، والإضافي (١٠) نحو قولنا: البنوة مقدَّمة على الأبوة، وهما علة الميراث، وهما إضافيتان ذهنيتان لا وجود لهما في الأعيان (١١) . وتقدَّم (١٢) أن الحكمة هي [علة علية العلة] (١٣) ، كإتلاف المال في السرقة، واختلاط الأنساب في الزنا، فهي أولى من
следующие страницы →