← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9879

جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول - رسالة ماجستير

القرافي

Полный текст (780 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وكذلك ما أنشدَتْه المرأة لمَّا قَتَل أخاها (١) : أَمحمَّدٌ والنَّجْلُ نَجْلُ كريمةٍ (٢) في قومها والفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ (٣) ما كان ضرَّك لو مَنَنْتَ (٤) ورُبَّما مَنَّ الفتى وهو المَغِيْظُ المُحْنَقُ (٥) فقال ﵊ ((لو سمعتُ شِعْرها قبْل قَتْلِه ما قَتَلْتُه)) (٦) ، وهذا يدل على الاجتهاد.

стр. 702

وحُكْم سَعْدٍ في بني قُرَيْظة (١) ، فحَكَم بأن تُقْتَل مقاتِلتُهم وتُسْبَى ذَرَارِيْهم (٢) ، وما جُعِل لغيره أن يفعله فله هو (٣) ﵊ أن يفعله؛ لأن* الأصل مساواة أمته له في الأحكام إلا ما دل الدليل على تخصيصه من ذلك. ويرد على الكلِّ أن هذه الصور (٤) يجوز أن [تقارنها نصوص] (٥) نَزَلتْ فيها، أو تقدَّمتْها نصوص بأن يُوحى إليه (٦) : إذا كان كذا فافعلْ كذا، وحينئذٍ هي بالوحي لا بالاجتهاد. حجة القول بالفرق بين الحروب فيجوز: أنَّ الحروب أمرُها على الفَوْر؛ لعظم المفسدة في التأخير من جهة استيلاء (٧) العدوِّ، فيُفَوَّض إليه، وقضية (٨) [سعد بن] (٩) معاذ تدل عليه، والأحكام يجوز التراخي فيها، فلا يُجْتَهد فيها.

стр. 703

والجواب: أن المفسدة تَنْدفع (١) بتقدِّم (٢) نصوصٍ (٣) في مثل هذه الصور (٤) ، ويقال له: إذا وقع كذا فافعل كذا، ولا اجتهاد حينئذٍ. ويظهر مِنْ تعارُض هذه المدارك حجة التوقف.

стр. 704

الفصل الخامس في شرائطه (١) ص: وهي: (٢) أن يكون عالماً بمعاني الألفاظ وعوارضِها من التخصيص والنسخ وأصول الفقه، ومن كتاب الله تعالى ما يتضمن الأحكامَ، وهي (٣) خمسمائة آيةٍ، ولا يشترط الحفظ بل العلم بمواضعها (٤) لينظرها عند الحاجة إليها، ومن السنة مواضع أحاديث الأحكام دون حفظها، ومواضع الإجماع (٥) والاختلاف، والبراءة الأصلية، وشرائط الحدِّ والبرهان، والنحو واللغة والتصريف، وأحوال الرواة، ويقلِّد مَنْ تقدَّم في ذلك (٦) . تجزُّؤ الاجتهاد: ولا يشترط عموم النظر، بل يجوز أن تَحْصُل صفة الاجتهاد في فَنٍّ دون فَنٍّ، وفي مسألة دون مسألة، خلافاً لبعضهم (٧) .

стр. 705

الشرح حَصْر المتعيِّن في خمسمائة آيةٍ قاله الإمام فخر الدين (١) وغيره (٢) ، ولم يَحْصُر غيرهم ذلك، وهو الصحيح (٣) ، فإن استنباط الأحكام إذا حُقِّق لا يكاد تَعْرَى (٤) عنه آية، فإن القصَص أبعدُ الأشياء عن ذلك، والمقصودُ منها (٥) الاتِّعاظ والأمْرُ به، وكلُّ آيةٍ وقع فيها ذِكْرُ عذابٍ أو ذَمٍّ على فعلٍ كان (٦) [ذلك دليلَ] (٧) تحريمِ ذلك (٨) الفعل، أو [مدح أو ثواب] (٩) على فِعْلٍ، فذلك دليل طَلَبِ ذلك الفعل وجوباً أو ندباً، وكذلك ذِكْرُ صفاتِ الله والثناءِ عليه المقصودُ به الأمرُ بتعظيم ما عظَّمه الله تعالى وأن نثني عليه بذلك، فلا [تكاد تجد] (١٠) آيةً إلا وفيها حُكْم، وحَصْرُها في خمسمائة آية بعيد (١١) . وشرائط الحَدِّ: حتى يتحقق له الضوابطُ، فيعلم ما خرج عنها [فلا يعتبره] (١٢) ، وما اندرج فيها أَجْرَى عليه أحكام تلك الحقيقة. وشرائط البرهان مقررة في علم المنطق (١٣) .

стр. 706

وأما النحو والتصريف واللغة: فلأن الحكم يتبع الإعراب، كما قال ﵊ ((ما تركنا صدقةٌ)) (١) بالرَّفْع (٢) ، فرواه الرافضة بالنَّصْب (٣) أي لا يُورث ما تركناه (٤) وَقْفاً، ومفهومه: أنهم يُورَثون في غيره. وكذلك قوله ﵊ ((اقتدوا باللَّذَيْن من بعدي أبي (٥) بكر وعمر)) (٦)

стр. 707

رواه الشيعة (١) ((أبا بكر وعمر)) [فانعكس المعنى، أي: يا أبا بكرٍ وعمرُ] (٢) فيكونان مُقْتَدِيَيْن (٣) لا مُقْتَدَىً بهما، وهو كثير (٤) ، واسم الفاعل من المفعول إنما يُعْلم من جهة التصريف. وإنما قُلِّد من مضى في أحوال الرواة: لبُعْد (٥) أحوالهم عنَّا، فتعيَّن التقليد لمن اطَّلع [على حالهم] (٦) ، لتعذِّر ذلك علينا. حجة عدم اشتراط عموم النظر: أن المقصود البعد عن الخطأ بتحصيل شرائط الاجتهاد، فإذا حصل ذلك في فَنٍّ واحدٍ كان كحصوله في جميع الفنون. حجة المنع: أن العلوم والفنون يمدُّ بعضُها بعضاً (٧) ، فمن غاب عنه فَنٌّ (٨) فقد غاب عنه نورٌ فيما (٩) هو (١٠) يعلمه، وحينئذٍ لا يكمل النظر إلا بالشمولِ، ولذلك أنَّ النحوي الذي لا يُحْسِن الفقه ولا المعقولات تجده قاصراً في نَحْوِه بالنسبة (١١) لمن يعلم ذلك، وكذلك جميع الفنون.

стр. 708

الفصل السادس في التصويب ص: قال الجَاحِظُ وعُبيد (١) الله العَنْبَرِي (٢) بتصويب المجتهدين في أصول الدين (٣) ، بمعنى نفي (٤) الإثم لا بمعنى مطابقة الاعتقاد، واتفق سائر العلماء على فساده (٥) . وأما في الأحكام الشرعية فاختلفوا: هل لله تعالى في نفس الأمر حكم معين في الوقائع أمْ لا؟. والثاني قول من قال: ((كل مجتهد مصيب)) وهو قول جمهور المتكلمين (٦) ، ومنهم الأشعري (٧) والقاضي أبوبكر (٨) منا (٩) ، وأبو علي وأبو هاشم من المعتزلة (١٠) .

стр. 709

وإذا لم يكن لله تعالى حكم معين، فهل في الواقعة حُكْمٌ لو كان لله تعالى حُكْمٌ معين لحكَمَ به فيها (١) أم لا؟. والأول هو القول: بالأشبه، وهو قول جماعةٍ من المُصَوِّبين (٢) ، والثاني قول بعضهم (٣) . وإذا قلنا بالمعيَّن فإمَّا أن يكون عليه دليل ظني أو قطعي أو ليس عليه واحد منهما، والثاني (٤) : قول جماعة من الفقهاء والمتكلمين (٥) ، ونُقِل عن الشافعي (٦) ﵁، وهو عندهم كدَفِيْنٍ يُعْثر عليه بالاتفاق. والقول بأن عليه دليلاً ظنياً فهل كُلِّف بطلب ذلك (٧) الدليل، فإنْ أخطأه تعيَّن (٨) التكليف بما (٩) غلب على ظنه وهو قول بعضهم (١٠) ، أو لم يُكَلَّف بطلبه لخفائه وهو قول كافة الفقهاء (١١) منهم الشافعي (١٢)

стр. 710

وأبو حنيفة (١) ﵄. والقائلون بأن عليه دليلاً قطعياً (٢) : اتفقوا على أن المكلف مأمور بطلبه، وقال بِشْر المَرِيْسِيّ (٣) : إن أخطأه استحق العقاب (٤) ، وقال غيره: لا يستحقُّ العقاب (٥) . واختلفوا أيضاً هل يُنقَض قضاء القاضي إذا خالفه قاله الأَصَمُّ (٦) خلافاً للباقين، والمنقول عن مالك ﵀ أن المصيب واحد (٧) ، واختاره الإمام (٨) ، وقال الإمام:

стр. 711

عليه دليل ظني ومخالِفُه معذور والقضاء لا يُنقَض (١) . لنا: أن الله تعالى شرع الشرائع لتحصيل المصالح الخالصة أو الراحجة أو درء المفاسد الخالصة أو الراجحة ويستحيل وجودها في النقيضين فيتَّحِدُ الحكم (٢) : احتجوا بانعقاد* الإجماع على أن المجتهد يجب عليه أن يَتْبَع ما غلب على ظنه ولو خالف الإجماع، وكذلك من قلَّده، ولا نعني بحكم الله تعالى إلا ذلك، فكلُّ مجتهد مصيب، وتكون ظنون المجتهدين تَتْبعها الأحكام كأحوال المضطَّرين والمختارين* بالنسبة إلى الميتة، فيكون الفعل الواحد حلالاً حراماً بالنسبة إلى شخصين كالميتة. الشرح حجة الجاحظ: أن المجتهد في أصول الدين (٣) إذا بذل جهده فقد فَنِيَتْ قدرته، فتكليفه بعد ذلك بما زاد على ذلك تكليفٌ بما لا يطاق، وهو منفي في الشريعة، وإن قلنا بجوازه لقوله تعالى ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (٤) . حجة الجمهور: أن أصول الديانات مهمة عظيمة، فلذلك شرع الله تعالى فيها الإكراه دون غيرها، فيُكْره على الإسلام بالسيف والقتال والقتل وأخذ الأموال والذراري، وذلك أعظم الإكراه (٥) ، وإذا حصل الإيمان في هذه الحالة (٦) اعْتُبِر في ظاهر

стр. 712

الشرع، وغيره (١) لو وقع بهذه الأسباب لم يُعْتَبر، ولذلك (٢) لم يَعْذر اللهُ بالجهل في أصول الدين إجماعاً (٣) ، ولو شرب خمراً يظنه جُلاَّباً (٤) أو وَطِيء امرأة يظنها امرأته عُذِر بالجهل، ولذلك جُعِل النظر الأول واجباً (٥) مع الجهل بالموجَب، وذلك تكليف

стр. 713

ما لا يطاق (١) ، فكذلك [إذا حصل] (٢) الكفر مع بذل الجهد (٣) يؤاخذ الله تعالى به، ولا ينفعه بذل جهده؛ لعظم خطر الباب وجلالة رتبته (٤) ، وظواهر النصوص تقتضي أنه من لم يؤمن بالله ورسوله ويعمل صالحاً فإن له نار جهنَّم خالداً (٥) فيها، وقياسُ الخصمِ* الأصولَ على الفروع غَلَطٌ لعظم التفاوت بينهما (٦) . وإذا قلنا ليس لله تعالي في نفس الأمر حكم معين: فليس هناك إلا ما ظهر في ظنون (٧) المجتهدين [فقد أصابوه] (٨) ، فكل مجتهد مصيب، أي: إذا أَفْتَى بشيء فقد أصابه أما لو انتهى به الحال للوقف (٩) فتمَادَتْ (١٠) مهلة النظر فلا يقال له (١١) : إنه مصيب ولا مخطيء. وإذا قلنا في نفس الأمر حكم معين وهو ما تضمن المصلحة الخالصة أو الراجحة، فمن صادفه فهو المصيب ومن لم يصادفه فهو مخطيء له، فليس كل مجتهد مصيباً (١٢) .

стр. 714

ومعنى المذهب الثالث (١) ، وهو القول بالأشْبَه: أنه ليس في نفس الأمر حكم (٢) معين وإنما في نفس الأمر ما لو عيَّن الله شيئاً لعيَّنه، فهو أشبه الأمور بمقاصد الشريعة، كما تقول (٣) : لا نبي بعد رسول الله ﷺ ، وفي الزمان رجل صِدِّيق [خَيِّر، لو أن الله تعالى يبعث نبياً لبعثه] (٤) . والقول (٥) الآخر يقول: ليس في نفس الأمر شيء هو أشبه، والظاهر هو الأول، فإن الأفعال المُتَخيَّلة لا تخلو عن الرجحان في بعضها. والقول الثاني يقول (٦) : إذا لم يُعيِّن الله تعالى شيئاً استوت الأفعال، كما أن المباحات كلها مباحة (٧) لم تختلف وإن كانت مصالحها مختلفة. حجة الدليل القطعي على الحكم في نفس الأمر: أن تكليف الكل بشيء معين يعتمد دليلاً يظهر (٨) للكل وما ذاك إلا القطعي، أما الظني فتختلف فيه القرائح. حجة الدليل الظني: أن الله امتحن الخلق بذلك الحكم في نفس الأمر، وأمرهم ببذل الجهد في طلبه، فلولا أنه ودليلَهُ في غاية الخفاء لعَرَفَه الكلُّ، فزال الامتحان، وليس كذلك. حجة أنه ليس عليه دليل لا ظني ولا قطعي: أنه لو كانت عليه أمارة لفهمها الكل، ألا تري أن المطر إذا كانت عليه أمارة علمها الكلُّ، لكن الحكم ليس كذلك، فلا أمارة عليه. وقول بِشْرٍ باستحقاق العقاب إذا أخطأه؛ لأنه يجعل التقصير من جهته، ومن قَصَّر استحقَّ العقاب. حجة الجمهور: قوله ﵊ ((إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجْرٌ وإنْ

стр. 715

أصاب فله أجران)) (١) فجعل الثواب مع الخطأ، فلا عقاب حينئذٍ. وأما قول الأصمِّ: إنه (٢) يُنْقَض قضاء القاضي إذا خالفه، فهو في غاية العُسْر من جهة تصوُّره، بسبب أن هذا الحكم غير معلوم، [وكذلك دليله. ونحن وإن قلنا إن المصيب واحد، فهو غير معلوم] (٣) ، ونقض قضاء (٤) القاضي إنما يكون بما يتحقق، وما لا يتحقق كيف يُنْقَض به القضاء؟! فهذا المذهب مُشْكل (٥) . وأما قول المصوِّبة: إنه يجب عليه اتباع ظنه وإن خالف الإجماع فمسلَّمٌ، ولكن الأحكام التي على ألْسنة المجتهدين وظنونهم متَّفقٌ عليها وأنها أحكام الله تعالى، والنزاع في ثبوت أمر آخر في نفس الأمر غيرها، فما أقاموا فيه الدليل لا نزاع فيه، وما فيه النزاع لم يقيموا الدليل عليه، فلا ينبغي أن يقيموا الدليل على أن هذه أحكام الله تعالى، بل [يقيمون (٦) الدليل] (٧) على أنه ليس لله تعالى حُكْمٌ آخر (٨) غيرها فإنه محل النزاع،

стр. 716

والقائلون بالتصويب يقولون: إن الحكم إنما يَتْبع المصلحة الخالصة أو الراجحة في مواقع الإجماع، [أما في (١) محلِّ الاختلاف فلا يُسلِّمون ذلك، فهذا مَنْعٌ حَسَن أيضاً على دليل المُخَطِّئة] (٢) (٣) .

стр. 717

الفصل السابع في نقض الاجتهاد (١) ص: أما المجتهد في نفسه فلو تزوَّج امرأةً علَّق طلاقها الثلاث (٢) على (٣) المِلْك (٤) بالاجتهاد، فإنْ حكم به حاكم (٥) ثم تغيَّر (٦) اجتهاده لم يُنْقض، وإن لم يحكم به (٧) نُقِضَ ولم يجز له إمساك المرأة (٨) .

стр. 718

وأما العامي إذا فعل ذلك بقول المفتي ثم تغيَّر اجتهاده فالصحيح أنه تجب (١) المفارقة (٢) (٣) قاله (٤) الإمام. وكلُ حُكْمٍ اتَّصَل به قضاء القاضي استقرَّ، إلا أن يكون ذلك القضاء ما يُنْقَض في نفسه. الشرح حُكْم الحاكم في مسائل الاجتهاد يُعيِّن ذلك الحكم الذي حكم به الحاكم، فإن الحاكم نائب الله تعالى (٥) في مسائل الخلاف، فإذا أنشأ حكماً في مسائل الاجتهاد كان ذلك كالنص الوارد في خصوص (٦) تلك الواقعة من تلك القاعدة العامة، والدليل الخاص مقَدَّمٌ على العامِّ في الصورة التي تناولها الخاص، كما تقرَّر في أصول الفقه، وقد بَسَطْتُ ذلك في كتاب: " الإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام " (٧) . وإذا لم يَحْكم بالاجتهاد الأول حاكمٌ نُقِض؛ لأن تغيُّر (٨) الاجتهاد يصيِّره (٩) كالمنسوخ، والمنسوخُ لا عبرة به.

стр. 719

وكذلك تجب مفارقة المرأة من العامي إذا تغيَّر اجتهاد من أفتاه؛ لأن اجتهاده نُسِخ (١) ، وقيل: لا يجب (٢) ؛ لأن الثاني اجتهاد أيضاً، وليس إبطال أحدهما بالآخر أولى من العكس، فلا يُنْقض الاجتهاد بالاجتهاد، نعم لو قُطِع بخطأ الأول وجبت المفارقة. والحكم الذي يُنْقض (٣) في نفسه ولا يَمْنع النقض هو ما خالف أحد أمور أربعة: الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي (٤) (٥) .

стр. 720

الفصل الثامن في الاستفتاء ص: إذا اسْتُفْتِي* مجتهدٌ فأفْتَى، ثم سُئِل ثانيةً عن تلك الحادثة: فإن كان ذاكراً لاجتهاده الأول أفْتى، وإن نسي استأنف الاجتهاد (١) ، فإن أدَّاه (٢) إلى خلاف الأول أفتى بالثاني، قال الإمام: والأحسن أن يعرف العامي ليرجع (٣) . ولا يجوز لأحدٍ الاستفتاء إلا إذا غلب على ظنه أن الذي يستفتيه من أهل العلم والدين والورع (٤) ، فإن اختلف عليه العلماء في الفتوى فقال قوم: يحب عليه الاجتهاد في أعلمهم وأورعهم لتمكنه من ذلك (٥) ، وقال قوم:

стр. 721

لا يجب (١) ؛ لأن الكل طُرُقٌ إلى الله تعالى، ولم ينكر أحدٌ على العوام في كل (٢) عصرٍ تَرْكَ النظر في أحوال العلماء (٣) . وإذا فرَّعنا على الأول فإن حصل ظن الاستواء مطلقاً فأمكن أن يقال: ذلك (٤) متعذِّر، كما قيل في الأمارات (٥) ، وأمكن أن يقال: يسقط عنه التكليف، ويفعل ما يشاء (٦) منها (٧) . وإن حصل ظنُّ الرُّجْحان مطلقاً تعيَّن العمل (٨) بالراجح (٩) ، وإن حصل من وَجْهٍ فإن كان في العلم - والاستواء في الدين - فمنهم من خَيَّر، ومنهم من أوجب الأخذ بقول الأعلم (١٠) ، قال الإمام: وهو الأقرب؛ ولذلك قُدِّم من إمامة الصلاة (١١) ، وإن كان في الدين - والاستواء في العلم - فيتعيَّن الأدْيَن (١٢) ، فإن رَجَح أحدهما في دينه والآخر في علمه، فقيل: يتعيَّن الأدْيَن، وقيل: الأعْلَم، قال (١٣) : وهو الأرجح كما مرَّ (١٤) .

стр. 722

الشرح إذا كان (١) المجتهد ذاكراً للاجتهاد ينبغي ألاَّ يَقْتَصِر (٢) على مجرد الذِّكْر، بل يُحرِّكُه، لعله يَظْفر فيه بخطأ أو زيادةٍ بمقتضى (٣) قوله (٤) تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٥) ، ولأن (٦) رتبة المجتهد ألاَّ يُقَصِّر ولا يترك من جهده شيئاً، فإذا استقرَّ له اجتهاد في زمن لا يلزمه استقراره دائماً، بل الله تعالى خَلاَّقٌ (٧) على الدوام، فيخْلُق (٨) في نفسه علوماً (٩) ومصالحَ لم يكن يشعر بها قبل ذلك، فإهمال (١٠) ذلك تقصير. وإنما قال* الإمام: ((الأحسن أن يعرف العامي إذا تغير (١١) اجتهاده)) : لأن الاجتهاد (١٢) لا يُنْقَض بالاجتهاد (١٣) ، ولكنَّ الثاني أغلبُ على الظن من الأول، فلو قَطَع ببطلان الأول وجب عليه تعريف العامي.

стр. 723

ومدرك العامي في أن الذي يستفتيه من أهل العلم والدين والورع: الأخبارُ*، وقرائنُ الأحوال، فذلك عند العامة متيسر (١) ، وأما إذا لم يتضح له ذلك فلا يَحِلُّ (٢) له الاستفتاء؛ لأن دين الله لا يؤخذ من (٣) غير أهله، قال الله تعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ (٤) قال تعالى ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٥) فتعيين (٦) أهل الذكر بالنطق يقتضي بالمفهوم تحريم (٧) سؤال غيرهم. والتخيير والسقوط عند (٨) استواء المفتين، قد قيل بهما في الأمارتين إذا اسْتَوتا (٩) ، مذهب القاضي والجمهور: التخير، [ومذهب بعض الفقهاء: السقوط (١٠) . وجه التخير] (١١) عند الرجحان في العلم والاستواء في الدين: إن تقليد (١٢) الأعلم غير واجب على المشهور، وغاية هذا أن يكون أعلم فيتخيَّر المستفتي. حجة تقديم الأعلم: أن المُقدَّم في كل موطن [من مواطن] (١٣) الشريعة [من هو أقوم بمصالح ذلك الموطن، فيُقدَّم في الحروب] (١٤) من هو أعلم [بمكايد الحروب] (١٥) وسياسة الجيوش، وفي القضاء (١٦) من هو أعلم بالتفطن بحجاج الخصوم، ولأمانة الحكم من هو أعلم بتنمية (١٧) الأموال وضبطها وأحوال الأيتام في مصالحها.

стр. 724

ولذلك قُدِّم في الصلاة الفقيه على القاريء؛ لأن الفقيه أقوم بمصالح الصلاة في سهوها وعوارضها (١) ، وكذلك الفتوى العلمُ أخصُّ بها من الدين.

стр. 725

الفصل التاسع فيمن يتعين (١) عليه الاستفتاء ص: الذي تنزل به (٢) الواقعة: إن كان عامياً وجب عليه الاستفتاء. وإن كان عالماً لم يبلغ درجة الاجتهاد قال: فالأقرب أنه يجوز له الاستفتاء (٣) . وإن بلغ درجة الاجتهاد (٤) وكان قد اجتهد وغلب على ظنه حكم فاتفقوا على تعيُّنه (٥) في حقه (٦) ، وإن كان (٧) لم يجتهد فأكثر أهل السنة (٨) على (٩) أنه لا يجوز له التقليد، وهو مذهب

стр. 726

مالك (١) ﵀، وقال الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه (٢) وسفيان الثوري (٣) ﵏: يجوز (٤) مطلقاً (٥) ، وقيل: يجوز تقليد العالم الأَعْلمَ (٦) وهو قول محمد بن الحسن (٧) ﵀، وقيل: يجوز فيما يخصُّه دون ما يفتي به (٨) ،

стр. 727

وقال ابن سُرَيْج (١) : إن ضاق وقته عن الاجتهاد جاز وإلا فلا (٢) ، فهذه خمسة (٣) أقوال (٤) . لنا: قوله تعالي: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٥) . التقليد في أصول الدين: ولا يجوز التقليد في أصول الدين لمجتهدٍ ولا للعوام عند الجمهور؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٦) ، ولعظم [الخطر في الخطأ] (٧) في جانب الربوبية، بخلاف الفروع: فإنه رُبَّما كَفَر في الأول ويثاب في الثاني جَزْماً. الشرح العامي ليس له أهلية الاجتهاد (٨) فيتعين أن يقلد كما في القِبْلة، والعالم الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد احتمالات الخطأ في حقه موجودة غير أنها أقل من العامي، فهذا وجه التردد، وكما اتفقوا على تعيُّن (٩) الحكم في حق المجتهد فكذلك من قلده، ومعناه لو فُرِضَ موصوفاً بسببه (١٠) وإلا فقد يجتهد في الغَنَم وزكاتها ولا غَنَم له، أو في الجنايات

стр. 728

ولا جناية له ولا عليه، بل قد يجتهد في أحكام الحيض والعِدَّة وغيرها مما لا يوصف به، لكنه بحيث (١) لو اتَّصَف بسببه لكان (٢) ذلك الحكمُ حكمَ الله تعالى في حقه، فهذا لابد منه. وقد تقدَّم أول الكتاب (٣) حجةُ منع التقليد على (٤) المجتهد مطلقاً: أن الأصل ألاَّ يجوز الظن لقوله تعالى ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (٥) خالفناه في أعلى مراتب الظنون الناشئة عن الاجتهاد، فيبقى ظن التقليد الضعيف على مقتضى الدليل. حجة الجواز مطلقاً: أن غاية المجتهد في اجتهاده أن يُحصِّل مِثْلَ ما حصَّله غيره، وكما يجوز أن يكون الثاني أقوى يجوز أن يكون أضعف فيتساقطان، فيبقى التساوي، وأحد المِثْلين يقوم مقام الآخر. وبهذا يظهر تقليد العالمِ الأعلمَ؛ لأن الظاهر أن اجتهاد الأعلم أقرب للصواب. وأما ما يخصُّه فلأن الحاجة تدعو إليه بخلاف الفُتْيا، فله أن يُحِيْل (٦) المستفتي على غيره، وكذلك إذا ضاق الوقت كانت حالةَ ضرورةٍ بخلاف اتساعه. وأما أصول الدين فقد تقدَّم (٧) حكاية إمام الحرمين في " الشامل " أنه لم يخالف في ذلك إلا الحنابلة، [وقول الإسفراييني: أنه لم يخالف فيه (٨) إلا أهل الظاهر (٩) ، مع أني

стр. 729

سألْتُ الحنابلة] (١) فقالوا: مشهور مذهبنا منع (٢) التقليد (٣) ، والغزالي يميل إليه (٤) وجماعة، وقد حكى القاضي عياض في " الشفاء " (٥) ذلك عن غيره (٦) .

стр. 730

الباب العشرون في جميع أدلة المجتهدين وتصرفات المكلفين وفيه فصلان:

стр. 731

الفصل الأول في الأدلة (١) ص: وهي على قسمين: أدلة مشروعيتها، وأدلة وقوعها. فأما أدلة مشروعيتها فتسعة عشر بالاستقراء (٢) ، وأما أدلة وقوعها فلا يحصرها عَدَدٌ (٣) . فلنتكلَّمْ أولاً على أدلة مشروعيتها فنقول: هي الكتاب، والسنة، وإجماع* الأمة، وإجماع أهل (٤) المدينة، والقياس، وقول الصحابي، والمصلحة المرسلة، والاستصحاب، والبراءة الأصلية، والعوائد، والاستقراء، وسدُّ الذرائع، والاستدلال، والاستحسان، والأخذ بالأخفِّ، والعصمة، وإجماع أهل الكوفة، وإجماع العِتْرة (٥) ، وإجماع الخلفاء الأربعة. فأما الخمسة الأُوَل (٦) فقد تقدَّم الكلام عليها (٧) .

стр. 732

قول الصحابي وأما قول الصحابي (١) : فهو حجة (٢) عند مالكٍ (٣) والشافعي في قوله القديم (٤) مطلقاً (٥) ؛ لقوله ﵊ ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) (٦) .

стр. 733

ومنهم من قال: إن خالف القياس فهو (١) حجة وإلا فلا. ومنهم من قال: قول أبي بكر وعمر ﵄ حجة دون غيرهما. وقيل: قول الخلفاء الأربعة حجة إذا اتفقوا (٢) . الشرح حجة (٣) كونه حجة (٤) : أنه إذا خالف القياس يقتضي أنه إنما [قال به] (٥) لنصٍّ فاشٍ (٦) ، أما إذا لم يخالف القياس (٧) فأمكن أن يكون عن اجتهاد فيكون كقول غير الصحابي، فيصير دليلاً لدلالته على الدليل عند هذا القائل، لا لكونه دليلاً في نفسه. حجة الآخر (٨) : قوله ﵊ ((اقتدوا باللَّذَيْن من بَعْدي أبي (٩) بكر وعمر)) (١٠) ومفهومه يقتضي أن غيرهما ليس كذلك. حجة الآخر (١١) : قوله ﵊ ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عَضُّوا عليها بالنَّواجِذ)) (١٢) ومفهومه أن غيرهم ليس كذلك.

стр. 734

المصلحة المرسلة ص: المصلحة المرسلة (١) ، والمصالح بالإضافة إلى شهادة الشرع لها بالاعتبار على ثلاثة أقسام (٢) : ما شَهِد الشرع باعتباره، وهو القياس الذي تقدَّم (٣) ، وما شهد الشرع بعدم (٤) اعتباره، نحو: المنع من زراعة العنب لئلا يعصر (٥) خمراً (٦) ، وما لم يشهد له الشرع (٧) باعتبارٍ (٨) ولا بإلغاءٍ (٩) وهو المصلحة المرسلة، وهي (١٠) عند مالك ﵀ حجة (١١) . وقال الغزالي (١٢) : إن وقعت في محل (١٣) الحاجة [أو التتمة] (١٤) فلا (١٥) تعتبر،

стр. 735

وإن وقعت في محل (١) الضرورة فيجوز أن يؤدِّي إليها اجتهادُ مجتهدٍ، ومثاله: تَتَرُّس (٢) الكفار بجماعةٍ (٣) [من المسلمين] (٤) ، فلو كَفَفْنا عنهم لصَدَمُونا (٥) [واستولوا علينا] (٦) وقتلوا كافة المسلمين، ولو رميناهم لقتلنا التُّرْس (٧) معهم (٨) ، قال: فيُشْترط في هذه المصلحة (٩) أن تكون كليةً* قطعيةً ضروريةً، فالكليَّة: احتراز (١٠) عما إذا تترّسوا في قلعة (١١) بمسلمين، فلا يَحِلُّ رمي المسلمين إذ لا يلزم من ترك تلك القلعة (١٢) [فساد عام] (١٣) (١٤) ، والقطعية: احتراز (١٥) عما إذا لم يُقطع

стр. 736

باستيلاء الكفار علينا إذا لم نقصد الترس، وعن المضطر يأكل قطعة من فخذه (١) ، والضرورية: احتراز (٢) عن المناسب الكائن في محل الحاجة (٣) والتتمة* (٤) . لنا أن الله تعالى إنما بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام لتحصيل مصالح العباد [عملاً بالاستقراء] (٥) ، فمهما وجدنا مصلحة غلب على الظن أنها مطلوبة للشرع. الشرح قد تقدَّم (٦) أن المصلحة المرسلة في جميع المذاهب عند التحقيق (٧) ؛ لأنهم يقيسون ويفرِّقون بالمناسبات ولا يطلبون شاهداً بالاعتبار، [ولا نعني بالمصلحة المرسلة إلا ذلك. ومما يؤكد العمل بالمصالح المرسلة أن* الصحابة رضوان الله عليهم عملوا أموراً

стр. 737

لمطلق المصلحة لا لتقدم شاهدٍ بالاعتبار] (١) نحو: كتابة المصحف (٢) ، ولم يتقدَّم فيها أمر ولا نظير، وولاية العهد من أبي بكر لعمر ﵄ (٣) ولم يتقدم فيه أمر ولا نظير، وكذلك ترك الخلافة شورى (٤) ، وتدوين الدواوين (٥) ، وعمل السِّكَّة (٦) للمسلمين، واتخاذ السجن (٧) فعل ذلك عمر ﵁، وهَدّ (٨) الأوقاف التي بإزاء مسجد رسول الله ﷺ والتوسعة بها في المسجد عند ضيقه (٩) فعله عثمان ﵁ (١٠) ، وتجديد الأذان في الجمعة بالسوق، وهو الأذان الأول فعله (١١) عثمان ﵁ (١٢) ثم نقله هشام (١٣) إلى المسجد (١٤) ، وذلك كثير جداً لمطلق المصلحة.

стр. 738

وإمام الحرمين قد عمل في كتابه المسمى بالغِيَاثِيّ (١) أموراً وجَّوزها وأفتي بها، والمالكية بعيدون عنها [وجَسَر عليها وقالها] (٢) للمصلحة المطلقة (٣) ، وكذلك الغزالي في شفاء الغليل (٤) مع أن الاثنين شديدان الإنكار علينا في المصلحة المرسلة (٥) . الاستصحاب الاستصحاب (٦) : ومعناه أن اعتقاد كون الشيء في الماضي أو الحاضر يوجب ظن ثبوته في الحال أو الاستقبال (٧) . فهذا الظن عند

стр. 739

مالك (١) والإمام (٢) والمزني (٣) وأبي بكر الصيرفي رحمهم الله تعالى حجة (٤) خلافاً لجمهور الحنفية (٥) والمتكلمين (٦) . لنا: أنه قضاء (٧) بالطرف (٨) الراجح، فيصح كأُرُوش الجنايات [واتباع الشهادات] (٩) . الشرح حجة المنع: أن الاستصحاب أمر عام يشمل كل شيء، وإذا كثر عموم الشيء كثرتْ مخصصاته [وما كثرت مخصصاته] (١٠) ضعفت دلالته، فلا يكون حجة.

стр. 740

والجواب: أن الظن الضعيف يجب اتباعه حتى توجد (١) معارضة الراجح عليه، ك البراءة الأصلية ، فإن شمولها لم يمنع من التمسك بها حتى يوجد رافعها. البراءة الأصلية ص: البراءة الأصلية (٢) : وهي استصحاب حكم العقل (٣) في (٤) عدم الأحكام خلافاً للمعتزلة والأَبْهَري وأبي الفَرَج منا. لنا: أن ثبوت العدم في الماضي يوجب ظن [عدم ثبوته] (٥) في الحال، فيجب الاعتماد على هذا الظن بعد الفحص عن رافعه، وعدم وجوده عندنا وعند طائفة من الفقهاء (٦) . الشرح المعتزلة بنوا على مسألة التحسين والتقبيح، وأن كل ما هو ثابت بعد الشرع (٧) ثابت قبله بالعقل، وقد تقدَّم حِجَاجهم وأجوبتها أول الكتاب (٨) . وأما الجمهور منا فعلى عدم الحكم إلا بعد البعثة، وأما الأَبْهَري وأبو الفَرَج وجماعة من الفقهاء فقالوا بالحَظْر مطلقاً وبالإباحة مطلقاً، وقد تقدم تفصيل مذاهبهم (٩) ، وليس ذلك منهم موافقة للمعتزلة في تحكيم (١٠) العقل بل قالوا بذلك لأدلة سمعية وردت
следующие страницы →