الخلق. وهاتان الخصلتان موجبتان لدخول الجنة، ونقيضهما لدخول النار" (١).
عاشراً: الفوز بنعيم الجنة، قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨].
الطريق إلى التقوى:
لما كانت التقوى بهذه المنزلة من الأهمية والأثر كان على العاقل أن يسعى لتحصيلها، والمحافظة عليها بعد كرامة الفوز بها، فمن الطرق المعينة على الوصول إلى التقوى:
أولاً: العلم. ويُعنى به: المعرفة الصحيحة لشرع الله تعالى؛ حتى يُعرف الحلال فيؤتى، والحرام فيُترك؛ لأن من جهل الشريعة فلن تتم تقواه.
قال ابن رجب: " وأصلُ التقوى: أنْ يعلم العبدُ ما يُتَّقى ثم يتقي، قال عونُ بنُ عبد الله: تمامُ التقوى أنْ تبتغي علمَ ما لم يُعلم منها إلى ما عُلِمَ منها، وذكر معروفٌ الكرخيُّ عن بكر بن خُنيسٍ، قال: كيف يكون متقياً من لا يدري ما يَتَّقي؟ ثُمَّ قالَ معروفٌ: إذا كنتَ لا تُحسنُ تتقي أكلتَ الربا، وإذا كنتَ لا تُحسنُ تتقي لقيتكَ امرأةٌ فلم تَغُضَّ بصرك، وإذا كنت لا تُحسن تتقي وضعتَ سيفك على عاتقك .. " (٢).
ثانيًا: الزهد في الدنيا. فمن رغب عن الدنيا ورغب في الآخرة أعانه ذلك على التقوى وتحقيقها، وأما من مال إلى الدنيا وشهواتها فإنه سيميل عن التقوى بقدر ميله إلى الدنيا
فـ"من آتاه الله علمًا وزهداً وتواضعًا، وحسن خلق فهو إمام المتقين" (٣).
ثالثًا: محاسبة النفس. فينظر الإنسان أعماله؛ فإن كان فيها خير استمر عليه، وإن كان فيها شر كفها عنه.
стр. 107
عن ميمون بن مهران أنه قال: "لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشدَّ من محاسبة شريكه" (١).
رابعًا: الدعاء. وهذه الطريق من أعظم الطرق، فيدعو المسلم الله تعالى بأن يجعله من زمرة المتقين، وإن ارتقى في دعائه فيدعو بما دعا به عباد الرحمن في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤].
خامسًا: مجالسة المتقين، مجالسة حسية ومجالسة معنوية. فالمجالسة الحسية بأن يختار جلساء من أهل التقوى يعينونه على أعمالها، ويحذِّرونه مما يباينها. والمجالسة المعنوية بأن يقرأ أخبار المتقين، ويتتبع سيرهم؛ حتى يقتدي بهم، ويسير على هديهم، وأعظمهم نبينا ﷺ القائل: (إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا) (٢).
سادسًا: الإيمان واليقين بما أخبر الله تعالى عن جزاء المتقين، فالناظر في الآيات والأحاديث التي تذكر ثواب المتقين، وجزاءهم العاجل والآجل تدفع الموقن بها المصدق بما فيها إلى أن يكون من أهل التقوى حتى يظفر بنتائجها.
стр. 108
الخوفُ من الله مطيةُ النجاة
إن الإنسان إذا بقي في حضن النعيم والرفاهية، وانصرف إلى مصالح دنياه وشهوات نفسه؛ غفل عن حق ربه، والاستعداد لآخرته، فاقتضت رحمة الله تعالى أن ترد هذا المكلَّف من هذا الشرود وتعيده عن هذا الإباق بوسيلة التخويف منه تعالى ومن عقابه وآثار غضبه؛ حتى لا ينسى ما خُلق لأجله، ولا يغفل عن الدار الباقية والحياة الأبدية التي سيصير إليها.
قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر ١٥ - ١٦]. وقال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ [الإسراء ٥٩].
عن أبي موسى ﵁ قال: خسفت الشمس فقام النبي ﷺ فزعاً يخشى أن تكون الساعة فأتى المسجد فصلى بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط يفعله وقال: (هذه الآيات التي يرسلها الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره) (١).
قال أَبو حفص: "الخوف سوط الله يقوِّم به الشاردين عن بابه" (٢).
وبذلك يكون الخوف من الله تعالى بوجود أسبابه نعمةً من نعم الله اقتضتها رحمته بعباده؛ حتى لا يهلكهم الرجاء وهم عن ربهم غافلون وعلى معصيته مقيمون.
قال سفيان بن عيينة: "خلق الله النار رحمة يخوِّف بها عباده لينتهوا" (٣).
стр. 109
وعن إسرائيل بن محمد القاضي قال: "لقيني مجنون كان في الخرابات فقال: يا إسرائيل، خفِ الله خوفًا يشغلك عن الرجاء؛ فإن الرجاء يشغلك عن الخوف، وفر إلى الله ولا تفر منه" (١).
حقيقة الخوف من الله تعالى:
إن الخوف من الله تعالى عمل قلبي يحمل العبد على امتثال أوامر الله وترك نواهيه.
وحقيقته أنه: " الانخلاع عن طمأْنينة الأَمن بمطالعة الخَبر، يعني: الخروج من سكون الأَمن باستحضار ما أَخبر اللهُ به من الوعد والوعيد" (٢).
وصدقُ الخوف هو: الورع عن الآثام ظاهراً وباطنًا، والخوف المحمود: ما حجز العبد عن محارم الله (٣).
فإِذا تجاوز ذلك خيف منه اليأْس والقنوط (٤).
قال ابن رجب: "والقدر الواجب من الخوف: ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك، بحيث صار باعثًا للنّفوس على التّشمير في نوافل الطّاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات والتّبسّط في فضول المباحات؛ كان ذلك فضلاً محموداً، فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضًا أو موتًا، أو همّا لازمًا، بحيث يقطع عن السّعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة للّه- ؛ لم يكن محموداً؛ ولهذا كان السلف يخافون على عطاء السلمي من شدة خوفه الذي أنساه القرآن، وصار صاحب فراش، وهذا لأن خوف العقاب ليس مقصوداً لذاته، إنما هو سوط يساق به المتواني عن الطاعة إليها " (٥).
стр. 110
أهمية الخوف من الله تعالى:
"إنّ اللّه خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلّة الدّالّة على عظمته وكبريائه ليهابوه ويخافوه خوف الإجلال، ووصف لهم شدّة عذابه ودار عقابه الّتي أعدّها لمن عصاه ليتّقوه بصالح الأعمال؛ ولهذا كرّر في كتابه ذكر النّار وما أعدّه فيها لأعدائه من العذاب والنّكال، وما احتوت عليه من الزّقّوم والضّريع والحميم والسّلاسل والأغلال، إلى غير ذلك ممّا فيها من العظائم والأهوال، ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه والمسارعة إلى امتثال ما يأمر به ويحبّه ويرضاه، واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه، فمن تأمّل الكتاب الكريم وأدار فكره فيه وجد من ذلك العجب العجاب، وكذلك السّنّة الصّحيحة الّتي هي مفسّرة ومبيّنة لمعاني الكتاب، وكذلك سير السّلف الصّالح أهل العلم والإيمان من الصّحابة والتّابعين لهم بإحسان، من تأمّلها علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الخوف والخشية والإخبات، وأنّ ذلك هو الّذي رقّاهم إلى تلك الأحوال الشّريفة والمقامات السّنيّات، من شدّة الاجتهاد في الطّاعات والانكفاف عن دقائق الأعمال والمكروهات فضلاً عن المحرّمات" (١).
قال الوليد بن أبي السّائب: "ما رأيت أحداً قطّ كان الخوف على وجهه أبين منه على عمر بن عبد العزيز" (٢).
وقال يزيد بن حوشب: "ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز، كأنّ النّار لم تخلق إلّا لهما" (٣).
وقال ابن الجوزي: "قال الحسن: صحبت أقواماً كانوا لحسناتهم أن تُردَّ عليهم أخوفَ منكم من سيئاتكم أن تعذبوا بها، ووصفه يوسف بن عبد المحسن فقال: كان إذا
стр. 111
أقبل كأنه أقبل من دفن حميمه، وإذا جلس كأنه أسير ستضرب عنقه، وإذا ذكرت النار فكأنما لم تخلق إلا له" (١).
وقال عبد اللّه بن مسعود ﵁: "إنّ المؤمن يرى ذنوبه كأنّه جالس في أصل جبل يخشى أن ينقلب عليه، وإنّ الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه، فقال به هكذا" (٢).
عن الحسن قال: "لقد مضى بين يديكم أقوام لو أنّ أحدهم أنفق عدد هذا الحصى لخشي أن لا ينجو من عظم ذلك اليوم! " (٣).
إن الخوف عبادة من أعظم العبادات وقربة من أجل القربات؛ لأنه يدعو إلى امتثال الأوامر وترك النواهي، عن وهب بن منبّه قال: "ما عُبد اللّه بمثل الخوف" (٤).
والخوف " من المقامات العليّة، وهو من لوازم الإيمان، قال تعالى: ﴿وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، وقال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ (فاطر/ ٢٨)، وقال ﷺ : (أنا أعلمكم باللّه وأشدّكم له خشية). وكلّما كان العبد أقرب إلى ربّه كان أشدّ له خشية ممّن دونه، وقد وصف اللّه تعالى الملائكة بقوله: ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، والأنبياء بقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩]. وإنّما كان خوف المقرّبين أشدّ؛ لأنّهم يطالبون بما لا يطالب به غيرهم فيراعون تلك المنزلة، ولأنّ الواجب للّه منه الشّكر على المنزلة فيضاعف بالنّسبة لعلوّ تلك المنزلة، فالعبد إن كان مستقيمًا فخوفه من سوء العاقبة لقوله تعالى: ﴿يَحُولُ بَيْنَ
стр. 112
الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، أو نقصان الدّرجة بالنّسبة، وإن كان مائلاً فخوفه من سوء فعله. وينفعه ذلك مع النّدم والإقلاع؛ فإنّ الخوف ينشأ من معرفة قبح الجناية والتّصديق بالوعيد عليها، وأن يحرم التّوبة، أو لا يكون ممّن شاء اللّه أن يغفر له، فهو مشفق من ذنبه طالب من ربّه أن يدخله فيمن يغفر له" (١).
ومما ظهر في هذا العصر أن هناك قومًا طغت عليهم الدنيا وفتنتهم زخارفها فصاروا يفرون من مواعظ التخويف، ويعدون ذلك مما يكدر على الناس حياتهم التي مُلئت باللهو والغفلة، ويحول بينهم وبين الاطمئنان إلى متعهم!!
وسبحان الله! فكيف يصلح قلب لا يسكنه الخوف، وكيف يستقيم سير ويصل بصاحبه إلى الغاية العليا وليس حاديه الخوف والرجاء؟ لقد كان الصالحون مع استقامة سيرهم وكثرة قربهم يطلبون المذكِّرين بالتخويف؛ حتى يزدادوا جِدّاً إلى جدهم.
عن كعب قال: قال لي عمر بن الخطّاب ﵁ يومًا وأنا عنده: "يا كعب، خوّفنا. قال: فقلت: يا أمير المؤمنين أو ليس فيكم كتاب اللّه وحكمة رسول اللّه ﷺ ؟ قال: بلى. ولكن يا كعب، خوّفنا. قال: قلت: يا أمير المؤمنين، اعمل عمل رجل لو وافيت القيامة بعمل سبعين نبيّا لازدرأت (٢) عملك ممّا ترى" (٣).
أوَ لا يعرف أولئك الهاربون من الوعظ بالتخويف أن الخوف من الله ومما عنده ينير للعبد طريقه إلى ربه حينما تتكاثف في طريقه ظلمات الشهوات والغفلة، ويبصره بعيوبه حتى يصلحها، وبذنوبه حتى يتوب منها، وبتقصيره في الطاعات حتى يترك التقصير وينشط في الطاعة؟
قال أبو حفص: " الخوف سراج في القلب يبصر به ما فيه من الخير والشرّ. وكلّ واحد
стр. 113
إِذا خِفْته هربت منه إِلاَّ الله فإِنَّك إِذا خفته هربت إِليه" (١).
فإذا ذهبت أنوار الخوف تاه الإنسان عن غايته في الوصول إلى ربه، قال ذو النّون: "النّاس على الطّريق ما لم يزُل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلّوا عن الطّريق" (٢).
إن العبد محتاج إلى ملازمة خوف الله تعالى احتياجاً شديداً؛ لأنه مطية نجاته، وسبيل راحته وصلاحِ دنياه وآخرته. وتعظم أهمية ملازمة الخوف في مثل هذا الزمان الذي قل فيه الصالحون والمصلحون، وكثر فيه الفاسدون والمفسدون، وغلبت على الجوارح فتن الشهوات وتغلغلت في العقول فتن الشبهات، فظهرت المعاصي وجاهر العصاة وقلّت الطاعات وأهلها، وكثرت المنكرات وازداد دعاتها والمقبلون عليها، وحورب المعروف وضُيِّق عليه، حتى أصبح المنكر معروفاً والمعروف منكراً، والباطل حقاً والحق باطلاً!
في مثل هذه الأجواء المتخمة بالذنوب والمذنبين، والملطخة بتغير المفاهيم والأفكار وتقلب المبادئ والمواقف تزداد الحاجة إلى التحرز بحصن الخوف من الله تعالى؛ ليكون ذلك مأوى يعصم الإنسان من الخطيئة وينجيه من عواقبها الوخيمة.
ولكن لابد مع الخوف من رجاء حتى لا تنساق خطى المرء إلى أودية اليأس والقنوط، فالخوف والرجاء جناحان يطار بهما إلى الآفاق الصحيحة، قال الحسن البصريّ: " الرّجاء والخوف مطيّتا المؤمن" (٣).
وقال الغزاليّ: "إنّ الرّجاء والخوف جناحان بهما يطير المقرّبون إلى كلّ مقام محمود، ومطيّتان بهما يقطع من طرق الآخرة كلّ عقبة كؤود" (٤).
وفي بعض الأحوال يُطلب ترجيح الخوف على الرجاء وفي بعضها الآخر ترجيح
стр. 114
الرجاء على الخوف؛ فمتى كان الإنسان في لجج المعاصي والغفلة فتغليب الخوف في حقه أولى، ومتى كان على الطريق وحضره الموت فتغليب الرجاء أفضل، قال الفضيل بن عياض: "الخوف أفضل من الرّجاء ما كان الرّجل صحيحًا، فإذا نزل الموت فالرّجاء أفضل" (١).
مجالات الخوف من الله تعالى:
إن خوف الله تعالى ينبغي أن يكون في حياة الإنسان كلها، وفي أحواله جميعها؛ في سره وعلنه، وفي بيته وعمله، وفي كل جهة توجه إليها. فهو محتاج إلى أن يكون خوف الله في قلبه أن يطلع عليه ربه وفيه ما لا يرضيه، وفي عقله أن يحمل فكراً يضاد شرعه ووحيه، وفي لسانه أن ينطق بالسوء الذي يغضب مولاه.
وفي بصره أن يزيغ إلى الحرام، وفي سمعه أن يصغي إلى الباطل، وفي يده أن تكتب المنكر أو تظلم بالبطش بين الخلق بقتل أو أخذ للمال من غير حله. وفي رجله أن تسعى إلى الأوزار، أو تقف في مواطن الشر والمنكر.
وهو أيضًا محتاج إلى أن يكون خوف الله تعالى رفيقه مع والديه ومع زوجته وأولاده ومع جيرانه ومع أقاربه، ومع الناس كلهم؛ فخوف الله هو الذي يمنعه من ظلمهم والتقصير في إيفائهم ما عليه من حقوقهم.
وإذا كان والياً أو مسؤولاً فليكن خوف الله تعالى رقيبه الذي لا ينام حتى لا يجور ويصبح الظلم والخيانة والغش ديدنه بين رعيته، وإذا كان موظفاً أو عاملاً في أي وظيفة أو عمل كان فليجعل خوف الله تعالى معه دائماً؛ حتى لا يخون أمانة الوظيفة أو العمل التي حُمِّلها.
стр. 115
علامات الخوف من الله تعالى:
إن البراهين هي التي تكشف عن صدق القائلين أو كذبهم؛ فقد يدعي بعض الناس أنه يخاف الله، ولكن واقعه لا يدل على ذلك؛ لذلك فإن الخوف الصادق هو الذي يجعل صاحبه من المسابقين إلى الطاعات فرضها ونفلها، وهو الذي يحجزه عن الإسراف على نفسه بالذنوب والمجاهرة بها والإصرار عليها. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً﴾ [الإنسان ٩] ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ [الإنسان ٩ - ١٠].
وقال رسول الله ﷺ : (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل) (١).
يعني: من خشي الله أتى منه كل خير، ومن أمن اجترأ على كل شر، ومن خاف ألزمه الخوف السلوك إلى الآخرة والمبادرة بالعمل الصالح؛ خوفَ القواطع والعوائق (٢).
فليختبر الإنسان نفسه هل هو من أهل الخوف من الله تعالى أو لا؟ لينظر كم رصيده من الطاعات والأعمال الصالحات، وكيف حاله مع الذنوب وكيف إقباله عليها، وهل هو من التائبين منها أو من المستمرين عليها؟.
إن الخوف الصادق هو الذي يجعل صاحبه مفكراً بالآخرة يتذكرها ويعمل لها ويجعلها أكبر همه، فمن كان كذلك فهو الخائف الصادق، ومن كانت الدنيا هي همَّه والمستولية على قلبه والمقدَّمة لديه فليراجع خوفه.
طرق الوصول إلى خوف الله تعالى:
إن الخوف من الله عبادة عظيمة تحتاج إلى بذل جهد في تحصيلها واكتسابها وتقويتها والمحافظة عليها بعد حصولها، فمن الطرق المعينة على ذلك:
стр. 116
أولاً: التفكر في أسماء الله وصفاته ومعرفتُها.
فإن ذلك يرسخ في قلب المرء إجلال الله تعالى وتعظيمه والكف عن مساخطه والمسارعة إلى مراضيه. فحينما يفكر في أسماء الله تعالى: العظيم الجبار القهار القدير المنتقم القوي المتين العزيز الكبير ونحوها من الأسماء القهرية يتربى في نفسه هيبة الله تعالى وخشيته، فمن أنت أيها الإنسان حتى تعصي الله تعالى وتفوت قدرته، أوَ لا يدركك قهره وجبروته؟ قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت ٢٢].
وعندما يتأمل في أسماء الله: العليم اللطيف الخبير السميع البصير ونحوها يزرع ذلك في قلبه الخوف من الله تعالى. فأين يستطيع أن يعصي الله تعالى ولا يعلم به ولا يراه ولا يسمعه ولا يرقب عمله؟!
قال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩].
ثانيًا: التفكر في الكون وما فيه من آيات الله المنشورة.
إن هذا الكون الفسيح يحوي آيات باهرات تدل على قدرة الله وإبداع صنعه وعنايته بخلقه وكثرة خيره المسدى إليهم. فالإنسان العاقل إذا نظر إلى هذا الخلق البديع المحكم العظيم وتأمل فيه واعتبر بما رأى وشاهد دعاه ذلك إلى خوف الله تعالى وخشيته وحب طاعته والبعد عن معصيته. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الألْبَابِ ﴿١٩٠﴾ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران ١٩٠ - ١٩١].
وقال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
стр. 117
يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧].
ثالثًا: تذكرُ الموت ورحيل الإنسان عن الدنيا إلى الآخرة.
فاستحضار الإنسان ساعةَ رحيله عن الدنيا وملاقاته الموت وانتقاله إلى الدار الآخرة التي تكشف فيها السرائر ويبرز ما في الضمائر ويحاسب الإنسان فيها على ما قدم في حياته الدنيا، ثم المصير إلى جنة عرضها السماوات والأرض أو إلى نار وقودها الناس والحجارة إن استحضار هذا المشهد المستقبلي الحق في ذهن الإنسان يدفعه دفعاً شديداً إلى خوف ربه، وإجلاله أن يكون من عصاته الذين ينزل بهم غضبه ويحل عليهم عقابه.
رابعًا: العلم بالله تعالى وبدينه الحنيف.
فإن الجهل بدين الله يدفع كثيراً من الناس إلى ترك واجبات الإسلام والانغماس في حمأة الحرام بلا رادع من خوف أو حاجز من خشية تحول بينهم وبين ركوب الباطل ومجاوزة الحلال إلى الحرام. لذلك كان على المسلم أن يتعلم شرع الله تعالى حتى يعرف الحلال فيأتيه والحرام فيجتنبه. فمعرفة شرع الله من أعظم الأسباب التي تعين على تحصيل خوف الله تعالى في القلب؛ ولذلك قال تعالى عن العلماء العاملين الصادقين: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ [فاطر ٢٨].
" أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى، كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل والخشية له أعظم وأكثر" (١).
وإنما كان العلماء أكثر خشية وخوفًا من الله" لأنهم هم الذين يتفكرون في عجائب مصنوعاته، ودلائل قدرته، فيعرفون عظمته وكبرياءه، وجلاله وجماله، ويتفكرون فيما أعد الله لمَن عصاه من العذاب ومناقشة الحساب، وفيما أعد لمَن خافه وأطاعه من الثواب، وحسن المآب، فيزدادون خشية، ورهبة ومحبة ورغبة في طاعته، وموجب
стр. 118
رضوانه، دون مَنْ عداهم من الجهّال. وفي الحديث عنه ﷺ : (فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية)، وقال الربيع بن أنس: مَنْ لم يَخشَ الله فليس بعالم، وقال ابن عباس في تفسير الآية: كفى بالزهد عِلماً، وقال ابن مسعود: كفى بخشية الله عِلماً، وبالاعتذار جهلاً وفي الحِكَم: خيرُ علم ما كانت الخشية معه. وقال في التنوير: اعلم أن العلم حيثما تكرر في الكتاب والسُنَّة فإنما المراد به العلم النافع، الذي تٌقارنه الخشية، وتكتنفه المخافة. قال تعالى: ﴿إِنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ﴾ بيّن سبحانه أن الخشية تلازم العلم، وفهم من هذا أن العلماء إنما هم أهل الخشية. هـ. وقال الشيخ ابن عباد: واعلم أن العلم النافع المتفق عليه فيما سلف وخلف إنما هو العلم الذي يؤدي بصاحبه إلى الخوف والخشية، وملازمة التواضع والذلة، والتخلُّق بأخلاق الإيمان، إلى ما يتبع ذلك من بغض الدنيا والزهادة فيها، وإيثار الآخرة عليها، ولزوم الأدب بين يدي الله تعالى، إلى غير ذلك من الصفات العلية، والمناحي السنية. اهـ. " (١).
خامسًا: اختيار الرفقة الصالحة وترك الرفقة السيئة.
إن للجلساء والمجالس في أي مكان كانت أثراً كبيراً في تحصيل خوف الله تعالى في القلب أو في تحطيم ما تبقى من بنيانه. فالرفقة الصالحة في البيت أو المسجد أو العمل أو اللقاءات الاجتماعية تعين من كان معها في تلك الأماكن على أن يكون من أهل الخشية لله تعالى؛ لأنه سيسمع هناك الكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، وسيرى المعروف ظاهراً والمنكر خافتا. أما إذا كانت الرفقة سيئة ليس لها همّ في صلاح الإنسان واهتدائه فإنه سيجد لديهم التباطؤ عن الطاعات والمسارعة إلى المنكرات. فيملأ سمعه وبصره من الباطل الذي يُرتكب أو يتحدث الجلساء عنه.
وهذا سيجعله يتجرأ على هتك ستر الخوف والسير في دروب المعصية، إلا من رحم الله.
стр. 119
ثمرات الخوف من الله تعالى:
من عمر خوفُ الله نفسه وخالط أثره شغاف قلبه أورثه خيراً كثيراً في الدنيا والآخرة، فمن تلك الثمرات:
أولاً: إبعاد الإنسان عن المعاصي. قال تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨].
فما منع هابيلَ من قتل أخيه قابيل إلا خوفُه من الله تعالى، "قال عبد الله بن عمرو: وايم الله إن كان لأشدَّ الرجلين، ولكن منعه التحرج يعني: الورع" (١).
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤]. "أي: ليتميز الخائف من عقابه الأخروي، وهو غائب مترقب لقوة إيمانه، فلا يتعرض للصيد ممن لا يخافه كذلك لضعف إيمانه فيقدِم عليه" (٢).
وقال النبي ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله … ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله … ) (٣).
"قال القرطبي: إنما يصدر ذلك عن شدة خوف من الله تعالى، ومتين تقوى وحياء" (٤).
ثانيًا: الإقبال على الطاعات وحسن القيام بها. فالخوف حاثٌّ على العمل الصالح، والعمل الصالح ثمرة من ثماره، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ
стр. 120
عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠].
" فإنهم إذا رهبوا الله تعالى حرصوا على الإيفاء بالعهد" (١).
قال ابن الجوزي: "إخواني، من علم عظمة الإله زاد وجلُه، ومن خاف نِقَم ربه حسن عمله، فالخوف يستخرج داء البطالة ويشفيه، وهو نعم المؤدِّب للمؤمن ويكفيه" (٢).
وقال أيضًا: "فالخوف للنفس سائق، والرجاء لها قائد، إن ونتْ على قائدها حثها سائقها، وإن أبت على سائقها حركها قائدها" (٣).
ثالثًا: صلاح القلب وإخراج الدنيا منه. فإن القلب لن يصلح حتى يحل فيه الخوف، وإن الدنيا لن تخرج من القلوب التي تعلقت بها حتى يحل مكانها الخوف.
قال أبو سليمان الداراني: "ما فارق الخوفُ قلبًا إلا خرب" (٤).
وقال إِبراهيم بن سفيان: "إِذا سكن الخوفُ القلب أَحرق مواضع الشَّهوات منه، وطرد الدّنيا عنه" (٥).
رابعًا: أداء حقوق المخلوقين. فمن خاف الله تعالى لن يأخذ حق غيره، ولن يقصر في أداء ما وجب عليه لسواه.
خامسًا: دخول الجنة. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١].
стр. 121
"أي: خاف القيام بين يدي الله ، وخاف حكم الله فيه، ونهى نفسه عن هواها، وردها إلى طاعة مولاها ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ أي: منقلبه ومصيره ومرجعه إلى الجنة الفيحاء" (١).
عن الحسن قال: "إن الرجل يذنب الذنب فما ينساه، وما يزال متخوفًا منه حتى يدخل الجنة" (٢).
стр. 122
حِصنُ المراقبة
يواجه الإنسانُ في هذه الحياة أعداء كثيرين: إبليس والهوى والدنيا والنفس الأمارة بالسوء، ولو تُرك وإياهم لهلك. فكان لابد له من ملجئ يأوي إليه، وحصن يتحصن فيه؛ ليسلم من فتك هؤلاء الأعداء، ويصل إلى خير الدنيا والآخرة.
وفي مراقبة الله تعالى في السر والعلن حصن حصين، وحرز مكين، يحمي من تحصن به من أولئك الأعداء وشرورهم.
حقيقة مراقبة الله تعالى:
إن مراقبة العبد لربه حقيقة باطنة تعبر عنها صور ظاهرة من الأعمال والأقوال والأحوال، وتكون في ثلاثة أشياء: "مراقبة الله في طاعته بالعمل الذي يرضيه، ومراقبة الله عند ورود المعصية بتركها، ومراقبة الله في الهم والخواطر والسر والإعلان" (١).
قال ابن القيم في حقيقة المراقبة هي: " دوام علم العبد وتيقّنه باطّلاع الحقّ على ظاهره وباطنه، فاستدامته لهذا العلم واليقين: هو المراقبة، وهو ثمرة علمه بأن الله سبحانه رقيب عليه، ناظر إليه، سامع لقوله، وهو مطلع على عمله كل وقت وكل لحظة، وكل نفَس وكل طرفة عين " (٢) ويصدِّق ذلك العلمَ كفُّ الجوارح عن الآثام، وإقبالها على أداء ما وجب عليها من التكاليف.
وقال الغزالي: "اعلم أنّ حقيقة المراقبة هي ملاحظة الرّقيب، وانصراف الهمم إليه،
стр. 123
فمن احترز من أمر من الأمور بسبب غيره، يقال: إنّه يراقب فلانًا، ويراعي جانبه، ويعني بهذه المراقبة حالة للقلب يثمرها نوع من المعرفة، وتثمر تلك الحالة أعمالاً في الجوارح وفي القلب. أمّا الحالة فهي مراعاة القلب للرّقيب واشتغاله به والتفاته إليه، وملاحظته إيّاه وانصرافه إليه. وأمّا المعرفة الّتي تثمر هذه الحالة فهي العلم بأنّ اللّه مطّلع على الضّمائر، عالم بالسّرائر، رقيب على أعمال العباد، قائم على كلّ نفس بما كسبت، وأنّ سرّ القلب في حقّه مكشوف كما أنّ ظاهر البشرة للخلق مكشوف بل أشدّ من ذلك. فهذه المعرفة إذا صارت يقينا- أعني أنّها خلت عن الشّكّ- ثمّ استولت بعد ذلك على القلب قهرته؛ فربّ علم لا شكّ فيه لا يغلب على القلب كالعلم بالموت، فإذا استولت على القلب استجرّت القلب إلى مراعاة جانب الرّقيب وصرفت همّه إليه؛ والموقنون بهذه المعرفة هم المقرّبون، وهم ينقسمون إلى الصّدّيقين وإلى أصحاب اليمين" (١).
وقال ابن قدامة: " وينبغي أن يراقب الإنسان نفسه قبل العمل وفى العمل، هل حركه عليه هوى النفس أو المحرك له هو الله تعالى خاصة؟ فإن كان الله تعالى، أمضاه وإلا تركه، وهذا هو الإخلاص، قال الحسن: رحم الله عبداً وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر، فهذه مراقبة العبد في الطاعة، وهو أن يكون مخلصاً فيها. ومراقبته في المعصية تكون بالتوبة والندم والإقلاع، ومراقبته في المباح تكون بمراعاة الأدب، والشكر على النعم؛ فإنه لا يخلو من نعمة لابد له من الشكر عليها، ولا يخلو من بلية لابد من الصبر عليها، وكل ذلك من المراقبة" (٢).
" وقال ابن المبارك لرجل: راقب الله تعالى، فسأله عن تفسيره، فقال: كن أبداً كأنك ترى الله " (٣). وهذا مأخوذ من قوله ﵊ لجبريل عندما سأله
стр. 124
عن الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) (١).
قال النووي في هذه الجملة من الحديث: " هذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ ؛ لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع، وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به، فقال ﷺ : اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان؛ فإن التتميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد باطلاع الله عليه، فلا يقدم العبد على تقصير في هذا الحال للاطلاع عليه، وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه. فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة، ومراقبة العبد ربه ﵎ في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك، وقد ندب أهل الحقائق إلى مجالسة الصالحين؛ ليكون ذلك مانعًا من تلبسه بشيء من النقائص؛ احترامًا لهم واستحياء منهم، فكيف بمن لا يزال الله تعالى مطلعاً عليه في سره وعلانيته" (٢).
ولا تتأتى هذه الحقيقة إلا باستشعار العبد أن الله تعالى قريب منه فيما أسر وفيما أعلن لا تخفى عليه خافية، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢]، وقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤].
"ومن تحقق بقرب الحق، ، فأدْونه دوام مراقبته إيَّاه، لأنَّ عليه رقيبَ التقوى، ثم رقيب الحفظ والوفاء ثم رقيب الحياء:
стр. 125
كأن رقيبًا منك يرعى خواطري … وآخرَ يرعى ناظري ولساني
فما نظرتْ عيناي بعدك نظرةً … لغيركَ إلا قلتُ قد رمقاني
ولا بدرتْ مِنْ فيَّ بعدك لفظةٌ … لغيرك إلا قلتُ قد سمعاني
ولا خطرتْ في غير ذكرك خطرةٌ … على القلب إلا عرّجتْ بعناني" (١)
أهمية مراقبة الله تعالى:
لقد أدرك أئمة السلوك أهمية المراقبة وعظمتها، فحثوا عليها، ودعوا إلى ملازمتها في الخلوة والجلوة؛ حتى يصل بها السالك إلى رضوان الله تعالى وجنته، ويسلم بها من سخطه وعذابه، كما يجد بلزومها الحياة الطيبة والراحة والاطمئنان في حياته الدنيوية.
"قال سفيان الثوري: عليك بالمراقبة ممن لا تخفى عليه خافية، وعليك بالرجاء ممن يملك الوفاء، وعليك بالحذر ممن يملك العقوبة" (٢).
"وقال محمد بن علي الترمذي: اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره إليك، واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك، واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه" (٣).
"قال يعقوب بن إسحاق بن زياد: قال لي قائل في منامي: راقب الله مراقبة من سمع الزجر، وانتفع بالتحذير" (٤).
وقال أبو عثمان: قال لي أبو حفص: إذا جلست للنّاس فكن واعظًا لنفسك وقلبك،
стр. 126
ولا يغرّنّك اجتماعهم عليك؛ فإنّهم يراقبون ظاهرك، واللّه رقيب على باطنك" (١).
وقال الجريريّ: أمرُنا هذا مبنيّ على أصلين: أن تلزم نفسك المراقبة للّه- ، ويكون العلم على ظاهرك قائما" (٢).
وقال أبو عثمان المغربيّ: "أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطّريقة المحاسبة والمراقبة وسياسة عمله بالعلم" (٣).
وقال ابن عطاء: "أفضل الطّاعات، مراقبة الحقّ على دوام الأوقات" (٤).
"وقال سهل: "لم يتزين القلب بشيء أفضل ولا أشرف من علم العبد بأن الله شاهده حيث كان" (٥).
طرق تحصيل مراقبة الله تعالى:
إن وصول العبد إلى أن يكون من أهل المراقبة لله تعالى في السر والعلن منالٌ عظيم، وغاية سامية، ولكن ذلك لن يكون إلا بسلوك طرق صحيحة تؤدي إلى ذلك المطلب العالي، فمن تلك الطرق:
أولاً: استشعار أن الله تعالى قريب من عبده، مطلع على عمله كلِّه سره وعلنه، لا يغيب عنه منه شيء في أي مكان كان العبد، فأين يختفي العبد عن علمه تعالى؟
فمن همَّ بمعصية فليتذكر هذا العلم المحيط؛ ليحجزه ذلك عن الخطيئة.
قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا
стр. 127
عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].
"يخبر تعالى، عن عموم مشاهدته، واطلاعه على جميع أحوال العباد في حركاتهم، وسكناتهم، وفي ضمن هذا الدعوة لمراقبته على الدوام" (١).
وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقال: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء﴾ [آل عمران: ٥]، وقال: ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨]، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧].
قال ابن الجوزي: "الحق أقرب إلى عبده من حبل الوريد، لكنه عاملَ العبدَ معاملة الغائب عنه، البعيد منه، فأمر بقصد نيته، ورفع اليدين إليه، والسؤال له، فقلوب الجهال تستشعر البعد؛ ولذلك تقع منهم المعاصي إذ لو تحققت مراقبتهم للحاضر الناظر لكفوا الأكف عن الخطايا، والمتيقظون علموا قربه فحضرهم المراقبة، وكفتهم عن الانبساط" (٢).
قال الشاعر:
إذا ما خَلَوْتَ الدَّهرَ يوماً فلا تَقُلْ … خَلَوتُ ولكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ
ولا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفُلُ سَاعةً … ولا أنَّ ما تُخفِي عَلَيْهِ يَغِيبُ
ألم ترَ أنّ اليومَ أسرعُ ذاهبٍ … وأنّ غداً للناظرين قريبُ (٣).
стр. 128
ثانيًا: التفكر في لقاء الله يوم القيامة وجزاء الأعمال في ذلك اليوم.
ثالثًا: التزود من العلم النافع الذي يبصر الإنسان بطريقه إلى الله.
ومن أعظم العلم: العلم بأسماء الله وصفاته؛ فإن للعلم بها والتعبد بمقتضاها أثراً كبيراً في سلوك المسلم، قال ابن القيم: " والمراقبة هي: التعبد باسمه الرقيب الحفيظ العليم السميع البصير، فمن عقل هذه الأسماء وتعبد بمقتضاها حصلت له المراقبة، والله أعلم" (١).
رابعًا: مجالسة أهل المراقبة وقراءة أخبارهم ومحاكاة أعمالهم.
خامسًا: التفكر في عواقب المعاصي.
قال ابن الجوزي: " ينبغي لكل ذي لب وفطنة أن يحذر عواقب المعاصي؛ فإنه ليس بين الآدمي وبين الله تعالى قرابة ولا رحم، وإنما هو قائم بالقسط، حاكم بالعدل، وإن كان حلمه يسع الذنوب إلا أنه إذا شاء عفا فعفا كل كثيف من الذنوب، وإذا شاء أخذ وأخذ باليسير، فالحذر الحذر. ولقد رأيت أقواماً من المترفين كانوا يتقلبون في الظلم والمعاصي باطنة وظاهرة، فتعبوا من حيث لم يحتسبوا، فقلت أصولهم، ونقص ما بنوا من قواعد أحكموها لذراريهم، وما كان ذلك إلا لأنهم أهملوا جانب الحق ، وظنوا أن ما يفعلونه من خير يقاوم ما يجري من شر، فمالت سفينة ظنونهم فدخلها من ماء الكيد ما أغرقهم. ورأيت أقواماً من المنتسبين إلى العلم أهملوا نظر الحق إليهم في الخلوات، فمحا محاسن ذكرهم في الجلوات، فكانوا موجودين كالمعدومين، لا حلاوة لرؤيتهم، ولا قلب يحن إلى لقائهم.
فاللهَ الله في مراقبة الحق ؛ فإن ميزان عدله تبِين فيه الذرة، وجزاءه مرصد للمخطئ ولو بعد حين. وربما ظن أنه العفو، وإنما هو إمهال، وللذنوب عواقب سيئة. فاللهَ
стр. 129
الله الخلواتِ الخلوات، البواطنَ البواطن، النياتِ النيات؛ فإن عليكم من الله عيناً ناظرة. وإياكم والاغترار بحلمه وكرمه؛ فكم قد استدرج. وكونوا على مراقبة الخطايا مجتهدين في محوها، وما شيء ينفع كالتضرع مع الحمية عن الخطايا.
وهذا فصل إذا تأمله المعامل لله تعالى نفعه. ولقد قال بعض المراقبين لله تعالى: قدرت على لذة وليست بكبيرة، فنازعتني نفسي إليها؛ اعتماداً على صغرها، وعظم فضل الله تعالى وكرمه، فقلت لنفسي: إن غلبتَ هذه فأنتَ أنت، وإذا أتيتَ هذه فمن أنت؟ وذكّرتها حالةَ أقوام كانوا يفسحون لأنفسهم في المسامحة كيف انطوت أذكارهم، وتمكن الإعراض عنهم، فارعوتْ، ورجعت عما همت به" (١).
سادسًا: الدعاء. فيدعو العبد ربَّه بأن يجعله من أهل خشيته ومراقبته.
ثمرات مراقبة الله تعالى:
لاشك أن مراقبة العبد ربَّه في قوله وعمله وظاهره وباطنه ستنيله آثاراً حسنة، وثمرات طيبة في دنياه وآخرته، فمن ذلك:
أولاً: نيل خيرات الدنيا. كعظم القدر في القلوب وحب الناس وحسن ثنائهم، وهذا من ثواب الحسنة العاجل.
قال ابن الجوزي: "إخواني، اسمعوا نصيحة من جرب وخَبِر: إنه بقدر إجلالكم لله وتعظيمكم له يجلكم، وبمقدار تعظيم قدره واحترامه يعظم أقداركم وحرمتكم. ولقد رأيت والله من أنفق عمره في العلم إلى أن كبرتْ سِنُّه ثم تعدى بعض الحدود فهان عند الخلق، وكانوا لا يلتفتون إليه مع غزارة علمه وقوة مجاهدته. ولقد رأيت من كان يراقب الله في صبوته مع قصوره بالإضافة إلى ذلك العالم، فعظّم الله
стр. 130
قدره في القلوب حتى علقته النفوس، ووصفته بما يزيد على ما فيه من الخير" (١).
و"قال عبد الله بن دينار: خرجت مع عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى مكة، فعرَّسنا في بعض الطريق، فانحدر عليه راعٍ من الجبل فقال له: يا راعي، بعني شاة من هذه الغنم؟ فقال: إني مملوك، فقال: قل لسيدك: أكلها الذئب، قال: فأين الله؟ قال: فبكى عمر رضى الله عنه، ثم غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه وأعتقه، وقال: أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تعتقك في الآخرة" (٢).
ثانيًا: بغض المعاصي والبعد عنها. وهذا أثر المراقبة الأعظم، فمن صحت مراقبته، كان قريبًا من الطاعات بعيداً من السيئات.
"قال رجل للجنيد: بمَ أستعين على غضّ البصر؟ فقال: بعلمك أنّ نظر النّاظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه" (٣).
"وقال أبو العباس بن مسروق من راقب الله في خطرات قلبه، عصمه الله في حركات جوارحه" (٤).
وقال ابن القيم: " وأرباب الطريق مجمعون على أن مراقبة الله تعالى في الخواطر سبب لحفظها في حركات الظواهر، فمن راقب الله في سره حفظه الله في حركاته في سره وعلانيته" (٥).
"وقال فرقد السنجي: " إن المنافق ينظر: فإذا لم يرَ أحداً دخل مدخل السوء، وإنما
стр. 131
يراقب الناس، ولا يراقب الله تعالى" (١).
"راود بعضُهم أعرابيةً، وقال لها: ما يرانا إلا الكواكبُ، قالت: فأين مُكوكِبُها؟! (٢).
ومن وصايا رسولنا ﷺ لمعاذ ﵁ أيضًا: أن معاذاً ﵁ قال: يا رسول الله، أوصني، قال: (اعبد الله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، وإن شئت أنبأتك بما هو أملك بك من هذا كله قال: هذا) وأشار بيده إلى لسانه (٣).
فقد أمر رسول الله ﷺ معاذاً ﵁ بمراقبة الله ؛ لأن مراقبة الله تعالى في السر والعلن تحرس صاحبها من ركوب المعصية، أو التقصير في الطاعة، ومن كان مراقبًا لله جل وعلا في خلوته وجلوته صلح له شأنه في دنياه وآخرته.
ثالثًا: الوصول إلى موافقة الله تعالى فيما يحب ويكره. "قال ذو النون: علامة المراقبة إيثار ما أنزل الله، وتعظيم ما عظم الله، وتصغير ما صغر الله" (٤).
رابعًا: دخول الجنة. فإذا استمر المؤمن على مراقبة الله تعالى في ظاهره وباطنه ساقه ذلك إلى الجنة.
"سئل ذو النون: بم ينال العبد الجنة؟ فقال: بخمس: استقامة ليس فيها روغان، واجتهاد ليس معه سهو، ومراقبة الله تعالى في السر والعلانية، وانتظار الموت بالتأهب له، ومحاسبة نفسك قبل أن تحاسَب" (٥).
стр. 132
احذرِ الغَفلة
لقد جئنا هذه الدارَ زوّاراً إلى حين، وعنها ننتقل إلى دار أخرى يكون فيها قرارنا، وحياتنا الأبدية. فنحن في دار الدنيا نزلاء من أجل هدف واحد هو عبادة الله تعالى وحده وعلى هذا التكليف الرباني يُحدَّد المنزل في دار الآخرة: إما في الجنة وإما في النار.
فمن عقل هذه الحقيقة وآمن بهذا النبأ العظيم، وعمر قلبَه اليقينُ الجازم به؛ لم تُلهه دارُ غربته عن دار وطنه، ولم ينشغل عن التكليف الذي جاء لأجله بغيره.
ولكن هذا الصنف من الناس قليل جداً إزاء العدد الكبير الذين أسرتهم الغفلة عن هذه الحقيقة، وقادتهم إلى الانشغال بالدنيا عن الآخرة، فصاروا غافلين عن ربهم ودينه، غافلين عن الآخرة، وعن ذهابهم عن هذه الدنيا بلا عودة.
إن داء الغفلة قد تمكن من كثير من الخلق حتى فقدوا الشّعور بما حقّه أن يُشعَر به، وسهوا حتى قلّ تحفظهم مما يُخاف منه، فصار الأمر العظيم مما يُصلح حالهم في عاجل أمرهم وآجله لا يخطر لهم على بال، فلم يدركوه مع وجود ما يقتضيه، ويدعو إلى الاستيقاظ عنده.
ما أسوأ حال من غفل عن ربه الذي خلقه ورزقه، وأنعم عليه بنعم لا تعد ولا تحصى، حيث خلا قلبه من الإيمان به وتعظيمه، وهيبته وتقديره، وإجلاله والانقياد له، وفرغ لسانه من ذكره وانشغل بذكر غيره، ولم تنشغل جوارحه بالإقبال على أوامره والانتهاء عن نواهيه، بل شغلت باللهث خلف الشهوات والانكباب على الملذات التي تخالف شرع ربه سبحانه.
فأصبح بذلك غارقًا في دنياه غافلاً عن أُخراه، فلا مشاهد الموت وعظاته تزجره،
стр. 133
ولا آيات الله تعالى المسطورة والمنشورة تعظه، ولا عِبر الحياة وأحداثها ترد إليه عقله ورشده، فغدا أصم السمع، أعمى البصر، محجوب القلب عما ينفعه، فشقي بذلك أيما شقاء، ولا غرو فإن شقاء الغفلة داء قتال شقي به أكثر الأحياء وندم عليه أكثر الأموات.
قال زين الدين ابن رجب: " ورُئيَ بعض الموتى في المنام فقال: ما عندكم أكثر من الغفلة، وما عندنا أكثر من الحسرة! " (١).
وقال عمر بن عبد العزيز:
ومِن الناسِ مَنْ يَعِيشُ شَقِيّاً … جِيفةَ الليل غافِلَ اليَقَظَهْ
فإِذا كان ذا حَياءٍ ودِينٍ … راقَب اللّهَ واتَّقى الحَفَظهْ
إِنَّما الناسُ سائرٌ ومُقِيمٌ … والذي سارَ لِلْمُقِيم عِظَهْ (٢).
وقال الغزالي: " مفتاح السعادة التيقظ والفطنة، ومنبع الشقاوة الغرور والغفلة (٣).
وقال ابن كثير: " وقال بعض الحكماء: من نظر إلى الدنيا بغير العبرة انطَمَسَ مِنْ قلبه بقدر تلك الغَفْلَة" (٤).
فلهذا حذرنا الله تعالى من الغفلة والغافلين؛ فنهى تعالى في كتابه الكريم المسلمَ عن أن يكون من أهل الغفلة فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. وبيّن سبحانه صفات الغافلين حتى نحذرها ولا نكون من أهلها فقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
стр. 134
اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [النحل: ١٠٨]. وذكر تبارك تعالى كون الغفلة سببًا لبعض المعاصي فقال: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
يقول الإمام ابن الجوزي ﵀ آمراً باليقظة ومحذراً من الغفلة: " أيها الإنسان، -وكلنا ذلك الإنسان- استيقظْ من غفلتك، وهُبّ من رقدتك، قد آن أن يُدعى إليك الطبيب بجميع الدواء، فلا يرجى لك مما نزل بك الشفاء" (١). وقال: "فاحذر الغفلة عن ذكر الله؛ فإنها أصل كل بلية، وجالبة كل رزية" (٢).
وقال:
فانتبهْ من رقدة الغفلـ … ة والعمرُ قليلُ
واطّرحْ سوف وحتـ … ى فهما داء دخيل (٣).
وقال:
ودَعَتْنا المنونُ في سِنة الغفلة … هبّوا واستيقظوا يا أنامُ (٤).
وقال ﵀ في بيان صفة الغافل: " ما أعجبَ أمرك يا من يوقن بأمر ثم ينساه، ويتحقق ضرر حال ثم يغشاه! وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه، تغلبك نفسك على ما تظن، ولا تغلبها على ما تستيقن. أعجب العجائب سرورك بغرورك، وسهوك في لهوك عما
стр. 135
قد خُبِئ لك، تغتر بصحتك وتنسى دنو السقم، وتفرح بعافيتك غافلاً عن قرب الألم، لقد أراك مصرعُ غيرك مصرعَك، وأبدى مضجعُ سواك قبل الممات مضجعك، وقد شغلك نيل لذّاتك عن ذكر خراب ذاتك.
كأنك لم تسمع بأخبار مَنْ مضى … ولم ترَ في الباقين ما يصنعُ الدهرُ
فإن كنتَ لا تدري فتلك ديارُهم … محاها مجالُ الريح بعدك والقطر
كم رأيتَ صاحب منزل ما نزل لحدَه حتى نزل! وكم شاهدت والي قصر وليه عدوه لما عُزل! فيا مَنْ كلُّ لحظة إلى هذا يسري، وفعلُه فعل من لا يفهم ولا يدري.
وكيف تنامُ العينُ وهي قريرة … ولم تدر من أيّ المحلين تنزل؟ " (١)
أسباب الغفلة:
إن الغفلة عن الله وعن دينه وعن العمل للدار الآخرة مرض له أسباب توصل إليه، فمن ذلك:
أولاً: الجهل بالله تعالى، وقلة المعرفة بشرعه، فمن كان عالمًا بالله تعالى عظم في قلبه قدره، واتسع فيه جلاله وهيبته، فذكره بأمره ونهيه، وخشي أن يكون في غفلة عنه، فإذا خلا القلب من أنوار هذه المعرفة حلّ فيه ظلام الغفلة. والعلم بشريعة الله يدعو إلى اليقظة إلى عمل الآخرة والاستعداد للقاء الله فيها، فمن جهل ذلك استغرق حياته في العمل لدنياه وغفل عن العمل لآخرته. قال ابن القيم: " والمقصود أن الغفلة والكسل اللذين هما أصل الحرمان سببهما عدم العلم، فعاد النقص كله إلى عدم العلم والعزيمة، والكمال كله إلى العلم والعزيمة" (٢).
ثانيًا: طول الأمل وقلة التفكر في فجأة الأجل، فمن طال أمله عاش في كنف الغفلة
стр. 136
ساهيًا لاهيًا، باحثًا عن الظفر بلذاته العاجلة، فساء منه العمل، ولم يستعد بزاد النجاة ليوم المعاد.
قال محمود الوراق:
قائدُ الغفلةِ الأمَلْ … والهَوَى قائدُ الزَّلَلْ
قتلَ الجهلُ أهلَهُ … ونَجَا كلُّ مَنْ عَقَلْ (١).
ثالثًا: التعلق بالدنيا والافتتان بزخارفها، فمن أسرته شهوات الدنيا وجاهها وأموالها ولهوها قيدته الغفلة فنسي حق ربه عليه، فجلب لنفسه الضرر العاجل والآجل. قال ابن الجوزي: " الدنيا نهر طالوت والفضائل تنادي: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ فإذا قامت الفاقة مقام ابن أم مكتوم أُبيحت لها رخصة: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ﴾ فأما أهل الغفلة فارتووا، فلما قامت حرب الهوى ثبطتهم البطنة، فنادوا بألسنة العجز: ﴿لا طَاقَةَ لَنَا﴾، وأقبل مضمَّر الجد فحاز قصب السبق" (٢).
أضرار الغفلة وآثارها:
أولاً: الغفلة حجاب عن رؤية الحق والرشد، فكم تمر بالغافل من عظات، ويرى في الحياة من آيات، ولكن حجاب الغفلة يحول دون وصول العظة إلى قلبه التي متى انقشع غيمها عنه رأى الحق فاتبعه والباطل فتركه.
قال ابن الجوزي: " لما انقشع غيم الغفلة عن عيون أهل اليقين لاح لهم هلال الهدى في صحراء اليقظة فبيتوا نية الصوم عن الهوى على عزم: (عزفتْ نفسي عن الدنيا) (٣) " (٤).
стр. 137
وقال أبو محمد الإشبيلي: " لكن حجاب الغفلة الذي غطى القلوب كثيف، فلا يرى ما وراءه، والوقر الذي في الآذان عظيم فلا يسمع من ناصحٍ دعاءه" (١).
وقال ابن القيم: "وصدأ القلب الغفلة والهوى، وجلاؤه الذكر والتوبة والاستغفار" (٢).
ثانيًا: قلة هيبة الله تعالى وكثرة الوحشة بين العبد وربه، فمع الغفلة يقل جلال الله في قلب صاحبه، ولا يجد له أنسًا معه؛ لبعده عن طاعته. قال ابن القيم: حجاب الهيبة رقيق في قلب الغافل، وقال: الغافل بينه وبين الله وحشة لا تزول إلا بالذكر (٣).
ثالثًا: حرمان الربح والفوز بالجنة، إذا استمر المرء في غفلته فترك عبادة ربه وعبد هواه وشهواته حتى أتاه الموت استقبله في الآخرة العذاب، وحُرِم الجنة والثواب. فأي ضرر أعظم من هذا الضرر؟!
قال ابن الجوزي: " الغفلة تحرم الربح، والمعصية توجب الخسران، والغفلة تغلق أبواب الجنة، والمعصية تفتح أبواب النار" (٤).
علاج الغفلة:
إذا كانت الغفلة غير متمكنة من قلب الإنسان فعلاجها سهل، وتكون بمنزلة السِّنة
стр. 138
أو النوم الخفيف الذي يسهل إيقاظ صاحبه، أما إذا تمكنت منه فعلاجها شديد، وتكون كالنوم الثقيل الذي لا يستيقظ منه صاحبه إلا بعد زمن وكُلفة. قال ابن الجوزي: " لا نوم أثقل من الغفلة، ولا رِقَّ أملك من الشهوة، ولولا ثقل الغفلة لم تظفر بك الشهوة" (١).
فمن الأدوية:
أولاً: سرعة الانتباه لمرض الغفلة قبل استحكامه، والمبادرة إلى علاجه وإن استفحل الداء، وعدم التساهل أو التأخر في مداواته. وهذا أولى خطوات العلاج؛ فشعور المريض بالمرض يعينه على النهوض للاستشفاء، فأما من لم يشعر بمرضه فأنى له التداوي؟
قال ابن القيم: " فاعلم أن العبد قبل وصول الداعي إليه في نوم الغفلة قلبه نائم وطرفه يقظان، فصاح به الناصح وأسمعه داعي النجاح، وأذن به مؤذن الرحمن حي على الفلاح، فأول مراتب هذا النائم اليقظة والانتباه من النوم" (٢). وقال أيضًا: " فأول منازل العبودية اليقظة، وهي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين، ولله ما أنفع هذه الروعة، وما أعظم قدرها وخطرها، وما أشد إعانتها على السلوك! فمن أحس بها فقد أحس والله بالفلاح، وإلا فهو في سكرات الغفلة، فإذا انتبه شمر لله بهمته إلى السفر إلى منازله الأولى وأوطانه التي سُبي منها:
فحيّ على جنات عدْنٍ فإنها … منازلُك الأولى وفيها المخيَّمُ
ولكننا سبيُ العدو فهل تُرى … نعودُ إلى أوطاننا ونُسلَّم
فأخذ في أهبة السفر، فانتقل إلى منزلة العزم، وهو العقد الجازم على المسير، ومفارقة كل قاطع ومعوِّق، ومرافقة كل معين وموصل، وبحسب كمال انتباهه ويقظته يكون عزمه، وبحسب قوة عزمه يكون استعداده" (٣)
стр. 139
وقال: " لابد من سِنة الغفلة ورقاد الهوى، ولكن كن خفيف النوم؛ فحراس البلد يصيحون: دنا الصباح" (١).
ثانيًا: ذكر الله تعالى والإقبال عليه؛ فإن مداومة ذكره سبحانه دواء ناجع من داء الغفلة، خصوصًا إذا توافق القلب واللسان، ولم يكن اللسان مجرد تالٍ يردد الذكر من غير ظهور أثر على الجوارح عملاً بالأوامر وتركًا للنواهي. ومن أعظم الذكر: قراءة القرآن الكريم. قال رسول الله ﷺ : (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين) (٢)(٣).
قال ابن الجوزي: " لا تقدر على التخلص من بلوى المعصية الا بالتخلص من سجن الغفلة، ولا تتخلص من الغفلة الا بتضمير البطن وتفريغ القلب ومواصلة الذكر" (٤).
وقال ابن القيم: " فالقلب الغافل مأوى الشيطان؛ فإنه وسواس خناس قد التقم قلب الغافل يقرأ عليه أنواع الوساوس والخيالات الباطلة، فإذا تذكر وذكر الله انجمع وانضم وخنس وتضاءل لذكر الله، فهو دائمًا بين الوسوسة والخنس" (٥).
وقال: " فالقحط الذي ينزل بالقلب هو الغفلة، فالغفلة هي قحط القلوب وجدبها، وما دام العبد في ذكر الله والإقبال عليه فغيث الرحمة ينزل عليه كالمطر المتدارك، فإذا غفل ناله من القحط بحسب غفلته قلة وكثرة، فإذا تمكَّنت الغفلة منه، واستحكمت صارت أرضه خرابًا ميتة، وسنته جرداء يابسة، وحريق الشهوات يعمل فيها من كل جانب
стр. 140
كالسَّمائم (١) " (٢).
وقال أيضًا: " والمقصود أن الغفلة هي نوم القلب عن طلب هذه الحياة وهي حجاب عليه، فإن كشف هذا الحجاب بالذكر وإلا تكاثف حتى يصير حجاب بطالة ولعب واشتغال بما لا يفيد، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى يصير حجاب معاص وذنوب صغار تبعده عن الله، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى يصير حجاب كبائر توجب مقت الرب تعالى له وغضبه ولعنته، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى صار حجاب بدع عملية يعذب العامل فيها نفسه ولا تجدي عليه شيئًا، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى صار حجاب بدع قولية اعتقادية تتضمن الكذب على الله ورسوله والتكذيب بالحق الذي جاء به الرسول، فإن بادر إلى كشفه وإلا تكاثف حتى صار حجاب شك وتكذيب يقدح في أصول الإيمان الخمسة وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه فلغلظ حجابه وكثافته وظلمته وسواده لا يرى حقائق الإيمان ويتمكن منه الشيطان يعده ويمنِّيه، والنفس الأمارة بالسوء تهوى وتشتهي، وسلطان الطبع قد ظفر بسلطان الإيمان فأسره وسجنه إن لم يهلكه، وتولى تدبير المملكة واستخدام جنود الشهوات وأقطعها العوائد التي جرى عليها العمل، وأغلق باب اليقظة وأقام عليه بواب الغفلة وقال: إياك أن نؤتى من قبلك، واتخذ حجاباً من الهوى وقال: إياك أن تمكن أحداً يدخل عليّ إلا معك، فأمر هذه المملكة قد صار إليك وإلى البواب، فيا بواب الغفلة، ويا حاجب الهوى، ليلزم كل منكما ثغره، فإن أخليتما فسد أمر مملكتنا، وعادت الدولة لغيرنا، وسامنا سلطان الإيمان شر الخزي والهوان، ولا نفرح بهذه المدينة أبداً" (٣).
ثالثًا: الاهتمام بإصلاح القلب وحراسته؛ فهو محل الغفلة أو اليقظة، فالاعتناء بالمكان ومراقبة ما يحل فيه يجعله في مأمن من النزلاء المضرين، واللصوص المعتدين. ويتم
стр. 141
هذا العلاج بالتنقية والتحلية: تنقية من كل سبب يصل القلب فيؤدي إلى غفلته، وتحليته بإدخال كل وسيلة توصل إلى انتباهه ويقظته.
قال ابن القيم: " الغفلة نوم القلب؛ ولهذا تجد كثيراً من الأيقاظ في الحس نيامًا في الواقع، فتحسبهم أيقاظًا وهم رقود، ضد حال من يكون يقظان القلب وهو نائم؛ فإن القلب إذا قويت فيه الحياة لا ينام إذا نام البدن، وكمال هذه الحياة كان لنبينا، ولمن أحيا الله قلبه بمحبته واتباع رسالته على بصيرة من ذلك بحسب نصيبه منهما. فالغفلة واليقظة يكونان في الحس والعقل والقلب، فمستيقظ القلب وغافله كمستيقظ البدن ونائمه" (١).
ومن أعظم هذه الأسباب التي تحلي القلب بما يوجب له اليقظة: صدق التأهب للقاء الله تعالى. قال ابن القيم: " والمقصود أَنْ صدق التأَهب للقاءِ الله هو مفتاح جميع الأَعمال الصالحة والأَحوال الإيمانية ومقامات السالكين إلى الله ومنازل السائرين إليه؛ من اليقظة والتوبة والإِنابة والمحبة والرجاءِ والخشية والتفويض والتسليم وسائر أعمال القلوب والجوارح، فمفتاح ذلك كله صدق التأَهب والاستعداد للقاءِ الله، والمفتاح بيد الفتاح العليم لا إله غيره ولا رب سواه" (٢).
стр. 142
الذنوبُ والتوبةُ منها
لا تسلم الحياة الدنيوية من أخطار وفواجع، يخشى الإنسان أن يحيط به خطر من أخطارها، أو تنزل به فاجعة من فواجعها؛ فهو يخشى الأمراض الفتاكة، والأشياء المؤذية، والضوائق المالية، وفقدان أسباب راحة العيش، والحروب وآثارها، والأزمات المتعددة ونتائجها، كما يخاف فقدان الأحباب من أقارب وأصحاب، ورحيلَ ما تستقر به حياته، وتسعد به نفسه في الحياة الفانية.
فلذلك يدِّرع من تلك الأخطار بما يقدر عليه من أسباب الحماية؛ لمعرفته أضرارها وآلامها.
لكن خطراً كبيراً لا يدركه إلا القلة من الناس، أما الكثيرون فإنهم يسلكون طريق الوصول إلى ذلك الخطر، ويستعجلون نتائجه شعروا أو لم يشعروا، حتى يقع ذلك الخطر عليهم بنتائجه الأليمة، وعواقبه الوخيمة. هذا الخطر هو: الذنوب وما تجلبه على أهلها من الويل والهلاك في العاجل والآجل.
قال ابن شبرمة: "عجبت لمن يحتمي من الطيبات مخافة الداء، كيف لا يحتمي من المعاصي مخافة النار!! " (١).
خطر الذنوب وأضرارها:
من قرأ كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وقلَّب طرفه في صفحات تاريخ الأمم والشعوب، وأجال نظره في الحياة المعاصرة، وتأمل في ذلك وتدبر؛ رأى أنْ لا أمان مع المعاصي مهما قلّت، وأن الذنوب هي المصيبة العظمى والكارثة الكبرى التي
стр. 143
تجتاح أهلها وتهلكهم، وتوصلهم إلى شر حال، وأسوأ مصير.
يقول تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وقال رسول الله ﷺ : (يا معشر المهاجرين، خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم) (١).
وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: (هل رأى أحد منكم من رؤيا؟). قال: فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وإنه قال ذات غداة: (إنه أتاني الليلة آتيانِ وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ (٢) رأسه فيتدهده (٣) الحجر ها هنا فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على
стр. 144
رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلّوب من حديد (١) وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه (٢) إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على مثل التنور - قال: وأحسب أنه كان يقول: - فإذا فيه لغط وأصوات قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا (٣) قال: قلت: لهما ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على نهر - حسبت أنه كان يقول: - أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل سابح يسبح وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه (٤) فيلقمه حجراً فينطلق يسبح ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجراً، قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة (٥) كأكره ما أنت راءٍ رجلاً مرآة فإذا عنده نار يحشها ويسعى حولها قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على روضة مُعْتَمَّةٍ فيها (٦) من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدانٍ رأيتهم قط قال: قلت لهما: ما هذا ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق قال: فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أرَ روضة قط أعظم منها ولا أحسن قال: قالا لي: ارقَ فيها قال: فارتقينا فيها فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبِن ذهب ولبن فضة فأتينا
стр. 145
باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قال: قالا لي: هذه جنة عدن وهذاك منزلك، قال: فسما بصري صعداً فإذا قصر مثل الربابة البيضاء (١) قال: قالا لي: هذاك منزلك قال: قلت لهما: بارك الله فيكما ذراني فأدخله قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله. قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجبًا فما هذا الذي رأيت؟! قال: قالا لي: أمَا إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه (٢) وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم، وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﷺ ، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة). قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : (وأولاد المشركين، وأما القوم الذين كانوا شطراً منهم حسن وشطراً منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا تجاوز الله عنهم) (٣).
فما أعظم هذا الحديث!
ومما " ينبغي أن يُعلم أن الذنوب والمعاصي تضر، ولا شك أن ضررها في القلوب