← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 987

روضة العابدين

عبد الله بن عبده العواضي

Полный текст (499 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

هذا العلاج بالتنقية والتحلية: تنقية من كل سبب يصل القلب فيؤدي إلى غفلته، وتحليته بإدخال كل وسيلة توصل إلى انتباهه ويقظته. قال ابن القيم: " الغفلة نوم القلب؛ ولهذا تجد كثيراً من الأيقاظ في الحس نيامًا في الواقع، فتحسبهم أيقاظًا وهم رقود، ضد حال من يكون يقظان القلب وهو نائم؛ فإن القلب إذا قويت فيه الحياة لا ينام إذا نام البدن، وكمال هذه الحياة كان لنبينا، ولمن أحيا الله قلبه بمحبته واتباع رسالته على بصيرة من ذلك بحسب نصيبه منهما. فالغفلة واليقظة يكونان في الحس والعقل والقلب، فمستيقظ القلب وغافله كمستيقظ البدن ونائمه" (١). ومن أعظم هذه الأسباب التي تحلي القلب بما يوجب له اليقظة: صدق التأهب للقاء الله تعالى. قال ابن القيم: " والمقصود أَنْ صدق التأَهب للقاءِ الله هو مفتاح جميع الأَعمال الصالحة والأَحوال الإيمانية ومقامات السالكين إلى الله ومنازل السائرين إليه؛ من اليقظة والتوبة والإِنابة والمحبة والرجاءِ والخشية والتفويض والتسليم وسائر أعمال القلوب والجوارح، فمفتاح ذلك كله صدق التأَهب والاستعداد للقاءِ الله، والمفتاح بيد الفتاح العليم لا إله غيره ولا رب سواه" (٢).

стр. 142

الذنوبُ والتوبةُ منها لا تسلم الحياة الدنيوية من أخطار وفواجع، يخشى الإنسان أن يحيط به خطر من أخطارها، أو تنزل به فاجعة من فواجعها؛ فهو يخشى الأمراض الفتاكة، والأشياء المؤذية، والضوائق المالية، وفقدان أسباب راحة العيش، والحروب وآثارها، والأزمات المتعددة ونتائجها، كما يخاف فقدان الأحباب من أقارب وأصحاب، ورحيلَ ما تستقر به حياته، وتسعد به نفسه في الحياة الفانية. فلذلك يدِّرع من تلك الأخطار بما يقدر عليه من أسباب الحماية؛ لمعرفته أضرارها وآلامها. لكن خطراً كبيراً لا يدركه إلا القلة من الناس، أما الكثيرون فإنهم يسلكون طريق الوصول إلى ذلك الخطر، ويستعجلون نتائجه شعروا أو لم يشعروا، حتى يقع ذلك الخطر عليهم بنتائجه الأليمة، وعواقبه الوخيمة. هذا الخطر هو: الذنوب وما تجلبه على أهلها من الويل والهلاك في العاجل والآجل. قال ابن شبرمة: "عجبت لمن يحتمي من الطيبات مخافة الداء، كيف لا يحتمي من المعاصي مخافة النار!! " (١). خطر الذنوب وأضرارها: من قرأ كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وقلَّب طرفه في صفحات تاريخ الأمم والشعوب، وأجال نظره في الحياة المعاصرة، وتأمل في ذلك وتدبر؛ رأى أنْ لا أمان مع المعاصي مهما قلّت، وأن الذنوب هي المصيبة العظمى والكارثة الكبرى التي

стр. 143

تجتاح أهلها وتهلكهم، وتوصلهم إلى شر حال، وأسوأ مصير. يقول تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠]. وقال رسول الله ﷺ : (يا معشر المهاجرين، خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم) (١). وعن سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: (هل رأى أحد منكم من رؤيا؟). قال: فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وإنه قال ذات غداة: (إنه أتاني الليلة آتيانِ وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ (٢) رأسه فيتدهده (٣) الحجر ها هنا فيتبع الحجر فيأخذه، فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على

стр. 144

رجل مستلق لقفاه وإذا آخر قائم عليه بكلّوب من حديد (١) وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه (٢) إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما كان ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة الأولى، قال: قلت: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على مثل التنور - قال: وأحسب أنه كان يقول: - فإذا فيه لغط وأصوات قال: فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا (٣) قال: قلت: لهما ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على نهر - حسبت أنه كان يقول: - أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل سابح يسبح وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه (٤) فيلقمه حجراً فينطلق يسبح ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجراً، قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، قال: فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة (٥) كأكره ما أنت راءٍ رجلاً مرآة فإذا عنده نار يحشها ويسعى حولها قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق فانطلقنا فأتينا على روضة مُعْتَمَّةٍ فيها (٦) من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدانٍ رأيتهم قط قال: قلت لهما: ما هذا ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق قال: فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أرَ روضة قط أعظم منها ولا أحسن قال: قالا لي: ارقَ فيها قال: فارتقينا فيها فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبِن ذهب ولبن فضة فأتينا

стр. 145

باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر قال: وإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة، قال: قالا لي: هذه جنة عدن وهذاك منزلك، قال: فسما بصري صعداً فإذا قصر مثل الربابة البيضاء (١) قال: قالا لي: هذاك منزلك قال: قلت لهما: بارك الله فيكما ذراني فأدخله قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله. قال: قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة عجبًا فما هذا الذي رأيت؟! قال: قالا لي: أمَا إنا سنخبرك: أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه (٢) وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه المرآة الذي عند النار يحشها ويسعى حولها فإنه مالك خازن جهنم، وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم ﷺ ، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة). قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : (وأولاد المشركين، وأما القوم الذين كانوا شطراً منهم حسن وشطراً منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا تجاوز الله عنهم) (٣). فما أعظم هذا الحديث! ومما " ينبغي أن يُعلم أن الذنوب والمعاصي تضر، ولا شك أن ضررها في القلوب

стр. 146

كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شرور وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟ فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه، فجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدِّل بالقرب بُعداً وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحاً وبالجنة ناراً تلظى وبالإيمان كفراً وبموالاة الولي الحميد أعظم عداوة ومشاقة، وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل زجل الكفر والشرك والكذب والزور والفحش، وبلباس الإيمان لباس الكفر والفسوق والعصيان، فهان على الله غاية الهوان، وسقط من عينه غاية السقوط، وحل عليه غضب الرب تعالى فأهواه ومقته أكبر المقت، فأرداه فصار قوّاداً لكل فاسق ومجرم، رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة، فعياذاً بك اللهم من مخالفة أمرك، وارتكاب نهيك. وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رأس الجبال؟ وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت ما مرت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم، حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها فأهلكهم جميعًا ثم أتبعهم حجارة من سجيل السماء أمطرها عليهم، فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه علي أمة غيرهم ولإخوانهم أمثالها وما هي من الظالمين ببعيد؟ وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم ناراً تلظى؟ وما الذى أغرق فرعون وقومه في البحر ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميراً؟ وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟ وما الذي بعث على بني إسرائيل قومًا أولي بأس شديد

стр. 147

فجاسوا خلال الديار وقتلوا الرجال وسبوا الذراري والنساء، وأحرقوا الديار ونهبوا الأموال ثم بعثهم عليهم مرة ثانية فأهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علو تتبيرا؟ وما الذي سلط عليهم أنواع العذاب والعقوبات مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد، ومرة بجور الملوك، ومرة بمسخهم قردة وخنازير، وآخر ذلك أقسم الرب ﵎ ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب … عن جبير بن نفير قال: لما فتحت قبرص فرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء، ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله عز و جل إذا أضاعوا أمره! بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى!! " (١). قال ابن القيم: " يا مغروراً بالأماني لُعن إبليس، وأُهبط من منزل العز بترك سجدة واحدة أُمر بها، وأُخرج آدم من الجنة بلقمة تناولها، وحُجب القاتل عنها بعد أن رآها عيانًا بملء كف من دم، وأمر بقتل الزاني أشنع القِتلات بإيلاج قدر الأنملة فيما لا يحل، وأمر بإيساع الظهر سياطاً بكلمة قذف أو بقطرة سكر، وأبان عضواً من أعضائك بثلاثة دراهم! فلا تأمنه أن يحبسك في النار بمعصية واحدة من معاصيه، ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾. دخلت امرأة النار في هرة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب، وإن الرجل ليعمل بطاعة الله ستين سنة فإذا كان عند الموت جار في الوصية فيختم له بسوء عمله فيدخل النار، العمر بآخره، والعمل بخاتمته، من أحدث قبل السلام بطل ما مضى من صلاته، ومن أفطر قبل غروب الشمس ذهب صيامه ضائعًا، ومن أساء في آخر عمره لقي ربه في ذلك الوجه" (٢). وقال ابن كثير: "قيل في بعض كتب الله: تزرعون السيئات وترجون الحسنات! لا

стр. 148

يُجتنى من الشوك العنب. تصلُ الذنوبَ إلى الذنوب وترتجي … درَجَ الجنان وطيبَ عيش العابدِ ونسيتَ أن الله أخرج آدمًا … منها إلى الدنيا بذنب واحد؟! " (١). أسباب الوقوع في الذنوب: لا يقع الإنسان في الخطايا إلا بأسباب توصله إلى ذلك، فقد يصل إليها بسبب أو أكثر، والأسباب المؤدية إلى الوقوع في المعاصي كثيرة، فمنها: أولاً: ضعف هيبة الله وجلاله وخوفه ومراقبته في القلوب قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]. وقال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨]. قال ابن القيم: لم يقدر الله حق قدره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيعه، وذكره فأهمله، وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، وطاعة المخلوق أهم عنده من طاعة الله، فللهِ الفضْلةُ من قلبه وعلمه وقوله وعمله وماله، وسواه المقدَّم في ذلك؛ لأنه المهم عنده، يستخف بنظر الله إليه واطلاعه عليه وهو في قبضته وناصيته بيده؟! ويعظم نظر المخلوق إليه واطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه، ويستخفي من الناس ولا يستخفي من الله ويخشى الناس ولا يخشى الله، ويعامل الخلق بأفضل ما عنده وما يقدر عليه؟! وإن عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره، وإن قام في خدمة من يحبه من البشر قام بالجد والاجتهاد، وبذل النصيحة وقد أفرغ له قلبه وجوارحه، وقدمه على كثير من مصالحه حتى إذا قام في حق ربه إن ساعد القدر قام قيامًا لا يرضاه مخلوق من مخلوق مثله، وبذل له من ماله ما يستحي أن يواجه به مخلوق مثله!!

стр. 149

فهل قدر اللهَ حق قدره من هذا وصفه، وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه في محض حقه من الإجلال والتعظيم والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء؟! (١). ثانيًا: الجهل، سواء كان ذلك بالحكم، أم بعظمة العقوبة، أم بالعواقب السيئة للمعصية قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. والجهلُ داء قاتل وشفاؤه … أمرانِ في التركيب متفقانِ نص من القرآن أو من سنة … وطبيب ذاك العالم الرباني (٢) ثالثًا: احتقار المعصية واستصغارها، سواء كان استصغارها لكونها صغيرة في أصلها، أو لكونه قد تمرس على المعاصي فصغرت في عينه قال رسول الله ﷺ : (إياكم ومحقَّرات الذنوب؛ فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود، حتى جملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تهلكه) (٣). واستقلال" العبد المعصيةَ عين الجرأة على الله، وجهل بقدر من عصاه، وبقدر حقه، وإنما كان مبارزة لأنه إذا استصغر المعصية واستقلها هان عليه أمرها، وخفت على قلبه، وذلك نوع مبارزة" (٤). رابعًا: التباس الحق بالباطل واستحكام الشُّبه في النفوس، فقد يعصي بعض العصاة

стр. 150

وهو يعتقد أنه على الحق، بل على قربة من القُرب، وهذا حال أهل البدع ومرضى القلوب، وهذا أخطر الأسباب؛ لأن صاحبه يظن أنه على الصواب فلا يفكر في التوبة حينئذ. قال تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد: ١٤]. " الأماني جمع أمنية، وهي ما يمنون به أنفسهم من الباطل، كزعمهم أنهم مصلحون في نفاقهم، وأن المؤمنين حقًا سفهاء في صدقهم، أي: في إيمانهم، كما بين تعالى ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ " (١). خامسًا: عدم الإيمان بالآخرة أو ضعفه، فمن كان لديه إيمان قوي بيوم يكون فيه الجزاء: ثوابًا للمطيعين وعقابًا للعاصين لم يقدم على الخطيئة ويصر عليها قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. سادسًا: الاغترار بالدنيا وقوة التعلق بها وجموح الرغبة إلى شهواتها، قال تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الجاثية: ٣٤]. ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥]. سابعًا: الاغترار بحلم الله وعفوه وتأخيرِ عقوبته، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [المجادلة: ٨]. يعني: يستمرون في تلك المعاصي بحجة أن الله لم يعاجلهم بالعذاب على فعلهم. ثامنًا: الرفقة السيئة والبيئة غير الصالحة، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧] ﴿يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا

стр. 151

خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨] ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٩]. تاسعًا: ضعف المجاهدة للنفس حتى تصير هي الآمر الناهي لصاحبها، ولو جاهدها فألزمها الرباط في حصن الفضائل لصار لها قائداً إلى الخير. عاشراً: حرص النفس وتوقانها إلى ما مُنعت منه، قال ابن الجوزي: " تأملت حرص النفس على ما منعت منه فرأيت حرصها يزيد على قدر قوة المنع، ورأيت في الشرب الأول، أن آدم ﵇ لما نهي عن الشجرة حرص عليها مع كثرة الأشجار المغنية عنها، وفي الأمثال: [المرء حريص على ما منع، وتواق إلى ما لم ينل]، ويقال: [لو أمر الناس بالجوع لصبروا، ولو نهوا عن تفتيت البعر لرغبوا فيه]. وقالوا: ما نهينا عنه إلا لشيء! وقد قيل: [أحب شيء إلى الإنسان ما مُنعا]. فلما بحثت عن سبب ذلك وجدت سببين: أحدهما: أن النفس لا تصبر على الحصر .. ولهذا لو قعد الإنسان في بيته شهراً لم يصعب عليه، ولو قيل له: لا تخرج من بيتك يوماً طال عليه، والثاني: أنها يشق عليها الدخول تحت حكم؛ و لهذا تستلذ الحرام ولا تكاد تستطيب المباح؛ ولذلك يسهل عليها التعبد على ما ترى، وتؤثره لا على ما يؤثر" (١). أضرار الذنوب: مِنْ أحسن من سرد أضرار الذنوب وآثارها السيئة: ابن قيم الجوزية ﵀ في كتابه" الجواب الكافي"، وسأذكر ما ذكره هناك، على وجه الإيجاز من غير تفصيل ولا استدلال؛ خشية الإطالة. قال ﵀: وللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة المضرِّة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله، فمنها: حرمان العلم، وحرمان الرزق، ووحشة

стр. 152

يجدها العاصي في قلبه بينه وبين الله لا يوازنها ولا يقارنها لذة أصلاً، ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة، ومنها الوحشة التي تحصل له بينه وبين الناس ولاسيما أهل الخير منهم، ومنها تعسير أموره عليه فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقًا دونه أو متعسراً عليه، ومنها ظلمة يجدها في قلبه حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا ادلهم فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره، ومنها أن المعاصي توهن القلب والبدن، ومنها حرمان الطاعة، ومنها أن المعاصي تقصر العمر وتمحق بركته ولابد، ومنها أن المعاصي تزرع أمثالها وتولد بعضها بعضًا حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها، ومنها وهو من أخوفها على العبد أنها تضعف القلب عن إرادته فتقوى إرادة المعصية وتضعف إرادة التوبة شيئاً فشيئًا إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية، ومنها أنه ينسلخ من القلب استقباحها فتصير له عادة، فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له ولا كلامهم فيه، ومنها أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه، ومنها أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم، ومنها أن المعصية تورث الذل، ومنها أن المعاصي تفسد العقل، ومنها أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها فكان من الغافلين، ومنها أن الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول الله؛ فإنه لعن على معاصٍ، ومنها حرمان دعوة رسول الله ودعوة الملائكة، ومنها التثبط عن الطاعة والابتعاد عنها، ومنها جعل القلب أصم لا يسمع الحق أبكم لا ينطق به أعمى لا يراه، ومنها الخسف بالقلب كما يخسف بالمكان، ومنها مسخ القلب فيمسخ كما تمسخ الصورة فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه وأعماله وطبيعته، ومنها مكر الله بالماكر ومخادعته للمخادع واستهزاؤه بالمستهزئ وإزاغته لقلب الزائغ عن الحق، ومنها نكس القلب حتى يرى الباطل حقًا والحق باطلاً والمعروف منكراً والمنكر معروفاً، ومنها حجاب القلب عن الرب في الدنيا والحجاب الأكبر يوم القيامة، ومنها المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ والعذاب في الآخرة، وأعظمها الخروج عن الصراط في الدنيا والآخرة (١).

стр. 153

شاطئ النجاة: مقترفُ المعاصي المصرُّ عليها راكبُ قاربٍ صغير في بحر خضم متلاطم الأمواج في يومِ ريحٍ عاصف لا يأمن في تلك الحال من أن ينقلب به قاربه الصغير فيلقى هلاكه. فينبغي لكل عاقل أن يتدارك نفسه قبل الفوات، فيترك الذنوب قبل الممات، وقبل حلول العواقب الوخيمة التي يتمنى حينها أنْ لو ركب سفينة السلام حتى يصل بها إلى شاطئ الأمان. إن سفينة الإنقاذ هي التوبة النصوح والرجوع إلى الله تعالى. معنى التوبة: التوبة هي: "الرجوع إلى الله بحل عقدة الإصرار عن القلب، ثم القيام بكل حقوق الرب والتوبة النصوح هي: توثيق بالعزم على ألا يعود لمثله، قال ابن عباس ﵄: التوبة النصوح الندم بالقلب والاستغفار باللسان والإقلاع بالبدن والإضمار على ألا يعود" (١). وقيل: " حقيقة التوبة هي: الندم على ما سلف منه في الماضي، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على أن لا يعاوده في المستقبل" (٢). شروط التوبة: قال ابن حجر: قال القرطبي: "ثم توبة العاصي إما من حق الله، وإما من حق غيره؛ فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك على ما تقدم، غير أن منه ما لم يكتف الشرع فيه بالترك فقط، بل أضاف إليه القضاء أو الكفارة، وحق غير الله يحتاج إلى إيصالها لمستحقها

стр. 154

وإلا لم يحصل الخلاص من ضرر ذلك الذنب، لكن من لم يقدر على الإيصال بعد بذله الوسع في ذلك فعفو الله مأمول؛ فإنه يضمن التبعات ويبدل السيئات حسنات، والله أعلم. قلت: حكى غيره عن عبد الله بن المبارك في شروط التوبة زيادة فقال: الندم، والعزم على عدم العود، ورد المظلمة، وأداء ما ضيع من الفرائض" (١). تعجيل التوبة: قال ابن رجب: " قال لقمان لابنه: يا بني، لا تؤخر التوبة؛ فإن الموت يأتي بغتة، وقال بعض الحكماء: لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة لطول الأمل .. قال بعض السلف: اصبِحوا تائبين، وامسوا تائبين. يشير إلى أن المؤمن لا ينبغي أن يصبح ويمسي إلا على توبة؛ فإنه لا يدري متى يفاجئه الموت صباحًا أو مساء، فمن أصبح أو أمسى على غير توبة فهو على خطر؛ لأنه يخشى أن يلقى الله غير تائب فيحشر في زمرة الظالمين قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]، تأخير التوبة في حال الشباب قبيح، وفي حال المشيب أقبح و أقبح .. فإن نزل المرض بالعبد فتأخيره للتوبة حينئذ أقبح من كل قبيح؛ فإن المرض نذير الموت، وينبغي لمن عاد مريضًا أن يذكره التوبة والاستغفار، فلا أحسن من ختام الأعمال بالتوبة والاستغفار. التوبةَ التوبةَ قبل أن يصل إليكم من الموت النوبة، فيحصل المفرطُ على الندم والخيبة، والإنابةَ الإنابة قبل غلق باب الإجابة، والإفاقة الإفاقة فقد قرب وقت الفاقة، ما أحسن قلقَ التوَّاب، ما أحلى قدوم الغُيّاب، ما أجمل وقوفهم بالباب! " (٢). أمور مُعِيْنة على التوبة: هناك أمور تساعد الإنسان العاصي على التوبة إلى الله تعالى والثبات عليها، فمنها:

стр. 155

أولاً: التفكر في عواقب المعاصي وآثارها السيئة، فمن نظر في أضرار المعاصي وآثارها بعين العقل ساقته إلى التوبة من غير تريث. قال ابن الجوزي: " أجهل الجهال من آثر عاجلاً على آجل لا يأمن سوء مغبته، فكم قد سمعنا عن سلطان وأمير وصاحب مال أطلق نفسه في شهواتها، ولم ينظر في حلال وحرام فنزل به من الندم وقت الموت أضعاف ما التذ، ولقي من مرير الحسرات ما لا يقاومه ولا ذرة من كل لذة. ولو كان هذا فحسب لكفى حزناً، كيف والجزاء الدائم بين يديه؟! … وهل عُدّ في العقلاء قط من قيل له: اجلس في المملكة سنة ثم نقتلك. هيهات بل الأمر بالعكس، وهو أن العاقل من صابر مرارة الجهد سنة، بل سنين ليستريح في عاقبته، وفي الجملة أفٍ للذة أعقبت عقوبة" (١). ثانيًا: الاعتراف بالذنب وإقرار النفس به وعدم الإصرار عليه، فإقرار المرء بذنبه يحمله على تركه. قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢]. قال ابن القيم: " الإصرار هو الاستمرار على المخالفة والعزم على المعاودة، وذلك ذنب آخر لعله أعظم من الذنب الأول بكثير، وهذا من عقوبة الذنب أنه يوجب ذنبًا أكبر منه، ثم الثاني كذلك ثم الثالث كذلك حتى يستحكم الهلاك. فالإصرار على المعصية معصية أخرى، والقعود عن تدارك الفارط من المعصية إصرار ورضا بها وطمأنينة إليها وذلك علامة الهلاك" (٢). ثالثًا: مفارقة بيئة المعصية وأسبابِ العودة إليها، عن أبي سعيد الخدري: أن نبي الله ﷺ قال: كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من

стр. 156

توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلاً بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاه ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة) (١). رابعًا: التفكر في الموت ولقاء الله والدار الآخرة، فمن تفكر بأنه لابد عن الدنيا راحل، وأنه لربه سيقابل، وأنه إلى الآخرة صائر؛ فإنه سيعد لرحلته زاداً من التوبة والإنابة. خامسًا: أن لا يعتقد العاصي التائب أن توبته قد قُبلت فيقلّ خوفه، بل عليه أن يستمر في وجله من آثار معاصيه؛ فإن هذا يحمله على تجديد التوبة دائمًا، والرهبة من العودة إلى خطاياه السالفة. قال ابن الجوزي: "ينبغي للعاقل أن يكون على خوف من ذنوبه وإن تاب منها وبكى عليها. وإني رأيت أكثر الناس قد سكنوا إلى قبول التوبة، وكأنهم قد قطعوا على ذلك، وهذا أمر غائب، ثم لو غفرت بقي الخجل من فعلها، ويؤيد الخوف بعد التوبة أنه في الصحاح: أن الناس يأتون إلى آدم ﵇ فيقولون: اشفع لنا فيقول: ذنبي، وإلى نوح ﵇ فيقول: ذنبي، وإلى إبراهيم وإلى موسى وإلى عيسى صلوات الله وسلامه عليهم. فهؤلاء إذا اعتبرت ذنوبهم (٢) لم يكن أكثرها ذنوباً حقيقة.

стр. 157

ثم إن كانت فقد تابوا منها واعتذروا وهم بعد على خوف منها، ثم إن الخجل بعد قبول التوبة لا يرتفع، وما أحسن ما قال الفضيل بن عياض ﵀: و اسوأتاه منك وإن عفوت! فأفٍ والله لمختار الذنوب ومؤثر لذة لحظة تبقى حسرة لا تزول عن قلب المؤمن وإن غفر له! فالحذرَ الحذر من كل ما يوجب خجلاً" (١). سادسًا: الدعاء بقبول التوبة وحصول المغفرة، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨]. وقال: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]. ثمرات ترك المعاصي: إن ترك المعاصي والإعراض عنها ابتغاءَ وجه الله تعالى يورث صاحبه خيراً عظيمًا في العاجل والآجل، خلاصته: الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]. قال عبد الله بن المبارك: أَيَضْمَنُ لِي فَتًى تَرْكَ الْمَعَاصِي … وَأَرْهَنُهُ الْكَفَالَةَ بِالْخَلَاصِ أَطَاعَ اللَّهَ قَوْمٌ فاسْتَرَاحُوا … وَلَمْ يَتَجَرَّعُوا غُصَصَ الْمَعَاصِي (٢).

стр. 158

ولابن القيم خلاصة نافعة في ثمرات ترك الذنوب، يقول ﵀: " سبحان الله رب العالمين! لو لم يكن في ترك الذنوب والمعاصي إلا إقامة المروءة، وصون العرض وحفظ الجاه، وصيانة المال الذي جعله الله قوامًا لمصالح الدنيا والآخرة، ومحبة الخلق، وجواز القول بينهم، وصلاح المعاش، وراحة البدن، وقوة القلب، وطيب النفس، ونعيم القلب، وانشراح الصدر، والأمن من مخاوف الفساق والفجار، وقلة الهم والغم والحزن، وعز النفس عن احتمال الذل، وصون نور القلب أن تطفئه ظلمة المعصية، وحصول المخرج له مما ضاق على الفساق والفجار، وتيسر الرزق عليه من حيث لا يحتسب، وتيسير ما عسر على أرباب الفسوق والمعاصي، وتسهيل الطاعات عليه، وتيسير العلم، والثناء الحسن في الناس، وكثرة الدعاء له، والحلاوة التي يكتسبها وجهه، والمهابة التي تلقى له في قلوب الناس، وانتصارهم وحميتهم له إذا أوذي وظلم، وذبهم عن عرضه إذا اغتابه مغتاب، وسرعة إجابة دعائه، وزوال الوحشة التي بينه وبين الله، وقرب الملائكة منه، وبعد شياطين الإنس والجن منه، وتنافس الناس على خدمته وقضاء حوائجه، وخطبتهم لمودته وصحبته، وعدم خوفه من الموت، بل يفرح به لقدومه على ربه ولقائه له ومصيره إليه، وصغر الدنيا في قلبه، وكبر الآخرة عنده، وحرصه على الملك الكبير والفوز العظيم فيها، وذوق حلاوة الطاعة ووجد حلاوة الإيمان، ودعاء حملة العرش ومن حوله من الملائكة له، وفرح الكاتبين به، ودعاؤهم له كل وقت، والزيادة في عقله وفهمه وإيمانه ومعرفته، وحصول محبة الله له وإقباله عليه، وفرحه بتويته، وهكذا يجازيه بفرح وسرور لا نسبة له إلى فرحه وسروره بالمعصية بوجه من الوجوه. فهذه بعض آثار ترك المعاصي في الدنيا. فإذا مات تلتقه الملائكة بالبشرى من ربه بالجنة، وبأنه لا خوف عليه ولا حزن، وينتقل من سجن الدنيا وضيقها إلى روضة من رياض الجنة ينعم فيها الى يوم القيامة. فإذا كان يوم القيامة كان الناس في الحر والعرق، وهو في ظل العرش. فإذا انصرفوا بين يدي الله أخذ به ذات اليمين مع أوليائه المتقين وحزبه المفلحين: و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤] " (١).

стр. 159

موعظة: قال أبو القاسم الحريري: أيا مَنْ يدّعي الفَهْمْ … إلى كمْ يا أخا الوَهْمْ تُعبّيْ الذّنْبَ والذمّ … وتُخْطي الخَطأ الجَمّ أمَا بانَ لكَ العيْبْ … أمَا أنْذرَكَ الشّيبْ وما في نُصحِهِ ريْبْ … ولا سمْعُكَ قدْ صمّ أمَا نادَى بكَ الموتْ … أمَا أسْمَعَك الصّوْتْ أما تخشَى من الفَوْتْ … فتَحْتاطَ وتهتمْ (١) فكمْ تسدُرُ في السهْوْ … وتختالُ من الزهْوْ (٢) وتنْصَبُّ إلى اللّهوْ … كأنّ الموتَ ما عَمّ وحَتّامَ تَجافيكْ … وإبْطاءُ تلافيكْ طِباعاً جمَعتْ فيكْ … عُيوباً شمْلُها انْضَمّ إذا أسخَطْتَ موْلاكْ … فَما تقْلَقُ منْ ذاكْ وإنْ أخفَقَ مسعاكْ … تلظّيتَ منَ الهمّ وإنْ لاحَ لكَ النّقشْ … منَ الأصفَرِ تهتَشّ (٣) وإن مرّ بك النّعشْ … تغامَمْتَ ولا غمّ

стр. 160

تُعاصي النّاصِحَ البَرّ … وتعْتاصُ وتَزْوَرّ (١) وتنْقادُ لمَنْ غَرّ … ومنْ مانَ ومنْ نَمّ وتسعى في هَوى النّفسْ … وتحْتالُ على الفَلْسْ وتنسَى ظُلمةَ الرّمسْ … ولا تَذكُرُ ما ثَمّ (٢) ولوْ لاحظَكَ الحظّ … لما طاحَ بكَ اللّحْظْ ولا كُنْتَ إذا الوَعظْ … جَلا الأحزانَ تغْتَمّ ستُذْري الدّمَ لا الدّمْعْ … إذا عايَنْتَ لا جمْعْ يَقي في عَرصَةِ الجمعْ … ولا خالَ ولا عمّ كأني بكَ تنحطّ … إلى اللحْدِ وتنْغطّ وقد أسلمَك الرّهطْ … إلى أضيَقَ مِنْ سمّ هُناك الجسمُ ممدودْ … ليستأكِلَهُ الدّودْ إلى أن ينخَرَ العودْ … ويُمسي العظمُ قد رمّ (٣) ومنْ بعْدُ فلا بُدّ … منَ العرْضِ إذا اعتُدّ صِراطٌ جَسْرُهُ مُدّ … على النارِ لمَنْ أمّ (٤) فكمْ من مُرشدٍ ضلّ … ومنْ ذي عِزةٍ ذَلّ وكم من عالِمٍ زلّ … وقال الخطْبُ قد طمّ

стр. 161

فبادِرْ أيّها الغُمْرْ … لِما يحْلو بهِ المُرّ (١) فقد كادَ يهي العُمرْ … وما أقلعْتَ عن ذمّ (٢) ولا ترْكَنْ إلى الدهرْ … وإنْ لانَ وإن سرّ فتُلْفى كمنْ اغتَرّ … بأفعى تنفُثُ السمّ وخفّضْ منْ تراقيكْ … فإنّ الموتَ لاقِيكْ وسارٍ في تراقيكْ … وما ينكُلُ إنْ همّ وجانِبْ صعَرَ الخدّ … إذا ساعدَكَ الجدّ (٣) وزُمّ اللفْظَ إنْ ندّ … فَما أسعَدَ مَنْ زمّ (٤) ونفِّسْ عن أخي البثّ … وصدّقْهُ إذا نثّ (٥) ورُمّ العمَلَ الرثّ … فقد أفلحَ مَنْ رم (٦) ورِشْ مَنْ ريشُهُ انحصّ … بما عمّ وما خصّ (٧) ولا تأسَ على النّقصْ … ولا تحرِصْ على اللَّمّ وعادِ الخُلُقَ الرّذْلْ … وعوّدْ كفّكَ البذْلْ ولا تستمِعِ العذلْ … ونزّهْها عنِ الضمّ

стр. 162

وزوّدْ نفسَكَ الخيرْ … ودعْ ما يُعقِبُ الضّيرْ وهيّئ مركبَ السّيرْ … وخَفْ منْ لُجّةِ اليمّ بِذا أُوصيتُ يا صاحْ … وقد بُحتُ كمَن باحْ فطوبى لفتًى راحْ … بآدابيَ يأتَمّ" (١). اعتراف: وقال أيضًا: أستغْفِرُ اللهَ منْ ذُنوبٍ … أفرَطْتُ فيهِنّ واعْتَدَيْتُ كمْ خُضْتُ بحْرَ الضّلالِ جهْلاً … ورُحتُ في الغَيّ واغْتَدَيْتُ وكمْ أطَعْتُ الهَوى اغْتِراراً … واختَلْتُ واغْتَلْتُ وافْترَيْتُ وكمْ خلَعْتُ العِذارَ ركْضاً … إلى المَعاصي وما ونَيْتُ (٢) وكمْ تَناهَيْتُ في التّخطّي … إلى الخَطايا وما انتهيْتُ فلَيتَني كُنْتُ قبل هذا … نَسْياً ولمْ أجْنِ ما جنَيْتُ فالمَوتُ للُمجْرِمين خيرٌ … من المَساعي التي سعَيْتُ يا رَبِّ عفْواً فأنْتَ أهلٌ … للعَفْوِ عنّي وإنْ عصَيْتُ (٣).

стр. 163

صلاحُ القلب إن العناية بالشيء، وكثرة الحرص عليه، وتكثيف الجهد في الاهتمام به ومراقبته؛ تأتي من النظر في أسبابٍ أدّت إلى ذلك، منها: أهمية ذلك الشيء وأثره في غيره. ولاشك أن قلب الإنسان له أهمية كبيرة بالنسبة للبدن والروح، وله أثر كبير في حياتهما أو موتهما، وصحتهما أو مرضهما. ولهذا نجد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة أولياْ القلب عناية كبيرة: ففي القرآن نجد أن الله تعالى ذكر أن القلوب هي محل كل خير وشر قبل أن يصدّر ذلك منها إلى الجوارح قولاً وفعلاً، فإما أن يكون فيها خير وإما أن يكون فيها شر، وللخير في القلوب أمثلة بيّنها القرآن وللشر أمثلة كذلك. القلب في القرآن الكريم: من تصفح القرآن الكريم فسيجده تحدث عن القلب بإسهاب؛ فقد ذكر أن القلوب: =محل الإيمان والكفر والنفاق: قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل: ١٠٦]، وقال: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد: ٢٩]. =محل اللين والقسوة: قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].

стр. 164

=محل الثبات والرعب: قال تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف: ١٤]، وقال: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر: ٢]. =محل السكينة والطمأنينة: قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤]. =محل الجحود والقَبول: قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٢٢]، وقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. = محل الفظاظة والرحمة: قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. = محل التحويل والتبديل من خير إلى شر ومن شر إلى خير: قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]. =محل الغفلة والسلامة: قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، وقال: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨]، ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩]. = محل الحفظ والوعي والفهم والنظر والعقل والاتعاظ: قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، وقال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]. =محل الطهارة والمرض: قال تعالى: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ

стр. 165

مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]. = محل التسليم والصبر والرد والجزع: قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. = محل الختم والطبع والران: قال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦]، وقال: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. = محل الفعل والقول الحقيقيين: قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ لَكُمْ﴾ [الفتح: ١١]. = محل الخشوع والإخبات والوجل: قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، وقال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٤]. وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]. = محل الرأفة والرحمة: قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ [الحديد: ٢٧]. = محل تحسين الإيمان والامتحان للتقوى: قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧]، وقال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣]. = محل الصدق والوفاء والإيمان: قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١٨]. = محل التدبر: قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].

стр. 166

= محل الرجاء والخوف: قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧]. =محل الإباء والموافقة على الحقيقة: قال تعالى: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨]. =محل الائتلاف والفرقة: قال تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]. =محل التمحيص والاختبار لصدق الأعمال من كذبها: قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. =محل الهداية والزيغ: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]. =محل القصد والفعل: قال تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. القلب في السنة النبوية الشريفة: وأما في سنة رسول الله ﷺ فنجد أن رسول الله ﷺ أخبر أن القلب: =محل التقوى: قال ﵊: (التقوى هاهنا) (١). ويشير إلى صدره ثلاث مرات. قال ابن رجب: " الأصل في التَّقوى والفجور هو القلبُ، فإذا برَّ القلبُ واتَّقى برَّت الجوارحُ، وإذا فجر القلب، فجرت الجوارحُ" (٢).

стр. 167

=محل الصلاح والفساد: قال رسول الله ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) (١). قال ابن رجب: "فعلم بذلك أنَّه لا صلاحَ للعالَم العلويِ والسُّفليّ معاً حتى تكونَ حركاتُ أهلها كلُّها لله، وحركاتُ الجسدِ تابعةً لحركةِ القلب وإرادته، فإنْ كانت حركتُه وإرادتُه لله وحدَه، فقد صَلَحَ وصَلَحَتْ حركاتُ الجسدِ كلِّه، وإنْ كانت حركةُ القلب وإراداته لغيرِ الله تعالى فسدَ، وفسدت حركاتُ الجسد بحسب فسادِ حركة القلب" (٢). =محل استقامة الإيمان: قال رسول الله ﷺ : (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه) (٣). قال ابن رجب: "فأصلُ الاستقامةِ استقامةُ القلب على التوحيد، كما فسر أبو بكر الصِّديق وغيرُه قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ بأنَّهم لم يلتفتوا إلى غيره، فمتى استقام القلبُ على معرفةِ الله، وعلى خشيته، وإجلاله، ومهابته، ومحبته، وإرادته، ورجائه، ودعائه، والتوكُّلِ عليه، والإعراض عما سواه؛ استقامت الجوارحُ كلُّها على طاعته؛ فإنَّ القلبَ هو ملكُ الأعضاء، وهي جنودهُ، فإذا استقامَ الملك استقامت جنودُه ورعاياه" (٤). =محل التمييز بين البر والإثم: قال ﷺ : (البر ما اطمأن إليه القلب، واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك) (٥).

стр. 168

وهذا التمييز إنما يكون عند الموصوفين بطهارة القلوب ونور الإيمان، أما القلوب التي غُذيت بالحرام وغشيتها ظلماتُ الذنوب وضعف الإيمان؛ فإنها لن تستطيع التمييز وهي في تلك الظلمات المتكاثفة. قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: "هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف وينكر به المنكر" (١). =محل عرض الفتن، فإما أن يقبلها وإما أن يردها: قال رسول الله ﷺ : (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا (٢) فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا (٣) كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا (٤) لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) (٥). =محل نظر الله تعالى من العبد: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) (٦). =سريع التقلب: قال ﵊: (لقلبُ ابن آدم أشد انقلابًا من القدر إذا اجتمعت غلياناً) (٧). ولهذا كان أكثر دعاء رسول الله بتثبيت القلب، فعن أم سلمة ﵂ قالت:

стр. 169

كان أكثر دعائه: (يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك)، قالت: قلت: يا رسول الله، ما أكثر دعاءك: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك؟! قال: (يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ) (١). فلما كان القلب بهذه المكانة العليا، وهذا المحل الرفيع، تعيّن على العبد العناية به والحرص على إصلاحه وحياته، والحذر من فساده وتسلط الأمراض عليه. قال ابن القيم: "ولما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف في الجنود الذي تصدر كلها عن أمره-، ويستعملها فيما شاء، فكلها تحت عبوديته وقهره، وتكتسب منه الاستقامة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله … فهو ملكها وهي المنفذة لما يأمرها به، القابلة لما يأتيها من هديته، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته، وهو المسئول عنها كلها؛ لأن كل راع مسئول عن رعيته-؛ كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون، والنظر في أمراضه وعلاجها أهم ما تنسك به الناسكون، ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه أجلب عليه بالوساوس، وأقبل بوجوه الشهوات إليه، وزين له من الأحوال والأعمال ما يصده به عن الطريق، وأمده من أسباب الغي بما يقطعه عن أسباب التوفيق، ونصب له من المصايد والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق، فلا نجاة من مصايده ومكايده إلا بدوام الاستعانة بالله تعالى، والتعرض لأسباب مرضاته، والتجاء القلب إليه، وإقباله عليه في حركاته وسكناته، والتحقق بذلِّ العبودية الذي هو أولى ما تلبس به الإنسان؛ ليحصل له الدخول ضمان: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] " (٢).

стр. 170

أمراض القلب: إن كثيراً من الناس يحرصون حرصًا شديداً على سلامة قلوبهم من الأمراض الحسية، وقلّ من ينتبه منهم إلى أمراض القلب المعنوية، وأمراض القلب المعنوية أخطر من أمراضه الحسية؛ فإن المرض المعنوي إذا لم يداوَ فقد يؤدي إلى مرض الروح وموتها، فإن مات الجسد على ذلك فإلى النار يكون المصير. وأما الأمراض الحسية فإنها قد تعتري الإنسان وقد لا تؤدي إلى الموت الحسي، فإن أدت إليه وكان الإنسان المصاب بها مؤمنًا صابراً فإلى الجنة مآله وعلى الله ثوابه. إن الأمراض التي تصيب القلب أمراض كثيرة؛ فمنها: الكفر والنفاق والرياء والعجب والقسوة والشكوك والشهوات والشبهات والجهل والحزن والغم والهم والحسد والغيظ والحقد، وغير ذلك. وقد لا يشعر الإنسان بشدة مرضه ببعض هذه الأمراض، ولكن هناك علامات يدرك بها المرء مرضه، فمن" علامات أمراض القلوب: عدولها عن الأغذية النافعة الموافقة لها إلى الأغذية الضارة، وعدولها عن دوائها النافع إلى دائها الضار. فهنا أربعة أمور: غذاء نافع، ودواء شافٍ، وغذاء ضار، ودواء مهلك. فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشافي على الضار المؤذي، والقلب المريض بضد ذلك. وأنفع الأغذية غذاء الإيمان، وأنفع الأدوية دواء القرآن، وكل منهما فيه الغذاء والدواء" (١). وهذه الأمراض لا تعالج في مشفى أو عيادة أو لدى طبيبِ بدن، ولكنها تعالج بالوحي، فالذي خلق القلب وجعله ملك الجسد هو الذي يداويه، "فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه لمن رزقه الله فهمًا في كتابه" (٢). فمثلاً سورة الفاتحة تسمى الشافية، ومن أشفيتها: اشتمالها على

стр. 171

شفاء القلوب؛ " فإنها اشتملت عليه أتم اشتمال؛ فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم، وفساد القصد، ويترتب عليهما داءان قاتلان وهما: الضلال والغضب؛ فالضلال نتيجة فساد العلم، والغضب نتيجة فساد القصد، وهذان المرضان هما ملاك أمراض القلوب جميعها، فهداية الصراط المستقيم تتضمن الشفاء من مرض الضلال؛ ولذلك كان سؤال هذه الهداية أفرضَ دعاءٍ على كل عبد وأوجبه عليه كل يوم وليلة في كل صلاة؛ لشدة ضرورته وفاقته إلى الهداية المطلوبة ولا يقوم غير هذا السؤال مقامه … (١). وتفصيل علاج تلك الأمراض أن منها علاجًا شرعيًا وعلاجًا طبيعيًا، قال ابن القيم: "مرض القلب نوعان: نوع لا يتألم به صاحبه في الحال .. كمرض الجهل ومرض الشبهات والشكوك ومرض الشهوات، وهذا النوع هو أعظم النوعين ألماً، ولكن لفساد القلب لا يحس بالألم، ولأن سكرة الجهل والهوى تحول بينه وبين إدراك الألم، وإلا فألمه حاضر فيه حاصل له، وهو متوارٍ عنه باشتغاله بضده، وهذا أخطر المرضين وأصعبهما، وعلاجه إلى الرسل وأتباعهم، فهم أطباء هذا المرض. والنوع الثاني: مرض مؤلم له في الحال؛ كالهمِّ والغم والغيظ، وهذا المرض قد يزول بأدوية طبيعية؛ كإزالة أسبابه أو بالمداواة بما يضاد تلك الأسباب وما يدفع موجبها مع قيامها، وهذا كما أن القلب قد يتألم بما يتألم به البدن ويشقى بما يشقى به البدن فكذلك البدن يتألم كثيراً بما يتألم به القلب ويشقيه ما يشقيه. وأمراض القلب التي تزول بالأدوية الطبيعية من جنس أمراض البدن، وهذه قد لا توجب وحدها شقاءه وعذابه بعد الموت، وأما أمراضه التي لا تزول إلا بالأدوية الإيمانية النبوية فهي التي توجب له الشقاء والعذاب الدائم إن لم يتداركها بأدويتها المضادة لها، فإذا استعمل تلك الأدوية حصل له الشفاء؛ ولهذا يقال: شفى غيظه فإذا استولى عليه

стр. 172

عدوه آلمه ذلك، فإذا انتصف منه اشتفى قلبه، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤، ١٥]. فأمر بقتال عدوهم وأعلمهم أن فيه ست فوائد. فالغيظ يؤلم القلب ودواؤه في شفاء غيظه؛ فإن شفاه بحق اشتفى وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضاً من حيث ظن أنه يشفيه .. وكذلك الغم والهم والحزن أمراض للقلب وشفاؤها بأضدادها: من الفرح والسرور؛ فإن كان ذلك بحق اشتفى القلب وصح وبرئ من مرضه، وإن كان بباطل توارى ذلك واستتر ولم يزل وأعقب أمراضًا هي أصعب وأخطر. وكذلك الجهل مرض يؤلم القلب، فمن الناس من يداويه بعلوم لا تنفع، ويعتقد أنه قد صح من مرضه بتلك العلوم وهي في الحقيقة إنما تزيده مرضًا إلى مرضه، لكن اشتغل القلب بها عن إدراك الألم الكامن فيه بسبب جهله بالعلوم النافعة التي هي شرط في صحته وبرئه قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الذين أفتوا بالجهل فهلك المستفتي بفتواهم: (قتلوه، قتلهم الله! ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العِيِّ السؤال). فجعل الجهل مرضًا وشفاءه سؤال أهل العلم، وكذلك الشاك في الشيء المرتاب فيه يتألم قلبه حتى يحصل له العلم واليقين، ولما كان ذلك يوجب له حرارة قيل لمن حصل له اليقين: ثلج صدره، وحصل له برد اليقين، وهو كذلك يضيق بالجهل والضلال عن طريق رشده وينشرح بالهدى والعلم قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] .... والمقصود: أن من أمراض القلوب ما يزول بالأدوية الطبيعية، ومنها مالا يزول إلا بالأدوية الشرعية الإيمانية، والقلب له حياة وموت ومرض وشفاء، وذلك أعظم مما للبدن" (١).

стр. 173

حياة القلب وصحته: إن القلب يوصف بالحياة والموت، والصحة والمرض؛ فهناك قلب حي وقلب صحيح، وهناك قلب ميت وقلب مريض، كما قال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠]، وقال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وبحياة القلب وموته يكون الخير والشر من الإنسان؛ فإن" حياة القلب وإضاءته مادة كل خير فيه، وموته وظلمته مادة كل شر فيه" (١). فـ" إذا قوي نوره وإشراقه انكشفت له صور المعلومات وحقائقها على ما هي عليه، فاستبان حسنَ الحسن بنوره وآثره بحياته، وكذلك قبح القبيح، وقد ذكر هذين الأصلين في مواضع من كتابه فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. فجمع بين الروح الذي يحصل به الحياة والنور الذي يحصل به الإضاءة والإشراق، وأخبر أن كتابه الذي أنزله على رسوله ﵌ متضمن للأمرين؛ فهو روح تحيا به القلوب ونور تستضيء وتشرق به، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢] " (٢). قال ابن القيم: "والمقصود: أن صلاح القلب وسعادته وفلاحه موقوف على هذين الأصلين [كمال حياته ونوره] قال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠]، فأخبر أن الانتفاع بالقرآن والإنذار به إنما يحصل لمن هو حي القلب،

стр. 174

كما قال في موضع آخر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]. فأخبر أن حياتنا إنما هي باستجابتنا لما يدعونا إليه الله والرسول من العلم والإيمان فعلم أن موت القلب وهلاكه بفقد ذلك" (١). ولهذا فإن حياة القلب هي الطريق إلى الوصول إلى الله تعالى، والتنعم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فمن كان أتم حياة في قلبه كان أتم حياة في دنياه وآخرته. قال يحيى بن معاذ: "مفاوز الدنيا تقطع بالأقدام، ومفاوز الآخرة تقطع بالقلوب"، وقال أيضًا: "يا ابن آدم، لا يزال دينك متمزقا، ما دام القلب بحب الدنيا متعلقا" وقال كذلك: "ما ركن إلى الدنيا أحد إلا لزمه عيب القلوب، ولا مكن الدنيا من نفسه أحد إلا وقع في بحر الذنوب" (٢). وقال ابن الجوزي: " واعلم أن الطريق الموصلة إلى الحق سبحانه ليست مما يقطع بالأقدام، إنما يقطع بالقلوب، والشهواتُ العاجلة قطّاع الطريق، والسبيل كالليل المدلهم، غير أن عين الموفَّق بصر فرس؛ لأنه يرى في الظلمة كما يرى في الضوء" (٣). إن حياة القلب لا تكون إلا بتجليته من ظلمات الشهوات والشبهات، وتحليته بحلية التقوى والعلم وإدراك الحق وحبِّه، فـ" حياة القلب وصحته لا تحصل إلا بأن يكون مدركًا للحق مريداً له مؤثراً له على غيره. ولما كان في القلب قوتان: قوة العلم والتمييز، وقوة الإرادة والحب كان كماله وصلاحه باستعمال هاتين القوتين فيما ينفعه ويعود عليه بصلاحه وسعادته، فكماله باستعمال قوة العلم في إدراك الحق ومعرفته والتمييز بينه وبين الباطل، وباستعمال قوة الإرادة والمحبة في طلب الحق ومحبته وإيثاره على الباطل، فمن لم يعرف

стр. 175

الحق فهو ضال، ومن عرفه وآثر غيره عليه فهو مغضوب عليه، ومن عرفه واتبعه فهو منعم عليه" (١). والإنسان إذا لم يعتنِ بحياة قلبه بل ضيعه في لجج الأهواء وشهوات الدنيا، وصرف وقته فيما لا يعود على قلبه بالحياة؛ فقد خسر خسرانًا مبينًا، فأعظم الإضاعات" إضاعة القلب، وإضاعة الوقت؛ فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعة الوقت من طول الأمل، فاجتمع الفساد كله في اتباع الهوى وطول الأمل، والصلاح كله في اتباع الهدى والاستعداد للقاء" (٢). "قال العارفون: ومن علامات صحة القلب: أن لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته، ولا يأنس بغيره" (٣). وقال ابن القيم: "القلب الحي هو الذي يعرف الحق ويقبله ويحبه ويؤثره على غيره، فإذا مات القلب لم يبق فيه إحساس ولا تمييز بين الحق والباطل، ولا إرادة للحق وكراهة للباطل، بمنزلة الجسد الميت الذي لا يحس بلذة الطعام والشراب وألم فقدهما" (٤). وقال-وهو يعدد علامات صحة القلب وحياته: " أن يرتحل عن الدنيا حتى ينزل بالآخرة، ويحل فيها، حتى يبقى كأنه من أهلها وأبنائها، جاء إلى هذه الدار غريباً يأخذ منها حاجته ويعود إلى وطنه … قال علي بن أبي طالب ﵁: إن الدنيا قد ترحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولكل منهما بنون؛ فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل.

стр. 176

وكلما صح القلب من مرضه ترحل إلى الآخرة وقرب منها حتى يصير من أهلها، وكلما مرض القلب واعتل آثر الدنيا واستوطنها حتى يصير من أهلها، ومن علامات صحة القلب: أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى الله ويخبت إليه، ويتعلق به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه الذي لا حياة له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا برضاه وقربه والأنس به، فبه يطمئن وإليه يسكن وإليه يأوي وبه يفرح وعليه يتوكل، وبه يثق وإياه يرجو وله يخاف، فذكره: قوته وغذاؤه، ومحبته والشوق إليه: حياته ونعيمه ولذته وسروره، والالتفات إلى غيره والتعلق بسواه داؤه، والرجوع إليه: دواؤه، فإذا حصل له ربه سكن إليه واطمأن به، وزال ذلك الاضطراب والقلق وانسدت تلك الفاقة؛ فإن في القلب فاقة لا يسدها شيء سوى الله تعالى أبداً، وفيه شعث لا يلمه غير الإقبال عليه، وفيه مرض لا يشفيه غير الإخلاص له وعبادته وحده، فهو دائمًا يضرب على صاحبه حتى يسكن، ويطمئن إلى إلهه ومعبوده، فحينئذ يباشر روح الحياة ويذوق طعمها، ويصير له حياة أخرى غير حياة الغافلين المعرضين عن هذا الأمر الذي له خلق الخلق … ومن علامات صحة القلب: أن لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته ولا يأنس بغيره إلا بمن يدله عليه ويذكره به ويذاكره بهذا الأمر. ومن علامات صحته: أنه إذا فاته وِردُه وجد لفواته ألماً أعظم من تألم الحريص بفوات ماله وفقده. ومن علامات صحته: أنه يشتاق إلى الخدمة كما يشتاق الجائع إلى الطعام والشراب. ومن علامات صحته: أنه إذا دخل في الصلاة ذهب عنه همه وغمه بالدنيا واشتد عليه خروجه منها ووجد فيها راحته ونعيمه وقرت عينه وسرور قلبه. ومن علامات صحته: أن يكون همه واحداً وأن يكون في الله. ومن علامات صحته: أن يكون أشح بوقته أن يذهب ضائعاً من أشد الناس شحًا بماله. ومنها: أن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل، فيحرص على الإخلاص فيه والنصيحة والمتابعة والإحسان ويشهد مع ذلك منّة الله عليه فيه وتقصيره في حق الله … وبالجملة فالقلب الصحيح: هو الذي همه كله في الله وحبه كله له وقصده له وبدنه

стр. 177

له وأعماله له، ونومه له ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابه … " (١). طرق إصلاح القلب: إن القلب يحتاج إلى عملية إصلاح ومراقبة كل حين؛ فما أكثر الواردات التي ترد عليه وربما تمرضه وقد تصل به إلى الموت، وهناك طرق لإصلاحه وتجليته، فمنها: طرق التخلية: أولاً: ترك الذنوب، قال ابن المبارك: رَأَيتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ … وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إِدمَانُهَا وَتَركُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ القُلُوبِ … وَخَيرٌ لِنِفسِكَ عِصيَانُهَا (٢). وقال ابن القيم: " الذنوب أمراض القلوب وداؤها، ولا دواء لها إلا تركها، وقد أجمع السائرون الى الله أن القلوب لا تُعطى مُناها حتى تصل إلى مولاها، ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة، ولا تكون صحيحة سليمة حتى ينقلب أدواؤها، فتصير نفس دوائها، ولا يصح لها ذلك إلا بمخالفة هواها، وهواها مرضها، وشفاؤها مخالفته، فإن استحكم المرض قتل أو كاد" (٣). ثانيًا: التخلص من التعلق بالشهوات، فـ"كيف يُشرقُ قَلْبٌ صُوَرُ الأكوانِ مُنْطَبِعَةٌ في مرآته؟ أمْ كيف يرحلُ إلى الله وهو مكَبَّلٌ بشَهواته؟ أم كيف يطمع أن يدخل حضرةَ الله وهو لم يتطهَّر من جَنَابَةِ غَفَلاتِهِ؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائقَ الأسرارِ وهو لم يَتُبْ من

стр. 178

هَفَواتِهِ؟ " (١). ثالثًا: تقليل الغذاء البدني، قال ابن رجب: فإنَّ قلةَ الغذاء توجب رِقَّة القلب، وقوَّة الفهم، وانكسارَ النفس، وضعفَ الهوى والغضب، وكثرةُ الغذاء توجب ضدَّ ذلك، وقال الحسن: يا ابنَ آدم، كُلْ في ثلث بطنك، واشرب في ثلثٍ، ودع ثُلُثَ بطنك يتنفَّس لتتفكر، وعن عمرو بن قيس قال: إيَّاكُمْ والبِطنة؛ فإنَّها تُقسِّي القلب، وقال أبو سليمان الداراني: إنَّ النفس إذا جاعت وعطشت، صفا القلب ورقَّ، وإذا شبعت ورويت، عمي القلب" (٢). طرق التحلية: أولاً: توحيد الله تعالى ومعرفته والتعلق بالله، قال ابن رجب: " فلا صلاحَ للقلوب حتَّى تستقرَّ فيها معرفةُ اللهِ وعظمتُه ومحبَّتُه وخشيتُهُ ومهابتُه ورجاؤهُ والتوكلُ عليهِ، وتمتلئَ مِنْ ذَلِكَ، وهذا هوَ حقيقةُ التوحيد، وهو معنى ﴿لا إله إلا الله﴾، فلا صلاحَ للقلوب حتَّى يكونَ إلهُها الذي تألَهُه وتعرفه وتحبُّه وتخشاه هوَ الله وحده لا شريكَ لهُ، ولو كانَ في السماوات والأرض إله يُؤَلَّه سوى الله، لفسدت بذلك السماوات والأرض، كما قالَ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] " (٣). ثانيًا: العلم النافع الذي يرسخ في القلوب، قال الحسنُ: العلم علمان: "علمٌ على اللسان، فذاك حُجَّة الله على ابن آدم، وعلم في القلب، فذاك العلم النافع" (٤). ثالثًا: ذكر الله تعالى، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. رابعًا: الدعاء، فقد كان رسول الله ﷺ يدعو فيقول: (يا مقلب

стр. 179

القلوب، ثبت قلبي على دينك) (١). و" العجب ممن تعرض له حاجة فيصرف رغبته وهمته فيها إلى الله ليقضيها له، ولا يتصدى للسؤال لحياة قلبه من موت الجهل والإعراض، وشفائه من داء الشهوات والشبهات، ولكن إذا مات القلب لم يشعر بمعصيته" (٢). ثمرات صلاح القلب: إذا صلح القلب وبدا بالحياة أثمر ذلك لصاحبه ثمرات نافعة في الدنيا والآخرة، فمن ذلك: أولاً: صلاح الجسد كله، قال رسول الله ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) (٣). فـ" حركات القلب والجوارح إذا كانت كلُّها لله فقد كَمُلَ إيمانُ العبد بذلك ظاهراً وباطناً، ويلزمُ من صلاح حركات القلب صلاحُ حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحاً ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعثِ الجوارحُ إلا فيما يُريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكَفَّتْ عما يكرهه، وعما يخشى أنْ يكونَ مما يكرهه وإنْ لم يتيقن ذلك" (٤). قال ابن رجب: "فإنْ كان قلبُه سليماً، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يُحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركاتُ الجوارح كلّها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرَّمات كلها، وتوقي الشبهات؛ حذراً مِنَ الوقوعِ في المحرَّمات، وإنْ كان القلبُ فاسداً قدِ استولى عليه اتِّباعُ هواه، وطلب ما يحبُّه، ولو كرهه الله، فسدت حركاتُ

стр. 180

الجوارح كلها، وانبعثت إلى كلِّ المعاصي والمشتبهات بحسب اتِّباع هوى القلب؛ ولهذا يقال: القلبُ مَلِكُ الأعضاء، وبقيَّةُ الأعضاءِ جنودُه، وهم مع هذا جنودٌ طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيءٍ من ذلك، فإنْ كان الملكُ صالحاً كانت هذه الجنود صالحةً، وإنْ كان فاسداً كانت جنودُه بهذه المثابَةِ فاسدةً، ولا ينفع عند الله إلاّ القلبُ السليم" (١). ثانيًا: موافقة الله فيما يحب ويكره، "فمتى امتلأ القلبُ بعظمةِ الله تعالى محا ذلك مِنَ القلب كلَّ ما سواه، ولم يبقَ للعبد شيءٌ من نفسه وهواه، ولا إرادة إلاَّ لما يريدهُ منه مولاه، فحينئذٍ لا ينطِقُ العبدُ إلاّ بذكره، ولا يتحرَّك إلا بأمره، فإنْ نطقَ، نطق بالله، وإنْ سمِعَ، سمع به، وإنْ نظرَ، نظر به، وإنْ بطشَ، بطش به" (٢). "فإذا تحقَّق القلبُ بالتَّوحيد التَّامِّ لم يبق فيه محبةٌ لغير ما يُحبُّه الله، ولا كراهة لغير ما يكرهه الله، ومن كان كذلك لم تنبعثْ جوارحُهُ إلاّ بطاعة الله، وإنَّما تنشأ الذُّنوب من محبَّة ما يكرهه الله، أو كراهة ما يُحبه الله، وذلك ينشأ من تقديم هوى النَّفس على محبَّة الله وخشيته، وذلك يقدحُ في كمال التَّوحيد الواجبِ، فيقعُ العبدُ بسببِ ذلك في التَّفريط في بعض الواجبات، أو ارتكابِ بعضِ المحظوراتِ، فأمَّا من تحقَّق قلبُه بتوحيدِ الله، فلا يبقى له همٌّ إلا في الله وفيما يُرضيه به" (٣). ثالثًا: الأُنس بالله تعالى، قال ابن رجب: "وقال ذو النون: مِنْ علامات المحبِّين لله: أنْ لا يأنَسُوا بسواه، ولا يستوحشُوا معه، ثم قال: إذا سكنَ القلبَ حبُّ اللهِ تعالى أنِسَ بالله؛ لأنَّ الله أجلُّ في صُدورِ العارفين أنْ يُحبُّوا سواه" (٤). رابعًا: الرغبة في الآخرة والرغبة عن الدنيا، قال ابن القيم: "وكلما صح القلب من
следующие страницы →