← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 987

روضة العابدين

عبد الله بن عبده العواضي

Полный текст (499 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

العظيم، فلم يعمل بما فيه من الحلال والحرام والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد، ويعتبر بما فيه من الزواجر والقصص والأمثال" (١). وقال ابن كثير: "وذلك أن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن ولا يستمعونه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ الآية، فكانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره حتى لا يسمعوه. فهذا من هجرانه. وترك الإيمان به وترك تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره، من هجرانه" (٢). ومن غايات إنزال هذا الكتاب العظيم: تدبره وتفهمه، وتعقله وتأمله. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]. فالقرآن الكريم لا ينفع قارئه إلا إذا تدبره؛ فإنه بذلك يفتح له آفاقاً رحبة من الخير العاجل والآجل، فهو يُريه طرق الخير وأهلها، وسبل الشر وأصحابها، فيدعوه إلى الطريق الأولى وصحبة سالكيها، ويحذره من الطريق الأخرى والهالكين فيها. ويريه حكمة المشرع المعبود سبحانه في نهيه وأمره، وعظمتَه في خلقه، وفضلَه في إكرامه، وعدله في عقابه، وقوته في مؤاخذته، ورحمته بعباده، وسعةَ علمه في مخلوقاته، وجبروته في قهر أعدائه، ونصرته لأنبيائه وأوليائه، وعزته ومنعته أن يناله أذى المؤذين، وقدرتَه أن يفوته أحد المخلوقين، وسمعه الواسع في إدراك نطق الناطقين، وبصره النافذ العظيم أن تخفى عليه حركة أو سكون من خلقه أجمعين. إن تدبر القرآن الكريم يورث صاحبه خيراً كثيراً؛ فإنه ما ملَّه من تدبر ألفاظه

стр. 72

ومعانيه، وما نسي لذته من تدبر أحكامه وحكمه، وما هجره من ذاق طعمه وخالطت بشاشته قلبه، وما لجأ إليه محزون فقرأه متأملاً متدبراً إلا انقشعت عن قلبه سحب الأحزان والغموم، ووجد فيه راحته ونعيمه. قال رسول الله ﷺ : (ما أصاب أحداً قط همٌّ ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجِلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا) (١). قوله: "ربيع قلبي: أي: راحته … وجعل القرآن ربيع القلب وهو عبارة عن الفرح؛ لأن الإنسان يرتاح قلبه في الربيع من الأزمان ويميل إليه في كل مكان، وأقول: كما أن الربيع سبب ظهور آثار رحمة الله تعالى وإحياء الأرض بعد موتها، كذلك القرآن سبب ظهور تأثير لطف الله من الإيمان والمعارف، وزوال ظلمات الكفر والجهل" (٢). وقد "شبه القرآن بزمان الربيع في ظهور آثار ﵀ وحياة القلب وارتياحه به. قال الشوكاني: أي: أسألك أن تجعل القرآن كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، وكذلك القرآن ربيع القلوب، أي: يجعل قلبه مرتاحًا إلى القرآن مائلاً إليه راغبًا في تلاوته وتدبره، وقيل: أي: منتزهه ومكان رعيه وانتفاعه بأنواره وأشجاره وثماره، المشبه بها أنواع العلوم والمعارف، وأصناف الحِكم والأحكام واللطائف" (٣). إن هذا الكتابَ العظيم ما تلاه لسانٌ بالتدبر إلا طاب وحلا، ولا وصل أثره قلباً إلا صلح وصفا، ولا حل صدراً إلا انبسط وانشرح، ولا تأمل فيه عقل راجح إلا اتسع

стр. 73

وانفسح. وهل هملت الدموع الصادقة عند تلاوته أو سماعه إلا بتدبره، وخشعت القلوب بعد أن كانت قاسية كالحجارة إلا بتعقله، وهل عرفت علوم الشريعة إلا بالنظر فيه، والتفكر فيما يحويه. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً﴾ [النساء ٨٢]. لقد كان لأهل الإيمان مع تدبر القرآن حديث مؤثر، خشعت له قلوبهم، ودمعت منه عيونهم، وسارعت به إلى الأعمال الصالحة جوارحهم. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : (اقرأ علي القرآن). قال: فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: (إني أشتهي أن أسمعه من غيرى). فقرأت النساء حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيداً﴾ [النساء ٤١]، رفعت رأسي أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل (١). فما الذي أبكاه ﵊ إلا التدبر والتفكر فيما سمع. وكان خليفته أبوبكر الصديق ﵁ رجلاً أسيفاً أي: حزيناً لا يفتتح الصلاة قارئاً إلا هملت عيناه، قالت عائشة ﵂: "كان أبو بكر إذا قرأ القرآن كثيرَ البكاءِ". زاد بعضهم: "في صلاة وغيرها" (٢). وعنها قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلاً بكَّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين" (٣).

стр. 74

وعمر الفاروق ﵁ في ليلة من ليالي عدله وإحساسه بالمسؤولية الملقاة على عاتقه يخرج ليتفقد رعيته، إذ مر بدار رجل من المسلمين فوافقه قائماً يصلي فوقف يستمع قراءته فقرأ الطور حتى بلغ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور ٧ - ٨]، فقال عمر: قسم ورب الكعبة، فنزل عن حماره واستند إلى حائط فمكث ملياً ثم رجع إلى بيته فمكث شهراً يعوده الناس لا يدرون ما مرضه (١). وما مرضه إلا بسبب تأثره بما سمع. وهذا الصحابي الكريم أبو طلحة ﵁ يقرأ سورة التوبة، فلما بلغ قوله تعالى: ﴿انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة ٤١]. قال: أرى ربنا يستنفرنا شيوخاً وشباباً، جهزوني يا بَني. فركب البحر غازياً في سبيل الله فمات فلم يجدوا جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة أيام فنزلوا فدفنوه، ولم يكن قد تغير جسده خلال تلك الأيام التسعة فوق السفينة ﵁ ورحمه (٢). وجبير بن مطعم ﵁ سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧]. قال: كاد قلبي أن يطير (٣). فكان ذلك من أسباب إسلامه. نعمْ لقد تأثر حتى طار إلى رسول الله ﷺ . والفضيل بن عياض ﵀ كان قبل توبته قاطع طريق، وعشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليًا يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ

стр. 75

قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد ١٦]. فقال: بلى، والله قد آن، فنزل وتاب وصار يضرب بعبادته وصلاحه المثل بعد ذلك، ﵀ (١). قال ابن القيّم-مبينًا ثمرات التدبر-: "أمّا التّأمّل في القرآن: فهو تحديق نظر القلب إلى معانيه. وجمع الفكر على تدبّره وتعقّله. وهو المقصود بإنزاله، لا مجرّد تلاوته بلا فهم ولا تدبّر، قال اللّه تعالى: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] وقال الحسن: «نزل القرآن ليتدبّر ويعمل به. فاتّخذوا تلاوته عملا». فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبّر القرآن، وإطالة التّأمّل. وجمع الفكر على معاني آياته. فإنّها تطلع العبد على معالم الخير والشّرّ بحذافيرها، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما، ومآل أهلهما، وتتلّ في يده (٢) مفاتيحَ كنوز السّعادة، والعلوم النّافعة، وتثبّت قواعد الإيمان في قلبه. وتشيّد بنيانه، وتوطّد أركانه. وتريه صورة الدّنيا والاخرة، والجنّة والنّار في قلبه. وتحضره بين الأمم وتريه أيّام اللّه فيهم. وتبصّره مواقع العبر، وتشهده عدل اللّه وفضله. وتعرّفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله، وما يحبّه وما يبغضه، وصراطه الموصّل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطّريق وآفاتها. وتعرّفه النّفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصحّحاتها وتعرّفه طريق أهل الجنّة وأهل النّار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم. ومراتب أهل السّعادة وأهل الشّقاوة، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه. وافتراقهم فيما يفترقون فيه. وبالجملة تعرّفه الرّبّ المدعوّ إليه، وطريق الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا قدم عليه. وتعرّفه مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشّيطان، والطّريق الموصّلة إليه، وما للمستجيب

стр. 76

لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه. فهذه ستّة أمور ضروريّ للعبد معرفتها، ومشاهدتها ومطالعتها. فتشهده الآخرة حتّى كأنّه فيها، وتغيّبه عن الدّنيا حتّى كأنّه ليس فيها، وتميّز له بين الحقّ والباطل في كلّ ما اختلف فيه العالَم، فتريه الحقّ حقًّا، والباطل باطلاً. وتعطيه فرقانًا ونوراً يفرّق به بين الهدى والضّلال، والغيّ والرّشاد، وتعطيه قوّة في قلبه، وحياة واسعة، وانشراحًا وبهجة وسروراً. فيصير في شأن والنّاس في شأن آخر .. فإنّ معاني القرآن دائرة على التّوحيد وبراهينه، والعلم باللّه وما له من أوصاف الكمال، وما ينزّه عنه من سمات النّقص، وعلى الإيمان بالرّسل، وذكر براهين صدقهم، وأدلّة صحّة نبوّتهم، والتّعريف بحقوق مرسلهم، وعلى الإيمان بملائكته، وهم رسله في خلقه وأمره، وتدبيرهم الأمور بإذنه ومشيئته، وما جعلوا عليه من أمر العالم العلويّ والسّفليّ، وما يختصّ بالنّوع الإنسانيّ منهم، من حين يستقّر في رحم أمّه إلى يوم يوافي ربّه ويَقدم عليه، وعلى الإيمان باليوم الآخر وما أعدّ اللّه فيه لأوليائه من دار النّعيم المطلق، الّتي لا يشعرون فيها بألم ولا نكد ولا تنغيص. وما أعدّ لأعدائه من دار العقاب الوبيل، الّتي لا يخالطها سرور ولا رخاء ولا راحة ولا فرح. وتفاصيل ذلك أتمّ تفصيل وأبينه. وعلى تفاصيل الأمر والنّهي، والشّرع والقدر، والحلال والحرام، والمواعظ والعبر، والقصص، والأمثال، والأسباب، والحكم، والمبادئ، والغايات، في خلقه وأمره. فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربّه بالوعد الجميل، وتحذّره وتخوّفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتحثّه على التّضمّر والتّخفّف للقاء اليوم الثّقيل، وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السّبيل. وتصدّه عن اقتحام طرق البدع والأضاليل وتبعثه على الازدياد من النّعم بشكر ربّه الجليل، وتبصّره بحدود الحلال والحرام، وتوقفه عليها لئلّا يتعدّاها فيقع في العناء الطّويل، وتثبّت قلبه عن الزّيغ والميل عن الحقّ والتّحويل. وتسهّل عليه الأمور الصّعاب والعقبات الشّاقّة غاية التّسهيل. وتناديه كلّما فترت عزماته، وونى في سيره: تقدّم الرّكبُ وفاتك الدليل. فاللّحاقَ اللّحاق، والرّحيلَ الرّحيل، وتحدو به، وتسير أمامه سير

стр. 77

الدّليل. وكلّما خرج عليه كمين من كمائن العدوّ أو قاطع من قطّاع الطّريق نادته: الحذرَ الحذر، فاعتصم باللّه، واستعن به، وقل: حسبي اللّه ونعم الوكيل. وفي تأمّل القرآن وتدبّره، وتفهّمه أضعاف أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد" (١). ومن غايات إنزال هذا الكتاب الكريم: الرجوع إليه عند التنازع، والتحاكم إليه عند الاختلاف، ورد الأمور التي يطلب فيها الفصل إليه لا إلى غيره ما دام ذلك فيه، فهو المرجع المعصوم الذي يقضي بالحق، ويحكم بالقسط؛ لأنه كلام الخالق سبحانه العليم بما يصلح خلقه، فليس من الإيمان أن يُقرأ هذا الكتاب ويعظم ثم يبحث عن بديل عنه من آثار عقول البشر القاصرة، أو المناوئة لما فيه، والمعادية لقائله جل وعلا، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠]. يقول الشنقيطي: "مسألة: اعلم أن الله جل وعلا بين في آيات كثيرة، صفات من يستحق أن يكون الحكم له، فعلى كل عاقل أن يتأمل الصفات المذكورة، التي سنوضحها الآن إن شاء الله، ويقابلها مع صفات البشر المشرعين للقوانين الوضعية، فينظر هل تنطبق عليهم صفات من له التشريع، سبحان الله وتعالى عن ذلك، فإن كانت تنطبق عليهم -ولن تكون- فليتبع تشريعهم. وإن ظهر يقينًا أنهم أحقر وأخس وأذل وأصغر من ذلك، فليقف بهم عند حدهم، ولا يجاوزه بهم إلى مقام الربوبية. أن يكون له شريك في عبادته، أو حكمه أو ملكه. فمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع قوله هنا: ﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، ثم قال مبيناً صفات من له الحكم: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فَاطِرُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ

стр. 78

لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لَهُ مَقَالِيدُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى: ١٠ - ١٢]. فهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية، من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي تفوض إليه الأمور، ويتوكل عليه، وأنه فاطر السماوات والأرض أي: خالقهما ومخترعهما، على غير مثال سابق، وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجًا، وخلق لهم أزواج الأنعام الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضأنِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، وأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وأنه له مقاليد السماوات والأرض، وأنه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر أي: يضيقه على من يشاء وهو بكل شيء عليم. فعليكم -أيها المسلمون- أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ويحلل ويحرم، ولا تقبلوا تشريعًا من كافر خسيس حقير جاهل. ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩]، فقوله فيها: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ كقوله في هذه: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ … " (١) ثم ساق ﵀ آيات كثيرة تتعلق بهذه المسألة وعلق عليها بما لا مزيد عليه (٢).

стр. 79

محبةُ اللهِ تعالى إن محبة الله تعالى عبادةٌ من أعظم العبادات، وقُربة من أجلِّ القربات، ودرجة عليا إذا صدق صاحبها فيها بلَّغته أعلى المقامات، وأنالته أحسنَ الهبات. فهي" حياة القلوب وغذاء الأرواح، وليس للقلب لذّة، ولا نعيم، ولا فلاح، ولا حياة إلّا بها. وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنف إذا فقد شمّه، واللّسان إذا فقد نطقه، بل فساد القلب إذا خلا من محبّة فاطره وبارئه وإلهه الحقّ أعظم من فساد البدن إذا خلا من الرّوح، وهذا الأمر لا يصدّق به إلّا من فيه حياة" (١). وهي" المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى عَلَمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبرَوح نسيمها تروّح العابدون، فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون، وهي الحياة التي من حُرِمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشِّفاء الذي من عدمه حلّت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام. وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال، التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا بدونها أبداً واصليها، وتبوؤهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها داخليها، وهي مطايا القوم التي مسراهم على ظهورها دائمًا إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة؛ إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب، وقد قضى الله يوم قدر

стр. 80

مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة أن المرء مع من أحب، فيالها من نعمة على المحبين سابغة! تالله لقد سبق القوم السُّعاة وهم على ظهور الفرش نائمون، وقد تقدموا الرَّكبَ بمراحل وهم في سيرهم واقفون. مَنْ لي بمثلِ سَيْرك المدلَّلِ … تمشي رُويداً وتجيْ في الأولِ أجابوا منادي الشوق إذ نادى بهم: حي على الفلاح، وبذلوا نفوسهم في طلب الوصول إلى محبوبهم وكان بذلهم بالرضى والسماح، وواصلوا إليه المسير بالإدلاج والغدو والرواح، تالله لقد حمدوا عند الوصول سُراهم، وشكروا مولاهم على ما أعطاهم، وإنما يحمد القومُ السُّرى عند الصباح" (١). وكيف لا نحب الله سبحانه وهو ربنا وخالقنا، ورازقنا، والمنعم علينا بكل نعمة نحن فيها؟! ولا ريب أنه "لا شيء أحب إلى القلوب من خالقها وفاطرها؛ فهو إلهها ومعبودها، ووليها ومولاها، وربها ومدبِّرها ورازقها، ومميتها ومحييها، فمحبته نعيم النفوس وحياة الأرواح، وسرور النفوس وقوت القلوب، ونور العقول وقرة العيون وعمارة الباطن، فليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة والعقول الزاكية أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا أسرَّ ولا أنعمَ من محبته، والأنس به والشوق إلى لقائه، والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه بذلك فوق كل حلاوة، والنعيم الذي يحصل له بذلك أتم من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذة … فمن كان بالله سبحانه وأسمائه وصفاته أعرف، وفيه أرغب وله أحب وإليه أقرب؛ وجد من هذه الحلاوة في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه ولا يعرف إلا بالذوق والوجد" (٢).

стр. 81

" لو عرفنا حبيَبنا ما سلونا، ولكن قدره ما قَدَرنا، لو سعدنا بوصله ما شقينا، لو غنينا بفضله ما افتقرنا، لو روينا من حبِّه ما ظمئنا، لو سلكنا في طريقه ما عثرنا، هو نِعم الحبيب لكننا بئس المحبون" (١). إن المحبة علامة فارقة بين الموحدين والمشركين؛ فالموحدون صرفوها لله تعالى وحده، دون شريك؛ ولذلك كان" أصل التوحيد وروحه: إخلاص المحبة لله وحده، وهي أصل التأله والتعبد له، بل هي حقيقة العبادة، ولا يتم التوحيد حتى تكمل محبة العبد لربه، وتسبق محبته جميع المحاب وتغلبها، ويكون لها الحكم عليها بحيث تكون سائر محاب العبد تبعًا لهذه المحبة التي بها سعادة العبد وفلاحه. ومن تفريعها وتكميلها: الحب في الله، فيحب العبد ما يحبه الله من الأعمال والأشخاص، ويبغض ما يبغضه الله من الأشخاص والأعمال، ويوالي أولياءه ويعادي أعداءه، وبذلك يكمل إيمان العبد وتوحيده" (٢). وأما المشركون فأخلصوها لمعبوداتهم من دون الله، أو أشركوا بينهم وبينه فيها؛ "فمعلوم أن أصل الإشراك العملي بالله الإشراك في المحبة؛ قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ … ﴾ [البقرة: ١٦٥]. فأخبر أن من الناس من يشرك بالله فيتخذ أنداداً يحبونهم كما يحبون الله، وأخبر أن الذين آمنوا أشد حبًا لله من هؤلاء، والمؤمنون أشد حبًا لله من هؤلاء لأندادهم ولله؛ فإن هؤلاء أشركوا بالله في المحبة فجعلوا المحبة مشتركة بينه وبين الأنداد، والمؤمنون أخلصوا دينهم لله الذي أصله المحبة لله فلم يجعلوا لله عدلاً في المحبة، بل كان الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما" (٣).

стр. 82

المحبة الصادقة: المحبة الصادقة لله: أن تهب إرادتك وعزمك وأفعالك ونفسك ومالك ووقتك له، وتجعلها حبسًا في مرضاته ومحابّه (١). قال ابن القيم: " أعظم صلاح العبد أن يصرف قوى حُبه كلها لله تعالى وحده، بحيث يحب الله بكل قلبه وروحه وجوارحه، فيوحد محبوبه ويوحد حبه .. والمحبة لا تصح إلا بذلك؛ فتوحيد المحبوب أن لا يتعدد محبوبه، وتوحيد الحب أن لا يبقى في قلبه بقية حب حتى يبذلها له" (٢). ومن تحقيق هذه المحبة: " أن لا يحب إلا في الله، ولا يبغض إلا فيه، ولا يوالي إلا فيه، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعطي إلا له ولا يمنع إلا له، ولا يرجو إلا إياه، ولا يستعين إلا به، فيكون دينه كله ظاهراً وباطنًا لله، ويكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فلا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أقرب الخلق إليه بل: يعادي الذي عادى من الناس كلِّهم … جميعًا ولو كان الحبيبَ المصافيا وحقيقة ذلك: فناؤه عن هوى نفسه وحظوظها بمراضي ربه وحقوقه" (٣). مظاهر محبة العبد لله: إن محبة الله تعالى قد يدعيها من ليس من أهلها، ويتفوه بها من هو كاذب في قولها؛ ولذلك كانت هناك مظاهر يُعرف بها المحب الصادق من المحب الكاذب أو المدعي للمحبة، فمن تلك المظاهر: أولاً: موافقة الله فيما يحب وما يكره، فيحب المرء ما يحب الله تعالى من الأمكنة،

стр. 83

والأزمنة، والأشخاص والأعمال والأقوال، ويكره من ذلك ما يكرهه الله تعالى. فمن" أحب الله وأحبه الله أحب ما يحبه الله، وأبغض ما يبغضه الله، ووالى من يواليه الله، وعادى من يعاديه الله، لا تكون محبة قط إلا وفيها ذلك بحسب قوتها وضعفها؛ فإن المحبة توجب الدنو من المحبوب والبعد عن مكروهاته، ومتى كان مع المحبة نبذ ما يبغضه المحبوب فإنها تكون تامة … وأما موادة عدوِّه فإنها تنافي المحبة، قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] " (١). "فيجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله ويبغض ما أبغضه الله، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد: ٣٦] " (٢). ثانيًا: البعد الشديد عن معصية الله سبحانه، وتصبير النفس على ترك مخالفته، فـ" المحبة تستبين بترك المخالفة، ولا تبين بكثرة الأعمال، كما قيل: أعمال البرّ يعملها البرّ والفاجر، والمعاصي لا يتركها إلا صديق" (٣). فليس صادقًا في حب الله من انهمك في معاصيه، وأسرف على نفسه بمخالفة ربه، كما قيل: تعصي الإلهَ وأنت تُظهر حبَّه … هذا محالٌ في القياس بديعُ

стр. 84

لو كان حبُّك صادقاً لأطعمتَه … إن المحبَّ لمن يحب مطيعُ (١). قال ابن القيم: " محبة الله هي أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته ومعاصيه؛ فإن المحب لمن يحب مطيع، وكلما قوي سلطان المحبة في القلب كان اقتضاؤه للطاعة وترك المخالفة أقوى، وإنما تصدر المعصية والمخالفة من ضعف المحبة وسلطانها، وفرقٌ بين من يحمله على ترك معصية سيده خوفُه من سوطه وعقوبته، وبين من يحمله على ذلك حبُّه لسيده، وفي هذا قال عمر: نِعمَ العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه. يعني: أنه لو لم يخف من الله لكان في قلبه من محبة الله وإجلاله ما يمنعه من معصيته، فالمحب الصادق عليه رقيب من محبوبه يرعى قلبه وجوارحه، وعلامة صدق المحبة شهود هذا الرقيب ودوامه. وههنا لطيفة يجب التنبه لها وهي أن المحبة المجردة لا توجب هذا الأثر ما لم تقترن بإجلال المحبوب وتعظيمه، فإذا قارنها بالإجلال والتعظيم أوجبت هذا الحياء والطاعة، وإلا فالمحبة الخالية عنهما إنما توجب نوعَ أُنس وانبساط وتذكر واشتياق؛ ولهذا يتخلف عنها أثرها وموجبها، ويفتش العبد قلبه فيرى نوع محبة لله، ولكن لا تحمله على ترك معاصيه، وسبب ذلك تجردها عن الإجلال والتعظيم. فما عمر القلبَ شيءٌ كالمحبة المقترنة بإجلال الله وتعظيمه، وتلك من أفضل مواهب الله لعبده أو أفضلها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" (٢). ولكن ينبغي أن يُعلم أن المعاصي التي لا تصل إلى حد الكفر لا تزيل أصل محبة الله بالكلية وإنما تنقصها بقدر تلك الخطايا. فـ" الذنوب تنقص من محبة الله تعالى بقدر ذلك، لكن لا تزيل المحبة لله ورسوله إذا كانت ثابتة في القلب، ولم تكن الذنوب عن نفاق؛ كما في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب في الذي كان يشرب الخمر وكان النبي ﷺ يقيم عليه الحد، فلما كثر ذلك منه لعنه رجل، فقال النبي ﷺ :

стр. 85

(لا تلعنه؛ فإنه يجب الله ورسوله) ". (١). ثالثًا: كمال الأنس بمناجاة الله تعالى، والتلذذ بالخلوة به. قال ابن قدامة المقدسي: " علامة المحبة: كمال الأنس بمناجاة المحبوب، وكمال التنعيم بالخلوة به، وكمال الاستيحاش من كل ما ينقض عليه الخلوة، ومتى غلب الحب والأنس صارت الخلوة والمناجاة قرة عين تدفع جميع الهموم، بل يستغرق الحب والأنس قلبه" (٢). رابعًا: حب كلام الله تعالى، وما جاء من عنده، من غير إعمال الاختيار مما صدر عنه مما يوافق الهوى ورغبة النفس. قال أبو طالب المكي: " ومن علامة حب اللّه: حب القرآن" (٣). خامسًا: اتباع رسول الله ﷺ ، والاهتداء بهديه. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. قال ابن كثير: "هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: ليس الشأن أن تُحِب، إنما الشأن أن تُحَب. وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ " (٤).

стр. 86

وقال أبو العباس أحمد بن عبد الحليم: " محبة الله مستلزمة لمحبة ما يحبه من الواجبات كما قال تعال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ فإن اتباع رسوله هو من أعظم ما أوجبه الله تعالى على عباده وأحبه، وهو سبحانه أعظم شيء بغضًا لمن لم يتبع رسوله، فمن كان صادقًا في دعوى محبة الله اتبع رسوله لا محالة، وكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" (١). سادسًا: كثرة ذكره . "قال الربيع بن أنس: علامة حب الله: كثرة ذكره؛ فإنك لا تحب شيئًا إلا أكثرت من ذكره" (٢). سابعًا: الشفقة بالمؤمنين والشدة على الكافرين، والجهاد في سبيل الله، وعمل الطاعات من غير خوف لوم الناس عليها. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]. ففي هذه الآية الكريمة ذكر الله تعالى للمحبين الصادقين أربع علامات: الأولى: أنّهم: أذلّة على المؤمنين، قيل: معناه: أرقاء رحماء مشفقين عليهم عاطفين عليهم، فلما ضمَّن أذلة هذا المعنى عدّاه بأداة (على). الثانية: أعزة على الكافرين، قال عطاء: للمؤمنين كالولد لوالده، والعبد لسيده، وعلى الكافرين كالأسد على فريسته، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. العلامة الثالثة: الجهاد في سبيل الله بالنفس واليد واللسان والمال، وذلك تحقيق دعوى المحبة.

стр. 87

العلامة الرابعة: أنهم لا تأخذهم في الله لومة لائم، وهذا علامة صحة المحبة، فكل محب يأخذه اللوم عن محبوبه فليس بمحب على الحقيقة (١). وما أجمل وصف ابن القيم عن براهين المحبة لله تعالى يوم قال: " لما كثر المدعون للمحبة طُولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى؛ فلو يُعطى الناس بدعواهم لادعى الخليُّ حرقة الشجي (٢) فتنوع المدعون في الشهود فقيل: لا تقبل هذه الدعوى إلا ببينة ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾، فتأخر الخلق كلهم وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة بتزكية: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾، فتأخر أكثر المحبين، وقام المجاهدون. فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم فهلموا إلى بيعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]. فلما عرفوا عظمة المشتري وفضل الثمن، وجلالة من جرى على يديه عقد التبايع عرفوا قدر السلعة، وأن لها شأنًا، فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس، فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراضي من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك. فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل لهم: مذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا رددناها عليكم أوفر ما كانت وأضعافها معها: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] " (٣). الطريق إلى محبة الله تعالى: إن محبة الله تعالى غاية عليّة، وهدف سامٍ لا يُوصل إليه بالأماني والدعاوى، وإنما يُسلك إليه طريقٌ معمور بالعمل الصالح الباطن والظاهر، وقد لخص ابن القيم طرق نيل

стр. 88

المحبة فقال: " فصل في الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها وهي عشرة: أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به، كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهم مراد صاحبه منه. الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض؛ فإنها توصله إلى درجة المحبوبية بعد المحبة. الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا الذكر. الرابع: إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى، والتسنم إلى محابه وإن صعب المرتقى. الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة ومباديها، فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة؛ ولهذا كانت المعطلة والفرعونية والجهمية قطّاع الطريق على القلوب بينها وبين الوصول إلى المحبوب. السادس: مشاهدة بره وإحسانه وآلائه ونعمه الباطنة والظاهرة؛ فإنها داعية إلى محبته. السابع -وهو من أعجبها- انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى، وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات. الثامن: الخلوة به وقت النزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة. التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر … العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله . فمن هذه الأسباب العشرة وصل المحبون إلى منازل المحبة، ودخلوا على الحبيب. ومِلاك ذلك كله أمران: استعداد الروح لهذا الشأن، وانفتاح عين البصيرة " (١). ثمرات محبة الله تعالى: إن الإنسان إذا وصل إلى درجة الحب الصادق لله تعالى نال بذلك ثمرات حسنة في

стр. 89

هذه الحياة، تبلغ به هذه الثمرات- إذا استمر عليها حتى الموت- إلى الفوز برضوان الله وجنته في الآخرة. قال ابن القيم: "إذا غُرست شجرة المحبة في القلب، وسُقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب؛ أثمرت أنواع الثمار، وآتت أُكلها كل حين بإذن ربها، أصلها ثابت في قرار القلب، وفرعها متصل بسدرة المنتهى" (١). فمن تلك الثمرات اليانعة: أولاً: الحصول على حلاوة الإيمان قال النبي ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) (٢). "وحلاوة الإيمان: ما يجده الإنسان في نفسه وقلبه من الطمأنينة والراحة والانشراح" (٣)، وهذا من أعظم النعم، وأجل العطايا. ثانيًا: جفاف ينابيع الشهوات، بحيث يجد المحب في لذة محبة الله والانشغال بها ما يسليه عن الشهوات ويزهده فيها، ويبغضها إليه؛ لمباينتها ما هو متنعم فيه. قال ابن القيم: " لو تغذى القلب بالمحبة لذهبت عنه بطنة الشهوات ولو كنتَ عُذريَّ الصبابةِ لم تكن بطينًا وأنساك الهوى كثرةَ الأكلِ" (٤) ثالثًا: الانشغال بحبه سبحانه عن حب غيره، حتى يغدو قلب المحب ليس فيه مكان

стр. 90

يتسع لمزاحمة أحد لحب مولاه، ولا لديه رغبة للانتقال إلى حب ما سواه. قال ابن القيم: " وقال بعض المحبين: إن حبه شغل قلوب محبيه عن التلذذ بمحبة غيره، فليس لهم في الدنيا مع حبه لذة تداني محبته، ولا يؤملون في الآخرة من كرامة الثواب أكبر عندهم من النظر إلى وجه محبوبهم" (١). وقال أيضًا: " ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدِّم عليه حبًّا لغيره، ولا أُنسًا به" (٢). رابعًا: دوام ذكره، وعدم الغفلة عنه؛ حتى كأن المحبة قد تغلغلت في المحب فكانت جزء من حياته، فصار المحبوب سبحانه حيَّ الذكر لدى المحب ما بقيت في المحب حياة. قال ابن القيم: " لو صحت محبتك لاستوحشت ممن لا يذكِّرك بالحبيب، واعجبًا لمن يدعى المحبة ويحتاج إلى من يذكره بمحبوبه، فلا يذكُرُه إلا بمذكِّر! أقل ما في المحبة أنها لا تنسيك تذكر المحبوب. ذكرتُك لا أني نسيتُك ساعةً … وأيسرُ ما في الذِّكر ذِكرُ لساني إذا سافر المحب للقاء محبوبه ركبت جنوده معه، فكان الحب في مقدمة العسكر، والرجاء يحدو بالمطي، والشوق يسوقها، والخوف يجمعها على الطريق، فإذا شارف قدوم بلد الوصل خرجت تقادم الحبيب باللقاء. فداوِ سُقمًا بجسمٍ أنت مُتْلِفُهُ … وابردْ غرامًا بقلبٍ أنت مُضرمُهُ ولا تكلني على بُعد الديار إلى … صبري الضعيفِ فصبري أنت تَعلمُهُ تلقَّ قلبي فقد أرسلتُه عجِلاً … إلى لقائك والأشواقُ تَقدُمهُ

стр. 91

فإذا دخل على الحبيب أفيضت عليه الخِلَع من كل ناحية؛ ليُمتَحن: أيسكن إليها فتكون حظه، أم يكون التفاته إلى من ألبسه إياها" (١). خامسًا: الرضا بقضائه وقدره، واستقبال ما جاء من المكاره من غير سخط ولا ضجر كان عامر بن عبد قيس يقول: أحببت الله حبًا سهل عليَّ كل مصيبة، ورضّاني بكل قضية، فما أبالي مع حبي إياه ما أصبحت عليه وما أمسيت (٢). إن" المحب يجد في لذة المحبة ما ينسيه المصائب، ولا يجد من مسها ما يجد غيره، حتى كأنه قد اكتسى طبيعة ثانية ليست طبيعة الخلق، بل يقوى سلطان المحبة حتى يلتذ المحب بكثير من المصائب التي يصيبه بها حبيبه أعظم من التذاذ الخلي بحظوظه وشهواته، والذوق والوجد شاهد بذلك" (٣). سادسًا: الوقوف عند حدود الله، وبلوغ المراتب العالية في معراج العبودية، فالمؤمن المحب لا يتجاوز ما حدّ له محبوبه، بل يسعى إلى الترقي إلى أعلى رتب الذل والخضوع والانقياد لما جاء عنه سبحانه. وما " حفظت حدود الله ومحارمه، ووصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته، فمتى خلا القلب من هذه الثلاث فسد فساداً لا يرجى صلاحه أبداً، ومتى ضعف فيه شيء من هذه ضعف إيمانه بحسبه" (٤). "ولا ريب أن كمال العبودية تابع لكمال المحبة، وكمال المحبة تابع لكمال المحبوب في نفسه، والله سبحانه له الكمال المطلق التام في كل وجه الذي لا يعتريه توهمُ نقصٍ أصلاً،

стр. 92

ومَن هذا شأنه فإن القلوب لا يكون شيء أحب إليها منه ما دامت فِطرها وعقولها سليمة، وإذا كانت أحب الأشياء إليها فلا محالة أن محبته توجب عبوديته وطاعته، وتتبع مرضاته واستفراغ الجهد في التعبد له والإنابة إليه، وهذا الباعث أكمل بواعث العبودية وأقواها حتى لو فرض تجرده عن الأمر والنهي والثواب والعقاب استفرغ الوسع واستخلص القلب للمعبود الحق، ومن هذا قول بعض السلف: إنه ليستخرج حبه من قلبي ما لا يستخرجه قوله" (١). قال ابن القيم: " وكلما ازداد له حبًا ازداد له عبودية وذلاً وخضوعًا، ورقًا له وحرية عن رق غيره، فالقلب لا يفلح ولا يصلح، ولا يتنعم ولا يبتهج، ولا يلتذ ولا يطمئن ولا يسكن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له جميع ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن إليها، ولم يسكن إليها، بل لا تزيده إلا فاقة وقلقًا حتى يظفر بما خُلق له وهيء له: من كون الله وحده نهاية مراده، وغاية مطالبه؛ فإن فيه فقراً ذاتيًا إلى ربه وإلهه من حيث هو معبوده ومحبوبه، وإلهه ومطلوبه، كما أن فيه فقراً ذاتيًا إليه من حيث هو ربه وخالقه ورازقه ومدبره، وكلما تمكنت محبة الله من القلب وقويت فيه أخرجت منه تألهه لما سواه وعبوديته له: فأصبحَ حُرَّاً عزةً وصيانةً … على وجهه أنوارُه وضياؤه" (٢).

стр. 93

وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " التقوى" ومشتقاتها من الكلمات التي كثر الحديث عنها في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة؛ أمراً بها، وحثًا عليها، وبيانًا لثمراتها، وذكراً للجزاء الحسن الذي ينتظر أهلها. حقيقة التقوى: التقوى هي: جعل النفس في وقاية مما يخاف، ثم صارت في عرف الشرع: حفظ النفس عما يؤثِّم، وذلك بترك المحظور، ويتم ذلك بترك بعض المباحات (١). وقال عمر ﵁ لكعب الأحبار: يا كعب، حدثني عن التقوى؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فما صنعت؟ قال: حذرتُ وشمَّرت. قال: فكذلك التقوى" (٢). ومثله ورد عن أبي هريرة ﵁ (٣). ويعنون بهذا: أن التقوى هي الحذر من الوقوع في طريق المعاصي، والاتجاه نحو طريق الطاعات. فأخذ هذا المعنى ابنُ المعتز فقال: خلِّ الذُّنوبَ صَغِيرَها … وكَبِيرَها فَهْوَ التُّقَى واصْنَعْ كماشٍ فَوْقَ أَرْ … ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ ما يَرَى

стр. 94

لا تَحْقِرَنَّ صغيرةً … إنَّ الجِبَالَ مِنَ الحَصَى (١). وقال الحسن: المتقون اتَّقَوا ما حُرِّم عليهم، وأدَّوا ما افْتُرِض عليهم. وقال عُمَر بن عبد العزيز: ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليطِ فيما بَيْنَ ذلك، ولكن تقوى اللهِ تركُ ما حرَّم الله، وأداءُ ما افترضَ الله (٢). وقال ابن رجب: "وأصلُ التّقوى: أنْ يجعل العبدُ بينَه وبينَ ما يخافُه ويحذره وقايةً تقيه منه، فتقوى العبد لربه: أنْ يجعل بينه وبينَ ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تقيه من ذلك وهو فعلُ طاعته، واجتنابُ معاصيه (٣). وقال ابن القيم: "وأما التقوى فحقيقتها: العمل بطاعة الله إيماناً واحتساباً، أمراً ونهياً، فيفعل ما أمر الله به إيمانًا بالأمر، وتصديقًا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيماناً بالنهي وخوفاً من وعيده، كما قال طلق بن حبيب: إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى، قالوا: وما التقوى؟ قال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله. وهذا أحسن ما قيل في حد التقوى (٤). مراتبها: ليست التقوى على مرتبة واحدة، بل هي على مراتب، يتفاوت أهلها فيها حسب قيامهم بأعمالها، وتظهر آثارها الحسنة عليهم بحسب درجتهم في تلك المنازل فـ" التقوى ثلاث مراتب: إحداها: حِمية القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات. الثانية: حميتها عن المكروهات. الثالثة: الحِمية عن الفضول وما لا يعني. فالأولى: تعطي العبد حياته. والثانية:

стр. 95

تفيده صحته وقوته. والثالثة: تكسبه سروره وفرحه وبهجته" (١). أهمية التقوى: بناء على تعريف التقوى بأنها فعل الأوامر وترك النواهي-كما تقدم قريبًا- يتبين أن التقوى هي الدين كله؛ فلذلك نجد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵊ ما يبين أهميتها ويظهر للناس فضلها، فمن ذلك: أولاً: أن الله تعالى أمر بها عباده أجمعين عمومهم وخصوصهم؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥]. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١]. ثانيًا: أنها وصية الله تعالى لعباده، ووصية رسوله ﷺ لأمته جمعًا وأفراداً، والوصية لا تكون إلا في الأمور العظيمة. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]. "وجعلُ الأمر بالتقوى وصية: لأن الوصية قول فيه أمر بشيء نافع جامع لخير كثير؛ فلذلك كان الشأن في الوصية إيجاز القول؛ لأنها يقصد منها وعي السامع، واستحضاره كلمة الوصية في سائر أحواله. والتقوى تجمع الخيرات؛ لأنها امتثال الأوامر واجتناب المناهي؛ ولذلك قالوا: ما تكرر لفظ في القرآن ما تكرر لفظ التقوى- يعنون غير الأعلام، كاسم الجلالة-" (٢).

стр. 96

وعن العرباض بن سارية قال: صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودِّع فأوصنا قال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع و الطاعة … ) (١). وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال لرجل: (أوصيك بتقوى الله، والتكبير على كل شرف) (٢). وعن أبي سعيد الخدري، أن رجلاً جاءه فقال: أوصني. فقال: سألت عما سألت عنه رسول الله ﷺ من قبلك" أوصيك بتقوى الله؛ فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن؛ فإنه روحك في السماء، وذكر لك في الأرض) (٣). "قال الغزالي: ليس في العالم خصلة للعبد أجمع للخير وأعظم للأجر وأجل في العبودية، وأعظم في القدر وأدنى بالحال وأنجع للآمال من هذه الخصلة التي هي التقوى، وإلا لما أوصى الله بها خواص خلقه، فهي الغاية التي لا متجاوز عنها ولا مقتصر دونها. قد جمع الله فيها كل نصح ودلالة، وإرشاد وتأديب وتعليم، فهي الجامعة لخيري الدارين، الكافية لجميع المهمات، المبلغة إلى أعلى الدرجات" (٤). ثالثًا: أنها خير الزاد ليوم المعاد قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]. قال الرازي: الإنسان له سفرانِ: سفر في الدنيا، وسفر من الدنيا؛ فالسفر في الدنيا لا

стр. 97

بد له من زاد وهو الطعام والشراب والمركب والمال، والسفر من الدنيا لا بد فيه أيضاً من زاد وهو معرفة الله ومحبته والإعراض عما سواه، وهذا الزاد خير من الزاد الأول لوجوه: الأول: أن زاد الدنيا يخلصك من عذاب موهوم، وزاد الآخرة يخلصك من عذاب متيقن. وثانيها: أن زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع، وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم. وثالثها: أن زاد الدنيا يوصلك إلى لذة ممزوجة بالآلام والأسقام والبليات، وزاد الآخرة يوصلك إلى لذات باقية خالصة عن شوائب المضرة، آمنة من الانقطاع والزوال. ورابعها: أن زاد الدنيا يُوصِلُك إلى دُنيا مُنقضيةٍ وهي كل ساعة في الإدبار والانقضاء، وزاد الآخرة يوصلك إلى الآخرة وهي كل ساعة في الإقبال والقرب والوصول غير منقضية. وخامسها: أن زاد الدنيا يوصلك إلى منصة الشهوة والنفس، وزاد الآخرة يوصلك إلى عتبة الجلال والقدس. فثبت بمجموع ما ذكرنا أن خير الزاد التقوى، إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير الآية فكأنه تعالى قال: لما ثبت أن خير الزاد التقوى فاشتغلوا بتقواي يا أولي الألباب، يعني: إن كنتم من أرباب الألباب الذين يعلمون حقائق الأمور وجب عليكم بحكم عقلكم ولبكم أن تشتغلوا بتحصيل هذا الزاد؛ لما فيه من كثرة المنافع (١). قال الأعشى: إذا أنْتَ لمْ تَرْحَلْ بِزَادٍ مِنَ التُّقَى … وَلاقَيْتَ بَعْدَ المَوْتِ مَنْ قد تزَوّدَا نَدِمْتَ على أنْ لا تَكُونَ كمِثْلِهِ … وأنكَ لمْ ترصدْ لما كانَ أرصدا (٢) "لما حضرت عبيدَ الله بن شداد الوفاةُ دعا ابنه محمداً فأوصاه وقال له: يا بني، أرى داعِي الموت لا يقلع وبحقٍّ إنَّ من مضى لا يرجع، ومن بقي فإليه ينزع. يا بني، ليكن أولى الأمور بك تقوى الله في السر والعلانية، والشكر لله، وصدق الحديث والنية؛ فإن للشكر

стр. 98

مزيداً، والتقوى خير زاد؛ كما قال الحطيئة: ولستُ أرى السعادةَ جمعَ مالٍ … ولكنَّ التقيَّ هو السعيدُ وتقوى اللّهِ خيرُ الزادِ ذُخراً … وعندَ اللّهِ للأتقى مزيدُ" (١). رابعًا: أنها جمال الباطن، الذي هو أهم من جمال الظاهر قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦]. " أي: ولباس التقوى هو خير من لباس الثياب؛ لكونه أهم اللباسين؛ لأنّ نزعه يكشف العورة الحسية والمعنوية، فلو تجمل الإنسان بأحسن الملابس وهو غير متقٍّ كان كله سوآت، ولو كان متقياً وليس عليه إلا خريقةُ ثوبٍ تواري عورته كان في غاية الجمال والكمال، وأنشدوا في المعنى: إذا أنتَ لم تلبس ثياباً من التُّقى … عَرِيتَ وإن وارى القميصَ قميصُ" (٢). قال ابن القيم: " فذكر سبحانه زينة ظواهرهم وبواطنهم، ونبههم بالحسي على المعنوي" (٣). خامسًا: أنها الحارس الأمين حيثما كان الإنسان؛ فهي التي تأمره بفعل الجميل، وتنهاه عن فعل القبيح، وهي الكلمة التي تزجر من وقع في محظور فترده إلى جادّة الحق عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ : (اتق الله حيثما كنت، وأتبعِ السيئةَ الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) (٤). " وهذا من جوامع الكلم؛ فإن التقوى وإن قل لفظها كلمة جامعة، فحقه -تقدس- أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا

стр. 99

ينسى، ويشكر فلا يكفر، بقدر الإمكان، ومن ثَم شملت خير الدارين؛ إذ هي تجنب كل منهي عنه، وفعل كل مأمور به، فمن فعل ذلك فهو من المتقين الذين أثنى عليهم في كتابه المبين" (١). ومن همَّ بمعصية الله أو باشرها فالمنجى والمخرج من ذلك تقوى الله؛ فعن عبيدة بن رفاعة عن أبيه أنه خرج مع رسول الله ﷺ إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: (يا معشر التجار) فاستجابوا لرسول الله ﷺ ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه فقال: (إن التجار يُبعثون يوم القيامة فجاراً، إلا من اتقى الله وبرَّ وصدق) (٢). ولما رأى رسول الله صلى الله عليه بشيراً الأنصاري أبا النعمان قد مال إلى النعمان في العطاء دون إخوته قال له: (اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم) (٣). ولما رأى عليه الصلاة رجلاً قد ظلم بعيرَه قال له: (أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؛ فإنه شكى إليَّ أنك تجيعه وتُدئبه (٤)﴾ (٥). قال الشاعر: لا خيرَ فيمن لا يراقبُ ربَّه … عند الهوى ويخافُه إيمانا حجبَ التُّقى سبلَ الهوى فأخو التُّقى … يخشى إذا وافى المعادَ هوانا (٦). وقال الآخر:

стр. 100

إذا ما همَمْنا صدَّنا وازعُ التُّقى … فولَّى على أعقابه الهمُّ خاسئا (١). علامات المتقين: هناك خصال يُعرف بها الإنسان أنه من أهل التقوى، فمنها: أولاً: المحافظة على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فالمتقي هو الذي إذا علم أوامر الشرع أداها، وإذا علم نواهيه تجنبها. ثانيًا: التورع عن بعض الحلال خشية الوقوع في الحرام، وذلك من شدة التحرز من الوقوع في المحظور قال الغزالي: " أما الدرجة الثالثة: وهي ورع المتقين، فيشهد لها قوله ﷺ : (لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به؛ مخافة ما به بأس) (٢) وقال عمر ﵁: كنا ندع تسعة أعشار الحلال؛ مخافة أن نقع في الحرام. وقيل: إن هذا عن ابن عباس ﵄. وقال أبو الدرداء: إن من تمام التقوى أن يتقي العبد في مثقال ذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال؛ خشية أن يكون حرامًا؛ حتى يكون حجابًا بينه وبين النار؛ ولهذا كان لبعضهم مائة درهم على إنسان فحملها إليه فأخذ تسعة وتسعين، وتورع عن استيفاء الكل خيفة الزيادة. وكان بعضهم يتحرز فكل ما يستوفيه يأخذه بنقصان حبة، وما يعطيه يوفيه بزيادة حبة؛ ليكون ذلك حاجزاً من النار" (٣). ثالثًا: ترك تحقيق كل رغبات النفس. وما أكثر شهوات النفس، وأشد جنوحها إليها، غير أن المتقي لا يعطي نفسه منها

стр. 101

إلا ما بان حلاله، ولم يؤثر على سمو روحه في فضاء الإقبال على ربه قال عمر بن عبد العزيز- رحمه اللّه تعالى-: "التّقيُّ ملجَم لا يفعل كلَّ ما يريد" (١). وقال ابن الجوزي: " ولازموا حصن التقوى؛ فالعقوبة مُرَّة، واعلموا أن في ملازمة التقوى مرارات؛ من فقد الأغراض والمشتهيات، غير أنها في ضرب المثل كالحِمية تعقب صحة، والتخليط ربما جلب موت الفجأة" (٢). رابعًا: الصبر على البلاء والشكر على النعماء، والتجمل بحلية الأخلاق. عن مالك بن أنس قال: "بلغني أنّ رجلاً من بعض الفقهاء كتب إلى ابن الزّبير ﵄ يقول: ألا إنّ لأهل التّقوى علامات يعرفون بها، ويعرفونها من أنفسهم؛ من رضي بالقضاء، وصبر على البلاء، وشكر على النّعماء، وصدق في اللّسان، ووفّى بالوعد والعهد، وتلا أحكام القرآن" (٣). ثمرات التقوى: للتقوى إذا تحققت في العبد ثمرات كثيرة، تعود عليه بالخير العميم في الدنيا والآخرة، فمن ذلك: أولاً: الحصول على التمييز بين الحق والباطل وغفرانُ الذنوب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]. ثانيًا: الظفر بالعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣].

стр. 102

ثالثًا: نيل محبة الله تعالى، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]. رابعًا: الحصول على نصر الله وعونه وحياطته، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩]. خامسًا: الخلاص من الهموم والخروج من المضائق وتيسير الأمور، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]. قال ابن الجوزي: "ضاق بي أمر أوجب غماً لازماً دائماً، وأخذت أبالغ في الفكر في الخلاص من هذه الهموم بكل حيلة وبكل وجه. فما رأيت طريقاً للخلاص، فعرضت لي هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾. فعلمت أن التقوى سبب للمخرج من كل غم. فما كان إلا أن هممت بتحقيق التقوى فوجدت المخرج. فلا ينبغي لمخلوق أن يتوكل أو يتسبب أو يتفكر إلا في طاعة الله تعالى وامتثال أمره؛ فإن ذلك سبب لفتح كل مرتج-مغلق- … ثم ينبغي للمتقي أن يعلم أن الله كافيه فلا يعلق قلبه بالأسباب؛ فقد قال : ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] " (١). وقال أيضًا: "ولازمِ التقوى في كل حال؛ فإنك لا ترى في الضيق إلا السعة، وفي المرض إلا العافية. هذا نقدها العاجل، والآجل معلوم" (٢). وقال ابن القيم: "التقوى وهي اجتناب ما نهى الله عنه، وهذا من أعظم أسباب التيسير، وضده من أسباب التعسير، فالمتقي ميسرةٌ عليه أمورُ دنياه وآخرته، وتارك التقوى وإن يسرت عليه بعض أمور دنياه تعسر عليه من أمور آخرته بحسب ما تركه من التقوى، وأما تيسير ما تيسر عليه من أمور الدنيا فلو اتقى الله لكان تيسيرها عليه أتم، ولو

стр. 103

قدر أنها لم تتيسر له فقد يسر الله له من الدنيا ما هو أنفع له مما ناله بغير التقى؛ فإن طيب العيش ونعيم القلب، ولذة الروح وفرحها وابتهاجها من أعظم نعيم الدنيا، وهو أجل من نعيم أرباب الدنيا بالشهوات واللذات، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ فأخبر أنه ييسر على المتقي ما لا ييسر على غيره. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ وهذا أيضًا ييسر عليه بتقواه. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ وهذا يتيسر عليه بإزالة ما يخشاه، وإعطائه ما يحبه ويرضاه. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، وهذا تيسير بالفرقان المتضمن النجاة والنصر والعلم، والنور الفارق بين الحق والباطل، وتكفير السيئات ومغفرة الذنوب، وذلك غاية التيسير. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ والفلاح غاية اليسر، كما أن الشقاء غاية العسر. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فضمن لهم سبحانه بالتقوى ثلاثة أمور: أحدها: أعطاهم نصيبين من رحمته: نصيبًا في الدنيا، ونصيبًا في الآخرة، وقد يضاعف لهم نصيب الآخرة فيصير نصيبين. الثاني: أعطاهم نوراً يمشون به في الظلمات. الثالث: مغفرة ذنوبهم، وهذا غاية التيسير؛ فقد جعل سبحانه التقوى سببًا لكل يسر، وترك التقوى سببًا لكل عسر" (١). سادسًا: السلامة من المخاوف والأمان من المتالف، ونيل سعادة الدارين، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٣٥].

стр. 104

قال ابن القيم: " ودّع ابن عون رجلاً فقال: عليك بتقوى الله؛ فإن المتقي ليست عليه وحشة. وقال زيد بن أسلم: كان يقال: من اتقى الله أحبه الناس، وإن كرهوا، وقال الثوري لابن أبي ذئب: إن اتقيت الله كفاك الناس، وإن اتقيت الناس لن يغنوا عنك من الله شيئًا" (١). وقال أيضًا: " أرضُ الفطرة رحبة قابلة لما يُغرس فيها؛ فإن غُرست شجرة الإيمان والتقوى أورثت حلاوة الأبد، وإن غُرست شجرة الجهل والهوى فكلُّ الثمر مُرّ (٢). وقال ابن الجوزي: "اعلم أن الزمان لا يثبت على حال؛ كما قال : ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. فتارة فقر وتارة غنى، وتارة عز وتارة ذل، وتارة يفرح الأهالي، وتارة يشمت الأعادي. فالسعيد من لازم أصلاً واحداً على كل حال، وهو تقوى الله ؛ فإنه إن استغنى زانته، وإن افتقر فتحت له أبواب الصبر، وإن عوفي تمت النعمة عليه، وإن ابتلي جمّلته، ولا يضره إن نزل به الزمان أو صعد، أو أعراه أو أشبعه أو أجاعه؛ لأن جميع تلك الأشياء تزول وتتغير، والتقوى أصل السلامة، حارس لا ينام، يأخذ باليد عند العثرة، ويوقف على الحدود" (٣). وقال أيضًا: "فأما الملازم لطريق التقوى فلا آفة تطرقه، ولا بلية تنزل به، هذا هو الأغلب، فإن طرقته مع التقوى، فذاك في الأغلب لتقدم ذنب يجازى عليه، فإن قدرنا عدم الذنب. فذاك لإدخال ذهب صبره كير البلاء، حتى يخرج تبراً أحمر، فهو يرى عذوبة العذاب؛ لأنه يشاهد المبتلي في البلاء" (٤). سابعًا: الحصول على رزق حسن من وجوه لا تخطر على بال المتقي، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣]. يعني: "ويسبب له أسباب الرزق من حيث لا يشعر، ولا يعلم" (٥).

стр. 105

قال ابن القيم: " يا مستفتحًا باب المعاش بغير إقليد-مفتاح- التقوى، كيف توسع طريق الخطايا وتشكو ضيق الرزق، ولو وقفت عند مراد التقوى لم يفتك مراد المعاصي" (١). وقال أيضًا: "وكما أن تقوى الله مجلبة للرزق، فترك التقوى مجلبة للفقر" (٢). ثامنًا: أنها تجعل أهلها أكرم الناس، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣]. عن أبي هريرة ﵁: قيل: يا رسول الله، من أكرم الناس؟ قال: (أتقاهم) (٣). " أصل الكرم: كثرة الخير، فلما كان المتقي كثير الخير في الدنيا، وله الدرجات العليا في الآخرة، كان أعمَّ الناس كرمًا فهو أتقاهم" (٤). تاسعًا: أنها سبب عظيم من أسباب دخول الجنة عن أبي هريرة- ﵁ قال: سئل رسول اللّه ﷺ عن أكثر ما يدخل النّاس الجنّة قال: (تقوى اللّه، وحسن الخلق) (٥). "قال الطيبي: قوله: (تقوى الله) إشارة إلى حسن المعاملة مع الخالق؛ بأن يأتي جميع ما أمره به، وينتهي عن ما نهى عنه، (وحسن الخلق) إشارة إلى حسن المعاملة مع

стр. 106

الخلق. وهاتان الخصلتان موجبتان لدخول الجنة، ونقيضهما لدخول النار" (١). عاشراً: الفوز بنعيم الجنة، قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]. الطريق إلى التقوى: لما كانت التقوى بهذه المنزلة من الأهمية والأثر كان على العاقل أن يسعى لتحصيلها، والمحافظة عليها بعد كرامة الفوز بها، فمن الطرق المعينة على الوصول إلى التقوى: أولاً: العلم. ويُعنى به: المعرفة الصحيحة لشرع الله تعالى؛ حتى يُعرف الحلال فيؤتى، والحرام فيُترك؛ لأن من جهل الشريعة فلن تتم تقواه. قال ابن رجب: " وأصلُ التقوى: أنْ يعلم العبدُ ما يُتَّقى ثم يتقي، قال عونُ بنُ عبد الله: تمامُ التقوى أنْ تبتغي علمَ ما لم يُعلم منها إلى ما عُلِمَ منها، وذكر معروفٌ الكرخيُّ عن بكر بن خُنيسٍ، قال: كيف يكون متقياً من لا يدري ما يَتَّقي؟ ثُمَّ قالَ معروفٌ: إذا كنتَ لا تُحسنُ تتقي أكلتَ الربا، وإذا كنتَ لا تُحسنُ تتقي لقيتكَ امرأةٌ فلم تَغُضَّ بصرك، وإذا كنت لا تُحسن تتقي وضعتَ سيفك على عاتقك .. " (٢). ثانيًا: الزهد في الدنيا. فمن رغب عن الدنيا ورغب في الآخرة أعانه ذلك على التقوى وتحقيقها، وأما من مال إلى الدنيا وشهواتها فإنه سيميل عن التقوى بقدر ميله إلى الدنيا فـ"من آتاه الله علمًا وزهداً وتواضعًا، وحسن خلق فهو إمام المتقين" (٣). ثالثًا: محاسبة النفس. فينظر الإنسان أعماله؛ فإن كان فيها خير استمر عليه، وإن كان فيها شر كفها عنه.

стр. 107

عن ميمون بن مهران أنه قال: "لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشدَّ من محاسبة شريكه" (١). رابعًا: الدعاء. وهذه الطريق من أعظم الطرق، فيدعو المسلم الله تعالى بأن يجعله من زمرة المتقين، وإن ارتقى في دعائه فيدعو بما دعا به عباد الرحمن في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]. خامسًا: مجالسة المتقين، مجالسة حسية ومجالسة معنوية. فالمجالسة الحسية بأن يختار جلساء من أهل التقوى يعينونه على أعمالها، ويحذِّرونه مما يباينها. والمجالسة المعنوية بأن يقرأ أخبار المتقين، ويتتبع سيرهم؛ حتى يقتدي بهم، ويسير على هديهم، وأعظمهم نبينا ﷺ القائل: (إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا) (٢). سادسًا: الإيمان واليقين بما أخبر الله تعالى عن جزاء المتقين، فالناظر في الآيات والأحاديث التي تذكر ثواب المتقين، وجزاءهم العاجل والآجل تدفع الموقن بها المصدق بما فيها إلى أن يكون من أهل التقوى حتى يظفر بنتائجها.

стр. 108

الخوفُ من الله مطيةُ النجاة إن الإنسان إذا بقي في حضن النعيم والرفاهية، وانصرف إلى مصالح دنياه وشهوات نفسه؛ غفل عن حق ربه، والاستعداد لآخرته، فاقتضت رحمة الله تعالى أن ترد هذا المكلَّف من هذا الشرود وتعيده عن هذا الإباق بوسيلة التخويف منه تعالى ومن عقابه وآثار غضبه؛ حتى لا ينسى ما خُلق لأجله، ولا يغفل عن الدار الباقية والحياة الأبدية التي سيصير إليها. قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر ١٥ - ١٦]. وقال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ [الإسراء ٥٩]. عن أبي موسى ﵁ قال: خسفت الشمس فقام النبي ﷺ فزعاً يخشى أن تكون الساعة فأتى المسجد فصلى بأطول قيام وركوع وسجود رأيته قط يفعله وقال: (هذه الآيات التي يرسلها الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتم شيئاً من ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره) (١). قال أَبو حفص: "الخوف سوط الله يقوِّم به الشاردين عن بابه" (٢). وبذلك يكون الخوف من الله تعالى بوجود أسبابه نعمةً من نعم الله اقتضتها رحمته بعباده؛ حتى لا يهلكهم الرجاء وهم عن ربهم غافلون وعلى معصيته مقيمون. قال سفيان بن عيينة: "خلق الله النار رحمة يخوِّف بها عباده لينتهوا" (٣).

стр. 109

وعن إسرائيل بن محمد القاضي قال: "لقيني مجنون كان في الخرابات فقال: يا إسرائيل، خفِ الله خوفًا يشغلك عن الرجاء؛ فإن الرجاء يشغلك عن الخوف، وفر إلى الله ولا تفر منه" (١). حقيقة الخوف من الله تعالى: إن الخوف من الله تعالى عمل قلبي يحمل العبد على امتثال أوامر الله وترك نواهيه. وحقيقته أنه: " الانخلاع عن طمأْنينة الأَمن بمطالعة الخَبر، يعني: الخروج من سكون الأَمن باستحضار ما أَخبر اللهُ به من الوعد والوعيد" (٢). وصدقُ الخوف هو: الورع عن الآثام ظاهراً وباطنًا، والخوف المحمود: ما حجز العبد عن محارم الله (٣). فإِذا تجاوز ذلك خيف منه اليأْس والقنوط (٤). قال ابن رجب: "والقدر الواجب من الخوف: ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك، بحيث صار باعثًا للنّفوس على التّشمير في نوافل الطّاعات والانكفاف عن دقائق المكروهات والتّبسّط في فضول المباحات؛ كان ذلك فضلاً محموداً، فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضًا أو موتًا، أو همّا لازمًا، بحيث يقطع عن السّعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة للّه- ؛ لم يكن محموداً؛ ولهذا كان السلف يخافون على عطاء السلمي من شدة خوفه الذي أنساه القرآن، وصار صاحب فراش، وهذا لأن خوف العقاب ليس مقصوداً لذاته، إنما هو سوط يساق به المتواني عن الطاعة إليها " (٥).

стр. 110

أهمية الخوف من الله تعالى: "إنّ اللّه خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلّة الدّالّة على عظمته وكبريائه ليهابوه ويخافوه خوف الإجلال، ووصف لهم شدّة عذابه ودار عقابه الّتي أعدّها لمن عصاه ليتّقوه بصالح الأعمال؛ ولهذا كرّر في كتابه ذكر النّار وما أعدّه فيها لأعدائه من العذاب والنّكال، وما احتوت عليه من الزّقّوم والضّريع والحميم والسّلاسل والأغلال، إلى غير ذلك ممّا فيها من العظائم والأهوال، ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه والمسارعة إلى امتثال ما يأمر به ويحبّه ويرضاه، واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه، فمن تأمّل الكتاب الكريم وأدار فكره فيه وجد من ذلك العجب العجاب، وكذلك السّنّة الصّحيحة الّتي هي مفسّرة ومبيّنة لمعاني الكتاب، وكذلك سير السّلف الصّالح أهل العلم والإيمان من الصّحابة والتّابعين لهم بإحسان، من تأمّلها علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الخوف والخشية والإخبات، وأنّ ذلك هو الّذي رقّاهم إلى تلك الأحوال الشّريفة والمقامات السّنيّات، من شدّة الاجتهاد في الطّاعات والانكفاف عن دقائق الأعمال والمكروهات فضلاً عن المحرّمات" (١). قال الوليد بن أبي السّائب: "ما رأيت أحداً قطّ كان الخوف على وجهه أبين منه على عمر بن عبد العزيز" (٢). وقال يزيد بن حوشب: "ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز، كأنّ النّار لم تخلق إلّا لهما" (٣). وقال ابن الجوزي: "قال الحسن: صحبت أقواماً كانوا لحسناتهم أن تُردَّ عليهم أخوفَ منكم من سيئاتكم أن تعذبوا بها، ووصفه يوسف بن عبد المحسن فقال: كان إذا
следующие страницы →