← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 987

روضة العابدين

عبد الله بن عبده العواضي

Полный текст (499 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وكلما صح القلب من مرضه ترحل إلى الآخرة وقرب منها حتى يصير من أهلها، وكلما مرض القلب واعتل آثر الدنيا واستوطنها حتى يصير من أهلها، ومن علامات صحة القلب: أنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى ينيب إلى الله ويخبت إليه، ويتعلق به تعلق المحب المضطر إلى محبوبه الذي لا حياة له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا برضاه وقربه والأنس به، فبه يطمئن وإليه يسكن وإليه يأوي وبه يفرح وعليه يتوكل، وبه يثق وإياه يرجو وله يخاف، فذكره: قوته وغذاؤه، ومحبته والشوق إليه: حياته ونعيمه ولذته وسروره، والالتفات إلى غيره والتعلق بسواه داؤه، والرجوع إليه: دواؤه، فإذا حصل له ربه سكن إليه واطمأن به، وزال ذلك الاضطراب والقلق وانسدت تلك الفاقة؛ فإن في القلب فاقة لا يسدها شيء سوى الله تعالى أبداً، وفيه شعث لا يلمه غير الإقبال عليه، وفيه مرض لا يشفيه غير الإخلاص له وعبادته وحده، فهو دائمًا يضرب على صاحبه حتى يسكن، ويطمئن إلى إلهه ومعبوده، فحينئذ يباشر روح الحياة ويذوق طعمها، ويصير له حياة أخرى غير حياة الغافلين المعرضين عن هذا الأمر الذي له خلق الخلق … ومن علامات صحة القلب: أن لا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمته ولا يأنس بغيره إلا بمن يدله عليه ويذكره به ويذاكره بهذا الأمر. ومن علامات صحته: أنه إذا فاته وِردُه وجد لفواته ألماً أعظم من تألم الحريص بفوات ماله وفقده. ومن علامات صحته: أنه يشتاق إلى الخدمة كما يشتاق الجائع إلى الطعام والشراب. ومن علامات صحته: أنه إذا دخل في الصلاة ذهب عنه همه وغمه بالدنيا واشتد عليه خروجه منها ووجد فيها راحته ونعيمه وقرت عينه وسرور قلبه. ومن علامات صحته: أن يكون همه واحداً وأن يكون في الله. ومن علامات صحته: أن يكون أشح بوقته أن يذهب ضائعاً من أشد الناس شحًا بماله. ومنها: أن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظم منه بالعمل، فيحرص على الإخلاص فيه والنصيحة والمتابعة والإحسان ويشهد مع ذلك منّة الله عليه فيه وتقصيره في حق الله … وبالجملة فالقلب الصحيح: هو الذي همه كله في الله وحبه كله له وقصده له وبدنه

стр. 177

له وأعماله له، ونومه له ويقظته له، وحديثه والحديث عنه أشهى إليه من كل حديث، وأفكاره تحوم على مراضيه ومحابه … " (١). طرق إصلاح القلب: إن القلب يحتاج إلى عملية إصلاح ومراقبة كل حين؛ فما أكثر الواردات التي ترد عليه وربما تمرضه وقد تصل به إلى الموت، وهناك طرق لإصلاحه وتجليته، فمنها: طرق التخلية: أولاً: ترك الذنوب، قال ابن المبارك: رَأَيتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ … وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إِدمَانُهَا وَتَركُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ القُلُوبِ … وَخَيرٌ لِنِفسِكَ عِصيَانُهَا (٢). وقال ابن القيم: " الذنوب أمراض القلوب وداؤها، ولا دواء لها إلا تركها، وقد أجمع السائرون الى الله أن القلوب لا تُعطى مُناها حتى تصل إلى مولاها، ولا تصل إلى مولاها حتى تكون صحيحة سليمة، ولا تكون صحيحة سليمة حتى ينقلب أدواؤها، فتصير نفس دوائها، ولا يصح لها ذلك إلا بمخالفة هواها، وهواها مرضها، وشفاؤها مخالفته، فإن استحكم المرض قتل أو كاد" (٣). ثانيًا: التخلص من التعلق بالشهوات، فـ"كيف يُشرقُ قَلْبٌ صُوَرُ الأكوانِ مُنْطَبِعَةٌ في مرآته؟ أمْ كيف يرحلُ إلى الله وهو مكَبَّلٌ بشَهواته؟ أم كيف يطمع أن يدخل حضرةَ الله وهو لم يتطهَّر من جَنَابَةِ غَفَلاتِهِ؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائقَ الأسرارِ وهو لم يَتُبْ من

стр. 178

هَفَواتِهِ؟ " (١). ثالثًا: تقليل الغذاء البدني، قال ابن رجب: فإنَّ قلةَ الغذاء توجب رِقَّة القلب، وقوَّة الفهم، وانكسارَ النفس، وضعفَ الهوى والغضب، وكثرةُ الغذاء توجب ضدَّ ذلك، وقال الحسن: يا ابنَ آدم، كُلْ في ثلث بطنك، واشرب في ثلثٍ، ودع ثُلُثَ بطنك يتنفَّس لتتفكر، وعن عمرو بن قيس قال: إيَّاكُمْ والبِطنة؛ فإنَّها تُقسِّي القلب، وقال أبو سليمان الداراني: إنَّ النفس إذا جاعت وعطشت، صفا القلب ورقَّ، وإذا شبعت ورويت، عمي القلب" (٢). طرق التحلية: أولاً: توحيد الله تعالى ومعرفته والتعلق بالله، قال ابن رجب: " فلا صلاحَ للقلوب حتَّى تستقرَّ فيها معرفةُ اللهِ وعظمتُه ومحبَّتُه وخشيتُهُ ومهابتُه ورجاؤهُ والتوكلُ عليهِ، وتمتلئَ مِنْ ذَلِكَ، وهذا هوَ حقيقةُ التوحيد، وهو معنى ﴿لا إله إلا الله﴾، فلا صلاحَ للقلوب حتَّى يكونَ إلهُها الذي تألَهُه وتعرفه وتحبُّه وتخشاه هوَ الله وحده لا شريكَ لهُ، ولو كانَ في السماوات والأرض إله يُؤَلَّه سوى الله، لفسدت بذلك السماوات والأرض، كما قالَ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] " (٣). ثانيًا: العلم النافع الذي يرسخ في القلوب، قال الحسنُ: العلم علمان: "علمٌ على اللسان، فذاك حُجَّة الله على ابن آدم، وعلم في القلب، فذاك العلم النافع" (٤). ثالثًا: ذكر الله تعالى، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. رابعًا: الدعاء، فقد كان رسول الله ﷺ يدعو فيقول: (يا مقلب

стр. 179

القلوب، ثبت قلبي على دينك) (١). و" العجب ممن تعرض له حاجة فيصرف رغبته وهمته فيها إلى الله ليقضيها له، ولا يتصدى للسؤال لحياة قلبه من موت الجهل والإعراض، وشفائه من داء الشهوات والشبهات، ولكن إذا مات القلب لم يشعر بمعصيته" (٢). ثمرات صلاح القلب: إذا صلح القلب وبدا بالحياة أثمر ذلك لصاحبه ثمرات نافعة في الدنيا والآخرة، فمن ذلك: أولاً: صلاح الجسد كله، قال رسول الله ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) (٣). فـ" حركات القلب والجوارح إذا كانت كلُّها لله فقد كَمُلَ إيمانُ العبد بذلك ظاهراً وباطناً، ويلزمُ من صلاح حركات القلب صلاحُ حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحاً ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعثِ الجوارحُ إلا فيما يُريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكَفَّتْ عما يكرهه، وعما يخشى أنْ يكونَ مما يكرهه وإنْ لم يتيقن ذلك" (٤). قال ابن رجب: "فإنْ كان قلبُه سليماً، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يُحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركاتُ الجوارح كلّها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرَّمات كلها، وتوقي الشبهات؛ حذراً مِنَ الوقوعِ في المحرَّمات، وإنْ كان القلبُ فاسداً قدِ استولى عليه اتِّباعُ هواه، وطلب ما يحبُّه، ولو كرهه الله، فسدت حركاتُ

стр. 180

الجوارح كلها، وانبعثت إلى كلِّ المعاصي والمشتبهات بحسب اتِّباع هوى القلب؛ ولهذا يقال: القلبُ مَلِكُ الأعضاء، وبقيَّةُ الأعضاءِ جنودُه، وهم مع هذا جنودٌ طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيءٍ من ذلك، فإنْ كان الملكُ صالحاً كانت هذه الجنود صالحةً، وإنْ كان فاسداً كانت جنودُه بهذه المثابَةِ فاسدةً، ولا ينفع عند الله إلاّ القلبُ السليم" (١). ثانيًا: موافقة الله فيما يحب ويكره، "فمتى امتلأ القلبُ بعظمةِ الله تعالى محا ذلك مِنَ القلب كلَّ ما سواه، ولم يبقَ للعبد شيءٌ من نفسه وهواه، ولا إرادة إلاَّ لما يريدهُ منه مولاه، فحينئذٍ لا ينطِقُ العبدُ إلاّ بذكره، ولا يتحرَّك إلا بأمره، فإنْ نطقَ، نطق بالله، وإنْ سمِعَ، سمع به، وإنْ نظرَ، نظر به، وإنْ بطشَ، بطش به" (٢). "فإذا تحقَّق القلبُ بالتَّوحيد التَّامِّ لم يبق فيه محبةٌ لغير ما يُحبُّه الله، ولا كراهة لغير ما يكرهه الله، ومن كان كذلك لم تنبعثْ جوارحُهُ إلاّ بطاعة الله، وإنَّما تنشأ الذُّنوب من محبَّة ما يكرهه الله، أو كراهة ما يُحبه الله، وذلك ينشأ من تقديم هوى النَّفس على محبَّة الله وخشيته، وذلك يقدحُ في كمال التَّوحيد الواجبِ، فيقعُ العبدُ بسببِ ذلك في التَّفريط في بعض الواجبات، أو ارتكابِ بعضِ المحظوراتِ، فأمَّا من تحقَّق قلبُه بتوحيدِ الله، فلا يبقى له همٌّ إلا في الله وفيما يُرضيه به" (٣). ثالثًا: الأُنس بالله تعالى، قال ابن رجب: "وقال ذو النون: مِنْ علامات المحبِّين لله: أنْ لا يأنَسُوا بسواه، ولا يستوحشُوا معه، ثم قال: إذا سكنَ القلبَ حبُّ اللهِ تعالى أنِسَ بالله؛ لأنَّ الله أجلُّ في صُدورِ العارفين أنْ يُحبُّوا سواه" (٤). رابعًا: الرغبة في الآخرة والرغبة عن الدنيا، قال ابن القيم: "وكلما صح القلب من

стр. 181

مرضه ترحل إلى الآخرة، وقرب منها حتى يصير من أهلها، وكلما مرض القلب واعتل آثر الدنيا واستوطنها حتى يصير من أهلها" (١). خامسًا: النجاة يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]. و"القلب السليم: هو السالم من الآفات والمكروهات كلِّها، وهو القلبُ الذي ليس فيه سوى محبة الله وما يحبُّه الله، وخشية الله، وخشية ما يُباعد منه" (٢). وقيل: هو: "الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره، فسلم من عبودية ما سواه، وسلم من تحكيم غير رسوله، فسلم في محبة الله مع تحكيمه لرسوله في خوفه ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه والذل له وإيثار مرضاته في كل حال والتباعد من سخطه بكل طريق" (٣).

стр. 182

عِظْنِي ما أجملَ أن يكون لدى الإنسان طلبٌ للموعظة، وصدقٌ في استقبالها، وأجملَ من ذلك أن يعمل بما وُعِظ به! ولقد زخرت أسفار التراجم والتاريخ والمواعظ بأخبار حسنة عن بعض الخلفاء والملوك والعلماء والزهاد وغيرهم من الناس، حكتْ عنهم طلبَ الموعظة من غيرهم؛ لينتفعوا بها، ويسترشدوا بهداها، حينما رأوا من ذلك المخاطَب أهليةَ الوعظ والإرشاد. وسأسوق هنا طائفة من ذلك؛ كي نعظ بها أنفسنا، ونحثها على المسارعة إلى الخيرات، ونكفها عن الإقبال على المعاصي والسيئات، والسعيد من اتعظ بما قرأ أو سمع من المواعظ النافعة. لا تجعلِ اللهَ أهونَ الناظرين إليك قال رجل لوهيب بن الورد: عظني. قال: "اتقِ أن يكون اللهُ أهونَ الناظرين إليك" (١). (٢). كلُّ أُنسٍ دون الله وحشة عن يونس بن إبراهيم أنه قدم الشام وحكى عن راهب لقيه عند قبر شيث بالبقاع وقال له: عظني. فقال الراهب: "كلُّ أنس دون الله وحشة، وكل طمأنينة بغير الله

стр. 183

دهشة (١)، وكل نعيم دون دار القرار زائل، وكل شيء سوى الله باطل" (٢). كما تحب أن يكون الله غداً فكن أنت اليوم قال رجل لأبي عبد الرحمن العمري: عظني. فأخذ حصاة من الأرض فقال: " مثل هذا ورعٌ يدخل في قلبك خير لك من صلاة أهل الأرض" (٣)، قال: زدني. قال: "كما تحب أن يكون الله غداً فكن أنت اليوم" (٤) (٥). اعْصِه في موضعٍ لا يراك! قال رجل لحاتم الأصم: عِظْني. فقال: " إن كنتَ تريد أن تَعصِي مولاك، فاعْصِه في موضعٍ لا يراك" (٦). أين طريق الراحة؟ قال محمد بن المبارك الصوري: قلت لراهب: عظني وأوجز. قال: "كُلْ من حلال وارقد حيث شئت"، قلت له: فأين طريق الراحة؟ قال: "في خلاف الهوى"، قلت: فمتى يجد الرجل الراحة؟ قال: "عند أول قدم يضعها في الجنة"، قلت: بماذا أقطع الطريق إلى الله؟ قال: " بالسهر والظمأ في الهواجر" (٧).

стр. 184

اقبلِ الحقَّ ممن جاءك به قال رجل لأبي بن كعب ﵁: عظني ولا تكثرْ علي فأنسَ. فقال له: اقبلِ الحقَّ ممن جاءك به وإن كان بعيداً بغيضًا، وارددِ الباطل على من جاءك به وإن كان حبيبًا قريبًا، وأخِ الإخوانَ على قدر تقواهم، ولا تجعل لسانك بذلةً لمن لا يرغب فيه، ولا تغبطِ الحي إلا بما تغبط الميت (١). بادرْ بالعمل قبل أن تُنادَى بالرحيل كتب عمر بن المنهال القرشي إلى إبراهيم بن أدهم وهو بالرملة: أنْ عظني عظة أحفظها عنك. فكتب إليه: "أما بعد، فإن الحزن على الدنيا طويل، والموت من الإنسان قريب، وللنفس منه في كلَّ وقت نصيب، وللبِلى في جسمه دبيب، فبادر بالعمل قبل أن تنادى بالرحيل، واجتهد في العمل في دار الممر قبل أن ترحل إلى دار المقر" (٢). اعملْ لنفسك حتى تنجو كتب رجل من إخوان سفيان الثوري إلى سفيان الثوري: أن عظني فأوجز. فكتب إليه: "عافانا الله وإياك من السوء كله يا أخي، إن الدنيا غمها لا يفنى، وفرحها لا يدوم، وفكرها لا ينقضي، فاعمل لنفسك حتى تنجو، ولا تتوانَ فتعطب، والسلام" (٣). تجرَّدْ من الدنيا وقف عمر بن عبد العزيز مرةً على راهب فقال له: ويحك عظني. فقال له: عليك بقول الشاعر:

стр. 185

تجرَّدْ من الدنيا فإنك إنما … خرجتَ إلى الدنيا وأنتَ مجرَّدُ فكان هذا البيت مما يعجب عمر ويكرره وعمل به حق العمل (١). أحلامُ نوم قال جرير بن يزيد لمحمد بن علي بن حسين: عظني. قال: " يا جرير، اجعل الدنيا مالاً أصبتَه في منامك، ثم انتبهتَ وليس معك منه شيء" (٢). ارضَ من الدنيا باليسير كتب رجل إلى داود الطائي: عظني. فكتب إليه: "أما بعد، فاجعلِ الدنيا كيومٍ صمتَه عن شهوتك، واجعل فطرك الموت، فكأنْ قد صرتَ إليه". فكتب إليه: زدني. فكتب إليه: "أما بعد، فارضَ من الدنيا باليسير مع سلامة دينك، كما رضِي أقوامٌ بالكثير مع ذهاب دينهم، والسلام" (٣). تخويف يفضي إلى أمن قال الرشيد لشَيبان: "عظني. فقال: يا أمير المؤمنين، لأن تصحب من يخوفك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمِّنك حتى يدركك الخوف" (٤). وقال بشر للفضيل: "عظني، يرحمك الله. فقال: "من خاف الله تعالى دلَّه الخوف على كل خير" (٥).

стр. 186

قد يَنْفَعُ الحَذَرُ كتب عمر بن عبد العزيز إلى البربري الشاعر: أنْ عِظْني. فكتب إليه: بِسْمِ الذي أُنزِلَتْ مِنْ عِنْده السُّوَرُ … والحمدُ لله أمَا بَعْدُ يا عُمَرُ إن كنتَ تَعْلَمُ ما تأتي وما تذَرُ … فكُنْ على حَذَرٍ قد يَنْفَعُ الحَذَرُ واصْبرْ على القَدَرِ المَجْلوبِ وَارْضَ بِهِ … وإنْ أتاك بما لا تَشْتَهِي القَدَرُ فما صَفا لامرئ عَيْشٌ يُسَرُّ بِهِ … إلاّ سَيَتْبَعُ يَوْماً صفوَهُ الكَدَرُ (١). لا تكن ممن غرَّهم ستر الله قال عمر بن عبد العزيز لخالد بن صفوان: عظني وأوجز. فقال خالد: "يا أمير المؤمنين، إن أقوامًا غرَّهم سترُ الله، وفتنهم حسن الثناء، فلا يغلبن جهلُ غيرك بك علمَك بنفسك، أعاذنا الله وإياك أن نكون بالستر مغرورين، وبثناء الناس مسرورين، وعما افترض الله علينا متخلِّفين ومقصرين، وإلى الأهواء مائلين، قال: فبكى ثم قال: أعاذنا الله وإياك من اتباع الهوى" (٢). لا تُطِلْ عنان الأمل في الغفلة دخل الإمام الشافعي على الرشيد فقال الرشيد: عظني. فقال: "على شرط رفع الحشمة، وترك الهيبة، وقبول النصيحة"، قال: نعم. قال: اعلم أن من أطال عِنانَ الأمل في الغِرَّة (٣) طوى عنان الحذر في المهلة، ومن لم يعوِّل على طريق النجاة خسر يوم القيامة إذا امتدت يد الندامة" فبكى هارون (٤).

стр. 187

لا يغرنَّك ثناؤهم وفدَ على عمر بن عبد العزيز وفدٌ وكان فيهم شاب حديث السن فتكلم الشاب، فنظر إليه عمر فحدَّد النظر ثم قال: الكِبرَ الكبرَ، قال الشاب: يا أمير المؤمنين، ليس بالكبر ولا بالصغر، لو كان بالكبر لقد كان في الناس من هو أكبر منك. قال: صدقت، فتكلم. قال: ما جئناك لرغبة ولا رهبة، فنظر إليه عمر أيضًا. فقال: أما الرغبة فقد أتتنا في منازلنا، وأما الرهبة فقد أمِنا جورَك، ولكنا وفدُ الشكر. قال فسُرِّي عن عمر. وقال: يا فتى، أرى لك عقلاً فعظني. قال: "إن قومًا اغتروا بالله فيك فأثنوا عليك بما ليس فيك، فلا يغرنك اغترارهم بالله فيك، مع ما تعرفه من نفسك" (١). إن متَّ لم تعُد إلى الدنيا أبدا قال محمّد بن الحسين: دخلت على محمّد بن مقاتل، فقلت له: عظني. فقال: اعمل؛ فإن متَّ لم تعُدْ أبداً، وانظر إلى الذّاهبين هل عادوا؟ تذهبُ أيّامنا على لعبٍ … منّا بها والذّنوب تزدادُ أين أحبابنا وبهجتهم … بطيب أيّامِ عيشهم بادوا" (٢). اجعلِ الموتَ عند رأسك قال عمر بن عبد العزيز لأبي حازم: عظني. قال: اضطجعْ، ثم اجعل الموتَ عند رأسك، ثم انظر ما تحب أن تكون فيه تلك الساعة فخذْ فيه الآن، وما تكره أن يكون فيك تلك الساعة فدعه الآن" (٣).

стр. 188

لا تَأُمَنِ الموتَ في طَرْفٍ ولا نَفَسٍ قال الفضل بن يحيى: استدعاني الرشيد يومًا- وقد زخرف منازله وأكثر الطعام والشراب واللذات فيها- ثم استدعى أبا العتاهية فقال له: صِفْ لنا ما نحن فيه من العيش والنعيم، فقال أبو العتاهية: عِشْ ما بَدَا لكَ سالماً … في ظِلّ شاهقَةِ القُصورِ يُسْعَى عليكَ بِمَا اشتهيْتَ … لدَى الرَّوَاح أوِ البُكُورِ فإذا النّفوسُ تَقعَقَعَتْ … في ظلّ حَشرجَةِ الصّدورِ فَهُناكَ تَعلَم مُوقِناً … مَا كُنْتَ إلاَّ فِي غُرُورِ فبكى الرشيد بكاء كثيراً شديداً فقال له الفضل بن يحيى: دعاك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته! فقال له الرشيد: دعه؛ فإنه رآنا في عمى، فكره أن يزيدنا عمى. ومن وجه آخر أن الرشيد قال لأبي العتاهية: عظني بأبيات من الشعر وأوجز. فقال: لا تَأُمَنِ الموتَ في طَرْفٍ ولا نَفَس … وإن تمنَّعتَ بالحُجَّاب والحرسِ واعْلَمْ بأنّ سِهامَ الموت قاصدةٌ … لكلِّ مُدَّرعٍ منّا ومُتَّرِسِ ترجو النجاةَ ولم تَسْلُكْ طَرِيقَتها … إنّ السفينةَ لا تَجْرِي على اليَبسِ" (١). من حفظ اللهَ حفظه اللهُ في أولاده من بعده قال ابن الجوزي: بلغني أن المنصور قال لعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵁: عظني. قال: "مات عمر بن عبد العزيز ﵀ وخلَّف أحد عشر ابناً، وبلغت تركته سبعة عشر ديناراً كُفِّن منها بخمسة دنانير، وثمن موضع قبره ديناران، وقسِّم الباقي على بنيه، فأصاب كل واحد من ولده تسعة عشر درهماً، ومات

стр. 189

هشام بن عبد الملك وخلَّف أحد عشر ابناً فقسِّمت تركته وأصاب كل واحد من تركته ألف ألف، ورأيت رجلاً من ولد عمر بن عبد العزيز قد حمل في يوم واحد على مائة فرس في سبيل الله ، ورأيت رجلاً من ولد هشام يُتصدق عليه!! " (١). ما لنا نكره الموت؟! دخل أبو حازم على سليمان بن عبد الملك، فقال: يا أبا حازم، مالنا نكره الموت؟! قال: لأنكم عمرتم دنياكم وأخربتم آخرتكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب، قال: فأخبرني كيف القدومُ على اللهّ، قال: أما المحسن فكالغائب يأتي أهله مسروراً، وأما المسيء فكالعبد الآبق يأتي مولاه مَحْزوناً، قال: فأي الأعمال أفضل؟ قال: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم، قال: فأي القول اعْدَلُ؟ قال: كلمة حق عند من تخاف وترجو؟ قال: فأي الناس أعقل؟ قال: من عمل بطاعة اللّه؟ قال: فأي الناس أجهل؟ قال: من باع آخرته بدنيا غيره. قال: عِظْنِي وأوجز، قال: يا أمير المؤمنين، نَزِّه ربك وعَظِّمه بحيث أن يراك تجتنب ما نهاك عنه، ولا يفقدك من حيث أمرك به، فبكى سليمان بكاءً شديداً، فقال له بعض جلسائه: أسرفت- ويحك- على أمير المؤمنين، فقال له أبو حازم: اسكت؛ فإن اللّه أخَذَ الميثاق على العلماء ليبيننّه للناس ولا يكتمونه. ثم خرج، فلما صار إلى منزله بعث إليه سليمان بمالٍ فردَّه، وقال للرسول: قل له: واللّه، يا أمير المؤمنين، ما أرضاه لك، فكيف أرضاه لنفسي؟ " (٢). ثمن شربة ماء وخروجها! دخل ابن السِّماك يومًا على الرشيد فاستسقى الرشيد فأُتي بقُلَّة فيها ماء مبرَّد، فقال لابن السماك: عظني. فقال: "يا أمير المؤمنين، بكم كنت مشتريًا هذه الشربة لو مُنِعتَها؟ فقال: بنصف ملكِي، فقال: اشرب هنيئًا، فلما شرب قال: أرأيتَ لو مُنعت خروجها من

стр. 190

بدنك بكم كنت تشتري ذلك؟ قال: بنصف ملكِي الآخر، فقال: إن ملكًا قيمةُ نصفه شربةُ ماء، وقيمة نصفه الآخر بولة لخليقٌ أن لا يُتنافس فيه" (١). لو طلبوا الجنة بمثلها أو أيسرَ لنالوها عن الفضيل بن عياض أنه دخل على هارون الرشيد فقال له: يا حسن الوجه، لقد وليتَ أمراً عظيمًا إني ما رأيت أحداً هو أحسن وجهًا منك، فإن قدرت أن لا تسود هذا الوجه بلفحة من النار فافعل. فقال: عظني. فقال الفضيل: ماذا أعظك، هذا كتاب الله تعالى بين الدفتين انظر ماذا عمل بمن أطاعه، وماذا عمل بمن عصاه؟ ثم قال: وإني رأيت الناس يغوصون على الدنيا غوصًا شديداً، ويطلبونها طلبًا حثيثًا، أما والله لو طلبوا الجنة بمثلها أو أيسرَ لنالوها" (٢). أنت واقف غداً بين يدي الله دخل ابن السماك على هارون الرشيد فقال له هارون: عظني. فقال: يا أمير المؤمنين، "اتق الله وحده لا شريك له، واعلم أنك واقف غداً بين يدي الله ربك، ثم مصروف إلى إحدى منزلتين لا ثالثة لهما: جنة أو نار" (٣). لا تجعل نعمةَ الله عليك سببًا لمعصيته قال سليم بن منصور: سمعت أبي يقول: " دخلت على المنصور - أمير المؤمنين - فقال: " يا منصور، عظني وأوجز. فقلت: " إن من حق المنعِم على المنعَم عليه ألا يجعل ما أنعم به عليه سبباً لمعصيته" (٤).

стр. 191

الصلاةَ الصلاة إن كان الترغيب في بعض الأعمال المستحبة، والطاعات المندوبة محبَّبًا ومطلوبًا، فكيف به في عبادة واجبة من أعظم العبادات، وفريضة من أعظم الفرائض؟ لاشك أن الترغيب فيها مطلوب، والحث عليها ذو أهمية كبيرة، خاصة إذا جهل الناس عظمة هذه الفريضة، فتركوها أو قصروا فيها، أو لم يدركوا حقيقتها، ولم يصلوا إلى ثمرتها، وحسن أثرها. مكانة الصلاة في الإسلام: للصلاة في الإسلام مكانة عظيمة، ومنزلة سامية لم تصل إليها عبادة من العبادات العملية، ومما يدل على هذه المنزلة المرموقة: أولاً: أن الله تعالى أمر بإقامتها والمحافظة عليها في كتابه الكريم في آيات متعددة، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. ثانيًا: أن الله تعالى أمر رسوله ﵊ أن يأمر بها أهله ويصطبر على أدائها، وأثنى على رسوله إسماعيل ﵇ بذلك، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]، وقال: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥]. ثالثًا: أن الله تعالى أمر بالاستعانة بها وبالصبر، فهي بذلك مفزع المؤمن عند المدلهمات، وسلواه عند الأحزان والكربات، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].

стр. 192

قال ابن كثير: الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر كما قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ … ﴾ الآية. قال حذيفة بن اليمان ﵄: كان رسول الله ﷺ ، إذا حزبه أمر (١) صلى، وقال حذيفة كذلك: رجعت إلى النبي ﷺ ليلة الأحزاب وهو مشتمل في شملة (٢) يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلى. وعن علي ﵁ قال: لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم، غير رسول الله ﷺ يصلي ويدعو حتى أصبح. وعن ابن عباس أنه نعي إليه أخوه قُثم وهو في سفر، فاسترجع ثم تنحى عن الطريق فأناخ، فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (٣). وقال ابن حجر في حديث: أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: (سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْفِتَنِ وَمَاذَا فُتِحَ مِنْ الْخَزَائِنِ! أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ) (٤): " وفي الحديث استحباب الإسراع إلى الصلاة عند خشية الشر، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ وكان ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وأمر من رأى في منامه ما يكره أن يصلي" (٥). وقال ابن حجر عن الصلاة أيضًا: " ومن أسرارها: أنها تعين على الصبر؛ لما فيها من الذكر والدعاء والخضوع" (٦). فما أحوجنا هذه الأيام إلى كثرة الصلاة في هذه الخطوب التي نعيشها!

стр. 193

رابعًا: أن الله تعالى أمر بها المجاهد في وقت القتال، ولم يسقطها عنه، ولكنه خفف عنه في كيفيتها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ … ﴾ [النساء: ١٠٢]. خامسًا: أن الله تعالى سماها إيمانًا وقرآنا، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] " أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك ما كان يضيع ثوابها عند الله" (١). وقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. " يعني: صلاة الفجر" (٢). سادسًا: أن الله تعالى اشترط لها أكمل الأحوال من الطهارة والزينة وحسن الحال، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. يعني: "يا بني آدم، كونوا عند أداء كل صلاة على حالة من الزينة المشروعة من ثياب ساترة لعوراتكم ونظافة وطهارة ونحو ذلك" (٣). سابعًا: أنها عمود الإسلام، و" قِوام الدين الذي يقومُ به الدِّين، كما يقومُ الفسطاطُ على عموده" (٤). فمن ضيعها فهو لما سواها أضيع، قال رسول الله ﷺ : (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد) (٥). قال الغزالي: " الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، ورأس القربات، وغُرة الطاعات" (٦).

стр. 194

ثامنًا: أمر رسول الله ﷺ الآباء بأمر أولادهم بها في سن صغيرة، قال رسول الله ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم في المضاجع) (١). تاسعًا: أنها الفريضة الوحيدة التي أخذها رسول الله عن الله مباشرة في السماء من غير واسطة، وذلك ليلة المعراج، وأن الله فرضها أول مرة خمسين، ثم خففها إلى خمس؛ رحمة بخلقه، وهذا كله لعظم شأنها وشرفها عنده تعالى. عاشراً: أنها آخر وصية أوصى بها رسول الله ﷺ الأمةَ حين ودّع الحياة والأحياء، فعن علي ﵁ قال: (كان آخر كلام النبي ﷺ : الصلاةَ الصلاة .. ) (٢). الحادي عشر: أنها أول ما يحاسب عليه العبد من أعماله يوم القيامة، قال النبي ﷺ : (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله) (٣). حياة الصلاة: الصلاة في حقيقتها وفي الأثر الذي يُرجى منها لصلاح النفس باطنًا وظاهراً؛ ليست تلك الصلاة الجوفاء القائمة على حركات خاوية من الحقائق لا حياة فيها، بل حقيقة الصلاة وحياتها: أن تكون شاغلة بال المسلم بحيث يتعلق قلبه بها، ويشتاق إلى وقت أدائها، فإذا سمع المنادي لها طار فرحًا إليها، فإذا أقبل عليها أقبل إقبال المحب على حبيبه الذي غاب عنه، فإذا دخل فيها نسي الدنيا وأهلها، ووجد فيها راحته ولذته، وأُنسه وسعادته. وهو يحب أن لو استمر فيها مهما طالت؛ لما يجد فيها من النعيم واللذة. فإذا انفتل

стр. 195

عنها كان عليه أثرها من الاستقامة والخشوع، والانقياد والخضوع، وبدت عليه أنوارها الحسية والمعنوية، فهي على وجهه نور يتلألأ، وعلى معاملته ضياء يشرق بين الناس. إن من كانت الصلاة له حياة فإنه يراها قرة عينه، وراحة نفسه التي لا يريد مفارقتها. قال رسول الله ﷺ : (وجُعلت قرة عيني في الصلاة) (١). قال ابن حجر في فوائد حديث الولي عند قوله تعالى: (وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ) (٢): " وفي الحديث عظم قدر الصلاة؛ فإنه ينشأ عنها محبة الله للعبد الذي يتقرب بها، وذلك لأنها محل المناجاة والقربة، ولا واسطة فيها بين العبد وربه، ولا شيء أقر لعين العبد منها؛ ولهذا جاء في حديث أنس المرفوع: " وجعلت قرة عيني في الصلاة " أخرجه النسائي وغيره بسند صحيح، ومن كانت قرة عينه في شيء فإنه يود أن لا يفارقه ولا يخرج منه؛ لأن فيه نعيمه وبه تطيب حياته، وإنما يحصل ذلك للعابد بالمصابرة على النَّصَب؛ فإن السالك غرض الآفات والفتور" (٣). وقال رسول الله ﷺ : (يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بها) (٤). " أي: نستريح بأدائها من شغل القلب بها، وقيل: كان اشتغاله بالصلاة راحة له؛ فإنه كان يعد غيرها من الأعمال الدنيوية تعبًا فكان يستريح بالصلاة؛ لما فيها من مناجاة الله تعالى؛ ولهذا قال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) وما أقرب الراحة من قرة العين! " (٥). قال ابن القيم: " فإن الصلاة إنما تكفر سيئات من أدى حقها وأكمل خشوعها، ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقابله، فهذا إذا انصرف منها وجد خفة من نفسه، وأحس

стр. 196

بأثقال قد وضعت عنه، فوجد نشاطًا وراحة ورَوحًا، حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها؛ لأنها قرة عينيه، ونعيم روحه، وجنة قلبه، ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن وضيق حتى يدخل فيها فيستريح بها لا منها، فالمحبون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا؛ كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم ﷺ : (يا بلال، أرحنا بالصلاة) ولم يقل: أرحنا منها، وقال ﷺ : (جعلت قرة عيني في الصلاة)، فمن جعلت قرة عينه في الصلاة كيف تقر عينه ﷺ بدونها، وكيف يطيق الصبر عنها؟ فصلاة هذا الحاضر بقلبه الذي قرة عينه في الصلاة هي التي تصعد ولها نور وبرهان حتى يستقبل بها الرحمن فتقول: حفظك الله تعالى كما حفظتني" (١). وقال ابن أبي الدنيا: قرأت في كتاب أبي جعفر الأدميّ بخطّه، قال: "كنت باليمن في بعض أسفاري، فإذا رجل معه ابن له شابّ، فقال: إنّ هذا أبي وهو من خير الآباء، وقد يصنع شيئًا أخاف عليه منه، قلت: وأيّ شيء يصنع؟ قال: لي بقر تأتيني مساء فأحلبها، ثمّ آتي أبي وهو في الصّلاة، فأحبّ أن يكون عيالي يشربون فَضْله، ولا أزال قائمًا عليه والإناء في يدي، وهو مقبل على صلاته فعسى أن لا ينفتل ويقبل عليّ حتّى يطلع الفجر، قلت للشّيخ: ما تقول؟ قال: صدق، وأثنى على ابنه، وقال لي: أخبرك بعذري؟ إذا دخلت في الصّلاة، فاستفتحت القرآن ذهب بي مذاهب، وشغلني حتّى ما أذكره حتّى أصبح" (٢). وقال ﷺ في حديث السبعة: ( … ورجل قلبه معلق في المساجد) (٣). "ومعناه: شديد الحب لها، والملازمة للجماعة فيها" (٤). فقد " صار قلبه ملتفتًا إلى المسجد لا يحب البراح عنه؛ لوجدانه فيه رَوح القربة،

стр. 197

وحلاوة الخدمة" (١). قال الحسن البصري: "تفقدوا الحلاوة في ثلاثة أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وقراءة القرآن، فإن وجدتم وإلا فاعلموا أن الباب مغلق" (٢). وقال أبو الدرداء ﵁: "لولا ثلاث لأحببت أن أكون في بطن الأرض لا على ظهرها: لولا إخوان لي يأتوني ينتقون طيب الكلام كما ينتقي طيب التمر، أو أعفر وجهي ساجداً لله ، أو غدوة أو روحة في سبيل الله " (٣). لقد وجد الذين عرفوا حقيقة الصلاة فيها لذتهم، فكبر شأنها في نفوسهم، فظهر عليهم ما يدل على ذلك؛ فقد " كان علي بن أبي طالب ﵁ وكرم وجهه إذا حضر وقت الصلاة يتزلزل ويتلون وجهه، فقيل له: مالك يا أمير المؤمنين؟ فيقول: جاء وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتُها. ويروى عن علي بن الحسين أنه كان إذا توضأ اصفر لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟ فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟! " (٤). ولما كانت ذات أثر في نفوسهم وصلوا إلى ظهور الندم عليهم لتقصيرهم في جزء منها إن حصل ذلك من غير عمد. "قال حاتم الأصم: فاتتني الصلاة في الجماعة فعزاني أبو إسحاق البخاري وحده، ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف؛ لأن مصيبة الدين أهون عند الناس من مصيبة الدنيا! وروي أن السلف كانوا يعزون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبير الأولى، ويعزون

стр. 198

سبعاً إذا فاتتهم الجماعة! " (١). الطريق إلى حياة الصلاة: إن وصول الإنسان إلى حقيقة الصلاة وشعوره بالحياة فيها يأتي من طرق، منها: أولاً: معرفة عظمة الموقف وهيبته بين يدي الله تعالى، قال ابن القيم: " … فهذا المصلي لا يستوي والحاضر القلب المقبل على الله تعالى في صلاته، الذي قد أشعر قلبَه عظمةَ من هو واقف بين يديه، فامتلأ قلبه من هيبته وذلت عنقه له، واستحي من ربه تعالى أن يقبل على غيره، أو يلتفت عنه، وبين صلاتيهما كما قال حسان عطية: (إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة وأن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض)؛ وذلك أن أحدهما مقبل على الله والآخر ساهٍ غافل. فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله وبينه حجاب لم يكن إقبالاً ولا تقريبًا فما الظن بالخالق ؟ وإذا أقبل على الخالق وبينه وبينه حجاب الشهوات والوساوس والنفس مشغوفة بها ملأى منها فكيف يكون ذلك إقبالاً وقد ألهته الوساوس والأفكار وذهبت به كل مذهب؟ والعبد إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه؛ فإنه قد قام في أعظم مقام وأقربه، وأغيظه للشيطان وأشده عليه، فهو يحرص ويجتهد أن لا يقيمه فيه، بل لا يزال به يعده ويمنيه وينسيه ويجلب عليه بخيله ورجله حتى يهون عليه شأن الصلاة فيتهاون بها فيتركها. فإن عجز عن ذلك منه وعصاه العبد وقام في ذلك المقام أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بينه وبين نفسه، ويحول بينه وبين قلبه، فيذكره في الصلاة ما لم يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي حاجة وأيس منها فيذكره إياها في الصلاة؛ ليشغل قلبه بها ويأخذه عن الله فيقوم فيها بلا قلب، فلا ينال من إقبال الله تعالى وكرامته وقربه ما يناله المقبل على ربه الحاضر بقلبه في صلاته فينصرف من صلاته مثل ما دخل فيها بخطاياه وذنوبه وأثقاله لم

стр. 199

تخف عنه بالصلاة" (١). ثانيًا: تفريغ القلب من الأشغال، والإقبال عليها بخلو بال، قال ابن كثير: " والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين" (٢). ثالثًا: حضور القلب فيها، والتفهم، والتعظيم والهيبة، والرجاء والحياء، قال الغزالي في تفصيل هذه الأمور: "بيان المعاني الباطنة التي تتم بها حياة الصلاة، اعلم أن هذه المعاني تكثر العبارات عنها، ولكن يجمعها ست جمل وهي: حضور القلب والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء. فلنذكر تفاصيلها، ثم أسبابها ثم العلاج في اكتسابها. أما التفاصيل: فالأول: حضور القلب، ونعني به أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابس له ومتكلم به، فيكون العلم بالفعل والقول مقرونًا بهما، ولا يكون الفكر جائلاً في غيرهما، ومهما انصرف في الفكر عن غير ما هو فيه وكان في قلبه ذكر لما هو فيه ولم يكن فيه غفلة عن كل شيء؛ فقد حصل حضور القلب ولكن التفهم لمعنى الكلام أمر وراء حضور القلب، فربما يكون القلب حاضراً مع اللفظ ولا يكون حاضراً مع معنى اللفظ، فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ هو الذي أردناه بالتفهم. وهذا مقام يتفاوت الناس فيه؛ إذ ليس يشترك الناس في تفهم المعاني للقرآن والتسبيحات، وكم من معان لطيفة يفهمها المصلي في أثناء الصلاة ولم يكن قد خطر بقلبه ذلك قبله، ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر؛ فإنها تفهم أموراً تلك الأمور تمنع عن الفحشاء لا محالة. وأما التعظيم فهو أمر وراء حضور القلب والفهم، إذ الرجل يخاطب عبده بكلام هو حاضر القلب فيه ومتفهم لمعناه ولا يكون معظمًا له، فالتعظيم زائد عليهما. وأما الهيبة فزائدة على التعظيم،

стр. 200

بل هي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم؛ لأن من لا يخاف لا يسمى هائبًا، والمخافة من العقرب وسوء خلق العبد وما يجري مجراه من الأسباب الخسيسة لا تسمى مهابة، بل الخوف من السلطان المعظم يسمى مهابة والهيبة خوف مصدرها الإجلال. وأما الرجاء فلا شك أنه زائد، فكم من معظم ملكًا من الملوك يهابه أو يخاف سطوته، ولكن لا يرجو مثوبته. والعبد ينبغي أن يكون راجيًا بصلاته ثواب الله ، كما أنه خائف بتقصيره عقاب الله . وأما الحياء فهو زائد على الجملة؛ لأن مستنده استشعار تقصير وتوهم ذنب ويتصور التعظيم والخوف والرجاء من غير حياء حيث لا يكون توهم تقصير وارتكاب ذنب. وأما أسباب هذه المعاني الستة: فاعلم أن حضور القلب سببه الهمة؛ فإن قلبك تابع لهمتك فلا يحضر إلا فيما يهمك، ومهما أهمك أمرٌ حضر القلب فيه شاء أم أبى، فهو مجبول على ذلك ومسخر فيه، والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلاً، بل جائلاً فيما الهمة مصروفة إليه من أمور الدنيا، فلا حيلة ولا علاج لإحضار القلب إلا بصرف الهمة إلى الصلاة، والهمة لا تنصرف إليها ما لم يتبين أن الغرض المطلوب منوط بها، وذلك هو الإيمان والتصديق بأن الآخرة خير وأبقى، وأن الصلاة وسيلة إليها، فإذا أضيف هذا إلى حقيقة العلم بحقارة الدنيا ومهماتها حصل من مجموعها حضور القلب في الصلاة، وبمثل هذه العلة يحضر قلبك إذا حضرت بين يدي بعض الأكابر ممن لا يقدر على مضرتك ومنفعتك، فإذا كان لا يحضر عند المناجاة مع ملك الملوك الذي بيده الملك والملكوت والنفع والضر فلا تظنن أن له سببًا سوى ضعف الإيمان، فاجتهد الآن في تقوية الإيمان … وأما التفهم فسببه بعد حضور القلب إدمان الفكر وصرف الذهن إلى إدراك المعنى، وعلاجه ما هو علاج إحضار القلب مع الإقبال على الفكر والتشمر لدفع الخواطر. وعلاج دفع الخواطر الشاغلة قطع موادها -أعني النزوع عن تلك الأسباب التي تنجذب الخواطر إليها- وما لم تنقطع تلك المواد لا تنصرف عنها الخواطر، فمن أحب شيئًا أكثر ذكره، فذكر المحبوب يهجم على القلب بضرورة؛ لذلك ترى أن من أحب غير

стр. 201

الله لا تصفو له صلاة عن الخواطر. وأما التعظيم فهي حالة للقلب تتولد من معرفتين: إحداهما معرفة جلال الله وعظمته وهو من أصول الإيمان؛ فإن من لا يعتقد عظمته لا تذعن النفس لتعظيمه. الثانية: معرفة حقارة النفس وخستها وكونها عبداً مسخراً مربوبًا حتى يتولد من المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع لله سبحانه، فيعبر عنه بالتعظيم وما لم تمتزج معرفة حقارة النفس بمعرفة جلال الله لا تنتظم حالة التعظيم والخشوع؛ فإن المستغني عن غيره الآمن على نفسه يجوز أن يعرف من غيره صفات العظمة ولا يكون الخشوع والتعظيم حاله؛ لأن القرينة الأخرى وهي معرفة حقارة النفس وحاجتها لم تقترن إليه، وأما الهيبة والخوف فحالة للنفس تتولد من المعرفة بقدرة الله وسطوته ونفوذ مشيئته فيه مع قلة المبالاة به، وأنه لو أهلك الأولين والآخرين لم ينقص من ملكه ذرة، هذا مع مطالعة ما يجري على الأنبياء والأولياء من المصائب وأنواع البلاء مع القدرة على الدفع على خلاف ما يشاهد من ملوك الأرض. وبالجملة كلما زاد العلم بالله زادت الخشية والهيبة … وأما الرجاء فسببه معرفة لطف الله وكرمه وعميم إنعامه، ولطائف صنعه ومعرفة صدقه في وعده الجنة بالصلاة، فإذا حصل اليقين بوعده والمعرفة بلطفه انبعث من مجموعهما الرجاء لا محالة. وأما الحياء فباستشعاره التقصير في العبادة وعلمه بالعجز عن القيام بعظيم حق الله ، ويقوى ذلك بالمعرفة بعيوب النفس وآفاتها وقلة إخلاصها وخبث دخلتها وميلها إلى الحظ العاجل في جميع أفعالها، مع العلم بعظيم ما يقتضيه جلال الله ، والعلم بأنه مطلع على السر وخطرات القلب وإن دقت وخفيت، وهذه المعارف إذا حصلت يقينًا انبعث منها بالضرورة حالة تسمى الحياء. فهذه أسباب هذه الصفات وكل ما طلب تحصيله فعلاجه إحضار سببه ففي معرفة السبب معرفة العلاج" (١).

стр. 202

حال مؤسفة: إن الصلوات الخمس ليست عبادة أسبوعية كصلاة الجمعة، ولا عبادة سنوية كصيام رمضان، ولا عبادة عمرية-على سبيل الفرض- كحج بيت الله الحرام، بل هي عبادة واجبة ملازمة للمسلم في ليله ونهاره مادام حيًا مكلفًا. ولكن الناظر إلى حال الصلاة بين المسلمين سيجدهم معها على أنحاء متفرقة، فهم بين: تارك لها على الدوام، لأسباب متعددة، ومنهم من هو ساهٍ عنها مقصر فيها إما في أداء بعض الفروض دون بعض، وإما في تأخير لها عن أوقاتها، وإما بفعلها في غير المساجد، وإما بعدم إتقانها، وإما بقلة الاستفادة من آثارها في الحياة العملية، وقليل منهم من كانت الصلاة له حياة. وإنها لمفارقة عجيبة حينما ينظر الإنسان إلى بعض الناس في تعاملهم مع مصالح الدنيا؛ إذ يشاهد منهم الحرص والجد والإتقان والغرام بها، وفي جانب الصلاة يتعامل بالكسل والكره والتطفيف! فويل للمطففين. وويل للذين هم عن صلاتهم ساهون. إن هذه الأحوال المؤسفة لتنبئ عن صغر شأن الصلاة في قلوب أولئك المضيعين والمقصرين. وقد ذم الله تعالى المضيعين لها والمتكاسلين عنها، فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. وقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. فلماذا تركها التاركون المقرون بوجوبها؟ فهل تركوها بانشغال بالبيع والشراء، أو بالنوم والكسل، أو بالانشغال بالكلام في المجالس والأعمال الدنيوية، أو العكوف أمام القنوات أو الشبكة العنكبوتية أو الجوال؟ فأين عظمة الله في القلوب يوم ينشغل الإنسان عن واجب من أعظم واجبات الإسلام؟

стр. 203

فإذا كان الانشغال عنها بطلب الرزق فكيف يرجى الرزق من رزّاق أمر في ذلك الوقت بترك العمل والذهاب إلى الصلاة؟ وكيف يريد التارك للصلاة رزقاً مباركاً من عند الله وهو يعصيه؟ يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ٩ - ١١]. وإن كان الانشغال عنها بالنوم فالنوم عذر حتى يستيقظ النائم فيصلي، أما إذا تعمد النوم قبيل وقت الصلاة وهو ناوٍ تركها فليس بعذر. وفي هذه الأيام وسائل حديثة تعين على الاستيقاظ مهما ثقل النوم. وإن كان الانشغال عنها بالاعتكاف أمام الشاشات المختلفة فأين قوة الإيمان التي تجعل صاحبها ينتفض ويترك المشاهدة مهما كان استمتاعه بها، لينطلق ليجيب داعي الله تعالى؟ لأن الآخرة خير وأبقى من الدنيا وما فيها. هذا إذا خلت تلك المشاهد من الحرام، أما إذا كانت في الحرام فهذه لها حديث آخر. إني لأعجب والله من إنسان يقول: إنه مسلم، ولكن لا يصلي قط! فأي قلب يستطيع أن يعيش صاحبه سعيداً بدون صلاة، وأي عقل يمكن أن يصدق قول صاحبه: إنه مسلم وهو لا يصلي قط؟! فيا تارك الصلوات الخمس، تعال إليها وستجد فيها راحتك وطمأنينتك، واستقرارك النفسي، وستذوق فيها طعم الحياة، وستلتذ بها لذة عظيمة. وسترى فيها النور الذي يهديك إلى صلاح الدنيا والآخرة. تعال وذقْ وستعرف قيمة الصلاة التي ضيعتها فضيعت بذلك سرورك وراحتك. فما

стр. 204

أحسن الصلاة، وما ألذ الصلاة، وما أطيب الحياة وأهنأها في ظلال الصلاة! ثمرات الصلاة: لكل عبادة خالصة لله تعالى ثمرات وآثار حسنة في الدنيا والآخرة، ولا ريب أن للصلاة من ذلك حظًا أوفر ونصيبًا أكبر، فمن ذلك: أولاً: تكفير السيئات، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر) (١). ثانيًا: إصلاح حال العبد بنهيه عن المعاصي وإسراعه إلى الطاعات، قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. قال ابن عطية: " المصلي إذا كان على الواجب من الخشوع والإخبات، وتذكر الله تعالى وتوهم الوقوف بين يدي العظمة، وأن قلبه وإخلاصه مطلَّع عليه مرقوب؛ صلحت لذلك نفسه، وتذللت وخامرها ارتقاب الله تعالى، فاطرد ذلك في أقواله وأعماله، وانتهى عن الفحشاء والمنكر ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حاله، فهذا معنى هذا الإخبار؛ لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون" (٢). وقال ابن عاشور: " إن الصلاة تشتمل على مذكرات بالله من أقوال وأفعال من شأنها أن تكون للمصلي كالواعظ المذكر بالله تعالى؛ إذ ينهى سامعه عن ارتكاب ما لا يرضي الله. وهذا كما يقال: صديقك مرآة ترى فيها عيوبك. ففي الصلاة من الأقوال تكبير لله وتحميده وتسبيحه والتوجه إليه بالدعاء والاستغفار وقراءة فاتحة الكتاب المشتملة على التحميد والثناء على الله، والاعتراف بالعبودية له وطلب الإعانة والهداية منه واجتناب

стр. 205

ما يغضبه وما هو ضلال، وكلها تذكر بالتعرض إلى مرضاة الله والإقلاع عن عصيانه وما يفضي إلى غضبه، فذلك صد عن الفحشاء والمنكر. وفي الصلاة أفعال هي خضوع وتذلل لله تعالى من قيام وركوع وسجود وذلك يذكر بلزوم اجتلاب مرضاته والتباعد عن سخطه. وكل ذلك مما يصد عن الفحشاء والمنكر. وفي الصلاة أعمال قلبية من نية واستعداد للوقوف بين يدي الله وذلك يذكر بأن المعبود جدير بأن تمتثل أوامره وتجتنب نواهيه. فكانت الصلاة بمجموعها كالواعظ الناهي عن الفحشاء والمنكر، فإن الله قال: ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ولم يقل: تصد وتحول ونحو ذلك، مما يقتضي صرف المصلي عن الفحشاء والمنكر. ثم الناس في الانتهاء متفاوتون، وهذا المعنى من النهي عن الفحشاء والمنكر هو من حكمة جعل الصلوات موزعة على أوقات من النهار والليل؛ ليتجدد التذكير وتتعاقب المواعظ، وبمقدار تكرر ذلك تزداد خواطر التقوى في النفوس وتتباعد النفس من العصيان حتى تصير التقوى ملكة لها. ووراء ذلك خاصية إلهية جعلها الله في الصلاة يكون بها تيسير الانتهاء عن الفحشاء والمنكر" (١). ثالثًا: حصول النور لأهلها في الدنيا والآخرة، قال رسول الله ﷺ : (والصلاة نور) (٢). قال النووي: " معناه: أنها تمنع من المعاصي وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصواب كما أن النور يستضاء به، وقيل: معناه: أنه يكون أجرها نوراً لصاحبها يوم القيامة، وقيل: لأنها سبب لإشراق أنوار المعارف وانشراح القلب ومكاشفات الحقائق لفراغ القلب فيها وإقباله إلى الله تعالى بظاهره وباطنه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. وقيل: معناه: أنها تكون نوراً ظاهراً على وجهه يوم القيامة، ويكون في الدنيا أيضًا على وجهه البهاء بخلاف من لم يصل، والله أعلم" (٣).

стр. 206

وقال رسول الله ﷺ : (من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف) (١). رابعًا: ما فيها من الآثار الصحية على الروح والبدن، قال ابن القيم في الطب النبوي من كتابه زاد المعاد: " والصلاة مجلبة للرزق، حافظة للصحة، دافعة للأذى، مطردة للأدواء، مقوية للقلب، مبيضة للوجه، مفرحة للنفس، مذهبة للكسل، منشطة للجوارح، ممدة للقوى، شارحة للصدر، مغذية للروح، منورة للقلب، حافظة للنعمة، دافعة للنقمة، جالبة للبركة، مبعدة من الشيطان، مقربة من الرحمن. وبالجملة: فلها تأثير عجيب في حفظ صحة البدن والقلب وقواهما، ودفع المواد الرديئة عنهما، وما ابتلي رجلان بعاهة أو داء أو محنة أو بلية إلا كان حظ المصلي منهما أقل وعاقبته أسلم، وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا ولا سيما إذا أُعطيت حقها من التكميل ظاهراً وباطنًا. فما اُستدفعت شرور الدنيا والآخرة ولا استجلبت مصالحهما بمثل الصلاة. وسرُّ ذلك: أن الصلاة صلة بالله ، وعلى قدر صلة العبد بربه تفتح عليه من الخيرات أبوابها، وتقطع عنه من الشرور أسبابها، وتفيض عليه مواد التوفيق من ربه ، والعافية والصحة والغنيمة والغنى والراحة والنعيم والأفراح والمسرات كلُّها محضرة لديه ومسارعة إليه" (٢). خامسًا: رفع الدرجات في الجنة، عن ثوبان قال: قلت لرسول الله عليه وسلم: أخبرني بعمل أعمله يدخلني الله به الجنة، فقال: (عليك بكثرة السجود؛ فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط بها عنك خطيئة) (٣).

стр. 207

سادسًا: حسن إقامتها سببٌ لحسن المآل عند الله تعالى، قال النبي ﷺ : (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله) (١). وعن مطر الوراق قال: خصلتان إذا كانا في عبد كان سائر عمله تبعًا لهما: حسن الصلاة، وصدق الحديث" (٢). قال ابن القيم: " للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة، وموقف بين يديه يوم لقائه؛ فمن قام بحق الموقف الأول هوَّن عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف ولم يوفِّه حقه شدد عليه ذلك الموقف، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا * إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦، ٢٧] " (٣). حوافز معينة: فيا من بقي بعيداً عن إقامة الصلاة، أو مقصراً فيها، أو لم يصل إلى درجة حلاوتها وبلوغ حسن أثرها عليه، دونَ الجميعِ بعضَ الحوافز التي تسوقهم إلى المحافظة على الصلاة ووجود تأثيرها عليهم: أولاً: معرفة حكم تارك الصلاة وعقوبة تركها ومآل تاركها (٤)، قال رسول الله ﷺ : (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة) (٥). وقال ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) (٦).

стр. 208

وقال رسول الله ﷺ : (بين العبد وبين الكفر والإيمان الصلاة، فإذا تركها فقد أشرك) (١). ثانيًا: التفكر في حصول الخسارة يوم القيامة لمن ضيعها، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. " ﴿أَضَاعُوا الصّلَاةَ﴾ وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع؛ لأنها عماد الدين وقوامه، وخير أعمال العباد، وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء سيلقون غياً، أي: خساراً يوم القيامة" (٢). قال الماوردي: " وفي إضاعتهم الصلاةَ قولان: أحدهما: تأخيرها عن أوقاتها، قاله ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز. الثاني: تركها، قاله القرظي. ويحتمل ثالثاً: أن تكون إضاعتها الإِخلال باستيفاء شروطها" (٣). ثالثًا: النظر إلى ثمراتها وفضائلها وعظم مكانتها. رابعًا: العيش في بيئة تقيم الصلاة وتقدسها وتعين عليها. خامسًا: الابتعاد عن أسباب تركها والتلهي عنها؛ من أصدقاء سوء، وانشغال بلهو الدنيا وشهواتها.

стр. 209

كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ في هجعة الليل والظلام يرخي سدوله، والصمت ينشر على الحياة بساطه، والنوم يستولي على عيون كثير من الأحياء يسرق المحبُّ نفسَه من فراش الغفلة، يمشي مشي القطا حذراً من عيون الوشاة والمثبِّطين وأسماعهم، ويمضي إلى مناجاة الحبيب على أجنحة الحنين، وحُداء الوعد الحسن بعِظَم الأثر والجزاء. ينطلق تحت جنح الظلام ليقف بين يدي ربه قائمًا، يصلي صلاة طويلة، ويقرأ قراءة خاشعة، ويتلذذ في طول ركوعه وسجوده، وينتصر على رهبه وقلقه، ويقرب من رغبه وأمنيته عبر جُمل دعائه وسؤاله مولاه الكريم. إن لحظات قيام الليل لحظات غالية في زمن الدنيا الرخيص، تتسامى فيها الروح إلى فضاء الطهر على معارج الخشوع، ومصاعد السجود والركوع، لحظات خصبة تهتز فيها النفس وتربو فتنبت من الخيرات من كل زوج بهيج، لحظات تزهر فيها النفوس، وتلين فيها القلوب، وتذرف في رياضها العيون، وتسكن في روابيها الجوارح، ويجتمع فيها شعث الروح، ويطير فيها الفكر على جناحي الخوف والرجاء متأملاً في المصير المنتظر. إن الحياة طريق إلى الله وهذه الطريق طويلة، فقام أهل العزم والشوق في الليل يقربون المسافة بينهم وبين وجهتهم، مستغلين خلو الطريق من المارة: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل) (١). والطريق إلى الله شاقة محفوفة بالمكاره فقاموا في تلك الساعة يخففون من مشقتها بالتزود من بركات هذه الأوقات وخيراتها، منتهزين غناها وفضلها، وقوة تأثيرها في

стр. 210

تذليل الصعوبات. والطريق إلى الله كثيرة المخاطر بقطاع الطريق فنهضوا تلك الساعة سائرين مستغلين هجعة لصوص هذه السبيل، داعين اللهَ بالثبات عليها، والنجاة من قطّاعها. والنهار فيه حرارة وصخب وازدحام وانشغال بال فقاموا هذه اللحظات لطيب نسيمها وهدوئها، وتفرغ البال وصفاء الذهن فيها، وسكون القلوب وخضوع الجوارح في أحضانها. والنهار انتشار ورؤية وزحام، وهم يريدون أن يراهم من في السماء وحده، فقاموا تلك الساعة ليراهم الخالق لا ليراهم الخلق، وقاموا في تلك الساعة مسارعين ليكونوا من المتقين: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. في تلك اللحظات المشرقة تقف الأقدام الطاهرة في محراب العبادة، وكلُّ عابد له حادٍ يحدوه إلى ذلك الموقف البهي، وأهل الغفلة عن تلك اللحظات في سبات عميق، فـ" الليل منهل يرده أهل الإرادة كلهم، ويختلفون فيما يردون ويريدون، قد علم كل أناس مشربهم؛ فالمحب يتنعم بمناجاة محبوبه، والخائف يتضرع لطلب العفو ويبكي على ذنوبه، والراجي يلح في سؤال مطلوبه، والغافل المسكين -أحسن الله عزاءه- في حرمانه وفوات نصيبه" (١). فلو درى ذلك الغافل بقدر الغنيمة التي ينالها أولئك القائمون الأخيار لطار عن عينيه النوم، ولهجر جنبه فراش الغفلة والكسل. فضل صلاة الليل: إن الصلاة بالليل ليست كالصلاة بالنهار، وإن قراءة القرآن في ذلك الوقت النفيس ليست كالقراءة في غيره من سائر الأوقات، قال ابن رجب: " صلاة الليل أشق على النفوس؛ فإن الليل محل النوم والراحة من التعب بالنهار، فتركُ النوم مع ميل النفس إليه مجاهدة عظيمة، قال بعضهم: أفضل الأعمال ما أُكرهت عليه النفوس. ولأن القراءة في

стр. 211

صلاة الليل أقرب إلى التدبر؛ فإنه تنقطع الشواغل بالليل، ويحضر القلب، ويتواطأ هو واللسان على الفهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]. ولهذا المعنى أمر بترتيل القرآن في قيام الليل ترتيلاً" (١). "والغرض أن ناشئة الليل هي ساعاته وأوقاته وكل ساعة منه تسمى ناشئة وهي الآنات، والمقصود أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان وأجمع على التلاوة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ أي: أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار؛ لأنه وقت انتشار الناس ولغط الأصوات وأوقات المعاش" (٢). قال الحسن: "ما شيء أجهد على الرجل من مال أنفقه في حق، أو صلاةٍ من جوف الليل" (٣). ومما يدل على فضل هذه الصلاة العظيمة: أولاً: أنها أفضل الصلاة بعد المكتوبة قال رسول الله ﷺ : (أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاةُ في جوف الليل) (٤). قال المناوي: " لأن الليل وقت السكون والراحة، فإذا صُرف إلى العبادة كانت على النفس أشد وأشق، وللبدن أتعب وأنصب، فكانت أدخل في معنى التكليف، وأفضل عند الله، ذكره الزمخشري. وبالصلاة ليلاً يتوصل إلى صفاء السرور ودوام الشكر، وهي بعد نوم أفضل، والمراد بالجوف هنا: السدس الرابع والخامس فهما أكمل من بقيته؛ لأنه الذي واظب عليه المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأنه أشق الأوقات استيقاظًا،

стр. 212

وأحبها راحة، وأولاها لصفاء القلوب، وأقربها إلى الإجابة" (١). ثانيًا: أنها دأب الصالحين في كل أمة، قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]. وقال رسول الله ﷺ : (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلى ربكم، ومكفر للسيئات، ومنهاةٌ عن الإثم) (٢). (دأب الصالحين): أي: عادتهم وشأنهم (٣). ثالثًا: أن الله تعالى أمر بها رسوله ﷺ في مواضع متعددة من القرآن؛ ولهذا كان نبي الله لا يدعها إلا لعذر ويقضيها عند ذلك نهاراً شفعًا، وكان ﵊ يصليها ويحث عليها زوجاته وبناته وأصهاره. قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٤]، وقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦]. عن عبد الله بن أبى قيس قال: قالت عائشة ﵂: لا تدع قيام الليل؛ فإن رسول الله ﷺ كان لا يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعداً (٤). وعنها ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة (٥).

стр. 213

وعن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ استيقظ ليلة فقال: (سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتنة، ماذا أنزل من الخزائن؟! من يوقظ صواحبَ الحجرات؟ يا رُبَّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة) (١). وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ طرقه-أتاه ليلاً- وفاطمةَ بنت النبي ﵊ ليلة فقال: (ألا تصليان) (٢). رابعًا: أنها شرفُ المؤمن وعُلاه ورفعته عن سهل بن سعد قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، عِشْ ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس) (٣). خامسًا: أن وقتها أحسن الأوقات للقرب من الله تعالى عن عمرو بن عبسة أنه سمع النبي يقول: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) (٤). سادسًا: أن الله يعجب من أهل هذه الصلاة عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: (عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحيِّه إلى صلاته، فيقول ربُّنا: أيا ملائكتي، انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه، ومن بين حيه وأهله إلى صلاته، رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي .. ) (٥).

стр. 214

قال ابن رجب: " وقوله: (ثار) فيه إشارة إلى قيامه بنشاط وعزم" (١). سابعًا: أنها من صفات الذين يؤمنون بآيات الله تعالى قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧]. أي: "ترتفع جنوب هؤلاء الذين يؤمنون بآيات الله عن فراش النوم، يتهجدون لربهم في صلاة الليل، يدعون ربهم خوفًا من العذاب وطمعًا في الثواب، ومما رزقناهم ينفقون في طاعة الله وفي سبيله. فلا تعلم نفس ما ادَّخر الله لهؤلاء المؤمنين مما تَقَرُّ به العين، وينشرح له الصدر؛ جزاء لهم على أعمالهم الصالحة (٢). ثامنًا: أنها من صفات عباد الرحمن الموعودين بالجنة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]. تاسعًا: أنها من صفات الصالحين الذين جمعوا بين الخوف والرجاء والعلم، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. قال ابن عاشور: "وتخصيص الليل بقنوتهم لأن العبادة بالليل أعون على تمحض القلب لذكر الله، وأبعد على مداخلة الرياء، وأدل على إيثار عبادة الله على حظ النفس من الراحة والنوم؛ فإن الليل أدعى إلى طلب الراحة، فإذا آثر المرء العبادة فيه استنار قلبه بحب التقريب إلى الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل: ٦]، فلا

стр. 215

جرم كان تخصيص الليل بالذكر دالاً على أن هذا القانت لا يخلو من السجود والقيام آناء النهار بدلالة فحوى الخطاب" (١). عاشراً: أنها من صفات المتقين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٨]. قال الحسن البصري: "كابدوا قيام الليل فلا ينامون من الليل إلا أقلَّه، ونشطوا فمدوا إلى السحر حتى كان الاستغفار بسَحر" (٢). قال ابن رجب: "كان بعض العلماء يقوم السحر فنام عن ذلك ليالي، فرأى في منامه رجلين وقفا عليه وقال أحدهما للآخر: هذا كان من المستغفرين بالأسحار فترك ذلك! يا من كان له قلب فانقلب، يا من كان له وقت مع الله فذهب، قيامُ السحر يستوحش لك، صيام النهار يسأل عنك، ليالي الوصال تعاتبك. تغيرتمُ عنَّا بصحبةِ غيرِنا … وأظهرتمُ الهُجرانَ ما هكذا كُنَّا وأقسمتمُ أنْ لا تحولوا عن الهوى … فحلتمْ عن العهد القديم وما حُلنا لياليَ كنا نستقي من وصالكم … وقلبي إلى تلك اللياليَ قد حنَّا" (٣). أسباب مُعِيَنة على قيام الليل: إن قيام الليل والمداومة عليه ليس بالأمر اليسير على كل إنسان، بل هو توفيق من الله تعالى لمن قامت به صفات استحق بها الإكرام بإيقاظه بين يدي الله في الليل، هذه الصفات هي الأسباب التي تعين المسلم على صلاة الليل والحرص عليها، ومن أحسن
следующие страницы →