صلاة الليل أقرب إلى التدبر؛ فإنه تنقطع الشواغل بالليل، ويحضر القلب، ويتواطأ هو واللسان على الفهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]. ولهذا المعنى أمر بترتيل القرآن في قيام الليل ترتيلاً" (١).
"والغرض أن ناشئة الليل هي ساعاته وأوقاته وكل ساعة منه تسمى ناشئة وهي الآنات، والمقصود أن قيام الليل هو أشد مواطأة بين القلب واللسان وأجمع على التلاوة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ أي: أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار؛ لأنه وقت انتشار الناس ولغط الأصوات وأوقات المعاش" (٢).
قال الحسن: "ما شيء أجهد على الرجل من مال أنفقه في حق، أو صلاةٍ من جوف الليل" (٣).
ومما يدل على فضل هذه الصلاة العظيمة:
أولاً: أنها أفضل الصلاة بعد المكتوبة
قال رسول الله ﷺ : (أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاةُ في جوف الليل) (٤).
قال المناوي: " لأن الليل وقت السكون والراحة، فإذا صُرف إلى العبادة كانت على النفس أشد وأشق، وللبدن أتعب وأنصب، فكانت أدخل في معنى التكليف، وأفضل عند الله، ذكره الزمخشري. وبالصلاة ليلاً يتوصل إلى صفاء السرور ودوام الشكر، وهي بعد نوم أفضل، والمراد بالجوف هنا: السدس الرابع والخامس فهما أكمل من بقيته؛ لأنه الذي واظب عليه المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأنه أشق الأوقات استيقاظًا،
стр. 212
وأحبها راحة، وأولاها لصفاء القلوب، وأقربها إلى الإجابة" (١).
ثانيًا: أنها دأب الصالحين في كل أمة، قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣].
وقال رسول الله ﷺ : (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلى ربكم، ومكفر للسيئات، ومنهاةٌ عن الإثم) (٢). (دأب الصالحين): أي: عادتهم وشأنهم (٣).
ثالثًا: أن الله تعالى أمر بها رسوله ﷺ في مواضع متعددة من القرآن؛ ولهذا كان نبي الله لا يدعها إلا لعذر ويقضيها عند ذلك نهاراً شفعًا، وكان ﵊ يصليها ويحث عليها زوجاته وبناته وأصهاره.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٤]، وقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦].
عن عبد الله بن أبى قيس قال: قالت عائشة ﵂: لا تدع قيام الليل؛ فإن رسول الله ﷺ كان لا يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعداً (٤).
وعنها ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة (٥).
стр. 213
وعن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ استيقظ ليلة فقال: (سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتنة، ماذا أنزل من الخزائن؟! من يوقظ صواحبَ الحجرات؟ يا رُبَّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة) (١).
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ طرقه-أتاه ليلاً- وفاطمةَ بنت النبي ﵊ ليلة فقال: (ألا تصليان) (٢).
رابعًا: أنها شرفُ المؤمن وعُلاه ورفعته
عن سهل بن سعد قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد، عِشْ ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس) (٣).
خامسًا: أن وقتها أحسن الأوقات للقرب من الله تعالى
عن عمرو بن عبسة أنه سمع النبي يقول: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) (٤).
سادسًا: أن الله يعجب من أهل هذه الصلاة
عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: (عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحيِّه إلى صلاته، فيقول ربُّنا: أيا ملائكتي، انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه، ومن بين حيه وأهله إلى صلاته، رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي .. ) (٥).
стр. 214
قال ابن رجب: " وقوله: (ثار) فيه إشارة إلى قيامه بنشاط وعزم" (١).
سابعًا: أنها من صفات الذين يؤمنون بآيات الله تعالى
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
أي: "ترتفع جنوب هؤلاء الذين يؤمنون بآيات الله عن فراش النوم، يتهجدون لربهم في صلاة الليل، يدعون ربهم خوفًا من العذاب وطمعًا في الثواب، ومما رزقناهم ينفقون في طاعة الله وفي سبيله. فلا تعلم نفس ما ادَّخر الله لهؤلاء المؤمنين مما تَقَرُّ به العين، وينشرح له الصدر؛ جزاء لهم على أعمالهم الصالحة (٢).
ثامنًا: أنها من صفات عباد الرحمن الموعودين بالجنة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤].
تاسعًا: أنها من صفات الصالحين الذين جمعوا بين الخوف والرجاء والعلم، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].
قال ابن عاشور: "وتخصيص الليل بقنوتهم لأن العبادة بالليل أعون على تمحض القلب لذكر الله، وأبعد على مداخلة الرياء، وأدل على إيثار عبادة الله على حظ النفس من الراحة والنوم؛ فإن الليل أدعى إلى طلب الراحة، فإذا آثر المرء العبادة فيه استنار قلبه بحب التقريب إلى الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل: ٦]، فلا
стр. 215
جرم كان تخصيص الليل بالذكر دالاً على أن هذا القانت لا يخلو من السجود والقيام آناء النهار بدلالة فحوى الخطاب" (١).
عاشراً: أنها من صفات المتقين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٨].
قال الحسن البصري: "كابدوا قيام الليل فلا ينامون من الليل إلا أقلَّه، ونشطوا فمدوا إلى السحر حتى كان الاستغفار بسَحر" (٢).
قال ابن رجب: "كان بعض العلماء يقوم السحر فنام عن ذلك ليالي، فرأى في منامه رجلين وقفا عليه وقال أحدهما للآخر: هذا كان من المستغفرين بالأسحار فترك ذلك!
يا من كان له قلب فانقلب، يا من كان له وقت مع الله فذهب، قيامُ السحر يستوحش لك، صيام النهار يسأل عنك، ليالي الوصال تعاتبك.
تغيرتمُ عنَّا بصحبةِ غيرِنا … وأظهرتمُ الهُجرانَ ما هكذا كُنَّا
وأقسمتمُ أنْ لا تحولوا عن الهوى … فحلتمْ عن العهد القديم وما حُلنا
لياليَ كنا نستقي من وصالكم … وقلبي إلى تلك اللياليَ قد حنَّا" (٣).
أسباب مُعِيَنة على قيام الليل:
إن قيام الليل والمداومة عليه ليس بالأمر اليسير على كل إنسان، بل هو توفيق من الله تعالى لمن قامت به صفات استحق بها الإكرام بإيقاظه بين يدي الله في الليل، هذه الصفات هي الأسباب التي تعين المسلم على صلاة الليل والحرص عليها، ومن أحسن
стр. 216
من تكلم عن ذلك الإمام الغزالي، وسأذكر كلامه في ذلك ثم أعقب عليه بثلاثة أسباب أخرى.
قال ﵀: " اعلم أن قيام الليل عسير على الخلق إلا على من وفق للقيام بشروطه الميسرة له ظاهراً وباطناً.
فأما الظاهرة فأربعة أمور:
الأول: أن لا يكثر الأكل فيكثر الشرب فيغلبه النوم ويثقل عليه القيام، كان بعض الشيوخ يقف على المائدة كل ليلة ويقول: معاشر المريدين، لا تأكلوا كثيرا، فتشربوا كثيرا، فترقدوا كثيرا، فتتحسروا عند الموت كثيرا.
الثاني: أن لا يتعب نفسه بالنهار في الأعمال التي تعيا بها الجوارح وتضعف بها الأعصاب؛ فإن ذلك أيضاً مجلبة للنوم.
الثالث: أن لا يترك القيلولة بالنهار؛ فإنها سنة للاستعانة على قيام الليل.
الرابع: أن لا يحتقب الأوزار (١) بالنهار (٢)؛ فإن ذلك مما يقسي القلب، ويحول بينه وبين أسباب الرحمة، قال رجل للحسن: يا أبا سعيد، إني أبيت معافى وأحب قيام الليل وأعد طهوري فما أبالي أن لا أقوم، فقال: ذنوبك قيدتك. وكان الحسن ﵀ إذا دخل السوق فسمع لغطهم ولغوهم يقول: أظن أن ليل هؤلاء ليل سوء؛ فإنهم لا يقيلون. وقال الثوري: حرمت قيام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته، قيل: وما ذاك الذنب؟ قال: رأيت رجلاً يبكي فقلت في نفسي: هذا مراء … وهذا لأن الخير يدعو إلى الخير والشر يدعو إلى الشر .. فالذنوب كلها تورث قساوة القلب وتمنع من قيام الليل، وأخصها بالتأثير تناول
стр. 217
الحرام، وتؤثر اللقمة الحلال في تصفية القلب وتحريكه إلى الخير ما لا يؤثر غيرها، ويعرف ذلك أهل المراقبة للقلوب بالتجربة بعد شهادة الشرع له؛ ولذلك قال بعضهم: كم من أكلة منعت قيام ليلة، وكم من نظرة منعت قراءة سورة، وإن العبد ليأكل أكلة أو يفعل فعلة فيحرم بها قيام سنة، وكما أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فكذلك الفحشاء تنهى عن الصلاة وسائر الخيرات ..
وأما الميسِّرات الباطنة فأربعة أمور:
الأول: سلامة القلب عن الحقد على المسلمين وعن البدع، وعن فضول هموم الدنيا، فالمستغرق الهم بتدبير الدنيا لا يتيسر له القيام وإن قام فلا يتفكر في صلاته إلا في مهماته، ولا يجول إلا في وساوسه وفي مثل ذلك يقال:
يخبِّرني البوّابُ أنك نائمٌ … وأنت إذا استيقظت أيضًا فنائمُ
الثاني: خوفٌ غالب يلزم القلب مع قصر الأمل؛ فإنه إذا تفكر في أهوال الآخرة ودركات جهنم طار نومه وعظم حذره؛ كما قال طاوس: إن ذكر جهنم طير نوم العابدين …
قال ابن المبارك:
إذا ما الليلُ أظلمَ كابدوه … فيسفرُ عنهمُ وهمُ ركوعُ
أطار الخوفُ نومَهمُ فقاموا … وأهلُ الأمن في الدنيا هجوعُ
الثالث: أن يعرف فضل قيام الليل بسماع الآيات والأخبار والآثار حتى يستحكم به رجاؤه وشوقه إلى ثوابه، فيهيجه الشوق لطلب المزيد والرغبة في درجات الجنان.
الرابع وهو أشرف البواعث: الحب لله وقوة الإيمان بأنه في قيامه لا يتكلم بحرف إلا وهو مناجٍ ربَّه، وهو مطلع عليه مع مشاهدة ما يخطر بقلبه، وأن تلك الخطرات من الله تعالى خطاب معه، فإذا أحب الله تعالى أحب لا محالة الخلوة به، وتلذذ بالمناجاة، فتحمله
стр. 218
لذة المناجاة بالحبيب على طول القيام" (١).
ومن الأسباب أيضًا:
أولاً: الدعاء بالتوفيق لقيام الليل مع العمل بالأسباب الميسرة السابقة.
ثانيًا: التعاون بين الزوجين، فإذا نشط أحدهما فليعن الآخرَ على ذلك.
عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) (٢).
وعن أبى سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ : (من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين جميعًا كُتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات) (٣).
قال ابن رجب: " كانت امرأة حبيب توقظه بالليل وتقول: ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد، وزادنا قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدّامنا، ونحن قد بقينا!.
يا راقدَ الليل كم ترقدُ … قمْ يا حبيبيْ قد دنا الموعدُ
وخذْ من الليل وأوقاته … وِرْداً إذا ما هجع الرُّقدُ" (٤).
ثالثًا: استخدام الوسائل المنبِّهة للاستيقاظ في الساعة التي يريدها مريد القيام؛ كاستعمال منبه الساعة ومنبه الجوال.
стр. 219
ثمرات قيام الليل:
صلاة الليل عبادة عظيمة تورث أهلها آثاراً طيبة، وثمرات نافعة في الدنيا والآخرة، ففوائدها لا تحصى، وعوائدها لا تستقصى. "كان سَريٌّ يقول: رأيت الفوائد ترد في ظلمة الليل، ماذا فات من فاته خير الليل؟ لقد حصل أهل الغفلة والنوم على الحرمان والويل. كان بعض السلف يقوم الليل فنام ليلة فأتاه آت في منامه فقال له: قم فصلِّ، ثم قال له: أما علمت أن مفاتح الجنة مع أصحاب الليل هم خزانها هم خزانها. وكان آخر يقوم الليل فنام ليلة فأتاه آت في منامه فقال: ما لك قصرت في الخِطبة؟ أما علمت أن المتهجد إذا قام إلى تهجده قالت الملائكة: قام الخاطب إلى خطبته. ورأى بعضهم حوراء في نومه فقال لها: زوجيني نفسك، قالت: اخطبني إلى ربي وأمهرني، قال: ما مهرك؟ قالت: طول التهجد. نام ليلةً أبو سليمان فأيقظته حوراء وقالت: يا أبا سليمان، تنام وأنا أُربّى لك في الخدور من خمسمائة عام؟!. واشترى بعضهم من الله تعالى حوراء بصداق ثلاثين ختمة فنام ليلة قبل أن يكمل الثلاثين فرآها في منامه تقول له:
أتخطبُ مثلي وعني تنامُ … ونومُ المحبين عني حرامُ
لأنا خُلقنا لكل امرئ … كثيرِ الصلاة براه الصيام" (١).
فمن تلك الثمرات:
أولاً: تكفير السيئات وغفران الخطيئات، قال رسول الله ﷺ : (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلى ربكم، ومكفر للسيئات، ومنهاة عن الإثم) (٢).
وقال رسول الله ﷺ : (إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه ينزل الله تبارك
стр. 220
وتعالى إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل يعطى، هل من داع يستجاب له، هل من مستغفر يغفر له؟ حتى ينفجر الصبح) (١). فأين أصحاب الحاجات في هذه اللحظات، وأين من لفحتهم الخطايا عن برد هذه الأوقات؟.
ثانيًا: الانصراف عن الآثام، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إن فلاناً يصلي بالليل، فإذا أصبح سرق قال: (إنه سينهاه ما تقول) (٢).
ثالثًا: إجابة الدعاء، ففي تلك اللحظات الغالية يجد القائم للدعاء طعمًا آخر، فتلهج به لسانه، فيصعد إلى السماء في لحظات القرب والإجابة، والاستغفار والإنابة، عندما يقرب العبد فيها من ربه، ويقرب الرب فيها من عبده، فتفتح السماء فيستجاب دعاء الداعين، وتقضى حاجات السائلين.
قال النبي ﷺ : (إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيراً من خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة) (٣).
وقال النبي ﷺ : (رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يعالج نفسه إلى الطهور وعليه عُقد فيتوضأ، فإذا وضأ يديه انحلت عقدة، وإذا وضأ وجهه انحلت عقدة، وإذا مسح برأسه انحلت عقدة، وإذا وضأ رجليه انحلت عقدة، فيقول الله للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه يسألني، ما سألني عبدي فهو له) (٤).
قال ابن حجر في شرح حديث أم سلمة المتقدم: (من يوقظ صواحب الحجرات .. ): "وفي الحديث الندب إلى الدعاء والتضرع عند نزول الفتنة ولا سيما في الليل؛ لرجاء وقت
стр. 221
الإجابة لتكشف أو يسلم الداعي، ومن دعا له" (١).
رابعًا: أنه سبب لنيل محبة الله تعالى، عن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم؛ الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه لله فإما أن يقتل وإما أن ينصره الله ويكفيه فيقول: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه؟ والذي له امرأة حسنة، وفراش لين حسن فيقوم من الليل فيقول: يذر شهوته ويذكرني ولو شاء رقد، والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا، فقام من السحر في ضراء وسراء) (٢).
خامسًا: أنه سبيل إلى الجنة، قال ﷺ : (يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) (٣).
وعن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : (إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى والناس نيام) (٤).
سادسًا: الشعور باللذة والراحة والفرح، أيّ ساعة ألذ من لحظات تلك الساعة! وأي حلاوة في لذات الدنيا تفوق حلاوتها؟ فما أغلى لحظات تلك الساعة! فغالي الحياة رخيص معها، وما أعلا تلك اللحظات! وهل للروح مصعد أقرب وأسرع إلى السماء منها؟ وما أطهر تلك اللحظات! فمن تنجس بدنس الذنوب فليرِدْها ففيها مغتسل بارد وشراب. في صلاة الليل الخاشعة يحضر القلب وتسكن الجوارح فيكون للصلاة لذة عظيمة يُستعذب معها طولُ القيام، ويكون للقرآن حلاوة تتسلل إلى النفس حاملة معها حروفًا من نور تتفرع في جوانبها لتضيء حياتها بأسرها، ويمتلئ الصدر سعادة غامرة،
стр. 222
ينفسح بها وينشرح، فتتقشع عند ذلك سحائب الضيق، ويتضمخ العيش بأريج الحياة الطيبة، وتنجلي منه روائح الشقاء والعناء. وفي هذه الجنة الوارفة الظلال يتسابق الوقت ويقصر، لكن اللذة تمتد وتطول، فلا يقطع هذه الحلاوة والساعة المباركة إلا لمعانُ سيف الفجر، فيعود المحب وقد دخل جنة لا يعرفها إلا القليل من الناس، وهو مازال يمشي على وجه الأرض.
فـ"ما عند المحبين ألذ من أوقات الخلوة بمناجاة محبوبهم الذي هو شفاء قلوبهم ونهاية مطلوبهم …
قال ثابت البناني ﵀: ما شيء أجده في قلبي ألذّ عندي من قيام الليل، وقال سفيان ﵀: إذا جاء الليل فرحت، وإذا جاء النهار حزنت، وقال أبو سليمان الداراني ﵀: لَأهلُ الطاعة بليلهم ألذ من أهل اللهو بلهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا" (١).
سابعًا: الحُسن والبهجة على الوجوه، قيل للحسن: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوهاً؟ قال: لأنهم خَلَوا بالرحمن فألبسهم نوراً من نوره (٢).
ففي صلاة الليل ينسكب النور على القائمين الخاشعين فتكتسي وجوههم حُللَ السناء والضياء، وتشرق قلوبهم فترى طريقها إلى الله تعالى، وتنشرح صدورهم فتعرف قدر كلامه سبحانه.
فأي وجوه أشد تلألأً من وجوه أهل تلك العبادة، فمن" كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" (٣).
فإذا انقضت لحظات القرب من الرب رجع أولئك الأخيار سيماهم في وجوههم من
стр. 223
أثر بقائهم في تلك الرياض المشرقة ركعًا سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا، فعادوا كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، فبسق عود الإيمان، وتفرّعت أغصانه، وينعت ثماره سكينة وطمأنينة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
أسوة حسنة:
إن الصالحين الصادقين حينما عرفوا فضل قيام الليل وحسن أثره انطلقت أقدامهم عجلى إلى مواضع صلاتهم، تحمل أجساداً تحذر الآخرة، وترجو رحمة ربها، وجافت جنوبهم مضاجعهم، والأنيسُ ودُود، والنوم لذيذ، والبرد شديد، ولكن الشوق إذا سما لا تهبطه نوازع المحابِّ الصادة، والمكاره الرادة، والغايةُ متى عظمت فما في الدنيا شاغل عنها.
فلما رأوا " الليل قد هجم عليهم ونظروا إلى أهل السآمة والغفلة قد سكنوا إلى فرشهم، ورجعوا إلى ملاذهم من الضجعة والنوم؛ قاموا إلى الله فرحين مستبشرين بما قد وهب لهم من حسن عبادة السهر وطول التهجد، فاستقبلوا الليل بأبدانهم وباشروا ظلمته بصفاح وجوههم، فانقضى عنهم الليل وما انقضت لذتهم من التلاوة، ولا ملت أبدانهم من طول العبادة، فأصبح الفريقان وقد ولى عنهم الليل بربح وغبن؛ أصبح هؤلاء قد ملوا النوم والراحة، وأصبح هؤلاء متطلعين إلى مجيء الليل للعبادة، شتان ما بين الفريقين، فاعملوا لأنفسكم رحمكم الله في هذا الليل وسواده؛ فإن المغبونَ من غُبن خير الليل والنهار، والمحروم من حرم خيرهما، إنما جعلا سبيلاً للمؤمنين إلى طاعة ربهم، ووبالاً على الآخرين للغفلة عن أنفسهم، فأحيا الله أنفسهم بذكره، فإنما تحيا القلوب بذكر الله. كم من قائم لله في هذا الليل قد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته، وكم من نائم في هذا الليل قد ندم على طول نومه، عندما يرى من كرامة الله للعابدين غداً، فاغتنموا ممر الساعات والليالي والأيام رحمكم الله" (١). واقتدوا بمن سبق على هذا الطريق من القائمين
стр. 224
الخاشعين، واسمعوا بعض أخبارهم؛ لعل في ذلك شحذاً للهمة، وعونًا على القيام في الليالي المظلمة.
=عن عائشة ﵂ أن نبي الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: (أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً). فلما كثر لحمه صلى جالسًا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع (١).
=عن سالم عن ابن عمر ﵄ قال: (نعمَ الرجل عبد الله لو كان يصلي بالليل). قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلا (٢).
=عن الربيع بن عبد الرحمن قال: قال الحسن: "لقد صحبت أقوامًا يبيتون لربهم في سواد هذا الليل سجداً وقياماً، يقومون هذا الليل على أطرافهم تسيل دموعهم على خدودهم، فمرة ركعًا ومرة سجداً، يناجون ربهم في فكاك رقابهم، لم يملوا كلال السهر لما قد خالط قلوبهم من حسن الرجاء في يوم المرجع، فأصبح القوم بما أصابوا من النصب لله في أبدانهم فرحين، وبما يأملون من حسن ثوابه مستبشرين. فرحم الله امرءاً نافسهم في مثل هذه الأعمال، ولم يرضَ من نفسه لنفسه بالتقصير في أمره واليسير من فعله؛ فإن الدنيا عن أهلها منقطعة، والأعمال على أهلها مردودة، قال: ثم يبكي حتى تبتل لحيته بالدموع (٣).
=وقال الفضيل بن عياض: "أدركت أقوامًا يستحيون من الله في سواد الليل من طول الهجعة، إنما هو على الجنب، فإذا تحرك قال: ليس هذا لكِ، قُومي خذي حظكِ من الآخرة (٤).
стр. 225
=وكان عبيد بن عمير يقول إذا جاء الشتاء: يا أهل القرآن، طال الليل لصلاتكم، وقصر النهار لصيامكم، فاغتنموا (١).
=وعن داود بن إبراهيم أن الأسد حبس الناس ليلة في طرق الحج، فلما كان في السحر ذهب عنهم، فنزل الناس يمينًا وشمالاً، وألقوا أنفسهم فناموا، وقام طاووس يصلي، فقال رجل لطاوس: ألا تنام؛ فإنك نصبت-تعبت- الليلة؟ قال طاوس: وهل يُنام السحر؟! (٢).
=وقال إبراهيم بن شمّاس: كنت أعرف أحمد بن حنبل وهو غلام وهو يحيي اللّيل (٣).
=وكان محمد بن واسع يصلي في طريق الحج طول ليله، ويأمر حاديه أن يرفع صوته؛ ليشغل الناس عنه. وكان بعضهم يقوم من وسط الليل ولا يدري به، فإذا كان قرب طلوع الفجر رفع صوته بالقرآن يوهم أنه قام تلك الساعة (٤).
=وكان داود الطائي يقول في الليل: همُّك عطّل عليَّ الهموم، وخالف بيني وبين السهاد، وأوثقَ مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات، وا شوقي إلى النظر إليك (٥).
=قال ابن رجب: "من لم يشاركهم في هواهم ويذق حلاوة نجواهم لم يدر ما الذي أبكاهم، من لم يشاهد جمال يوسف لم يدر ما الذي آلم قلب يعقوب!
من لم يبتْ والحبُّ حشوُ فؤادِهِ … لم يدرِ كيف تَفتّتُ الأكبادُ
стр. 226
يا حُسنَهم والليلُ قد جنَّهمُ … ونورُهمْ يفوقُ نورَ الأنجمِ
ترنّموا بالذِّكر في ليلهمُ … فعيشُهم قد طابَ في الترنُّم
قلوبُهمْ للذكر قد تفرّغت … دموعُهم كلؤلؤ منظَّم
أسحارُهمْ بهم لهم قد أشرقت … وخلِعُ الغفران خَيرُ القِسمِ" (١).
стр. 227
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ
الروح تجوع وتظمأ كما يجوع البدن ويظمأ، فغذاء البدن بالامتلاء من الطعام والشراب والشهوات والفضلات المشروعة، لكن غذاء الروح على خلاف ذلك؛ فغذاؤها بالخلو من الامتلاء من ذلك الغذاء، والإقبال على العبادة.
ولما كان صلاح الإنسان منوطًا بصلاح روحه، فقد شرع الله تعالى له بعض العبادات التي تصلح روحه، فكان من تلك العبادات: عبادة الصيام.
وهي عبادة مشروعة في الأمم قبلنا، كما في أمتنا، ولكن تشريعها في الشريعة التي جاء بها محمد ﷺ هو أحسن التشريعات وأوفاها وأعدلها.
قال ابن القيم: " الشارع الحكيم شرع الصوم على أكمل الوجوه وأقومها بالعدل، وأمر فيه بغاية الاعتدال؛ حتى نهى عن الوصال، وأمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور، وجعل أعدل الصيام وأفضله صيام داود، فكان من تمام الاعتدال في الصوم: أن لا يدخل الإنسان ما به قوامه كالطعام والشراب، ولا يخرج ما به قوامه كالقيء والاستمناء، وفرق بين ما يمكن الاحتراز منه من ذلك وبين ما لا يمكن، فلم يفطر بالاحتلام ولا بالقيء الذارع، كما لا يفطر بغبار الطحين، وما يسبق من الماء إلى الجوف عند الوضوء والغسل، وجعل الحيض منافيًا للصوم دون الجنابة؛ لطول زمانه وكثرة خروج الدم وعدم التمكن من التطهير قبل وقته بخلاف الجنابة، وفرق بين دم الحجامة، ودم الجرح فجعل الحجامة من جنس القيء والاستمناء والحيض، وخروج الدم من الجرح والرعاف من جنس الاستحاضة والاحتلام وذرع القيء، فتناسبت الشريعة وتشابهت تأصيلاً وتفصيلاً، وظهر أنها على وفق القياس الصحيح والميزان العادل، ولله الحمد" (١).
стр. 228
وقال أيضًا: " والمقصود أن مصالح الصوم لما كانت مشهودة بالعقول السليمة والفطر المستقيمة؛ شرعه الله لعباده؛ رحمة بهم، وإحسانًا إليهم وحِمية لهم وجُنة. وكان هدي رسول الله ﷺ فيه أكمل الهدي وأعظمَ تحصيلٍ للمقصود وأسهله على النفوس. ولما كان فطم النفوس عن مألوفاتها وشهواتها من أشق الأمور وأصعبها، تأخر فرضه إلى وسط الإسلام بعد الهجرة لما توطنت النفوس على التوحيد والصلاة، وألفت أوامر القرآن فنقلت إليه بالتدريج" (١).
فضائل الصيام وثمراته:
الصيام عبادة عظيمة لها فضائلها بين العبادات، ومزاياها الرفيعة بين الطاعات، ومكانتها السامية بين القربات، وثمراتها اليانعة في رياض الأعمال الصالحات.
وفضيلة الشيء وثمرته تدعو إلى الحرص عليه، ومعرفة شرفه ومزيته تعين على العمل به وامتثاله إن كان مما يُعمل ويمتثل، والصيام من ذلك، فمن تلك الفضائل والثمرات للصيام:
أولاً: أنه عبادة لا مِثل لها. عن أبي أمامة أنه سأل رسول الله ﷺ : أي العمل أفضل؟ قال: (عليك بالصوم؛ فإنه لا عِدل له) (٢).
" فإنه لا عدل له؛ إذ هو يقوي القلب والفطنة، ويزيد في الذكاء ومكارم الأخلاق، وإذا صام المرء اعتاد قلة الأكل والشرب، وانقمعت شهواته، وانقلعت مواد الذنوب من أصلها، ودخل في الخير من كل وجه، وأحاطت به الحسنات من كل جهة" (٣).
ثانيًا: أن الله وعد عليه الجزاء من غير عدد؛ لبيان عظمته وعلو قدره. قال رسول الله
стр. 229
صلى الله عليه وسلم: (قال الله: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به) (١).
قال ابن قدمة: " اعلم أنّ في الصّوم خصيصة ليست في غيره، وهي إضافته إلى اللّه- حيث يقول سبحانه في الحديث القدسيّ: (الصّوم لي وأنا أجزي به). وكفى بهذه الإضافة شرفًا كما شرّف البيت بإضافته إليه في قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦] وإنّما فضّل الصّوم لمعنيين:
أحدهما: أنّه سرّ وعمل باطن، لا يراه الخلق ولا يدخله رياء.
الثّاني: أنّه قهر لعدوّ اللّه؛ لأنّ وسيلة العدوّ الشّهواتُ، وإنّما تقوى الشّهوات بالأكل والشّرب وما دامت أرض الشّهوات مخصبة، فالشّياطين يتردّدون إلى ذلك المرعى، وبترك الشّهوات تضيق عليهم المسالك " (٢).
وقال ابن القيم: " لما كان المقصود من الصيام حبسَ النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية؛ لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حِدتها وسَورتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويسكن كل عضو منها وكل قوة عن جماحه، وتلجم بلجامه؛ فهو لجام المتقين، وجُنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال؛ فإن الصائم لا يفعل شيئًا وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها؛ إيثاراً لمحبة الله ومرضاته، وهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه، والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما
стр. 230
كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده فهو أمر لا يطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم" (١).
ثالثًا: أنه وقاية من أُوار الشهوة ومطالب توهجها. قال رسول الله ﷺ : (يا معشر الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) (٢). " والمراد هنا: أن الصوم يقطع الشهوة، ويقطع شرَّ المني" (٣).
رابعًا: أنه جُعل كفارة من كفارات بعض الذنوب. ككفارة القتل الخطأ، وكفارة الظهار، وكفارة الجماع في نهار رمضان، وكفارة اليمين.
خامسًا: لأهله باب خاص من أبواب الجنة. قال النبي ﷺ : (إن في الجنة بابًا يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلن يدخل منه أحد) (٤).
قال ابن حجر: " الريان: بفتح الراء وتشديد التحتانية وزن فعلان من الرِّي: اسمُ علمٍ على باب من أبواب الجنة يختص بدخول الصائمين منه، وهو مما وقعت المناسبة فيه بين لفظه ومعناه؛ لأنه مشتق من الري وهو مناسب لحال الصائمين، قال القرطبي: اكتفي بذكر الري عن الشبع؛ لأنه يدل عليه من حيث إنه يستلزمه، قلت: أو لكونه أشق على الصائم من الجوع" (٥).
стр. 231
سادسًا: أثره المكروه لدى الناس طيب عند الله؛ لأنه أثر طاعته، مثل دم المجاهد في سبيله. قال النبي ﷺ : (يقول الله : الصوم لي وأنا أجزي به يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي، والصوم جُنة، وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه، ولخلوفُ فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) (١).
سابعًا: أنه سبب للسعادة في الدنيا والآخرة. كما في الحديث السابق (وللصائم فرحتان: فرحة حين يفطر، وفرحة حين يلقى ربه).
قال النووي: " قال العلماء: أما فرحته عند لقاء ربه فبما يراه من جزائه، وتذكر نعمة الله تعالى عليه بتوفيقه لذلك، وأما عند فطره فسببها تمام عبادته، وسلامتها من المفسدات، وما يرجوه من ثوابها" (٢).
ثامنًا: أنه يشفع لصاحبه يوم القيامة. قال رسول الله ﷺ : (الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: رب، إني منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب، منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان) (٣).
تاسعًا: أنه وقاية من الآثام والشهوات المحرمة ومن الأمراض ومن النار. كما في الحديث السابق (والصوم جُنة)، وقال ﷺ : (الصيام جُنة، وحصن حصين من النار) (٤).
قال عبد العزيز بن عمير: " الصيام سجن المؤمن عن الدنيا" (٥). وقال بديل العقيلي: " الصيام معقل العابدين" (٦).
стр. 232
قال ابن القيم: "وللصّوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظّاهرة، والقوى الباطنة، وحمايتها من التّخليط الجالب لها الموادّ الفاسدة الّتي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ الموادّ الرّديئة المانعة لها من صحّتها، فالصّوم يحفظ على القلب والجوارح صحّتها، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشّهوات، فهو من أكبر العون على التّقوى، كما قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] " (١).
عاشراً: أنه وسيلة إلى قهر النفس وتربيتها على الأخلاق الحسنة من الإيثار والرحمة والصبر والانتصار على الشهوات. قال الماوردي: " ثم فرض الله تعالى الصيام وقدمه على زكاة الأموال؛ لتعلق الصيام بالأبدان، وكان في إيجابه حث على رحمة الفقراء وإطعامهم وسد جوعاتهم؛ لما عاينوه من شدة المجاعة في صومهم، وقد قيل ليوسف على نبينا وعليه السلام: أتجوع وأنت على خزائن الأرض؟! فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع! ثم لما في الصوم من قهر النفس وإذلالها وكسر الشهوة المستولية عليها وإشعار النفس ما هي عليه من الحاجة إلى يسير الطعام والشراب، والمحتاج إلى الشيء ذليل به، وبهذا احتج الله تعالى على من اتخذ عيسى على نبينا وعليه السلام وأمه إلهين من دونه، فقال: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]. فجعل احتياجهما إلى الطعام نقصًا فيهما عن أن يكونا إلهين. وقد وصف الحسن البصري نقص الإنسان بالطعام والشراب فقال: مسكين ابن آدم محتوم الأجل، مكتوم الأمل، مستور العلل، يتكلم بلحم، وينظر بشحم، ويسمع بعظم، أسيرُ جوعه، صريعُ شبعه، تؤذيه البقّة، وتنتنه العَرقة وتقتله الشَّرقة، لا يملك لنفسه ضراً، ولا نفعًا ولا موتاً، ولا حياة، ولا نشوراً. فانظر إلى لطفه بنا، فيما أوجبه من الصيام علينا، كيف أيقظ العقول له، وقد كانت عنه غافلة أو متغافلة، ونفع النفوس به ولم تكن منتفعة ولا نافعة" (٢).
стр. 233
الصيام الحقيقي:
إن الصيام الحقيقي ليس هو الامتناع عن الطعام والشراب والجماع فحسب، كما يفهم كثير من الناس، بل الصيام الحقيقي هو صيام جميع الجوارح عن الحرام، وانقيادها وخضوعها للحق، هكذا يفهم أهل العلم والإيمان وكذلك يفعلون.
فالصوم الشرعي هو إمساك عن جميع ما لا يرضي الله من المعاصي صغيرها وكبيرها، فتصوم جميع الجوارح عن المساخط والرذائل؛ فاللسان يصوم عن قول الزور والباطل، والسوء والفحش، والبذاء والتعدي على الآخرين بالطعن والثلب ونحو ذلك من سَقط الكلام وعيبه. والعينان تصومان عن النظر إلى الحرام من الأعراض الممنوعة والعورات المستورة. والأذنان تصومان عن سماع اللهو والخنا، والنمِّ والتعييب للخلق. والرجلان تصومان عن الخطوات إلى الحرمات والثبات على العثرات.
فإذن الصوم التام أن يصوم القلب والعقل والنفس كلها عما لا ينبغي ديناً وخلقا.
هذا هو صيام العبادة، لا صوم العادة الذي عليه أكثر الصائمين.
قال رسول الله ﷺ : " (ليس الصيام من الأكل و الشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فلتقل: إني صائم إني صائم) (١).
وقال علي ﵁: "إن الصيام ليس من الطعام والشراب، ولكن من الكذب والباطل واللغو" (٢).
وقال جابر ﵁: "إذا صمت فليصمْ سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم
стр. 234
صيامك وفطرك سواء" (١).
وقال ابن القيم: " والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور، وبطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الرفث، فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه، وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه، فيخرج كلامه كله نافعًا صالحًا، وكذلك أعماله فهي بمنزلة الرائحة التي يشمها من جالس حامل المسك، كذلك من جالس الصائم انتفع بمجالسته وأمن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم، هذا هو الصوم المشروع لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب ففي الحديث الصحيح: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه)، وفي الحديث: (رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش). فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام، وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده فهكذا الآثام تقطع ثوابه، وتفسد ثمرته فتصيره بمنزلة من لم يصم" (٢).
قال أبو بكر بن عطية:
إذا لم يكنْ في السمع مني تصاونٌ … وفي بصري غضٌّ وفي مِقولي صمتُ
فحظي إذنْ من صوميَ الجوعُ والظما … وإن قلتُ إني صمتُ يومي، فما صمتُ (٣)
المطلوب:
من عرف قدر الصيام وأثره في العاجل والآجل جدير به أن لا يتوانَى عن المسارعة إليه؛ ابتداء بأداء ما وجب عليه منه؛ من صيام رمضان، وقضاء ما فات منه، وصيام الكفارات والنذور إن كانت عليه صيامًا.
стр. 235
وبعد ذلك يتجه إلى الإكثار من صيام النافلة؛ كصيام ستّة أيّام من شوّال، وصيام تسعة من ذي الحجّة، وصوم يوم عرفة منها تحديداً، وصيام يوم عاشوراء ويوم قبله، أو يوم بعده، وصيام أكثر شهر شعبان، وصيام يومي الاثنين والخميس من كلّ أسبوع، وصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر، وصيام يوم وإفطار يوم.
فإن هذه الأيام فاضلة كان رسول الله ﷺ وأصحابه وأزواجه يصومونها.
وكذلك صامها الصالحون من بعدهم، ومن قرأ سير السلف الصالح وجد العجب العجاب من كثرة صيامهم، وحرصهم على هذه العبادة.
فقد صام منصور بن المعتمر أربعين سنة؛ قام ليلها وصام نهارها (١).
وصام داود الطائي أربعين سنة ما علم به أهله، وكان خزّازاً، وكان يحمل غذاءه معه ويتصدق به في الطريق، ويرجع إلى أهله يفطر عشاء لا يعلمون أنه صائم! (٢).
وعلى المرء إذا رزق التوفيق للإكثار من الصيام أن يصوم صومًا تصوم به جوارحه كلها؛ فيحسن علاقته مع الله تعالى امتثالاً لأمره، وابتعاداً عن نهيه، ويحسن علاقته مع الناس؛ إذ الصيام يهذب النفوس ويصقلها ويربيها ويصلح من شأنها.
стр. 236
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
إن مَنْ أحب شيئاً أكثر من ذكره، وبقي حاضراً لديه من غير غفلة عنه ولا نسيان، فكيف إذا كان المذكور قد وعد ذاكرَه بجوائز لا تُحصى، وتفضل عليه بآلاء لا تعد إن هو ذكره؟
فمن فطر الإنسانَ وخلقه، ومدّ يدَ إحسانه إليه ورزقَه، وصوّره فأحسن صورته، وهداه وبيّن له محجّته، وفضلّه وكرّمه، وعلّمه وفهّمه، أرسل له رسله وأنزل عليهم-من أجله- كتبَه، وجعل ما في الأرض مسخراً لخدمته، وحفظهُ بالمعقِّبات من ملائكته من بين يديه ومن خلفه، وأنعم عليه بنعم ظاهرة وباطنة، لا يستطيع المخلوق عدها ولن يبلغ حصرها. أفلا تكثر النفوس من ذكر من هذه بعض أياديه، ونماذج من فضله عليها؟!
المراد بذكر الله تعالى:
ليس المراد بذكر الله تعالى ذكره باللسان فحسب، بل ذكره سبحانه يشمل: ذكر اللسان، وذكر القلب، وذكر الجوارح.
قال ابن حجر: "وقال الفخر الرّازيّ: المراد بذكر اللّسان: الألفاظ الدّالّة على التّسبيح والتّحميد والتّمجيد. والذّكر بالقلب: التّفكّر في أدلّة الذّات والصّفات وفي أدلّة التّكاليف من الأمر والنّهي حتّى يطّلع على أحكامها، وفي أسرار مخلوقات اللّه. والذّكر بالجوارح، هو أن تصير مستغرقة في الطّاعات، ومن ثَمّ سمّى اللّه الصّلاة ذكراً فقال: ﴿فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. ونقل عن بعضهم، قال: الذّكر على سبعة أنحاء: فذكر العينين بالبكاء، وذكر الأذنين بالإصغاء، وذكر اللّسان بالثّناء، وذكر اليدين بالعطاء، وذكر البدن بالوفاء، وذكر القلب بالخوف والرّجاء، وذكر الرّوح بالتّسليم والرّضاء" (١).
стр. 237
وقال ابن القيّم: " وليس المراد بالذكر مجرد الذكر باللسان، بل الذكر القلبي واللساني، وذكر اللّه يتضمّن ذكر أسمائه وصفاته، وذكر أمره ونهيه وذكره بكلامه، وذلك يستلزم معرفته والإيمان به وبصفات كماله ونعوت جلاله والثّناء عليه بأنواع المدح. وذلك لا يتمّ إلّا بتوحيده. فذكره الحقيقيّ يستلزم ذلك كلّه، ويستلزم ذكر نعمه وآلائه وإحسانه إلى خلقه" (١).
وقال أيضًا: " وأفضل الذكر وأنفعه ما واطأ فيه القلبَ اللسانُ، وكان من الأذكار النبوية، وشهد الذاكر معانيه ومقاصده" (٢).
وقال الغزالي: "المؤثر النافع هو الذكر على الدوام مع حضور القلب، فأما الذكر باللسان والقلب لاهٍ فهو قليل الجدوى" (٣).
وقال كذلك: "وقال الحسن: الذِّكْر ذكران: ذكر الله بين نفسك وبين الله ما أحسنه وأعظم أجره، وأفضل من ذلك ذكر الله سبحانه عند ما حرم الله " (٤).
"وقال ميمون بن مهران: ذكر الله باللسان حسن، وأفضل منه أن يَذكر اللهَ العبدُ عند المعصية فيمسك عنها" (٥).
منزلة ذكر الله وأهميته:
إن ذكر الله تعالى عبادة عظيمة لها منزلتها السامية بين العبادات، وأهميتها الكبيرة بين الطاعات؛ فهي:
стр. 238
أولاً: خير الأعمال وأزكاها وأرفعها وأحبها إلى الله تعالى، فعن معاذ بن جبل ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ؟ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ تَعَاطِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ غَدًا فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ). قَالُوا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: (ذِكْرُ اللهِ) (١).
وعن معاذ بن جبل ﵁ أيضًا قال: إن آخر كلام فارقت عليه رسول الله ﷺ أن قلت: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: (أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله) (٢).
ثانيًا: أنه من أكبر الطاعات وأعظم القربات، قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
قال ابن القيم عن قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: "وفيها ثلاثة أقوال: أحدها: أن ذكر الله أكبر من كل شيء؛ فهو أفضل الطاعات؛ لأن المقصود بالطاعات كلها: إقامة ذكره فهو سر الطاعات وروحها. الثاني: أن المعنى: أنكم إذا ذكرتموه ذكركم، فكان ذكره لكم أكبر من ذكركم له، فعلى هذا: المصدر مضاف إلى الفاعل، وعلى الأول: مضاف إلى المذكور. الثالث: أن المعنى: ولذكر الله أكبر من أن يبقى معه فاحشة ومنكر، بل إذا تم الذكر محق كل خطيئة ومعصية. هذا ما ذكره المفسرون. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: معنى الآية: أن في الصلاة فائدتين عظيمتين: إحداهما: نهيها عن الفحشاء والمنكر، والثانية: اشتمالها على ذكر الله، وتضمنها له، ولما تضمنته من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر" (٣).
стр. 239
ثالثًا: أنه أحد ركني الدِّين اللذين يقوم عليهما، قال ابن القيم: "مبنى الدين على قاعدتين: الذكر والشكر، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال النبي لمعاذ: (والله إني لأحبك، فلا تنسَ أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) … وهذان الأمران [الذكر والشكر] هما جِماع الدين؛ فذكره مستلزم لمعرفته، وشكره متضمن لطاعته، وهذان هما الغاية التي خُلق لأجلها الجن والإنس، والسموات والأرض ووضع لأجلها الثواب والعقاب … فثبت بما ذكر أن غاية الخلق والأمر أن يُذكر وأن يشكر؛ يذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وهو سبحانه ذاكر لمن ذكره، شاكر لمن شكره، فذكره سبب لذكره، وشكره سبب لزيادته من فضله، فالذكر للقلب واللسان، والشكر للقلب محبة وإنابة وللسان ثناء وحمد وللجوارح طاعة وخدمة" (١).
رابعًا: أنه من أعظم أسباب النصر عند لقاء العدو، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. قال ابن القيم: "وقرنه بالجهاد وأمر بذكره عند ملاقاة الأقران ومكافحة الأعداء … وفي أثر إلهي يقول الله تعالى: إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاقٍ قِرْنه (٢). سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يستشهد به وسمعته يقول: المحبون يفتخرون بذكر من يحبونه في هذه الحال؛ كما قال عنترة:
ولقد ذكرتُكِ والرماحُ كأنها … أشطانُ بئر في لُبان الأدهمِ
وقال الآخر:
ذَكرْنُكِ وَالْخَطّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنا … وَقَدْ نَهِلَتْ مِنا الْمُثَقَّفةُ السُّمْرُ
وقال آخر:
стр. 240
ولقد ذكرتُك والرماح شواجرٌ … نحوي وبيضُ الهند تقطرُ من دمي
وهذا كثير في أشعارهم وهو مما يدل على قوة المحبة؛ فإن ذكر المحب محبوبه في تلك الحال التي لا يهم المرءَ فيها غيرُ نفسه يدل على أنه عنده بمنزلة نفسه أو أعز منها، وهذا دليل على صدق المحبة" (١).
خامسًا: أن الله تعالى أمر بالإكثار منه وأخبر بذلك في مواضع عدة من كتابه، ولا يأمر بذلك إلا لأهمية الذكر ومنزلته، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]، وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، وقال: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، "الأمر بالذكر بالكثرة والشدة؛ لشدة حاجة العبد إليه وعدم استغنائه عنه طرفة عين، فأي لحظة خلا فيها العبد عن ذكر الله كانت عليه لا له، وكان خسرانه فيها أعظم مما ربح في غفلته عن الله، وقال بعض العارفين: لو أقبل عبد على الله تعالى كذا وكذا سنة ثم أعرض عنه لحظة لكان ما فاته أعظم مما حصله" (٢).
سادسًا: وروده الكثيرُ المتنوع في القرآن الكريم، قال ابن القيم: "وهو في القرآن على عشرة أوجه الأول: الأمر به مطلقًا ومقيداً، الثاني: النهي عن ضده من الغفلة والنسيان، الثالث: تعليق الفلاح باستدامته وكثرته، الرابع: الثناء على أهله والإخبار بما أعد الله لهم من الجنة والمغفرة، الخامس: الإخبار عن خسران من لها عنه بغيره، السادس: أنه سبحانه جعل ذكره لهم جزاء لذكرهم له، السابع: الإخبار أنه أكبر من كل شيء، الثامن: أنه
стр. 241
جعله خاتمة الأعمال الصالحة كما كان مفتاحها، التاسع: الإخبار عن أهله بأنهم هم أهل الانتفاع بآياته وأنهم أولو الألباب دون غيرهم، العاشر: أنه جعله قرين جميع الأعمال الصالحة وروحها، فمتى عدمته كانت كالجسد بلا روح" (١). ثم فصّل ابن القيم ﵀ في هذه الأمور واستدل لها.
سابعًا: أنه حصن حصين من الشيطان اللعين، عن الحارث الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن ..... وآمركم بذكر الله كثيراً، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سِراعًا في أثره حتى أتى حصنًا حصينًا فأحرز نفسه فيه، وكذلك العبد لا ينجو من الشيطان إلا بذكر الله) (٢).
قال ابن القيم: " كل ذي لبٍّ يعلم أنه لا طريق للشيطان عليه إلا من ثلاث جهات: أحدها: التزيد والإسراف، فيزيد على قدر الحاجة، فتصير فضلة وهي حظ الشيطان ومدخله إلى القلب، وطريق الاحتراز من إعطاء النفس تمام مطلوبها من غذاء أو نوم أو لذة أو راحة، فمتى أغلقت هذا الباب حصل الأمان من دخول العدو منه، الثانية: الغفلة؛ فإن الذاكر في حصن الذكر، فمتى غفل فتح باب الحصن فولجه العدو فيعسر عليه أو يصعب إخراجه، الثالثة: تكلف ما لا يعنيه من جميع الأشياء … " (٣).
وقال أيضًا: " فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقًا بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى، وأن لا يزال لهِجًا بذكره؛ فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة، فهو يرصده، فإذا غفل وثب عليه وافترسه، وإذا ذكر الله تعالى انخنس عدو الله تعالى وتصاغر وانقمع، حتى يكون
стр. 242
كالوَصَع (١) وكالذباب؛ ولهذا سمي الوسواسَ الخناس أي: يوسوس في الصدور، فإذا ذكر الله تعالى خنس أي: كف وانقبض، قال ابن عباس: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله تعالى خنس" (٢).
ثامنًا: أنه حياة، والغفلة عنه موت، قال النبي صلى الله عليه و سلم: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت) (٣).
وقال ﷺ : (مثل البيت الذي يذكر فيه الله والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت) (٤). "فجعل بيت الذاكر بمنزلة بيت الحي، وبيت الغافل بمنزلة بيت الميت وهو القبر، وفي اللفظ الأول: جعل الذاكر بمنزلة الحي والغافل بمنزلة الميت، فتضمن اللفظان: أن القلب الذاكر كالحي في بيوت الأحياء، والغافل كالميت في بيوت الأموات، ولا ريب أن أبدان الغافلين قبور لقلوبهم، وقلوبهم فيها كالأموات في القبور؛ كما قيل:
فنسيانُ ذكرِ الله موتُ قلوبهم … وأجسامُهم قبل القبور قبورُ
وأرواحهم في وحشة من جسومهم … وليس لهم حتى النشورِ نشور" (٥).
فالغافلون أدركهم الشيطان فأمات أرواحهم وقلوبهم؛ ولهذا فإن الذاكرين يعيشون حياة حقيقية ملؤها السعادة واليقين، وتحفها الطمأنينة والراحة، وأفعالهم بيضاء لصفاء قلوبهم بذكر الله تعالى، أما غيرهم -ممن يعيشون الغفلة- فأموات في صورة أحياء،
стр. 243
وأشباح بلا أرواح، ليس لهم من الحياة إلا حركة الأجسام التي عشعشت فيها الغفلة وفرّخت فيها العناءَ والكآبة؛ ولذا فأعمالهم مظلمة؛ نتيجة سواد قلوبهم، وما صلاح الظاهر إلا بصلاح الباطن، وما فساده إلا بفساده.
تاسعًا: أنه باب جامع يُتمسك به عند ازدحام أعمال الخير، جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيْنَا، فَبَابٌ نَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِعٌ؟ قَالَ: (لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ) (١).
عاشراً: أنه عبادة ميسرة في قولها وفي زمانها وفي مكانها، فذكرُ الله تعالى عبادةٌ من العبادات العظيمة، ميسرة لا صعوبة فيها، ولا موانع تمنع منها، ولا مقدار يضبطها فلا تزيد عليه، قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]: "إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر؛ فإن الله لم يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على تركه فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]، بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسر والعلانية، وعلى كل حال" (٢).
الحادي عشر: أن الله تعالى يباهي الله بأهله الملائكة الكرام، فقد خرج رسول الله ﷺ يومًا على حلقة في المسجد فقال: (ما أجلسكم)؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومنّ به علينا، قال: (آلله ما أجلسكم إلا ذاك)؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: (أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة) (٣).
стр. 244
" (يباهى بكم الملائكة) معناه: يظهر فضلكم لهم، ويريهم حسن عملكم، ويثنى عليكم" (١).
الثاني عشر: أن أهله هم أهل السبق، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له: جُمدان فقال: (سيروا، هذا جُمْدَانُ، سبق المفردون) قالوا: وما المفردون؟ يا رسول الله قال: (الذاكرون الله كثيرا والذاكرات) (٢).
قال ابن القيم: " عمّال الآخرة كلهم في مضمار السباق، والذاكرون هم أسبقهم في ذلك المضمار، ولكن القترة والغبار يمنع من رؤية سبقهم، فإذا انجلى الغبار وانكشف رآهم الناس وقد حازوا قصب السبق، قال الوليد بن مسلم: قال محمد بن عجلان: سمعت عمراً مولى غفرة يقول: إذا انكشف الغطاء للناس يوم القيامة عن ثواب أعمالهم لم يروا عملاً أفضل ثوابًا من الذكر، فيتحسر عند ذلك أقوام فيقولون: ما كان شيء أيسر علينا من الذكر" (٣).
الثالث عشر: أن الغافلين عنه يندمون على ذلك يوم القيامة، قال رسول الله ﷺ : (ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة يوم القيامة) (٤).
وقال ﵊: (من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كان عليه من الله تِرَة، ومن اضطجع مضجعًا لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، وما مشى أحد ممشى لا
стр. 245
يذكر الله فيه إلا كان عليه من الله ترة) (١). " أي: نقص وتبعة وحسرة وندامة؛ لتفرقهم، ولم يأتوا بما يكفر لفظهم من حمد الله والصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم" (٢).
ثمرات ذكر الله تعالى:
من داوم على ذكر الله تعالى وأكثر منه، بعد أن أدى فرائض الله تعالى؛ فإنه ينال بسببه ثمراتٍ يانعةً في الدنيا والآخرة، فمن ذلك:
أولاً: نيل معية الله تعالى بالتوفيق والرعاية والهداية والحماية
قال النبي ﷺ : (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) (٣).
ثانيًا: الظفر بذكر الله تعالى للعبد الذاكر، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وفي الحديث السابق: (يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) (٤).
"ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلاً وشرفاً" (٥).
ثالثًا: نيل محبة الله ، " فقد" جعل الله لكل شيء سببًا، وجعل سبب المحبة دوام الذكر، فمن أراد أن ينال محبة الله فليلهج بذكره؛ فإنه الدرس والمذاكرة كما أنه باب العلم، فالذكر باب المحبة وشارعها الأعظم وصراطها الأقوم" (٦).
стр. 246
رابعًا: نيل الجوائز الأربع، قال النبي ﷺ : " لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) (١).
خامسًا: ثقل ميزان الذاكر يوم القيامة بالحسنات، قال رسول ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده) (٢).
سادسًا: أنه سبب للنجاة من عذاب الله، قال رسول ﷺ : (إن لكل شيء صقالة، وإن صقالة القلوب ذكر الله، وما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله)، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولو أن يضرب بسيفه حتى ينقطع) (٣).
سابعًا: صلاح القلب من فساده ونقاؤه من قسوته وغفلته وظلمته، قال رسول ﷺ : (إن لكل شيء صقالة، وإن صقالة القلوب ذكر الله) (٤).
وقال أبو الدرداء ﵁: "إن لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله " (٥).
قال ابن القيم: "ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر؛ فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا ترك صدئ، وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر. فمن كانت الغفلة أغلب
стр. 247
أوقاته كان الصدأ متراكبًا على قلبه، وصدأه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه، فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل؛ لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم، فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه، فإذا تراكم عليه الصدأ واسود وركبه الرَّان فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقًا ولا ينكر باطلاً، وهذا أعظم عقوبات القلب. وأصل ذلك من الغفلة واتباع الهوى؛ فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] " (١).
وقال أيضًا -وهو يسوق فوائد الذكر-: " يورث حياة القلب، وسمعت شيخ الاسلام ابن تيمية قدس الله تعالى روحه يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟ … أنه قوت القلب والروح، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته، وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار ثم التفت إلي وقال: هذه غدوتي ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي. أو كلاما قريبًا من هذا. وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر. أو كلامًا هذا معناه … أنه يورث جلاء القلب من صداه … وصدأ القلب الغفلة والهوى، وجلاؤه الذكر والتوبة والاستغفار" (٢).
وقال كذلك: " في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى، فينبغي للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى. وذكر حماد بن زيد عن المعلى بن زياد أن رجلاً قال للحسن: يا أبا سعيد، أشكو إليك قسوة قلبي، قال: أذِبْهُ بالذِّكْر. وهذا لأن القلب كلما اشتدت به الغفلة اشتدت به القسوة، فإذا ذكر الله تعالى ذابت تلك القسوة كما يذوب الرصاص في
стр. 248
النار، فما أذيبت قسوة القلوب بمثل ذكر الله … أن الذكر شفاء القلب ودواؤه، والغفلة مرضه، فالقلوب مريضة وشفاؤها ودواؤها في ذكر الله تعالى، قال مكحول: ذكر الله تعالى شفاء وذكر الناس داء " (١).
ويقول ابن القيم في كلام جامع مبينًا فيه فضل الذكر وثمراته، قال في منزلة الذكر من المدارج: " وهي منزلة القوم الكبرى الّتي منها يتزوّدون، وفيها يتّجرون، وإليها دائمًا يتردّدون. والذّكر منشور الولاية الّذي من أعطيه اتّصل، ومن منعه عُزل، وهو قوت قلوب القوم الّذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا، وعمارة ديارهم الّتي إذا تعطّلت عنه صارت بورا، وهو سلاحهم الّذي يقاتلون به قطّاع الطّريق، وماؤهم الّذي يطفئون به التهاب الحريق، ودواء أسقامهم الّذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، والسّبب الواصل؛ والعلاقة الّتي كانت بينهم وبين علّام الغيوب.
إذا مرضنا تداوينا بذكركمُ … فنترك الذّكرَ أحياناً فننتكسُ
به يستدفعون الآفات، ويستكشفون الكربات، وتهون عليهم به المصيبات، إذا أظلّهم البلاء فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت بهم النّوازل فإليه مفزعهم، فهو رياض جنّتهم الّتي فيها يتقلّبون، ورؤوس أموال سعادتهم التي بها يتجرون يدع القلب الحزين ضاحكًا مسرورا، ويوصّل الذّاكر إلى المذكور، بل يدع الذّاكر مذكورا. وفي كلّ جارحة من الجوارح عبوديّة مؤقّتة. والذّكر عبوديّة القلب واللّسان وهي غير مؤقّتة، بل هم يؤمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كلّ حال قيامًا وقعوداً، وعلى جنوبهم، فكما أنّ الجنّة قيعان، وهو غراسها فكذلك القلوب بور خراب، وهو عمارتها وأساسها. وهو جلاء القلوب وصقالها، ودواؤها إذا غشيها اعتلالها، وكلّما ازداد الذّاكر في ذكره استغراقا ازداد المذكور محبّة إلى لقائه واشتياقا، وإذا واطأ في ذكره قلبه للسانه نسي في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله عليه كل شيء، وكان له عوضًا من كل شيء، به يزول الوقر عن الأسماع، والبكم عن
стр. 249
الألسن، وتنقشع الظّلمة عن الأبصار، زيّن اللّه به ألسنة الذّاكرين، كما زيّن بالنّور أبصار النّاظرين، فاللّسان الغافل كالعين العمياء، والأذن الصّمّاء، واليد الشّلّاء، وهو باب اللّه الأعظم المفتوح بينه وبين عبده، ما لم يغلقه العبد بغفلته" (١).
الطريق إلى دوام ذكر الله وكثرته:
أولاً: ترسيخ محبة الله تعالى في القلب. فإن محبة الله تعالى تدفع صاحبها إلى كثرة ذكر الله، وعلى قدر المحبة يكون الذكر، يقول ابن القيم: " لو صحت محبتك لاستوحشت ممن لا يذكِّرك بالحبيب، واعجبًا لمن يدِّعي المحبة ويحتاج إلى من يذكره بمحبوبه، فلا يذكره إلا بمذكِّر، أقل ما في المحبة أنها لا تنسيك تذكر المحبوب:
ذكرتُكَ لا أني نسيتُك ساعةً … وأيسرُ ما في الذكر ذِكرُ لساني" (٢).
ثانيًا: الاقتداء بالذاكرين الله كثيرا، ويأتي ذلك بمجالستهم، أو سماع أخبارهم أو قراءتها، وأكملهم أسوة للمؤتسين، وأتمهم قدوة للمقتدين نبينا محمد ﷺ ؛ فقد قالت عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) (٣). قال النووي: " المقصود: أنه ﷺ كان يذكر الله تعالى متطهراً ومحدثًا وجنباً، وقائماً وقاعداً ومضطجعًا وماشيًا، والله أعلم" (٤).
ثالثًا: إجالة الفكر في فضل الذكر وأهميته وثمراته، فمن نظر إلى ذلك متأملاً دفعه إلى كثرة الذكر والمداومة عليه؛ طمعًا في نيل درجة أهله، والظفر بخيره في الدنيا والآخرة.
رابعًا: التعلق بالدار الآخرة، فمن كان قوي الرغبة في الآخرة، غير متعلق بالدنيا؛ أكثرَ من ذكر الله تعالى؛ لعلمه أن كثرة الذكر كنز يدخره لآخرته، وأما الدنيا ففانيةٌ غير
стр. 250
باقية، فلا يلهيه الفاني عن الباقي.
خامسًا: الدعاء بالإعانة على كثرة الذكر، فكثرة الذكر عمل عظيم، ولكن النفس والهوى قد يقفان في طريق الوصول إلى ذلك، فاحتاج العبد إلى عون الله تعالى؛ فلذلك يستحب له أن يدعو بالإعانة على الذكر. فعن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ بيده يومًا ثم قال: (يا معاذ، والله إني لأحبك) فقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنا والله أحبك، قال: (أوصيك -يا معاذ- لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك) (١).