رابعًا: نيل الجوائز الأربع، قال النبي ﷺ : " لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) (١).
خامسًا: ثقل ميزان الذاكر يوم القيامة بالحسنات، قال رسول ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده) (٢).
سادسًا: أنه سبب للنجاة من عذاب الله، قال رسول ﷺ : (إن لكل شيء صقالة، وإن صقالة القلوب ذكر الله، وما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله)، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولو أن يضرب بسيفه حتى ينقطع) (٣).
سابعًا: صلاح القلب من فساده ونقاؤه من قسوته وغفلته وظلمته، قال رسول ﷺ : (إن لكل شيء صقالة، وإن صقالة القلوب ذكر الله) (٤).
وقال أبو الدرداء ﵁: "إن لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله " (٥).
قال ابن القيم: "ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر؛ فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا ترك صدئ، وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر. فمن كانت الغفلة أغلب
стр. 247
أوقاته كان الصدأ متراكبًا على قلبه، وصدأه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه، فيرى الباطل في صورة الحق، والحق في صورة الباطل؛ لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم، فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه، فإذا تراكم عليه الصدأ واسود وركبه الرَّان فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقًا ولا ينكر باطلاً، وهذا أعظم عقوبات القلب. وأصل ذلك من الغفلة واتباع الهوى؛ فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] " (١).
وقال أيضًا -وهو يسوق فوائد الذكر-: " يورث حياة القلب، وسمعت شيخ الاسلام ابن تيمية قدس الله تعالى روحه يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟ … أنه قوت القلب والروح، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته، وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار ثم التفت إلي وقال: هذه غدوتي ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي. أو كلاما قريبًا من هذا. وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر. أو كلامًا هذا معناه … أنه يورث جلاء القلب من صداه … وصدأ القلب الغفلة والهوى، وجلاؤه الذكر والتوبة والاستغفار" (٢).
وقال كذلك: " في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى، فينبغي للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى. وذكر حماد بن زيد عن المعلى بن زياد أن رجلاً قال للحسن: يا أبا سعيد، أشكو إليك قسوة قلبي، قال: أذِبْهُ بالذِّكْر. وهذا لأن القلب كلما اشتدت به الغفلة اشتدت به القسوة، فإذا ذكر الله تعالى ذابت تلك القسوة كما يذوب الرصاص في
стр. 248
النار، فما أذيبت قسوة القلوب بمثل ذكر الله … أن الذكر شفاء القلب ودواؤه، والغفلة مرضه، فالقلوب مريضة وشفاؤها ودواؤها في ذكر الله تعالى، قال مكحول: ذكر الله تعالى شفاء وذكر الناس داء " (١).
ويقول ابن القيم في كلام جامع مبينًا فيه فضل الذكر وثمراته، قال في منزلة الذكر من المدارج: " وهي منزلة القوم الكبرى الّتي منها يتزوّدون، وفيها يتّجرون، وإليها دائمًا يتردّدون. والذّكر منشور الولاية الّذي من أعطيه اتّصل، ومن منعه عُزل، وهو قوت قلوب القوم الّذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا، وعمارة ديارهم الّتي إذا تعطّلت عنه صارت بورا، وهو سلاحهم الّذي يقاتلون به قطّاع الطّريق، وماؤهم الّذي يطفئون به التهاب الحريق، ودواء أسقامهم الّذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب، والسّبب الواصل؛ والعلاقة الّتي كانت بينهم وبين علّام الغيوب.
إذا مرضنا تداوينا بذكركمُ … فنترك الذّكرَ أحياناً فننتكسُ
به يستدفعون الآفات، ويستكشفون الكربات، وتهون عليهم به المصيبات، إذا أظلّهم البلاء فإليه ملجؤهم، وإذا نزلت بهم النّوازل فإليه مفزعهم، فهو رياض جنّتهم الّتي فيها يتقلّبون، ورؤوس أموال سعادتهم التي بها يتجرون يدع القلب الحزين ضاحكًا مسرورا، ويوصّل الذّاكر إلى المذكور، بل يدع الذّاكر مذكورا. وفي كلّ جارحة من الجوارح عبوديّة مؤقّتة. والذّكر عبوديّة القلب واللّسان وهي غير مؤقّتة، بل هم يؤمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كلّ حال قيامًا وقعوداً، وعلى جنوبهم، فكما أنّ الجنّة قيعان، وهو غراسها فكذلك القلوب بور خراب، وهو عمارتها وأساسها. وهو جلاء القلوب وصقالها، ودواؤها إذا غشيها اعتلالها، وكلّما ازداد الذّاكر في ذكره استغراقا ازداد المذكور محبّة إلى لقائه واشتياقا، وإذا واطأ في ذكره قلبه للسانه نسي في جنب ذكره كل شيء، وحفظ الله عليه كل شيء، وكان له عوضًا من كل شيء، به يزول الوقر عن الأسماع، والبكم عن
стр. 249
الألسن، وتنقشع الظّلمة عن الأبصار، زيّن اللّه به ألسنة الذّاكرين، كما زيّن بالنّور أبصار النّاظرين، فاللّسان الغافل كالعين العمياء، والأذن الصّمّاء، واليد الشّلّاء، وهو باب اللّه الأعظم المفتوح بينه وبين عبده، ما لم يغلقه العبد بغفلته" (١).
الطريق إلى دوام ذكر الله وكثرته:
أولاً: ترسيخ محبة الله تعالى في القلب. فإن محبة الله تعالى تدفع صاحبها إلى كثرة ذكر الله، وعلى قدر المحبة يكون الذكر، يقول ابن القيم: " لو صحت محبتك لاستوحشت ممن لا يذكِّرك بالحبيب، واعجبًا لمن يدِّعي المحبة ويحتاج إلى من يذكره بمحبوبه، فلا يذكره إلا بمذكِّر، أقل ما في المحبة أنها لا تنسيك تذكر المحبوب:
ذكرتُكَ لا أني نسيتُك ساعةً … وأيسرُ ما في الذكر ذِكرُ لساني" (٢).
ثانيًا: الاقتداء بالذاكرين الله كثيرا، ويأتي ذلك بمجالستهم، أو سماع أخبارهم أو قراءتها، وأكملهم أسوة للمؤتسين، وأتمهم قدوة للمقتدين نبينا محمد ﷺ ؛ فقد قالت عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) (٣). قال النووي: " المقصود: أنه ﷺ كان يذكر الله تعالى متطهراً ومحدثًا وجنباً، وقائماً وقاعداً ومضطجعًا وماشيًا، والله أعلم" (٤).
ثالثًا: إجالة الفكر في فضل الذكر وأهميته وثمراته، فمن نظر إلى ذلك متأملاً دفعه إلى كثرة الذكر والمداومة عليه؛ طمعًا في نيل درجة أهله، والظفر بخيره في الدنيا والآخرة.
رابعًا: التعلق بالدار الآخرة، فمن كان قوي الرغبة في الآخرة، غير متعلق بالدنيا؛ أكثرَ من ذكر الله تعالى؛ لعلمه أن كثرة الذكر كنز يدخره لآخرته، وأما الدنيا ففانيةٌ غير
стр. 250
باقية، فلا يلهيه الفاني عن الباقي.
خامسًا: الدعاء بالإعانة على كثرة الذكر، فكثرة الذكر عمل عظيم، ولكن النفس والهوى قد يقفان في طريق الوصول إلى ذلك، فاحتاج العبد إلى عون الله تعالى؛ فلذلك يستحب له أن يدعو بالإعانة على الذكر. فعن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ أخذ بيده يومًا ثم قال: (يا معاذ، والله إني لأحبك) فقال له معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأنا والله أحبك، قال: (أوصيك -يا معاذ- لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك) (١).
стр. 251
الهِمَّةَ الهِمَّةَ
ليستْ قوةُ البدن هي القوةَ الوحيدة في الإنسان، بل هناك قوى أخرى كامنة في هذا المخلوق، فمن أعظم تلك القوى: قوة العزيمة المعبَّر عنها بالهمة العالية، والتي تطلب معالي الأمور، وتكره سفاسفها، وتعشق الفضائل، وتسعى جاهدة إليها، وتفر من الرذائل وتنفر عنها.
أهمية علو الهمة:
إن علو الهمة في المحامد من شرف النفس، وبراهين الفضيلة، ومخايل النجابة، وأدلة نضوج العقل، وظهور الفضل، وبها يعرف الرجال؛ لأن المرء بهمته يبلغ المجد، وينال الرغائب، ويكتسب الثناء، ويصل إلى النعم. قال ابن القيم: " لو كانت النفس شريفة كبيرة لم ترض بالدون، فأصل الخير كله بتوفيق الله ومشيئته وشرف النفس ونبلها وكِبَرها، وأصل الشر خستها ودناءتها وصغرها" (١).
وقال الماوردي: " وقال بعض الحكماء: الهمة راية الجِد. وقال بعض البلغاء: علو الهمم بذر النِّعم. وقال بعض العلماء: إذا طلب رجلان أمراً ظفر به أعظمهما مروءة. وقال بعض الأدباء: من ترك التماس المعالي بسوء الرجاء لم ينل جسيمًا" (٢).
وقال الدينوري: "رأيتُ في بعض أسفاري شيخًا توسمت فيه الخير، فقلت له: يا سيدي، كلمة تزودني بها. قال: همتك فاحفظها؛ فإن الهمة مقدمة الأشياء، فمن صلحت له همته، وصدق فيها صلح له ما وراءها من الأعمال والأحوال" (٣).
стр. 252
وقال ابن القيم: " قال-يعني: الهروي صاحب منازل السائرين-: والعامة تقول: قيمة كل امرئ ما يحسن، والخاصة تقول: قيمة كل امرئ ما يطلب. يريد: أن قيمة المرء همته ومطلبه" (١).
وقال الشماخ في عَرابة الأوسي:
رَأَيْتُ عَرابَةَ الأَوْسِيَّ يَسْمُو … إِلى الخَيْراتِ مُنْقَطِعَ القَرين
إِذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لمَجْد … تَلَقَّاها عرابَةُ باليَمِينِ (٢).
وقال أبو الطيب:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم … وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ
وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها … وتصغرُ في عين العظيم العظائم (٣).
لا ترضَ بصغر الهمة:
إن الإنسان اللبيب لا يرضى لنفسه بصغر الهمة الذي يعني: " ضعف النّفس عن طلب المراتب العالية، وقصور الأمل عن بلوغ الغايات، واستكثار اليسير من الفضائل، واستعظام القليل من العطايا والاعتداد به، والرّضا بأوساط الأمور وأصاغرها" (٤). بل يلازم علو الهمة، ويسعى في مطالبها حتى يبلغ الغاية؛ فنبينا ﷺ لم يمنعه غفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر من الإكثار من العبادة، فعن عائشة ﵂: أن نبي الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت: لمَ تصنع هذا
стр. 253
يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: (أفلا أحب أن أكون عبدا شكوراً) (١).
وخليفته الصديق ﵁ علت همته وتاقت نفسه لأن يُدعى للدخول إلى الجنة من جميع أبوابها لا من باب واحد، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله، هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة) فقال أبو بكر ﵁: بأبي وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة؟ فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: (نعم، وأرجو أن تكون منهم) (٢).
قال ابن القيم: "لما سمت همة الصديق إلى تكميل مراتب الإيمان، وطمعت نفسه أن يدعى من تلك الأبواب كلها سأل رسول الله: هل يحصل ذلك لأحد من الناس؛ ليسعى في العمل الذي ينال به ذلك، فأخبره بحصوله، وبشره بأنه من أهله، وكأنه قال: هل تكمل لأحد هذه المراتب، فيدعى يوم القيامة من أبوابها كلها، فلله ما أعلى هذه الهمة، وأكبر هذه النفس! " (٣).
إن صغر الهمة يقعد بصاحبه عن المكرمات، ويجعله يؤثر أداني الأمور على أعاليها، ويطلب السهل القريب ولو كان دنيئًا رخيصًا، ويستصعب الشيء الذي يحتاج إلى جد وتعب ولو كان نفيسًا شريفًا. روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "لا تصغرن همتكم؛ فإني لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمم" (٤). وروي عنه رضي الله
стр. 254
عنه-: أنه سمع يوم عرفة رجلاً يسأل الناس، فقال: أفي هذا اليوم، وفي هذا المكان تسأل من غير الله؟! فخَفَقَه بالدِّرَّة" (١).
هكذا فكُن:
أما عالي الهمة فإنه يسعى لغايته البعيدة الشريفة حتى يصل إليها، وعلى قدر بذله لها ينال منها. قال الشافعي:
بقدرِ الكدِّ تُكتسبُ المعالي … ومن طلب العلا سهر الليالي
ومن رام العلا من غير كدٍّ … أضاع العمر في طلب المحال
تروم العز ثم تنام ليلاً … يغوص البحرَ مَنْ طلب اللآلي (٢).
وصاحب الهمة العالية لا يرضى لنفسه بالقعود دون غايته المنشودة، والقناعة بما دونها، بل يطلب العلو دائمًا، قال امرؤ القيس:
فلَوْ أَنَّ ما أَسْعَى لأَدْنَى مَعِيشَةٍ … كَفانِي- ولَمْ أَطْلُبْ- قَلِيلٌ مِنْ المالِ
ولكنَّما أَسْعَى لِمَجْدٍ مُؤَثَّلٍ … وقَدْ يُدْركُ المَجْدَ المُؤَثَّلَ أَمْثالي (٣).
وذو الهمة السامية يركب إلى هدفه الغالي كلَّ صعب وذلول، ولا يوقفه عنه لقيا المشقة والتعب؛ فإن نواصي المطالب، وعوالي الرغائب لا تنال إلا بالمشقة.
قال أبو الطيب:
ذَريني أنلْ ما لا يُنالُ من العُلا … فصعبُ العُلا في الصَّعبِ والسَّهلُ في السَّهلِ
تريدينَ لُقيانَ المَعَالي رخيصَةً … ولا بدَّ دونَ الشَّهدِ من إبرِ الَّنحلِ (٤)
стр. 255
وقال أيضًا:
وإذا كانت النُّفوس كباراً … تعبتْ في مرادها الأجسامُ (١).
وقال زهير:
وليس لمنْ لم يركب الهوْلَ بُغيةٌ … وليس لمن قد حطّه الله حاملُ (٢).
وقال أبو تمام الطائي
أَعاذِلَتي ما أَخْشَنَ اللَّيْلَ مَرْكَباً … وأَخْشَنُ مِنْهُ في المُلِمَّاتِ راكبُهْ
دَعِيني وأَهْوالَ الزَّمانِ أُفانِها … فأَهْوالُهُ العُظْمَى تَلِيها رغَائِبُهْ (٣).
وقال البارودي:
ومن تكنِ العلياءُ همةَ نفسهِ … فكلُّ الذي يلقاه فيها محببُ (٤).
ولولا وجود التعب في طريق المعالي لاستوى في نيلها السامي والداني، ولم يكن لذي الهمة العلية من فضل، ولا لذي الصبر من مزية:
لولا المشقةُ سادَ الناسُ كلهمُ … الجودُ يُفقِر والإقدامُ قتالُ" (٥).
وقال الآخر:
لأَسْتَسهِلنَّ الصعْبَ أو أُدْرِكَ المُنَى … فما انْقادَتِ الآمالُ إلا لصابِرِ (٦).
стр. 256
يقول ابن الجوزي عن نفسه وهمته، حاكيًا مع ذلك نماذجَ لبعض ذوي الهمم العالية ولكن في أمر الدنيا: " وما ابتلي الإنسان قط بأعظم من علو همته؛ فإن من علت همته يختار المعالي، وربما لا يساعده الزمان، وقد تضعف الآلة، فيبقى في عذاب، وإني أُعطيت من علو الهمة طرفاً؛ فأنا به في عذاب ولا أقول: ليته لم يكن؛ فإنه إنما يحلو العيش بقدر عدم العقل، والعاقل لا يختار زيادة اللذة بنقصان العقل، ولقد رأيت أقواماً يصفون علو هممهم، فتأملتها بها في فن واحد، ولا يبالون بالنقص فيما هو أهم، قال الرضي:
ولكل جسم في النحول بليةٌ … وبلاءُ جسمي من تفاوت همتي
فنظرت فإذا غاية أمله الإمارة، وكان أبو مسلم الخرساني في حال شبيبته لا يكاد ينام، فقيل له في ذلك! فقال: ذهن صاف، وهم بعيد، ونفس تتوق إلى معالي الأمور، مع عيش كعيش الهمج الرعاع. قيل: فما الذي يبرد غليلَك؟ قال: الظفر بالملك، قيل: فاطلبه، قال: لا يُطلب إلا بالأهوال، قيل: فاركب الأهوال، قال: العقل مانع، قيل: فما تصنع؟ قال: سأجعل من عقلي جهلاً، وأحاول به خدراً لا ينال إلا بالجهل، وأدبر بالعقل ما لا يحفظ إلا به؛ فإن الخمول أخو العدم. فنظرت إلى حال هذا المسكين فإذا هو قد ضيع أهم المهمات وهو جانب الآخرة، وانتصب في طلب الولايات، فكم فتكَ وقتل! حتى نال بعض مراده من لذات الدنيا، ثم لم يتنعم في ذلك غير ثمان سنين، ثم اغتيل، ونسي تدبير العقل، فقُتل ومضى إلى الآخرة على أقبح حال، وكان المتنبي يقول:
وَفي النّاسِ مَنْ يرْضَى بميسورِ عيشِهِ … وَمَرْكوبُهُ رِجْلاهُ وَالثّوْبُ جلدُه
وَلَكِنّ قَلْباً بَينَ جَنْبَيّ مَا لَهُ … مَدًى يَنتَهي بي في مُرَادٍ أحُدُّهُ
يَرَى جِسْمَهُ يُكْسَى شُفُوفاً تَرُبُّهُ … فيَختارُ أن يُكْسَى دُرُوعاً تهُدّهُ
فتأملت هذا الآخر فإذا نهمته فيما يتعلق بالدنيا فحسب!. ونظرت إلى علو همتي فرأيتها عجباً؛ وذلك أنني أروم من العلم ما أتيقن أني لا أصل إليه؛ لأني أحب نيل كل العلوم على اختلاف فنونها، وأريد استقصاء كل فن، وهذا أمر يعجز العمر عن بعضه،
стр. 257
فإن عرض لي ذو همة في فن بلغ منتهاه رأيته ناقصاً في غيره، فلا أعد همته تامة؛ مثل المحدث فاته الفقه، والفقيه فاته علم الحديث، فلا أرضى بنقصان من العلوم إلا حادثاً عن نقص الهمة، ثم إني أروم نهاية العمل بالعلم، فأتوق إلى ورع بِشْر، وزهادة معروف، وهذا مع مطالعة التصانيف، وإفادة الخلق، ومعاشرتهم بعيد، ثم إني أروم الغنى عن الخلق، وأستشرف الإفضال عليهم، والاشتغالُ بالعلم مانع من الكسب، وقبولُ المنن مما تأباه الهمة العالية، ثم إني أتوق إلى طلب الأولاد كما أتوق إلى تحقيق التصانيف، ليبقى الخَلَفان نائبينِ عني بعد التلف، وفي طلب ذلك ما فيه من شغل القلب المحب للتفرد، ثم إني أروم الاستمتاع بالمستحسنات، وفي ذلك امتناع من جهة قلة المال ثم لو حصل فرق جمع الهمة، وكذلك أطلب لبدني ما يصلحه من المطاعم والمشارب؛ فإنه متعود للترفه واللطف، وفي قلة المال مانع، وكل ذلك جمع بين أضداد، فأين أنا وما وصفته من حال من كانت غاية همته الدنيا؟ وأنا لا أحب أن يخدش حصول شيء من الدنيا وجه ديني بسبب، ولا أن يؤثر في علمي ولا في عملي. فوا قلقي من طلب قيام الليل، وتحقيق الورع مع إعادة العلم، وشغل القلب بالتصانيف، وتحصيل ما يلائم البدن من المطاعم، ووا أسفي على ما يفوتني من المناجاة في الخلوة مع ملاقاة الناس وتعليمهم، ويا كدر الورع مع طلب ما لا بد منه للعائلة. غير أني قد استسلمت لتعذيبي، ولعل تهذيبي في تعذيبي؛ لأن علو الهمة تطلب المعالي المقربة إلى الحق ، وربما كانت الحيرة في الطلب دليلاً إلى المقصود، وها أنا أحفظ أنفاسي من أن يضيع منها نفس في غير فائدة، وإن بلغ همي مراده، وإلا فنيةُ المؤمن أبلغ من عمله" (١).
الهمة تلد الهمة:
إن صاحب الهمة العالية متى بقي على همته فإنه لا يزال يترقى في مصاعد السمو، ولا يقنع بما نال، بل كلُّ منال ناله يُصعِده إلى ما فوقه. قال عمر بن عبد العزيز: " إن لي نفساً
стр. 258
تواقة، تاقت إلى فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها، وتاقت إلى الإمارة فوليتها، وتاقت إلى الخلافة فأدركتها، وقد تاقت إلى الجنة فأرجو أن أدركها إن شاء الله " (١). وقال ابن عبد ربه:
والحرُّ لا يكتفي منْ نيلِ مكرمةٍ … حتَّى يرومَ التي منْ دونها العطبُ
يسعى بهِ أملٌ منْ دونهُ أجلٌ … إنْ كفَّهُ رَهَبٌ يَسْتَدْعِهِ رَغَبُ
لذلكَ ما ساْلَ موسى ربَّهُ: أرني … أنظرْ إليكَ وفي تسآلهِ عجبُ
يَبْغي التَّزَيُّدَ فِيما نَالَ مِنْ كَرَمٍ … وَهْوَ النَّجِيُّ، لَدَيْه الوَحْيُ والكُتُبُ (٢).
وأنشد النابغة الجعدي بين يدي رسول الله ﷺ قصيدة يقول فيها:
علونا السماءَ عفةً وتكرُّماً … وإنا لنبغي فوق ذلك مظهراً
فغضب النبي ﷺ ، وقال: أين المظهر يا أبا ليلى؟ فقال: الجنة، يا رسول الله، فقال له النبي ﷺ : أجل، إن شاء الله" (٣). (٤).
إن ديننا الحنيف يحث على علو الهمة، ويدعو إلى قوة العزيمة في طِلاب الأمور النبيلة، فقد قال رسول ﷺ : (إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها) (٥). وفي الدعاء يدعو رسول الله ﷺ المسلمَ إلى أن لا يقنع بسؤال دخول الجنة فحسب، بل بسؤال الله إدخاله الفردوسَ الذي هو أوسط الجنة وأعلاها، فيقول ﵊: (فإذا سألتم اللهَ فسلوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجّرُ أنهار الجنة) (٦).
стр. 259
وعن أبي موسى قال: أتى النبيُّ- ﷺ أعرابيًا فأكرمه، فقال له: ائتنا، فأتاه، فقال رسول الله ﷺ : سل حاجتك فقال: ناقة نركبها، وأعنزاً يحلبها أهلي! فقال رسول الله ﷺ : عجزتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل؟ قال: إن موسى لما سار ببني إسرائيل من مصر ضلوا الطريق فقال: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقًا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا قال: فمن يعلم موضع قبره؟ قال: عجوز من بني إسرائيل، فبعث إليها فأتته فقال: دليني على قبر يوسف قالت: حتى تعطيني حكمي، قال: ما حكمك؟ قالت: أكون معك في الجنة. فكره أن يعطيها ذلك، فأوحى الله إليه: أنِ اعطها حكمَها، فانطلقت بهم إلى بحيرة- موضع مستنقع ماء- فقالت: نضبوا هذا الماء، فأنضبوا، قالت: احتفروا واستخرجوا عظام يوسف (١)، فلما أقلوها إلى الأرض، إذا الطريق مثل ضوء النهار) (٢).
لكن ربيعة بن كعب ﵁ لم يكن كهذا الأعرابي، بل سمت به همته إلى شيء أعظم من ذلك، فعنه قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ ، فأتيته بوَضوئه وحاجته، فقال لي: (سَلْ)، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: (أوَ غيرَ ذلك)؟ قلت: هو ذاك. قال: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) (٣). وعند الطبراني: كنت أخدم رسول
стр. 260
الله ﷺ نهاري، فإذا كان الليل أويت إلى باب رسول الله ﷺ فبت عنده، فلا أزال أسمعه يقول: سبحان الله، سبحان ربي، حتى أمل أو تغلبني عيني فأنام، فقال ذات يوم: (يا ربيعة، سلني فأعطيك)، قلت: أنظرني؛ حتى أنظر، وتذكرت أن الدنيا فانية منقطعة فقلت: يا رسول الله، أسألك أن تدعو الله أن يجنبني النار، ويدخلني الجنة. فسكت رسول الله ﷺ ثم قال: (من أمرك بهذا)؟ قلت: ما أمرني به أحد، ولكني علمت أن الدنيا منقطعة فانية، وأنت من الله بالمكان الذي أنت به، فأحببت أن تدعو الله، قال: (إني فاعل، فأعني بكثرة السجود) (١).
نعم، هذه هي الهمة العالية التي غضت عن متاع الدنيا الفاني، وطمحت إلى متاع الآخرة الباقي، وشتان بين من يفكر بربه وما يقربه إليه، ومن يفكر بمصلحته في دنياه، أو بشهوات نفسه. عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: اجتمع في الحجر مصعب وعروة وعبد الله بنو الزبير، وعبد الله بن عمر، فقالوا: تمنوا، فقال عبد الله بن الزبير: أما أنا فأتمنى الخلافة، وقال عروة: أما أنا فأتمنى أن يؤخذ عني العلم، وقال مصعب: أما أنا فأتمنى إمرة العراق، والجمع بين عائشة بنت طلحة وسكينة بنت الحسين، وقال عبدالله بن عمر: أما أنا فأتمنى المغفرة. قال: فنالوا كلهم ما تمنوا، ولعل ابن عمر قد غفر له" (٢).
وقال أحمد بن خضرويه: " القلوب جوَّالة: إما أن تجول حول العرش، وإما أن تجول حول الحُش (٣) " (٤). وكان شميط بن عجلان إذا وصف المُقبلَ على الدنيا يقول: دائب البطنة، قليل الفطنة، إنما همه بطنه وفرجه وجلده، متى أُصبِحُ فآكلُ وأشرب، وألهو وألعب، متى أُمسي فأنام! جيفةٌ بالليل، بطّال بالنهار، ويحك! ألهذا خلقتَ؟ أم بهذا
стр. 261
أمرت؟ أم بهذا تطلب الجنة وتهرب من النار؟! (١).
علو الهمة في طلب الآخرة:
وإذا حمدتْ الهمة السامية في أمور الدنيا المباحة فكيف بالأمور الدينية التي توصل إلى الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، قال الشوكاني: " ينبغي لمن كان صادق الرغبة، قوي الفهم، ثاقب النظر، عزيز النفس، شهم الطبع، عالي الهمة، سامي الغريزة أن لا يرضى لنفسه بالدون، ولا يقنع بما دون الغاية، ولا يقعد عن الجد والاجتهاد المبلغينِ له إلى أعلى ما يراد، وأرفع ما يستفاد؛ فإن النفوس الأبية، والهمم العلية لا ترضى بدون الغاية في المطالب الدنيوية؛ من جاه أو مال أو رئاسة أو صناعة أو حرفة، حتى قال قائلهم:
إذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ … فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ
فطَعْمُ المَوْتِ في أمْرٍ حَقِيرٍ … كطَعْمِ المَوْتِ في أمْرٍ عَظيمِ
وقال آخر مشيراً إلى هذا المعنى:
إذا لم تكن ملِكًا مطاعا … فكن عبداً لخالقه مطيعا
وإن لم تملكِ الدنيا جميعًا … كما تهواه فاتركها جميعا
هما شيئان من ملْك ونسْك … ينيلان الفتى شرفًا رفيعا
وقال آخر:
فإما مكانًا يضرب النجم دونه … سرادقَه أو باكياً لحِمامِ
وقد ورد هذا المعنى كثيراً في النظم والنثر، وهو المطلب الذي تنشط إليه الهمم الشريفة، وتقبله النفوس العلية، وإذا كان هذا شأنهم في الأمور الدنيوية التي هي سريعة الزوال قريبة الاضمحلال، فكيف لا يكون ذلك من مطالب المتوجهين إلى ما هو أشرف
стр. 262
مطلبًا، وأعلى مكسبًا وأربح مراداً، وأجل خطراً، وأعظم قدراً، وأعود نفعاً، وأتم فائدة وهي المطالب الدينية" (١).
إن أعلى الهمم همةٌ تاقت إلى الله تعالى وإلى جنته ورضوانه، وتعلقت بكل ما يقرب إلى ذلك، وزهدت عن كل شيء يعيقها أو يؤخرها عن ذلك المطلب الغالي، وكانت مع نية صالحة موصلة إلى المقصود العالي.
قال ابن القيم: "فإن الهمة إذا كانت عالية تعلقت به وحده دون غيره، وإذا كانت النية صحيحة سلك العبد الطريق الموصلة إليه، فالنية تفرد له الطريق، والهمة تفرد له المطلوب، فإذا توحد مطلوبه والطريق الموصلة إليه كان الوصول غايته، وإذا كانت همته سافلة تعلقت بالسفليات، ولم تتعلق بالمطلب الأعلى، وإذا كانت النية غير صحيحة كانت طريقة غير موصلة إليه، فمدار الشأن على همة العبد ونيته، وهما مطلوبه" (٢).
وعلو الهمة الذي ينبغي لك أيها المسلم هو: " أن لا تقف دون الله، ولا تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلاً منه ولا تبيع حظك من الله وقربه، والأنس به والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية، فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم؛ فإن الهمة كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها، وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان؛ فإن الآفات قواطع وجواذب، وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه، وإنما تجتذب من المكان السافل، فعلو همة المرء عنوان فلاحه، وسفول همته عنوان حرمانه" (٣).
إن المؤمن الصادق صاحب همة عالية في دينه الذي يوصله إلى سعادة دنياه وآخرته، فإذا كانت همم أكثر الناس في أعراض الدنيا وشهواتها فإن همته تنساق إلى الاجتهاد في
стр. 263
عبادة ربه التي تبلغه رضوانه وجنته، فلستَ تراه إلا في معرفة علم يبصره بدينه، أو صلاة أو صيام أو قراءة قرآن، وهو في ذلك على دأب وحرص وعناية.
يحكى أن الأسود بن يزيد كان يختم القرآن في رمضان في كل ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم القرآن في غير رمضان في كل ست ليال (١).
وكان ثابت البناني يقوم الليل، ويصوم النهار، وكان يقول: ما شيء أجده في قلبي ألذ عندي من قيام الليل (٢).
وكما للمؤمن الصادق همةٌ عالية في فعل الأوامر، فله همة عالية كذلك في ترك النواهي، وهجر السفاسف. قال ابن القيم: " فالنفوس الشريفة لا ترضى من الأشياء إلا بأعلاها وأفضلها، وأحمدها عاقبة، والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات، وتقع عليها كما يقع الذباب على الأقذار، فالنفس الشريفة العلية لا ترضى بالظلم ولا بالفواحش، ولا بالسرقة والخيانة؛ لأنها أكبر من ذلك وأجل، والنفس المهينة الحقيرة والخسيسة بالضد من ذلك. فكل نفس تميل إلى ما يناسبها ويشاكلها وهذا معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]. أي: على ما يشاكله ويناسبه … " (٣).
وقال مَعْن بن أَوْس المُزَنِيّ:
لَعَمْرُكَ ما أَهْوَيْتُ كَفِّي لرِيبَةٍ … ولا حَمَلَتْنِي نَحْوَ فاحِشَةٍ رِجْلي
ولا قادَنِي سَمْعِي ولا بَصَرِي لَها … ولا دَلَّنِي رَأْيٌ عَلَيْها ولا عَقْلِي
وأَعْلَمُ أَنِّي لم تُصِبْنِي مُصِيبَةٌ … مِنْ الدَّهْرِ إلاّ قد أَصابَتْ فَتىً قَبْلِي
ولستُ بماشٍ ما حييتُ لمنكرٍ … من الأمرِ لا يمشي إلى مثلهِ مثلِى (٤).
стр. 264
طرق إلى علو الهمة في أمر الآخرة:
إن من الطرق إلى علو الهمة في أمر الآخرة: أن يحيي المسلم قلبه؛ إذ بحياته يقوى عزمه، وبه يصل إلى الحياة الطيبة؛ إذ كلما "كان القلب أتم حياة كانت همته أعلى وإرادته ومحبته أقوى؛ فإن الإرادة والمحبة تتبع الشعور بالمراد المحبوب، وسلامة القلب من الآفة التي تحول بينه وبين طلبه وإرادته، فضعف الطلب وفتور الهمة إما من نقصان الشعور والإحساس، وإما من وجود الآفة المضعفة للحياة، فقوة الشعور وقوة الإرادة دليل على قوة الحياة، وضعفهما دليل على ضعفها، وكما أن علو الهمة وصدق الإرادة والطلب من كمال الحياة، فهو سبب إلى حصول أكمل الحياة وأطيبها؛ فإن الحياة الطيبة إنما تنال بالهمة العالية والمحبة الصادقة والإرادة الخالصة، فعلى قدر ذلك تكون الحياة الطيبة، وأخس الناس حياة أخسهم همة وأضعفهم محبة وطلبًا، وحياة البهائم خير من حياته كما قيل:
نهارُك يا مغرورُ سهوٌ وغَفْلةٌ … وليلُك نومٌ والردىَ لك لازمُ
وتكدحُ فيما سوف تكره غِبَّهُ … كذلك في الدنيا تعيشُ البهائمُ
تُسَر بما يَبلَى وتفرَحُ بالمنى … كما اغترَّ باللذاتِ في النوم حالمُ
والمقصود: أن حياة القلب بالعلم والإرادة والهمة" (١).
ومن الطرق إلى ذلك أيضًا: النظر المتأمِّل إلى زوال الدنيا وقلتها وكدرها، وإلى ذهاب الإنسان عنها ومفارقته لها، فحينما كانت كذلك فإنها ليست أهلاً لأن تعلو همة المؤمن في طلبها؛ فإنه لا "يرضى لنفسه أن يتزود منها إلى دار بقائه وخلوده أخسّ ما فيها وأقله نفعًا إلا ساقطُ الهمة دنيء المروءة، ميت القلب؛ فإن حسرته تشتد إذا عاين حقيقة ما تزوده، وتبين له عدم نفعه له، فكيف إذا كان ترك تزود ما ينفعه إلى زاد يعذب به، ويناله بسببه غاية الألم، بل إذا تزود ما ينفعه وترك ما هو أنفع منه له، كان ذلك حسرة عليه وغبناً" (٢).
стр. 265
ثمرات الهمة العالية في طلب الآخرة:
أولاً: الرفعة وكمال اللذة:
من كانت هذه همته التي يعيش من أجلها فهو أرفع الناس قدراً، وأكملهم لذة؛ إذ "لذة كل أحد على حسب قدره وهمته، وشرف نفسه، فأشرف الناس نفسًا وأعلاهم همة وأرفعهم قدراً مَنْ لذته في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه، والتودد إليه بما يحبه ويرضاه، فلذته في إقباله عليه، وعكوف همته عليه، ودون ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله، حتى تنتهي إلى مَنْ لذته في أخس الأشياء من القاذورات والفواحش في كل شيء من الكلام والفعال والأشغال" (١).
ثانيًا: صلاح القلب. ومن كانت همته عالية في طلب الآخرة صلح قلبه؛ فإنه متى ما " طلع نجم الهمة في ظلام ليل البطالة، وردفه قمر العزيمة أشرقت أرض القلب بنور ربها" (٢).
ثالثًا: الوصول إلى المُنى. فبالهمة العالية تسهل المشقات ويوصل إلى الغايات "فالكيِّسُ يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة، وتجريد القصد، وصحة النية مع العمل القليل أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر الشاق؛ فإن العزيمة والمحبة تذهب المشقة، وتطيب السير، والتقدم والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم وصدق الرغبة والعزيمة، فيتقدم صاحب الهمة مع سكونه صاحبَ العمل الكثير بمراحل، فإن ساواه في همته تقدم عليه بعمله، وهذا موضع يحتاج إلى تفصيل يوافق فيه الإسلام والإحسان" (٣).
стр. 266
انتهازُ الفُرص
ليس للإنسان في دنياه غيرُ حياة واحدة، إذا ذهبت عنه فليس له فرصة أخرى لتعويضها، وما حياته إلا حظٌّ محدود، تنتهبه الأيام والليالي حتى يفنى، ويلقى بعدها جزاء ما قدم: إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
قال أبو الدرداء ﵁: " ابنَ آدم، طأِ الأرضَ بقدمك؛ فإنها عن قليل تكون قبرك، ابنَ آدم، إنما أنت أيام، فكلما ذهب يوم ذهب بعضك، ابنَ آدم، إنك لم تزل في هدم عمرك منذ يوم ولدتك أمك" (١)! وقال الحسن: " ابنَ آدم، إنك بين مطيتين يُوضعانِك (٢): الليل إلى النهار، والنهار إلى الليل، حتى يسلماك إلى الآخرة، فمن أعظم منك يا ابن آدم، خطراً" (٣).
فحريٌّ بالعاقل أن يبادر زمانه فيستغل فرَصه، ويغتنم أنفاسه، فيما ينفعه في آخرته، ويسعده عند لقاء ربه؛ فإنه قد جاء إلى هذه الدنيا لغاية واحدة هي عبادة الله تعالى وحده، فذاهبُ العقلِ من اتجه إلى غاية أخرى فشغل بها حياته، حتى ضيع الغاية التي خُلق لأجلها.
فـ: " واعجباً من موجود لا يفهم معنى الوجود، فإن فهم لم يعمل بمقتضى فهمه. يعلم أن العمر قصير، وهو يضيعه بالنوم والبطالة، والحديث الفارغ، وطلب اللذات، وإنما أيامه أيام عمل لا زمان فراغ" (٤).
стр. 267
أمَا رأى متبعُ هواه الذي أشغلته نفسه في دنياه عن أخراه كم تمر به من العِبر، فما له فيها مزدجر! ولا دعته إلى تغيير حاله، واستغلال حياته في زاد ينفعه يوم مصيره.
أما رأى الموتَ يتخطف أقاربه وأصحابه ومعارفه من حوله، فهل كان عن ذلك المصرع في مأمن؟، أما رأى ناسًا شبابًا وشيبًا قد قيدتهم الأمراض بعد العافية، فأصبحت أجسامهم بالسقم كاسية، وعن الصحة عارية؟ أفلَه عن تلك الحال التي صاروا إليها ضمان يؤمّنه، أو عاصم يعصمه؟!
هيهات هيهات، ليس للمرء من ذلك مانع مهما كان صحيحًا، ومهما كان قويًا، ومهما كان لديه من أسباب العافية والسلامة، فالحياة الدنيا غير مأمونة من تقلب الأحوال، وتبدل الأطوار، وحصول الموانع، وتعذر العمل أو تعسره بهجوم القواطع؛ ولهذا حث رسول الله ﷺ على المبادرة إلى العمل الصالح قبل حدوث ما يحول بين المرء وبينه؛ كالفتن والبلايا العظيمة. قال رسول الله ﷺ : (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا، ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمنًا، ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا) (١). وقال ﵊: (بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم أو أمر العامة) (٢)(٣).
بادرْ قبل ذهاب العمر:
إن عمر الإنسان في الدنيا قصير، وأمامه مصير خطير يفضي إلى حياة أبدية: إما إلى جنة وإما إلى نار، وإن هذه الحياة الدنيا فرصة للعمل الصالح، والاستعداد الناجح ليوم المعاد، فالموفَّق من تأمل في هذا فنزع عن نفسه ثوب الغفلة، وارتدى حلة اليقظة
стр. 268
واقتناص كل فرصة، فراح يشغل عمره بالطاعة قبل الممات، ومبادرة خيرات الزمان قبل الفوات؛ وحُداؤه: اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل.
قال ابن الجوزي: من عجائب ما أرى من نفسي ومن الخلق كلهم: الميل إلى الغفلة عما في أيدينا، مع العلم بقصر العمر، وأن زيادة الثواب هناك بقدر العمل ههنا، فاحملْ نفسك على المُرِّ، واقمعها إذا أبت، ولا تسرح لها في الطول، فما أنت إلا في مرعى. وقبيح بمن كان بين الصفين أن يتشاغل بغير ما هو فيه" (١).
وقال ابن القيم: "اشترِ نفسَك اليوم؛ فإن السوق قائمة، والثمن موجود، والبضائع رخيصة، وسيأتي على تلك البضائع يوم لا تصل فيه إلى قليل ولا كثير: وذلك يوم التغابن، ويوم يعض الظالم على يديه.
إِذا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزادٍ مِنْ التُّقَى … ولاقَيْتَ بعدَ الموتِ مَنْ قد تَزَوَّدا
نَدِمْتَ على أَنْ لا تكُونَ كمِثْلِهِ … وأَنَّكَ لَمْ تَرْصُدْ لما كانَ أَرْصَدا" (٢).
" وقال بعض البلغاء: كل امرئ يجري من عمره إلى غاية تنتهي إليها مدة أجله، وتنطوي عليها صحيفة عمله، فخذْ من نفسك لنفسك، وقِسْ يومك بأمسك، وكف عن سيئاتك، وزد في حسناتك قبل أن تستوفي مدة الأجل، وتقصر عن الزيادة في السعي والعمل" (٣).
"وجِد في حجر مكتوب: ابنَ آدم، لو أنك رأيت يسير ما بقي من أجلك لزهدت في طول ما ترجو من أملك، ولرغبت في الزيادة في عملك، ولقصرتَ من حرصك وحيلك، وإنما يلقاك غداً ندمك، وقد زلّتْ بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وتبرأ منك
стр. 269
القريب، وانصرف عنك الحبيب، فلا أنت إلى أهلك بعائد، ولا في علمك بزائد" (١).
اغتنم ما أعطاك:
أيها المعافى، لا تركن إلى عافيتك فتلهو بها عن آخرتك، ظانًا أنها ستدوم عليك وحينها ستقبل على الطاعات وتترك المعاصي، ليس الأمر كما تظن؛ فإن العافية لا تستمر فالسقم ينتظرها، فإذا نزل بالمرء ربما ندم على تفريطه في زمن الصحة فيقول: يا ليتني أطعت، يا ليتني ما عصيت!
قال ابن الجوزي: "رأيت المعافى لا يعرف قدر العافية إلا في المرض، كما لا يعرف شكر الإطلاق إلا في الحبس" (٢).
فانتهزْ فرصة صحتك بالمسارعة إلى الخير، وتجنبِ الشر، وأبشر فإنك إذا كنت حال العافية على الطاعة فنزل بك المرض فمُنِعت عن تلك الطاعات المستحبة بسبب مرضك كُتب لك أجر ما كنت تعمل صحيحًا. قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (إذا مرض العبد أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا) (٣).
قال ابن حجر: " وهو في حق من كان يعمل طاعة فمنع منها وكانت نيته لولا المانع أن يدوم عليها، كما ورد ذلك صريحًا عند أبي داود من طريق العوام بن حوشب بهذا الإسناد في رواية هشيم، وعنده في آخره: (كأصلح ما كان يعمل وهو صحيح مقيم)، ووقع أيضًا في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: (إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة، ثم مرض قيل للملك الموكل به: اكتب له مثل عمله إذا كان طليقًا حتى أطلقه أو أكفته إلي)، أخرجه عبد الرزاق وأحمد وصححه الحاكم، ولأحمد من حديث أنس رفعه: " إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء في جسده قال الله: اكتب له صالح عمله الذي كان
стр. 270
يعمله، فإن شفاه غسله وطهره، وإن قبضه غفر له ورحمه)، ولرواية إبراهيم السكسكي عن أبي بردة متابع أخرجه الطبراني من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده بلفظ: (إن الله يكتب للمريض أفضل ما كان يعمل في صحته ما دام في وثاقه) الحديث، وفي حديث عائشة عند النسائي: (ما من امرئ تكون له صلاة من الليل يغلبه عليها نوم أو وجع إلا كتب له أجر صلاته وكان نومه عليه صدقة) (١).
أيها الشاب، لا تغتر بشبابك، وتطل منه أملَك في مستقبل الأيام، معتقداً أن أمامك فرصة طويلة في الحياة ببقائك عليها، وزيادة عمرك فيها، ولا تصدق الشيطان وأعوانه من الإنس الذي يمنّونك بمستقبل طويل، ويدْعونك إلى التمتع بشبابك في مراتع الحرام؛ تركًا للطاعات، وإسرافًا على النفس بالغفلة والسيئات.
ويَعِدُونك أنك إذا امتد بك الزمان فستتفرغ للعبادة والنُّسك، بعد أن تريق ماء الشباب في اللذات والشهوات! فسبحان الله! كم استجاب لهذه الدعوة الشيطانية من شبان المسلمين وشاباتهم، فصاروا أُسراء اللهو والعبث، أرقّاء لرغبات النفس ومشتهياتها المحظورة. أفما علموا أن شمس الشباب إلى أفول، وزهرة العمر إلى ذبول، وأن بعد الشباب العجز والهرم، وصعوبةَ العمل، وعُسرَ زوال العادات السيئة التي قد طُبعت على صفحة الشباب، هذا إن امتد بالإنسان العمر. أما إذا بغت الموت، وفجأ الأجل فقد ذهبت الأماني وانطفأ الأمل، وانقطع العمل، فلا تنفع حينئذ الحسرات، ولا يجدي الندم ولا الآهات.
قال البخاري:
اغتنمْ في الفراغ فضلَ ركوع … فعسى أن يكون موتك بغتهْ
كم صحيحٍ رأيت من غير سقم … ذهبت نفسُه الصحيحة فَلتهْ (٢).
стр. 271
وقال عون بن عبد الله: " ما أحد يُنزل الموتَ حق منزلته إلا عدَّ غداً ليس من أجله، كم من مستقبل يومًا لا يستكمله، وراجٍ غداً لا يبلغه، إنك لو ترى الأجل ومسيرَه، لأبغضت الأمل وغروره" (١).
أما لو فكرتَ في أمنيات من سبقك إلى القبور من شُّبان اللهو والتقصير، وغادروا الحياة وهم في ريعان شبابهم إلى تلك الدور، هل تظن أنهم يتمنون الرجوع إلى الدنيا لاستكمال شوط الشهوات، وإمتاع النفوس في ميدان الملذات، أم أنهم يتمنون العودة من أجل أن يعملوا صالحًا، ويعدلوا مسير طريقهم، بعد أن ذهبت سكرة لهوهم برؤية ما في قبورهم؟ فها أنت اليوم في أمنياتهم، فاعمل صالحًا قبل أن تتمنى مُناهم فلا تعطاها، وتندم نداماتهم فلا تنتفع بها.
فطوبى لشاب انتهز فرصة شبابه، واغتنم بواكير عمره في طاعة ربه، وتجهز لقواطع العمل قبل حلولها، فما أسعده بالاستظلال في ظل الله تعالى يوم القيامة. قال النبي ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد … ) (٢).
نصيحة ابن الجوزي:
وهذه نصائح يقدمها الإمام ابن الجوزي يحث فيها على اقتناص الفرص عمومًا، واغتنام مهلة الأيام بالمبادرة إلى عمل الصالحات، يقول ﵀: " فالبدارَ البدار يا أرباب الفهوم؛ فإن الدنيا معبر إلى دار إقامة، وسفر إلى المستقر والقرب من السلطان ومجاورته، فتهيئوا للمجالسة، واستعدوا للمخاطبة، وبالغوا في استعمال الأدب؛ لتصلحوا للقرب من الحضرة، ولا يشغلكم عن تضمير الخيل تكاسل، وليحملكم على الجد في ذلك
стр. 272
تذكركم يوم السباق؛ فإن قرب المؤمنين من الخالق على قدر حذرهم في الدنيا" (١).
وقال أيضًا: " لله در قوم بادروا الأوقات، واستدركوا الهفوات، فالعين مشغولة بالدمع عن المحرمات، واللسان محبوس في سجن الصمت عن الهلكات، والكف قد كفّت بالخوف عن الشهوات، والقدم قد قُيدت بقيد المحاسبات، والليل لديهم يجأرون فيه بالأصوات، فإذا جاء النهار قطعوه بمقاطعة اللذات، فكم من شهوة ما بلغوها حتى الممات، فتيقظْ للحاقهم من هذه الرقدات، ولا تطمعن في الخلاص مع عدم الإخلاص في الطاعات، ولا تؤملن النجاة وأنت مقيم على الموبقات! ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١].
عجباً لأمنِك والحياةُ قصيرة … وبفقدِ إلفٍ لا تزال تُروّعُ
أفقد رضيتَ بأن تعلَّل بالمنى … وإلى المنية كلَّ يوم تُدفع
لا تخدعنّك بعد طول تجارب … دنيا تغرُّ بوصلها وستُقطع
أحلامُ نوم أو كظل زائل … إن اللبيب بمثلها لا يُخدع
وتزودنَّ ليوم فقرك دائبًا … ألغير نفسك لا أبالك تَجمع
لما علم الصالحون قصر العمر، وحثهم حادي: ﴿وَسَارِعُوا﴾ طووا مراحل الليل مع النهار انتهاباً للأوقات" (٢).
وقال أيضًا: " إخواني، بادروا آجالكم، وحاذروا آمالكم، أما لكم عبرة فيمن مضى أما لكم! ما هذا الغرور الذي قد أمالكم، ستتركون على رغم آمالِكم مالَكم.
إخواني، صدَّقتم الأمل فكذّبكم، وأطعتم الهوى فعذّبكم، أما أنذركم السقم بعد الصحة، والترحة بعد الفرحة، في كل يوم يموت من أشباحكم ما يكفي في نعي
стр. 273
أرواحكم، ويحل بعقر داركم وفِنائكم ما يخبركم عن شتاتكم وفَنائكم، فخذوا حذركم قبل النوائب، فقد أُتيتم من كل جانب، وتذكروا سهر أهل النار في النار واحذروا فوت دار الأبرار، وتخوفوا يوم الفصل بين الفريقين أن يصيبكم من البَيْن البين" (١)
وقال أيضًا: " فاللهَ الله، بادروا العمر اليسير، والأجل القصير، قبل نزول ملك الموت بالهول العظيم الكبير؛ فالموت يقصم الأصلاب، ويقطع الرقاب، ويرد كل مخلوق إلى التراب، ويقرب المؤمن الطائع إلى جنة المآب، ويسوق الفاجر العاصي إلى أليم العذاب، فتفكروا في الموت يا أهل الفناء والذهاب" (٢).
وقال أيضًا: " فاللهَ الله في مواسم العمر، والبدار قبل الفوات، واستشهدوا العلم، واستدلوا الحكمة، ونافسوا الزمان، وناقشوا النفوس، واستظهروا بالزاد، فكأنْ قد حدا الحادي فلم يفهم صوته إلا من وقّع بدمع الندم" (٣).
وقال أيضًا: " طوبى لمن بادر عُمره القصير، فعمَّر به دار المصير، وتهيأ لحساب الناقد البصير، قبل فوات القدرة وإعراض النصير، قال ﵊: (بادروا بالأَعمال سبعاً؛ هل تنتظرون إِلّا فقراً مُنسياً؟ أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو موتاً مجهزاً، أو هرماً مُفنداً (٤)، أو الدجال، فشرُّ غائب يُنتظر، أو الساعة، فالساعة أدهى وأمر) (٥). كان الحسن يقول: عجبت لأقوام أُمروا بالزاد، ونُودي فيهم بالرحيل، وجلس أولهم على آخرهم وهم يلعبون، وكان يقول: يا بن آدم، السكين تُشحذ، والتنور يسجر، والكبش يعتلف!! وقال أبو حازم: إن بضاعة الآخرة كاسدة، فاستكثروا منها في أوان كسادها؛
стр. 274
فإِنه لو جاء وقت نَفاقها لم تصلوا فيها إِلى قليل ولا كثير" (١).
وقال ابن الجوزي أيضًا: " يا نفس، بادري بالأوقات قبل انصرامها، واجتهدي في حراسة ليالي الحياة وأيامها، فكأنك بالقبور وقد تشققت، وبالأمور وقد تحققت، وبوجوه المتقين وقد أشرقت، وبرؤوس العصاة وقد أَطرقت، يا نفس، أما الورعون فقد حذروا، وأما الخائفون فقد استعدوا، وأما الصالحون فقد راحوا، وأما الواعظون فقد صاحوا. يا نفس، اتعبي قليلاً تستريحي في الفردوس كثيراً، كأنك بالتعب قد انقضى، وبحرصك من اللعب قد مضى، وثمر الصبر قد أثمر حلاوة الرضا، لا يطمعن البطّال في إدراك الأبطال، هيهات أن يدرك البطلَ المجتهدَ، مَنْ غاب حين النزال فما شهِد .. أيها العبد، إن عزمت فبادر، وإن هممت فثابر، واعلم أنه لا يدرك المَفاخر، من كان في الصف الآخر، سلع المجد كاسدة، وكأنْ قد غلت، ومراعي الفضل قريبة، وكأن قد علت، وكأنك بغايات الغفلات قد انجلت، فأصبحت حلاوة البطالة من أفواه الغافلين قد رحلت، وأصبحت رايات المجاهدين قد حلت، وتفاوت في السباق مضمار وبطين، كما تفاوت في الإحراق ماء وطين:
لا تَحسَبِ المجدَ تَمراً أَنْتَ آكِلُهُ … لا تَبلُغ المجدَ حَتى تَلعَق الصَبرا" (٢).
стр. 275
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
الفقر والحاجة، والضعف والعجز، والجهل والنقص، صفات ملازمة للإنسان، وأعداؤه المتربصون به- من نفسه وهواه، وفتن عيشه ودنياه، وشياطين الإنس والجن- لا يكفون عن إرادة إيقاعه في الضر، ومطالب الدين والدنيا كثيرة، والعوائق في طريق تحقيق كل ما يرغب الإنسان من ذلك غير قليلة.
ومع ذلك لا يسلم المرء من أنواع البلايا، وصنوف المحن والرزايا، وتعدد المكاره والمزعجات.
والإنسان في هذا الظرف الشائك الذي يعيش فيه يحتاج إلى يد منقذ رؤوف، وعطفة معين قادر قوي غني، يستطيع دائمًا أن يعطيه ما طلبه، ويعيذه مما يخافه، وليس ذلك إلا الله تعالى الذي بيده كل شيء ﵎، فإنْ تركه بين أشداق هذه المهالك وحده فأنَّى له النجاة؟!
قال ابن القيم: "كيف يسلم من له زوجة لا ترحمه، وولد لا يعذره، وجار لا يأمنه، وصاحب لا ينصحه، وشريك لا يُنصفه، وعدوٌّ لا ينام عن معاداته، ونفس أمارة بالسوء، ودنيا متزيِّنة، وهوى مُردٍ، وشهوة غالبة له، وغضب قاهر، وشيطان مزِّين، وضعف مستولٍ عليه؟! فإن تولاه الله وجذبه إليه انقهرت له هذه كلها، وإن تخلى عنه ووكله إلى نفسه اجتمعت عليه فكانت الهلكة" (١).
وقال أيضًا: ماذا يملك مَنْ أمرُه وناصيته ونفسه بيد الله، وقلبه بين أصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء، وحياته بيده، وموته بيده، وسعادته بيده، وشقاوته بيده،
стр. 276
وحركاته وسكناته وأقواله وأفعاله بإذنه ومشيئته، فلا يتحرك إلا بإذنه ولا يفعل إلا بمشيئته، إن وكله إلى نفسه وكله إلى عجز وضيعة، وتفريط وذنب وخطيئة، وإن وكله إلى غيره وكله إلى من لا يملك له ضراً ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشوراً، وإن تخلى عنه استولى عليه عدوه، وجعله أسيراً له، فهو لا غنى له عنه طرفة عين، بل هو مضطر إليه على مدى الأنفاس، في كل ذرة من ذراته باطنًا وظاهراً، فاقتُه تامة إليه" (١).
ولذلك فتح الله تعالى برحمته للإنسان بابَ الدعاء؛ حتى يصل به إلى ما يرغب، ويأمن به مما يرهب.
فأمر بالدعاء ووعد بالإجابة، وبين أنه قريب من عباده، فما عليهم إلا أن يسألوه ويستعطوه. قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. قال ابن كثير: "هذا من فضله ﵎ وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة؛ كما كان سفيان الثوري يقول: يا مَنْ أَحبُّ عباده إليه مَنْ سأله فأكثرَ سؤاله، ويا مَنْ أبغضُ عباده إليه مَنْ لم يسأله، وليس أحد كذلك غيرك يا رب" (٢).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. "يعني تعالى ذكره بذلك: وإذا سَألك يا محمد، عبادي عَني: أين أنا؟ فإني قريبٌ منهم أسمع دُعاءهم، وأجيب دعوة الداعي منهم" (٣).
فضل الدعاء:
إن للدعاء مكانة عظيمة، ومنزلة سامية، وفضلاً كبيراً، ويدل على ذلك:
стр. 277
أولاً: أن الدعاء عبادة من أعظم العبادات، فهو مع كونه طريقًا لنيل المصالح العاجلة والآجلة عبادة جليلة يؤجر عليها المسلم؛ لأن فيه تضرعًا وإظهاراً للعبودية لله وحده
عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ قال: (الدعاء هو العبادة) ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (١).
وعن ابن عباس ﵄: أفضل العبادة هو الدعاء وقرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (٢).
فقوله: (الدعاء هو العبادة) "أي: هو العبادة الحقيقية التي تستأهل أن تسمى عبادة؛ لدلالته على الإقبال على الله والإعراض عما سواه، بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا إياه، قائمًا بوجوب العبودية، معترفًا بحق الربوبية، عالمًا بنعمة الإيجاد، طالبًا لمدد الإمداد على وفق المراد" (٣).
وقيل: "معناه: أن الدعاء معظم العبادة، كما قال ﷺ : (الحج عرفة)، أي: معظم أركان الحج الوقوف بعرفة، أو المعنى: أن الدعاء هو العبادة سواء استجيب أو لم يستجب؛ لأنه إظهار العبد العجزَ والاحتياجَ من نفسه والاعترافَ بأن الله تعالى قادر على إجابته، كريم لا بخل له ولا فقر ولا احتياج له إلى شيء، حتى يدخر لنفسه ويمنعه من عباده، وهذه الأشياء هي العبادة بل مخها" (٤).
стр. 278
وقال الرازي: "فلا مقصود من جميع التكاليف إلا معرفة ذل العبودية وعز الربوبية، فإذا كان الدعاء مستجمعاً لهذين المقامين لا جرم كان الدعاء أعظم أنواع العبادات" (١).
وقال أيضًا تحت الآية السابقة: من المعلوم بالضرورة أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله تعالى، فلذلك كان الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات، ولما كان أشرف أنواع الطاعات الدعاء والتضرع لا جرم أمر الله تعالى به في هذه الآية فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢).
وقال ابن عبد البر: الدعاء من العبادة؛ لأن فيه الإخلاص والضراعة والإيمان والخضوع، والله يحب أن يُسأل؛ ولذلك أمر عباده أن يسألوه من فضله (٣).
وقال ابن رجب: " واعلم أنَّ سؤالَ اللهِ تعالى دونَ خلقه هوَ المتعين؛ لأنَّ السؤال فيهِ إظهار الذلِّ من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعترافُ بقدرةِ المسؤول على دفع هذا الضَّرر، ونيل المطلوب، وجلبِ المنافع، ودرء المضارِّ، ولا يصلح الذلُّ والافتقار إلاَّ لله وحدَه؛ لأنَّه حقيقة العبادة" (٤).
وقال ابن القيم: " أمرَه بسؤاله والطلبِ منه؛ إظهاراً لمرتبة العبودية والفقر والحاجة، واعترافًا بعز الربوبية وكمال غنى الرب، وتفرده بالفضل والإحسان، وأن العبد لا غنى له عن فضله طرفة عين، فيأتي بالطلب والسؤال إتيان من يعلم أنه لا يستحق بطلبه وسؤاله شيئًا، ولكن ربه تعالى يحب أن يسأل ويرغب إليه ويطلب منه … والله يحب تذلل عبيده بين يديه وسؤالهم إياه وطلبهم حوائجهم منه، وشكواهم إليه وعياذهم به منه، وفرارهم منه إليه" (٥).
стр. 279
وقال السندي: " الدعاء من وظائف العبودية، بل أعلاها -مخ العبادة- ومن يعلم أن حقيقة العبادة إظهار التذلل والافتقار والاستكانة والدعاء في ذلك في الغاية القصوى؛ يظهر له سر كون الدعاء مخ العبادة" (١).
ثانيًا: أن للدعاء عند الله تعالى رتبة عالية، ويدل على ذلك قول رسول الله ﷺ : (ليس شيء أكرم على الله من الدعاء) (٢). وذلك" لدلالته على قدرة الله وعجز الداعي، ولأنه سبب لنيل الحظوظ التي جعلت لنا في الغيب؛ ولذلك صار للدعاء من السلطان ما يرد القضاء" (٣).
ثالثًا: أن رسول الله ﷺ أمر بالإكثار منه، ولا يأمر بالإكثار من شيء إلا لفضله ونفاسته. قال رسول الله ﷺ : (إذا سأل أحدكم فليكثر؛ فإنه يسأل ربه) (٤).
وقال النبي ﷺ : (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها) قالوا: إذا نكثر، قال: (الله أكثر) (٥).
قال المباركفوري: " (نكثر) أي: من الدعاء لعظيم فوائده (قال) أي: رسول الله ﷺ (الله أكثر) قال الطيبي: أي: الله أكثر إجابة من دعائكم، وقيل إن معناه: فضل الله أكثر أي: ما يعطيه من فضله وسعة كرمه أكثر مما يعطيكم في مقابلة دعائكم، وقيل: الله أغلب في الكثرة فلا تعجزونه في الاستكثار؛ فإن خزائنه لا تنفد، وعطاياه لا
стр. 280
تفنى، وقيل: الله أكثر ثواباً وعطاء مما في نفوسكم فأكثروا ما شئتم؛ فإنه تعالى يقابل أدعيتكم بما هو أكثر منها وأجل" (١).
رابعًا: أنه سلاح يقاوم به البلاء، فيرفعه إن كان موجوداً، ويدفعه إن كان غير موجود
قال رسول الله ﷺ : (إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عبادَ الله بالدعاء) (٢).
فـ" (الدعاء ينفع مما نزل) أي: من بلاء نزل بالرفع إن كان معلقًا، وبالصبر إن كان محكمًا فيسهل عليه تحمل ما نزل به فيصبره عليه أو يرضيه به حتى لا يكون في نزوله متمنيًا خلاف ما كان، بل يتلذذ بالبلاء كما يتلذذ أهل الدنيا بالنعماء، (ومما لم ينزل) أي: بأن يصرفه عنه ويدفعه منه أو يمده قبل النزول بتأييد من يخف معه أعباء ذلك إذا نزل به" (٣). وقد قيل: "الدعاء كالتُرس والبلاء كالسهم، والقضاء أمر مبهم مقدَّر في الأزل" (٤).
قال ابن القيم: " والدعاء من أنفع الأدوية وهو عدو البلاء؛ يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله ويرفعه، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن" (٥).
آداب الدعاء:
الدعاء عبادة من العبادات التي ينبغي معرفة آدابها وأحكامها؛ حتى يظفر المسلم بأجرها، ويحصل على أثرها من الإجابة وغيرها. فربما يدعو بعض الناس دعاء كثيراً ولم تحصل له الإجابة، وقد يكون من أسباب عدم حصول المراد: وجود مانع من موانع إجابة
стр. 281
الدعاء والداعي لا يشعر بذلك. " فـ"الأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحًا تاماً لا آفة به، والساعد ساعد قوي والمانع مفقود؛ حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير؛ فإن كان الدعاء في نفسه غير صالح أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء أو كان ثَم مانع من الإجابة لم يحصل الأثر" (١).
ومن تتبع القرآن العظيم وسنة رسوله الكريم ﷺ وجد للدعاء آدابًا منها الواجب ومنها المستحب، فمن تلك الآداب:
أولاً: أن يتوجه العبد بدعائه إلى ربه لا إلى غيره، فيدعوه طمعًا في الثواب وحصول الخير، وخوفًا من العقاب واستمرار الشر أو نزوله، قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].
ثانيًا: إخفاء الدعاء وخفض الصوت به، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
قال الحسن البصري: "ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم؛ وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ وذلك أن الله ذكر عبداً صالحاً رضي فعله فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾ " (٢).
ثالثًا: اختيار جوامع الدعاء، التي تشتمل على خيري الدنيا والآخرة، ومن أمثلتها من القرآن قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]. وعن عائشة ﵂، قالت: دخل عليّ النبي ﷺ وأنا أصلي- وله حاجة، فأبطأت عليه- قال: (يا عائشة، عليك بجمَل الدعاء،
стр. 282
وجوامعه). فلما انصرفت، قلت: يا رسول الله، وما جُمل الدعاء وجوامعه؟ قال: (قولي: اللهم إني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم. وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمت وما لم أعلم. وأسألك الجنة وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك مما سألك به محمد ﷺ ، وأعوذ بك مما تعوذ منه محمد ﷺ ، وما قضيت لي من قضاء فاجعل عاقتبه رشداً) (١).
وعنها ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يستحبُ الجوامعَ من الدعاء، ويَدعُ ما سوى ذلك) (٢).
رابعًا: الإلحاح على الله تعالى، والاستمرار في الدعاء، " فما دام العبدُ يُلحُّ في الدُّعاء، ويَطمعُ في الإجابة من غير قطع الرّجاء، فهو قريبٌ من الإجابة، ومَنْ أَدمن قرعَ الباب يُوشك أنْ يُفتح له" (٣).
خامسًا: تقديم أهمِّ الدعوات على غيرها؛ كالدعاء بالإعانة على مرضاة الله، ومغفرة الذنوب، أو ما يستلزم ذلك كالنجاة من النار، ودخول الجنة، قال ابن رجب: "ومن أهمِّ ما يسألُ العبد ربَّه مغفرةُ ذنوبه، أو ما يستلزم ذلك كالنجاة من النار، ودخول الجنة، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : (حولَها نُدنْدِن) يعني: حول سؤال الجنة والنجاة من النار. وقال أبو مسلم الخَولاني: ما عَرَضت لي دعوةٌ فذكرتُ النار إلا صرفتُها إلى الاستعاذة منها" (٤).
وقال ابن القيم: " من أفضل ما يُسأل الربُّ ﵎ الإعانة على مرضاته وهو
стр. 283
الذي علمه النبي لحِبِّه معاذ بن جبل ﵁ فقال: (يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب إسعافه بهذا المطلوب. وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده وعلى تكميله وتيسير أسبابه فتأملها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " (١).
سادسًا: القيام بطاعة الله وترك معاصيه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦].
ففي الآية "توجيه منه سبحانه إلى ما يجعل الدعاء مرجو القبول والإِجابة، والمعنى: لقد وعدتكم يا عبادي، بأن أجيب دعاءكم إذا دعوتموني، وعليكم أنتم أن تستجيبوا لأمري، وأن تقفوا عند حدودي، وأن تثبتوا على إيمانكم بي؛ لعلكم بذلك تصلون إلى ما فيه رشدكم وسعادتكم في الحياتين العاجلة والآجلة. وأمرهم سبحانه بالإِيمان بعد الأمر بالاستجابة؛ لأنه أول مراتب الدعوة، وأولى الطاعات بالاستجابة" (٢).
قال وهب بن منبه: " الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر" (٣).
سابعًا: عدم الاعتداء في الدعاء، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
والمعنى: "إن ربكم لا يحب من اعتدى فتجاوز حدَّه الذي حدَّه لعباده في دعائه ومسألته ربَّه، ورفعه صوته فوق الحد الذي حدَّ لهم في دعائهم إياه، ومسألتهم، وفي غير
стр. 284
ذلك من الأمور" (١).
وعن أبي نَعامة: أن عبد الله بن مغفَّل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتُها! فقال: أي بُنَيَّ، سلِ الله الجنة، وتعوذ به من النار؛ فإني. سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطُّهور والدعاء) (٢).
والاعتداء في الدعاء له صور:
قال ابن حجر: "والاعتداء في الدعاء يقع بزيادة الرفع-يعني: رفع الصوت- فوق الحاجة، أو بطلب ما يستحيل حصوله شرعًا، أو بطلب معصية، أو يدعو بما لم يؤثر، خصوصًا ما وردت كراهته كالسجع المتكلف، وترك المأمور" (٣).
وقال أحمد بن عبد الحليم: " فالاعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات. وتارة يسأل ما لا يفعله الله مثل أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية: من الحاجة إلى الطعام والشراب. ويسأله بأن يطلعه على غيبه، أو أن يجعله من المعصومين، أو يهب له ولداً من غير زوجة ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله. وفسر الاعتداء برفع الصوت أيضًا في الدعاء" (٤).
وقال الشوكاني: " ومن الاعتداء في الدعاء: أن يسأل الداعي ما ليس له كالخلود في الدنيا، أو إدراك ما هو محال في نفسه، أو بطلب الوصول إلى منازل الأنبياء في الآخرة، أو
стр. 285
يرفع صوته بالدعاء صارخًا به" (١).
ثامنًا: عدم الاستعجال للإجابة، قال النبي ﷺ : (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل) قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: (يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي! فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء) (٢).
والله تعالى يختار لعبده المؤمن ما هو خير؛ فقد يؤخر عنه الإجابة لحِكَم يرى بها أن تعجيل الإجابة ليس خيراً لعبده، فما عليه إلا تكرار الدعاء وعدم الاستحسار.
قال ابن الجوزي: "ينبغي لمن وقع في شدة ثم دعا ألا يختلج في قلبه أمر من تأخير الإجابة أو عدمها؛ لأن الذي عليه أن يدعو، والمدعو مالك حكيم، فإن لم يجب فعَلَ ما يشاء في ملكه، وإن أخر فَعلَ بمقتضى حكمته. فالمعترض عليه في سرِّه خارج عن صفة عبد، مزاحم لمرتبة مستحق، ثم ليعلم أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه … فإذا سلم العبد تحكيماً لحكمته وحُكمه، وأيقن أن الكل ملكُه؛ طاب قلبه، قضيت حاجته أو لم تقض. وفي الحديث: (ما من مسلم دعا الله تعالى إلا أجابه؛ فإما أن يعجلها، وإما أن يؤخرها، و إما أن يدخرها له في الآخرة) فإذا رأى يوم القيامة أن ما أُجيب فيه قد ذهب، وما لم يُجب فيه قد بقي ثوابه، قال: ليتك لم تُجب لي دعوة قط. فافهم هذه الأشياء وسلّم قلبك من أن يختلج فيه ريب أو استعجال" (٣).
وقال أيضًا: "من العجب إلحاحُك في طلب أغراضك، وكلما زاد تعويقها زاد إلحاحك، وتنسى أنها قد تُمنع لأحد أمرين؛ إما لمصلحتك؛ فرب معجّل آذى، وإما لذنوبك؛ فإن صاحب الذنوب بعيد من الإجابة، فنظِّفْ طرق الإجابة من أوساخ