← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 987

روضة العابدين

عبد الله بن عبده العواضي

Полный текст (499 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الدعاء والداعي لا يشعر بذلك. " فـ"الأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحًا تاماً لا آفة به، والساعد ساعد قوي والمانع مفقود؛ حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير؛ فإن كان الدعاء في نفسه غير صالح أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء أو كان ثَم مانع من الإجابة لم يحصل الأثر" (١). ومن تتبع القرآن العظيم وسنة رسوله الكريم ﷺ وجد للدعاء آدابًا منها الواجب ومنها المستحب، فمن تلك الآداب: أولاً: أن يتوجه العبد بدعائه إلى ربه لا إلى غيره، فيدعوه طمعًا في الثواب وحصول الخير، وخوفًا من العقاب واستمرار الشر أو نزوله، قال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. ثانيًا: إخفاء الدعاء وخفض الصوت به، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]. قال الحسن البصري: "ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همساً بينهم وبين ربهم؛ وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ وذلك أن الله ذكر عبداً صالحاً رضي فعله فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾ " (٢). ثالثًا: اختيار جوامع الدعاء، التي تشتمل على خيري الدنيا والآخرة، ومن أمثلتها من القرآن قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]. وعن عائشة ﵂، قالت: دخل عليّ النبي ﷺ وأنا أصلي- وله حاجة، فأبطأت عليه- قال: (يا عائشة، عليك بجمَل الدعاء،

стр. 282

وجوامعه). فلما انصرفت، قلت: يا رسول الله، وما جُمل الدعاء وجوامعه؟ قال: (قولي: اللهم إني أسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم. وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمت وما لم أعلم. وأسألك الجنة وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك مما سألك به محمد ﷺ ، وأعوذ بك مما تعوذ منه محمد ﷺ ، وما قضيت لي من قضاء فاجعل عاقتبه رشداً) (١). وعنها ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يستحبُ الجوامعَ من الدعاء، ويَدعُ ما سوى ذلك) (٢). رابعًا: الإلحاح على الله تعالى، والاستمرار في الدعاء، " فما دام العبدُ يُلحُّ في الدُّعاء، ويَطمعُ في الإجابة من غير قطع الرّجاء، فهو قريبٌ من الإجابة، ومَنْ أَدمن قرعَ الباب يُوشك أنْ يُفتح له" (٣). خامسًا: تقديم أهمِّ الدعوات على غيرها؛ كالدعاء بالإعانة على مرضاة الله، ومغفرة الذنوب، أو ما يستلزم ذلك كالنجاة من النار، ودخول الجنة، قال ابن رجب: "ومن أهمِّ ما يسألُ العبد ربَّه مغفرةُ ذنوبه، أو ما يستلزم ذلك كالنجاة من النار، ودخول الجنة، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : (حولَها نُدنْدِن) يعني: حول سؤال الجنة والنجاة من النار. وقال أبو مسلم الخَولاني: ما عَرَضت لي دعوةٌ فذكرتُ النار إلا صرفتُها إلى الاستعاذة منها" (٤). وقال ابن القيم: " من أفضل ما يُسأل الربُّ ﵎ الإعانة على مرضاته وهو

стр. 283

الذي علمه النبي لحِبِّه معاذ بن جبل ﵁ فقال: (يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). فأنفع الدعاء طلب العون على مرضاته، وأفضل المواهب إسعافه بهذا المطلوب. وجميع الأدعية المأثورة مدارها على هذا، وعلى دفع ما يضاده وعلى تكميله وتيسير أسبابه فتأملها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] " (١). سادسًا: القيام بطاعة الله وترك معاصيه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]. ففي الآية "توجيه منه سبحانه إلى ما يجعل الدعاء مرجو القبول والإِجابة، والمعنى: لقد وعدتكم يا عبادي، بأن أجيب دعاءكم إذا دعوتموني، وعليكم أنتم أن تستجيبوا لأمري، وأن تقفوا عند حدودي، وأن تثبتوا على إيمانكم بي؛ لعلكم بذلك تصلون إلى ما فيه رشدكم وسعادتكم في الحياتين العاجلة والآجلة. وأمرهم سبحانه بالإِيمان بعد الأمر بالاستجابة؛ لأنه أول مراتب الدعوة، وأولى الطاعات بالاستجابة" (٢). قال وهب بن منبه: " الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر" (٣). سابعًا: عدم الاعتداء في الدعاء، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]. والمعنى: "إن ربكم لا يحب من اعتدى فتجاوز حدَّه الذي حدَّه لعباده في دعائه ومسألته ربَّه، ورفعه صوته فوق الحد الذي حدَّ لهم في دعائهم إياه، ومسألتهم، وفي غير

стр. 284

ذلك من الأمور" (١). وعن أبي نَعامة: أن عبد الله بن مغفَّل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتُها! فقال: أي بُنَيَّ، سلِ الله الجنة، وتعوذ به من النار؛ فإني. سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطُّهور والدعاء) (٢). والاعتداء في الدعاء له صور: قال ابن حجر: "والاعتداء في الدعاء يقع بزيادة الرفع-يعني: رفع الصوت- فوق الحاجة، أو بطلب ما يستحيل حصوله شرعًا، أو بطلب معصية، أو يدعو بما لم يؤثر، خصوصًا ما وردت كراهته كالسجع المتكلف، وترك المأمور" (٣). وقال أحمد بن عبد الحليم: " فالاعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات. وتارة يسأل ما لا يفعله الله مثل أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية: من الحاجة إلى الطعام والشراب. ويسأله بأن يطلعه على غيبه، أو أن يجعله من المعصومين، أو يهب له ولداً من غير زوجة ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله. وفسر الاعتداء برفع الصوت أيضًا في الدعاء" (٤). وقال الشوكاني: " ومن الاعتداء في الدعاء: أن يسأل الداعي ما ليس له كالخلود في الدنيا، أو إدراك ما هو محال في نفسه، أو بطلب الوصول إلى منازل الأنبياء في الآخرة، أو

стр. 285

يرفع صوته بالدعاء صارخًا به" (١). ثامنًا: عدم الاستعجال للإجابة، قال النبي ﷺ : (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل) قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: (يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي! فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء) (٢). والله تعالى يختار لعبده المؤمن ما هو خير؛ فقد يؤخر عنه الإجابة لحِكَم يرى بها أن تعجيل الإجابة ليس خيراً لعبده، فما عليه إلا تكرار الدعاء وعدم الاستحسار. قال ابن الجوزي: "ينبغي لمن وقع في شدة ثم دعا ألا يختلج في قلبه أمر من تأخير الإجابة أو عدمها؛ لأن الذي عليه أن يدعو، والمدعو مالك حكيم، فإن لم يجب فعَلَ ما يشاء في ملكه، وإن أخر فَعلَ بمقتضى حكمته. فالمعترض عليه في سرِّه خارج عن صفة عبد، مزاحم لمرتبة مستحق، ثم ليعلم أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه … فإذا سلم العبد تحكيماً لحكمته وحُكمه، وأيقن أن الكل ملكُه؛ طاب قلبه، قضيت حاجته أو لم تقض. وفي الحديث: (ما من مسلم دعا الله تعالى إلا أجابه؛ فإما أن يعجلها، وإما أن يؤخرها، و إما أن يدخرها له في الآخرة) فإذا رأى يوم القيامة أن ما أُجيب فيه قد ذهب، وما لم يُجب فيه قد بقي ثوابه، قال: ليتك لم تُجب لي دعوة قط. فافهم هذه الأشياء وسلّم قلبك من أن يختلج فيه ريب أو استعجال" (٣). وقال أيضًا: "من العجب إلحاحُك في طلب أغراضك، وكلما زاد تعويقها زاد إلحاحك، وتنسى أنها قد تُمنع لأحد أمرين؛ إما لمصلحتك؛ فرب معجّل آذى، وإما لذنوبك؛ فإن صاحب الذنوب بعيد من الإجابة، فنظِّفْ طرق الإجابة من أوساخ

стр. 286

المعاصي، وانظر فيما تطلبه هل هو لإصلاح دينك، أو لمجرد هواك؟ فإن كان للهوى المجرد فاعلم أن من اللطف بك والرحمة لك تعويقه، وأنت في إلحاحك بمثابة الطفل يطلب ما يؤذيه فيمنع رفقاً به، وإن كان لصلاح دينك فربما كانت المصلحة تأخيره، أو كان صلاح الدين بعدمه، وفي الجملة تدبير الحق لك خير من تدبيرك. وقد يمنعك ما تهوى ابتلاء ليبلو صبرك، فأرِه الصبر الجميل ترَ عن قربٍ ما يُسرُّ. ومتى نظفت طرق الإجابة من أدران الذنوب، وصبرت على ما يقضيه لك، فكل ما يجري أصلح لك؛ عطاء كان أو منعاً" (١). وقال يحيى بن معاذ الرازي: "لا تستبطئن الإجابة إذا دعوت وقد سددتَ طرقها بالذنوب" (٢). "ومن الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء: أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة، فيستحسر ويدع الدعاء، وهو بمنزلة من بذر بذراً أو غرس غرسًا فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه تركه وأهمله" (٣). فـ"لا يكُنْ تَأخُّرُ أَمَد العَطاء مَعَ الإلْحاح في الدّعَاءِ موجبَاً ليأسِك؛ فهو ضَمِنَ لَكَ الإجابَةَ فيما يختارُهُ لكَ، لا فيما تختاره لنَفْسكَ، وفي الوقْتِ الذي يريدُ لا في الوقْت الذي تُريد" (٤). تاسعًا: البعد عن أكل الحرام، قال رسول الله ﷺ : (أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا

стр. 287

الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب، ومطعمة حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام وغذِّي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟) (١). عاشراً: الدعاء بقلب حاضر، غيرِ لاهٍ، قال النبي ﷺ : (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه) (٢). ولابن القيم ﵀ كلام جامع في آداب الدعاء حيث يقول: " وإذا اجتمع مع الدعاء حضور القلب وجمعيته بكليته على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة الستة وهي: الثلث الأخير من الليل، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، وأدبار الصلوات المكتوبات، وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تقضى الصلاة، وآخر ساعة بعد العصر من ذلك اليوم، وصادف خشوعًا في القلب وانكساراً بين يدي الرب، وذلّاً له وتضرعًا ورقِّة، واستقبل الداعي القبلة، وكان على طهارة، ورفع يديه إلى الله تعالى، وبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ثنّى بالصلاة على محمد عبده، ثم قدّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله وألحّ عليه في المسألة، وتملّقه ودعاه رغبة ورهبة، وتوسل إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وقدّم بين يدي دعائه صدقة؛ فإن هذا الدعاء لا يكاد يُرد أبداً، ولا سيما إن صادف الأدعية التي أخبر النبي أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم" (٣). من أدعية النبي ﷺ : عن أنس قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ (اللهم ربنا آتنا في الدنيا

стр. 288

حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) (١). وقوله: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى) (٢). وقوله: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي) (٣). وقوله: (اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ) (٤). وقوله: (اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ) (٥). من الأدعية الصالحة: عن عمر ﵁ أنه كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك أن تأخذني على غِرّة، أو تذرني في غفلة، أو تجعلني من الغافلين (٦). قال عمر بن عبد العزيز: اللهم إن لم أكن أهلاً أن أبلغ رحمتك فإن رحمتك أهل أن تبلغني، رحمتُك وسعت كل شيء وأنا شيء فلتسعني رحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إنك خلقتَ قومًا فأطاعوك فيما أمرتهم، وعملوا في الذي خلقتهم له فرحمتك إياهم كانت قبل طاعتهم لك يا أرحم الراحمين (٧). يا من أظهر الجميل، وستر القبيح، يا من لا يؤاخِذ بالجريرة، ولا يهتك الستر، يا

стр. 289

عظيم العفو، يا حسن التجاوز، يا واسع المغفرة، يا باسط اليدين بالرحمة، يا صاحب كل نجوى، ويا منتهى كل شكوى، يا كريم الصفح، يا عظيم المنِّ، يا مبتدئ النعم قبل استحقاقها، يا ربنا ويا سيدنا ويا مولانا ويا غاية رغبتنا أسألك يا الله .. (١). اللهم إني أبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الطلب إلا منك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الذل إلا في طاعتك، ومن الصبر إلا على بابك، وأسالك أن تجعل الإخلاص قرين عقيدتي، والشكر على نعمتك شعاري ودثاري، والنظر في ملكوتك دأبي وديدني، والانقياد لك شأني وشغلي، والخوف منك أمني وإيماني، واللياذ بذكرك بهجتي وسروري (٢). من أدعية الأعراب: دعا أعرابي فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أفتقر في غناك، أو أضل في هداك، أو أذل في عزك، أو أُضام في سلطانك، أو أُضطهد والأمر لك (٣). قال الأصمعي: سمعت أعرابيًا يدعو الله وهو يقول: هربت إليك بنفسي -يا ملجأ الهاربين- بأثقال الذنوب أحملها على ظهري، لا أجد شافعًا إليك إلا معرفتي بأنك أكرم من قصد إليه المضطرون، وأمَّل فيما لديه الراغبون، يا من فتق العقول بمعرفته، وأطلق الألسن بحمده، وجعل ما امتن به من ذلك على خلقه كِفاء لتأدية حقه، لا تجعل للهوى على عقلي سبيلا، ولا للباطل على عملي دليلا (٤). وعن بعضِ الأعراب أنه تعلَّقَ بأستار الكعبة وهو يقول: اللَّهمّ إن استغفاري مع

стр. 290

إصراري للؤم، وإن تركي الاستغفارَ مع علمي بسَعَة عفوك لعجز، فكم تَتَحَبَّبُ إليّ بالنعم مع غِناكَ عني، وأَتَبَغَّضُ إليك بالمعاصي مع فقري إليك، يا مَنْ إذا وَعدَ وَفَّى، وإذا توعَّدَ تجاوز وعفا، أدخِلْ عظيمَ جُرمي في عظيم عفوكَ يا أرحم الراحمين (١). ودعا أعرابي فقال: اللهم ارزقني من الخير أكثر مما أرجو، واصرف عني من الشر أكثر مما أخاف (٢). ودعا أعرابيٌّ في الكعبة فقال: اللهمّ إني أسألك الخوف منك حين يأمنك من لا يعرفك، وأسألك الأمن منك حين يخافك من يغترّ بك (٣). وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً يدعو ويقول: اللهمّ إنّ ذنوبي تخّوفني منك، وجودك يبشرني عنك، فأخرجني بالخوف من الخطايا، وأوصلني بجودك إلى العطايا، حتى أكون غداّ في القيامة عتيق كرمك، كما أنا في الدّنيا ربيب نعمك (٤). وكان بعضهم يقول في دعائه: اللهم أعني على ديني بدنيا، وأعني على آخرتي بتقوى" (٥). ووقفت أعرابية على قبر أبيها فقالت: يا أبت، إن في الله تعالى عوضاً عن فقدك، وفي رسول الله أسوة في مصيبتك، ثم قالت: اللهم نزل بك عبدُك خالياً مقفراً من الزاد، مخشوشن المهاد، غنياً عما في أيدي العباد، فقيراً إلى ما في يدك يا جواد، وأنت -أي ربّ-

стр. 291

خير من نزل به المرمِلون (١)، واستغنى بفضله المقلِّون، وولج في سعة رحمته المذنبون، اللهم فليكن قِرى عبدك منك رحمتَك، ومهاده جنتك (٢).

стр. 292

عبادةُ الصَّبْر على البلاء إن الحياة الدنيا ليست دار راحة تامة، لا تكدرها الآلام، ولا تطرأ عليها المصائبُ والأحزان، ولا تعكر أجواءَ سعاداتها الغموم والكربات، بل هي دار مشوبة بذلك، وخُلق الإنسانُ إليها وقَدُره عليها كذلك، ولا راحة تامة له إلا إذا استقر في الجنة إن آمن وعمل صالحًا. قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤]. أي: " في تعب ومشقة، فإنه لا يزال يُقاسي فنون الشدائد من وقت نفخ الروح إلى حين نزعها، يُكابد مشاق التعلُّم، ثم مشاق القيام بأمور الدين، وأمور معاشه، وهموم دنياه وآخرته، ثم يكابد نزع روحه، ثم سؤاله في قبره، ثم تعب حشره، ومقاساة شدائد حسابه، ثم مروره على الصراط، فلا راحة له إلاّ بعد دخول الجنة" (١). فعلى الإنسان أن يوطِّن نفسه على أن لا يجد زمانَ الدنيا كلَّه سروراً لا كدر فيه، فالحياة يومان: يوم سرور، ويوم شرور، ويوم أفراح، ويوم أتراح. فمن روّض نفسه على هذه الحقيقة هانت عليه مصائب الدنيا. قال النمر بن تولب: فيومٌ علينا ويومٌ لنا … و يومٌ نُساءُ ويوم نُسَرْ (٢). بل إن المؤمن يعاني في الدنيا من المشاق أكثر من غيره؛ فعن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: (الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه؛ فإن كان دينه صُلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه

стр. 293

رِقة ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة) (١). فطريق الجنة محفوف بالمكروهات، مليء بالمشقات، وتلك الدار الكريمة غالية ثمينة، والغالي لا ينال إلا ببذل الغالي، واستسهال النَّصَب في طريقه. قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (حُفّت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) (٣). لا تَحسَبِ المجدَ تَمراً أَنْتَ آكِلُهُ … لا تَبلُغ المجدَ حَتى تَلعَق الصَبرا (٤). غاية البلاء: وليس هذا البلاء للمؤمن إلا لاختبار إيمانه، وتخليصه من الضعف، وتكفير سيئاته، ورفع درجاته، وتصفية صف الإيمان من أدعيائه؛ ولما ينتظر المؤمنَ عند الله تعالى من حسن الجزاء الذي لا يُنال إلا بركوب مطية العناء والتعب، والتقلل من الراحة والدعة؛ ولن يبلغ إلى ذلك إلا بالصبر والمصابرة، والجد والمجاهدة. قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠، ١٤١]. وقال رسول الله ﷺ : (إن الرجل

стр. 294

ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلِّغه إياها) (١). وقال النبي ﷺ : (ما يصيب المؤمنَ من نصب ولا وصب، ولا همٍّ ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) (٢). ومن سلك طريق الصبر سيجده معموراً بخطوات السالكين المؤمنين قبله؛ من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؛ فكم صبر نوح، وصبر إبراهيم، وصبر يعقوب، وصبر يوسف، وصبر موسى، وصبر أيوب، وصبر محمد، عليهم الصلاة والسلام جميعًا! وكم صبر أتباعهم الصادقون، وقدموا من التضحيات، وفارقتهم أيامُ السرور الدنيوي وأفراحها الظاهرة. قال ابن القيم-مخاطبًا ضعيف العزم على طريق الحق-: " أين أنت، والطريقُ طريقٌ تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورُمي في النار الخليل، وأُضجع للذبح إسماعيل، وبِيع يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونُشر بالمنشار زكريا، وذُبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضرَّ أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقرَ وأنواع الأذى محمد ﷺ وتريده أنت باللهو واللعب؟!. فيا دارَها بالحَزْنِ إن مزارها … قريبٌ، ولكنْ دون ذلك أهوالُ" (٣). ويقول تعالى عن صبر أتباع الأنبياء الذي آمنوا بهم وصبروا على البلاء في سبيل الله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]. فدرب الحق درب شاق يحتاج إلى عزيمة وثبات، وجَلَد وتصبر؛ ولهذا أمر الله تعالى

стр. 295

رسوله محمداً ﷺ في آيات كثيرة من القرآن بالصبر؛ فقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. وأمر به تعالى كذلك عمومَ المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. "قال الحسن البصري ﵀: أُمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم وهو الإسلام، فلا يَدَعوه لسراء ولا لضراء، ولا لشدة ولا لرخاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء" (١). وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. ولما كان الأمر كما سبق فإن المكاره لا تزال نازلة على المؤمن في نفسه أو ماله أو أهله أو أحبابه؛ فقد يمرض أو يُجرح، أو يؤذى أو يقهر، أو يتسلط عليه أهل الباطل، وقد يهم ويحزن، ويفتقر ويُجتاح ماله، ويسقم أو يموت بعض أهله وأقاربه وأحبابه، أو قد يُفرَّق بينه وبينهم. غير أن المؤمن القوي عندما تنزل به هذه المصائب فإنه يواجهها بالصبر والرضا، حتى ينقلب ألم المصيبة إلى فرحة، وكُرْهها إلى محبة، والضيق بها إلى سعة؛ لأنه يوقن أنها فعل الودود الرحيم العليم الحكيم، وأن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه، وأن المضرات أبواب المسرات، والمواجع مصاعد الارتقاء إلى العلياء، وأن طلائع الشقاء من أول لمحة هي مفاتيح السعادة إذا وصلت وصادفت قلباً راضيًا، وأن ما أصابه أمارة محبة من الحبيب . قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (عِظَم الجزاء مع عظم البلاء، إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) (٢). يعني: يبتليهم: "بأنواع

стр. 296

البلايا؛ حتى يمحصهم من الذنوب، ويفرغ قلوبهم من الشغل بالدنيا؛ غيرةً منه عليهم أن يقعوا فيما يضرهم في الآخرة، وجميع ما يبتليهم به من ضنك المعيشة، وكدر الدنيا، وتسليط أهلها؛ ليشهد صدقهم معه، وصبرهم في المجاهدة، قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] " (١). قال لقمان لابنه: "يا بني، الذهب والفضة يختبران بالنار، والمؤمن يختبر بالبلاء" (٢). الصبر عبادة: إن صبر المسلم على المكاره عبادة من أجلِّ العبادات، وقُربة من أعظم القربات، بل إن الدِّين مبني على الصبر والشكر، قال رسول الله ﷺ : (عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) (٣). وعن عبد اللّه بن مسعود ﵁ قال: "الصّبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كلّه" (٤). والصبر على الشدائد والمصائب وإن كان شديداً على النفس إلا أن المؤمن يجاهد نفسه عليه حتى يصير خلقًا من أخلاقه، قال رسول الله ﷺ : (ومن يتصبر يصبره الله) (٥). " (ومن يتصبر) أي: يستعمل الصبر (يصبره الله) أي: يقوِّه ويمكنه من نفسه حيث تنقاد له وتذعن، لتحمل الشدائد، وعند ذلك يكون الله معه فيظفره بمطلوبه، ويوصله إلى مرغوبه" (٦).

стр. 297

قال الشاعر: صَبَرْتُ عَلَى الْأَيَّامِ حَتَّى تَوَلَّتِ … وَأَلْزَمْتُ نَفْسِي صَبْرَهَا فَاسْتَمَرَّتِ وَمَا النَّفْسُ إلَّا حَيْثُ يَجْعَلُهَا الْفَتَى … فَإِنْ طَمِعَتْ تَاقَتْ وَإِلَّا تَسَلَّتِ (١). ثمرة الصبر: فإذا رُزق الإنسان الصبرَ بعد مجاهدة نفسه عليه أضاء له صبرُه طريقَ النجاة في ظلمات الكريهات، وعرف كيف يتعامل التعامل الصحيح مع نوازل المصيبات، وهذه نعمة من أجل النعم التي يعطيها الله تعالى للعبد، قال رسول الله ﷺ : (والصبر ضياء) (٢). " أي: لا يزال صاحبه مستضيئًا مستهديًا مستمراً على فعل الصواب" (٣). فيكون له به " نور قوي تنكشف به الكربات، وتنزاح غياهب الظلمات، فمن صبر على مكروه أصابه؛ علماً بأنه من قضاء الله؛ هان عليه" (٤). وقال رسول الله ﷺ : (وما أُعطي أحد عطاء خيراً، وأوسع من الصبر) (٥). " وذلك لأن مقام الصبر أعلى المقامات؛ لأنه جامع لمكارم الصفات والحالات؛ ولذا قُدِّم على الصلاة في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] " (٦). وحين تدلهم الخطوب، وتنزل بساحة المرء الكروب، فيتلقاها بالصبر بعد أن راضَ نفسه عليه، يصير الصبر واقعًا، وليس شعاراً تردده اللسان، أو تخطه البنان؛ إذ قد يصبر

стр. 298

على البلايا جاهلٌ لا معرفةَ له بثقافة الصبر، ويجزع عندها من لديه الثقافة الواسعة، والمعلومات الغزيرة حول الصبر؛ فلهذا فإن ممارسة الصبر شيء، ومعرفة فضله وآثاره، وحفظ معلوماته شيء آخر. إن المسلم حينما يصبر على مُرِّ القضاء، ويتلقى المكاره بالرضا، ويتطلع إلى العاقبة الحسنى؛ تهون عليه مصائبه، ويفتح لنفسه بصبره باب فرج. قال ابن القيم: "من تلمح حلاوة العافية، هان عليه مرارة الصبر" (١). أسباب معينة على الصبر: إذا أراد المسلم تهوين البلاء، والإعانة على الصبر عليه حتى يكون خلقًا لازمًا من أخلاقه فهناك بعض الأسباب المعينة على ذلك، فمنها: أولاً: استشعار الأجر على المصيبة؛ فإن المصائب إذا صبر عليها المسلم ابتغاء وجه الله أُجر أجراً عظيمًا. قال رسول اللّه ﷺ : (إنّ اللّه- قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه، فصبر عوّضته منهما الجنّة) يريد: عينيه (٢). وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال: (ما لك تزفزفين (٣)﴾؟ قالت: الحمى، لا بارك الله فيها، فقال: (لا تسبي الحمى؛ فإنها تُذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد (٤). وقال رسول الله ﷺ : (يود أهل العافية يوم القيامة حين يُعطى أهل

стр. 299

البلاء الثواب؛ لو أن جلودهم كانت قرضت بالمقاريض) (١). يعني: لما يرون من عظيم الثواب لأصحاب البلاء. وعن الحسن البصري قال: "كانوا يرجون في حمى ليلة كفارةً لما مضى من الذنوب" (٢). ثانيًا: الثقة بالله في حصول الفرج؛ فإن البلاء لا يدوم؛ والأمور كلها بيد الله تعالى. قال الماوردي: " أخبرني بعض أهل الأدب أن أبا أيوب الكاتب حُبس في السجن خمس عشرة سنة حتى ضاقت حيلته، وقلّ صبره، فكتب إلى بعض إخوانه يشكو له طول حبسه، فردَّ عليه جواب رقعته بهذا: صَبْرًا أَبَا أَيُّوبَ صَبْرَ مُبَرّحٍ … فَإِذَا عجزِتَ عَنْ الْخُطُوبِ فَمَنْ لَهَا إنَّ الَّذِي عَقَدَ الَّذِي انْعَقَدَتْ لَهُ … عُقَدُ الْمَكَارِهِ فِيكَ يَمْلِكُ حَلَّهَا صَبْرًا فَإِنَّ الصَّبْرَ يُعْقِبُ رَاحَةً … وَلَعَلَّهَا أَنْ تَنْجَلِي وَلَعَلَّهَا فأجابه أبو أيوب يقول: صَبَّرْتَنِي وَوَعَظْتَنِي وَأَنَا لَهَا … وَسَتَنْجَلِي بَلْ لَا أَقُولُ لَعَلَّهَا وَيَحُلُّهَا مَنْ كَانَ صَاحِبَ عَقْدِهَا … كَرَمًا بِهِ إذْ كَانَ يَمْلِكُ حَلَّهَا فلم يلبث بعد ذلك في السجن إلا أيامًا حتى أطلق مكرَّماً" (٣). وقال ابن الجوزي: "فاصبر للبلايا فحيْنها يسير، واثبت للرزايا فأجرها كثير، وأحسن قِرى ضيف الهمِّ بالصبر الغزير، وتجلد على الظمأ فبين يديك ماءٌ نمير:

стр. 300

لا تجزَعَّنَ مِنَ المَنايا إِنْ أَتَتْ … واصبِر لِما تأَتي بِهِ الأَقدارُ وغَدا الصَبور يَجُرُّ ذيلَ سُرورِه … في جَنَّةٍ مِنْ تحتِها الأنهَار فكأَنْ قَدْ انكشَفَت غياياتُ البلا … وانجابت الآفات والأَكدار وجَنى الجَزوعُ لِما جَنَى ثَمَرَ الأَسَى … فجَرى بِلَا أَجر لَهُ المِقدار إِنِّي رأَيتُ معاشِراً لَم يفهموا … مَعنى الوجود فأَصبَحوا قَدْ حاروا دُنياكَ دارٌ للبَلايا مُهِّدَت … ووراء ذَلك إِنْ عقلتَ نهار" (١). وقال الشافعي: يا نفسُ ما هو إلا صبرُ أيامِ … كأنَّ مدَّتها أضغاثُ أحلامِ يا نفس جوزي عن الدنيا مبادِرةً … وخلِّ عنها فإن العيش قُدَّامي" (٢). ثالثًا: التسلي عن المصيبة وتناسي ثقلها، بالانشغال بشيء يلهي عنها، قال ابن الجوزي: " مرَّ بي حمّالا جذعٍ ثقيل، وهما يتجاوبان بإنشاد النغم، وكلمات الاستراحة، فأحدهما يصغي إلى ما يقوله الآخر ثم يعيده أو يجيبه بمثله، والآخر همته مثل ذلك. فرأيت أنهما لو لم يفعلا هذا زادت المشقة عليهما، وثقل الأمر، وكلما فعلا هذا هان الأمر. فتأملت السبب في ذلك، فإذا به تعليق فكر كل واحد منهما بقول الآخر، وطربه به، وإجالة فكره في الجواب بمثل ذلك، فينقطع الطريق، وينسى ثقل المحمول. فأخذت من هذا إشارة عجيبة، ورأيت الإنسان قد حمل من التكليف أموراً صعبة، ومن أثقل ما حمل مداراة نفسه، وتكليفها الصبر عما تحب، وعلى ما تكره، فرأيت أن الصواب قطع طريق الصبر بالتسلية والتلطف للنفس، كما قال الشاعر:

стр. 301

فإن تشكَّت فعللها المجرة مِنْ … ضوء الصباح وعِدْها بالرَّواح ضحى ومن هذا ما يحكى عن بشر الحافي رحمة الله عليه، أنه سار ومعه رجل في طريق فعطش صاحبه، فقال له: نشرب من هذه البئر؟ فقال: أبشر، اصبر إلى البئر الأخرى، فلما وصلا إليها قال له: البئر الأخرى. فما زال يعلله … ثم التفت إليه فقال له: هكذا تنقطع الدنيا. ومن فهم هذا الأصل علل النفس وتلطف بها، ووعدها الجميل لتصبر على ما قد حُمِّلتْ، كما كان بعض السلف يقول لنفسه: والله ما أريد بمنعكِ من هذا الذي تحبين إلا الإشفاقَ عليك" (١). رابعًا: ترك طول التفكير في امتداد البلاء، والاستعجال في ذهابه. قال ابن الجوزي: " للبلاء نهايات معلومة الوقت عند الله ، فلا بد للمبتلى من الصبر إلى أن ينقضي أوان البلاء، فإن تقلقل قبل الوقت لم ينفع التقلقل، كما أن المادة إذا انحدرت إلى عضو فإنها لن ترجع، فلا بد من الصبر إلى حين البطالة، فاستعجال زوال البلاء مع تقدير مدته لا ينفع. فالواجب الصبر وإن كان الدعاء مشروعاً، ولا ينفع إلا به، إلا أنه لا ينبغي للداعي أن يستعجل، بل يتعبد بالصبر والدعاء والتسليم إلى الحكيم. ويقطع المواد التي كانت سبباً للبلاء، فإن غالب البلاء أن يكون عقوبة. فأما المستعجل فمزاحم للمدبّر، وليس هذا مقام العبودية وإنما المقام الأعلى هو الرضى، والصبر هو اللازم، والتلافي بكثرة الدعاء نعم المعتمد، والاعتراض حرام، والاستعجال مزاحمة للتدبير، فافهم هذه الأشياء؛ فإنها تهون البلاء" (٢). كلام جامع في أسباب نشأة الصبر: وما أحسن ما ذكر ابن القيم من الأسباب التي ينشأ عنها الصبر على الرزية، حيث

стр. 302

يقول ﵀: " فصل: والصبر على البلاء ينشأ من أسباب عديدة: أحدها: شهود جزائها وثوابها. الثاني: شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها. الثالث: شهود القدر السابق الجاري بها، وأنها مقدرة في أم الكتاب قبل أن يخلق فلا بد منها، فجزعه لا يزيده إلا بلاء. الرابع: شهوده حقَّ الله عليه في تلك البلوى، وواجبه فيها الصبر بلا خلاف بين الأمة، أو الصبر والرضا على أحد القولين، فهو مأمور بأداء حق الله وعبوديته عليه في تلك البلوى، فلا بد له منه وإلا تضاعفت عليه. الخامس: شهود ترتبها عليه بذنبه؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، فهذا عام في كل مصيبة دقيقة وجليلة، فشغله شهود هذا السبب بالاستغفار الذي هو أعظم الأسباب في دفع تلك المصيبة، قال علي بن أبي طالب: ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع بلاء إلا بتوبة. السادس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه، فإن لم يوفِ قدْرَ المقام حقَّه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم، وتعدي الحق. السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواء نافع ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته، الرحيم به فليصبر على تجرعه ولا يتقيأه بتسخطه وشكواه فيذهب نفعه باطلاً. الثامن: أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم مالم تحصل بدونه، فإذا طالعت نفسه كراهة هذا الداء ومرارته فلينظر إلى عاقبته وحسن تأثيره، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال الله تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، وفي مثل هذا قول القائل: لعلَّ عتبَك محمودٌ عواقبُه … وربما صحتِ الأجسام بالعِللِ التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه، فيتبين حينئذ هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا، فإن ثبت اصطفاه واجتباه، وخلع عليه خِلَع الإكرام وألبسه ملابس الفضل، وجعل أولياءه

стр. 303

وحزبه خدمًا له، وعونًا له، وإن انقلب على وجهه ونكص على عقبيه طُرد وصُفع قفاه، وأقصي وتضاعفت عليه المصيبة وهو لا يشعر في الحال بتضاعفها وزيادتها، ولكن سيعلم بعد ذلك بأن المصيبة في حقه صارت مصائب، كما يعلم الصابر أن المصيبة في حقه صارت نعمًا عديدة، وما بين هاتين المنزلتين المتباينتين إلا صبر ساعة، وتشجيع القلب في تلك الساعة والمصيبة لا بد أن تقلع عن هذا وهذا، ولكن تقلع عن هذا بأنواع الكرامات والخيرات وعن الآخر بالحرمان والخذلان؛ لأن ذلك تقدير العزيز العليم وفضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. العاشر: أن يعلم أن الله يربي عبده على السراء والضراء والنعمة والبلاء، فيستخرج من عبوديته في جميع الأحوال؛ فإن العبد على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال، وأما عبد السراء والعافية الذي يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه؛ فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته، فلا ريب أن الإيمان الذي يثبت على محل الابتلاء والعافية هو الإيمان النافع وقت الحاجة، وأما إيمان العافية فلا يكاد يصحب العبد ويبلغه منازل المؤمنين، وإنما يصحبه إيمان يثبت على البلاء والعافية، فالابتلاء كير العبد ومحك إيمانه، فإما أن يخرج تِبراً أحمر، وإما أن يخرج زغلاً محضًا (١)، وإما أن يخرج فيه مادتان ذهبية ونحاسية فلا يزال به البلاء حتى يخرج المادة النحاسية من ذهبه، ويبقى ذهبًا خالصًا، فلو علم العبد أن نعمة الله عليه في البلاء ليست بدون نعمة الله عليه في العافية لشغل قلبه بشكره ولسانه: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك وحسن عبادتك، وكيف لا يشكر من قيَّض له ما يستخرج خبثه ونحاسه، وصيّره تِبراً خالصًا يصلح لمجاورته والنظر إليه في داره، فهذه الأسباب ونحوها تثمر الصبر على البلاء، فإن قويت أثمرت الرضا والشكر. فنسأل الله أن يسترنا بعافيته، ولا يفضحنا بابتلائه، بمنِّه وكرمه" (٢).

стр. 304

أعلامُ هُدى للصالحين السالفين كلمات من نور، خلَّدها الزمان، وبقيت محفوظة في ذاكرة الأيام، لا تزيدها الدهور إلا جلاء وضياء؛ لأنها خرجت من ألسنة صادقة، أملتْها عليها قلوب مؤمنة، وصدَّقتها جوارح في ميدان الخير سابقة، ولأن قائليها هم أهل العلم واللسان، وأرباب الصلاح والبيان. ولذلك أصبحت عبارات أولئك القوم العالِمين العاملين منارات هداية يهتدي بها الناس من بعدهم، وصار لها محل في القلوب، وقبول في النفوس. فما أجمل أن نصلح قلوبنا بشيء من تلك الكلمات المنيرة، ونعظ أنفسنا بتلك المواعظ البليغة النافعة، ونجاهد أنفسنا على السير في منوال ما دعت إليه وحثَّت، ونبتعد عما نهت عنه وحذّرت؛ فإن مصدرها كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]. أمير المؤمنين أبو بكر ﵁: يقول أمير المؤمنين أبو بكر الصديق ﵁ في إحدى خطبه-واعظًا بما جرى في القبور لأهل الجمال والملك والجاه والقوة والشباب من التغيير-: "أين الوِضاءُ الحسنةُ وجوهُهم، المعجبون بشبابهم، أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان، أين الذين كانوا يُعطَون الغلبة في مواطن الحرب، قد تضعضع بهم الدهر، فأصبحوا في ظلمات القبور؟ الوَحَا الوحا (١) ثم النجا النجا" (٢).

стр. 305

أمير المؤمنين علي ﵁: ويقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: " خمس خذوهن عني، فلو ركبتم الفلك ما وجدتموهن إلا عندي: ألا لا يرجون أحد إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستنكف العالم أن يتعلم لما ليس عنده، وإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل: لا أعلم، ومنزلة الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد" (١). فما أحسنهن من وصايا نافعة في ميدان العلم والعمل! ويقول ضرار بن ضمرة الكناني في وصف أمير المؤمنين علي ﵁ مبينًا زهده وورعه، وعبادته وخشوعه، وعلمه وعدله، وتواضعه وقربه من الناس، وإعراضه عن الدنيا-: " كان -والله- بعيدَ المدى، شديد القوى، يقول فصلا، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان -والله- غزير العَبرة، طويل الفكرة، يقلِّب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب (٢)، كان -والله- كأحدنا؛ يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظِّم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه يميل في محرابه قابضًا على لحيته، يتململ تململ السليم (٣)، ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا يا ربنا، يتضرع إليه ثم يقول للدنيا: أبي تعرَّضْتِ، أم لي تشوَّقْتِ؟! هيهات هيهات! غُرِّي غيري، قد بنْتُك (٤)، ثلاثًا، فعمركِ قصير، ومجلسك حقير، وخطرك يسير. آه آه من قلة الزاد، وبُعد السفر، ووحشة الطريق" (٥).

стр. 306

عبد الله بن مسعود ﵁: جاء عن عبد الله بن مسعود ﵁ كلمات جامعة، وحكم نافعة في العلم والعمل، فمنها قوله: إنكم في ممر الليل والنهار، في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن زرع خيراً فيوشك أن يحصد رغبته، ومن زرع شرًا فيوشك أن يحصد ندامة، ولكل زارع مثل ما زرع. لا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يُقدر له. من أُعطي خيراً فالله أعطاه، ومن وقي شرًا فالله وقاه. المتقون سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة. لا يطولنَّ عليكم الأمد، ولا يلهينكم الأمل؛ فإن كل ما هو آت قريب. ألا إن البعيد ما ليس آتيًا، ألا وإن الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. شر المعذرة حين يحضر الموت، وشر الندامة ندامة يوم القيامة، وشر الضلالة الضلالة بعد الهدى، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، وخير ما أُلقي في القلب اليقين. ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًا محزونًا، حكيمًا حليمًا سكِينًا، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيًا، ولا غافلاً ولا سَخّابًا ولا صيّاحًا، ولا حديداً. إن الله بقسطه وحلمه وعدله جعل الرَّوح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط. ما دمتَ في صلاة فأنت تقرع باب الملك، ومن يقرع باب الملك يفتح له. إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها. كونوا ينابيع العلم مصابيح الهدى، أحلاس البيوت (١)، سُرُج الليل، جُدد القلوب، تعرفون في السماء، وتخفون على أهل الأرض. إن للقلوب شهوة وإدباراً، فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها، ودعوها عند تفرقها وإدبارها. ليس العلم بكثرة الرواية،

стр. 307

ولكن العلم الخشية. ما مُلِئ بيتٌ حبرة إلا مُلئ عَبرة. رُبّ شهوة تورث حزنًا طويلاً. ما على وجه الأرض شيء أحوج إلى طول سجن من لسان. من استطاع منكم أن يجعل كنزه في السماء حيث لا يأكله السوس، ولا يناله السُرَّاق فليفعل؛ فإن قلب الرجل مع كنزه. لا يُقلّدنّ أحدكم دِينه رجلاً فإن آمن آمن، وإن كفر كفر، وإن كنتم لا بد مقتدين فاقتدوا بالميت؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. لا يكن أحدكم إِمَّعة، قالوا: وما الإمعة؟ قال: يقول: أنا مع الناس إن اهتدوا اهتديت، وإن ضلوا ضللت. اطلب قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن، وفي مجالس الذكر، وفي أوقات الخلوة، فإن لم تجده في هذه المواطن فسلِ الله أن يمن عليك بقلب؛ فإنه لا قلب لك (١). أبو ذر ﵁: كان أبو ذر ﵁ يقول للناس: "أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفراً أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه؟ قالوا: بلى. قال: فسفرُ طريقِ القيامة أبعد، فخذوا له ما يصلحكم؛ حجوا حجة لعظائم الأمور، صوموا يومًا شديداً حرُّه لحر يوم النشور، صلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور، تصدقوا بصدقة لشر يوم عسير" (٢). الحسن البصري ﵀: عن الحسن البصري ﵀ أنه كتب إلى عمر بن عبدالعزيز-محذراً له من الدنيا- قائلاً: " اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به، والندمَ على الشر يدعو إلى تركه، وليس ما يفنى وإن كان كثيراً يعدل ما يبقى وإن كان طلبه عزيزاً، واحتمال المؤونة المنقطعة التي تعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مؤونة باقية، فاحذر هذه الدار الصارعة الخادعة الخاتلة، التي قد تزينت بخدعها، وغرت بغرورها، وقتلت أهلها

стр. 308

بأملها، وتشوفت لخطّابها، فأصبحت كالعروس المجلوة، العيونُ إليها ناظرة، والنفوس لها عاشقة، والقلوب إليها والهة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة، فلا الباقي بالماضي معتبِر، ولا الآخر بما رأى من الأول مزدجر، ولا اللبيب بكثرة التجارب منتفع، ولا العارف بالله والمصدق له حين أُخبر عنها مدِّكر، فأبت القلوب لها إلا حبًّا، وأبت النفوس بها إلا ضنًّا، وما زادت لها إلا عشقًا، ومن عشق شيئًا لم يعقل غيره، ومات في طلبه، أو يظفر به، فهما عاشقان طالبان لها؛ فعاشق قد ظفر بها، واغتر وطغى، ونسي بها المبدأ والمعاد، فشغل بها لبّه، وذهل فيها عقله، حتى زلت عنها قدمُه، وجاءته أسرَّ ما كانت له مَنيّتُه، فعظمت ندامتُه وكثرت حسرته، واشتدت كُربته، مع ما عالج من سكرته واجتمعت عليه سكرات الموت بألمه، وحسرةُ الموت بغُصتِه، غير موصوف ما نزل به؛ وآخر مات قبل أن يظفر منها بحاجته، فذهب بكربه وغمه، لم يدرك منها ما طلب، ولم يُرح نفسَه من التعب والنصب. خرجا جميعًا بغير زاد، وقدما على غير مهاد، فاحذرها الحذر كله؛ فإنها مثل الحية؛ ليِّنٌ مسُّها وسمُها يقتل، فأعرضْ عما يعجبك فيها؛ لقلة ما يصحبك منها، وضعْ عنك همومها لِما عاينتْ من فجائعها، وأيقنت به من فراقها، وكن أسرَّ ما تكون فيها أحذر ما تكون لها؛ فإنَّ صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور له أشخصته عنها بمكروه، وكلما ظفر بشيء منها وثنى رجلاً عليه انقلبت به. وُصلَ الرخاء فيها بالبلاء، وجُعل البقاء فيها إلى فناء، سرورها مشوب بالحزن، وآخرُ الحياة فيها الضعف والوهن، فانظر إليها نظر الزاهد المفارق، ولا تنظر نظر العاشق الوامق (١)، واعلم أنها تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المغرور الآمن، لا يرجع ما تولى منها فأدبر، ولا يُدرى ما هو آتٍ فيها فيُنتظر، فاحذرها؛ فإن أمانيها كاذبة، وإن آمالها باطلة، عيشها نكد، وصفوها كدر، وأنت منها على خطر، إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما مصيبة موجعة، وإما مُنية قاضية، فلقد كدّت عليه المعيشة إن عقل، وهو من النعماء على خطر، ومن البلوى على حذر، ومن المنايا على يقين، فلو كان الخالق تعالى لم يخبر عنها بخبر ولم يضرب لها مثلاً، ولم يأمر فيها بزهد، لكانت الدار قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله تعالى عنها زاجر، وفيها

стр. 309

واعظ فما لها عند الله قدْر، ولا لها عند الله تعالى وزن من الصِّغر، ولا تزن عند الله تعالى مقدار حصاة من الحصى، ولا خَلق خلقًا فيما بلغني أبغض إليه من الدنيا، ولا نظر إليها منذ خلقها مقتًا لها، ولقد عرضت على نبينا ﷺ بمفاتيحها وخزائنها ولم ينقصه ذلك عنده جناح بعوضة، فأبى أن يقبلها، وما منعه من القبول لها ولا ينقصه عند الله تعالى شيء إلا أنه علم أن الله تعالى أبغض شيئًا فأبغضه، وصغر شيئًا فصغّره، ووضع شيئا فوضعه، ولو قبلها كان الدليل على حبّه إياها قبولها، ولكنه كره أن يحب ما أبغض خالقه، وأن يرفع ما وضع مليكه، ولو لم يدله على صغر هذه الدار إلا أن الله تعالى حقرها فلم يجعل خيرها ثوابًا للمطيعين، ولا عقوبتها عذابًا للعاصين، فأخرج ثواب الطاعة منها، وأخرج عقوبة المعصية عنها، وقد يدلك على شر هذه الدار أن الله تعالى زواها عن أنبيائه وأحبائه؛ اختبارا، وبسطها لغيرهم اعتباراً واغترارا، … ينبغي للعاقل أن لا يأخذ منها إلا قدر قُوْته وما يكفي؛ حذرَ السؤال، وكراهيةً لشدة الحساب، وإنما الدنيا إذا فكرت فيها ثلاثة أيام: يوم مضى لا ترجوه، ويوم أنت فيه ينبغي لك أن تغتنمه، ويوم يأتي لا تدري أنت من أهله أم لا، ولا تدري لعلك تموت قبله، فأما أمس فحكيم مؤدِّب، وأما اليوم فصديق مودِّع، غير أن أمس وإن كان قد فجعك بنفسه فقد أبقى في يديك حكمته، وإن كنت قد أضعته فقد جاءك خلفٌ منه، وقد كان عنك طويل الغَيبة وهو الآن عنك سريع الرحلة، وغدٌ أيضًا في يديك منه أمله، فخذ الثقة بالعمل، واترك الغرور بالأمل، قبل حلول الأجل، وإياك أن تدخل على اليوم همَّ غد أو هم ما بعده، فإن فعلت زدت في حزنك وتعبك، وأردت أن تجمع في يومك ما يكفيك أيامك. هيهات كثر الشغل، وزاد الحزن وعظم التعب .... ولئن شئت واقتصرت لأصفن لك الدنيا: ساعة بين ساعتين، ساعة ماضية وساعة آتية، وساعة أنت فيها، فأما الماضية والباقية فليس تجد لراحتهما لذة ولا لبلائهما ألمًا، وإنما الدنيا ساعة أنت فيها فخدعتك تلك الساعة عن الجنة، وصيرتك إلى النار، وإنما اليوم إن عقلت ضيفٌ نزل بك، وهو مرتحل عنك، فإن أحسنت نُزله وقِراه شهد لك، وأثنى عليك بذلك، وصدق فيك، وإن أسأت ضيافته ولم تحسن قراه جال في عينيك … فانتقدِ اليوم لنفسك، وأبصر الساعة،

стр. 310

واحذر الحسرة عند نزول السكرة، ولا تأمن أن تكون لهذا الكلام حجة، نفعنا الله وإياك بالموعظة، ورزقنا وإياك خير العواقب، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (١). ابن الجوزي ﵀: يقول ابن الجوزي-حاثًا النفوس على التفكر في مصيرها، وتذكر حسابها، والبكاء على تقصيرها: " إخواني: لو تَفكَّرت النُّفُوسُ فِيمَا بَينَ يَدَيهَا، وَتَذَكَّرَت حِسَابهَا فيما لها وعليها، لبعث حزنُها بريدَ دمها إليها؛ أما يحق البُكاء لمن طالَ عِصيانهُ: نهاره في المعاصي، وقد طال خُسرانه، وليله في الخطايا؛ فقد خفَّ ميزانه، وبين يديه الموت الشديد فيه من العذاب ألوانُه" (٢). ويقول- محذراً من قسوة القلب، وذهول العقل في الهوى، وكثرة الإقبال على الدنيا والمعاصي فيها-: " فيا قياسي القلب، هَلاَّ بكيت على قسوتك، ويا ذاهل العقل في الهوى هَلاَّ ندمت على غفلتك، ويا مقبلاً على الدنيا فكأنك في حفرتك، ويا دائم المعاصي خف من غِبِّ معصيتك؛ ويا سيئ الأعمال نُح على خطيئتك: يا عاذلَ المُشتاق دَعهُ فَإِنَّه … يطوي عَلى الزَّفَرات غيرَ حشاكا لَو كانَ قَلبُكَ قَلبَه ما لمتَهُ … حاشاك ممَّا عِندَهُ حاشاكا (٣). ويقول واصفًا الفائزين في الدنيا: " لله در أقوام أقبلوا بالقلوب على مقلِّبها، وأقاموا النفوس بين يدي مؤدبها، وسلموها إذ باعوها إلى صاحبها، وأحضروا الآخرة فنظروا إلى غائبها، وسهروا الليالي كأنهم وُكِّلوا بِرَعي كواكبها، ونادوا أنفسهم صبراً على نار حطبها، ومقتوا الدنيا فما مالوا إلى ملاعبها، واشتاقوا إلى لقاء حبيبهم فاستطالوا مدة المقام بها" (٤).

стр. 311

ابن القيم ﵀: ومن أعلام الهدى الإمام ابن القيم ﵀، فهو طبيب من أطباء القلوب، وواعظ من أحسن الوعّاظ، وهذه جملة من مواعظه القصيرة، وحِكمه البليغة الغزيرة، يقول ﵀: " من لم ينتفع بعينه لم ينتفع بإذنه. للعبد ستر بينه وبين الله، وستر بينه وبين الناس، فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله هتك الله الستر الذي بينه وبين الناس. للعبد رب هو ملاقيه، وبيت هو ساكنه، فينبغي له أن يسترضي ربه قبل لقائه، ويعمر بيته قبل انتقاله إليه. إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها. الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غم ساعة، فكيف بغم العمر؟. محبوبُ اليوم يعقب المكروه غداً، ومكروه اليوم يعقب المحبوب غداً. أعظمُ الربح في الدنيا أن تشغل نفسك كل وقت بما هو أولى بها وأنفع لها في معادها. كيف يكون عاقلاً من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة؟!. يخرج العارف من الدنيا ولم يقض وطره من شيئين: بكاؤه على نفسه، وثناؤه على ربه. المخلوق إذا خفته استوحشت منه وهربت منه، والرب تعالى إذا خفته أنست به، وقربت إليه. لو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله سبحانه أحبار أهل الكتاب، ولو نفع العمل بلا إخلاص لما ذم المنافقين. دافعِ الخطرة، فإن لم تفعل صارت فكرة، فدافع الفكرة، فإن لم تفعل صارت شهوة فحاربها، فإن لم تفعل صارت عزيمة وهِمَّة، فإن لم تدافعها صارت فعلاً، فإن لم تتداركه بضده صار عادة، فيصعب عليك الانتقال عنها" (١). ويقول أيضًا: " من خلقه الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره ومن خلقه للنار لم تزل هداياها تأتيه من الشهوات. لما طلب آدم الخلود في الجنة من جانب الشجرة عوقب بالخروج منها، ولما طلب يوسف الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا لبث فيه بضع سنين" (٢).

стр. 312

ويقول أيضًا: "أرض الفطرة رحبة قابلة لما يُغرس فيها، فإن غرست شجرة الإيمان والتقوى أورثت حلاوة الأبد، وإن غرست شجرة الجهل والهوى فكلُّ الثمر مُرٌّ. ارجع إلى الله واطلبه من عينك وسمعك وقلبك ولسانك، ولا تشرد عنه من هذه الأربعة، فما رجع من رجع إليه بتوفيقه إلا منها، وما شرد من شرد عنه بخذلانه إلا منها، فالموفق يسمع ويبصر ويتكلم ويبطش بمولاه، والمخذول يصدر ذلك عنه بنفسه وهواه" (١). ويقول أيضًا في التحذير من المعاصي: "إيّاك والمعاصي؛ فإنها أذلّت عز: ﴿اسْجُدُوا﴾ وأخرجت إقطاع ﴿اسْكُنْ﴾. يا لها من لحظة أثمرت حرارة القلق ألف سنة، ما زال يكتب بدم الندم سطور الحزن في القصص، ويرسلها مع أنفاس الأسف، حتى جاءه توقيع: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. فرح إبليس بنزول آدم من الجنة، وما علم أن هبوط الغائص في اللجة خلف الدُرِّ صعود. كم بين قوله لآدم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وقوله لك: ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾. ما جرى على آدم هو المراد من وجوده: (لو لم تذنبوا .. ) (٢) يا آدم، لا تجزع من قوله لك: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ فلك ولصالح ذريتك خلقتها. يا آدم، كنتَ تدخل عليّ دخول الملوك على الملوك، واليوم تدخل علي دخول العبيد على الملوك. يا آدم، لا تجزع من قولي لك: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا .. ﴾. يا آدم، لم أخرج إقطاعك إلى غيرك، إنما نحيّتك عنه لأكمل عمارته لك، وليبعث إلى العمّال نفقة: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ .. ﴾ تالله ما نفعه عند معصيته عزُّ: ﴿اسْجُدُوا﴾ ولا شرف: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ .. ﴾ ولا خصيصة: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ .. ﴾، ولا فخر: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي .. ﴾. وإنما انتفع بذل: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا … ﴾. لما لبس درع التوحيد على بدن الشكر وقع سهم العدو منه في غير مقتل فجرحه فوضع عليه جُبَار الانكسار فعاد كما كان فقام الجريح كأن لم يكن به قَلَبَةٌ. (أي: علّة) (٣).

стр. 313

ويقول أيضًا: " عشرة أشياء ضائعة لا يُنتفع بها: علم لا يعمل به، وعمل لا إخلاص فيه ولا اقتداء، ومال لا ينفق منه فلا يستمتع به جامعه في الدنيا ولا يقدمه أمامه إلى الآخرة، وقلب فارغ من محبة الله والشوق إليه والأنس به، وبدن معطل من طاعته وخدمته، ومحبة لا تتقيد برضا المحبوب وامتثال أوامره، ووقت معطل عن استدراك فارطه أو اغتنام بر وقربة، وفكر يجول فيما لا ينفع، وخدمةُ مَنْ لا تقرِّبك خدمته إلى الله ولا تعود عليك بصلاح دنياك، وخوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله وهو أسير في قبضته ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشوراً. وأعظم هذه الإضاعات إضاعتان هما أصل كل إضاعة: إضاعة القلب، وإضاعة الوقت، فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعة الوقت من طول الأمل، فاجتمع الفساد كله في اتباع الهوى وطول الأمل، والصلاح كله في اتباع لهدى والاستعداد للقاء والله المستعان. العجب ممن تعرض له حاجة فيصرف رغبته وهمته فيها إلى الله ليقضيها له، ولا يتصدى للسؤال لحياة قلبه من موت الجهل والإعراض، وشفائه من داء الشهوات والشبهات، ولكن إذا مات القلب لم يشعر بمصيبته! " (١).

стр. 314

مطلب اللَّذة للإنسان مطالب ورغبات يحب تحقيقها، ويسعى إلى تحصيلها، ويبذل في سبيل ذلك ما يستطيع من الأسباب التي توصله إلى مبتغاه. ولا ريب أن " اللذة" من أعلى تلك المطالب، وأسمى تلك الرغائب. غير أن الناس متباينون في اختيار لذاتهم، وسبل الوصول إليها؛ فمن الناس من همته تحصيل اللذة بأي وسيلة كانت من غير نظر في حلها أو حرمتها، أو استقامة الطريق إليها أو حظرها، ومن دون نظر كذلك في مآلاتها التي ستعقبها وتتمخض عنها. ومن الناس من همته الوصول إلى اللذة، ولكنه يختار أعلاها وأحلها وأدومها وأسلمها من العواقب المؤلمة، ولو فوّت في سبيل الوصول إلى هذه الغاية لذات أخرى، وهذا الثاني هو أعقل الناس، وأحسنهم اختياراً، وأسلمهم طريقة، وأكملهم لذة. قال ابن القيم: " مقصود الحياة حصول ما يُنتفع به ويُتلذ به، والحي لا بد له من لذة أو ألم، فإذا لم تحصل له اللذة لم يحصل له مقصود الحياة، كمن هو حي في الدنيا وبه أمراض عظيمة تحول بينه وبين التنعم بما يتنعم به الأصحاء، فهو يختار الموت ويتمناه ولا يحصل له، فلا هو مع الأحياء ولا مع الأموات" (١). وقال أيضًا: " واللذة والبهجة والسرور وقرة العين وطيب النفس والنعيم ألفاظ متقاربة المعنى، وهي أمر مطلوب في الجملة، بل ذلك مقصود كل حي، وذلك أمر ضروري من وجوده، وذلك في المقاصد والغايات بمنزلة الحس والعلوم البديهية في المبادئ والمقدمات" (٢).

стр. 315

وقال كذلك: " ومما ينبغي الاعتناء به علمًا ومعرفة، وقصداً وإرادة: العلم بأن كل إنسان بل كل حيوان إنما يسعى فيما يحصِّل له اللذة والنعيم وطيب العيش، ويندفع به عنه أضداد ذلك، وهذا مطلوب صحيح يتضمن ستة أمور: أحدها: معرفة الشيء النافع للعبد الملائم له الذي بحصوله لذته وفرحه وسروره وطيب عيشه. الثاني: معرفة الطريق الموصلة إلى ذلك. الثالث: سلوك تلك الطريق. الرابع: معرفة الضار المؤذي المنافر الذي ينكد عليه حياته. الخامس: معرفة الطريق التي إذا سلكها أفضت به إلى ذلك. السادس: تجنب سلوكها. فهذه ستة أمور لا تتم لذة العبد وسروره وفرحه وصلاح حاله إلا باستكمالها، وما نقص منها عاد بسوء حاله وتنكيد حياته. وكل عاقل يسعى في هذه الأمور لكن أكثر الناس غلط في تحصيل هذا المطلوب المحبوب النافع؛ إما في عدم تصوره ومعرفته، وإما في عدم معرفته الطريقَ الموصلة إليه، فهذان غلطان سببهما الجهل، ويتخلّص منهما بالعلم" (١). المدح والذم في اللذة: إن لذات الدنيا لا يتوجه المدح والذم لذِاتها، بل لطريقها أو عواقبها، فـ" اللذة من حيث هي مطلوبة للإنسان، بل ولكل حي فلا تذم من جهة كونها لذة، وإنما تذم ويكون تركها خيراً من نيلها وأنفع إذا تضمنت فوات لذة أعظم منها وأكمل، أو أعقبت ألماً حصوله أعظم من ألم فواتها. فههنا يظهر الفرق بين العاقل الفطن والأحمق الجاهل، فالعاقل متى عرف التفاوت بين اللذتين والألمين وأنه لا نسبة لأحدهما إلى الآخر هان عليه ترك أدنى اللذتين لتحصيل أعلاهما، واحتمال أيسر الألمين لدفع أعلاهما، وإذا تقررت هذه القاعدة فلذة الآخرة أعظم وأدوم ولذة الدنيا أصغر وأقصر، وكذلك ألم الآخرة وألم الدنيا، والمعول في ذلك على الإيمان واليقين، فإذا قوي اليقين وباشر القلب

стр. 316

آثر الأعلى على الأدنى في جانب اللذة، واحتمل الألم الأسهل على الأصعب" (١). " وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها فهي إنما تذم إذا أعقبت ألماً أعظم منها، أو منعت لذة خيراً منها، وتحمد إذا أعانت على اللذة الدائمة المستقرة، وهي لذة الدار الآخرة ونعيمها الذي هو أفضل نعيم وأجله؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٦، ٥٧]. وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. " (٢). قال ابن القيم: " وكل لذة أعقبت ألمًا، أو منعت لذة أكمل منها فليست بلذة في الحقيقة، وإن غالطت النفس في الالتذاذ بها، فأي لذة لآكل طعام شهي مسموم يقطع أمعاءه عن قريب؟! وهذه هي لذات الكفار والفساق بعلوهم في الأرض وفسادهم، وفرحهم فيها بغير الحق ومرحهم" (٣). أنواع اللذة: اللذة التي يلتذ بها الإنسان ليست نوعًا واحداً، بل أنواع، باعتبار الجهة التي تتلذذ بها من نفس الإنسان، فهناك لذات حسية (ظاهرة)، وهناك لذات معنوية (باطنة)، أو بتعبير آخر هناك لذات بدنية، ولذات خيالية، ولذات روحية. قال الغزالي: " اللذات تنقسم إلى ظاهرة؛ كلذة الحواس الخمس، وإلى باطنة؛ كلذة الرياسة والغلبة والكرامة والعلم وغيرها؛ إذ ليست هذه اللذة للعين ولا للأنف ولا الأذن ولا للمس ولا للذوق، والمعاني الباطنة أغلب على ذوى الكمال من اللذات

стр. 317

الظاهرة" (١). وقال ابن القيم: " فأقسام اللذات ثلاثة: لذة جثمانية، ولذة خيالية وهمية، ولذة عقلية روحانية؛ فاللذة الجثمانية لذة الأكل والشرب والجماع، وهذه اللذة يشترك فيها مع الإنسان الحيوانُ البهيم، فليس كمال الإنسان بهذه اللذة لمشاركة أنقص الحيوانات له فيها، ولأنها لو كانت كمالاً لكان أفضل الناس وأشرفهم وأكملهم أكثرَهم أكلاً وشربًا وجماعاً، وأيضًا لو كانت كمالاً لكان نصيب رسل الله وأنبيائه وأوليائه منها في هذه الدار أكمل من نصيب أعدائه، فلما كان الأمر بالضد تبين أنها ليست في نفسها كمالاً، وإنما تكون كمالاً إذا تضمنت إعانة على اللذة الدائمة العظمى. وأما اللذة الوهمية الخيالية فلذة الرئاسة والتعاظم على الخلق والفخر والاستطالة عليهم. وهذه اللذة وإن كان طلابها أشرف نفوسًا من طلاب اللذة الأولى؛ فإن آلامها وما توجبه من المفاسد والمضار أعظم من التذاذ النفس بها؛ فإن صاحبها منتصب لمعاداة كل من تعاظم وترأس عليه؛ ولهذا شروط وحقوق تفوت على صاحبها كثيراً من لذاته الحسية ولا يتم إلا بتحمل مشاق وآلام أعظم منها، فليست هذه في الحقيقة بلذة وإن فرحت بها النفس وسُرَّت بحصولها، وقد قيل: إنه لا حقيقة للذة في الدنيا وإنما غايتها دفع آلام كما يدفع ألم الجوع والعطش وألم الشهوة بالأكل والشرب والجماع؛ ولذلك يدفع ألم الخمول وسقوط القدر عند الناس بالرئاسة والجاه، والتحقيق: أن اللذة أمر وجودي يستلزم دفع الألم بما بينهما من التضاد. وأما اللذة العقلية الروحانية فهي كلذة المعرفة والعلم والاتصاف بصفات الكمال؛ من الكرم والجود والعفة والشجاعة والصبر والحلم والمروءة وغيرها؛ فإن الالتذاذ بذلك من أعظم اللذات وهو لذة النفس الفاضلة العلوية الشريفة، فإذا انضمت اللذة بذلك إلى لذة معرفة الله تعالى ومحبته وعبادته وحده لا شريك له والرضا به عوضًا عن كل شيء ولا يتعوض بغيره عنه؛ فصاحب هذه اللذة في جنة عاجلة نسبتها إلى لذات الدنيا كنسبة لذة

стр. 318

الجنة إلى لذة الدنيا؛ فإنه ليس للقلب والروح ألذ ولا أطيب ولا أحلى ولا أنعم من محبة الله والإقبال عليه وعبادته وحده، وقرة العين به والأنس بقربه والشوق إلى لقائه ورؤيته، وإن مثقال ذرة من هذه اللذة لا يعدل بأمثال الجبال من لذات الدنيا؛ ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يخلص من الخلود في دار الآلام، فكيف بالإيمان الذي يمنع دخولها؟! قال بعض العارفين: من قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. ويكفي في فضل هذه اللذة وشرفها أنها تخرج من القلب ألم الحسرة على ما يفوت من هذه الدنيا، حتى إنه ليتألم بأعظم ما يلتذ به أهلها ويفر منه فرارهم من المؤلم، وهذا موضعٌ الحاكمُ فيه الذوق لا مجرد لسان العلم، وكان بعض العارفين يقول: مساكين أهل الدنيا؛ خرجوا من الدنيا ولم يذوقوا طيب نعيمها، فيقال له: وما هو؟ فيقول: محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه، ومعرفة أسمائه وصفاته. وقال آخر: أطيب ما في الدنيا معرفته ومحبته، وألذ ما في الآخرة رؤيته وسماع كلامه بلا واسطة. وقال آخر: والله إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذه الحال إنهم لفي عيش طيب. وأنت ترى محبة من في محبته عذاب القلب والروح كيف توجب لصاحبها لذة يتمنى أنه لا يفارقه حبه؛ كما قال شاعر الحماسة: تَشَكّى الْمُحبُّونَ الصَّبابَةَ ليْتَني … تَحَمَّلْتُ ما يَلْقَوْنَ منْ بَيْنِهمْ وحْدِي فكَانَتْ لِنَفْسي لَذَّةُ الْحُبِّ كُلُّها … فلَمْ يَلْقَها قَبْلِي مُحِبٌّ ولَا بَعْدِي قالت رابعة: شغلوا قلوبهم بحب الدنيا عن الله، ولو تركوها لجالت في الملكوت، ثم رجعت إليهم بطرائف الفوائد" (١). لذات الدنيا: لا تخلو هذه الحياة من لذات يلتذ بها أهلها فيها، وتقر عيونهم بها، وهي لذات ظاهرة

стр. 319

تتلذذ بها الحواس؛ كلذات مسموعة، ومرئية، ومطعومة، ومشمومة، ومحسوسة، ولذات باطنة؛ كالجاه والرئاسة والعلو، والغنى والشهرة والمعارف، وغير ذلك. إلا أن لذات الدنيا إن سلمت من الحرام فهي لذات مكدَّرة ومنغَّصة؛ وهي بجانب لذات الآخرة قليلة لا كثيرة، صغيرة لا كبيرة، ناقصة غير كاملة، مشوبة غير خالصة، منقطعة غير دائمة، لا تنال فيها نفس الإنسان كاملَ غايتها، ولا تبلغ منها كل مرادها، فتظل النفس بذلك متشوِّفة للزيادة والتغيير والتنويع، فتكون بهذا غير مقنعِة، وغير مرضية. قال الغزالي: " لذات الدنيا مكدرة مشوبة بأنواع المنغصات، ولذات الآخرة صافية غير مكدرة" (١). ويحكي ابن الجوزي أنه رأى رجلاً قد أعطاه الله من لذات الدنيا الظاهرة ما أعطاه ثم رآه مع كل ذلك وهو يبكي، فتعجب ما الذي يبكيه وهو في هذا النعيم؟! فأجاب ابن الجوزي على نفسه فقال: " فتفكرت فعلمت أن النفس لا تقف عند حد، بل تروم من اللذات ما لا منتهى له، كلما حصل لها غرض برد عندها وطلبت سواه، فيفنى العمر، ويضعف البدن، ويقع النقص، ويرقُّ الجاه، ولا يحصل المراد. وليس في الدنيا أبله ممن يطلب النهاية في لذات الدنيا، وليس في الدنيا على الحقيقة لذة، إنما هي راحة من مؤلم" (٢). وقال أيضًا: " من تأمل الدنيا علم أنه ليس فيها لذة أصلاً، فإن وجدت لذة شيبت بالنغص التي تزيد على اللذة أضعافاً" (٣). ثم ذكر أمثلة على لذات ممزوجة بالكدر ثم قال: " و هذا أنموذج لما لم يُذكر، فينبغي لمن وفقه الله سبحانه أن يأخذ الضروري الذي يميل إلى سلامة الدين والبدن والعافية، ويهجر الهوى الذي نغصه تتضاعف على لذته" (٤).

стр. 320

هذا في لذات الدنيا المباحة، أما إذا كانت لذات محرمة أو شابها الحرام فإنها لذات وهمية، وطريق إلى شقاء منتظر؛ لما تعقبه من عذاب الله تعالى وسخطه. وقد كلف الله تعالى الإنسان البعد عنها؛ لما لها من سوء العاقبة العاجلة والآجلة، ولكن من غلبه هواه وانتصرت عليه نفسه لا يصبر على تركها؛ طلبًا للراحة والتنعم، ولكنه بذلك الاسترسال يخدع نفسه، ويجلب لها العناء الطويل. فلو " حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل لم يدم له ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت ثم يعذب ولا بد في وقت آخر، وكثيراً ما يكون ذلك الذي يتنعم به ويلتذ به غير منعم له ولا ملذ، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك، وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجرِب من لذة الأظفار التي تحكه فهي تدمي الجلد وتخرقه وتزيد في ضرره، وهو يؤثر ذلك لما له في حكها من اللذة، وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير الله هو عذاب عليه ومضرة وألم في الحقيقة لا تزيد لذته على لذة حك الجرب، والعاقل يوازن بين الأمرين ويؤثر أرجحهما وأنفعهما" (١). والحقيقة إن إقدام الإنسان على تلك اللذات المحرمة يبرهن على حمقه وجهله، ولو كان ذا عقل ورشد لما سلك طريق لذة عابرة تحرمه لذة باقية. قال ابن الجوزي: " وأجهل الجهال من آثر عاجلاً على آجل لا يأمن سوء مغبته، فكم قد سمعنا عن سلطان وأمير وصاحب مال أطلق نفسه في شهواتها، ولم ينظر في حلال وحرام فنزل به من الندم وقت الموت أضعاف ما التذ، ولقي من مرير الحسرات ما لا يقاومه ولا ذرة من كل لذة. ولو كان هذا فحسب لكفى حزناً كيف والجزاء الدائم بين يديه، فالدنيا محبوبة للطبع لا ريب في ذلك ولا أنكر على طالبها ومؤثر شهواتها، ولكن ينبغي له أن ينظر في كسبها ويعلم وجه أخذها؛ ليسلم له عاقبة لذته، وإلا فلا خير في لذة من بعدها النار" (٢). فـ"لا تؤثر لذة تفوِّت خيراً كثيراً، وصابِرْ المشقةَ تحصِّل ربحاً وافراً" (٣).
следующие страницы →