← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 987

روضة العابدين

عبد الله بن عبده العواضي

Полный текст (499 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

آثر الأعلى على الأدنى في جانب اللذة، واحتمل الألم الأسهل على الأصعب" (١). " وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها فهي إنما تذم إذا أعقبت ألماً أعظم منها، أو منعت لذة خيراً منها، وتحمد إذا أعانت على اللذة الدائمة المستقرة، وهي لذة الدار الآخرة ونعيمها الذي هو أفضل نعيم وأجله؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يوسف: ٥٦، ٥٧]. وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. " (٢). قال ابن القيم: " وكل لذة أعقبت ألمًا، أو منعت لذة أكمل منها فليست بلذة في الحقيقة، وإن غالطت النفس في الالتذاذ بها، فأي لذة لآكل طعام شهي مسموم يقطع أمعاءه عن قريب؟! وهذه هي لذات الكفار والفساق بعلوهم في الأرض وفسادهم، وفرحهم فيها بغير الحق ومرحهم" (٣). أنواع اللذة: اللذة التي يلتذ بها الإنسان ليست نوعًا واحداً، بل أنواع، باعتبار الجهة التي تتلذذ بها من نفس الإنسان، فهناك لذات حسية (ظاهرة)، وهناك لذات معنوية (باطنة)، أو بتعبير آخر هناك لذات بدنية، ولذات خيالية، ولذات روحية. قال الغزالي: " اللذات تنقسم إلى ظاهرة؛ كلذة الحواس الخمس، وإلى باطنة؛ كلذة الرياسة والغلبة والكرامة والعلم وغيرها؛ إذ ليست هذه اللذة للعين ولا للأنف ولا الأذن ولا للمس ولا للذوق، والمعاني الباطنة أغلب على ذوى الكمال من اللذات

стр. 317

الظاهرة" (١). وقال ابن القيم: " فأقسام اللذات ثلاثة: لذة جثمانية، ولذة خيالية وهمية، ولذة عقلية روحانية؛ فاللذة الجثمانية لذة الأكل والشرب والجماع، وهذه اللذة يشترك فيها مع الإنسان الحيوانُ البهيم، فليس كمال الإنسان بهذه اللذة لمشاركة أنقص الحيوانات له فيها، ولأنها لو كانت كمالاً لكان أفضل الناس وأشرفهم وأكملهم أكثرَهم أكلاً وشربًا وجماعاً، وأيضًا لو كانت كمالاً لكان نصيب رسل الله وأنبيائه وأوليائه منها في هذه الدار أكمل من نصيب أعدائه، فلما كان الأمر بالضد تبين أنها ليست في نفسها كمالاً، وإنما تكون كمالاً إذا تضمنت إعانة على اللذة الدائمة العظمى. وأما اللذة الوهمية الخيالية فلذة الرئاسة والتعاظم على الخلق والفخر والاستطالة عليهم. وهذه اللذة وإن كان طلابها أشرف نفوسًا من طلاب اللذة الأولى؛ فإن آلامها وما توجبه من المفاسد والمضار أعظم من التذاذ النفس بها؛ فإن صاحبها منتصب لمعاداة كل من تعاظم وترأس عليه؛ ولهذا شروط وحقوق تفوت على صاحبها كثيراً من لذاته الحسية ولا يتم إلا بتحمل مشاق وآلام أعظم منها، فليست هذه في الحقيقة بلذة وإن فرحت بها النفس وسُرَّت بحصولها، وقد قيل: إنه لا حقيقة للذة في الدنيا وإنما غايتها دفع آلام كما يدفع ألم الجوع والعطش وألم الشهوة بالأكل والشرب والجماع؛ ولذلك يدفع ألم الخمول وسقوط القدر عند الناس بالرئاسة والجاه، والتحقيق: أن اللذة أمر وجودي يستلزم دفع الألم بما بينهما من التضاد. وأما اللذة العقلية الروحانية فهي كلذة المعرفة والعلم والاتصاف بصفات الكمال؛ من الكرم والجود والعفة والشجاعة والصبر والحلم والمروءة وغيرها؛ فإن الالتذاذ بذلك من أعظم اللذات وهو لذة النفس الفاضلة العلوية الشريفة، فإذا انضمت اللذة بذلك إلى لذة معرفة الله تعالى ومحبته وعبادته وحده لا شريك له والرضا به عوضًا عن كل شيء ولا يتعوض بغيره عنه؛ فصاحب هذه اللذة في جنة عاجلة نسبتها إلى لذات الدنيا كنسبة لذة

стр. 318

الجنة إلى لذة الدنيا؛ فإنه ليس للقلب والروح ألذ ولا أطيب ولا أحلى ولا أنعم من محبة الله والإقبال عليه وعبادته وحده، وقرة العين به والأنس بقربه والشوق إلى لقائه ورؤيته، وإن مثقال ذرة من هذه اللذة لا يعدل بأمثال الجبال من لذات الدنيا؛ ولذلك كان مثقال ذرة من إيمان بالله ورسوله يخلص من الخلود في دار الآلام، فكيف بالإيمان الذي يمنع دخولها؟! قال بعض العارفين: من قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. ويكفي في فضل هذه اللذة وشرفها أنها تخرج من القلب ألم الحسرة على ما يفوت من هذه الدنيا، حتى إنه ليتألم بأعظم ما يلتذ به أهلها ويفر منه فرارهم من المؤلم، وهذا موضعٌ الحاكمُ فيه الذوق لا مجرد لسان العلم، وكان بعض العارفين يقول: مساكين أهل الدنيا؛ خرجوا من الدنيا ولم يذوقوا طيب نعيمها، فيقال له: وما هو؟ فيقول: محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه، ومعرفة أسمائه وصفاته. وقال آخر: أطيب ما في الدنيا معرفته ومحبته، وألذ ما في الآخرة رؤيته وسماع كلامه بلا واسطة. وقال آخر: والله إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذه الحال إنهم لفي عيش طيب. وأنت ترى محبة من في محبته عذاب القلب والروح كيف توجب لصاحبها لذة يتمنى أنه لا يفارقه حبه؛ كما قال شاعر الحماسة: تَشَكّى الْمُحبُّونَ الصَّبابَةَ ليْتَني … تَحَمَّلْتُ ما يَلْقَوْنَ منْ بَيْنِهمْ وحْدِي فكَانَتْ لِنَفْسي لَذَّةُ الْحُبِّ كُلُّها … فلَمْ يَلْقَها قَبْلِي مُحِبٌّ ولَا بَعْدِي قالت رابعة: شغلوا قلوبهم بحب الدنيا عن الله، ولو تركوها لجالت في الملكوت، ثم رجعت إليهم بطرائف الفوائد" (١). لذات الدنيا: لا تخلو هذه الحياة من لذات يلتذ بها أهلها فيها، وتقر عيونهم بها، وهي لذات ظاهرة

стр. 319

تتلذذ بها الحواس؛ كلذات مسموعة، ومرئية، ومطعومة، ومشمومة، ومحسوسة، ولذات باطنة؛ كالجاه والرئاسة والعلو، والغنى والشهرة والمعارف، وغير ذلك. إلا أن لذات الدنيا إن سلمت من الحرام فهي لذات مكدَّرة ومنغَّصة؛ وهي بجانب لذات الآخرة قليلة لا كثيرة، صغيرة لا كبيرة، ناقصة غير كاملة، مشوبة غير خالصة، منقطعة غير دائمة، لا تنال فيها نفس الإنسان كاملَ غايتها، ولا تبلغ منها كل مرادها، فتظل النفس بذلك متشوِّفة للزيادة والتغيير والتنويع، فتكون بهذا غير مقنعِة، وغير مرضية. قال الغزالي: " لذات الدنيا مكدرة مشوبة بأنواع المنغصات، ولذات الآخرة صافية غير مكدرة" (١). ويحكي ابن الجوزي أنه رأى رجلاً قد أعطاه الله من لذات الدنيا الظاهرة ما أعطاه ثم رآه مع كل ذلك وهو يبكي، فتعجب ما الذي يبكيه وهو في هذا النعيم؟! فأجاب ابن الجوزي على نفسه فقال: " فتفكرت فعلمت أن النفس لا تقف عند حد، بل تروم من اللذات ما لا منتهى له، كلما حصل لها غرض برد عندها وطلبت سواه، فيفنى العمر، ويضعف البدن، ويقع النقص، ويرقُّ الجاه، ولا يحصل المراد. وليس في الدنيا أبله ممن يطلب النهاية في لذات الدنيا، وليس في الدنيا على الحقيقة لذة، إنما هي راحة من مؤلم" (٢). وقال أيضًا: " من تأمل الدنيا علم أنه ليس فيها لذة أصلاً، فإن وجدت لذة شيبت بالنغص التي تزيد على اللذة أضعافاً" (٣). ثم ذكر أمثلة على لذات ممزوجة بالكدر ثم قال: " و هذا أنموذج لما لم يُذكر، فينبغي لمن وفقه الله سبحانه أن يأخذ الضروري الذي يميل إلى سلامة الدين والبدن والعافية، ويهجر الهوى الذي نغصه تتضاعف على لذته" (٤).

стр. 320

هذا في لذات الدنيا المباحة، أما إذا كانت لذات محرمة أو شابها الحرام فإنها لذات وهمية، وطريق إلى شقاء منتظر؛ لما تعقبه من عذاب الله تعالى وسخطه. وقد كلف الله تعالى الإنسان البعد عنها؛ لما لها من سوء العاقبة العاجلة والآجلة، ولكن من غلبه هواه وانتصرت عليه نفسه لا يصبر على تركها؛ طلبًا للراحة والتنعم، ولكنه بذلك الاسترسال يخدع نفسه، ويجلب لها العناء الطويل. فلو " حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل لم يدم له ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت ثم يعذب ولا بد في وقت آخر، وكثيراً ما يكون ذلك الذي يتنعم به ويلتذ به غير منعم له ولا ملذ، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك، وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجرِب من لذة الأظفار التي تحكه فهي تدمي الجلد وتخرقه وتزيد في ضرره، وهو يؤثر ذلك لما له في حكها من اللذة، وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير الله هو عذاب عليه ومضرة وألم في الحقيقة لا تزيد لذته على لذة حك الجرب، والعاقل يوازن بين الأمرين ويؤثر أرجحهما وأنفعهما" (١). والحقيقة إن إقدام الإنسان على تلك اللذات المحرمة يبرهن على حمقه وجهله، ولو كان ذا عقل ورشد لما سلك طريق لذة عابرة تحرمه لذة باقية. قال ابن الجوزي: " وأجهل الجهال من آثر عاجلاً على آجل لا يأمن سوء مغبته، فكم قد سمعنا عن سلطان وأمير وصاحب مال أطلق نفسه في شهواتها، ولم ينظر في حلال وحرام فنزل به من الندم وقت الموت أضعاف ما التذ، ولقي من مرير الحسرات ما لا يقاومه ولا ذرة من كل لذة. ولو كان هذا فحسب لكفى حزناً كيف والجزاء الدائم بين يديه، فالدنيا محبوبة للطبع لا ريب في ذلك ولا أنكر على طالبها ومؤثر شهواتها، ولكن ينبغي له أن ينظر في كسبها ويعلم وجه أخذها؛ ليسلم له عاقبة لذته، وإلا فلا خير في لذة من بعدها النار" (٢). فـ"لا تؤثر لذة تفوِّت خيراً كثيراً، وصابِرْ المشقةَ تحصِّل ربحاً وافراً" (٣).

стр. 321

أما أهل الإيمان فهم يشاركون غيرهم في لذات الدنيا المباحة؛ من مأكول ومشروب ومنظور ومنكوح ومركوب ومحسوس وغير ذلك، غير أنهم يستعينون بذلك على طاعة الله التي توصلهم إلى اللذة التامة الباقية في الآخرة. فـ" لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الدار الآخرة؛ ولذلك خُلقت؛ كما قال النبي ﷺ : (الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة) (١). فكل لذة أعانت على لذات الدار الآخرة فهي محبوبة مرضية للرب تعالى، فصاحبها يلتذ بها من جهتين: من جهة تنعمه وقرة عينه بها، ومن جهة إيصالها له إلى مرضاة ربه وإفضائها إلى لذة أكمل منها، فهذه هي اللذة التي ينبغي للعاقل أن يسعى في تحصيلها، لا اللذة التي تعقبه غاية الألم، وتفوت عليه أعظم اللذات؛ ولهذا يثاب المؤمن على كل ما يلتذ به من المباحات إذا قصد به الإعانة والتوصل إلى لذة الآخرة ونعيمها" (٢). قال ابن القيم: " لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه فأشرف الناس نفسًا وأعلاهم همة وأرفعهم قدراً مَنْ لذته في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه، والتودد إليه بما يحبه ويرضاه، فلذته في إقباله عليه وعكوف همته عليه ودون ذلك مراتب لا يحصيها إلا الله حتى تنتهي إلى من لذته في أخس الأشياء … وأكمل الناس لذة من جمع له بين لذة القلب والروح ولذة البدن، فهو يتناول لذاته المباحة على وجه لا ينقص حظه من الدار الآخرة، ولا يقطع عليه لذة المعرفة والمحبة والأنس بربه، فهذا ممن قال تعالى فيه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. وأبخسهم حظًا من اللذة من تناولها على وجه يحول بينه وبين لذات الآخرة، فيكون ممن يقال لهم يوم استيفاء اللذات: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ

стр. 322

بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. فهؤلاء تمتعوا بالطيبات وأولئك تمتعوا بالطيبات وافترقوا في وجه التمتع؛ فأولئك تمتعوا بها على الوجه الذي أذن لهم فيه، فجُمع لهم بين لذة الدنيا والآخرة، وهؤلاء تمتعوا بها على الوجه الذي دعاهم إليه الهوى والشهوة، وسواء أذن لهم فيه أم لا، فانقطعت عنهم لذة الدنيا وفاتتهم لذة الآخرة، فلا لذة الدنيا دامت لهم ولا لذة الآخرة حصلت لهم. فمن أحب اللذة ودوامها والعيش الطيب فليجعل لذة الدنيا موصلاً له إلى لذة الآخرة، بأن يستعين بها على فراغ قلبه لله وإرادته وعبادته، فيتناولها بحكم الاستعانة والقوة على طلبه لا بحكم مجرد الشهوة والهوى، وإن كان ممن زويت عنه لذات الدنيا وطيباتها فليجعل ما نقص منها زيادة في لذة الآخرة، ويجم نفسه ههنا بالترك ليستوفيها كاملة هناك، فطيبات الدنيا ولذاتها نعم العون لمن صح طلبه لله والدار الآخرة، وكانت همته لما هناك، وبئس القاطع لمن كانت هي مقصودة وهمته وحولها يدندن، وفواتها في الدنيا نعم العون لطالب الله والدار الآخرة، وبئس القاطع النازع من الله والدار الآخرة، فمن أخذ منافع الدنيا على وجه لا ينقص حظه من الآخرة ظفر بهما جميعًا وإلا خسرهما جميعاً" (١). وينفرد أهل الإيمان بلذة أخرى هي أعظم لذات الدنيا، بل هي نموذج من لذات الجنة عُجِّلت لأهلها في هذه الحياة، هذه اللذة هي لذة المعرفة والطاعة، لذة المعرفة لله تعالى والعلم به، ولذة التقرب إليه وعبادته. حيث يجد المؤمن أحسن لذاته في التفكر في آيات الله المشهودة الدالة على عظمته وجلاله وحكمته، وفي نعم الله على خلقه الدالة على عفوه ورحمته وفضله، كما يجدها في صلاة خاشعة وتلاوة متدبرة، وتضرع بين يدي مولاه، وإحسان يقدمه إلى عباد الله ابتغاء وجهه. وغير ذلك من أنواع العبادات اللازمة والمتعدية. فهذه اللذة حق خالص للطائعين ولا حظ فيها لأهل العصيان. قال الغزالي: " أجل اللذات وأعلاها معرفة الله تعالى، والنظر إلى وجهه الكريم" (٢).

стр. 323

وقال ابن القيم: " لذة النظر إلى وجه الله يوم القيامة تابعة للتلذذ بمعرفته ومحبته في الدنيا، وكما أنه لا نسبة لنعيم ما في الجنة إلى نعيم النظر إلى وجهه الأعلى سبحانه، فلا نسبة لنعيم الدنيا إلى نعيم محبته ومعرفته والشوق إليه والأنس به، بل لذة النظر إليه سبحانه تابعة لمعرفتهم به ومحبتهم له؛ فإن اللذة تتبع الشعور والمحبة، فكلما كان المحب أعرف بالمحبوب وأشد محبة له كان التذاذه بقربه ورؤيته ووصوله إليه أعظم" (١). إن لذات الآخرة أشد وأعظم من لذات الدنيا بلا شك؛ لأنها لا آخر لها ولا كدورة فيها، وأما لذات الدنيا فإنها سريعة الدثور، وهى مشوبة بالمكدرات، فما فيها لذة صافية عن كدر، وكيف وفى التوبة عن المعاصي والإقبال على الطاعة تلذذ بمناجاة الله تعالى واستراحة بمعرفته وطاعته، وطول الأنس به، ولو لم يكن للمطيع جزاء على عمله إلا ما يجده من حلاوة الطاعة ورَوح الأنس بمناجاة الله تعالى لكان ذلك كافيًا فكيف بما ينضاف إليه من نعيم الآخرة! (٢). فأهل الإيمان لعلمهم بالله وحبهم له ومعرفتهم به أقبلوا على طاعته فوجدوا فيها غاية اللذة. وـ" اللذة تابعة للمحبة تقوى بقوتها وتضعف بضعفها، فكلما كانت الرغبة في المحبوب والشوق إليه أقوى كانت اللذة بالوصول إليه أتم، والمحبة والشوق تابع لمعرفته والعلم به، فكلما كان العلم به أتم كانت محبته أكمل فإذا رجع كمال النعيم في الآخرة، وكمال اللذة إلى العلم والحب فمن كان يؤمن بالله وأسمائه وصفاته ودينه أعرف كان له أحب، وكانت لذته بالوصول إليه مجاورته والنظر إلى وجهه وسماع كلامه أتم، وكل لذة ونعيم وسرور وبهجة بالإضافة إلى ذلك كقطرة في بحر فكيف يؤثر من له عقل لذة ضعيفة قصيرة مشوبة بالآلام على لذة عظيمة دائمة أبد الآباد. وكمال العبد بحسب هاتين القوتين: العلم والحب، وأفضل العلم العلم بالله، وأعلى الحب الحب له، وأكمل اللذة بحسبهما" (٣).

стр. 324

فما أحسن ما يجده المؤمن في كنف الطاعات من الملذات والمسرات التي يجزيه الله تعالى بها على عمله الصالح في الدنيا قبل الآخرة، وهذا من الحياة الطيبة التي أشار إليها قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. قال ابن القيم: "وقد فُسرت الحياة الطيبة بالقناعة والرضى والرزق الحسن وغير ذلك، والصواب أنها حياة القلب ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان، ومعرفة الله ومحبته والإنابة إليه والتوكل عليه؛ فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنة" (١). لقد "فاز المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والآخرة، وحصلوا علي الحياة الطيبة في الدارين؛ فإن طيب النفس وسرور القلب، وفرحه ولذته وابتهاجه وطمأنينته وانشراحه، ونوره وسعته وعافيته من ترك الشهوات المحرمة والشبهات الباطلة؛ هو النعيم علي الحقيقة، ولا نسبة لنعيم البدن إليه؛ فقد قال بعض من ذاق هذه اللذة: لو علم الملوك وأبناء ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف … وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب من بر القلب وسلامة الصدر، ومعرفة الرب تعالى ومحبته والعمل على موافقته، وهل عيش في الحقيقة إلا عيش القلب السليم" (٢). وهذا النوع من اللذات يتنعم أهله فيه أعظم من تنعمهم باللذات البدنية. فالطاعات غذاء للقلب وسرور له وقرة عين في حقه ونعيم لروحه يتلذذ بها ويتنعم بملابستها أعظم مما يتنعم بملابسة الطعام والشراب واللذات الجسمانية؛ فإن اللذات الروحانية القلبية أقوى وأتم من اللذات الجسمانية (٣). ومن تلك اللذات الروحية: لذة الذكر، ولذة العلم، ولذة الانتصار على الهوى

стр. 325

والنفسِ الأمارة بالسوء. فـ" للذكر من بين الأعمال لذة لا يشبهها شيء، فلو لم يكن للعبد من ثوابه إلا اللذة الحاصلة للذاكر والنعيم الذي يحصل لقلبه لكفى به؛ ولهذا سُميت مجالس الذكر رياض الجنة، قال مالك بن دينار: وما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله ، فليس شيء من الأعمال أخف مؤنة منه ولا أعظم لذة ولا أكثر فرحة وابتهاجًا للقلب" (١). وأما لذة العلم بالله تعالى وبشرعه فإنها من أعظم اللذات في هذه الدنيا لمن صدق حبه للعلم، وأقبل عليه تمام الإقبال، ومن قرأ في سير العلماء يجد العجب العجاب من تلذذهم بالعلم وتغنِّيهم بذلك. ينسب للشافعي قوله: سَهَرِي لِتَنْقِيحِ العُلُومِ أَلَذُّ لي … مِنْ وَصْلِ غَانِية ٍ وَطيبِ عِنَاقِ وصريرُ أقلامي على صفحاتها … أحلى منَ الدَّوكاءِ للعشاقِ وَأَلَذُّ مِنْ نَقْرِ الفتاة لِدُفِّهَا … نقري لألقي الرَّملَ عن أوراقي وتمايلي طرباً لحلِّ عويصةٍ … في الدَّرْسِ أَشْهَى مِنْ مُدَامَةِ سَاقِ يا من يحاول بالأماني رتبتي … كم بين مستفل وآخرَ راقي أأبيتُ سهرانَ الدُّجى وتبيتهُ .... نَوْماً وَتَبْغي بَعْدَ ذَاكَ لِحَاقِي؟! (٢). وأما لذة الانتصار على الهوى وكبح جماح النفس الأمارة بالسوء فإنها لذة عظيمة؛ إذ حبس الهوى وإن كان على صاحبه مُرَّ الأوائل لكنه في آخره حلو العواقب. قال ابن الجوزي: " وفي قوة قهر الهوى لذة تزيد على كل لذة؛ ألا ترى إلى كل مغلوب بالهوى كيف يكون ذليلاً؟ لأنه

стр. 326

قُهر. بخلاف غالب الهوى فإنه يكون قوي القلب عزيزاً؛ لأنه قَهر. فالحذر الحذر من رؤية المشتهى بعين الحُسن، كما يرى اللص لذة أخذ المال من الحِرز، ولا يرى بعين فكره القطع، ولو يفتح عين البصيرة لتأمل العواقب واستحالت اللذة نغصة … وليتذكر الإنسان لذة قهر الهوى، مع تأمل فوائد الصبر عنه، فمن وفِّق لذلك كانت السلامة قريبة منه" (٣ (١). لذات الآخرة: الآخرة هي الدار الباقية التي يُجزَى الناس فيها على أعمالهم في الدنيا ويصيرون إما إلى نعيم يلقى فيه أهله كل لذة، وإما إلى جحيم لا لذة فيه البتة. والله تعالى "إنما خلق الخلق لدار القرار وجعل اللذة كلها بأسرها فيها، كما قال الله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١]. وقال تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُن﴾ [السجدة: ١٧]. وقال النبي ﷺ يقول الله تعالى: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ذُخْرًا بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ (٢) (٣). أي: غير ما أطلعتم عليه. وهذا هو الذي قصده الناصح لقومه الشفيق عليهم حيث قال: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٨، ٣٩]. فأخبرهم أن الدنيا متاع يتمتع بها إلى غيرها، والآخرة هي المستقر" (٤). فلذلك كانت لذات الآخرة خاصة بأهل الجنة الذين تنعموا في الدنيا بلذة الطاعة، ثم رقّاهم الله تعالى في مصاعد اللذة فأدخلهم الجنة، التي يجدون فيها اللذات الكاملة للروح والجسد، والسمع والبصر، والزمان والمكان، والجار والأنيس.

стр. 327

والمؤمن " يلتذ في الدنيا بكل ما يقصد به وجه الله من الأكل والشرب واللباس والنكاح، وشفاء الغيظ بقهر العدو وجهاد في سبيله، فضلاً عما يلتذ به من معرفة ربه وحبه له وتوحيده والإثابة إليه، والتوكل عليه والإقبال عليه وإخلاص العمل له والرضا به وعنه، والتفويض إليه وفرح القلب وسروره بقربه والأنس به والشوق إلى لقائه؛ كما في الحديث الذي صححه ابن حبان والحاكم وأسألك: (لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك) وهذه اللذة لا تزال في الدنيا في زيادة مع تنقيصها بالعدو الباطن من الشيطان والهوى والنفس والدنيا والعدو الظاهر، فكيف إذا تجردت الروح وفارقت دار الأحزان والآفات واتصلت بالرفيق الأعلى مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليمًا، فإذا أفضى إلى دار النعيم فهنالك من أنواع اللذة والبهجة والسرور ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فبؤسًا وتعسًا للنفوس الوضيعة الدنيئة التي لا يهزها الشوق إلى ذلك طربا، ولا تتقد نار إرادتها لذلك رغبا، ولا تبعد عما يصد عن ذلك رهبا، فبصائرها كما قيل: خفافيشُ أعشاها النهارُ بضوئهِ … ولاءمَها قِطْعٌ من الليل مظلمُ تجول حول الحُش (١) إذا جالت النفوس العلوية حول العَرش، وتندس في الأحجار، إذا طارت النفوس الزكية إلى أعلى الأوكار" (٢). بيد أن لذات الجنة لا تتم إلا باللذة العظمى والنعمة الكبرى ألا وهي النظر إلى وجه الله الكريم، "قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. وهذه الزيادة هي النظر إلى وجه الله تعالى، وهي اللذة الكبرى التي يُنسى فيها نعيمُ أهل الجنة (٣).

стр. 328

جاء في صحيح مسلم عن صهيب عن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتُنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أُعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم . قال ابن القيم: " فبين ﵊ أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم ربهم في الجنة لم يعطهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، وإنما كان ذلك أحب إليهم لأن ما يحصل لهم به من اللذة والنعيم والفرح والسرور وقرة العين فوق ما يحصل لهم من التمتع بالأكل والشرب والحور العين، ولا نسبة بين اللذتين والنعيمين ألبتة؛ ولهذا قال في حق الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. فجمع عليهم نوعي العذاب: عذاب النار، وعذاب الحجاب عنه سبحانه، كما جمع لأوليائه نوعي النعيم: نعيم التمتع بما في الجنة، ونعيم التمتع برؤيته" (١). وفي حديث عمار بن ياسر عن النبي ﷺ : ( … وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك) (٢). "قال الطيبي: قيّد النظر باللذة لأن النظر إلى الله تعالى إما نظر هيبة وجلال في عرصات القيامة، وإما نظر لطف وجمال في الجنة ليؤذن بأن المراد هذا" (٣).

стр. 329

هذه هي الدنيا! الإنسان العاقل ينظر إلى الأمور بعين عقله، لا بعين هواه، ويقيسها بلُبِّه لا بشهواته، ويتأمل في مآلاتها ولا ينظر إلى لذاتها العاجلة التي تعقب حسرات دائمة، فشيء مفروح بأوله محزون بآخره لا ينبغي الالتفات إليه، وشيء قليل مكدر، لا يقدَّم على شيء كثير غيرِ مشوب. هكذا يأمرنا الله تعالى أن ننظر إلى الحياة الدنيا بالبصيرة لا بالبصر، وبعاقبة أمرها، لا بإقبال أوائلها، يقول تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠]، " أي: تتمتعون بها أيام حياتكم، ثم هي إلى فناء وانقضاء، ﴿وما عند الله خير وأبقى﴾؛ لأن منافع الآخرة خالصة عن الشوائب وهي دائماً غير منقطعة، ومنافع الدنيا كالذرة بالقياس إلى البحر العظيم ﴿أفلا تعقلون﴾ أي: أن الباقي خير من الفاني، وقيل: من لم يرجح الآخرة على الدنيا فليس بعاقل؛ ولهذا قال الشافعي: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صُرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله؛ لأن أعقل الناس من أعطي القليل وأخذ الكثير، وما هم إلا المشتغلون بطاعة الله تعالى" (١). قال ابن مسعود ﵁: "الدنيا دارُ من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له" (٢).

стр. 330

حقيقة الدنيا: وإن الناظر في حقيقة الدنيا يجد أنها لا تستحق هذا اللهث الكثير وراءها، والانشغال الكبير بها، والحرص الشديد عليها، والتقاتل الدائم من أجلها؛ فهي أحقر من ذلك كله؛ لأن المخلوق عليها مسافر عنها غير مقيم بها، واللبيب لا ينشغل بدار سفره التي عما قليل سينتقل عنها إلى دار إقامته التي سيبقى فيها دائمًا. فالدنيا فانية والآخرة باقية، ومن العجب إيثار الفاني على الباقي! قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، "يقول تعالى مخبراً عن حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها، وأنها لا دوام لها وغاية ما فيها لهو ولعب: ﴿وَإِنّ الدّارَ الآخرة لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ أي: الحياة الدائمة الحق الذي لا زوال لها ولا انقضاء، بل هي مستمرة أبد الآباد. وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لآثروا ما يبقى على ما يفنى" (١). وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]. فـ"الحياة الدنيا تكون أولاً شابة ثم تكتهل ثم تكون عجوزاً شوهاء، والإنسان يكون كذلك في أول عمره وعنفوان شبابه غضاً طرياً لين الأعطاف، بهي المنظر، ثم إنه يشرع في الكهولة فتتغير طباعه ويفقد بعض قواه، ثم يكبر فيصير شيخاً كبيراً ضعيف القوى، قليل الحركة يعجزه الشيء اليسير كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ

стр. 331

مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ ولما كان هذا المثل دالاً على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة، حذر من أمرها ورغب فيما فيها من الخير فقال: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ أي: وليس في الآخرة الآتية القريبة إلا إما هذا وإما هذا: إما عذاب شديد، وإما مغفرة من الله ورضوان. وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ أي: هي متاع فانٍ غارّ لمن ركن إليه؛ فإنه يغتر بها وتعجبه حتى يعتقد أنه لا دار سواها ولا معاد وراءها، وهي حقيرة قليلة بالنسبة إلى دار الآخرة … عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرءوا: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾) وهذا الحديث ثابت في الصحيح بدون هذه الزيادة والله أعلم" (١). زَخرف الرشيد يومًا منازله وأكثر الطعام والشراب واللذات فيها، ثم استدعى أبا العتاهية فقال له: صف لنا ما نحن فيه من العيش والنعيم، فقال أبو العتاهية: عِشْ ما بَدَا لكَ سالماً … في ظِلّ شاهقَةِ القُصورِ يسْعَى عليكَ بِمَا اشتهيْتَ … لدَى الرَّوَاح أوِ البُكُورِ فقال: حسن ثم ماذا؟ فقال: فإذا النّفوسُ تَقعَقَعَتْ … في ظلّ حَشرجَةِ الصّدورِ فَهُناكَ تَعلَم، مُوقِناً … مَا كُنْتَ إلاَّ فِي غُرُورِ فبكى الرشيد بكاء كثيراً شديداً (٢).

стр. 332

قال بعض الشعراء: أَلَا إنَّمَا الدُّنْيَا كَأَحْلَامِ نَائِمِ … وَمَا خَيْرُ عَيْشٍ لَا يَكُونُ بِدَائِمِ تَأَمَّلْ إذَا مَا نِلْت بِالْأَمْسِ لَذَّةً … فَأَفْنَيْتَهَا هَلْ أَنْتَ إلَّا كَحَالِمِ فَكَمْ غَافِلٍ عَنْهُ وَلَيْسَ بِغَافِلٍ … وَكَمْ نَائِمٍ عَنْهُ وَلَيْسَ بِنَائِمِ (١). وَقَالَ الشَّاعِرُ: تَمَتَّعْ مِنْ الْأَيَّامِ إنْ كُنْت حَازِمًا … فَإِنَّك مِنْهَا بَيْنَ نَاهٍ وَآمِرِ إذَا أَبْقَتْ الدُّنْيَا عَلَى الْمَرْءِ دِينَهُ … فَمَا فَاتَهُ مِنْهَا فَلَيْسَ بِضَائِرِ فَلَنْ تَعْدِلَ الدُّنْيَا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ … وَلَا وَزْنَ ذَرٍّ مِنْ جَنَاحٍ لِطَائِرِ فَمَا رَضِيَ الدُّنْيَا ثَوَابًا لِمُؤْمِنٍ … وَلَا رَضِيَ الدُّنْيَا جَزَاءً لِكَافِرِ (٢). والعيش في الدنيا كالاستظلال تحت شجرة ثم تُتترك ويُنتقل عنها إلى غيرها، فكيف ينشغل عاقل بالظل عن مواصلة طريقه إلى هدفه المنشود؟! فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: نام رسول الله ﷺ على حصير فقام وقد أثر في جنبه، قلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاء، فقال: (ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) (٣). والدنيا بجانب الآخرة قليلة، فأيُّ لبيب يدع الكثير ويقبل على القليل؟! قال تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]. يعني: ما الدنيا " التي مالت بكم، وقدمتموها على الآخرة ﴿إِلا قَلِيلٌ﴾ أفليس قد جعل اللّه لكم عقولا

стр. 333

تَزِنُون بها الأمور، وأيها أحق بالإيثار؟. أفليست الدنيا -من أولها إلى آخرها- لا نسبة لها في الآخرة. فما مقدار عمر الإنسان القصير جداً من الدنيا حتى يجعله الغاية التي لا غاية وراءها، فيجعل سعيه وكده وهمه وإرادته لا يتعدى حياته الدنيا القصيرة المملوءة بالأكدار، المشحونة بالأخطار. فبأي رَأْيٍ رأيتم إيثارها على الدار الآخرة الجامعة لكل نعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون، فواللّه ما آثر الدنيا على الآخرة من وقر الإيمان في قلبه، ولا من جزل رأيه، ولا من عُدَّ من أولي الألباب" (١). وقال رسول الله ﷺ : (والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بمَ يرجع) (٢). وعن ابنِ عباسٍ ﵄ قال: "الدنيا قليل، فلْيضحكُوا فيها ما شاءوا، فإذا انقطعتِ الدنيا وصاروا إلى الله تعالى استأنفوا بكاءً لا ينقطعُ أبدًا" (٣). متاع قليل منغَّص: فمهما أُعطي الإنسان من لذات الدنيا وأسباب الفرح بها فإنها متاع قليل، عما قريب سيذهب عن الإنسان، أو يذهب عنه الإنسان، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [القصص: ٦٠]. "أي: فهو شيء شأنه أن يتمتع ويتزين به أيامًا قلائل، وما عند الله -وهو الثواب- خير في نفسه من ذلك؛ لأنه لذة خالصة عن شوائب الألم، وبهجة كاملة عارية عن سمة الهم، وأبقى؛ لأنه أبدي. ﴿أفلا تعقلون﴾ ألا تتفكرون فلا تعقلون هذا الأمر الواضح فتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير" (٤).

стр. 334

ولا ريب أن هذه الدنيا لما كانت كذلك فإنها لا تنفك عن المنغصات والغموم، والأحزان والهموم، فالمكاره ملازمة لها، والآلام لا تنقطع عنها، فدارٌ هذه حالها لا تستحق التنافس عليها. وقد نغصها الله تعالى لعبده المؤمن حتى لا يركن إليها، وينشغل بها، ولكي يشتاق إلى لقائه في دار الآخرة، وإلى الجنة التي أعدها له إن آمن به وأحسن العمل له. وحتى إن وجد العبد في هذه الدنيا المسرات، وذاق فيها الملذات، ولقي فيها أسباب الفرح والحبور؛ فإنها لا تدوم ولا تبقى، ولا تسلم من مشوب يكدر صفوها، فالتقلب شأنها، والتغير حالها، فلا يأمنن الإنسان إدبارها بعد إقبالها، وأتراحها بعد أفراحها، وضيقها بعد سعتها، وخوفها بعد أمنها، وسقمها بعد صحتها، وأخذها بعد عطائها، وفناءها بعد العيش فيها. "قال بعض السلف: من أحب الدنيا فليوطن نفسه على تحمل المصائب، ومحب الدنيا لا ينفك من ثلاث: هم لازم، وتعب دائم، وحسرة لا تنقضي، وذلك أن محبها لا ينال منها شيًئا إلا طمحت نفسه إلى ما فوقه؛ كما في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة و السلام: (لو كان لابن آدم واديانِ من مال لابتغى لهما ثالثًا) وقد مثل عيسى بن مريم ﵇: محب الدنيا بشارب الخمر؛ كلما ازداد شرباً ازداد عطشًا!) (١). قال أعرابي: " العاقل حقيق أن يسخى بنفسه عن الدنيا؛ لعلمه أن لا ينال أحد فيها شيئًا إلا قل إمتاعه به، أو كثر عناؤه فيه، واشتدت مرزئته عليه عند فراقه، وعظمت التبعة فيه بعده" (٢). وقال في الحكم العطائية: "لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمتَ في هذه الدار؛ فإنها ما

стр. 335

أبرزت إلا ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها" (١). قال التهامي: طُبعتْ على كدرٍ وأنت تريدُها … صفواً من الأقذاء والأكدار ومكلّف الأيَّامٍ ضدَّ طباعها … متطلّبٌ في الماءِ جذوة نار (٢). ومن كلام جعفر الصادق: من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يُرزق، قيل له: وما ذاك؟ قال: الراحة في الدنيا. وأخذ بعضهم هذا المعنى فقال: تطلب الراحة في دار العنا … خاب من يطلب شيئاً لا يكونْ (٣). وقال صفي الدين الحليّ: قالَ العذولُ لمَ اعتزلتَ عن الورَى … وأقمتَ نفسكَ في المقامِ الأوهنِ نادَيتُ طالبُ راحةٍ، فأجابَني … أتعبتها بطلابِ ما لم يمكن (٤). وقال آخر: ومن رام في الدنيا حياة سليمة … من الهم والأكدار رام محالا (٥). وقال الماوردي: " الدنيا إذا وصلت فتبعاتٌ موبقة، وإذا فارقت ففجعات محرقة، وليس لوصلها دوام، ولا من فراقها بد، فرُضْ نفسك على قطيعتها لتسلم من تبعاتها، وعلى فراقها لتأمن فجعاتها، فقد قيل: المرء مقترض من عمره المنقرض، مع أن العمر وإن

стр. 336

طال قصير، والفراغ وإن تمَّ يسير" (١). وقال بعض البلغاء: "الدنيا لا تصفو لشارب، ولا تبقى لصاحب، ولا تخلو من فتنة، ولا تخلو من محنة، فأعرض عنها قبل أن تعرض عنك، واستبدل بها قبل أن تستبدل بك؛ فإن نعيمها يتنقل، وأحوالها تتبدل، ولذاتها تفنى، وتبعاتها تبقى" (٢). وقال علي ﵁ يصف الدنيا": أولها عناء، وآخرها فناء، حلالها حساب، وحرامها عقاب، من صحَّ فيها سقم، ومن مرض فيها ندم، ومن استغنى فيها فُتن، ومن افتقر فيها حزن، ومن ساعاها فاتته، ومن قعد عنها أتته، ومن نظر إليها أعمته، ومن نظر بها بصَّرته" (٣). وقال يزيد الهاشمي: " عيوب الدنيا بادية وهي تغيرها، ومواعظها منادية، لكن حبها يُعمي ويصم، فلا يسمع محبُّها نداءها، ولا يرى كشفها للغير وإيذاءها قد نادتِ الدنيا على نفسِها … لو كان في العالم من يسمعُ كم واثقٍ بالعمر أفنيته … وجامعٍ بددتُ ما يجمعُ كم قد تبدل نعيمها بالضر والبؤس، كم أصبح من هو واثق بملكها وأمسى وهو منها قنوط بؤوس " (٤). "وقال بعض البلغاء: إن الدنيا تقبل إقبال الطالب، وتدبر إدبار الهارب، وتصل وصال الملول، وتفارق فراق العجول، فخيرها يسير، وعيشها قصير، وإقبالها خديعة، وإدبارها فجيعة، ولذاتها فانية، وتبعاتها باقية، فاغتنم غفوة الزمان، وانتهز فرصة

стр. 337

الإمكان، وخذ من نفسك لنفسك، وتزود من يومك لغدك" (١). وقال أبو العتاهية: هِيَ الدَّارُ دَارُ الْأَذَى وَالْقَذَى … وَدَارُ الْفَنَاءِ وَدَارُ الْغِيَرْ فَلَوْ نِلْتهَا بِحَذَافِيرِهَا … لَمِتَّ وَلَمْ تَقْضِ مِنْهَا الْوَطَرْ أَيَا مَنْ يُؤَمِّلُ طُولَ الْخُلُودِ … وَطُولُ الْخُلُودِ عَلَيْهِ ضَرَرْ إذَا مَا كَبِرْت وَبَانَ الشَّبَابُ … فَلَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَ الْكِبَرْ (٢). "وعن أمير المؤمنين عُمَرَ بن عبد العزيز، ﵀، أنه بكى يومًا بين أصحابه، فسُئل عن ذلك، فقال: فَكَّرتُ في الدنيا ولذاتها وشهواتها، فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تَنْقَضِي حتى تكدرها مرارتُها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إن فيها مواعظ لمن ادّكر" (٣) .. وقال ابن القيم: " الدنيا كامرأة بغيٍّ لا تثبت مع زوج، إنما تخطب الأزواج ليستحسنوا عليها فلا ترضى بالدياثة. ميَّزتُ بين جمالها وفعالِها … فإذا الملاحةُ بالقباحة لا تَفي حلفتْ لنا أن لا تخونَ عهودَنا … فكأنها حلفتْ لنا أن لا تَفي السير في طلبها سيرٌ في أرض مسبعة، والسباحة فيها سباحة في غدير التمساح، المفروح به منها هو عين المحزون عليه، آلامها متولدة من لذاتها، وأحزانها من أفراحها. مآربُ كانت في الشباب لأهلها … عِذابًا فصارت في المشيب عَذابا (٤).

стр. 338

الموفَّقون في الدنيا: إن الفوز في هذه الحياة طريقُه إماتة الهوى، والاستيقاظ من نوم الغفلة، والنظر إلى المقصد الأعلى، الذي يقرب بعيد الغاية، ويسلِّي النفس عند مواجهة مشاقها. فالموفقون لما عرفوا " قدر الحياة الدنيا وقلة المقام فيها أماتوا فيها الهوى؛ طلبًا لحياة الأبد، ولما استيقظوا من نوم الغفلة استرجعوا بالجد ما نهبه العدو منهم في زمن البطالة، فلما طالت عليهم الطريق تلمحوا المقصد فقرَّب عليهم البعيد، وكلما مرَّت لهم الحياة حلا لهم تذكر: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]. وركبٍ سَروا والليل مُلقٍ رواقَه … على كل مغبرِّ المطالع قاتمِ حدوا عزماتٍ ضاعت الأرضُ بينها … فصار سُراهم في ظهور العزائم تُريهمْ نجومَ الليل ما يبتغونه … على عاتق الشِّعرى (١) وهام النعائم إذا اطّردتْ في معرك الجِدِّ قصَّفوا … رماحَ العطايا في صدور المكارم (٢). وحينما عرف هؤلاء الفطناء حقيقة هذه الدنيا تخفَّفوا منها، وأزالوا عن طريقهم إلى الله العوائق، واستجابوا لداعي الحق، فأبصروا" قصدهم، وبذلوا في الطلب جهدهم، وعلموا أن العلائق عوائق، وأن المخف هو السائق، فخففوا أنفسهم وأظهرهم من أثقال الأشغال؛ لعلمهم بأن الطريق كثير المزالق، هذه سنة الكرام في طلب ذي الجلال والإكرام، فأين المقتدون؟ وهذه سبيل هداة الأنام ودار السلام، فأين المهتدون؟ عاقنا -والله- عن اقتفاء آثارهم والتعلق بأذيال غبارهم فضولُ الكلام والطعام، وشغل القلب والجوارح بكسب الحطام، استُنفِزنا في سبيل الله فثبطنا، ودُعينا إلى الجناب العالي فأبينا، إن لنا همة دنية لا تشتاق إلى العالي، ولا تنافس في طلب الغالي، ولا تأنف من الهوى ولا

стр. 339

تبالي" (١). لم تكن الدنيا لدى الموفّقين كبيرة ولا عظيمة؛ حتى انشغلوا بها ونسوا الآخرة، بل كانت لديهم حقيرة صغيرة لا تستحق الانشغال بها. قال الحسن البصري: " ولقد رأيت أقوامًا كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه، ولقد رأيت أقوامًا يمسي أحدهم وما يجد عنده إلا قوتًا فيقول: لا أجعل هذا كله في بطني، لأجعلن بعضه لله ، فيتصدق ببعضه، وإن كان هو أحوج ممن يتصدق به عليه! " (٢). إن نور التوفيق جعل محبِّي الآخرة ينظرون إلى الدنيا بعين بصيرتهم المشرقة فأبصروها فانية، ذات لذات زائلة، فتركوا الركون إليها، والانكباب عليها؛ خشية الخسران في الآخرة. قال الشاعر: إنِّي رَأَيْتُ عَوَاقِبَ الدُّنْيَا … فَتَرَكْتُ مَا أَهْوَى لِمَا أَخْشَى فَكَّرْتُ فِي الدُّنْيَا وَعَالَمِهَا … فَإِذَا جَمِيعُ أُمُورِهَا تَفْنَى وَبَلَوْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا فَإِذَا … كُلُّ امْرِئٍ فِي شَأْنِهِ يَسْعَى أَسْنَى مَنَازِلِهَا وَأَرْفَعُهَا … فِي الْعِزِّ أَقْرَبُهَا مِنْ الْمَهْوَى تَعْفُو مَسَاوِيهَا مَحَاسِنَهَا … لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّعْيِ وَالْبُشْرَى وَلَقَدْ مَرَرْتُ عَلَى الْقُبُورِ فَمَا … مَيَّزْتُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْمَوْلَى (٣).

стр. 340

هكذا فكن معها: فيا أيها العاقل، لا تغتر بدنياك فتنسى آخرتك؛ فالدنيا زهرة فانية عما قريب ستذبل، ولا تنظر إليها بعين الإعجاب والطمع؛ فإنها لا تستحق تلك النظرة على الحقيقة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥]. وقال: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]. ولا تنظر إلى أولئك الذين فرحوا بما أُوتوا من أعراض الدنيا ومتاعها الزائل فألهاهم عن الدار الآخرة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦]. فإن هذه الدار دار خيال ولهو ولهب، وليس بعاقل من انصرف إلى ذلك وترك دار الحقيقة والخلود، قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢]. فخذ من دنياك ما يكفيك ولا يلهيك، وأعرض عنها احتقاراً لشأنها، واستصغاراً لما فيها فذلك هو الزهد، فعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس) (١). "كتب أبو الدرداء إلى بعض إخوانه: أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله والزهد في الدنيا، والرغبة فيما عند الله؛ فإنك إذا فعلت ذلك أحبك الله؛ لرغبتك فيما عنده، وأحبك الناس؛ لتركك لهم دنياهم، والسلام" (٢).

стр. 341

وانظر إليها نظر الكاره المبغض، ولا تنظر إليها نظر العاشق المحب؛ فإن المحب مفتون بمحبوبه، مستجيب لما يأمر به. عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول لله ﷺ قال: (من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى) (١). وقال بعض الحكماء: "انظر إلى الدنيا نظر الزاهد المفارق لها، ولا تتأملها تأمل العاشق الوامق بها" (٢). وإذا أينعت دنياك فإياك أن تميل إلى الانشغال بقطف ثمارها، والتلهي بمتاعها، والتنافس عليها؛ فإن ذلك قد أهلك من قبلك، واعتبر بمن غرَّتهم من السالفين ماذا أخذوا منها، وما كانت عاقبتهم عليها؟ قال رسول الله ﷺ : (فوالله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم) (٣). "وقال أبو حازم: إن الدنيا غرَّت أقوامًا فعملوا فيها بغير الحق، فعاجلهم الموت فخلَّفوا مالهم لمن لا يحمدهم، وصاروا لمن لا يعذرهم، وقد خلقنا بعدهم فينبغي أن ننظر للذي كرهناه منهم فنجتنبه، والذي غبطناهم به فنستعمله (٤). وإن تجمَّلت لك بزخارفها، وأبدت لك مفاتنها فغض بصرك عنها؛ حتى تسلم من فتنتها؛ فإنها شَرك الهلاك، ومصيدة الشقاء، فعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) (٥).

стр. 342

قال ابن الجوزي: "الدنيا فخٌّ، والجاهل بأول نظرة يقع، فأما العاقل المتقِي فهو يصابر المجاعة، ويدور حول الحَب والسلامة بعيدة. فكم من صابر اجتهد سنين، ثم في آخر الأمر وقع. فالحذر الحذر؛ فقد رأينا من كان على سَنن الصواب، ثم زل على شفير القبر" (١). فـ" ينبغي للعبد المؤمن بربه إذا نظر إلى زهرة الدنيا فدعته إلى نفسها برونقها البهيج أن يقول لها بلسان الحال: إليك عني يا سريعة الزوال، إنما تصلحين للتشويق إلى دار ليس لساكنها عنها انتقال، أنت خزفٌ فانٍ، وتلك جوهر باق، فلتفرِّقْ بين الدارين عقولُ الرجال. خلِّ عن منزل الفنا والزوالِ … ثم يمِّمْ نحو الجنابِ العالي منزلِ الكرامة والأنس والبرْ … رِّ ونيلِ المنى ونيل النوال تلك والله دارُ قوم شَروَها … بنفيسِ النفوس والأموال حين زُفّت إليهمُ خطوبها … ثم ساقوا لها المهورَ الغوالي (٢). وخذ من الدنيا ما حلَّ لك بالطرق المشروعة من غير كد في الطلب ولا حرص ولا تهافت على الشبهات والحرام، فقد " جمع النبي في قوله: (فاتقوا الله وأجملوا في الطلب) بين مصالح الدنيا والآخرة، ونعيمُها ولذاتها إنما ينال بتقوى الله. وراحةُ القلب والبدن وترك الاهتمام، والحرص الشديد والتعب والعناد والكد والشقاء في طلب الدنيا إنما ينال بالإجمال في الطلب. فمن اتقى الله فاز بلذة الآخرة ونعيمها، ومن أجمل في الطلب استراح من نكد الدنيا وهمومها، فالله المستعان" (٣).

стр. 343

وإياك أن تسلم للدنيا جلَّ همك، وتعطيها مفتاح قلبك، بل صاحبها "ببدنك وفارقها بقلبك وهمك؛ فإنك موقوف على عملك، فخذ مما في يديك لما بين يديك، وعند الموت يأتيك الخبر" (١). قال الحسن: " ابنَ آدم، لا تعلِّق قلبك في الدنيا فتعلقه بشر معلَق، اقطع حبالها، وغلِّق أبوابها، حسبك -يا ابن آدم- منها ما يبلغك المحل"، وكان يقول: إن قومًا أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب، فأهينُوها فأهنا ما تكون إذا أهنتموها، هيهات هيهات ذهبت الدنيا وبقيت الأعمال قلائد في الاعناق (٢). وإياك أن تركب للدنيا مطيةَ الهوى، فتوصلك إلى متاهات الفتنة؛ فإن "الهوى مطية الفتنة، والدنيا دار المحنة، فانزل عن الهوى تسلم، وأعرض عن الدنيا تغنم، ولا يغرنك هواك بطيب الملاهي، ولا تفتنك دنياك بحسن العواري؛ فمدة اللهو تنقطع، وعارية الدهر ترتجع، ويبقى عليك ما ترتكبه من المحارم، وتكتسبه من المآثم" (٣). ولا تأمل البقاء عليها طويلا، ولا تركن إلى محاسنها كثيرا؛ فإنها لن تدوم، ولن تبقى. "قال بعض العلماء: إن الدنيا كثيرة التغيير، سريعة التنكر، شديدة المكر، دائمة الغدر، فاقطع أسباب الهوى عن قلبك، واجعل أبعدَ أملِك بقية يومك، وكُن كأنك ترى ثواب أعمالك" (٤). وإياك أن تغفل عن الدار الآخرة؛ فإنها هي الوطن، وأما الدنيا فإنها دار غربة، ودار ممر لا دار مقر، وأنت فيها غريب أو عابر سبيل، فتحمل في طريق غايتك عناءَ سفرك، وكآبة غربتك.

стр. 344

عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك (١). قال ابن القيم: "الناس منذ خلقوا لم يزالوا مسافرين، وليس لهم حط عن رحالهم إلا في الجنة أو النار، والعاقل يعلم أن السفر مبنِي على المشقة وركوب الأخطار، ومن المحال عادة أن يطلب فيه نعيم ولذة وراحة، إنما ذلك بعد انتهاء السفر، ومن المعلوم أن كل وطأة قدم أو كل آنٍ من آنات السفر غير واقفة، ولا المكلف واقف وقد ثبت أنه مسافر على الحال التي يجب أن يكون المسافر عليها من تهيئة الزاد الموصل، وإذا نزل أو نام أو استراح فعلى قدم الاستعداد للسير" (٢). موعظة جامعة: وما أحسن موعظة الحسن البصري ﵀ حيث يقول: " إن الدنيا دار عمل، من صحبها بالنقص لها والزهادة فيها، سعد بها ونفعته صحبتها، ومن صحبها على الرغبة فيها والمحبة لها شقِي بها، وأجحف بحظه من الله عز و جل، ثم أسلمته إلى ما لا صبر له عليه ولا طاقة له به من عذاب الله، فأمرها صغير، ومتاعها قليل، والفناء عليها مكتوب، والله تعالى ولِي ميراثها، وأهلها محولون عنها إلى منازل لا تبلى ولا يغيرها طول الثواء (٣) فاحذروا -ولا قوة إلا بالله- ذلك الموطن، وأكثروا ذكر ذلك، واقطع -يا ابن آدم- من الدنيا أكثرَ همك، أو لتقطعن حبالها بك، فينقطع ذكر ما خلقت له من نفسك، ويزيغ عن الحق قلبك، وتميل إلى الدنيا فترديك، وتلك منازل سوء بيِّنٌ ضرها، منقطع نفعها، مفضية

стр. 345

والله بأهلها إلى ندامة طويلة، وعذاب شديد، فلا تكونن -يا ابن آدم- مغتراً، ولا تأمن مالم يأتك الأمان منه؛ فإن الهول الأعظم ومفظعات الأمور أمامك، لم تخلص منها حتي الآن، ولا بد من ذلك المسلك، وحضور تلك الأمور، إما يعافيك من شرها وينجيك من أهوالها، وإما الهلكة وهي منازل شديدة مخوفة محذورة مفزعة للقلوب؛ فلذلك فاعدُد، ومن شرها فاهرب، ولا يلهينك المتاع القليل الفاني، ولا تربص بنفسك فهي سريعة الانتقاص من عمرك، فبادر أجلك ولا تقل غداً غداً؛ فإنك لا تدري متى إلى الله تصير، واعلموا أن الناس أصبحوا جادين في زينة الدنيا، يضربون في كل غمرة (١) وكلٌّ معجب بما هو فيه، راضٍ به، حريص على أن يزداد منه، فما لم يكن من ذلك لله وفي طاعة الله فقد خسر أهله، وضاع سعيه، وما كان من ذلك في الله وفي طاعة الله فقد أصاب أهله به وجه أمرهم، ووفقوا فيه بحظهم، عندهم كتاب الله وعهده وذكر ما مضى وذكر ما بقِي والخبر عمن وراءهم كذلك أمر الله اليوم وقبل ذلك أمره فيمن مضى، … وحق على من جاءه البيان من الله بأن هذا أمره وهو واقع أن يصغر في عينه ما هو عند الله صغير، وأن يعظم في نفسه ما هو عند الله عظيم، أوَ ليس ما ذكر الله من الكراهة لأهلها فيما بعد الموت والهوان ما يطيب نفس امرئ عن عيشة دنياه؛ فإنها قد آذنت بزوال، لا يدوم نعيمها، ولا يؤمن فجائعها، يبلى جديدها، ويسقم صحيحها، ويفتقر غنيها، ميالة بأهلها، لعَّابة بهم على كل حال، ففيها عبرة لمن اعتبر، وبيان فعلِي منتظر. يا ابن آدم، أنت اليوم في دار هي لافظتك، وكأن قد بدا لك أمرها، فإلى الصرام (٢) ما يكون سريعًا، ثم يفضي بأهلها إلى أشد الأمور وأعظمها خطراً، فاتق الله -يا ابن آدم- وليكن سعيك في دنياك لآخرتك؛ فإنه ليس لك من دنياك شيء إلا ما صدرت أمامك، فلا تدخرن عن نفسك مالك، ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك، ولكن تزود لبعد الشُّقة، واعدد العدة أيام حياتك، وطول مقامك قبل أن ينزل بك من قضاء الله ما هو نازل، فيحول دون

стр. 346

الذي تريد فإذا أنت -يا ابن آدم- قد ندمت حيث لا تغني الندامة عنك. ارفض الدنيا ولتسخُ بها نفسُك، ودع منها الفضل؛ فإنك إذا فعلت ذلك أصبت أربح الأثمان من نعيم لا يزول، ونجوت من عذاب شديد ليس لأهله راحة ولا فترة، فاكدح لما خلقت له قبل أن تفرق بك الأمور فيشق عليك اجتماعها، صاحب الدنيا بجسدك وفارقها بقلبك، ولينفعك ما قد رأيت مما قد سلف بين يديك من العمر، وحال بين أهل الدنيا وبين ما هم فيه؛ فإنه عن قليل فناؤه، ومخوف وباله، وليزدك إعجاب أهلها بها زهداً فيها، وحذراً منها؛ فإن الصالحين كذلك كانوا. واعلم -يا ابن آدم- أنك تطلب أمراً عظيمًا لا يقصر فيه إلا المحروم الهالك، فلا تركب الغرور وأنت ترى سبيله، ولا تدع حظك وقد عرض عليك وأنت مسئول ومقول لك، فأخلص عملك، وإذا أصبحت فانتظر الموت، وإذا أمسيت فكن على ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإن أنجى الناس من عمل بما أنزل الله في الرخاء والبلاء، وأمر العباد بطاعة الله وطاعة رسوله؛ فإنكم أصبحتم في دار مذمومة خلقت فتنة، وضُرب لأهلها أجل، إذا انتهوا إليه يبيد، أخرج نباتها، وبث فيها من كل دابة، ثم أخبرهم بالذي هم إليه صائرون، وأمر عباده فيما أخرج لهم من ذلك بطاعته، وبين لهم سبيلها يعني سبيل الطاعة، ووعدهم عليها الجنة، وهم في قبضته ليس منهم بمعجز له، وليس شيء من أعمالهم يخفى عليه، سعيهم فيها شتى بين عاص ومطيع له، ولكل جزاء من الله بما عمل ونصيب غير منقوص، ولم أسمع الله تعالى فيما عهد إلى عباده وأنزل عليهم في كتابه رغب في الدنيا أحداً من خلقه، ولا رضي له بالطمأنينة فيها، ولا الركون إليها، بل صرف الآيات وضرب الأمثال بالعيب لها، والنهي عنها ورغب في غيرها، وقد بين لعباده أن الأمر الذي خلقت له الدنيا وأهلها عظيم الشأن، هائل المطلع، نقلهم عنها إلى دار لا يشبه ثوابها ثوابًا ولا عقابها عقابًا، لكنها دار خلود يُدِين الله تعالى فيه العبادَ بأعمالهم، ثم ينزلهم منازلهم، لا يتغير فيها بؤس عن أهلها ولا نعيم. فرحم الله عبداً طلب الحلال جهده حتى إذا دار في يده وجهه وجهه الذي هو وجهه. ويحك يا ابن آدم، ما يضرك الذي أصابك من شدائد الدنيا إذا خلص لك خير الآخرة؟ ﴿أَلْهَاكُمُ

стр. 347

التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١، ٢]، هذا فضح القوم ألهاكم التكاثر عن الجنة عند دعوة الله تعالى وكرامته. والله لقد صحبنا أقوامًا كانوا يقولون: ليس لنا في الدنيا حاجة، ليس لها خُلقنا، فطلبوا الجنة بغدوهم ورواحهم وسهرهم، نعم- والله- حتى أهرقوا فيها دماءهم، ورجوا فأفلحوا ونجوا" (١). ففكِّر-يا عبد الله- في الآخرة وما فيها من الثواب الجزيل، والعطاء الكثير لمن آمن وعمل صالحاً؛ فإن ذلك يمحو حب الدنيا من قلبك، ويشحذ همتك بالجد في الاستعداد لجنة الله ورضوانه. قال الغزالي: "وأما حب الدنيا فالعلاج في إخراجه من القلب شديد، وهو الداء العضال الذي أعيا الأولين والآخرين علاجه، ولا علاج له إلا الإيمان باليوم الآخر وبما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب، ومهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا؛ فإن حب الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير، فإذا رأى حقارة الدنيا ونفاسة الآخرة استنكف أن يلتفت إلى الدنيا كلها، وإن أُعطِي ملك الأرض من المشرق إلى المغرب، وكيف وليس عنده من الدنيا إلا قدر يسير مكدر منغص، فكيف يفرح بها أو يترسخ في القلب حبها مع الإيمان بالآخرة، فنسأل الله تعالى أن يرينا الدنيا كما أراها الصالحين من عباده" (٢).

стр. 348

نذيرُ الشيب الموت مصير لابد منه، ومآل سيؤول إليه كل حي، وهو أجلٌ معلوم لا يدري المخلوق متى يلاقيه. ولما كان الممات ميعاداً ينقطع بلقياه الأمل، وتنتهي بنزوله مهلةُ العمل، ويكثر عنده ندم المفرّطين، لانتقالهم به من دار التكليف إلى دار الحساب؛ فقد رحم اللهُ تعالى خلقه بإرساله رسلاً تنذرهم بقرب المنية؛ حتى يجدّ المبطئ، ويتوب المسرف المفرِّط، وينتبه الغافل، ويصحو اللاهي. فمن تلك النذر بقدوم الموت: الشّيب الذي يسلُّ حسام موعظته ببريقه على سواد الشعور، ويزجر صاحبها ببياضه عن الفتور والقصور. فـ" من نزل به الشيب فهو بمنزلة الحامل التي تمت شهور حملها، فما تنتظر إلا الولادة، كذلك صاحب الشيب لا ينتظر إلا الموت، فقبيحٌ منه الإصرار على الذنب. أيُّ شيءٍ تريدُ مني الذنوبُ … شَغُفتْ بي فليس عني تغيبُ ما يضرُّ الذنوبَ لو أعتقتني … رحمةً بي فقد علاني المشيبُ (١). إن الشيب ضياء يلمع في قافية ليل الحياة بعد أن قطع ذلك الليلُ مسيرةً طويلة أوشك بعدها على الذهاب والانتهاء، فقدّمَ بين يديه طليعةً للإخبار بقرب رحيل صاحبه عن الدنيا، فمن أصغى لخبر النذير استعد له وأخذ للأمر أُهبته، ومن لم يسمع نصيحته فاجأه جيشُ المنية فأنزل به ما يكره من النكال. ولا ريب أن الإنسان في الحياة الدنيا لا يبقى على قوته وقدرته، بل يدركه العجز والضعف، وينتقل من تمامه إلى نقصانه، ومن سعة زمانه إلى ضيق أوانه، ومن حياته إلى

стр. 349

موته، والشيب من أمارات الضعف بعد القوة، والعجز بعد القدرة، والنقصان بعد التمام. يقول تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤]. قال ابن كثير: " ينبه تعالى على تنقل الإنسان في أطوار الخلق حالاً بعد حال؛ فأصله من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، ثم يصير عظاماً، ثم تكسى العظام لحماً، وينفخ فيه الروح، ثم يخرج من بطن أمه ضعيفاً نحيفاً واهن القوى، ثم يشبّ قليلاً قليلاً حتى يكون صغيراً، ثم حدثاً ثم مراهقاً شاباً- وهو القوة بعد الضعف- ثم يشرع في النقص فيكتهل ثم يشيخ ثم يهرم- وهو الضعف بعد القوة- فتضعف الهمة والحركة والبطش، وتشيب اللِمّة، وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوّةٍ ثُمّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ أي: يفعل ما يشاء ويتصرف في عبيده بما يريد ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ " (١). النذير الصامت: على المرء العاقل في هذه الحياة إن لم يسمع النُّذر الناطقة، أن يعتبر بالنذر الصامتة المشاهدة، فكم في نفسه وفيما يراه في حياته من عبر واعظة، فما يحدث له "من حين بلوغه إلى آخر عمره من التغير والانتقال من حال إلى حال من غير صنع له فيه ولا اختيار منه له، فيكون حَدثًا شابًا ثم كهلاً ثم شيخًا وما ينقلب فيه فيما بين ذلك من مرض وصحة وفقر وغنى، وفرح وحزن، ثم ما يراه في غيره وفي سائر الأشياء من حوادث الدهر التي لا صنع للمخلوقين فيها، كل ذلك داعٍ له إلى الله، ونذير له إليه" (٢). قال ابن الجوزي: " العجب ممن يقول: أخرجُ إلى المقابر فأعتبر بأهل البلى، ولو فطن علم أنه مقبرة يغنيه الاعتبار بما فيها عن غيرها، خصوصاً من قد أوغل في السن؛ فإن

стр. 350

شهوته ضعفت، وقواه قلّت، والحواس كلّت، والنشاط فتر، والشعر ابيض، فليعتبر بما فقد، وليستغن عن ذكر من فقد، فقد استغنى بما عنده التطلع إلى غيره" (١). إن ما يحصل على الشعور من لمعان الشيب هو نذير لصاحبها من اقتراب الموت ومفارقة الحياة الدنيا، فما للإنسان مع ذلك والتفريطَ، وتضييعَ ما تبقى من العمر فيما لا ينفع بعد نزول الأجل؟! يقول تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]. ورد عن ابن عباس وعكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع وقتادة أن النذير هنا هو الشيب (٢). وقال ابن حجر: " ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ اختلف أهل التّفسير فيه، فالأكثر على أنّ المراد به الشّيب؛ لأنّه يأتي في سنّ الكهولة فما بعدها، وهو علامة لمفارقة سنّ الصّبا الّذي هو مظنّة اللّهو" (٣). وقد عد الشعراء والحكماء الشيبَ نذيرَ الموت وبريدَه، وأمارةً على قرب الأجل، وبوابة خروجٍ من الحياة، وبداية لنهايتها، وذبولاً لزهرتها، وطريقًا قريبًا إلى القبر. قال الشاعر: رأيتُ الشيبَ من نُذُر المنايا … لصاحبها وحسبُك من نذيرِ فحدُّ الشيبِ أُهبةُ ذي وقارٍ … فلا خلفٌ يكون مع القتير (٤).

стр. 351

وقال آخر: وقائلةٍ تخضِّب فالغواني .... نوافرُ عن معاينة القتيرِ فقلتُ لها المشيبُ نذير عمري … ولستُ مسوِّداً وجهَ النذير (١). وقال الحريري: أيا مَنْ يدَّعي الفَهْمْ … إلى كمْ يا أخا الوَهْمْ تُعبّي الذّنْبَ والذمّ … وتُخْطي الخَطأ الجَمّ أمَا بانَ لكَ العيْبْ … أمَا أنْذرَكَ الشّيبْ وما في نُصحِهِ ريْبْ … ولا سمْعُكَ قدْ صمّ (٢). وقال أيضًا: أمَا ترَى الشّيبَ وخَطْ … وخَطّ في الرّأسِ خِطَطْ ومنْ يلُحْ وخْطُ الشّمَطْ … بفَودِهِ فقدْ نُعِي (٣). وقال أبو العتاهية: يا خاضبَ الشيبِ بالحِنّاءِ تستُرَهُ … سلِ الملِيكَ له سِتراً من النارِ لن يرحلَ الشيبُ عن دارٍ ألمَّ بها … حتى يُرحِّلَ عنها صاحبَ الدارِ (٤). وقال آخر: ألم تر كيف تخترمُ المنايا … وكيف تحول بين الخافقينِ

стр. 352

تؤمّل بعد شيبك طولَ عمرٍ … أليس الشيبُ إحدى الميتين (١). وقال محمود الورّاق: أيُّها المبتَنِي الحُصُو … نَ وقد شابَ واكتَهَلْ أخبَرَ الشَّيْبُ عنكَ أنْـ … نكَ في أخِرِ الأجَلْ (٢). وقال يحيى بن خالد بن برمك: الليلُ شيَّبَ والنهارُ كلاهما … رأسي بكثرة ما تدور رَحاهما الشّيبُ إحدى الميتتين تَقَدَّمَتْ … أولاهما وتأَخَّرَتْ أخراهما (٣). وقال ابن الرومي: كفى بِسِرَاجِ الشّيبِ في الرأس هادياً … إلى من أَضَلَّتْهُ المنايا لياليا أَمن بَعْدِ إِبداءِ المشيب مقاتلي … لرامي المنايا تحسبينيَ ناجيا وكان كرامي الليل يرمي ولا يَرَى … فلما أَضاءَ الشّيبُ شخصي رمانيا (٤). وقال الجاحظ: " وقال بعضهم: الشيب نذير الآخرة. وقال قيس بن عاصم: الشيب خِطام المنية. وقال آخر: الشيب توأم الموت. وقال الحكيم: شيبُ الشعر موت الشّعَر، وموت الشعر علة موت البشر. وقال المعتمر بن سليمان: الشيب أول مراحل الموت. وقال السهمي: الشيب تمهيد الحِمَام. وقال العتابي: الشيب تاريخ الكتاب. وقال النمري: الشيب عنوان الكِبر. وقال عدي بن زيد العبادي:

стр. 353

وابيضاضُ السوادِ من نذر الشرِّ … وهل مثله لحيٍّ نذيرُ" (١). وقال بعضهم: الشيب نذير المنية، وبريد الآخرة، وإحدى المنيتين، وأول مواعيد الفنا، وناعي الشباب، ورسول البِلى، وقناع الموت، وقذى عين الشباب، والموت ساحل الحياة، والشيب سفينة تقرب من الساحل (٢). وقال آخر: الشيب تبسمُ المنايا (٣). وقال ابن الجوزي: " سرق لصُّ الشيب رأسَ مال الشباب … كانت أيام الشباب كفصل الربيع، وساعاته كأيام التشريق، والعيش فيه كيوم العيد، فأقبل الشيب يعد بالفناء، ويوعد بصفر الإناء، فأرخى مشدود أطناب العمر، ونقض مشيد سرائر القوى. أُديلَ ضعف الشيب على الشباب فعمل معولَ الوهن وراء الجلَد في الجِلْد، فصار مرْبع الحياة قفراً قد خلت بطاحُه، ومربع اللهو هباء تذروه الرياح، وإن الهالك من ضل في آخر سفره وقد قارب المنزل. أبقيَ بعد الشيب منزل غير البلى؟ بلى أنت تدري أين تنزل. مرحلة الشيب تحط على شفير القبر، وقد اتخذت من رأي الهوى حصنًا، فما هذا الأمل؟. أتطلب ربيع وأنت في ذي القعدة؟! (٤). اختلاف النظرة إلى الشيب: إن ابتسام الشيب على الشعر يحزن أهل الشهوات الذين يرون به منفرّاً للنساء عنهم، وقاطعًا لهم عن استيفاء الرغبات التي كانوا يظفرون به فيها زمن قوة الشباب؛ فلذلك يرونه مصيبة تحبسهم عن تمام اللذات الدنيوية العاجلة، وينذرهم بقرب رحيلهم عنها.

стр. 354

رَأَيْنَ الغَوانِي الشَّيْبَ لاحَ بمَفْرِقي … فأَعْرَضْنَ عَنِّي بالوُجُوهِ النَّواضِرِ (١). وكُنَّ إِذا أَبْصَرْنَنِي أَوْ سَمِعْنَنِي … دَنَوْنَ فَرَقَّعْنَ الكُوَى بالمَحاجِرِ وقال ابن نباتة: تبسُّمُ الشيبِ بوجه الفتى … يُوجبُ سحَّ الدمع من جفنهِ وكيف لا يبكي على نفسه … مَنْ ضحك الشيبُ على ذقنه (٢). أما أهل الدين والحجى فيرونه عن الهوى والانحراف واعظًا يزجرهم، وناصحًا مخلصًا في نصحهم، ومنبِّهًا يوقظهم، وسائقًا يسوقهم إلى درب الاستعداد للقاء الله، كما يرونه نوراً يهديهم إلى أحسن الأعمال؛ لأنه يمنع عن المرء" الغرور والخفة والطيش، ويميله إلى الطاعة، وتنكسر به نفسه عن الشهوات" (٣). قال يَزِيدَ بن الحَكَم الثَّقَفِي: أَبَى الشَّيْبُ والإِسْلامُ أَنْ أتْبَعَ الهَوَى … وفي الشَّيْبِ والإِسلامِ للمَرْءِ رادِعُ (٤). وقال سُحيْم: عُمَيْرَةَ وَدِّعْ إِنْ تَجَهَّزْتَ غادِيا … كَفَى الشَّيْبُ والإِسْلامُ للمَرْءِ ناهِيا (٥). أي: زاجراً رادعًا. والشيب نذير الموت، والموت يسن إكثار ذكره؛ لتتنبه النفس من سنة الغفلة، فيسن لمن بلغ سن الشيب أن يعاتب نفسه ويوبخها بإكثار التمثل بهذا

стр. 355

البيت (١). وقال ابن زمرك: إذَا رَأيْتَ بُرُوْقَ الشَّيْبِ قَدْ بَسَمَتْ … بِمَفْرقٍ فَمُحَيَّا العَيْشِ قَدْ كَلَحَا يَلْقَى المَشِيْبَ بإجْلالٍ وتَكْرِمةٍ … مَنْ قَدْ أعَدَّ مِنْ الأعمالِ ما صَلحُا (٢). وقال أبو محمد عبد الله بن محمد بن سارة الأندلسي: يا من يُصيخُ إلى داعي الشقاءِ وقد … نادى به الناعيانِ الشَّيبُ والكِبرُ إن كنتَ لا تسمع الذكرى ففيمَ ترى … في رأسك الواعيانِ السمع والبصر (٣). وقال آخر: بكيتَ فما تبكي شبابَ صباكا … كفاك نذيرُ الشيب فيك كفاكا ألم تر أن الشيب قد قام ناعيًا … مكان الشباب الغضِّ ثم نعاكا (٤). وقال أبو نواس: للهِ درُّ الشيبِ من واعظٍ … وناصحٍ لو قبِل الناصحُ (٥). وقال بعضهم: اِقْبلْ نصح المشيب وإن عَجِل (٦). وقال آخر: الشيب للعاقل بشير، وللجاهل نذير (٧).
следующие страницы →