← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 987

روضة العابدين

عبد الله بن عبده العواضي

Полный текст (499 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقال آخر: وقائلةٍ تخضِّب فالغواني .... نوافرُ عن معاينة القتيرِ فقلتُ لها المشيبُ نذير عمري … ولستُ مسوِّداً وجهَ النذير (١). وقال الحريري: أيا مَنْ يدَّعي الفَهْمْ … إلى كمْ يا أخا الوَهْمْ تُعبّي الذّنْبَ والذمّ … وتُخْطي الخَطأ الجَمّ أمَا بانَ لكَ العيْبْ … أمَا أنْذرَكَ الشّيبْ وما في نُصحِهِ ريْبْ … ولا سمْعُكَ قدْ صمّ (٢). وقال أيضًا: أمَا ترَى الشّيبَ وخَطْ … وخَطّ في الرّأسِ خِطَطْ ومنْ يلُحْ وخْطُ الشّمَطْ … بفَودِهِ فقدْ نُعِي (٣). وقال أبو العتاهية: يا خاضبَ الشيبِ بالحِنّاءِ تستُرَهُ … سلِ الملِيكَ له سِتراً من النارِ لن يرحلَ الشيبُ عن دارٍ ألمَّ بها … حتى يُرحِّلَ عنها صاحبَ الدارِ (٤). وقال آخر: ألم تر كيف تخترمُ المنايا … وكيف تحول بين الخافقينِ

стр. 352

تؤمّل بعد شيبك طولَ عمرٍ … أليس الشيبُ إحدى الميتين (١). وقال محمود الورّاق: أيُّها المبتَنِي الحُصُو … نَ وقد شابَ واكتَهَلْ أخبَرَ الشَّيْبُ عنكَ أنْـ … نكَ في أخِرِ الأجَلْ (٢). وقال يحيى بن خالد بن برمك: الليلُ شيَّبَ والنهارُ كلاهما … رأسي بكثرة ما تدور رَحاهما الشّيبُ إحدى الميتتين تَقَدَّمَتْ … أولاهما وتأَخَّرَتْ أخراهما (٣). وقال ابن الرومي: كفى بِسِرَاجِ الشّيبِ في الرأس هادياً … إلى من أَضَلَّتْهُ المنايا لياليا أَمن بَعْدِ إِبداءِ المشيب مقاتلي … لرامي المنايا تحسبينيَ ناجيا وكان كرامي الليل يرمي ولا يَرَى … فلما أَضاءَ الشّيبُ شخصي رمانيا (٤). وقال الجاحظ: " وقال بعضهم: الشيب نذير الآخرة. وقال قيس بن عاصم: الشيب خِطام المنية. وقال آخر: الشيب توأم الموت. وقال الحكيم: شيبُ الشعر موت الشّعَر، وموت الشعر علة موت البشر. وقال المعتمر بن سليمان: الشيب أول مراحل الموت. وقال السهمي: الشيب تمهيد الحِمَام. وقال العتابي: الشيب تاريخ الكتاب. وقال النمري: الشيب عنوان الكِبر. وقال عدي بن زيد العبادي:

стр. 353

وابيضاضُ السوادِ من نذر الشرِّ … وهل مثله لحيٍّ نذيرُ" (١). وقال بعضهم: الشيب نذير المنية، وبريد الآخرة، وإحدى المنيتين، وأول مواعيد الفنا، وناعي الشباب، ورسول البِلى، وقناع الموت، وقذى عين الشباب، والموت ساحل الحياة، والشيب سفينة تقرب من الساحل (٢). وقال آخر: الشيب تبسمُ المنايا (٣). وقال ابن الجوزي: " سرق لصُّ الشيب رأسَ مال الشباب … كانت أيام الشباب كفصل الربيع، وساعاته كأيام التشريق، والعيش فيه كيوم العيد، فأقبل الشيب يعد بالفناء، ويوعد بصفر الإناء، فأرخى مشدود أطناب العمر، ونقض مشيد سرائر القوى. أُديلَ ضعف الشيب على الشباب فعمل معولَ الوهن وراء الجلَد في الجِلْد، فصار مرْبع الحياة قفراً قد خلت بطاحُه، ومربع اللهو هباء تذروه الرياح، وإن الهالك من ضل في آخر سفره وقد قارب المنزل. أبقيَ بعد الشيب منزل غير البلى؟ بلى أنت تدري أين تنزل. مرحلة الشيب تحط على شفير القبر، وقد اتخذت من رأي الهوى حصنًا، فما هذا الأمل؟. أتطلب ربيع وأنت في ذي القعدة؟! (٤). اختلاف النظرة إلى الشيب: إن ابتسام الشيب على الشعر يحزن أهل الشهوات الذين يرون به منفرّاً للنساء عنهم، وقاطعًا لهم عن استيفاء الرغبات التي كانوا يظفرون به فيها زمن قوة الشباب؛ فلذلك يرونه مصيبة تحبسهم عن تمام اللذات الدنيوية العاجلة، وينذرهم بقرب رحيلهم عنها.

стр. 354

رَأَيْنَ الغَوانِي الشَّيْبَ لاحَ بمَفْرِقي … فأَعْرَضْنَ عَنِّي بالوُجُوهِ النَّواضِرِ (١). وكُنَّ إِذا أَبْصَرْنَنِي أَوْ سَمِعْنَنِي … دَنَوْنَ فَرَقَّعْنَ الكُوَى بالمَحاجِرِ وقال ابن نباتة: تبسُّمُ الشيبِ بوجه الفتى … يُوجبُ سحَّ الدمع من جفنهِ وكيف لا يبكي على نفسه … مَنْ ضحك الشيبُ على ذقنه (٢). أما أهل الدين والحجى فيرونه عن الهوى والانحراف واعظًا يزجرهم، وناصحًا مخلصًا في نصحهم، ومنبِّهًا يوقظهم، وسائقًا يسوقهم إلى درب الاستعداد للقاء الله، كما يرونه نوراً يهديهم إلى أحسن الأعمال؛ لأنه يمنع عن المرء" الغرور والخفة والطيش، ويميله إلى الطاعة، وتنكسر به نفسه عن الشهوات" (٣). قال يَزِيدَ بن الحَكَم الثَّقَفِي: أَبَى الشَّيْبُ والإِسْلامُ أَنْ أتْبَعَ الهَوَى … وفي الشَّيْبِ والإِسلامِ للمَرْءِ رادِعُ (٤). وقال سُحيْم: عُمَيْرَةَ وَدِّعْ إِنْ تَجَهَّزْتَ غادِيا … كَفَى الشَّيْبُ والإِسْلامُ للمَرْءِ ناهِيا (٥). أي: زاجراً رادعًا. والشيب نذير الموت، والموت يسن إكثار ذكره؛ لتتنبه النفس من سنة الغفلة، فيسن لمن بلغ سن الشيب أن يعاتب نفسه ويوبخها بإكثار التمثل بهذا

стр. 355

البيت (١). وقال ابن زمرك: إذَا رَأيْتَ بُرُوْقَ الشَّيْبِ قَدْ بَسَمَتْ … بِمَفْرقٍ فَمُحَيَّا العَيْشِ قَدْ كَلَحَا يَلْقَى المَشِيْبَ بإجْلالٍ وتَكْرِمةٍ … مَنْ قَدْ أعَدَّ مِنْ الأعمالِ ما صَلحُا (٢). وقال أبو محمد عبد الله بن محمد بن سارة الأندلسي: يا من يُصيخُ إلى داعي الشقاءِ وقد … نادى به الناعيانِ الشَّيبُ والكِبرُ إن كنتَ لا تسمع الذكرى ففيمَ ترى … في رأسك الواعيانِ السمع والبصر (٣). وقال آخر: بكيتَ فما تبكي شبابَ صباكا … كفاك نذيرُ الشيب فيك كفاكا ألم تر أن الشيب قد قام ناعيًا … مكان الشباب الغضِّ ثم نعاكا (٤). وقال أبو نواس: للهِ درُّ الشيبِ من واعظٍ … وناصحٍ لو قبِل الناصحُ (٥). وقال بعضهم: اِقْبلْ نصح المشيب وإن عَجِل (٦). وقال آخر: الشيب للعاقل بشير، وللجاهل نذير (٧).

стр. 356

ورأى إياس بن قتادة العبشمي شيبة في لحيته فقال: أرى الموت يطلبني وأراني لا أفوته، أعوذ بالله من فجأة الأمور. يا بني سعد، قد وهبت لكم شبابي فهبوا لي شيبي. ولزم بيته. فقال أهله: تموت هزلاً. قال: لأن أموت مهزولاً مؤمناَ، أحب إلي من أن أموت منافقاً سميناً (١). وقال بعض البلغاء: الشيب حلية العقل، وسمة الوقار، وعنوان التجربة، وشاهد الحنكة. وقال آخر: الشيب زبدة مخضتها الأيام، وفضة سبكتها التجارب. وقال آخر: إذا شاب الغافل سرى في طريق الرشد بمصابيح الشيب (٢). وقال البديع الهمداني في رسالة له: جزى الله المشيب خيراً؛ فإنه أناة، ولا ردَّ الشباب فإنه هَنات (٣)، وأظنهما لو مثِّلا لمثِّل الشباب كلباً عقوراً، والشيب شيخاً وقوراً، ولاشتعل الأول ناراً، واشتهر الآخر نوراً. فالحمد لله الذي بيّض القار، وسماه الوقار، وعسى الله أن يغسل الفؤاد، كما غسل السواد (٤). فمن حلَّ على رأسه نذير الشيب فلم يرعوِ عن غيه، بل استمر في تقصيره ولهوه، وما رجع إلى ربه من تفريطه وإباقه، ولم يردعه الشيب عن الغواية، ويسلك به طرق الهداية؛ فقد تُودِّع منه؛ ولهذا قيل: "من لم يرعو عند الشيب، ولم يستح من العيب، ولم يخش الله في الغيب، فليس لله فيه حاجة" (٥). قال بعضهم: وما أقبحَ التَّفريطَ في زمنِ الصِّبا … فكيف به والشَّيبُ للرَّأس شامِلُ

стр. 357

ترحَّل من الدُّنيا بزادٍ من التُّقى … فعُمْرُكَ أيامٌ وهُنَّ قَلائِلُ (١). اقبل النذارة: فيا من نزلت بصفحة ليله نجومُ المشيب، أما يهديك ضياؤها إلى سلوك سبيل الادكار، والعودة إلى ربك الرحيم الغفار، فتغلق عنك باب الغفلة والسهو، وتسريحِ النفس في مراتع اللهو والزهو، فما الحياة لك بدائمة، ولا عينُ المنية عنك بنائمة. قال الشافعي: خبتْ نارُ نفسي باشتعالِ مفارقي … وأظلمَ ليلي إذ أضاء شهابُها أيا بومةً قد عشّشتْ فوق هامتي … على الرغم مني حين طار غرابُها رأيتِ خرابَ العمر مني فزرتنِي … ومأواكِ من كل الديار خرابُها أأنعمُ عيشًا بعد ما حلّ عارضي … طلائعُ شيبٍ ليس يغني خضابُها وعزةُ عمرِ المرء قبل مشيبه … وقد فنيتْ نفسٌ تولّى شبابها إذا اصفرّ لونُ المرء وابيضّ شعرُه … تنغّص من أيامه مستطابها فدعْ عنك سوءاتِ الأمور فإنها … حرامٌ على نفس التقيِّ ارتكابُها (٢). وقال ابن الجوزي: " من علم قرب الرحيل عن مكة، استكثر من الطواف، خصوصاً إن كان لا يؤمل العَود؛ لكبر سنه وضعف قوته. فكذلك ينبغي لمن قاربه ساحل الأجل بعلو سنه أن يبادر اللحظات، وينتظر الهاجم بما يصلح له، فقد كان في قوس الأجل منزع زمان الشباب، واسترخى الوتر في المشيب عن سِيَة القوس (٣)، فانحدر إلى القلب،

стр. 358

وضعفت القوى، وما بقي إلا الاستسلام لمحارب التلف" (١). فطوبى لمن "ألجمه الشيب بلجامه، وقاده بزمامه" (٢)، وذكّره بدنو حِمامه، وتصرُّم أيامه، فما الإنسان حال حياته إلا ضياء نهار يعقبه الليل بظلامه، فيصير بعده في الموتى. وما المَرْءُ إلاَّ كالشِّهابِ وضَوْئِهِ … يَحُورُ رَماداً بَعْدَ إِذْ هو ساطِعُ (٣).

стр. 359

كونوا من أبناء الآخرة بعد أن تأفُل شمس الحياة، ويُطوى كتابُ الدنيا، ويمضي زمان الأحلام بإسدال وشاح الغروب، ويُلمح أوانُ الحقيقة بابتسام الشروق، وتنتهي الزيارة إلى دنيا التكليف والعمل؛ تُقبِل أيامُ الآخرة، ويُدعى الخلق للوقوف بين يدي الخالق ؛ لحساب المكلفين على أعمالهم التي عملوها في حياتهم الدنيا. ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨]. لقد خلق الله تعالى لعباده دار تكليف، ودار جزاء، ولما كان التكليف موقوتًا جعل له داراً باقية إلى أجل ثم تزول، فكانت تلك الدار هي الدنيا، وحينما كان الجزاء باقيًا فقد خلق لأهله داراً باقية هي دار الآخرة. قال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩]. فقوله: " ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ أي: قليلة زائلة فانية عن قريب تذهب وتضمحل ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ أي: الدار التي لا زوال لها ولا انتقال منها، ولا ظعن عنها إلى غيرها، بل إما نعيم وإما جحيم" (١). قدر الدنيا: إن هذه الدنيا بجميع متاعها وأعراضها وزينتها لا تساوي شيئًا بجانب ما في الآخرة؛ ولهذا زهّد الله عباده عن الحياة العاجلة، ورغّبهم في الحياة الآجلة، وأخبرهم أنها خير من الدنيا وأبقى منها، قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]، أي: تفضّلونها على الآخرة فتعملون لها، وتنسون الآخرة، فلا

стр. 360

تقدمون لها، هذا هو طبعكم -أيها الناس- إلا مَنْ ذكر الله فصلى بعد أن آمن واهتدى، في حين أن الآخرة خير من الدنيا نوعاً وأبقى مدة، قال مالك بن دينار: لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى، لكان الواجب أن يُؤثَر خزفٌ يبقى على ذهب يفنى، فكيف والآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من خزف يفنى؟! (١). وقال رسول الله ﷺ : ("اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الْآخِرَة) (٢). " أي: لا هذا الفاني الزائل؛ لأنّ الآخرة باقية وعيشها باق، والدنيا ظل زائل. والقصد بذلك: فطم النفس عن الرغبة في الدنيا، وحملُها على الرغبة في الآخرة" (٣). فعيشُ الآخرة هو: " العيش الكامل، وما سواه ظل زائل، وحال حائل" (٤). غير أن أكثر الناس مع سطوع هذه الحقيقة آثروا العاجلة وأحبوها، وتركوا الآخرة فلم يعملوا لها. قال ابن رجب: " وأما أكثر الناس فلم يزالوا في سكرة الدنيا والتكاثر فيها، فشغلهم ذلك عن الآخرة، حتّى فاجأهم الموتُ بغتةً على هذه الغِرة، فهلكوا وأصبحوا ما بين قتيل وأسير. وما أحسن قولَ يحيى بن معاذ الرازي: الدنيا خمرُ الشيطان، من سَكِرَ منها لم يُفِقْ إلا في عسكر الموتى نادماً مع الخاسرين" (٥). فلذلك لم تكن الآخرة خيراً إلا للمتقين الذي استعدوا لها، قال تعالى: ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]، وقال: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧].

стр. 361

اجعلِ الآخرة همَّك: فاستعد -أيها المسلم- لهذه الدار، وهيّءْ زاد النجاة الذي ينفعك عند الرحلة إليها، ولْتكن الآخرة هي همّك في هذه الحياة، وذِكرُها لا يغيب عن بالك، والعناية بها ملازمة لك في جميع أعمالك وأحوالك؛ فإن ذلك سبب سعادتك في دنياك وآخرتك. عن زيد بن ثابت ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من كانت الدنيا همَّه فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له، ومن كانت الآخرة نيَّتَه جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة) (١). قال مالك بن دينار: "بقدر ما تحزن للدنيا كذلك يخرج همُّ الآخرة من قلبك، وبقدر ما تحزن للآخرة كذلك يخرج هم الدنيا من قلبك" (٢). وقال الفضيل بن عياض: " حزن الدنيا للدنيا يذهب بهمِّ الآخرة، وفرح الدنيا للدنيا يذهب بحلاوة العبادة" (٣). وعن سلام بن مسكين قال: "كان الحسن كثيراً ما يقول: يا معشر الشباب، عليكم بالآخرة فاطلبوها؛ فكثيراً رأينا مَنْ طلب الآخرة فأدركها مع الدنيا، وما رأينا أحداً طلب الدنيا فأدرك الآخرة مع الدنيا" (٤). وقال الكتاني: "كن في الدنيا ببدنك، وفي الآخرة بقلبك" (٥). وقال لقمان لابنه: "يا بني، إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعاً يذهبون، وإنه قد استدبرت الدنيا لتذهب واستقبلت الآخرة، وإن داراً تسير إليها أقرب إليك من دار تخرج منها" (٦). وقال ابن الجوزي: "همةُ المؤمن متعلقة بالآخرة، فكل ما في الدنيا يحركه إلى ذكر الآخرة، وكلُّ مَنْ شغله شيء فهمّته شغلُه؛ ألا ترى أنه لو دخل أرباب

стр. 362

الصنائع إلى دار معمورة، رأيت البزّاز ينظر إلى الفرش ويحزر قيمته، والنجار إلى السقف، والبنّاء إلى الحيطان، والحائك إلى النسيج المخيط. والمؤمن إذا رأى ظلمة ذَكرَ ظلمة القبر، وإن رأى مؤلماً ذكر العقاب، وإن سمع صوتاً فظيعاً ذكر نفخة الصور، وإن رأى الناس نياماً ذكر الموتى في القبور، وإن رأى لذةً ذكر الجنة؛ فهمّتُهُ متعلقةٌ بما ثَمَّ، وذلك يشغله عن كل ما تمّ. وأعظمُ ما عندَه أنه يتخايلُ دوام البقاء في الجنة، وأنَّ بقاءه لا ينقطع ولا يزالُ ولا يعتريه منغصٌ، فيكاد إذا تخايل نفسه متقلبًا في تلك اللَّذَّات الدائمة التي لا تفنى يطيشُ فَرَحًا، ويسهُلُ عليه ما في الطريق إليها من ألم ومرض وابتلاءٍ، وفقد محبوبٍ، وهُجوم الموت ومعالجةِ غُصَصِهِ؛ فإنَّ المشتاق إلى الكعبة يهونُ عليه رمْلُ زَرُودَ، والتائِقُ إلى العافية لا يبالي بمرارة الدواء، ويعلم أن جوْدَةَ الثمر ثَمَّ على مقدار جودَةِ البَذْرِ ها هُنا؛ فهو يتخيَّرُ الأجودَ، ويغتنم الزرع في تشرين العمر من غير فتورٍ. ثم يتخايلُ المؤمن دخول النار والعقوبة، فيتنغص عيشهُ ويقوى قلقُه. فعنده بالحالين شغل عن الدنيا وما فيها، فقلبه هائم في بيداء الشوق تارة، وفي صحراء الخوف أخرى، فما يرى البنيان .. " (١). أسرع ولا تبطئ: فما أحسن أن تقضي عمرك في العمل للآخرة، وتسارع إلى كل عمل يسعدك فيها، وتتقرب إليه بما آتاك الله في هذه الحياة الدنيا. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. وقال: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧]. وقال النبي ﷺ : (التؤدة في كل شيء خير، إلا في عمل الآخرة) (٢). وإياك والتسويف وطول الأمل؛ فإن الدنيا مولية عنك، والآخرة مقبلة عليك. قال

стр. 363

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: "إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى، وطول الأمل؛ فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة، ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبِرة، ألا وإن الآخرة قد ترحلت مقبِلة، ولكل واحد منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل" (١). وقال بعضُ الحكماء: "عجبتُ ممَّنِ الدُّنيا موليةٌ عنه، والآخرة مقبلةٌ إليه يشتغلُ بالمدبرة، ويُعرِض عن المقبلة! " (٢). وقال ابن الجوزي في مواعظه: "أيها العبد، تناهَ عن قبيح فعلك، قبل انبثاث جهلك، وانظر لنفسك في أمرك، قبل حلولك في قبرك. كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فكأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل. ووعظ أعرابي ابنه فقال: لا الدهر يعظك، ولا الأيَّام تنذرك، والساعات تعد عليك، والأنفاس تعد منك، أحب أمريك إليك أردهما بالمضرة عليك. ووجد على حجر مكتوب: ابنَ آدم، لو رأيتَ ما بقي من أجلك لزهدت في طول أملك، ولرغبتَ في الزيادة في عملك، ولقصَّرت من جهلك وحِيلك، وإنما يلقاك ندمُك إذا زلّتْ قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، وباعدك الولد القريب، ورفضك الولد والنسيب، فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا في حسناتك زائد، فاعمل ليوم القيامة، قبل الحسرة والندامة" (٣). وقال ذو النون المصري: ثلاثة من أعلام حب الآخرة: كثرة البكاء، والذكر لها، ودوام الشوق إليها، وبغض الدنيا من أجلها (٤). حسن القصدة منجاة: وليكن مع عملك للآخرة خوفٌ وحذر، لا عجب ولا غرور، ولا ركون ولا أمان؛ فالقلوب بيد الله، وقبول العمل لا يعلمه إلا هو، فاهتم بحسن القصد، وصحة القلب؛ فإن

стр. 364

سلامته طريق إلى العمل الخالص للآخرة، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. قال ابن كثير: " وقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أي: في حال عبادته خائف راجٍ، ولا بد في العبادة من هذا وهذا، وأن يكون الخوف في مدة الحياة هو الغالب؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ " (١). قال ابن القيم: " وكلما صح القلب من مرضه ترحّل إلى الآخرة، وقرب منها، حتى يصير من أهلها، وكلما مرض القلب واعتل آثرَ الدنيا واستوطنها، حتى يصير من أهلها" (٢). وتذكّر الوقوفَ بين يدي الله للمسألة والحساب في ذلك اليوم، واحضرِ الأحوال المذكّرة لك بالآخرة؛ فإن ذلك من أعظم ما يحث سيرك إلى العمل والاستعداد. قال الفضيل لرجل: "كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة، قال له: أنت من ستين سنة تسير إلى ربك! يوشك أن تبلغ، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال الفضيل: من علم أنه لله عبد، وأنه إليه راجع، فليعلم أنه موقوف، وأنه مسؤول، فليعد للمسألة جوابًا، فقال له الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة، قال: ماهي؟ قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى؛ فإنك إن أسأت فيما بقي أُخذت بما مضى وما بقي" (٣). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (عُودُوا الْمَرضى، وَامْشُوا مَعَ الْجَنَائِزِ تُذَكِّرْكُمُ الْآخِرَةَ) (٤). اعرف حقيقة الدنيا: إن أعظم ما يعلِّق قلب الإنسان بالآخرة، ويجعله يستعد لها، ويسارع إلى أعمالها: أن

стр. 365

يعرف حقيقة الدنيا، ثم يزهد فيها، ويعرض عن زينتها وما يلهيه عن الآخرة من عرضها ومتاعها؛ فإن التعلق بالدنيا، والانغماس في شهواتها يقف عائقًا في طريق العمل للآخرة. عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (استحيوا من الله حق الحياء)، قلنا: يا رسول الله، إنا نستحيي والحمد لله، قال: (ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولْتذكرِ الموتَ والبِلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء) (١). قال المناوي: "قوله: (وليذكر الموت والبلى)؛ لأن من ذكر أن عظامه تصير بالية، وأعضاؤه متمزقة، هان عليه ما فاته من اللذات العاجلة، وأهمّه ما يلزمه من طلب الآجلة، وعمل على إجلال الله وتعظيمه، وهذا معنى قوله: (ومن أراد الآخرة) أي: الفوز بنعيمها (ترك زينة الدنيا)؛ لأن الآخرة خُلقت لحظوظ الأرواح، وقرة عين الإنسان، والدنيا خُلقت لمرافق النفوس وهما ضرتان: إذا أرضيت إحداهما أغضبت الأخرى، فمن أراد الآخرة وتشبث بالدنيا كان كمن أراد أن يدخل دار ملك دعاه لضيافته وعلى عاتقه جيفة، والملك بينه، وبين الدار عليه طريقُه، وبين يديه ممرُّه وسلوكه، فكيف يكون حياؤه منه؟ فكذا مريد الآخرة مع تمسكه بالدنيا، فإذا كان هذا حال من أراد الآخرة فكيف بمن أراد من ليس كمثله شيء؟ فمن أراد الله فليرفض جميع ما سواه استحياء منه بحيث لا يرى إلا إياه" (٢). وقال أحمد بن أبي الحواري: "من عرف الدنيا زهد فيها، ومن عرف الآخرة رغب فيها، ومن عرف الله آثر رضاه" (٣). وقال أيضًا: " سمعت أبا سليمان يقول: إذا سكنت الدنيا في القلب ترحّلت منه الآخرة" (٤). وكتب عمر إلى أبي موسى: "إنك لن

стр. 366

تنال عمل الآخرة بشيء أفضل من الزهد في الدنيا" (١). وقال الحسن: "يا ابن آدم، بعْ دنياك بآخرتك تربحهما جميعًا، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعًا (٢). القلب هناك: فيا سعد من كان من أبناء الآخرة، ولم يكن من أبناء الدنيا، فاستعد لدار القرار، وانقطع لها بهمِّه وفكره وعمله، فأصبح في الدنيا بجسده وفي الآخرة بروحه، فعافَ هذه الحياة الفانية وهجرها، وأحب تلك الدار الباقية وهاجر بقلبه إليها، قال ابن القيم: " فإن من استعد للقاء الله انقطع قلبه عن الدنيا وما فيها ومطالبها، وخمدت من نفسه نيران الشهوات، وأخبت قلبه إلى الله، وعكفت همته على الله وعلى محبته وإيثار مرضاته، واستحدثت همة أخرى وعلومًا أُخر، ووُلِد ولادة أخرى تكون نسبة قلبه فيها إلى الدار الآخرة كنسبة جسمه إلى هذه الدار بعد أن كان في بطن أمه، فيولد قلبه ولادة حقيقية كما ولد جسمه حقيقة، وكما كان بطن أمه حجابًا لجسمه عن هذه الدار فهكذا نفسه وهواه حجاب لقلبه عن الدار الآخرة، فخروج قلبه عن نفسه بارزاً إلى الدار الآخرة كخروج جسمه عن بطن أمه بارزاً إلى هذه الدار، وهذا معنى ما يذكر عن المسيح أنه قال: يا بني إسرائيل، إنكم لن تلجوا ملكوت السماء حتى تولدوا مرتين" (٣).

стр. 367

واعظُ الموت رحلة لابد منها، ومطيَّة لا مناص من ركوبها، وسفر لا مهرب من التخلف عنه، ونهاية لاشك في الوصول إليها، إنها رحلة الموت إلى القبور، ومطية الركوب إلى تلك الدور، وسفر الوداع إلى منازل الأجداث، ونهاية الحياة الدنيا، وابتداء الحياة الآخرة. يقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: ٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩]. " يقول : وجاءت أيها الإنسان، سكرة الموت بالحق أي: كشفت لك عن اليقين الذي كنت تمتري فيه ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي هذا هو الذي كنت تفر منه قد جاءك فلا محيد ولا مناص ولا فكاك ولا خلاص" (١). وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. "وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس؛ فإِنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإِذا انقضت المدة وفرغت النطفة التي قدر الله وجودها في صلب آدم وانتهت البرية، أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها، كثيرها وقليلها، كبيرها وصغيرها، فلا يظلم أحداً مثقال ذرة" (٢).

стр. 368

رحلة لكل مخلوق: إن كل حي سيؤول إلى ذلك المصير، ولن يتخلف عنه مخلوق، سواء كان صغيراً أم كبيراً، صحيحًا أم عليلاً، إنسيًا أم جنيًا أم مَلكًا، أم حيوانًا، ولن يبقى إلا الحي القيوم ، قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨]، وقال سبحانه: ﴿كُلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىَ وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ فَبِأَيّ آلآءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فَبِأَيّ آلآءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ﴾، فـ"يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السماوات إلا من شاء الله ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم؛ فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت، بل هو الحي الذي لا يموت أبداً" (١). متى ما نزل الأجل فلا حصن يعصم من نزوله، ولا مانع يمنع من أخذته، ولو تدرع الإنسان بكل مانع، وتترس بكل عاصم، قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]. " والمقصود أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة، ولا ينجيه من ذلك شيء، سواء جاهد أو لم يجاهد؛ فإن له أجلاً محتوماً، ومقاماً مقسوماً، كما قال خالد بن الوليد حين جاء الموت على فراشه: لقد شهدت كذا وكذا موقفاً، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء، وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: حصينة منيعة عالية رفيعة … أي: لا يغني حذر وتحصن من الموت، كما قال زهير بن أبي سلمى: ومَن هابَ أسباب المنايا ينلْنه … ولو رامَ أسبابَ السماء بسلَّمِ" (٢).

стр. 369

وقال الآخر: لا تَأُمَنِ الموتَ في طَرْفٍ ولا نَفَسِ … ولو تَسَتَّرْتَ بِالأبواب والحَرَسِ واعْلَمْ بأنّ سِهامَ الموت قاصدةٌ … لكلِّ مُدَّرعٍ منّا ومُتَّرِسِ ترجو النجاةَ ولم تَسْلُكْ طَرِيقَتها … إنّ السفينةَ لا تَجْرِي على اليَبسِ (١). إن قَدَر الموت ذهابٌ عن الدنيا بلا عودة، ومغادرة للحياة القصيرة الفانية إلى حياة طويلة باقية، ورجوع إلى الله تعالى بعد رحلة التكليف إلى دار الدنيا، فمن تمنى الأوبة إلى الدنيا وسألها؛ ليعمل صالحًا؛ فلن يعطى مناه، ولن ينال سؤله. قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١٠، ١١]، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠]. فـ" الكافر والمفرط في عمل الخير إذا حضر أحدهما الموت طلبا الرجعة إلى الحياة، ليعملا العمل الصالح الذي يدخلهما الجنة، ويتداركا به ما سلف منهما من الكفر والتفريط وأنهما لا يجابان لذلك، كما دل عليه حرف الزجر والردع الذي هو كلا" (٢). وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦١، ٦٢] " يعني: ثم رد العباد بالموت إلى الله في الآخرة" (٣). نظرة العاقل: فمن أيقن بأن الموت يطلبه، وأن عساكره تنتظره، ولن يجد من قبضته شيئًا يمنعه،

стр. 370

وأنه سيذهب به عن دنياه بلا عودة، وسيلقى ربه فيحاسبه على ما قدم؛ فإن سيستعد للموت بما ينجيه بعد الموت، ويفرحه بلقاء هذا القدر المحتوم، ومن كان مستعداً للموت في كل وقت ذهبت عنه سِنَة الغفلة، وأخذ لما بعد الموت الأُهبة، فجهّز زاد النجاة، وملأ حقائب سفره بما ينفعه عند لقاء ربه، وقصر من أمله، وتخلّص من مظالم الخلق وحقوقهم عليه، وظل مشغولَ البال بالرحيل، فإذا ناداه منادي الرحيل أجابه فرحًا مشتاقًا، غيرَ فزِعٍ ولا مشعوف، ولا آبق ولا حزين، وقال: مرحبًا بحبيب جاء على موعد. فعن ابن مسعود ﵁ قال: خط النبي ﷺ خطًا مربعًا، وخط خطًا في الوسط خارجًا منه، وخط خُطَطًا صغاراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه الذي في الوسط وقال: (هذا الإنسان وهذا أجله محيط به - أو قد أحاط به - وهذا الذي هو خارج أمله، وهذه الْخُطَطُ الصغار الأعراض (١)، فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا) (٢). وفي هذا الحديث: " تنبيه من النبي لأمته على تقصير الأمل، واستشعار الأجل؛ خوف بغتة الأجل، ومن غيب عنه أجله فهو حري بتوقعه وانتظاره؛ خشية هجومه عليه في حال غِرَّة وغفلة، ونعوذ بالله من ذلك، فليرُضْ المؤمن نفسه على استشعار ما نبه عليه، ويجاهد أمله وهواه ويستعين بالله على ذلك؛ فإن ابن آدم مجبول على الأمل" (٣). قال ابن الجوزي: " الواجب على العاقل أخذ العدة لرحيله؛ فإنه لا يعلم متى يفجؤه أمرُ ربه، ولا يدري متى يُستدعى؟ وإني رأيت خلقاً كثيراً غرهم الشباب، ونسوا فقد الأقران، وألهاهم طول الأمل. وربما قال العالم المحض لنفسه: أشتغل بالعلم اليوم ثم أعمل به غداً! فيتساهل في الزلل بحجة الراحة، ويؤخر الأهبة لتحقيق التوبة، ولا يتحاشى من غيبة أو سماعها، ومن كسب شبهة يأمل أن يمحوها بالورع. وينسى أن الموت

стр. 371

قد يبغت. فالعاقل من أعطى كل لحظة حقها من الواجب عليه؛ فإن بغته الموت رؤي مستعداً، وإن نال الأمل ازداد خيراً " (١). وقال أيضًا: " إذا علم الإنسان بأنّ الموت يقطعه عن العمل، عمل في حياته ما يدوم له أجره بعد موته. فإن كان له شيء من الدّنيا وقف وقفًا وغرس غرسًا وأجرى نهراً، ويسعى في تحصيل ذرّيّة تذكر اللّه بعده فيكون الأجر له، أو أن يصنّف كتابًا من العلم؛ فإنّ تصنيف العالم ولده المخلّد. وأن يكون عاملاً بالخير عالمًا فيه، فينقل من فعله ما يقتدي الغير به، فذلك الّذي لم يمت قد مات قوم وهم في الناس أحياء" (٢). وقال المناوي: " وترحل عن الدنيا حتى تنزل بالآخرة، وتحل فيها حتى تبقى من أهلها، وأنك جئت إلى هذه الدار كغريب يأخذ منها حاجته ويعود إلى الوطن الذي هو القبر، وقد قال علي ﵁: (إن الدنيا قد ترحلت مدبرة، والآخرة ترحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل). فكأنك بالموت وقد سقاك كأسه على غفلة، فصرت من عسكر الموتى، فنزِّل نفسك منزلة من قضى نحبه، واترك الحرص واغتنم العمل وقصر الأمل، ومن تصور في نفسه أنه يعيش غداً لا يهتم له ولا يسعى لكفايته، فيصير حراً من رِقِّ الحرص والطمع والذل لأهل الدنيا، قال ابن الجوزي: إذا رأيت قبراً فتوهمه قبرك، وعُدْ باقي الحياة ربحًا" (٣). "وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: مَنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ مُدْرِكُهُ … وَالْقَبْرَ مَسْكَنُهُ وَالْبَعْثَ مُخْرِجُهُ وَأَنَّهُ بَيْنَ جَنَّاتٍ سَتُبْهِجُهُ … يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ نَارٍ سَتُنْضِجُهُ

стр. 372

فَكُلُّ شَيْءٍ سِوَى التَّقْوَى بِهِ سَمْجٌ … وَمَا أَقَامَ عَلَيْهِ مِنْهُ أَسْمَجُهُ تَرَى الَّذِي اتَّخَذَ الدُّنْيَا لَهُ وَطَنًا … لَمْ يَدْرِ أَنَّ الْمَنَايَا سَوْفَ تُزْعِجُهُ" (١). وقال غيره: يا أيها الرجل الناسي منيَّتَه … لا تأمننَّ فإن الموت مكتوبُ على الخلائق إن سرّوا وإن كرهوا … فالموت حتمٌ لذي الآمال منصوبُ لا تبنينَّ دياراً لستَ ساكنَها … وراجع النُّسْك كيما يغفر الحُوبُ" (٢). دائم الحضور: إن المستعد للموت لا يغفل عن تذكره، بل يبقى الموت في باله حاضراً، يقوده إلى الخيرات، ويكفه عن التقصير والسيئات، ويصرفه عن الانشغال بالدنيا إلى الانشغال بالآخرة، ويفسح بالأمل باله إن كان في ضيق، ويكبح جماح نفسه عن الاسترسال في مراتع اللذات والشهوات الدنيوية الفانية التي تلهيه عن الآخرة. عن معاذ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أوصني، قال: (اعبد الله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، واذكر الله عند كل حجر وعند كل شجر، وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة، السر بالسر والعلانية بالعلانية) (٣). وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ مر بمجلس وهم يضحكون فقال: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) أحسبه قال: (فإنه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسّعه، ولا في سعة إلا ضيقه عليه) (٤)

стр. 373

قال المُناوي: " قال العسكري: لو فكر البلغاء في هذا اللفظ لعلموا أنّ المصطفى أوفى بهذا القليل على كل ما قيل في الموت نظمًا ونثراً، قال الغزالي: وللعارف في ذكره-أي: الموت- فائدتان: النفرة عن الدنيا، والثانية: الشوق إلى لقاء الله، ولا يصير إلى إقبال الخلق على الدنيا إلا قلة التفكر في الموت" (١). وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (استحيوا من الله حق الحياء) قال: قلنا: يا نبي الله، إنا لنستحي، والحمد لله، قال: (ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء) (٢). وقال رسول الله ﷺ : (أفضل المؤمنين أحسنهم خلقًا، وأكيسهم-يعني: أعقلهم- أكثرهم للموت ذكراً، وأحسنهم له استعداداً، أولئك الأكياس) (٣). "قال الحسن: إن الموت قد فضح الدنيا فلم يدع لذي لب بها فرحًا، وقال مطرف: إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فالتمسوا نعيمًا لا موت فيه، وقال يونس بن عبيد: ما ترك ذكر الموت لنا قرة عين في أهل ولا مال" (٤). فيا عجبًا لغافل عن تذكر الموت، وأسبابُ الموت تطرق بابه، وخُطاه تقترب من لقائه، ورصيد عمره على وشك النفاد، والاقترابِ من مفارقة الحياة! قال ابن الجوزي: "إني أعجب من عاقل يرى استيلاء الموت على أقرانه وجيرانه كيف يطيب عيشه، خصوصاً إذا علت سنه؟!. و اعجباً لمن يرى الأفاعي تدب إليه وهو لا

стр. 374

ينزعج. أما يرى الشيخ دبيب الموت في أعضائه، قد أخرج سكين القوى، وأنزل الضعف، وقلب السواد بياضاً، ثم في كل يوم يزيد الناقص، ففي نظر العاقل إلى نفسه ما يشغله عن النظر إلى خراب الدنيا وفراق الإخوان، إن كان ذلك مزعجاً، ولكن شغل من احترق بيته بنقل متاعه يلهيه عن ذكر بيوت الجيران. إنه لمما يسلي عن الدنيا ويهون فراقها استبدال المعارف بمن تكره، فقد رأينا أغنياء كانوا يؤثرون، وفقراء كانوا يصبرون، ومحاسبين لأنفسهم يتورعون، فاستبدل السفهاء عن العقلاء، والبخلاء عن الكرماء، فيا سهولة الرحيل، لعل النفس تلقى من فقدت، فتلحق بمن أحبت" (١). وقال ابن المعتز: نَسِيرُ إلَى الْآجَالِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ … وَأَيَّامُنَا تُطْوَى وَهُنَّ رَوَاحِلُ وَلَمْ نَرَ مِثْلَ الْمَوْتِ حَقًّا كَأَنَّهُ … إذَا مَا تَخَطَّتْهُ الْأَمَانِيُّ بَاطِلُ وَمَا أَقْبَحَ التَّفْرِيطَ فِي زَمَنِ الصِّبَا … فَكَيْفَ بِهِ وَالشَّيْبُ فِي الرَّأْسِ نَازِلُ تَرَحَّلْ عَنْ الدُّنْيَا بِزَادٍ مِنْ التُّقَى … فَعُمْرُك أَيَّامٌ -تُعَدُّ- قَلَائِلُ" (٢). بوابة العطايا: إن الموت وإن كان مُرّاً على النفوس بالنظر إلى الطبيعة، لكنه للمؤمن بوابة نيل العطايا الجزيلة، والتخلص من تعب الدنيا وشقائها. فعن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ مُرَّ عليه بجنازة فقال: (مستريح ومستراح منه) قالوا: يا رسول الله، ما المستريح والمستراح منه؟ فقال: (العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب) (٣).

стр. 375

ويزداد حب المؤمن للموت حينما تبشره الملائكة عند الموت بحسن المنقلب، وكرم الوفادة عند ربه ، فعن عائشة ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) فقلت: يا نبي الله، أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت؟ فقال: (ليس كذلك، ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه) (١). قال النووي: " ومعنى الحديث: أن الكراهة المعتبرة هي التي تكون عند النزع في حالة لا تقبل توبته ولا غيرها، فحينئذ يبشر كل إنسان بما هو صائر إليه، وما أعد له، ويكشف له عن ذلك، فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء الله؛ لينتقلوا إلى ما أعد لهم، ويحب الله لقاءهم، وأهل الشقاوة يكرهون لقاءه؛ لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه، ويكره الله لقاءهم. وليس معنى الحديث أن سبب كراهة الله تعالى لقاءهم كراهتهم ذلك، ولا أن حبه لقاء الآخرين حبهم ذلك، بل هو صفة لهم" (٢). وقال القرطبي: " وهذه الكراهة للمرت هي الكراهية الطبيعية التي هي راجعة إلى النفرة عن المكروه والضرر، واستصعاب ذلك على النفوس. ولا شك في وجدانها لكلِّ أحد، غير أن مَنْ رزقه الله تعالى ذوقًا من محبته، وانكشف له شيء من جمال حضرته، غلب عليه ما يجده من خالص محبته، فقال عند أزوف رحلته، مخاطبًا للموت وسكرته، كما قال معاذ ﵁: " حبيبٌ جاء على فاقة، لا أفلح اليوم من ندم" (٣).

стр. 376

أولُ منازلِ الآخرة إذا وُلِد الإنسان من بطن أمه إلى هذه الدنيا فله ثلاثة منازل يسكنها: منزل في الدنيا، ومنزل في القبر، ومنزل في الآخرة: إما في الجنة، وإما في النار. فمَن أحسن العمل في منزله الأول أُحسِن له الجزاء في منزله الثاني والثالث، ومن أساء لقيَ جزاء عمله السيء في ثاني منازله وثالثها. إن الإنسان في دار الدنيا هو في دار تكليف ينتقل بعدها إلى دار جزاء، فأول ما يلقى جزاء عمله في قبره؛ فإن القبر أول منازل الآخرة، ومنه تبدأ رحلة النعيم والهناء، أو العذاب والشقاء، فمن نال النعيم فيه فهو بشرى حسنة لما بعده، ومن بقي معذبًا فيه فما بعده هو أشد عليه. فعن هانئ مولى عثمان بن عفان قال: كان عثمان ﵁ إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكُر الجنة والنار فلا تبكي، وتذكر القبر فتبكي! فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر، وإن لم ينج منه فما بعده أشد) قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما رأيت منظراً قط إلا والقبر أفظع منه) (١). ولقد أكرم الله تعالى الإنسان بمواراته في التراب في قبر يضم بدنه، ويستره عن أعين الأحياء لما يحدث لجثته من التغير، ويكرم أقاربه أن لا يرى الناس قريبهم وهو على تلك الحال التي يصير إليها الأموات، قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥].

стр. 377

وقد اهتدى ابن آدم إلى طريق دفن الميت بفعل مخلوق أصغر منه، مما دلّه على ضعفه وعجزه؛ كي لا يتكبر على الله ويتباهى بقدراته. فقد ظل ابن آدم القاتل يطوف بأخيه المقتول لا يدري ما يفعل بجثته، حتى رأى غرابًا يبحث في التراب ليدفن غرابًا آخر. قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١]. إن الحياة البرزخية هي حياة من عالم الغيب لا يدركها أهل الدنيا، فكل من مات حصل له في القبور من النعيم أو العذاب ما كُتب له، وإن لم يرَ الأحياء ذلك، سواء دفن الميت في التراب، أم أكلته السباع، أم حُرِّق حتى صار رماداً ونسف في الهواء، أم غرق في البحر، أم حفظ في وعاء بالتحنيط، أم غير ذلك، فأي ظرف استقر فيه فهو قبره. الاستعدادَ الاستعداد: وحينما كان ذلك المآل لابد منه، وما فيه حقيقة صادقة لاشك فيها فإن على العاقل أن يستعد لذلك المنزل بالعمل الصالح الذي يؤنسه في قبره، فيكون له روضة من رياض الجنة لا حفرة من حفر النيران. عن البراء ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فجلس على شفير القبر فبكى حتى بلَّ الثرى ثم قال: (يا إخواني، لمثل هذا فأعدوا) (١). قال مطرّف بن عبد اللّه بن الشّخّير: "القبر منزل بين الدّنيا والآخرة، فمن نزله بزاد ارتحل به إلى الآخرة، إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ" (٢). وقال: مالك بن مِغوَل": لا تغرّنّك الحياة، واحذر القبر؛ إنّ للقبر شأناً" (٣).

стр. 378

وعن سليم بن عامر قال: خرجنا في جنازة على باب دمشق ومعنا أبو أمامة الباهليّ فلمّا صلّى على الجنازة وأخذوا في دفنها قال أبو أمامة: "إنّكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تغنمون فيه الحسنات والسّيّئات، توشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو هذا- يشير إلى القبر- بيت الوحشة وبيت الظّلمة وبيت الضّيق، إلّا ما وسّع اللّه، ثمّ تنتقلون منه إلى يوم القيامة) (١). وعن عمر بن ذرّ أنّه كان يقول في مواعظه: "لو علم أهل العافية ما تضمّنته القبور من الأجساد البالية لجدّوا واجتهدوا في أيّامهم الخالية؛ خوفًا من يوم تتقلّب فيه القلوب والأبصار" (٢). وقال النّضر بن المنذر لإخوانه: "زوروا الآخرة بقلوبكم، وشاهدوا الموقف بتوهّمكم، وتوسّدوا القبور بقلوبكم، واعلموا أنّ ذلك كائن لا محالة، فاختار لنفسه امرٌؤ ما أحبّ من المنافع والضّرر" (٣). وشهد الحسن البصري جنازة فاجتمع عليه النّاس، فقال: "اعملوا لمثل هذا اليوم- رحمكم اللّه-؛ فإنّما هم إخوانكم يَقدُمُونكم، وأنتم بالأثر، أيّها المخلَّف بعد أخيه إنّك الميّت غداً، والباقي بعدك الميّت في أثرك أوّلاً بأوّل، حتّى توافوا جميعًا، قد عمّكم الموت واستويتم جميعًا في كربه وغصصه، ثمّ تخلّيتم إلى القبور، ثمّ تنشرون جميعًا، ثمّ تعرضون على ربّكم " (٤). موعظة القبر: القبر واعظ من الواعظين، وعبرة بليغة للمعتبرين؛ فهو المنزل الذي يفارق ساكنُه

стр. 379

دنياه ولذاتِه، وأهله وأقاربه وأحبابه، وهو الذي يبقى فيه المرء وحيداً فريداً من غير أنيس من البشر، وهو المكان الذي تتغير فيه ملامح الإنسان فيذهب عن بدنه حسنه ورونقه وجماله وقوته، وهو المكان الذي يلقى فيه المقبور أوائل جزائه الأخروي؛ فلهذا كان لذكره وقعٌ في قلوب الصالحين، ودمعٌ على خدود الناسكين، وجِدٌّ واجتهاد في عمل العاملين الصادقين؛ ولأجل تذكره حث النبي ﷺ على زيارة القبور. قال رسول الله ﷺ : (زوروا القبور؛ فإنها تذكركم الآخرة) (١). وعند مسلم: (فزوروا القبور؛ فإنها تذكر الموت) (٢). قال المناوي: " قالوا: ليس للقلوب -سيما القاسية- أنفع من زيارة القبور؛ فزيارتها وذكر الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا، ويهون المصائب، وزيارة القبور تبلغ في دفع رَين القلب واستحكام دواعي الذنب ما لا يبلغه غيرها؛ فإنه وإن كان مشاهدة المحتضر تزعج أكثر لكنه غير ممكن في كل وقت، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في كل أسبوع بخلاف الزيارة" (٣). قفْ بالمقابرِ وانظرْ إنْ وقفتَ بها … للّه درّك ماذا تسترُ الحفرُ؟ ففيهمُ لك يا مغرورُ موعظةٌ … وفيهمُ لك يا مغترُّ معتبَرُ (٤). شيّع عمر بن عبد العزيز مرّةً جنازةً من أهله، ثمّ أقبل على أصحابه ووعظهم، فذكر الدّنيا فذمّها وذكر أهلها، وتنعّمهم فيها، وما صاروا إليه بعدها من القبور، فكان من كلامه أنّه قال: "إذا مررتَ بهم فنادِهم إن كنت مناديا، وادعهم إن كنت داعيا، ومرّ بعسكرهم، وانظر إلى تقارب منازلهم، سل غنيّهم: ما بقي من غناه؟ وسل فقيرهم: ما بقي

стр. 380

من فقره؟ واسألهم عن الألسن الّتي كانوا بها يتكلّمون، وعن الأعين الّتي كانوا للّذّات بها ينظرون، وسلهم عن الجلود الرّقيقة والوجوه الحسنة والأجساد النّاعمة ما صنع بها الدّيدان تحت الأكفان، وأكلت اللّحيان (١)، وعُفِّرت الوجوه، ومُحيت المحاسن، وكُسرت الفقار، وبانت الأعضاء، ومُزِّقت الأشلاء. وأين حُجَّابهم وقبابهم؟ وأين خدمهم وعبيدهم وجمعهم وكنوزهم، وكأنّهم ما وطئوا فراشا، ولا وضعوا هنا متّكأ ولا غرسوا شجرا، ولا أنزلوهم من اللّحد قرارا، أليسوا في منازل الخلوات؟ أليس اللّيل والنّهار عليهم سواء؟ أليسوا في مدلهمّة ظلماء، قد حيل بينهم وبين العمل وفارقوا الأحبّة، وكم من ناعم وناعمة أضحوا ووجوههم بالية، وأجسادهم من أعناقهم بائنة، وأوصالهم ممزّقة، وقد سالت الحَدَق على الوجنات، وامتلأت الأفواه دمًا وصديداً، ودبّت دوابّ الأرض في أجسادهم، ففرّقت أعضاءهم، ثمّ لم يلبثوا إلّا يسيراً حتّى عادت العظام رميمًا، فقد فارقوا الحدائق وصاروا بعد السّعة إلى المضائق، قد تزوّجت نساؤهم، وتردّدت في الطّرق أبناؤهم، وتوّزعت القرابات ديارهم وقُراهم، فمنهم -واللّه- الموسّع له في قبره، الغضّ النّاظر فيه المتنعّم بلذّاته، يا ساكن القبر غداً ما الّذي غرّك من الدّنيا، أين دارك الفيحاء ونهرك المطّرد؟ وأين ثمارك الينيعة؟ وأين رِقاق ثيابك؟ وأين طيبك وبخورك، وأين كسوتك لصيفك وشتائك؟ أما رأيته قد زلّ به الأمر، فما يدفع عن نفسه دخلاً وهو يرشح عرقا، ويتلمّظ عطشا، يتقلّب في سكرات الموت وغمراته، جاء الأمر من السّماء، وجاء غالب القدر والقضاء، هيهات، يا مغمض الوالد والأخ والولد، وغاسله، يا مكفّن الميّت ويا مُدخله في القبر، وراجعًا عنه، ليت شعري بأيّ خدّيك بدأ البلى؟ يا مجاور الهلكات صرت في محلّة الموت، ليت شعري ما الّذي يلقاني به ملك الموت عند خروجي من الدّنيا وما يأتيني به من رسالة ربّي". ثمّ انصرف فما عاش بعد ذلك إلّا جمعة" (٢) ﵀.

стр. 381

وروي عنه أنّه قال في آخر خطبة خطبها- رحمة اللّه عليه-: "ألا ترون أنّكم في أسلاب الهالكين (١)، ثمّ يرثها بعدكم الباقون كذلك، حتّى تردّ إلى خير الوارثين، وفي كلّ يوم تشيّعون غاديًا ورائحًا قد قضى نحبه، فتودّعونه وتدعونه في صدع-شق- من الأرض، غير ممهّد ولا موسّد، قد فارق الأحباب، وخلع الأسباب، وسكن التّراب، وواجه الحساب، غنيًّا عمّا خلّف، فقيراً إلى ما قدّم. وكان ينشد هذه الأبيات: من كان حين تُصيب الشّمسُ جبهتَه … أو الغبارُ يخاف الشَّين والشّعثا ويألف الظّلَّ كي تبقى بشاشتُه … فكيف يسكن يومًا راغمًا جَدثًا؟ في ظلِّ مُقفرةٍ غبراءَ مظلمةٍ … يُطيلُ تحت الثّرى في غمِّه اللّبثا تجهّزي بجهازٍ تبلغين به … يا نفسُ قبل الرّدى لم تخلقي عبثا (٢). وعن الفضيل بن عياض قال: رأيت رجلاً يبكي، قلت: وما يبكيك؟ قال: أبكاني كلامه. قلت: ما هو؟ قال: كنّا وقوفًا في المقابر فأنشدوا: أتيتُ القبورَ فساءلتُها … فأين المعظَّم والمحتقرْ؟ وأين المُدلُّ بسلطانه؟ … وأين القويُّ إذا ما قدرْ تفانَوا جميعًا فما مخبر … وماتوا جميعًا ومات الخبر فيا سائلي عن أناس مضوا … أما لك فيما ترى معتبَر؟ تروح وتغدو بناتُ الثّرى … فتمحو محاسنَ تلك الصّور (٣). عن الحسن البصري أنّه مرّ به شابّ، وعليه بردة له حسنة فقال: "ابنُ آدم معجب

стр. 382

بشبابه، معجب بجماله، كأنّ القبر قد وارى بدنك، وكأنّك لاقيت عملك، ويحك! داوِ قلبك؛ فإنّ مراد اللّه إلى عباده صلاح قلوبهم" (١). قال جعفر بن محمد المستملي عن أبيه: قرأت على قبر: مَا حَالُ مَنْ سَكَنَ الثَّرى ما حَالَهُ … أمْسَى وقد قُطِعَتْ هُنَاك حِبَالُهُ أمْسَى ولا رَوْحُ الحَيَاةِ يُصِيْبُهُ … يَوْمًا ولا لُطْفُ الحَبِيْبِ يَنَالُهُ أمْسَى وقد دَرَسَتْ مَحَاسِنُ وَجْههِ … وتَفَرَّقَتْ في قَبرِهِ أوْصَالُهُ واسْتَّبْدَلَتْ منْهُ الْمَجَالِسُ غيْرَهُ … وتُقُسِّمَتْ مِنْ بَعْدِهِ أمْوَالُهُ أمْسَى وَحيْدًا مُوْحَشًا مُتَفَرِّدًا … مُتَشِتِّتًا بَعد الجَمْيعِ عِيَالُهُ هَلْ مِنْ قبيْلٍ تَعْلَمْونَ مَكَانَهُ … سَلِمَتْ على حَدَثِ الزَّمانِ رِجَالُهُ (٢). وعن صدقة بن مرداس البكري قال: نظرت إلى ثلاثة أقبر على شَرف من الأرض مما يلي بلاد أنطاكية فإذا على أحدها مكتوب: وكيف يَلذُّ العيشُ من هو عالمٌ … بأن إلهَ الخلق لا بدّ سائلُهْ فيأخذُ منه ظلمَه لعباده … ويجزيه بالخير الذي هو فاعلُه وإذا على القبر الثاني: وكيف يلذ العيشُ من كان موقنًا … بأن المنايا بغتةً ستعاجلُه فتسلبُه ملكاً عظيمًا ونخوةً … وتُسكنه البيتَ الذي هو آهلُه وإذا على القبر الثالث إلى جنبهما:

стр. 383

وكيف يلذ العيش من كان صائراً … إلى جَدَث تُبلي الشبابَ مناهلُه ويَذهب رسمُ الوجه من بعد صَونه … سريعًا ويبلى جسمُه ومفاصله (١). ووجِد على قبر مكتوبًا: تناجيك أجداثٌ وهنَّ سكوتُ … وساكنُها تحت التّراب خفوتُ أيا جامعَ الدّنيا لغير بلاغِهِ … لمن تجمعُ الدّنيا وأنت تموت؟! (٢). ووجِد على قبر مكتوبًا: الموتُ أخرجني من بيت مملكتي … والتُربُ مُضطجعي من بعد تشريفِ للهِ عبدٌ رأى قبري فأعبرَه … وخافَ من دهره ريبَ التصاريف (٣). حفرة من حفر النيران أو روضة من رياض الجنان: فيا ويل من فارق دنياه إلى تلك الحفرة ولم يكن من أهل الإيمان، بل قَدِمها بالذنوب والعصيان، فهناك العذاب ينتظره، والأهوال تحيط به، والوحشة ترافقه، وتمني العودة إلى الدنيا للعمل الصالح يراوده. فعذاب القبر لأهله حقٌّ كما ثبت عن رسول الله ﷺ ، قال ﵊: (إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت لله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذ

стр. 384

بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن .. ) (١). وكان رسول الله ﷺ يدعو في الصلاة: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم) (٢). وأما المؤمن الذي تهيأ لقبره بالإيمان والتقوى، وباعدَ نفسَه عن أسباب العذاب والسخط، فما أسعدَه في قبره، وما أفسح مكانه فيه، وما أجمل حاله بين جنباته! وما أبعده عن عذاب القبر وعنائه! فإنه ينتقل إلى ذلك المنزل فيُذهِب الله خوفَه، ويرزقه الاطمئنان والأمان. قال رسول ﷺ : (إن الميت يصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح في قبره غيرَ فزع، ولا مشعوف (٣) (٤). وعن البراء بن عازب: عن النبي ﷺ قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. قال: نزلت في عذاب القبر، فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبيي محمد ﷺ ، فذلك قوله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (٥). قال بشر بن الحارث: "نِعم المنزلُ القبر لمن أطاع اللّه" (٦). وقال مسروق: "ما من بيت خير للمؤمن من لحده؛ قد استراح من أمر الدنيا، ومن

стр. 385

عذاب الله (١). ضمة القبر: حتى ضمةُ القبر التي أخبر رسول الله ﷺ أنها كائنة في القبور على كل إنسان فإنها لا تؤذي المؤمن ولا تضره. فعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (إن للقبر ضغطة، ولو كان أحد ناجيًا منها نجا منها سعد بن معاذ) (٢). فضمة القبر للمؤمن ضمة رحمة ليس فيها عذاب، وإن كان فيها بعض الألم الذي يذهب سريعًا، وضمة الكافر ضمة سخط فيها عذاب. وقال الذهبي: " قلت: هذه الضمة ليست من عذاب القبر في شيء، بل هو أمر يجده المؤمن، كما يجد ألم فقد ولده وحميمه في الدنيا، وكما يجد من ألم مرضه، وألم خروج نفسه، وألم سؤاله في قبره وامتحانه، وألم تأثره ببكاء أهله عليه، وألم قيامه من قبره، وألم الموقف وهوله، وألم الورود على النار، ونحو ذلك، فهذه الأراجيف كلها قد تنال العبد، وما هي من عذاب القبر، ولا من عذاب جهنم قط، ولكن العبد التقي يرفق الله به في بعض ذلك أو كله، ولا راحة للمؤمن دون لقاء ربه" (٣). حديث البراء الطويل: وما أحسن حديث البراء ﵁ وهو يسوق رحلة الإنسان إلى أول منازل الآخرة، ويذكر ما يلقاه في هذه الرحلة، وما الذي يجده كل امرئ إذا استقر في ذلك المكان المنفرد.

стр. 386

جاء في مصنف ابن أبي شيبة (١)، ومسند الإمام أحمد (٢)، ومستدرك الحاكم (٣)، وشُعَبِ الإيمان للبيهقي (٤)، بسند صحيح عن البراء بن عازب ﵄ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمَّا يُلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله، وكأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجئ ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون بها -يعني: على ملأ من الملائكة- إلا قالوا: ما هذا الرَّوح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيُفتح لهم، فيشيّعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ ،

стр. 387

فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت، فينادي منادٍ في السماء: أنْ صدقَ عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها وطيبها، ويفسح له في قبره مدّ بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيّب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: ربِّ أقمِ الساعة؛ حتى أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفّود (١) من الصوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الرَّوح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠]، فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]. فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي منادٍ من السماء: أن كذب، فأفرشوا له من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيَّق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح فيقول: أبشر بالذي

стр. 388

يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: ربِّ لا تقم الساعة). وقد تضمن حديث البراء هذا بعض القضايا المتعلقة بالقبر والمقبور، ومنها: انفساح القبر وإضاءته، وهو حدث حقيقي يجده الميت، وإن لم يشعر به الأحياء؛ لأن ما في القبر هو من عالم الآخرة. ومنها: سؤال الملكين عن الأصول الثلاثة: عن الرب، وعن الرسول، وعن الدين، فيثبت الله المؤمن فيجيب الإجابة المرضية التي كان يعلمها ويعمل بها في الدنيا، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وأما الكافر فلا يستطيع الجواب عن هذه الأصول الثلاثة؛ لأنه لم يكن يعمل بها في الدنيا. عن عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: (استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل) (١). وقال النبي ﷺ : (إذا قبر الميت أو قال أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما: المنكر والآخر النكير) (٢). ومن القضايا التي تناولها الحديث: ذهاب وحشة المؤمن في قبره، وحصول أُنسه بعمله الصالح الذي يأتيه على هيئة رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيّب الرائحة، فيقول له: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت، فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟، فيقول: أنا عملك الصالح. ومما ذكره الحديث: حصول النعيم لأهل الإيمان في قبورهم، وكذلك العذاب لمن سواهم.

стр. 389

قطوف يانعة من الحكم النافعة من كلام ابن القيم ﵀ الإمام ابن القيم ﵀ عظيمٌ من عظماء الإسلام، الذين بقي ذكرهم في جبين الزمان مشرقًا متألقًا؛ لما بذلوا من نفيس أوقاتهم، وسنيِّ عمرهم، وزاكي علمهم في خدمة هذا الدين وأهله بما كتبه من المؤلفات الخالدة في شتى فنون العلم والمعرفة، وبقيت هذه المصنفات النافعة شاهدَ عدل على رسوخ ذلك العَلَم الفرد في العلوم، وعظيم إخلاصه لله تعالى، وشدة حرصه على نفع الخلق. ومن أعظم كتبه التي كان له فيها وقفات موَّفقة مع الروح والقلب، ومواعظ حسنة للنفس، وخواطر مشرقة للفكر والعقل؛ كتابُه القيم: " الفوائد"، ورغم صغر حجم هذا الكتاب مقارنة بغيره من كتبه، إلا أنه حيك حياكة حسنة، ودُبِّج تدبيجًا أنيقًا، فضمَّنه نصائح نافعة، ومواعظ جامعة، يحسن بنا أن نقف هنا على ذكر جملة يسيرة من حكمه الغالية، وكلماته البليغة المنيرة، وسأشرح من تلك العبارات بعون الله ما أراه يحتاج إلى شرح. يقول ﵀: * الذنوب جراحات، ورُبَّ جرح وقع في مَقتل. * لو خرج عقلُك من سلطان هواك عادت الدولة له. * دخلتَ دار الهوى فقامرتَ بعمرك. * إذا عرضتْ نظرة لا تحل فاعلم أنها مِسْعَرُ حَرْب، فاستتر منها بحجاب: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، فقد سلمت من الأثر: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥].

стр. 390

* بحر الهوى إذا مدَّ (١) أَغرق، وأخوفُ المنافذ على السابح فتحُ البصر في الماء. * كم قُطع زرعٌ قبل التمام، فما الظن بالزرع المستحصَد؟! (٢). * اشترِ نفسَك؛ فالسوق قائمة، والثمن موجود (٣). * لابد من سِنة الغفلة، ورُقاد الهوى، ولكن كن خفيفَ النوم؛ فحُرّاس البلد يصيحون: دنا الصباح (٤). * نورُ العقل يضيء في ليل الهوى، فتَلُوح جادةُ الصواب، فيتلمح البصير في ذلك النور عواقب الأمور. * اخرجْ بالعزم من هذا الفِناء الضيِّق المحشو بالآفات إلى ذلك الفناء الرحب الذي فيه: (ما لا عين رأت .. )، فهناك لا يتعذّر مطلوب، ولا يفقد محبوب. *يا بائعًا نفسه بهوى مَنْ حُبُّه ضَنى (٥)، ووصله أذى، وحُسنه إلى فناء، لقد بعت أنفسَ الأشياء بثمن بخس، كأنك لم تعرف قدر السلعة، ولا خِسَّة الثمن، حتى إذا قدمت يوم التغابن تبيّن لك الغبن في عقد التبايع (٦). * لا إله إلّا الله سلعة، اللهُ مشتريها، وثمنها الجنّة، والدلّال الرسول، فهل ترضى ببيعها بجزء يسير مما لا يساوي كلُّه جناح بعوضة؟!.
следующие страницы →