جاء في مصنف ابن أبي شيبة (١)، ومسند الإمام أحمد (٢)، ومستدرك الحاكم (٣)، وشُعَبِ الإيمان للبيهقي (٤)، بسند صحيح عن البراء بن عازب ﵄ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمَّا يُلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله، وكأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر، مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجئ ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون بها -يعني: على ملأ من الملائكة- إلا قالوا: ما هذا الرَّوح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيُفتح لهم، فيشيّعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ ،
стр. 387
فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت، فينادي منادٍ في السماء: أنْ صدقَ عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحها وطيبها، ويفسح له في قبره مدّ بصره، قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيّب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: ربِّ أقمِ الساعة؛ حتى أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب، قال: فتفرق في جسده، فينتزعها كما ينتزع السفّود (١) من الصوف المبلول، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الرَّوح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠]، فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]. فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فينادي منادٍ من السماء: أن كذب، فأفرشوا له من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيَّق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح فيقول: أبشر بالذي
стр. 388
يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجئ بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: ربِّ لا تقم الساعة).
وقد تضمن حديث البراء هذا بعض القضايا المتعلقة بالقبر والمقبور، ومنها:
انفساح القبر وإضاءته، وهو حدث حقيقي يجده الميت، وإن لم يشعر به الأحياء؛ لأن ما في القبر هو من عالم الآخرة. ومنها: سؤال الملكين عن الأصول الثلاثة: عن الرب، وعن الرسول، وعن الدين، فيثبت الله المؤمن فيجيب الإجابة المرضية التي كان يعلمها ويعمل بها في الدنيا، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وأما الكافر فلا يستطيع الجواب عن هذه الأصول الثلاثة؛ لأنه لم يكن يعمل بها في الدنيا. عن عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: (استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يُسأل) (١).
وقال النبي ﷺ : (إذا قبر الميت أو قال أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما: المنكر والآخر النكير) (٢).
ومن القضايا التي تناولها الحديث: ذهاب وحشة المؤمن في قبره، وحصول أُنسه بعمله الصالح الذي يأتيه على هيئة رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيّب الرائحة، فيقول له: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت، فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟، فيقول: أنا عملك الصالح.
ومما ذكره الحديث: حصول النعيم لأهل الإيمان في قبورهم، وكذلك العذاب لمن سواهم.
стр. 389
قطوف يانعة من الحكم النافعة
من كلام ابن القيم ﵀
الإمام ابن القيم ﵀ عظيمٌ من عظماء الإسلام، الذين بقي ذكرهم في جبين الزمان مشرقًا متألقًا؛ لما بذلوا من نفيس أوقاتهم، وسنيِّ عمرهم، وزاكي علمهم في خدمة هذا الدين وأهله بما كتبه من المؤلفات الخالدة في شتى فنون العلم والمعرفة، وبقيت هذه المصنفات النافعة شاهدَ عدل على رسوخ ذلك العَلَم الفرد في العلوم، وعظيم إخلاصه لله تعالى، وشدة حرصه على نفع الخلق. ومن أعظم كتبه التي كان له فيها وقفات موَّفقة مع الروح والقلب، ومواعظ حسنة للنفس، وخواطر مشرقة للفكر والعقل؛ كتابُه القيم: " الفوائد"، ورغم صغر حجم هذا الكتاب مقارنة بغيره من كتبه، إلا أنه حيك حياكة حسنة، ودُبِّج تدبيجًا أنيقًا، فضمَّنه نصائح نافعة، ومواعظ جامعة، يحسن بنا أن نقف هنا على ذكر جملة يسيرة من حكمه الغالية، وكلماته البليغة المنيرة، وسأشرح من تلك العبارات بعون الله ما أراه يحتاج إلى شرح.
يقول ﵀:
* الذنوب جراحات، ورُبَّ جرح وقع في مَقتل.
* لو خرج عقلُك من سلطان هواك عادت الدولة له.
* دخلتَ دار الهوى فقامرتَ بعمرك.
* إذا عرضتْ نظرة لا تحل فاعلم أنها مِسْعَرُ حَرْب، فاستتر منها بحجاب: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، فقد سلمت من الأثر: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥].
стр. 390
* بحر الهوى إذا مدَّ (١) أَغرق، وأخوفُ المنافذ على السابح فتحُ البصر في الماء.
* كم قُطع زرعٌ قبل التمام، فما الظن بالزرع المستحصَد؟! (٢).
* اشترِ نفسَك؛ فالسوق قائمة، والثمن موجود (٣).
* لابد من سِنة الغفلة، ورُقاد الهوى، ولكن كن خفيفَ النوم؛ فحُرّاس البلد يصيحون: دنا الصباح (٤).
* نورُ العقل يضيء في ليل الهوى، فتَلُوح جادةُ الصواب، فيتلمح البصير في ذلك النور عواقب الأمور.
* اخرجْ بالعزم من هذا الفِناء الضيِّق المحشو بالآفات إلى ذلك الفناء الرحب الذي فيه: (ما لا عين رأت .. )، فهناك لا يتعذّر مطلوب، ولا يفقد محبوب.
*يا بائعًا نفسه بهوى مَنْ حُبُّه ضَنى (٥)، ووصله أذى، وحُسنه إلى فناء، لقد بعت أنفسَ الأشياء بثمن بخس، كأنك لم تعرف قدر السلعة، ولا خِسَّة الثمن، حتى إذا قدمت يوم التغابن تبيّن لك الغبن في عقد التبايع (٦).
* لا إله إلّا الله سلعة، اللهُ مشتريها، وثمنها الجنّة، والدلّال الرسول، فهل ترضى ببيعها بجزء يسير مما لا يساوي كلُّه جناح بعوضة؟!.
стр. 391
* الحرب قائمة وأنت أعزل (١) في النظارة (٢)، فإن حركت ركابَك فللهزيمة (٣).
* من لم يباشر حرَّ الهجير (٤) في طِلاب المَجْد لم يَقِل (٥) في ظِلال الشرف (٦).
* تقول سُليمى لو أقمتَ بأرضنا … ولم تدرِ أني للمقام أطوفُ
* قيل لبعض العبّاد: إلى كم تتعب نفسك؟! فقال: راحتَها أريد (٧).
* يا مكرَمًا بحُلَّةِ الإيمان بعد حلة العافية، وهو يُخْلِقهما (٨) في مخالفة الخالق، لا تُنكر السَّلب؛ يستحق من استعمل نعمة المنعم فيما يكره أن يُسلَبها (٩).
* عرائس الموجودات قد تزيّنت للناظرين؛ ليبلوهم أيهم يؤثرهن على عرائس الآخرة، فمن عرف قدر التفاوت آثر ما ينبغي إيثاره.
وحِسانُ الكون لمَّا أنْ بدتْ … أقبلتْ نحوي، وقالت لي: إلي
فتعاميتُ كأنْ لم أرها … عندما أبصرتُ مقصودي لدي (١٠)
*كواكب همم العارفين في بروج عزائمهم سيَّارة ليس فيها زحل (١١)(١٢).
стр. 392
* يا من انحرف عن جادتهم كُنْ في أواخر الركب، ونَم إذا نمت على الطريق؛ فالأمير يراعي الساقة (١)(٢).
* قيل للحسن: سبَقَنا القومُ (٣) على خيل دُهْم (٤) ونحن على حمُر معقّرة (٥)، فقال: إن كنتَ على طريقهم فما أسرع اللحاقَ بهم!
* المحب الصادق مَنْ وجد أُنسَه بالله بين الناس، ووجده في الوحدة.
* مَنْ فقدَ أنسه بالله بين الناس ووجده في الوحدة فهو صادق ضعيف. ومن وجده بين الناس ووجده في الخلوة فهو معلول. ومن فقده بين الناس وفي الخلوة فهو ميت مطرود. ومن وجده في الخلوة وفي الناس فهو المحب الصادق القوي في حاله. ومن كان فتحُه في الخلوة لم يكن مزيده إلا منها. ومن كان فتحه بين الناس ونصحهم وإرشادهم كان مزيده معهم. ومن كان فتحه في وقوفه مع مراد الله حيث أقامه، وفي أي شيء استعمله كان مزيده في خلوته ومع الناس. فأشرفُ الأحوال أن لا تختار لنفسك حالة سوى ما يختاره لك ويقيمك فيه، فكن مع مراده منك، ولا تكن مع مرادك منه.
* مصابيح القلوب الطاهرة في أصل الفطرة منيرة قبل الشرائع: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور: ٣٥].
* وحَّد قُسّ (٦) وما رأى الرسول، وكفر ابن أُبيٍّ وقد صلَّى معه بالمسجد!
стр. 393
* مع الصبِّ (١) رِيٌّ ولا ماء، وكم من عطشان في اللُّجّة (٢)(٣)!
* سبق العلمُ بنبوة موسى وإيمان آسية، فسيقَ تابوتُه إلى بيتها، فجاء طفل منفرد عن أم إلى امرأة خالية عن ولد. فلله كم في القصة من عِبرة! كم ذبح فرعون في طلب موسى من ولد، ولسان القدر يقول: لا نربيه إلا في حجرك!
* كان ذو البجادين يتيمًا في الصغر، فكفله عمه، فنازعته نفسه إلى اتباع الرسول ﷺ ، فهمّ بالنهوض، فإذا بقية المرض مانعة، فقعد ينتظر العم، فلما تكاملت صحته، نفذ الصبر فناداه ضمير الوجد:
إلى كمْ حبسُها تشكو المضيقا … أَثِرْها ربما وجدتْ طريقا
فقال: يا عم، طال انتظاري لإسلامك، وما أرى منك نشاطًا؟ فقال: والله لئن أسلمت لأنتزعن كل ما أعطيتك. فصاح لسان الشوق: نظرةٌ من محمد ﷺ أحب إلي من الدنيا وما فيها.
ولو قيل للمجنون: ليلى ووصلَها … تريدُ أمِ الدنيا وما في طواياها
لقال: غبارٌ من تراب نعالها … ألذُّ إلى نفسي وأشفى لبلواها
فلما تجرد للسير إلى الرسول ﷺ جرّده عمه من الثياب، فناولته الأم بجاداً، فقطعه لسفر الوصل نصفين، اتزر بأحدهما، وارتدى الآخر، فلما نادى صائح الجهاد قنع أن يكون في ساقة الأحباب، والمحب لا يرى طول الطريق؛ لأن المقصود يعينه
ألا أبلغ اللهُ الحِمى من يريده … وبلَّغ أكنافَ الحمى من يريدها
стр. 394
فلما قضى نحبه نزل الرسول ﷺ يمهد له لحده وجعل يقول: (اللهم إني أمسيت عنه راضيًا، فارضَ عنه)، فصاح ابن مسعود: يا ليتني كنت صاحب القبر (١).
* متى همّت أقدامُ العزم بالسلوك، اندفع من بين أيديها سدُّ القواطع (٢).
* القواطع محنٌ يتبين بها الصادق من الكاذب، فإذا خضتها انقلبت أعوانًا لك توصلك إلى المقصود.
* الدنيا كامرأة بغيٍّ لا تثبت مع زوج، إنما تخطب الأزواج؛ ليستحسنوا عليها فلا ترضى إلا بالدياثة.
* طائرُ الطبع يرى الحبة، وعين العقل ترى الشَّرَك، غير أن عين الهوى عمياء (٣).
وقال ﵀:
* لما رأى المتيقظون سطوةَ الدنيا بأهلها، وخداع الأمل لأربابه، وتملك الشيطان قيادَ النفوس، ورأوا الدولة للنفس الأمارة؛ لجأوا إلى حصن التضرع والالتجاء كما يأوي العبد المذعور إلى حَرم سيده.
* شهوات الدنيا كلُعب الخيال، ونظر الجاهل مقصور على الظاهر، فأما ذو العقل فيرى ما وراء السِّتر.
* لاح لهم المشتهى، فلما مدوا أيدي التناول بان لأبصار البصائر خيطُ الفخ، فطاروا بأجنحة الحذر، وصوبوا إلى الرحيل الثاني: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٢٦].
* تلمّح القوم الوجود، ففهموا المقصود، فأجمعوا الرحيل قبل الرحيل، وشمروا
стр. 395
للسير في سواء السبيل، فالناس مشتغلون بالفضلات، وهم في قطع الفلوات، وعصافير الهوى في وثاق الشبكة ينتظرون الذبح، وقع ثعلبانِ في شبكة فقال أحدهما للآخر: أين الملتقى بعد هذا؟ فقال: بعد يومين في الدباغة!
* تالله ما كانت الأيام إلا منامًا، فاستيقَظوا وقد حصلوا على الظفر (١).
* ما مضى من الدنيا أحلام، وما بقي منها أمانٍ، والوقت ضائع بينهما (٢).
* العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملاً يثقله ولا ينفعه.
* إذا حمَّلت على القلب همومَ الدنيا وأثقالها، وتهاونت بأوراده التي هي قوته وحياته؛ كنتَ كالمسافر الذي يحمِّل دابته فوق طاقتها، ولا يوفيها علفها، فما أسرع ما تقف به!
ومشتتُ العزماتِ ينفق عمرَه … حيرانَ لا ظفرٌ ولا إخفاقُ
هلِ السائقُ العجلانُ يملك أمرَه … فما كلُّ سير اليَعْمَلاتِ (٣) وخيدُ (٤)
رويداً بأخفاف المطيِّ فإنما … تُداسُ جباهٌ تحتها وخدود
* من تلمح حلاوة العافية، هان عليه مرارة الصبر.
* الغاية أول في التقدير، آخر في الوجود، مبدأ في نظر العاقل، منتهى في منازل الوصول.
* ألفتَ عجزَ العادة، فلو علتْ بك همتك رُبى المعالي لاحت لك أنوار العزائم.
стр. 396
* إنما تفاوت القوم بالهمم لا بالصور.
* نزولُ هِمَّة الكَسَّاح (١) دلَّاه في جُبِّ العَذِرة.
* بينك وبين الفائزين جبلُ الهوى، نزلوا بين يديه، ونزلتَ خلفَه، فاطوِ فصلَ منزلٍ تلحق بالقوم.
* الدنيا مضمارُ سباق، وقد انعقد الغبار وخفي السابق، والناس في المضمار بين فارس وراجل وأصحاب حُمُر معقرّة.
سوف تَرى إذا انجلى الغبارُ … أفرسٌ تحتك أم حمارُ
* في الطبع شَرهٌ، والحِمية أوفق.
* لصُّ الحرص لا يمشي إلا في ظلام الهوى.
* حَبةُ المشتهى تحت فخِّ التلف، فتفكر الذبح، وقد هان الصبر (٢).
* قوة الطمع في بلوغ الأمل توجب الاجتهاد في الطلب، وشدة الحذر من فوت المأمول.
* البخيل فقير لا يؤجر على فقره.
* الصبر على عطش الضر ولا الشرب من شِرعة (٣) مَنٍّ؛ (تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها) (٤).
стр. 397
* لا تسأل سوى مولاك؛ فسؤال العبد غيرَ سيده تشنيع عليه.
* غَرْس الخلوة يثمر الأُنس (١).
* استوحش مما لا يدوم معك، واستأنس بمن لا يفارقك.
* عزلة الجاهل فساد، وأما عزلة العالم (فمعها حذاؤها وسقاؤها) (٢).
* إذا اجتمع العقل واليقين في بيت العزلة، واستُحضِر الفكر، وجرت بينهم مناجاة:
أتاكَ حديثٌ لا يملُّ سماعُه … شهيٌّ إلينا نثرُه ونظامُهُ
إذا ذكرتْه النفسُ زال عناؤها … وزال عن القلب المعنَّى ظلامُهُ (٣).
* إذا خرجتْ من عدوك لفظةُ سفهٍ فلا تُلحقها بمثلها تَلقحْها، ونسلُ الخصام نسل مذموم.
* حميّتُك لنفسك أثرُ الجهل بها، فلو عرفتها حق معرفتها أعنتَ الخصم عليها.
* إذا اُقتدِحتْ نارُ الانتقام من نار الغضب ابتدأت بإحراق القادح.
* أوثقْ غضبَك بسلسلة الحِلم؛ فإنه كلب إن أفلت أتلف.
* من سبقتْ له سابقةُ السعادة، دُلَّ على الدليل قبل الطلب.
стр. 398
* إذا أراد القَدر شخصًا بذر في أرض قلبه بذر التوفيق، ثم سقاه بماء الرغبة والرهبة، ثم أقام عليه بأطوار المراقبة، واستخدم له حارسَ العِلم، فإذا الزرع قائم على سُوقه.
* إذا طلع نجم الهمة في ظلام ليل البطالة، وردِفه قمرُ العزيمة، أشرقتْ أرض القلب بنور ربها.
* إذا جنَّ الليلُ تغالبَ النومُ والسهر، فالخوف والشوق في مقدَّم عسكر اليقظة، والكسل والتواني في كتيبة الغفلة، فإذا حمل العزم حمل على الميمنة وانهزمت جنود التفريط، فما يطلع الفجر إلا وقد قُسِّمت السُّهمان، ورُدّت الغنيمة لأهلها (١).
* سفرُ الليل لا يطيقه إلا مضمَّر (٢) المجاعة.
* النجائب في الأول، وحاملات الزاد في الأخير (٣).
* لا تسأم من الوقوف على الباب ولو طُردت، ولا تقطع الاعتذار ولو رُدِدت، فإن فتح الباب للمقبولين دونك فاهجم هجوم الكذابين، وادخل دخول الطفيلية وابسط كف: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٨٨] (٤).
* يا مستفتحًا بابَ المعاش بغير إقليد (٥) التقوى، كيف توسع طريقَ الخطايا وتشكو ضيق الرزق؟! ولو وقفتَ عند مراد التقوى لم يفُتك مراد.
стр. 399
* المعاصي سدٌّ في باب الكسب و (إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) (١).
* الأرواح في الأشباح (٢) كالأطيار في الأبراج، وليس ما أُعدَّ للاستفراخ كمن هُيء للسباق (٣).
* من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان، فلينظر ماذا يوليه من العمل، وبأي شغل يشغله (٤).
* كن من أبناء الآخرة، ولا تكن من أبناء الدنيا؛ فإن الولد يتبع الأم (٥).
* الدنيا لا تساوي نقل أقدامك إليها، فكيف تعدو خلفها؟!.
* الدنيا جيفة، والأسد لا يقع على الجِيَف.
* الدنيا مجاز، والآخرة وطن، والأوطار إنما تُطلب في الأوطان (٦)(٧).
وقال ﵀:
стр. 400
* صاحَ بالصحابة واعظ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١]، فجزعت للخوف قلوبُهم، فجرتْ من الحذر العيون ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧].
* تزينّت الدنيا لعليٍّ فقال: أنتِ طالق ثلاثًا لا رجعة لي فيك، وكانت تكفيه واحدة للسُنَّة، لكنه جمع الثلاث؛ لئلا يتصور للهوى جواز المراجعة، ودِينه الصحيح، وطبعه السليم يأنفان من المحلّل، كيف وهو أحد رواة حديث: (لعن الله المحلّل) (١).
* ما في هذه الدار موضع خلوة، فاتخذه في نفسك (٢).
* لا بد أن تجذبك الجواذب، فاعرفها، وكن منها على حذر، ولا تضرك الشواغل إذا خلوتَ منها وأنت فيها.
* نور الحق أضوأ من الشمس، فيحق لخفافيش البصائر أن تعشو عنه (٣).
* الطريق إلى الله خالٍ من أهل الشك، ومن الذين يتبعون الشهوات، وهو معمور بأهل اليقين والصبر، وهم على الطريق كالأعلام: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤] (٤).
وقال ﵀:
* شمعة النصر إنما تَنزل في شمعدان (٥) الانكسار (٦).
стр. 401
* لا يكرم العبد نفسه بمثل إهانتها، ولا يعزها بمثل ذلها، ولا يريحها بمثل تعبها؛ كما قيل:
سأُتعِبُ نفسي أو أصادفَ راحةً … فإن هوانَ النفس في كرم النفسِ
ولا يشبِعُها بمثل جوعها، ولا يؤمِّنها بمثل خوفها، ولا يؤنسها بمثل وحشتها من كل ما سوى فاطرها وبارئها، ولا يحييها بمثل إماتتها كما قيل:
موتُ النفوسِ حياتُها … من شاء أن يحيا يموت
* شرابُ الهوى حلو، ولكنه يورث الشَّرَق (١)(٢).
* من تذكَّرَ خنق الفخ، هان عليه هجرانُ الحبة (٣).
* يا معرقَلًا في شَرَك الهوى، جمزةُ (٤) عزمٍ وقد خرقتَ الشبكة.
* لا بد من نفوذ القدر (٥) فاجنح للسلم.
* لله ملك السموات والأرض واستقرض منك حبة، فبخلت بها، وخَلق سبعة أبحر وأحب منك دمعة فقحطتَ عينك بها!
* إطلاق البصر ينقش في القلب صورة المنظور، والقلب كعبة، والمعبود لا يرضى بمزاحمة الأصنام.
* لذاتُ الدنيا كسوداءَ وقد غلبتْ عليك، والحور العين يَعجبن من سوء اختيارك
стр. 402
عليهن، غير أن زوبعة الهوى إذا ثارت سَفَت (١) في عين البصيرة فخفيت الجادة (٢).
* سبحان الله! تزينت الجنة للخُطَّاب فجدّوا في تحصيل المهر، وتعرّف ربُّ العزة إلى المحبين بأسمائه وصفاته فعملوا على اللقاء وأنت مشغول بالجيف!
لا كان مَنْ لسواكَ منه قلبُه … ولك اللسانُ مع الوداد الكاذبِ
* المعرفة بساط لا يطأ عليه الا مقرَّب، والمحبة نشيد لا يطرب عليه إلا محبٌّ مغرم.
* الحُبُّ غدير في صحراء ليست عليه جادة؛ فلهذا قلَّ وارده.
* المحب يهرب إلى العزلة والخلوة بمحبوبه، والأنس بذكره؛ كهرب الحوت إلى الماء، والطفل إلى أمه.
وأخرجُ من بين البيوت لعلني … أحدِّثُ عنك القلبَ بالسرِّ خاليا
* ليس للعابد مستراح إلا تحت شجرة طوبى، ولا للمحب قرار إلا يوم المزيد.
* اشتغلْ به في الحياة، يَكفِك ما بعد الموت.
* يا منفقاً بضاعة العمر في مخالفة حبيبه والبعد منه، ليس في أعدائك أضر عليك منك.
ما تبلغُ الأعداءُ من جاهلٍ … ما يبلغ الجاهلُ من نفسهِ
* الهمةُ العليّة همةُ مَنْ استعد صاحبُها للقاء الحبيب، وقدّم التقادم بين يدي الملتقى، فاستبشر عند القدوم: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
стр. 403
* تالله ما عدا عليك العدو إلا بعد أن تولى عنك الولي، فلا تظن أن الشيطان غلب، ولكن الحافظ أعرض.
* احذر نفسك؛ فما أصابك بلاء قط إلا منها، ولا تهادنها؛ فوالله ما أكرمها من لم يهنها، ولا أعزها من لم يذلها، ولا جبرها من لم يكسرها، ولا أراحها من لم يتعبها، ولا أمّنها من لم يخوّفها، ولا فرحها من لم يُحزنها.
* سبحان الله! ظاهرُك متجمِّل بلباس التقوى، وباطنُك باطية (١) لخمر الهوى، فكلما طيبت الثوب فاحت رائحة المسكر من تحته، فتباعدَ منك الصادقون وانحاز إليك الفاسقون.
* يدخل عليك لصُّ الهوى وأنت في زاوية التعبد، فلا يرى منك طرداً له، فلا يزال بك حتى يخرجك من المسجد.
* اصدقْ في الطلب وقد جاءتك المعونة.
* قال رجل لمعروف (٢): علمني المحبة (٣)، فقال: المحبة لا تجيء بالتعليم (٤).
هو الشوقُ مدلولاً على مقتل الفتى … إذا لم يَعُد صبًّا بلقيا حبيبهِ
* ليس العجيب من قوله: ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ إنما العجب من قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ﴾
стр. 404
[المائدة: ٥٤] (١).
* ليس العجب من فقير مسكين يحب محسنًا إليه إنما العجب من محسن يحب فقيراً مسكينًا (٢).
وقال ﵀:
* احترز من عدوين هلك بهما أكثر الخَلق: صادّ عن سبيل الله بشبهاته وزخرف قوله، ومفتون بدنياه ورئاسته.
* يا أيها الأعزل، احذر فراسة المتقي؛ فإنه يرى عورة عملك من وراء ستر: (اتقوا فراسة المؤمن) (٣)(٤).
* اعرفْ قدرَ ما ضاع منك، وابكِ بكاء من يدري مقدار الفائت.
* لو تخيّلتْ قربَ الأحباب لأقمت المأتم على بُعدك.
* لو استنشقتَ ريحَ الأسحار، لأفاق منك قلبُك المخمور (٥).
* من استطال الطريقَ ضعف مشيه.
وما أنتَ بالمشتاقِ إن قلتَ بيننا … طوالُ الليالي أو بَعيدُ المفاوزِ
стр. 405
* أما علمتَ أن الصادق إذا همَّ ألقى بين عينيه عزمَه؟.
* هان سهر الحراسُ لما علموا أن أصواتهم بسمع المَلِك (١).
* من لاح له حالُ الآخرة، هان عليه فراقُ الدنيا.
* يا أقدامَ الصبر احملي؛ بقى القليل.
* تذكّر حلاوةَ الوصال، يهُنْ عليك مُرُّ المجاهدة.
* قد علمت أين المنزل، فاحدُ لها تَسرْ (٢).
* أعلى الهمم همةُ من استعد صاحبُها للقاء الحبيب.
* الجنة ترضى منك بأداء الفرائض، والنار تندفع عنك بترك المعاصي، والمحبة لا تقنع منك إلا ببذل الروح.
* لله ما أحلى زمانًا تسعى فيه أقدام الطاعة على أرض الاشتياق.
* لما سلّم القوم النفوس إلى رائض الشرع علّمها الوفاق في خلاف الطبع، فاستقامت مع الطاعة كيف دارت دارت معها (٣).
стр. 406
السعيدُ مَنْ دُفِنتْ ذنوبُه معه
الذنوب حبسٌ ورِقٌّ وهلاك، والمغفرة نجاة وتحرير وفِكاك، والذنوب قذر ونتن، والمغفرة طهارة وطيب، والذنوب داء، والمغفرة دواء، والذنوب قيظ وسَموم، والمغفرة مغتسل بارد وشراب.
إن أخطر ما على الإنسان معاصيه وسيئاته؛ فهي نار تحرق صاحبها عاجلاً أو آجلاً، وداء يمرض الروح أو يميتها.
والذنوب هي التي أخرجت آدم وحواء من الجنة فهبطا إلى الأرض بعد حياة الرغد، وهي التي طردت إبليسَ إلى لعنة الله، وهي التي تجلب الشقاء والتعاسة، والكدر والحزن، وتسلب عن العبد معيةَ ربه وتوفيقه وحمايته، وهي التي تورث العزيز ذلاً، والعمر محقًا وخُسراً، وهي التي ما حلّت قلبًا إلا ضيقت سروره، وسوّدت بياض أيامه، وقطعته عن أسباب راحته ونعيمه، وهي التي تجلب لأهلها الكوارث والجوائح، والمصائب والمعاطب، والنقم والبلايا.
فكم من نفس كانت بالطاعة عالية، فأصبحت بالمعصية دانية، وكانت بالصلاح في فسحة ونعيم، فأضحت بالخطيئة في ضيق وجحيم، وكانت ببُعدها عن الخطايا قريبة من رب البرايا، فلما عصت ابتعدت عن الرحمن، واقتربت من الشيطان.
فسبحان الله! كيف يرضى العاقل لنفسه ذلَّ المعصية، ولا يرضى لها عزَّ الطاعة، وكيف يستضيف بالخطيئة الضيقَ والعناء، ويطرد بهجر الطاعة السرورَ والهناء، وكيف يسعى جاهداً لسلوك أسباب العذاب في العاجل والآجل بالمعصية، ولا يسلك طرق السلامة في الدنيا والآخرة بالطاعة، وكيف يسعى بكد وجِد لتحصيل مصالح معيشته، ولا يسعى كذلك إلى محو سيئاته؟!
стр. 407
فيا من غرق في لجج الخطايا اعلم أن هناك يداً تمتد إليك لتنقذك فلا تردها، ويامن أحرقَتْه نيران المعاصي، إن هناك وسائل إطفاء تعرض عليك فاقبلها، ويا من ضلّ في دياجي الذنوب، إن هناك نوراً يناديك ليخرجك من الظلمات إلى النور ويهديك إلى صراط مستقيم فأحسن استقباله، ويامن تدنس بعصيان خالقه، إن هناك مغتسلاً طهوراً ينتظرك ليطهرك فأسرع إليه، ويامن ما زال في سجن مخالفة ربه، إن هناك سبلاً كثيرة لإطلاق سراحك فاقبل زيارتها لك، ويامن تعاني آلام الخطيئة، إن هناك دواء مجانيًا يقدم لك فخذه قبل أن يهلكك المرض.
الخطر الكبير:
إن الخطر الكبير على ابن آدم أن يعمل المعاصي ولا يبالي، فلا يفكر بمن عصى، ولا في عواقب معصيته، ولا تضيق نفسه من جرمه حتى تحمله على البحث عن مكفرات لسيئته، بل الأخطر من ذلك أن يصر على خطاياه ويستصغرها، وهذا الذي قد يجعله يقلل من شأن أسباب مغفرة الذنوب.
و" الإصرار هو الاستمرار على المخالفة والعزم على المعاودة، وذلك ذنب آخر لعله أعظم من الذنب الأول بكثير، وهذا من عقوبة الذنب أنه يوجب ذنبًا أكبر منه، ثم الثاني كذلك ثم الثالث كذلك حتى يستحكم الهلاك. فالإصرار على المعصية معصية أخرى، والقعود عن تدارك الفارط من المعصية إصرار ورضا بها وطمأنينة إليها، وذلك علامة الهلاك، وأشد من هذا كله المجاهرة بالذنب مع تيقن نظر الرب ﷻ من فوق عرشه إليه" (١).
وهناك خطر آخر ألا وهو المداومة على ارتكاب الصغائر، ظنًا أنها محقَّرات لا خطر فيها، وهذه التي حذر منها رسول الله ﵊ في قوله: (إياكم ومحقَّرات الذنوب؛ فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن وادٍ فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود،
стр. 408
حتى جملوا ما أنضجوا به خبزهم، وإن محقرات الذنوب متى يأخذ بها صاحبها تهلكه) (١).
وصاحب هذه المعصية الصغيرة في نظره والتي أصر عليها قد تكون أشد خطراً من كبيرة استعظمها فاعلها حتى دعته إلى التوبة، قال ابن القيم: " وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يُلحِقُها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يُلحِقُها بالكبائر بل يجعلها في أعلى رُتَبِها" (٢).
المسارعة المسارعة إلى تكفير الذنوب قبل فجأة الموت:
إن الموت ضيف ينزل بالإنسان من غير استئذان، فحريٌّ بالعاقل أن يصفِّي حسابه ويراجع سجل أعماله قبل أن يأتيه هذا الضيف الذي ينقله إلى الحساب بين يدي الفتاح العليم ليحاسبه على كل كبيرة وصغيرة.
ومن الاستعداد: القيام بفعل الأوامر واجتناب النواهي على ما يحب الله ويرضاه، فإن هفا المرء فلا يسوِّف التوبة، ولا يؤخر محو الخطيئة، بل ينطلق مسرعًا إلى باب التوبة والقيام بعمل مكفِّر أو مكفرات لذنبه، وهذا يجعله في سعادة وطمأنينة إن أتاه الموت على حين غِرّة.
فيا شقاء من لم ينظر إلى هذا الأمر بعين الاعتبار؛ فصار يرتكب الخطايا، ويسرف على نفسه بالذنوب وحفظةُ الأعمال تسجل عليه تفريطه وإسرافه وهو غير مبالٍ بتكفير ذنوبه قبل لقاء خالقه، فيرحل إلى ربه منحني الظهر بالأوزار، مسود الصحيفة بالسيئات، ثقيل الحمولة بالخطيئات.
بل المصيبة التي قد تضاعِف مصيبته السالفة أن يعمل أعمالاً سيئة تبقى بعده،
стр. 409
فيعملها الناس بعد رحيله إلى قبره؛ اقتداء به، فتظل صحيفة معاصيه تستقبل الآثام وقد رحل ذلك الإنسان عن الدنيا!
يقول تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]. قال ابن كثير: " يقول: ما سنوا من سنة فعمل بها قوم من بعد موتهم، فإن كانت خيراً فلهم مثل أجورهم لا ينقص من أجر من عمل به شيئاً، وإن كانت شراً فعليهم مثل أوزارهم ولا ينقص من أوزار من عمل بها شيئاً" (١).
قال رسول الله ﷺ : (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) (٢).
وشتان ما بين هذا وبين من يموت فتظل صحيفة أعماله تُسجل فيها الأجور الناتجة عن أعمال صالحة خلّفها وراءه، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له) (٣). وقال رسول الله ﷺ : (إن مما يلحق المؤمنَ من عمله وحسناته بعد موته: علمًا علمّه ونشره، وولداً صالحًا تركه، ومصحفًا ورّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته. يلحقه من بعد موته) (٤).
فاحرص كل الحرص-أيها المسلم- على مفارقة الحياة وقد تخلصت من الذنوب
стр. 410
السابقة، وابتعدت عن ذنوب قد تصير إلى القبر لاحقة، وإن استطعت أن تجعل لك أعمالاً صالحة من بعدك يصل ثوابها إلى قبرك فذاك خير إلى خير، وسعادة وأي سعادة.
قال حبيب أبو محمد: "إن من سعادة المرء إذا مات ماتت معه ذنوبُه" (١).
وقال أبو طالب المكي: "فطوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه معه، والويل الطويل لمن يموت وتبقى ذنوبه بعده مائة سنة ومائتي سنة يعذَّب بها في قبره، ويُسأل عنها إلى آخر انقراضها، قال اللّه : ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]. (ما قدموا): ما عملوا، (وآثارهم): ما سنّوه بعدهم فعُمل به، وقال في وصفه: ﴿يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]، قيل: بما قدم من عمل، وما أخّر من سنّة عمل بها بعده" (٢).
أسباب مغفرة الذنوب:
إن الله تعالى عفو رحيم غفور حليم؛ فقد فتح لعباده أبواب الأمل والتفاؤل، وأغلق عنهم منافذ اليأس والقنوط، وأرشدهم إلى الطريق القويم حينما يزيغون عنه في ظلمات الخطايا والانحراف، وأعطاهم قوارب النجاة عندما تتقاذفهم أمواجُ الشبهات والشهوات، وأعادهم إلى دار الأمان والعز، بعد أن تاهوا عنها في طرقات المعاصي والضياع والذل.
ولولا رحمته تعالى وحلمه ومغفرته لهلكَ عبادُه أجمعون؛ فهو الرحيم الرحمن الذي وسعت رحمته كلَّ شيء، ومن رحمته أن يقبل رجوعهم إليه إذا عصوه، وهو الحليم الذي يحلم على المذنبين عن قدرة وكرم، لا عن ضعف وعجز، ومن حلمه: أنه لم يعاجلهم بالعقوبة، بل أمهلهم؛ لعلهم أن يتوبوا ويرجعوا عن غيهم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥].
стр. 411
وقال رسول الله ﷺ : (ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى؛ إنهم يجعلون له نداً، ويجعلون له ولداً، وهو مع ذلك يرزقهم، ويعافيهم ويعطيهم)! (١).
وهو الغافر الغفور الغفار، يغفر ذنوب المذنبين، ويستر على عباده العاصين؛ ولذلك يخبرهم بهذه الصفة العظيمة فيقول: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩]. ويدعو المسرفين على أنفسهم بالخطايا أن يتركوها، ويدعوا القنوط من غفرانه، ويقبلوا تائبين إليه منيبين وسيغفر لهم، فقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٣، ٥٤].
فمن عصى الله تعالى فعليه للخروج من تبعة معصيته أمران:
الأول: التوبة النصوح، وهي: " ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالأعمال بالإعادة" (٢).
الثاني: أن يسعى إلى الإكثار من الأقوال والأعمال التي ورد أنها تكفِّر الخطايا.
وهذه المكفِّرات يمكن أن نقسمها إلى قسمين:
مكفرات فعلية، ومكفرات قولية. وهي كثيرة العدد في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله ﵊، وسنكتفي هنا ببعض ذلك.
القسم الأول: المكفرات الفعلية:
أولاً: اتباع رسول الله محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. "أي:
стр. 412
باتباعكم للرسول ﷺ يحصل لكم هذا كله" (١).
ثانيًا: فعل الحسنات، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. " يقول: إن فعل الخيرات يكفر الذنوب السالفة" (٢).
ثالثًا: اجتناب الكبائر، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١].
رابعًا: إسباغ الوضوء والإتيان به إلى المسجد، قال رسول الله ﷺ : (من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء، ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو مع الجماعة أو في المسجد؛ غفر الله له ذنوبه) (٣).
وعن عثمان ﵁ أنه توضأ ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال: (من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة) (٤).
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : (من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره) (٥).
خامسًا: المحافظة على الصلوات الخمس، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مكفرات ما بينهن، إذا اجتنب الكبائر) (٦).
стр. 413
سادسًا: صلاة الجمعة والتزام آدابها، قال النبي ﷺ : (لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى) (١). زاد مسلم: (غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام).
سابعًا: قيام الليل، قال رسول الله ﷺ : (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة لكم إلى ربكم، ومكفر للسيئات، ومنهاة عن الإثم) (٢).
ثامنًا: أداء الزكاة كما وجبت ابتغاء وجه الله تعالى، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣].
قال ابن عاشور: "فقوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ إشارة إلى مقام التخلية عن السيئات. وقوله: ﴿تُزَكِّيهِمْ﴾ إشارة إلى مقام التحلية بالفضائل والحسنات. ولا جرم أن التخلية مقدمة على التحلية. فالمعنى: أن هذه الصدقة كفارة لذنوبهم ومجلبة للثواب العظيم" (٣).
تاسعًا: الصدقة، قال رسول الله ﷺ : (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النار) (٤).
عاشراً: صيام رمضان وقيام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، قال رسول الله ﷺ : (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر
стр. 414
إيمانًا واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) (١).
الحادي عشر: صيام يوم عرفة، فقد سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة؟ فقال: (يكفر السنة الماضية والباقية) (٢).
الثاني عشر: صيام يوم عاشوراء، فقد سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: (يكفر السنة الماضية) (٣).
الثالث عشر: الحج الخالي من الرفث والفسق، قال النبي ﷺ : (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) (٤).
الرابع عشر: العمرة، قال رسول الله ﷺ : (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) (٥).
الخامس عشر: الصبر على الأمراض والهموم والأحزان والمصائب، قال رسول الله ﷺ : (ما يصيب المؤمنَ من وصب ولا نصب، ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كُفر به من سيئاته) (٦).
وقال ﵊: (ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها) (٧). زاد مسلم: (إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه خطيئة).
ودخل ﵊ على أم السائب أو أم المسيب فقال: (مالك يا أم
стр. 415
السائب أو يا أم المسيب تزفزفين)؟ قالت: الحمى، لا بارك الله فيها، فقال: (لا تسبي الحمى؛ فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد) (١).
السادس عشر: مصافحة المسلم لأخيه المسلم عند اللقاء، قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا) (٢).
القسم الثاني: المكفِّرات القولية:
أولاً: القول السديد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
قال ابن عاشور: "ويشمل القول السديد ما هو تعبير عن إرشاد من أقوال الأنبياء والعلماء والحكماء، وما هو تبليغ لإرشاد غيره من مأثور أقوال الأنبياء والعلماء. فقراءة القرآن على الناس من القول السديد، ورواية حديث الرسول ﷺ من القول السديد. وفي الحديث: "نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها" وكذلك نشر أقوال الصحابة والحكماء وأئمة الفقه. ومن القول السديد: تمجيد الله والثناء عليه مثل التسبيح. ومن القول السديد: الأذان والإقامة قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]. فبالقول السديد تشيع الفضائل والحقائق بين الناس فيرغبون في التخلق بها، وبالقول السيئ تشيع الضلالات والتمويهات فيغتر الناس بها ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً. والقول السديد يشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (٣).
ثانيًا: الدعاء، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله: (يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا
стр. 416
أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عَنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة) (١).
ثالثًا: الاستغفار، قال رسول الله ﷺ : (من قال: أستغفر الله الذى لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، غفر له، وإن كان فر من الزحف) (٢).
رابعًا: الإتيان بكفارة المجلس، قال رسول الله ﷺ : (من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان، في مجلسه ذلك) (٣).
خامسًا: قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، قال رسول الله ﷺ : (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة؛ كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه) (٤).
سادسًا: قول: سبحان الله وبحمده، في يوم مائة مرة، قال رسول الله ﷺ : (من قال: سبحان الله وبحمده، في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) (٥).
стр. 417
سابعًا: الدعاء الوارد عند الأذان، قال رسول الله ﷺ : (من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا وبمحمد رسولاً وبالإسلام دينًا غفر له ذنبه) (١).
ثامنًا: التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل عقب الصلاة، قال رسول الله ﷺ : (من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؛ غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) (٢).
تاسعًا: حمد الله عقب الطعام ولبسِ الثوب الجديد، قال رسول الله ﷺ : (من أكل طعامًا فقال: الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن لبس ثوبًا جديداً فقال: الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه) (٣).
عاشراً: دعاء عند النوم، قال رسول الله ﷺ : (من قال عند منامه لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله، سبحان الله وبحمده لا إله إلا الله والله أكبر؛ غفرت ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر) (٤).
стр. 418
وطنُك ليس هنا!
خُلق الإنسان ليعيش حياته التامة في الآخرة لا في الدنيا، وما الدنيا له إلا معبر إلى ذلك المستقر، وما لياليها وأيامها إلا رواحل إلى تلك المنازل. "قال بعض الحكماء: من كانت الأيام والليالي مطاياه سارت به وإن لم يَسرْ" (١).
فوطن المرء الحقيقي هناك في الآخرة، وليس هنا في هذه الدار التي هي في الحقيقة دار غربة وسكانها غرباء. "كان عطاء السلمي يقول في دعائه: اللهم ارحم في الدنيا غربتي، وارحم في القبر وحشتي، وارحم موقفي غداً بين يديك" (٢).
غرباء ينتظرون الوطن:
قال ابن القيم: " إن الناس كلهم في هذه الدار غرباء؛ فإنها ليست لهم بدار مقام، ولا هي الدار التي خُلِقوا لها، وقد قال النبي لعبد الله بن عمر ﵄: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وهكذا هو نفس الأمر؛ لأنه أمر أن يطالع ذلك بقلبه ويعرفه حق المعرفة. ولي من أبيات في هذا المعنى:
وحَيَّ على جناتِ عدْنٍ فإنها … منازلُك الأُولى وفيها المخيَّمُ
ولكنَّنا سَبْيُ العدوِّ فهل ترى … نعودُ إلى أوطاننا ونُسلَّمُ
وأيُّ اغترابٍ فوق غربتِنا التي … لها أضحتِ الأعداءُ فينا تحكَّمُ
وقد زعموا أن الغريبَ إذا نأى … وشَطَّتْ به أوطانُه ليس يَنعمُ
стр. 419
فمن أجلِ ذا لا يَنعم العبدُ ساعةً … من العمر إلا بعدما يتألمُ
وكيف لا يكون العبد في هذه الدار غريبًا وهو على جناح سفر، لا يحل عن راحلته إلا بين أهل القبور، فهو مسافر في صورة قاعد، وقد قيل:
وما هذه الأيامُ إلا مراحلٌ … يحثُّ بها داعٍ إلى الموت قاصدُ
وأعجبُ شيءٍ لو تأملتَ أنها … منازلُ تُطوى والمسافرُ قاعدُ! " (١).
فوصفُ الإنسان في هذه الحياة القصيرة أنه: غريب فيها، أو عابر سبيل عليها، فليس له استقرار ولا استيطان إلا في دار البقاء، وهذا يدعوه إلى قصر الأمل فيها، والاستعداد إلى دار الوطن التي سينتقل إليها.
فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك (٢).
وعند الترمذي: عن مجاهد عن ابن عمر قال: أخذ رسول الله ﷺ ببعض جسدي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعدّ نفسك في أهل القبور) فقال لي ابن عمر: إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك قبل سقمك، ومن حياتك قبل موتك؛ فإنك لا تدري -يا عبد الله- ما اسمك غداً (٣).
стр. 420
وزاد أحمد: (وَاعْدُدْ نَفْسَكَ فِي الْمَوْتَى) (١)، وعند الترمذي وابن ماجه والطبراني: (وعُدَّ نفسك في أهل القبور) (٢). وعند البيهقي في قول ابن عمر زيادة: "وخذ من حسناتك لمساويك" (٣).
قال ابن حجر: "قال الطيبي: ليست (أو) للشك، بل للتخيير والإباحة، والأحسن أن تكون بمعنى: بل، فشبّه الناسكَ السالك بالغريب الذي ليس له مسكن يؤويه ولا مسكن يسكنه، ثم ترقى وأضرب عنه إلى عابر السبيل؛ لأن الغريب قد يسكن في بلد الغربة بخلاف عابر السبيل القاصد لبلد شاسع وبينهما أودية مردية، ومفاوز مهلكة، وقطاع طريق؛ فإن مِنْ شأنه أن لا يقيم لحظة ولا يسكن لمحة، ومن ثم عقبه بقوله: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح" إلخ وبقوله: (وعد نفسك في أهل القبور)، والمعنى: استمر سائراً ولا تفتر؛ فإنك إن قصرت انقطعت وهلكت في تلك الأودية، وهذا معنى المشبه به، وأما المشبه فهو قوله: "وخذ من صحتك لمرضك" أي: أن العمر لا يخلو عن صحة ومرض، فإذا كنت صحيحًا فسر سير القصد، وزد عليه بقدر قوتك ما دامت فيك قوة بحيث تكون ما بك من تلك الزيادة قائمًا مقام ما لعله يفوت حالة المرض والضعف، زاد عبدة في روايته عن ابن عمر: (اعبدِ الله كأنك تراه، وكن في الدنيا .. ) الحديث، وزاد ليث في روايته: (وعد نفسك في أهل القبور)، وفي رواية سعيد بن منصور: (وكأنك عابر سبيل). وقال ابن بطال: لما كان الغريب قليلَ الانبساط إلى الناس، بل هو مستوحش منهم، إذ لا يكاد يمر بمن يعرفه مستأنس به، فهو ذليل في نفسه خائف، وكذلك عابر السبيل لا ينفذ في سفره إلا بقوته عليه، وتخفيفه من الأثقال، غير متشبث بما يمنعه من قطع سفره، معه زاده وراحلته يبلغانه إلى بغيته من قصده، وفي ذلك إشارة إلى إيثار الزهد في الدنيا، وأخذ البلغة منها والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية
стр. 421
سفره فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل. وقال غيره: هذا الحديث أصل في الحث على الفراغ عن الدنيا والزهد فيها، والاحتقار لها والقناعة فيها بالبلغة. وقال النووي: معنى الحديث: لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنًا، ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها، ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه. وقال غيره: عابر السبيل هو المار على الطريق طالبًا وطنه، فالمرء في الدنيا كعبد أرسله سيده في حاجة إلى غير بلده، فشأنه أن يبادر بفعل ما أرسل فيه، ثم يعود إلى وطنه، ولا يتعلق بشيء غير ما هو فيه. وقال غيره: المراد أن ينزل المؤمن نفسه في الدنيا منزلة الغريب فلا يعلق قلبه بشيء من بلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه، ويجعل إقامته في الدنيا ليقضي حاجته وجهازه للرجوع إلى وطنه، وهذا شأن الغريب. أو يكون كالمسافر لا يستقر في مكان بعينه، بل هو دائم السير إلى بلد الإقامة" (١).
وقال ابن رجب: " وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا؛ فإن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنًا ومسكنًا، فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر: يهيئ جهازه للرحيل، وقد اتَّفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم، قال تعالى حاكياً عن مؤمن آل فرعون أنّه قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾، وكان النَّبيُّ ﷺ يقول: (مالي ولِلدُّنيا إنَّما مَثَلي ومَثَلُ الدُّنيا كمثل راكبٍ قالَ (٢) في ظلِّ شجرةٍ، ثم راحَ وتركها) (٣). ومن وصايا المسيح ﵇ لأصحابه أنَّه قال لهم: اعبُروها ولا تَعمُرُوها، ورُوي عنه أنَّه قال: من ذا الذي يبني على موجِ البحر داراً! تلكُمُ الدُّنيا، فلا تتَّخذوها قرارا" (٤).
وقال ابن رجب أيضًا: " وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة، ولا وطناً، فينبغي
стр. 422
للمؤمن أنْ يكون حالُه فيها على أحد حالين: إما أنْ يكونَ كأنَّه غريب مقيمٌ في بلد غُربةٍ، هَمُّه التزوُّد للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنَّه مسافرٌ غير مقيم البتَّة، بل هو ليله ونهارَه، يسيرُ إلى بلدِ الإقامة؛ فلهذا وصّى النَّبيُّ ﷺ ابنَ عمر أنْ يكونَ في الدُّنيا على أحد هذين الحالين. فأحدهما: أنْ ينْزِل المؤمن نفسه كأنَّه غريبٌ في الدنيا يتخيَّلُ الإقامةَ، لكن في بلد غُربةٍ، فهوَ غيرُ متعلِّقِ القلب ببلد الغربة، بل قلبُه متعلِّقٌ بوطنه الذي يَرجِعُ إليه، وإنّما هو مقيمٌ في الدنيا ليقضي مَرَمَّةَ (١) جهازه إلى الرجوع إلى وطنه، قال الفضيلُ بن عياض: المؤمن في الدنيا مهمومٌ حزين، همُّه مَرَمَّةُ جهازه، ومن كان في الدنيا كذلك فلا همَّ له إلا في التزوُّد بما ينفعُه عندَ عودِه إلى وطنه، فلا يُنافِسُ أهلَ البلدِ الذي هو غريبٌ بينهم في عزِّهم، ولا يَجْزَعُ من الذلِّ عندهم، قال الحسن: المؤمن في الدُّنيا كالغريب لا يجزع من ذُلها، ولا يُنافِسُ في عِزِّها، له شأنٌ، وللناس شأن" (٢).
وقال ابن دقيق العيد: " في هذا الحديث ما يدل على أن رسول الله ﷺ حض على التشبه بالغريب؛ لأن الغريب إذا دخل بلدة لم ينافس أهلها في مجالسهم، ولا يجزع أن يراه أحد على خلاف عادته في الملبوس، ولا يكون متدابراً معهم، وكذلك عابر السبيل لا يتخذ داراً، ولا يلجّ في الخصومات مع الناس يشاحنهم، ناظراً إلى أن لبثه معهم أيام يسيرة، فكل أحوال الغريب وعابر السبيل مستحبة أن تكون للمؤمن في الدنيا؛ لأن الدنيا ليست وطنًا له؛ لأنها تحبسه عن داره وهي الحائلة بينه وبين قراره" (٣). وقال العيني: " هذه كلمة جامعة لأنواع النصائح؛ إذ الغريب لقلة معرفته بالناس قليل الحسد والعداوة والحقد، والنفاق والنزاع، وسائرُ الرذائل منشؤها الاختلاط بالخلائق، ولقلة إقامته قليل الدار والبستان والمزرعة والأهل والعيال وسائر العلائق التي هي منشأ الاشتغال عن الخالق" (٤).
стр. 423
إن المؤمن اليقِظ لا يجعل الدنيا وطنه، بل هو عنها "مسافر في ليله ونهاره ويقظته ومنامه، لا يضع عصا السير عن عاتقه حتى يصل إلى مطلبه، قد رُفع له عَلم الحُب فشمر إليه وناداه داعي الاشتياق فأقبل بكليته عليه، أجاب منادي المحبة إذ دعاه: حي على الفلاح، ووصل السُّرى في بيداء الطلب، فحمد عند الوصول سُراه، وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح" (١).
الجنة وطن المؤمن:
إن وطن المؤمن الحقيقي الذي يجب أن يعمل للعودة إليه، ويكون دائم الحنين إلى الوصول إلى نواحيه هو الجنة. وقد أرى الله أبا البشر تلك الدار" وأسكنه إياها، ثم قصَّ على بنيه قصته، فصاروا كأنهم مشاهدون لها، حاضرون مع أبيهم، فاستجاب من خُلق لها وخُلقت له، وسارع إليها فلم يثنه عنها العاجلة، بل يعد نفسه كانه فيها، ثم سباه العدو، فيراها وطنه الأول، فهو دائم الحنين إلى وطنه ولا يقر له قرار حتى يرى نفسه فيه" (٢).
إن روح المؤمن تحن إلى وطنها الأول، وراحتها في السعي إليه، وأما عذابها وشقاؤها ففي الانغماس فيما يلهيها عنه، ولا شفاء لها من ذلك إلا إفاقتها من غمرتها، وصحوها من سُكرها، واستقرارها بعد ذلك في دارها. قال ابن القيم: "فأعظم عذاب الروح انغماسها وتدسيسها في أعماق البدن، واشتغالها بملاذه وانقطاعها عن ملاحظة ما خُلقت له، وهُيئت له، وعن وطنها ومحلها ومحل أُنسها، ومنزل كرامتها، ولكن سُكر الشهوات يحجبها عن مطالعة هذا الألم والعذاب، فإذا صحت من سكرها وأفاقت من غمرتها أقبلت عليها جيوشُ الحسرات من كل جانب، فحينئذ تتقطع حسراتٍ على ما فاتها من كرامة الله وقربه، والأنس به والوصول إلى وطنها الذي لا راحة لها إلا فيه كما قيل:
صحِبتُك إذْ عينيْ عليها غشاوةٌ … فلما انجلتْ قطّعتُ نفسي ألومُها
стр. 424
ولو تنقلت الروح في المواطن كلها والمنازل، لم تستقر ولم تطمئن إلا في وطنها ومحلها الذي خُلقت له كما قيل:
نقِّلْ فؤادَك حيث شئتَ من الهوى … ما الحُبُّ إلا للحبيب الأولِ
كم منزلٍ في الأرض يألفُه الفتى … وحنينُه أبداً لأول منزل
وإذا كانت الروح تحنُّ أبداً إلى وطنها من الأرض- مع قيام غيره مقامه في السكنى، وكثيراً ما يكون غير وطنها أحسن وأطيب منه، وهي دائمًا تحن إليه، مع أنه لا ضرر عليها ولا عذاب في مفارقته إلى مثله-؛ فكيف بحنينها إلى الوطن الذي في فراقها له عذابها وآلامها، وحسرتها التي لا تنقضي. فالعبد المؤمن في هذه الدار سُبيَ من الجنة إلى دار التعب والعناء، ثم ضُرب عليه الرِّق فيها، فكيف يُلام على حنينه إلى داره التي سُبي منها، وفُرِّق بينه وبين من يحب، وجُمع بينه وبين عدوه، فروحه دائمًا معلّقة بذلك الوطن، وبدُنه في الدنيا … وكلما أراد منه العدو نسيانَ وطنه، وضرب الذكر عنه صفحًا وإيلافه وطنًا غيره أبتْ ذلك روحُه وقلبه، كما قيل:
يُرادُ مِنَ القَلْبِ نِسْيانُكُمْ … وتأبَى الطّباعُ على النّاقِلِ
ولهذا كان المؤمن غريبًا في هذه الدار أين حلَّ منها، فهو في دار غربة .. ولكنها غربة تنقضي، ويصير إلى وطنه ومنزله، وإنما الغربة التي لا يُرجى انقطاعها فهي غربة في دار الهوان، ومفارقة وطنه الذي كان قد هُيء وأعد له، وأُمر بالتجهيز إليه، والقدوم عليه، فأبى إلا اغترابه عنه، ومفارقته له، فتلك غربة لا يُرجى إيابُها، ولا يجبر مصابُها" (١).
استعد للعودة:
فلما كان الأمر على بساط هذه الحقيقة التي توصلنا إلى اليقين بأن وطننا ليس هنا، وإنما هو في الآخرة، وليس للمؤمن فيها من وطن إلا الجنة؛ تحتم عليه أن يستيقظ من
стр. 425
غفلته، ويستعد بالزاد الصالح لرحلته إليه. فاستيقظ-أيها المؤمن- واستعد لوطنك الغالي؛ " فأول منازل العبودية اليقظة، وهي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين، ولله ما أنفع هذه الروعة، وما أعظم قدرها وخطرها، وما أشد إعانتها على السلوك! فمن أحسَّ بها فقد أحس -والله- بالفلاح، وإلا فهو في سكرات الغفلة، فإذا انتبه شمّر لله بهمته إلى السفر إلى منازله الأولى، وأوطانه التي سُبي منها" (١).
قال عُمرُ بنُ عبد العزيز في إحدى خطبه: "إنَّ الدُّنيا ليست بدارِ قرارِكُم، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظَّعَن، فكم من عامرٍ موثَّق عن قليلٍ يَخْرَب، وكم من مقيمٍ مُغتَبطٍ عما قليل يَظعَن، فأحسنوا - رحمكم الله - منها الرِّحلة بأحسن ما بحضرتكم مِنْ النقلة، وتزوَّدوا؛ فإنَّ خيرَ الزَّاد التقوى" (٢).
وعلى المؤمن أن " يُنْزِلَ نفسَه في الدنيا كأنَّه مسافرٌ غيرُ مقيم البتة، وإنَّما هو سائرٌ في قطعِ منازل السَّفر حتّى ينتهي به السفرُ إلى آخره، وهو الموت. ومن كانت هذه حالَه في الدنيا، فهمَّتُه تحصيلُ الزاد للسفر، وليس له هِمَّةٌ في الاستكثار من متاع الدنيا؛ ولهذا أوصى النَّبيُّ ﷺ جماعةً من أصحابه أن يكونَ بلاغُهم من الدُّنيا كزادِ الرَّاكب" (٣).
قال ابن رجب: " قال داود الطائي: إنَّما الليلُ والنهارُ مراحلُ يَنْزِلُها الناسُ مرحلةً مرحلةً، حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم، فإنِ استطعت أن تُقدِّم في كلِّ مرحلة زاداً لِما بَينَ يديها، فافعل؛ فإنَّ انقطاع السَّفر عن قريب ما هو، والأمر أعجلُ من ذلك، فتزوَّد لسفرك، واقضِ ما أنتَ قاضٍ من أمرك، فكأنَّك بالأمر قد بَغَتك.
وكتب بعضُ السَّلف إلى أخٍ له: يا أخي، يُخيَّلُ لك أنَّك مقيم، بل أنتَ دائبُ السَّيرِ،