← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 987

روضة العابدين

عبد الله بن عبده العواضي

Полный текст (499 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

سفره فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل. وقال غيره: هذا الحديث أصل في الحث على الفراغ عن الدنيا والزهد فيها، والاحتقار لها والقناعة فيها بالبلغة. وقال النووي: معنى الحديث: لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنًا، ولا تحدث نفسك بالبقاء فيها، ولا تتعلق منها بما لا يتعلق به الغريب في غير وطنه. وقال غيره: عابر السبيل هو المار على الطريق طالبًا وطنه، فالمرء في الدنيا كعبد أرسله سيده في حاجة إلى غير بلده، فشأنه أن يبادر بفعل ما أرسل فيه، ثم يعود إلى وطنه، ولا يتعلق بشيء غير ما هو فيه. وقال غيره: المراد أن ينزل المؤمن نفسه في الدنيا منزلة الغريب فلا يعلق قلبه بشيء من بلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه، ويجعل إقامته في الدنيا ليقضي حاجته وجهازه للرجوع إلى وطنه، وهذا شأن الغريب. أو يكون كالمسافر لا يستقر في مكان بعينه، بل هو دائم السير إلى بلد الإقامة" (١). وقال ابن رجب: " وهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا؛ فإن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنًا ومسكنًا، فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر: يهيئ جهازه للرحيل، وقد اتَّفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم، قال تعالى حاكياً عن مؤمن آل فرعون أنّه قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾، وكان النَّبيُّ ﷺ يقول: (مالي ولِلدُّنيا إنَّما مَثَلي ومَثَلُ الدُّنيا كمثل راكبٍ قالَ (٢) في ظلِّ شجرةٍ، ثم راحَ وتركها) (٣). ومن وصايا المسيح ﵇ لأصحابه أنَّه قال لهم: اعبُروها ولا تَعمُرُوها، ورُوي عنه أنَّه قال: من ذا الذي يبني على موجِ البحر داراً! تلكُمُ الدُّنيا، فلا تتَّخذوها قرارا" (٤). وقال ابن رجب أيضًا: " وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة، ولا وطناً، فينبغي

стр. 422

للمؤمن أنْ يكون حالُه فيها على أحد حالين: إما أنْ يكونَ كأنَّه غريب مقيمٌ في بلد غُربةٍ، هَمُّه التزوُّد للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنَّه مسافرٌ غير مقيم البتَّة، بل هو ليله ونهارَه، يسيرُ إلى بلدِ الإقامة؛ فلهذا وصّى النَّبيُّ ﷺ ابنَ عمر أنْ يكونَ في الدُّنيا على أحد هذين الحالين. فأحدهما: أنْ ينْزِل المؤمن نفسه كأنَّه غريبٌ في الدنيا يتخيَّلُ الإقامةَ، لكن في بلد غُربةٍ، فهوَ غيرُ متعلِّقِ القلب ببلد الغربة، بل قلبُه متعلِّقٌ بوطنه الذي يَرجِعُ إليه، وإنّما هو مقيمٌ في الدنيا ليقضي مَرَمَّةَ (١) جهازه إلى الرجوع إلى وطنه، قال الفضيلُ بن عياض: المؤمن في الدنيا مهمومٌ حزين، همُّه مَرَمَّةُ جهازه، ومن كان في الدنيا كذلك فلا همَّ له إلا في التزوُّد بما ينفعُه عندَ عودِه إلى وطنه، فلا يُنافِسُ أهلَ البلدِ الذي هو غريبٌ بينهم في عزِّهم، ولا يَجْزَعُ من الذلِّ عندهم، قال الحسن: المؤمن في الدُّنيا كالغريب لا يجزع من ذُلها، ولا يُنافِسُ في عِزِّها، له شأنٌ، وللناس شأن" (٢). وقال ابن دقيق العيد: " في هذا الحديث ما يدل على أن رسول الله ﷺ حض على التشبه بالغريب؛ لأن الغريب إذا دخل بلدة لم ينافس أهلها في مجالسهم، ولا يجزع أن يراه أحد على خلاف عادته في الملبوس، ولا يكون متدابراً معهم، وكذلك عابر السبيل لا يتخذ داراً، ولا يلجّ في الخصومات مع الناس يشاحنهم، ناظراً إلى أن لبثه معهم أيام يسيرة، فكل أحوال الغريب وعابر السبيل مستحبة أن تكون للمؤمن في الدنيا؛ لأن الدنيا ليست وطنًا له؛ لأنها تحبسه عن داره وهي الحائلة بينه وبين قراره" (٣). وقال العيني: " هذه كلمة جامعة لأنواع النصائح؛ إذ الغريب لقلة معرفته بالناس قليل الحسد والعداوة والحقد، والنفاق والنزاع، وسائرُ الرذائل منشؤها الاختلاط بالخلائق، ولقلة إقامته قليل الدار والبستان والمزرعة والأهل والعيال وسائر العلائق التي هي منشأ الاشتغال عن الخالق" (٤).

стр. 423

إن المؤمن اليقِظ لا يجعل الدنيا وطنه، بل هو عنها "مسافر في ليله ونهاره ويقظته ومنامه، لا يضع عصا السير عن عاتقه حتى يصل إلى مطلبه، قد رُفع له عَلم الحُب فشمر إليه وناداه داعي الاشتياق فأقبل بكليته عليه، أجاب منادي المحبة إذ دعاه: حي على الفلاح، ووصل السُّرى في بيداء الطلب، فحمد عند الوصول سُراه، وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح" (١). الجنة وطن المؤمن: إن وطن المؤمن الحقيقي الذي يجب أن يعمل للعودة إليه، ويكون دائم الحنين إلى الوصول إلى نواحيه هو الجنة. وقد أرى الله أبا البشر تلك الدار" وأسكنه إياها، ثم قصَّ على بنيه قصته، فصاروا كأنهم مشاهدون لها، حاضرون مع أبيهم، فاستجاب من خُلق لها وخُلقت له، وسارع إليها فلم يثنه عنها العاجلة، بل يعد نفسه كانه فيها، ثم سباه العدو، فيراها وطنه الأول، فهو دائم الحنين إلى وطنه ولا يقر له قرار حتى يرى نفسه فيه" (٢). إن روح المؤمن تحن إلى وطنها الأول، وراحتها في السعي إليه، وأما عذابها وشقاؤها ففي الانغماس فيما يلهيها عنه، ولا شفاء لها من ذلك إلا إفاقتها من غمرتها، وصحوها من سُكرها، واستقرارها بعد ذلك في دارها. قال ابن القيم: "فأعظم عذاب الروح انغماسها وتدسيسها في أعماق البدن، واشتغالها بملاذه وانقطاعها عن ملاحظة ما خُلقت له، وهُيئت له، وعن وطنها ومحلها ومحل أُنسها، ومنزل كرامتها، ولكن سُكر الشهوات يحجبها عن مطالعة هذا الألم والعذاب، فإذا صحت من سكرها وأفاقت من غمرتها أقبلت عليها جيوشُ الحسرات من كل جانب، فحينئذ تتقطع حسراتٍ على ما فاتها من كرامة الله وقربه، والأنس به والوصول إلى وطنها الذي لا راحة لها إلا فيه كما قيل: صحِبتُك إذْ عينيْ عليها غشاوةٌ … فلما انجلتْ قطّعتُ نفسي ألومُها

стр. 424

ولو تنقلت الروح في المواطن كلها والمنازل، لم تستقر ولم تطمئن إلا في وطنها ومحلها الذي خُلقت له كما قيل: نقِّلْ فؤادَك حيث شئتَ من الهوى … ما الحُبُّ إلا للحبيب الأولِ كم منزلٍ في الأرض يألفُه الفتى … وحنينُه أبداً لأول منزل وإذا كانت الروح تحنُّ أبداً إلى وطنها من الأرض- مع قيام غيره مقامه في السكنى، وكثيراً ما يكون غير وطنها أحسن وأطيب منه، وهي دائمًا تحن إليه، مع أنه لا ضرر عليها ولا عذاب في مفارقته إلى مثله-؛ فكيف بحنينها إلى الوطن الذي في فراقها له عذابها وآلامها، وحسرتها التي لا تنقضي. فالعبد المؤمن في هذه الدار سُبيَ من الجنة إلى دار التعب والعناء، ثم ضُرب عليه الرِّق فيها، فكيف يُلام على حنينه إلى داره التي سُبي منها، وفُرِّق بينه وبين من يحب، وجُمع بينه وبين عدوه، فروحه دائمًا معلّقة بذلك الوطن، وبدُنه في الدنيا … وكلما أراد منه العدو نسيانَ وطنه، وضرب الذكر عنه صفحًا وإيلافه وطنًا غيره أبتْ ذلك روحُه وقلبه، كما قيل: يُرادُ مِنَ القَلْبِ نِسْيانُكُمْ … وتأبَى الطّباعُ على النّاقِلِ ولهذا كان المؤمن غريبًا في هذه الدار أين حلَّ منها، فهو في دار غربة .. ولكنها غربة تنقضي، ويصير إلى وطنه ومنزله، وإنما الغربة التي لا يُرجى انقطاعها فهي غربة في دار الهوان، ومفارقة وطنه الذي كان قد هُيء وأعد له، وأُمر بالتجهيز إليه، والقدوم عليه، فأبى إلا اغترابه عنه، ومفارقته له، فتلك غربة لا يُرجى إيابُها، ولا يجبر مصابُها" (١). استعد للعودة: فلما كان الأمر على بساط هذه الحقيقة التي توصلنا إلى اليقين بأن وطننا ليس هنا، وإنما هو في الآخرة، وليس للمؤمن فيها من وطن إلا الجنة؛ تحتم عليه أن يستيقظ من

стр. 425

غفلته، ويستعد بالزاد الصالح لرحلته إليه. فاستيقظ-أيها المؤمن- واستعد لوطنك الغالي؛ " فأول منازل العبودية اليقظة، وهي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين، ولله ما أنفع هذه الروعة، وما أعظم قدرها وخطرها، وما أشد إعانتها على السلوك! فمن أحسَّ بها فقد أحس -والله- بالفلاح، وإلا فهو في سكرات الغفلة، فإذا انتبه شمّر لله بهمته إلى السفر إلى منازله الأولى، وأوطانه التي سُبي منها" (١). قال عُمرُ بنُ عبد العزيز في إحدى خطبه: "إنَّ الدُّنيا ليست بدارِ قرارِكُم، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظَّعَن، فكم من عامرٍ موثَّق عن قليلٍ يَخْرَب، وكم من مقيمٍ مُغتَبطٍ عما قليل يَظعَن، فأحسنوا - رحمكم الله - منها الرِّحلة بأحسن ما بحضرتكم مِنْ النقلة، وتزوَّدوا؛ فإنَّ خيرَ الزَّاد التقوى" (٢). وعلى المؤمن أن " يُنْزِلَ نفسَه في الدنيا كأنَّه مسافرٌ غيرُ مقيم البتة، وإنَّما هو سائرٌ في قطعِ منازل السَّفر حتّى ينتهي به السفرُ إلى آخره، وهو الموت. ومن كانت هذه حالَه في الدنيا، فهمَّتُه تحصيلُ الزاد للسفر، وليس له هِمَّةٌ في الاستكثار من متاع الدنيا؛ ولهذا أوصى النَّبيُّ ﷺ جماعةً من أصحابه أن يكونَ بلاغُهم من الدُّنيا كزادِ الرَّاكب" (٣). قال ابن رجب: " قال داود الطائي: إنَّما الليلُ والنهارُ مراحلُ يَنْزِلُها الناسُ مرحلةً مرحلةً، حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم، فإنِ استطعت أن تُقدِّم في كلِّ مرحلة زاداً لِما بَينَ يديها، فافعل؛ فإنَّ انقطاع السَّفر عن قريب ما هو، والأمر أعجلُ من ذلك، فتزوَّد لسفرك، واقضِ ما أنتَ قاضٍ من أمرك، فكأنَّك بالأمر قد بَغَتك. وكتب بعضُ السَّلف إلى أخٍ له: يا أخي، يُخيَّلُ لك أنَّك مقيم، بل أنتَ دائبُ السَّيرِ،

стр. 426

تُساق مع ذلك سوقاً حثيثاً، الموت موجَّهٌ إليك، والدنيا تُطوى من ورائك، وما مضى من عمرك، فليس بكارٍّ عليك حتى يَكُرَّ عليك يوم التغابن. سبيلُكَ في الدُّنيا سبِيلُ مُسافرٍ … ولابُدَّ من زادٍ لكلِّ مسافِر" (١).

стр. 427

حاسبْ نفسَك اليوم إن النفس البشرية ميّالة إلى الدعة، وتتبعِ منازل الراحة، تحب الجِدَّ والنهوض إلى مراتع الشهوات، وتكسل وتفتر عن الإقبال إلى رياض الطاعات، وهي مليئة بالميل إلى الهوى وحب الرغبات، والدعوة إلى السوء والمكروهات. قال ابن القيم: " فالنفس داعية إلى المهالك، معينة للأعداء، طامحة إلى كل قبيح، متبعة لكل سوء، فهي تجري بطبعها في ميدان المخالفة" (١). والنفس كذلك تقف حجر عثرة أمام صاحبها إذا أراد فعل الخير إلا أن يجاهدها جهاداً كبيراً، فإن أراد عمل شر فإنها تحثه عليه وتزينه له، وتصبره على كل صارف يحول بينه وبينه حتى يتجاوزه إلى ذلك الشر. قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٣]. فهي مولَعة بحب العاجل اللذيذ ولو كان يعقب صاحبها المكروه الأليم. وإذا مضى الإنسان مع نفسه وهواها سلكت به طريق المهالك وأنزلته دار الندامة. إذَا الْمَرْءُ أَعْطَى نَفْسَهُ كُلَّ مَا اشْتَهَتْ … وَلَمْ يَنْهَهَا تَاقَتْ إلَى كُلِّ بَاطِلِ وَسَاقَتْ إلَيْهِ الْإِثْمَ وَالْعَارَ بِاَلَّذِي … دَعَتْهُ إلَيْهِ مِنْ حَلَاوَةِ عَاجِلِ غير أن الحازم الكامل يكبح جماحها، ويحبس عنفوانها إلا إلى خير (٢). وقال الآخر: إذَا مَا رَأَيْت الْمَرْءَ يَعْتَادُهُ الْهَوَى … فَقَدْ ثَكِلَتْهُ عِنْدَ ذَاكَ ثَوَاكِلُهْ

стр. 428

وَقَدْ أَشْمَتَ الْأَعْدَاءَ جَهْلًا بِنَفْسِهِ … وَقَدْ وَجَدَتْ فِيهِ مَقَالًا عَوَاذِلُهْ وَمَا يَرْدَعُ النَّفْسَ اللَّجُوجَ عَنْ الْهَوَى … مِنْ النَّاسِ إلَّا حَازِمُ الرَّأْيِ كَامِلُهْ (١). ولما كانت النفس لا تخلو من دواعي الضرر وأخلاق السوء وصفات النقص وكثرة العيوب؛ كان لزامًا على العاقل إصلاحها وتطهيرها وتزكيتها من الرذائل وتطيبها بالفضائل حتى ينال بذلك الفلاح، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠]. فمن" من وفقه الله وأعانه فزكى نفسه أي: طهرها بالإيمان والعمل الصالح، مبعداً لها عما يدنسها من الشرك والمعاصي" فقد فاز بالخير في الدنيا والآخرة" (٢). فإذا" تزكت النفس انجلت مرآة القلب، ودخل فيها نور العظمة الإلهية، ولاح فيها جمال التوحيد" (٣). ولا يصل المرء إلى ذلك الاطمئنان إلا بعد تجاوز مرحلة اللوم؛ ولذلك كانت النفوس ثلاثًا: أمارة، ولوامة، ومطمئنة، "فإذا دعت النفس إلى شهواتها فهي النفس الأمارة بالسوء، فإذا فعلتها أتت النفس اللوامة فلامتها على ذلك الفعل القبيح من ارتكاب الشهوات، ويحصل عند ذلك الندامة على ذلك الفعل القبيح وهذا من صفات النفس المطمئنة" (٤).

стр. 429

المحاسبة طريق التزكية: إن تطهير النفس من الشر وتحليتها بالخير لا يتم إلا بمحاسبتها على الدوام؛ لأنها سريعة التلون والتغير، كثيرة الانفلات وتركِ التمسك بحبل الاستقامة. معنى محاسبة النفس: محاسبة النفس هي: أن يتصفح المرء في ليله ما صدر في نهاره وفي نهاره ما صدر في ليله؛ فإن كان محموداً أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذمومًا استدركه إن أمكن، وانتهى عن مثله في المستقبل (١). وإيضاح ذلك: أن المحاسبة تعني نظر العبد في قلبه وجوارحه وحالها مع الطاعة والمعصية؛ فإن كانت قائمة بالطاعة الخالصة التامة ثبتها على ذلك وحثها على المسارعة والاستزادة، فإن قصرت في الكمية أو الكيفية زجرها حتى تترك ذلك القصور. وإن كانت على معصية أبعدها عنها وتاب إلى الله منها توبة نصوحًا. صور من محاسبة النفس: قال ابن القيم: "ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل، ونوع بعده: فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه، قال الحسن ﵀: رحم الله عبداً وقف عند همه: فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر. وشرح هذا بعضهم فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهمّ به العبد وقف أولاً ونظر: هل ذلك العمل مقدور له أو غير مقدور ولا مستطاع، فإن لم يكن مقدوراً لم يقدم عليه، وإن كان مقدوراً وقف وقفة أخرى ونظر: هل فعله خير له من تركه أو تركه

стр. 430

خير له من فعله، فإن كان الثاني تركه ولم يقدم عليه، وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق، فإن كان الثاني لم يقدم عليه وإن أفضى به إلى مطلوبه؛ لئلا تعتاد النفس الشرك ويخف عليها العمل لغير الله، فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى، حتى يصير أثقل شيء عليها وإن كان الأول وقف وقفة أخرى ونظر: هل هو مُعان عليه وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجًا إلى ذلك أم لا، فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه كما أمسك النبي ﷺ عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار، وإن وجده معاناً عليه فليقدم عليه؛ فإنه منصور ولا يفوت النجاح إلا من فوت خصلة من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح، فهذه أربعة مقامات يحتاج إلى محاسبة نفسه عليها قبل العمل … النوع الثاني: محاسبة النفس بعد العمل وهو ثلاثة أنواع: أحدها: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي، وحق الله تعالى في الطاعة ستة أمور وهي: الإخلاص في العمل، والنصيحة لله فيه، ومتابعة الرسول فيه، وشهود مشهد الإحسان فيه، وشهود منة الله عليه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله. فيحاسب نفسه: هل وفى هذه المقامات حقها، وهل أتى بها في هذه الطاعة؟ الثاني: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيراً له من فعله. الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح أو معتاد: لمَ فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحاً، أو أراد به الدنيا وعاجلها فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به؟ " (١). وقال أيضًا: "وجماع ذلك: أن يحاسب نفسه أولاً على الفرائض؛ فإن تذكر فيها نقصًا

стр. 431

تداركه: إما بقضاء أو إصلاح، ثم يحاسبها على المناهي؛ فإن عرف أنه ارتكب منها شيئًا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية، ثم يحاسب نفسه على الغفلة؛ فإن كان قد غفل عما خلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله تعالى، ثم يحاسبها بما تكلم به أو مشت إليه رجلاه، أو بطشت يداه أو سمعته أذناه: ماذا أرادت بهذا ولمن فعلته وعلى أي وجه فعلته؟ ويعلم أنه لابد أن ينشر لكل حركة وكلمة منه ديوانان: ديوان لمن فعلته وكيف فعلته، فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني سؤال عن المتابعة، وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]. وقال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ * فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦، ٧]. وقال تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٨] " (١). وقال كذلك: " هلم إلى الدخول على الله ومجاورته في دار السلام بلا نصب ولا تعب ولا عناء، بل من أقرب الطرق وأسهلها؛ وذلك أنك في وقت بين وقتين وهو في الحقيقة عمرك وهو وقتك الحاضر بين ما مضى وما يستقبل، فالذي مضى تصلحه بالتوبة والندم والاستغفار، وذلك شيء لا تعب عليك فيه ولا نصب ولا معاناة عمل شاق، إنما هو عمل قلب. وتمتنع فيما يستقبل من الذنوب وامتناعك ترك وراحة ليس هو عملاً بالجوارح يشق عليك معاناته وإنما هو عزم ونية جازمه تريح بدنك وقلبك وسرك، فما مضى تصلحه بالتوبة، وما يستقبل تصلحه بالامتناع والعزم والنية، وليس للجوارح في هذين نصب ولا تعب" (٢). وقال الغزاليّ: "اعلم أنّ العبد كما يكون له وقت في أوّل النّهار يشارط فيه نفسه على سبيل التّوصية بالحقّ؛ فينبغي أن يكون له في آخر النّهار ساعة يطالب فيها النّفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها، كما يفعل التّجّار في الدّنيا مع الشّركاء في آخر كلّ

стр. 432

سنة أو شهر أو يوم؛ حرصًا منهم على الدّنيا، وخوفًا من أن يفوتهم منها ما لو فاتهم لكانت الخيرة لهم في فواته! ولو حصل ذلك لهم فلا يبقى إلّا أيّام قلائل، فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلّق به خطر الشّقاوة والسّعادة أبد الآباد؟ ما هذه المساهلة إلّا عن الغفلة والخذلان وقلّة التّوفيق- نعوذ باللّه من ذلك" (١). "وقال إبراهيم التيمي: مثّلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس، أيَّ شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً، قلت: فأنت في الأمنية فاعملي" (٢). أهمية محاسبة النفس: إن لمحاسبة النفس أهمية كبيرة، ومكانة عظيمة في صلاح الحال والمآل؛ فهي باب لزكاة النفس وطهارتها، ودليل على خوف صاحبها؛ ولذلك تواصى الصالحون على الحث على المحاسبة، والتحذير من ترك النفس عاطلة عن المراقبة. قال عمر بن الخطاب ﵁: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الأكبر ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾. " (٣). وكتب ﵁ إلى بعض عمّاله، فكان في آخر كتابه: "أن حاسب نفسك في الرّخاء، قبل حساب الشّدّة؛ فإنّه من حاسب نفسه في الرّخاء، قبل حساب الشّدّة، عاد مرجعه إلى الرّضى والغبطة. ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه، عاد أمره إلى النّدامة، والحسرة. فتذكّر ما توعظ به، لكيما تنتهي عمّا ينهى عنه، وتكون عند التّذكرة والعظة من

стр. 433

أولي النّهى" (١). وقال مالك بن دينار: "رحم اللّه عبداً قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثمّ زمّها، ثمّ خطمها، ثمّ ألزمها كتاب اللّه- فكان لها قائدا" (٢). وعن الحسن: "لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: ماذا أردت تعملين، وماذا أردت تأكلين، وماذا أردت تشربين، والفاجر يمضي قدمًا قدمًا لا يحاسب نفسه" (٣). وعن وهب بن منبّه قال: "مكتوب في حكمة آل داود: حقّ على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الّذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلو فيها بين نفسه، وبين لذّاتها، فيما يحلّ ويحمد؛ فإنّ في هذه السّاعة عونًا على تلك السّاعات، وإجمامًا للقلوب" (٤). وعن ميمون بن مهران قال: لا يكون الرّجل تقيًّا حتّى يكون لنفسه أشدّ محاسبة من الشّريك لشريكه" (٥). وقال الغزاليّ: "اعلم أنّ مطالب المتعاملين في التّجارات المشتركين في البضائع عند المحاسبة سلامة الرّبح، وكما أنّ التّاجر يستعين بشريكه فيسلّم إليه المال حتّى يتّجر ثمّ يحاسبه، فكذلك العقل هو التّاجر في طريق الآخرة وإنّما مطلبه وربحه تزكية النّفس؛ لأنّ بذلك فلاحها، قال اللّه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها﴾ [الشمس: ٩ - ١٠] وإنّما فلاحها بالأعمال الصّالحة. والعقل يستعين بالنّفس في هذه التّجارة إذ يستعملها

стр. 434

ويستسخرها فيما يزكّيها كما يستعين التّاجر بشريكه وغلامه الّذي يتّجر في ماله، وكما أنّ الشّريك يصير خصمًا منازعًا يجاذبه في الرّبح فيحتاج إلى أن يشارطه أوّلاً ويراقبه ثانيًا، ويحاسبه ثالثاً، ويعاقبه أو يعاتبه رابعًا. العقل يحتاج إلى مشارطة النّفس أوّلا فيوظّف عليها الوظائف، ويشرط عليها الشّروط، ويرشدها إلى طريق الفلاح، ويجزم عليها الأمر بسلوك تلك الطّرق، ثمّ لا يغفل عن مراقبتها لحظة، فإنّه لو أهملها لم ير منها إلّا الخيانة وتضييع رأس المال، كالعبد الخائن إذا خلا له الجوّ وانفرد بالمال. ثمّ بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها، ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها، فإنّ هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى، وبلوغ سدرة المنتهى مع الأنبياء والشّهداء، فتدقيق الحساب في هذا مع النّفس أهمّ كثيراً من تدقيقه في أرباح الدّنيا مع أنّها محتقرة بالإضافة إلى نعيم العقبى، ثمّ كيفما كانت فمصيرها إلى التّصرّم والانقضاء، ولا خير في خير لا يدوم، بل شرّ لا يدوم خير من خير لا يدوم؛ لأنّ الشّرّ الّذي لا يدوم إذا انقطع بقي الفرح بانقطاعه دائمًا وقد انقضى الشّرّ، والخير الّذي لا يدوم يبقى الأسف على انقطاعه دائمًا، وقد انقضى الخير؛ ولذلك قيل: أشدّ الغمّ عندي في سرور … تيقّن عنه صاحبُه انتقالا فحتمٌ على ذي حزم آمن باللّه واليوم الآخر أن لا يغفل عن محاسبة نفسه والتّضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها؛ فإنّ كلّ نفَس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد، فانقباض هذه الأنفاس- ضائعة أو مصروفة إلى ما يجلب الهلاك- خسران عظيم هائل، لا تسمح به نفس عاقل. فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصّبح ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة النّفس كما أنّ التّاجر عند تسليم البضاعة إلى الشّريك العامل يفرغ المجلس لمشارطته. فيقول للنّفس: مالي بضاعة إلّا العمر، ومهما فني فقد فني رأس المال، ووقع اليأس من التّجارة وطلب الرّبح، وهذا اليوم الجديد قد أمهلني الله فيه، وأنسأ في أجلي وأنعم عليّ به، ولو توفّاني لكنت أتمنّى أن يرجعني إلى الدّنيا يوماً واحداً حتّى أعمل فيه صالحًا، فاحسبي أنّك قد توفّيت، ثمّ قد رددت، فإيّاك ثمّ إيّاك أن تضيّعي هذا اليوم؛ فإنّ

стр. 435

كلّ نفس من الأنفاس جوهرة لها قيمة" (١). وقال أيضًا: "عرف أرباب البصائر من جملة العباد أنّ اللّه تعالى لهم بالمرصاد، وأنّهم سيناقشون في الحساب، ويطالبون بمثاقيل الذّرّ من الخطرات واللّحظات، وتحقّقوا أنّه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلّا لزوم المحاسبة، وصدق المراقبة، ومطالبة النّفس في الأنفاس والحركات ومحاسبتها في الخطرات واللّحظات، فمن حاسب نفسه قبل أن يحاسب خفّ في القيامة حسابه، وحضر عند السّؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيّئاته، فلمّا انكشف لهم ذلك علموا أنّه لا ينجيهم منه إلّا طاعة اللّه وقد أمرهم بالصّبر والمرابطة فقال عزّ من قائل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] فرابطوا أنفسهم أوّلا بالمشارطة، ثمّ بالمراقبة، ثمّ بالمحاسبة، ثمّ بالمعاقبة، ثمّ بالمجاهدة. ثمّ بالمعاتبة. فكانت لهم في المرابطة ستّة مقامات" (٢). وقال ابن الجوزي: " يا معشر المذنبين، حاسبوا أنفسكم قبل يوم الحساب، وارحموا أنفسكم قبل نزول العذاب، وبادروا بالتوبة قبل غلق الباب، واجتهدوا في بقية أعماركم قبل وضع الكتاب، وسارعوا إلى المغفرة من ربكم قبل الخجل بين يدي رب الأرباب" (٣). وقال ابن القيّم: "قد دلّ على وجوب محاسبة النّفس قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] (٤) يقول تعالى: لينظر أحدكم ما قدّم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصّالحات الّتي تنجيه، أم من السّيّئات الّتي توبقه"؟ (٥).

стр. 436

ثمرات محاسبة النفس: من حاسب نفسه فأوقفها على عيوبها فأصلحها، وعلى ذنوبها فتاب منها، وعلى تقصيرها فشحذ همته فترك التقصير فصار من السابقين؛ فإنه سيجني ثمرات حسنة في الدنيا والآخرة بتلك المحاسبة الصالحة، فمن تلك الثمرات: أولاً: الاطلاع على عيوب النفس، قال ابن القيم: " وفي محاسبة النفس عدة مصالح منها: الاطلاع على عيوبها، ومن لم يطلع على عيب نفسه لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مقتها في ذات الله تعالى" (١). ثانيًا: صلاح القلب وسلامته، فـ" صلاح القلب بمحاسبة النّفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها" (٢). وهلاكه" من إهمال محاسبتها، ومن موافقتها واتباع هواها" (٣). ثالثًا: سلامة النفس من الهلاك، قال ابن القيم: "وترك المحاسبة والاسترسال وتسهيل الأمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب ويمشى الحال ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب، وأنس بها وعسر عليه فطامها، ولو حضره رشده لعلم أن الحمية أسهل من الفطام، وترك المألوف والمعتاد" (٤). رابعًا: تعريف الإنسان بحق الله عليه حتى يقوم به، فـ"من فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حق الله تعالى، ومن لم يعرف حق الله تعالى عليه فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه وهي قليلة المنفعة جداً … فمن أنفع ما للقلب النظر في حق الله على العباد؛ فإن ذلك يورثه مقت نفسه والإزراء عليها، ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي ربه واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا

стр. 437

بعفو الله ومغفرته ورحمته؛ فإن من حقه أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر، فمن نظر في هذا الحق الذي لربه عليه علم علم اليقين أنه غير مؤد له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أحيل على عمله هلك، فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله تعالى وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسهم من أنفسهم وعلق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته" (١). خامسًا: دوام الخير في الإنسان، قال الحسن" إنّ العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همّته" (٢). سادسًا: تخفيف الحساب يوم القيامة، وذلك أنه بمحاسبته نفسه في الدنيا يتخلص من ذنوبه ويصلح تقصيره وبذلك يخف حسابه يوم القيامة. "عن الحسن قال: المؤمن قوَّام على نفسه، يحاسب نفسه لله ، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. إن المؤمن يفجأه الشيء ويعجبه فيقول: والله إني لأشتهيك وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما صلةٌ إليك، هيهات حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: هيهات ما أردت إلى هذا وما لي ولهذا .. " (٣). سابعًا: السعادة في الدنيا والآخرة، قال ابن الجوزي: "أيها العبد، حاسب نفسك في خلوتك، وتفكر في انقراض مدتك، واعمل في زمان فراغك لوقت شدتك، وتدبر قبل الفعل ما يملى في صحيفتك، وانظر: هل نفسك معك أو عليك في مجاهدتك. لقد سعد من حاسبها، وفاز والله من حاربها، وقام باستيفاء الحقوق منها وطالبها، وكلما ونت عاتبها، وكلما توقفت جذبها، وكلما نظرت في آمال هواها غلبها" (٤).

стр. 438

إنما الأعمالُ بالخواتيم إن الله تعالى جعل لكل إنسان عمراً واحداً من عمر هذا الزمن الدنيوي، وأبهم عنه مقدار نصيبه من هذه الحياة الموقوتة؛ ولهذا يظل المسلم اليقظ دائمَ الانتباه، حاضر الاستعداد لملاقاة أجله، واستيفاء عمره، عاملاً لما ينفعه حين رجوعه إلى ربه. هذا الحس الساهر يبعده عن سِنة الغفلة، ونعاس الفتور، والقعود عن التهيؤ ليوم المعاد؛ فيكون عند ذلك من المسارعين على الصراط المستقيم، فإذا بقي هذا الشعور حياً ساق صاحبه إلى حسن الخاتمة. إن الحديث عن الخاتمة حديث تشرئب إليه الأعناق المؤمنة، وتقف له القلوب الحية؛ لأنه حديث عن النهاية، وحديث عن المرحلة الأخيرة من سفر الدنيا، وحديث عن الحال التي سيقابل بها كل إنسان ربه، فهي الصفحة الأخيرة من دفتر الحياة، وعليها ختم السعادة أو الشقاوة. فلأجلها بقيت سبل الخير آهلة بالعاملين، وظل المؤمن قريباً من إلهه الحق يتقرب إليه، ويتضرع بين يديه، ولأجلها شمّر المشمرون، وجدّ العابدون. ولأجلها حلّق المؤمنون في آفاق العمر على جناحي الخوف والرجاء: يرجون رحمة الله وفضله، ويخافون عقوبته وتحويل القلوب عنه، فكم ذرفت لها من دموع، وهجرت جُنوبٌ النومَ والهجوع. الخاتمة النجاة أو الهلاك: لقد جعل الله تعالى خاتمة عمر الإنسان هي الأساس الذي يبنى عليه مستقبله في الآخرة، فإن أحسن فيه فنعمَ ما ينتظره عند ربه، وإن أساء فيه فيا بئس ما سيلقى. وحينما كان الإنسان مكلَّفًا بعبادة ربه حتى يأتيه الموت وهو لا يدري على أية حال

стр. 439

تكون نهاية عمره؛ فإن ذلك يجعله على خوف من العاقبة؛ قال ابن بطال: "في تغييب الله عن عباده خواتيم أعمالهم حكمة بالغة وتدبير لطيف؛ وذلك أنه لو علم أحد خاتمة عمله لدخل الإعجاب والكسل من علم أنه يختم له بالإيمان، ومن علم أنه يختم له بالكفر يزداد غيًا وطغياناً وكفراً، فاستأثر الله تعالى بعلم ذلك ليكون العباد بين خوف ورجاء، فلا يعجب المطيع لله بعمله، ولا ييأس العاصي من رحمته؛ ليقع الكل تحت الذل والخضوع لله والافتقار إليه" (١). فلذلك يظل العاقل مشمراً عن ساعد الجد في العمل الصالح بعيداً عن العمل السيء حتى يظفر بحسن الخاتمة التي متى مات عليها بعث على خير. عن ابن عباس ﵄ قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته (٢) فقال النبي ﷺ : (اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبِّيا) (٣). ولهذا كان رسول الله ﵊ يدعو فيقول: (اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة) (٤). وقال ﷺ : (من مات على شيء بعثه الله عليه) (٥). " أي: يموت على ما عاش عليه [وختم له به]، ويراعى في ذلك حال قلبه لا حال شخصه؛ لأن نظر الحق إلى القلوب دون ظواهر الحركات، فمن صفات القلوب تصاغ الصور في الدار الآخرة، ولا ينجو فيها إلا من أتى الله بقلب سليم" (٦).

стр. 440

وقال ﷺ : (إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار؛ الأعمال بالخواتيم) (١). فـ" العمل السابق ليس بمعتبر، وإنما المعتبر العمل الذي ختم به، وهذا فيه حث على المواظبة على الطاعات ومحافظة الأوقات عن المعاصي؛ خوفاً من أن يكون ذلك آخر عمله، كما فيه زجر عن العجب والتفرح بالأعمال؛ فإنه لا يدري ماذا يصيبه في العاقبة" (٢). وقال رسول الله ﷺ : (إنما الأعمال بخواتيمها، كالوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله) (٣). وقوله: (إنما الأعمال بخواتيمها) يعني: "إنَّ صلاحَها وفسادَها وقَبُولَها وعدمَه بحسب الخاتمة" (٤). "قال المهلب: قوله ﷺ : (إنما الأعمال بالخواتيم) هو حكم الله في عباده في الخير والشر، فيغفر الكفر وأعماله بكلمة الحق يقولها العبد قبل الموت قبل المعاينة لملائكة العذاب، وكذلك يحبط عمل المؤمن إذا ختم له بالكفر. ثم كذلك هذا الحكم موجود في الشرع كله كقوله: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح) فكذلك في العصر، فجعله مدركًا لفضل الوقت بإدراك الخاتمة، وإن كان لم يدرك منه إلا أقله، وكذلك من أدرك ليلة عرفة الوقوف بها قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، وتم له ما فاته من مقدماته، كما عهد الذى لم يعمل خيراً قط أن يحرَّق ويذرى، فكانت خاتمة سوء عمله خشية أدركته لربه

стр. 441

تلافاه الله بها فغفر له سوء عمله طول عمره، هذا فعل من لا تضره الذنوب، ولا تنفعه العبادة، وإنما تنفع وتضر المكتسب لها الدائم عليها إلى أن يموت" (١). الصالحون والخاتمة: إن المتقين من الخاتمة في خوف شديد مع حسن عملهم، وإن العصاة المصرِّين في أمن فسيح مع سوء عملهم! قال ابن القيم: ولقد قطع خوف الخاتمة ظهور المتقين، وكأن المسيئين الظالمين قد أخذوا توقيعاً بالأيمان ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: ٣٩، ٤٠]. يا آمنًا معْ قبيحِ الفعل يصنعُهُ … أَقدْ أتاك أمانٌ أنت تملكهُ؟! جمعتَ شيئينِ: أمنًا واتباعَ هوى … وواحدٌ منهما للمرء يهلكه والمحسنون على درب المخاوف قدْ … ساروا وذلك دربٌ لستَ تسلكه! (٢). فلا يأمنن أحد انقلاب الحال من طاعة إلى معصية، أو من معصية إلى طاعة، فكلا الحالين متوقعة، "يروى أن رجلاً أسيراً مسلماً، وكان حافظاً للقرآن، خُص بخدمة راهبين، فحفظا منه آيات كثيرة؛ لكثرة تلاوته، فأسلم الراهبان وتنصر المسلم، وقيل له: ارجع إلى دينك؛ فلا حاجة لنا فيمن لم يحفظ دينه، فقال: لا أرجع إليه أبداً، فقُتل" (٣). ومهما كان عند الإنسان من عمل صالح، وقربات كثيرة فمن الذي يضمن له الموت على ذلك؛ ولهذا "قال العلماء: وإذا كانت الهداية إلى الله مصروفة، والاستقامة على مشيئته موقوفة،

стр. 442

والعاقبة مغيّبة، والإرادة غير مغالبة، فلا تعجب بإيمانك وعملك وصلاتك وصومك وجميع قُربك؛ فإن ذلك وإن كان من كسبك فإنه من خلق ربك وفضله، فمهما افتخرت بذلك كنت كالمفتخر بمتاع غيره، وربما سلب عنك فعاد قلبك من الخير أخلى من جوف البعير، فكم من روضة أمست وزهرُها يانع عميم، فأصبحت وزهرها يابس هشيم، إذ هبّت عليها الريح العقيم، كذلك العبد يمسي وقلبُه بطاعة الله مشرق سليم، فيصبح وهو بمعصية مظلم سقيم! " (١). إن القلوب سريعة التقلب كثيرة التحول لا تقر على قرار إلا أن يشاء الله، وهي بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، يعني: " يصرفها أسرع من مر الريح على اختلاف في القبول والرد، والإرادة والكراهية وغير ذلك من الأوصاف" (٢). "ومن هنا كان الصحابة ومَنْ بعدهم منَ السَّلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق ويشتد قلقهم وجزَعُهم منه، فالمؤمن يخاف على نفسه النفاقَ الأصغرَ، ويخاف أنْ يغلب ذلك عليه عندَ الخاتمة، فيخرجه إلى النفاق الأكبر، فدسائس السوء الخفية تُوجِبُ سُوءَ الخاتمة" (٣). ولهذا كان رسول الله يكثر الدعاء بتثبيت القلب، فعن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب، ثبِّتْ قلبي على دينك). قال: فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: فقال: (نعم؛ إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كما يشاء" (٤). وعن أم سلمة ﵂: قالت كان أكثر دعائه: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي

стр. 443

على دينك، قالت: فقلت: يا رسول الله، ما أكثر دعاءك: يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك، قال: (يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ) (١). قال ابن حجر: (وفي دعائه ﷺ : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) إشارة إلى شمول ذلك للعباد حتى الأنبياء، ورفع توهم من يتوهم أنهم يُستثنون من ذلك، وخص نفسه بالذكر إعلاماً بأن نفسه الزكية إذا كانت مفتقرة إلى أن تلجأ إلى الله سبحانه فافتقار غيرها ممن هو دونه أحق بذلك" (٢). وقال أيضًا في شرح حديث: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين؛ فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم): "ووجه هذه الخشية: أن البكاء يبعثه على التفكر والاعتبار، فكأنه أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء من تقدير الله تعالى على أولئك بالكفر مع تمكينه لهم في الأرض وإمهالهم مدة طويلة، ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه، وهو سبحانه مقلب القلوب فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك. والتفكر أيضًا في مقابلة أولئك نعمة الله بالكفر وإهمالهم إعمال عقولهم فيما يوجب الإيمان به والطاعة له، فمن مر عليهم ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتباراً بأحوالهم فقد شابههم في الإهمال، ودل على قساوة قلبه وعدم خشوعه، فلا يأمن أن يجره ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم فيصيبه ما أصابهم" (٣). لقد كان السلف الصالحون يعظِّمون أمر الخاتمة، ويخشون تقلب الأحوال في نهاية الحياة والانتقال إلى الدار الآخرة؛ لهذا كانوا ينظرون إلى الخاتمة بعين الاهتمام والاعتناء؛ خشية أن يتخبطهم الشيطان في أعقاب حياتهم، وقبيل غروب شمس أيامهم فلذلك ظلوا

стр. 444

عاملين خائفين، مدركين أن النفس أمارة بالسوء تتربص بالإنسان دوائر الشر، وفتن الشبهات والشهوات كثيرة تقف على كل طريق، والناجون من ذلك قليل والهالكون كثير. فالإنسان" لا يدري أيسلم له الإيمان عند الموت أم لا؛ فإن ختم له بالكفر حبط عمله السابق؛ لأنه موقوف على سلامة الآخر، ولو سئل الصائم ضحوة النهار عن صحة صومه فقال: أنا صائم قطعاً، فلو أفطر في أثناء نهاره بعد ذلك لتبين كذبه؛ إذ كانت الصحة موقوفة على التمام إلى غروب الشمس من آخر النهار (١). وكما أن النهار ميقات تمام الصوم فالعمر ميقات تمام صحة الإيمان، ووصفه بالصحة قبل آخره بناء على الاستصحاب وهو مشكوك فيه والعاقبة مخوفة؛ ولهذا كان بكاء أكثر الخائفين لأجل أنها ثمرة القضية السابقة والمشيئة الأزلية التي لا تظهر إلا بظهور المقضي به، ولا مطلع عليه لأحد من البشر، فخوف الخاتمة كخوف السابقة، وربما يظهر في الحال ما سبقت الكلمة بنقيضه فمن الذي يدري أنه من الذين سبقت لهم من الله الحسنى؟ وقيل في معنى قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩]. أي: بالسابقة يعني: أظهرتها … ، وكان أبو الدرداء ﵁ يحلف بالله ما من أحد يأمن أن يُسلب إيمانُه إلا سُلِبه، وقيل: من الذنوب ذنوب عقوبتها سوء الخاتمة، نعوذ بالله من ذلك" (٢). قال وهب بن منبه في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. قال: "إنما يوزن من الأعمال خواتيمها، وإذا أراد الله بعبد خيراً ختم له بخير عمله، وإذا أراد به شراً ختم له بشر عمله" (٣). وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: "إذا رأيتم أخاكم قارف ذنبًا فلا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه، تقولوا: اللهم اخزه، اللهم العنه، ولكن سلوا الله العافية؛ فإنا

стр. 445

أصحابَ محمد ﷺ كنا لا نقول في أحد شيئًا حتى نعلم علام يموت؛ فإن ختم له بخير علمنا أنه قد أصاب خيراً، وان ختم له بشر خفنا عليه" (١). كما أن المسلم لا ييئس عاصيًا لمعصيته كذلك لا يعجب بعمل عامل حتى ينظر بما يُختم له، ومصداق هذا حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: (لا تعجبوا بأحد حتى تنظروا بماذا يختم له؛ فإن العامل يعمل زماناً من عمره أو برهة من دهره بعمل صالح لو مات عليه لدخل الجنة، ثم يتحول ليعمل سيئاً، وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيئ لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملاً صالحاً. وإذا أراد الله ﵎ بعبد خيراً استعمله قبل موته). قالوا: يا رسول الله، وكيف يستعمله؟ قال: (يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه) (٢). وقال إسحاق بن خالد: "ليس شيء أقطع لظهر إبليس من قول ابن آدم: ليت شعري بماذا يختم لي! قال: يئس عندها إبليس ويقول: متى هذا يعجب بعمله؟! فحدثت به مضاء بن عيسى فقال: يا أحمد، عند الخاتمة فظع بالقوم، فحدثت به أبا عبد الله الساجي فقال: واخطراه! " (٣). "وقال بعض العارفين لو عرضت علي الشهادة عند باب الدار، والموت على التوحيد عند باب الحجرة؛ لاخترت الموت على التوحيد عند باب الحجرة؛ لأني لا أدري ما يعرض لقلبي من التغيير عن التوحيد إلى باب الدار، وقال بعضهم: لو عرفت واحداً بالتوحيد خمسين سنة، ثم حال بيني وبينه سارية ومات لم أحكم أنه مات على التوحيد" (٤). "فعياذاً بالله من سوء العاقبة، وشؤم الخاتمة، ولقد بكى سفيان الثوري ليلة إلى

стр. 446

الصباح، فلما أصبح قيل له: أكلَّ هذا خوفًا من الذنوب؟! فأخذ تبنة من الأرض وقال: الذنوب أهون من هذه، وإنما أبكي خوفًا من الخاتمة. وهذا من أعظم الفقه أن يخاف الرجل أن تَخْذُلَهُ ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى. وقد ذكر الإمام أحمد عن أبي الدرداء أنه لما احتُضِر جعل يُغمى عليه ثم يُفيق ويقرأ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. فمن هذا خاف السلف من الذنوب أن تكون حجابًا بينهم وبين الخاتمة الحسنى. قال سهل التستري: خوف الصديقين من سوء الخاتمة عند كل خطرة، وعند كل حركة، وهم الذين وصفهم الله تعالى إذ قال: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]. ولما احتضر سفيان جعل يبكي ويجزع فقيل له: يا أبا عبد الله، عليك بالرجاء؛ فإن عفو الله أعظم من ذنوبك، فقال: أوَ على ذنوبي أبكي؟! لو علمت أني أموت على التوحيد لم أبالِ بأن ألقى الله بأمثال الجبال من الخطايا" (١). قال ابن رجب: "وفي الجملة: فالخواتيم ميراثُ السوابق، وكلُّ ذلك سبق في الكتاب السابق، ومن هنا كان يشتدُّ خوف السَّلف من سُوءِ الخواتيم، ومنهم من كان يقلق من ذكر السوابق، وقد قيل: إنَّ قلوب الأبرار معلقةٌ بالخواتيم، يقولون: بماذا يختم لنا؟ وقلوب المقرَّبين معلقة بالسوابق، يقولون: ماذا سبق لنا؟. وبكى بعضُ الصحابة عند موته، فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنَّ الله تعالى قبضَ خلقَهُ قبضتين، فقال: هؤلاء في الجنَّةِ، وهؤلاء في النار)، ولا أدري في أيِّ القبضتين كنت؟. قال بعض السَّلف: ما أبكى العيونَ ما أبكاها الكتاب السابق! وقال سفيانُ لبعض الصالحين: هل أبكاك قطُّ علمُ الله فيك؟ فقال له ذلك الرجل: تركتني لا أفرحُ أبداً. وكان سفيان يشتدُّ قلقُهُ من السوابق والخواتم، فكان يبكي ويقول: أخاف أنْ أكون في أمِّ

стр. 447

الكتاب شقياً، ويبكي ويقول: أخافُ أنْ أُسلبَ الإيمانَ عند الموت" (١). و"هذا لعلمهم بسرعة تقلّب القلوب، في قدرة علام الغيوب" (٢). قال الغزالي: "فإن كان خوف العارفين مع رسوخ أقدامهم وقوة إيمانهم من سوء الخاتمة فكيف لا يخافه الضعفاء؟! " (٣). علامات حسن الخاتمة (٤): إن الشارع الحكيم قد جعل علامات بينات يستدل بها على حسن الخاتمة. -كتبها الله تعالى لنا بفضله ومنه- فأيما امرئ مات بإحداها كانت بشارة له، ويا لها من بشارة. الأولى: نطق المرء بالشهادة عند الموت، قال رسول الله ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) (٥). الثانية: الموت برشح الجبين، قال رسول الله ﷺ : (موت المؤمن بعرق الجبين) (٦). الثالثة: الموت ليلة الجمعة أو نهارها، قال ﷺ : (ما من مسلم يموت يوم الجمعة، أو ليلة الجمعة، إلا وقاه الله فتنة القبر) (٧). الرابعة: الاستشهاد في ساحة القتال في سبيل الله، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ

стр. 448

فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١]. قال رسول الله ﷺ : (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويحلى حلة الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانًا من أقاربه) (١). الخامسة: الموت غازيًا في سبيل الله، قال رسول الله ﷺ : (ما تعدون الشهيد فيكم؟) قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد قال: (إن شهداء أمتي إذاً لقليل) قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: (من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد) (٢). السادسة: الموت بالطاعون، قال النبي ﷺ : (الطاعون شهادة لكل مسلم) (٣). السابعة: الموت بداء البطن، للحديث السابق: (ومن مات في البطن فهو شهيد) (٤). الثامنة والتاسعة: الموت بالغرق والهدم، قال رسول الله ﷺ : (الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله) (٥). العاشرة: موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها، عاد رسول الله ﷺ

стр. 449

عبد الله بن رواحة، فقال: (أتدرون من شهداء أمتي)؟ قالوا: قتل المسلم شهادة، قال: (إن شهداء أمتي إذاً لقليل، قتل المسلم شهادة، والطاعون شهادة، والمرأة يقتلها ولدها جمعًا) (١). الحادية عشرة، والثانية عشرة: الموت بالحرق، وذات الجنب (٢)، قال رسول الله ﷺ : (الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله: المطعون شهيد، والغرِق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمع (٣) شهيدة) (٤). الثالثة عشرة: الموت بداء السل، قال رسول الله ﷺ : (ما تعدون الشهيد فيكم)؟ قالوا: الذي يقتل في سبيل الله، قال: (إن شهداء أمتي إذن لقليل، القتل في سبيل الله شهادة، والطاعون شهادة، والنفساء شهادة، والحرق شهادة، والغرق شهادة، والسل شهادة، والبطن شهادة) (٥). الرابعة عشرة: الموت في سبيل الدفاع عن المال (المراد غصبه)، قال رسول الله صلى الله عله وسلم: (من قُتل دون ماله فهو شهيد) (٦).

стр. 450

الخامسة عشرة، والسادسة عشرة: الموت في سبيل الدفاع عن الدين والنفس، قال النبي ﷺ : (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله، أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيد) (١). السابعة عشرة: الموت مرابطاً في سبيل الله، قال رسول الله ﷺ : (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه وأمن الفتان) (٢). الثامنة عشرة: الموت على عمل صالح، قال رسول الله ﷺ : (من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها؛ دخل الجنة، ومن صام يومًا ابتغاء وجه الله ختم له به دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة) (٣). ما أحسنها من خاتمة! = أبو الحسن النساج لما حضره الموت غشي عليه عند صلاة المغرب، ثم أفاق ودعا بماء فتوضأ للصلاة ثم صلى ثم تمدد وغمض عينيه وتشهد ومات (٤). = ابن أبي مريم الغساني لم يفطر من صيامه مع أنه كان في النزع الأخير، وظل صائماً، فقال له من حوله: لو جرعت جرعة ماء، فقال بيده: لا، فلما دخل المغرب قال: أذّن؟ قالوا: نعم، فقطروا في فمه قطرة ماء، ثم مات (٥). = أبو ثعلبة الخشني ومجاهد بن جبر ماتا وهما ساجدان لله تعالى (٦).

стр. 451

=عبد الرحمن بن أبان بن عثمان يخرج من بيته إلى المسجد فيصلي وينام وتقبض روحه في المسجد (١). =يحيى بن عمار يموت وهو يفسر سورة القيامة (٢). = عامر بن ثابت بن عبد الله بن الزبير كان إذا صلى رفع يديه قائلاً: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، قال أبناؤه: وما هي الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني وأنا ساجد. فقام وصلى، فقبض الله روحه وهو ساجد (٣). =قال أبو بكر بن عبدويه: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الساوي وراق أبي زرعة يقول: حضرت أبا زرعة بماشهران وكان في السَّوْق-يعني: الاحتضار- وعنده أبو حاتم ومحمد بن مسلم بن واراه والمنذر بن شاذان وجماعة من العلماء فذكروا قول النبي ﷺ : (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) فاستحيوا من أبي زرعة، وقالوا: تعالوا نذكر الحديث، فقال أبو عبد الله بن واراه: حدثنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم قال ثنا عبد الحميد بن جعفر عن صالح، ولم يجاوز، والباقون سكتوا، فقال أبو زرعة- وهو في السَّوْق-: ثنا بندار قال ثنا أبو عاصم قال ثنا عبد الحميد بن جعفر عن صالح ابن أبي عريب عن كثير بن مرة الحضرمي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) ومات ﵀ (٤). =ذكر ابن أبي الدنيا بإسناد له أن رجلاً من ملوك البصرة كان قد تنسك ثم مال إلى الدنيا والشيطان، فبنى داراً و شيدها وأمر بها ففرشت له ونجدت واتخذ مأدبة وصنع طعامًا ودعا الناس فجعلوا يدخلون فيأكلون ويشربون وينظرون إلى بنائه ويعجبون منه،

стр. 452

ويدعون له ويتفرقون، فمكث بذلك أياماً حتى فرغ من أمر الناس، ثم جلس في نفر من خاصة إخوانه فقال: قد ترون سروري بداري هذه وقد حدثت نفسي أن أتخذ لكل واحد من ولدي مثلها، فأقيموا عندي أيامًا أستمتع بحديثكم وأشاوركم فيما أريد من هذا لولدي، فأقاموا عنده أيامًا يلهون ويلعبون ويشاورهم كيف يبني لولده وكيف يريد أن يصنع فبينما هم ذات ليلة في لهوهم إذا سمعوا قائلاً يقول من أقاصي الدار: يا أيها البانيّ الناسيْ منيَّته … لا تأمننَّ فإن الموت مكتوبُ على الخلائق إن سُرُّوا و إن فرحوا … فالموتُ حتفٌ لذي الآمال منصوبُ لا تبنينَّ دياراً لستَ تسكنُها … وراجعِ النُّسْك كيما يغفر الحُوبُ قال: ففزع لذلك وفزع أصحابه فزعًا شديداً وراعهم ما سمعوا من ذلك فقال لأصحابه: هل سمعتم ما سمعت؟ قالوا: نعم، قال: فهل تجدون ما أجد؟ قالوا: وما تجد؟ قال: أجد والله مسكة على قلبي ما أراها إلا علة الموت، قالوا: كلا، بل البقاء والعافية. قال: فبكى وقال: أنتم أخلائي وإخواني فما لي عندكم؟ قالوا: مرنا بما أحببت، قال: فأمر بالشراب فأهريق، وبالملاهي فأخرجت، ثم قال: اللهم إني أشهدك ومن حضر من عبادك أني تائب إليك من جميع ذنوبي، نادم على ما فرطت أيام مهلتي، وإياك أسأل إن أقلتني أن تتم علي نعمتك بالإنابة إلى طاعتك، وإن أنت قبضتني إليك أن تغفر لي ذنوبي تفضلاً منك علي. واشتد به الأمر فلم يزل يقول: الموت والله، الموت والله، حتى خرجت روحه. وكان الفقهاء يرون أنه مات على توبته (١). قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧]. اللهم اجعلنا ممن ثبتهم.

стр. 453

الطريق إلى الخاتمة الحسنة: أولاً: الإخلاص لله تعالى في العبادة، فمن عبد الله تعالى وأخلص له في ذلك وفقه الله لحسن الخاتمة، ومن كان في قلبه نفاق أو رياء تخبط به الشيطان في أعقاب حياته، وإنما يتعثر من لم يخلص. قال ﷺ : (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة) (١). قال ابن حجر في الرجل الأول: "وهو محمول على المنافق والمرائي" (٢). ثانيًا: تصفية القلب من كل عقيدة فاسدة من كفر ونفاق وبدعة، قال رسول الله ﷺ : (من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار) (٣). قال الغزالي: "ولسوء الخاتمة أسباب تتقدم على الموت مثل: البدعة والنفاق والكبر وجملة من الصفات المذمومة" (٤). ثالثًا: المداومة على العمل الصالح وتركِ العمل الطالح، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢]. قال ابن كثير: " أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه؛ فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن

стр. 454

مات على شيء بعث عليه، فعياذاً بالله من خلاف ذلك" (١). رابعًا: دوام ذكر الخاتمة والخوف من سوئها والخشية من الانحراف بعد الاستقامة، فإن من كانت الخاتمة غير منسية عنده اهتم بالعمل وخاف الانتكاسة عن الطريق فبقي بذلك على الجادة. وقد كان رسول الله ﷺ يستعيذ من (الحَوْر بعد الكَور) (٢). ومعناه: الرجوع من شيء إلى شيء من الشر، والمراد الاستعاذة من: الرجوع من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، ومن الاستقامة أو الزيادة إلى النقص" (٣). خامسًا: تجديد التوبة في كل حين، فمن استقام على الطريق فهفا فعمل معصية: فإن كان موفقًا بادر إلى التوبة منها، ولم يسوف ويؤجل الرجوع إلى ربه، فمن كلما أحدث ذنبًا سارع إلى التوبة رزق حسن الخاتمة، وربما قبض على توبته. "قال لقمان لابنه: يا بني، لا تؤخر التوبة؛ فإن الموت يأتي بغتة، وقال بعض الحكماء: لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخر التوبة لطول الأمل" (٤). سادسًا: الدعاء بحسن الخاتمة وبثبات القلب على دين الله وطاعته، وما أعظمه من طريق! قال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران ٨]. كان ﵊ يدعو فيقول: (اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها،

стр. 455

وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة) (١). وكان النبي ﷺ يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب، ثبِّتْ قلبي على دينك) (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يتعوذ من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء) (٣). قال ابن بطال: " (ودرك الشقاء) ينقسم قسمين: فيكون في أمور الدنيا، وفى أمور الآخرة، وكذلك (سوء القضاء) وهو عام أيضًا في النفس والمال والأهل والخاتمة والمعاد" (٤). وقال السيوطي: " (درك الشقاء) -بفتح الراء والمعجمة والمد-: أي: لحاقه، والمراد به: سوء الخاتمة، نعوذ بالله منه" (٥). كان عامر بن ثابت بن عبد الله بن الزبير إذا صلى رفع يديه قائلاً: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، قال أبناؤه: وما هي الميتة الحسنة؟ قال: أن يتوفاني وأنا ساجد. فقام وصلى، فقبض الله روحه وهو ساجد (٦). سابعًا: التوفيق من الله تعالى، وهذا ليس بيد الإنسان وإنما هو بيد الله، ولكن يدعو العبد بأن يرزق هذا التوفيق. قال رسول الله ﷺ : (إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله) قالوا:

стр. 456

وكيف يستعمله؟ قال: (يوفقه لعمل صالح قبل موته) (١). قال ابن رجب: " وهؤلاء منهم: من يوقظ قبل موته بمدة يتمكن فيها من التزود بعمل صالح يختم به عمره، ومنهم: من يوقظ عند حضور الموت فيوفق لتوبة نصوح يموت عليها" (٢). وعن عبد الله بن عمرو قال: "من تاب قبل موته عاماً تيب عليه، ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه، حتى قال: يوماً، حتى قال: ساعة، حتى قال: فُواقاً (٣)، قال: قال الرجل: أرأيت إن كان مشركاً أسلم؟ قال: إنما أحدثكم كما سمعت من رسول الله ﷺ " (٤). سوء الخاتمة-نعوذ بالله منها-: إن سوء الخاتمة أمر يستجيش دموع المؤمنين، ويخيف قلوب الصادقين؛ ذلك أن الإنسان لا يدري ما خاتمته وما كُتب له عند الله حين فراقه للدنيا؛ فلذلك يعمل صادقو الإيمان ما يوصلهم إلى هذا الأمر المخوف، والمصرع المهلك. قال أبو محمد الإشبيلي: "اعلم رحمك الله أن هذا أمر إذا ذكر حقيقة ذكره انفطرت له القلوب، وتشققت وانصدعت له الأكباد وتقطعت، ولولا أن الآجال محدودة، والأنفاس معدودة فلا يتجاوز ذلك المحدود ولا يزاد على ذلك المعدود؛ لزهقت الأنفس عند أول ذكره زهوقاً، لا تجد لسرعته طعم وفاة، بل تكاد تنعدم معه انعداماً لا تعود معه إلى وجود ولا حياة، ولكنها مربوبة مدبرة مقهورة مصرفة، تخرج إذا أذن لها في الخروج، وتلج إذا أذن لها في الولوج، وقد كتب عليها الوجود والبقاء فلا انعدام ولا مطمع لها في ذلك ولا مرام.

стр. 457

وما يمنع القلوبَ -رحمك الله- من الانشقاق والانصداع والانفطار والانقطاع؛ والذي يلقى المختوم له بهذه الخاتمة عذاب لا تقوم السموات والأرض لشدته ولا آخر لمدته، وما منا أحد إلا ويخاف أن يكون هو، وما الذي أمّنه منه، وما الذي حاد به عنه، والخاتمة مغيبة، والعاقبة مستورة، والأقدار غالبة، والنفس كما تدري، والشيطان منها بحيث تدري، وهي مصغية إليه، ملتفتة نحوه مقبلة عليه؟! " (١). وقال أيضًا: "فانظر -رحمك الله- كيف تقر عينُ عاقل في هذه الدار، وكيف يستقر به فيها قرار مع هذه الحال، وتوقع هذا المآل، واشتغال هذا الخاطر وتقسم هذا البال، كلا لا حلول له ولا قرار، ولا ريع ولا دار، ولا قلب إلا مستطار، ولا نوم ينامه إلا غرار، حتى يدري أين مسقط رأسه، ومحط رجله، وما المورد والمنهل، وفي أي المحال يحل، وفي أي المنازل بعد الموت ينزل، كما قال الأول: وكيف تنامُ العينُ وهي قريرةٌ … ولم تدرِ في أيِّ المنازل تنزلُ! وقد بكى أولو الألباب على هذا فأكثروا، وسهروا من أجله الليالي الطويلة وأسهروا، ورام عاذلوهم كفهم عما هم فيه فلم يقدروا، وكلموهم في الإقصار فلم يقصروا، ولم يسمعوا ولم يبصروا، وذلك للعلم الذي لاح لهم، والتأييد الذي شملهم، والتوفيق الذي قطع عنهم ما صدهم عن طريق الله وشغلهم، وربما هبّت عليهم نفحات الرجاء فاستبشروا وسكنوا من ذلك الهيجان وفتروا، ثم ذكروا ما هم معرضون له فعادوا لما كانوا عليه من الاجتهاد وربما زادوا عليه وأكثروا، ومع هذا فإنهم لشدة خوفهم وكثرة جزعهم يحسبون كل صيحة عليهم ويظنون كل إشارة إنما يشار بها إليهم، وبكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح فقيل له: أبكاؤك هذا على الذنوب؟! فأخذ تبنة من الأرض وقال: الذنوب أهون من هذه إنما أبكي خوف الخاتمة. وبكى سفيان وغير سفيان؛ لأنه الأمر الذي يبكى عليه، ويصرف الاهتمام كله إليه،

стр. 458

وقال القائل: والذي أبكى الجفونَ دمًا … فغدتْ من ذاك في عُذرِ سابقٌ لم يدرِ كيف جرى … في القضاء الحتم والقَدَرِ وأمور في الورى خفيتْ … عن ذوي الألباب والنظر فدعِ الأنفاسَ صاعدةً … ودموعَ العين تنحدرِ وابكِ لا جفّتْ دموعُك ما … ضاع من أيامك الغُرر" (١). خاتمة سيئة: = يروى أنه كان بمصر رجل يلزم مسجداً للأذان والصلاة فيه، وعليه بهاء الطاعة وأنوار العبادة، فرقي يومًا المنارة على عادته للأذان، وكان تحت المنارة دار لذميٍّ نصراني فاطلع فيها فرأى ابنة صاحب الدار فافتتن بها، فترك الأذان ونزل إليها ودخل الدار عليها، فقالت له: ما شأنك وما تريد؟ فقال: أنت أريد. قالت: لماذا؟ قال لها: قد سلبت لبي، وأخذت بمجامع قلبي، قالت له: لا أجيبك إلى ريبة. قال لها: أتزوجك، قالت: أنت مسلم وأنا نصرانية وأبي لا يزوجني منك، قال لها: أتنصر، قالت: إن فعلت أفعل، فتنصر الرجل ليتزوجها، وأقام معهم في الدار، فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقي إلى سطح كان في الدار فسقط منه فمات، فلا هو بها اتصل، ولا هو بدينه حصل، فنعوذ بالله ثم نعوذ بالله (٢). = يروى أن بعض رجال الناصر بن علناس نزل به الموت فجعل ابنه يقول له: قل: لا إله إلا الله، فقال: الناصرُ يا مولاي، فأعاد عليه فأعاد هو، ثم أصابته غشية فلما أفاق قال: الناصر يا مولاي، ثم قال لابنه: يا فلان، الناصر إنما يعرفك بسيفك، فالقتل ثم القتل. ثم مات (٣).

стр. 459

= وقيل لآخر وقد نزل به الموت: قل: لا إله إلا الله، فقال: الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا، والجنان الفلاني افعلوا فيه كذا (١). = ونزل الموت برجل فقيل له: قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول بالفارسية: ده يازده دوازده. -تفسيره: عشرة أحد عشر اثنا عشر- كان هذا الرجل من أهل العمل والديوان، فغلب عليه الحساب والميزان (٢). = روي أن رجلاً نزل به الموت فقيل له: قل لا إله إلا الله، فجعل يقول: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ (٣). = وقيل لبعضهم قل: لا إله إلا الله، فقال: آه! آه! لا أستطيع أن أقولها! (٤). = وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء ويقول: تاتا .. ننتنتا .. حتى قضى!! (٥). = وقيل لآخر ذلك، فقال: ما ينفعني ما تقول؛ ولم أدع معصية إلا ركبتها! ثم قضى ولم يقلها! (٦). = وقيل لآخر ذلك، فقال: وما يغني عني؛ وما أعلم أني صليت لله تعالى صلاة، ثم قضى ولم يقلها!!! (٧). = وقيل لآخر ذلك، فقال: هو كافر بما تقول!! وقضى! (٨).

стр. 460

= وقيل لآخر ذلك، فقال: كلما أردت أن أقولها فلساني يمسك عنها!! (١). تعليق ابن القيم: "وسبحان الله كم شاهد الناس من هذا عبراً، والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم، وإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكن منه الشيطان واستعمله بما يريده من المعاصي، وقد أغفل قلبه عن ذكر الله تعالى، وعطل لسانه من ذكره وجوارحه عن طاعته؛ فكيف الظن به عند سقوط قواه واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النزع، وجمع الشيطان له كل قوته وهمته، وحشد عليه بجميع ما يقدر عليه لينال منه فرصته، فإن ذلك آخر العمل، فأقوى ما يكون عليه شيطانه ذلك الوقت، وأضعف ما يكون هو في تلك الحالة. فمن ترى يسلم على ذلك؟ فهناك: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧]. فكيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا، فبعيد مَنْ قلبه بعيد من الله تعالى غافل عنه، متعبد لهواه أسير لشهواته، ولسانُه يابس من ذكره، وجوارحه معطلة من طاعته، مشتغلة بمعصية الله؛ أن يوفق لحسن الخاتمة" (٢)؟!. أسباب سوء الخاتمة (٣): للنهاية الشقية-أعاذنا الله منها- أسباب توصل إليها، نذكرها للتحذير منها، فمنها:
следующие страницы →