← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 987

روضة العابدين

عبد الله بن عبده العواضي

Полный текст (499 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وكيف يستعمله؟ قال: (يوفقه لعمل صالح قبل موته) (١). قال ابن رجب: " وهؤلاء منهم: من يوقظ قبل موته بمدة يتمكن فيها من التزود بعمل صالح يختم به عمره، ومنهم: من يوقظ عند حضور الموت فيوفق لتوبة نصوح يموت عليها" (٢). وعن عبد الله بن عمرو قال: "من تاب قبل موته عاماً تيب عليه، ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه، حتى قال: يوماً، حتى قال: ساعة، حتى قال: فُواقاً (٣)، قال: قال الرجل: أرأيت إن كان مشركاً أسلم؟ قال: إنما أحدثكم كما سمعت من رسول الله ﷺ " (٤). سوء الخاتمة-نعوذ بالله منها-: إن سوء الخاتمة أمر يستجيش دموع المؤمنين، ويخيف قلوب الصادقين؛ ذلك أن الإنسان لا يدري ما خاتمته وما كُتب له عند الله حين فراقه للدنيا؛ فلذلك يعمل صادقو الإيمان ما يوصلهم إلى هذا الأمر المخوف، والمصرع المهلك. قال أبو محمد الإشبيلي: "اعلم رحمك الله أن هذا أمر إذا ذكر حقيقة ذكره انفطرت له القلوب، وتشققت وانصدعت له الأكباد وتقطعت، ولولا أن الآجال محدودة، والأنفاس معدودة فلا يتجاوز ذلك المحدود ولا يزاد على ذلك المعدود؛ لزهقت الأنفس عند أول ذكره زهوقاً، لا تجد لسرعته طعم وفاة، بل تكاد تنعدم معه انعداماً لا تعود معه إلى وجود ولا حياة، ولكنها مربوبة مدبرة مقهورة مصرفة، تخرج إذا أذن لها في الخروج، وتلج إذا أذن لها في الولوج، وقد كتب عليها الوجود والبقاء فلا انعدام ولا مطمع لها في ذلك ولا مرام.

стр. 457

وما يمنع القلوبَ -رحمك الله- من الانشقاق والانصداع والانفطار والانقطاع؛ والذي يلقى المختوم له بهذه الخاتمة عذاب لا تقوم السموات والأرض لشدته ولا آخر لمدته، وما منا أحد إلا ويخاف أن يكون هو، وما الذي أمّنه منه، وما الذي حاد به عنه، والخاتمة مغيبة، والعاقبة مستورة، والأقدار غالبة، والنفس كما تدري، والشيطان منها بحيث تدري، وهي مصغية إليه، ملتفتة نحوه مقبلة عليه؟! " (١). وقال أيضًا: "فانظر -رحمك الله- كيف تقر عينُ عاقل في هذه الدار، وكيف يستقر به فيها قرار مع هذه الحال، وتوقع هذا المآل، واشتغال هذا الخاطر وتقسم هذا البال، كلا لا حلول له ولا قرار، ولا ريع ولا دار، ولا قلب إلا مستطار، ولا نوم ينامه إلا غرار، حتى يدري أين مسقط رأسه، ومحط رجله، وما المورد والمنهل، وفي أي المحال يحل، وفي أي المنازل بعد الموت ينزل، كما قال الأول: وكيف تنامُ العينُ وهي قريرةٌ … ولم تدرِ في أيِّ المنازل تنزلُ! وقد بكى أولو الألباب على هذا فأكثروا، وسهروا من أجله الليالي الطويلة وأسهروا، ورام عاذلوهم كفهم عما هم فيه فلم يقدروا، وكلموهم في الإقصار فلم يقصروا، ولم يسمعوا ولم يبصروا، وذلك للعلم الذي لاح لهم، والتأييد الذي شملهم، والتوفيق الذي قطع عنهم ما صدهم عن طريق الله وشغلهم، وربما هبّت عليهم نفحات الرجاء فاستبشروا وسكنوا من ذلك الهيجان وفتروا، ثم ذكروا ما هم معرضون له فعادوا لما كانوا عليه من الاجتهاد وربما زادوا عليه وأكثروا، ومع هذا فإنهم لشدة خوفهم وكثرة جزعهم يحسبون كل صيحة عليهم ويظنون كل إشارة إنما يشار بها إليهم، وبكى سفيان الثوري ليلة إلى الصباح فقيل له: أبكاؤك هذا على الذنوب؟! فأخذ تبنة من الأرض وقال: الذنوب أهون من هذه إنما أبكي خوف الخاتمة. وبكى سفيان وغير سفيان؛ لأنه الأمر الذي يبكى عليه، ويصرف الاهتمام كله إليه،

стр. 458

وقال القائل: والذي أبكى الجفونَ دمًا … فغدتْ من ذاك في عُذرِ سابقٌ لم يدرِ كيف جرى … في القضاء الحتم والقَدَرِ وأمور في الورى خفيتْ … عن ذوي الألباب والنظر فدعِ الأنفاسَ صاعدةً … ودموعَ العين تنحدرِ وابكِ لا جفّتْ دموعُك ما … ضاع من أيامك الغُرر" (١). خاتمة سيئة: = يروى أنه كان بمصر رجل يلزم مسجداً للأذان والصلاة فيه، وعليه بهاء الطاعة وأنوار العبادة، فرقي يومًا المنارة على عادته للأذان، وكان تحت المنارة دار لذميٍّ نصراني فاطلع فيها فرأى ابنة صاحب الدار فافتتن بها، فترك الأذان ونزل إليها ودخل الدار عليها، فقالت له: ما شأنك وما تريد؟ فقال: أنت أريد. قالت: لماذا؟ قال لها: قد سلبت لبي، وأخذت بمجامع قلبي، قالت له: لا أجيبك إلى ريبة. قال لها: أتزوجك، قالت: أنت مسلم وأنا نصرانية وأبي لا يزوجني منك، قال لها: أتنصر، قالت: إن فعلت أفعل، فتنصر الرجل ليتزوجها، وأقام معهم في الدار، فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقي إلى سطح كان في الدار فسقط منه فمات، فلا هو بها اتصل، ولا هو بدينه حصل، فنعوذ بالله ثم نعوذ بالله (٢). = يروى أن بعض رجال الناصر بن علناس نزل به الموت فجعل ابنه يقول له: قل: لا إله إلا الله، فقال: الناصرُ يا مولاي، فأعاد عليه فأعاد هو، ثم أصابته غشية فلما أفاق قال: الناصر يا مولاي، ثم قال لابنه: يا فلان، الناصر إنما يعرفك بسيفك، فالقتل ثم القتل. ثم مات (٣).

стр. 459

= وقيل لآخر وقد نزل به الموت: قل: لا إله إلا الله، فقال: الدار الفلانية أصلحوا فيها كذا، والجنان الفلاني افعلوا فيه كذا (١). = ونزل الموت برجل فقيل له: قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول بالفارسية: ده يازده دوازده. -تفسيره: عشرة أحد عشر اثنا عشر- كان هذا الرجل من أهل العمل والديوان، فغلب عليه الحساب والميزان (٢). = روي أن رجلاً نزل به الموت فقيل له: قل لا إله إلا الله، فجعل يقول: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ (٣). = وقيل لبعضهم قل: لا إله إلا الله، فقال: آه! آه! لا أستطيع أن أقولها! (٤). = وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء ويقول: تاتا .. ننتنتا .. حتى قضى!! (٥). = وقيل لآخر ذلك، فقال: ما ينفعني ما تقول؛ ولم أدع معصية إلا ركبتها! ثم قضى ولم يقلها! (٦). = وقيل لآخر ذلك، فقال: وما يغني عني؛ وما أعلم أني صليت لله تعالى صلاة، ثم قضى ولم يقلها!!! (٧). = وقيل لآخر ذلك، فقال: هو كافر بما تقول!! وقضى! (٨).

стр. 460

= وقيل لآخر ذلك، فقال: كلما أردت أن أقولها فلساني يمسك عنها!! (١). تعليق ابن القيم: "وسبحان الله كم شاهد الناس من هذا عبراً، والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم، وإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكن منه الشيطان واستعمله بما يريده من المعاصي، وقد أغفل قلبه عن ذكر الله تعالى، وعطل لسانه من ذكره وجوارحه عن طاعته؛ فكيف الظن به عند سقوط قواه واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النزع، وجمع الشيطان له كل قوته وهمته، وحشد عليه بجميع ما يقدر عليه لينال منه فرصته، فإن ذلك آخر العمل، فأقوى ما يكون عليه شيطانه ذلك الوقت، وأضعف ما يكون هو في تلك الحالة. فمن ترى يسلم على ذلك؟ فهناك: ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧]. فكيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا، فبعيد مَنْ قلبه بعيد من الله تعالى غافل عنه، متعبد لهواه أسير لشهواته، ولسانُه يابس من ذكره، وجوارحه معطلة من طاعته، مشتغلة بمعصية الله؛ أن يوفق لحسن الخاتمة" (٢)؟!. أسباب سوء الخاتمة (٣): للنهاية الشقية-أعاذنا الله منها- أسباب توصل إليها، نذكرها للتحذير منها، فمنها:

стр. 461

فساد العقيدة والنية، الإصرار على عظائم الذنوب، الاستمرار على كثرة الخطايا من غير توبة، الإقبال الكثير على الدنيا والغفلة عن الآخرة. وتفصيل ذلك من كلام أهل العلم كالآتي: قال أبو محمد الإشبيلي: " واعلم رحمك الله أن لسوء الخاتمة -أعاذنا الله منها- أسباباً، ولها طرق وأبواب: أعظمها: الإكباب على الدنيا والإعراض عن الأخرى، والإقدام بالمعصية على الله تعالى. وربما غلب على الإنسان ضرب من الخطيئة ونوع من المعصية، وجانب من الإعراض ونصيب من الافتراء، فملك قلبه وسبى عقله، وأطفأ نوره، وأرسل عليه حجبه، فلم تنفع فيه تذكرة، ولا نجعت فيه موعظة، فربما جاءه الموت على ذلك، فسمع النداء من مكان بعيد فلم يتبين المراد، ولا علم ما أراد وأن أعاد عليه وأعاد. واعلم أن سوء الخاتمة -أعاذنا الله منها- لا يكون لمن استقام ظاهره، وصلح باطنه، وإنما يكون ذلك لمن كان له فساد في العقل، وإصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة، ويثب عليه قبل الإنابة، ويأخذه قبل إصلاح الطوية، فيصطلمه الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة، والعياذ بالله ثم العياذ بالله أن يكون لمن كان مستقيمًا لم يتغير عن حاله ويخرج عن سنته، ويأخذ في غير طريقه فيكون ذلك سببا لسوء الخاتمة وشؤم العاقبة، والعياذ بالله ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]. وقد سمعت بقصة بلعام بن باعوراء وما كان آتاه الله من آياته وأطلعه عليه من بيناته، وما أراه من عجائب ملكوته، أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فسلبه الله سبحانه جميع ما أعطاه، وتركه مع من استماله وأغواه" (١) (٢).

стр. 462

وقال ابن القيم-وهو يتكلم عن آثار المعاصي-: "وثَم أمرٌ أخوف من ذلك وأدهي وأمرّ وهو: أن يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة، كما شاهد الناس كثيراً من المحتضرين أصابهم ذلك" (١)، وقال أيضًا: " وإذا نظرت إلى حال كثير من المحتضرين وجدتهم يحال بينهم وبين حسن الخاتمة عقوبة لهم على أعمالهم السيئة" (٢). وقال أبو طالب المكي: " وأكثر ما يقع سوء الخاتمة لثلاث طوائف من الناس: أهل البدع والزيغ في الدين؛ لأن إيمانهم مرتبط بالمعقول، والطبقة الثانية: أهل الكبر والإنكار، والطبقة الثالثة: ثلاثة أصناف: متفرقون متفاوتون في سوء الخاتمة، وجميعهم دون تينك الطائفتين في سوء الخاتمة؛ لأن سوء الختم على مقامات أيضاً كمقامات اليقين والشك في عمر الحياة: منهم المدعي المتظاهر الذي لم يزل إلى نفسه وعمله ناظراً، والفاسق المعلن، والمصرّ المدمن. فهذه الأسباب تجلب الخوف وتقطع قلوب ذوي الألباب (٣). وقال صديق حسن خان: " باب في سوء الخاتمة وبيان الخوف والرجاء، قال في مجالس الأبرار: وله أسباب يجب على المؤمن أن يحترز عنها، منها: الفساد في الاعتقاد، وإن كان مع كمال الزهد والصلاح؛ فإن كان له فساد في اعتقاده مع كونه قاطعًا به متيقنًا له غير ظان أنه أخطأ فيه قد ينكشف له في حال سكرات الموت

стр. 463

بطلان ما اعتقده من الاعتقادات الحقة، فيكون انكشاف بطلان بعض اعتقاداته سببا لزوال بقية اعتقاداته … فإن كل من اعتقد شيئًا على خلاف ما هو عليه فهو واقع في هذا الخطر ولا يدفعه الزهد والصلاح وإنما يدفعه الاعتقاد الصحيح المطابق لكتاب الله وسنة رسوله … ومنها الإصرار على المعاصي؛ فإن من له إصرار عليها يحصل في قلبه إلفها، وجميع ما ألفه الإنسان في عمره يعود ذكره عند موته، فإن كان ميله إلى الطاعات أكثر يكون أكثر ما يحضره عند الموت ذكر الطاعات، وإن كان ميله إلى المعاصي أكثر يكون أكثر ما يحضره عند الموت ذكر المعاصي .. ومنها العدول عن الاستقامة؛ فإن من كان مستقيمًا في ابتدائه ثم تغير عن حاله وخرج مما كان عليه في ابتدائه يكون سببًا لسوء خاتمته" (١). وقال ابن رجب: "وقوله: ﴿فيما يبدو للناس﴾ إشارةٌ إلى أنَّ باطنَ الأمر يكونُ بخلافِ ذلك، وإنَّ خاتمة السُّوءِ تكونُ بسبب دسيسةٍ باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس، إما من جهة عمل سيئ ونحو ذلك، فتلك الخصلة الخفية توجب سُوءَ الخاتمة عند الموت، وكذلك قد يعمل الرجلُ عملَ أهل النَّارِ وفي باطنه خصلةٌ خفيةٌ من خصال الخير، فتغلب عليه تلكَ الخصلةُ في آخر عمره، فتوجب له حسنَ الخاتمة. قال عبد العزيز بن أبي روَّاد: حضرت رجلاً عند الموت يُلَقَّنُ لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: هو كافرٌ بما تقول، ومات على ذلك، قال: فسألتُ عنه، فإذا هو مدمنُ خمرٍ. فكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب؛، فإنَّها هي التي أوقعته" (٢). اللهم إنا نسألك الخاتمة الحسنة، ونعوذ بك من الخاتمة السيئة بمنك ورحمتك يا أرحم الراحمين.

стр. 464

دارُ الجحيم -أعاذنا الله منها- خلق الله تعالى الإنس والجن ليعبدوه وحده لا شريك له، وأخبرهم أن من حاد عن هذا الطريق وهو من المكلَّفين فإن مصيره في الآخرة إلى نار عظيمة يلقى فيها العذاب الأليم. التخويف من النار والأمر باتقائها: إن الله تعالى رحيم بعباده حليم عليهم، لا يريد تعذيبهم، وإنما هم الذين يسعون إلى تعذيب أنفسهم، قال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧]. قال سفيان بن عيينة: "خُلقت النار رحمةً يخوِّف بها عباده لينتهوا" (١). فلأجل هذا أنذر الله عباده النار؛ كي يبتعدوا عن سبل الوصول إليها، وبيّن لهم أن ذلك العذاب قريب لا بعيد مهما امتدت بهم الأعمار، فقال سبحانه: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]. "أي: تتقد وتتلهب تلهباً هو في غاية الشدة من غير كلفة فيه على موقدها أصلاً ولا أحد من خزنتها" (٢). "قرأ عمر بن عبد العزيز ليلة في صلاته سورة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ فلما بلغ قوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]. بكى فلم يستطع أن يجاوزها، ثم عاد فتلا السورة

стр. 465

حتى بلغ الآية فلم يستطع أن يجاوزها مرتين أو ثلاثاً، ثم قرأ سورة أخرى غيرها! " (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠]. " والعذاب عذاب الآخرة، وكل ما هو آت فهو قريب، وقد قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦] " (٢). وكذلك أمر باتقاء النار قبل القدوم على دار القرار، فقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. ولما وقع هذا الإنذار والتخويف من النار موقعه العظيم من قلوب العقلاء أقبلوا على ربهم مسارعين إلى طاعته، مبتعدين عن معصيته، وصحبهم الخوف من عذابه حتى صاروا زاهدين صالحين. كان الحسن يقول: "إن المؤمنين قوم ذلت والله منهم الأسماع والأبصار والأبدان، حتى حسبهم الجاهل مرضى وهم والله أصحاب القلوب ألا تراه يقول: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]. والله لقد كابدوا في الدنيا حزنًا شديداً، وجرى عليهم ما جرى على من كان قبلهم، والله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولكن أبكاهم وأحزنهم الخوفُ من النار" (٣). قال العباس بن الوليد عن أبيه: "كان الأوزاعي إذا ذكر النار لم يقطع ذكرها، ولم يقدر أحد أن يسأله عن شيء حتى يسكت، فأقول بيني وبين نفسي: ترى بقي أحد في المجلس لم يتقطع حسرات"؟! (٤).

стр. 466

"وقال مغيث الأسود: زوروا القبور كل يوم تفكركم، وشاهدوا الموقف بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذِكرَ النار ومقامعها وأطباقها" (١). سَوقُ أهل النار إليها: بعدَ القسمة العادلة وفصل القضاء بين الخلائق في عرصات القيامة يأمر الله تعالى ملائكته بأخذ أهل النار إلى النار، فيُساقون إليها جماعاتٍ وأفواجاً سوقًا شديداً، ويرِدونها وهم عِطاشٌ من حُرق ِالموقف وطوله وأهواله، ويُرمون فيها على ركبهم، عليهم الأغلالُ والقيود، ويسحبون على وجوهم فيلقون في النار إلقاء. قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١]. وقال: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٥، ٨٦] أي: عطاشًا. وقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨]. وقال: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠ - ٣٢]، وقال: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤]، وقال: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٩٤]، وقال: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ق: ٢٤]. على أبواب جهنم: وحينما يُلقى أهل النار في النار تستقبلهم جهنم بشهيقها وزفيرها وشدة فورانها، حتى تكاد تتقطع من شدة غضبها عليهم؛ فقد طال انتظارها لهؤلاء الأشقياء الذين عصوا الله تعالى. قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]، وقال: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ … ﴾ [الملك: ٧، ٨].

стр. 467

فإذا وصلوا إليها مقيَّدين ومسّوا حرها دعوا هنالك على أنفسهم بالويل والثبور والخسار، فيجابون بالعتاب وشدة العذاب. قال تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٣، ١٤]، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤، ٦٥]. صفة النار: إن نار الآخرة التي توعد الله بها من عصاه لشيءٌ مهول وأمر فظيع عظيم، وقد أخبرنا الله ورسوله ﵊ عن شيء من ذلك الهول والعِظم؛ لكي يكون ذلك زاجراً للمعرضين، ومزجيًا للمبطئين، وشاحذاً لهمة المؤمنين ليزدادوا إحسانًا إلى إحسانهم؛ حتى لا يصيروا إلى ذلك المآل الأليم، فأين القلوب التي تتعظ وهي تقرأ أو تسمع تلك الأخبار الصادقة عن هول نار الآخرة؟ إن نار الجحيم شيء عظيم من الهول والمخاوف، فإذا كان الإنسان يخشى مسّ نار الدنيا وهي لا تساوي شيئًا أمام نار جهنم، فكيف سيقوى على نار جهنم؟! نسأل الله السلامة من غضبه وعقابه، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١]. وقال رسول الله ﷺ : (ناركم هذه ما يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا: والله إن كانت لكافية، قال: إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها) (١). فعن عِظَمها يقول ربنا الجبار ﵎: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٩ - ٣٤].

стр. 468

وقال رسول الله ﷺ : (يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) (١). وعن قدر اشتعالها قال: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]. وعن حال أهلها فيها قال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه: ٧٤]. وأما سعتها فيقول تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]. وقال رسول الله ﷺ : (فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله قدمه عليها فتقول: قط قط-يعني: حسبي حسبي- فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض فلا يظلم الله من خلقه أحداً) (٢). وأما بُعدُ قعرها فإنها ذات بُعدٍ سحيق؛ لأنها دركات بعضها تحت بعض، يقول النبي ﷺ : (إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين عامًا وما تفضي إلى قرارها) (٣). وأما خزانها من الملائكة المكلفين بتعذيب أهلها فيها فهم ملائكة غلاظ شديدو البطش عظيمو الخِلقة، وهم تسعة عشر. قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٢٩، ٣٠]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. وأما حطبها الذي تُشعل به فهو أهلها الذين تتحول جلودهم وعظامهم وأجسادهم إلى مادة تُذكى بها النار، كلما نضجت جلودهم أُعيدت من جديد. قال تعالى: ﴿كُلَّمَا

стр. 469

نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]، ومن حطبها كذلك: الحجارة؛ لأن الحجر إذا اشتعل صار أشدَّ إحراقًا وأبطأ انطفاء، قال تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]. ومن حطبها كذلك: الأصنام التي كانت تعبد من دون الله، قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. وأما حدودها فإن أهل النار في حال عذابهم فيها لا يجدون متنفسًا ولا مهربًا مما هم فيه؛ لأن النار تحيط بهم من كل جانب، وأبواب جهنم عليهم مغلقة. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقال: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٨، ٩]. وأما حجم أصحابها فإن العذاب الشديد الذي ينزل بهم لا تتحمله أجسام الدنيا التي كانوا عليها؛ ولذلك فإن الله تعالى يخلق أهلها يوم القيامة بأجسام ضخمة غير أجسامهم الصغيرة الضعيفة التي كانت في الدنيا، يقول النبي ﷺ : (ضرس الكافر مثل أُحد، وفخذه مثل البيضاء-اسم جبل- ومقعده من النار كما بين قُديد ومكة، وكثافة جسده اثنان وأربعون ذراعًا بذراع الجبار) (١). وأما عن مقدار عذاب أهلها فإن العذاب الذي يلاقونه ليس على مرتبة واحدة، بل كل شقي يعذَّب فيها على حسب عمله؛ فمن كان من عصاة المسلمين يعذب بقدر معصيته، ومن كان من الكفار على اختلاف أصنافهم يعذب بقدر ما فعل زيادة على كفره، فكما أن أهل الجنة ليسوا على منزلة واحدة بل على منازل فكذلك أهل النار. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]، وقال النبي ﷺ : (إن أهون أهل النار عذابًا رجل في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل بالقمقم) (٢).

стр. 470

مطالب تؤول إلى اليأس: إن أهل النار -وهم يقاسون حرارة النار- يستغيثون ويطلبون النجاة ويعلنون التوبة، فلا يجيبهم أحد إلا جوابَ عتاب يضاف إلى العذاب. فيستغيثون بالله، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٧، ١٠٨]. وقال: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: ٣٧]. ويستغيثون أيضًا بخزنة جهنم من الملائكة فلا يجابون أيضًا، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر: ٤٠، ٥٠]. ويستغيثون بأهل الجنة لشربة ماء، فلا يجابون كذلك، قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠]. وعندما ييأسون من إجابة استغاثتهم يطلبون من مالك أميرِ الخزنة أن يدعو الله بأن يكتب عليهم القضاء بالفَناء، فماذا يُردّ عليهم، وبماذا يُقضى عليهم؟ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤ - ٧٧]. فبعد اليأس من الخروج والتخفيف من العذاب يعودون إلى عتاب بعضهم بعضًا: التابع والمتبوع، والضال والمضل، كلٌّ يدعو على الآخر ويلعنه. قال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ

стр. 471

فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨، ٣٩]، وقال: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٧، ٦٨]. وهذا التلاوم كله لا ينفعهم، ولا يدفع عنهم ما هم فيه تابعين ومتبوعين؛ لأنهم في النار جميعاً، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]. أنواع العذاب: يتعدد عذاب أهل النار فلا يقاسون عذابًا واحداً، بل عذابين عمومًا: عذاب معنوي، وعذاب حسي. العذاب المعنوي: فأما العذاب المعنوي فهو ما يلاقونه من كلمات التوبيخ والتقريع والتنديم من الله تعالى، ومن الملائكة، ومن العتاب والتوبيخ فيما بينهم. قال تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وقال: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، وقال: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٤]، وقال: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك: ٨، ٩]. العذاب الحسي: وأما العذاب الجسدي فهناك طعام وشراب وكساء وفراش وظلال، ولكن الطعام لا يسمن آكله ولا يغنيه من جوع، والشراب لا يطفئ ظمأه ولا يبرد حرارة باطنه، والكساء لا يستر جسده ولا يمنعه ما يكره، والفراش لا يريح بدنه ولا يقيه ما يضره، والظلال لا يحميه من الحرارة. قال تعالى عن طعامهم: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ

стр. 472

يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٦]، وقال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٦، ٧]، وقال: ﴿وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦]. وأما عن شرابهم فقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]، وقال: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤، ٢٥]، وقال: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦]. وأما عن كسائهم فيقول: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٢]، وقال: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]. وأما عن فراشهم فيقول: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤١]، ويقول: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦]. وأما عن ظلالهم فيقول: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤١ - ٤٤]. نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من النار. نصيب الوجه من العذاب: إن أكرم ما في ظاهر الإنسان وجهُه الذي يكرمه ويحسن إليه بأنواع من الإحسان، هذا الوجه المكرم أمر الله تعالى صاحبه أن يعفره ساجداً لله تعالى الذي خلقه وكرمه وزيّنه. غيرَ أن هذا الوجه حينما أبى الخضوع والانحناء لمن أبدعه وخلقه فلم يسجد بين يديه مؤمنًا سينال جزاء وفيراً خاصًا من العذاب دون غيره من سائر الأعضاء. فالسواد القاتم، والذلة الغاشية ستعمه عندما يساق إلى جهنم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ

стр. 473

وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس: ٢٧]. وهناك شيء آخر وهو أن السوق والسحب إلى السعير سيكون على الوجوه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨]، وقال: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٤]. فإذا ما كان صاحبه في النار فإن الإحراق وتلقيَ النار والكي والتقليب فيها ينال منه الوجه أوفرَ نصيب، قال تعالى: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وقال: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، وقال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ [الأحزاب: ٦٦]. أسباب دخول النار -وقانا الله منها-: هناك أسباب كثيرة من الأعمال والأقوال تودي بصاحبها إلى جهنم، وقد ذكر القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة من ذلك شيئًا كثيراً، ترجع كلها إلى معصية الله ومعصية رسله، وتبدأ هذه المعاصي من الكفر فما دونه، وسأسرد ما تيسر جمعه من هذه الأسباب من غير ذكر أدلتها؛ طلبًا للاختصار، وهي: ١ - الإشراك بالله تعالى. ٢ - التكذيب للرسل ٣ - الكفر ٤ - النفاق ٥ - الحسد ٦ - الكذب ٧ - الخيانة

стр. 474

٨ - الظلم ٩ - الفواحش ١٠ - الغدر ١١ - قطيعة الرحم ١٢ - الجبن عن الجهاد ١٣ - البخل ١٤ - اختلاف السر والعلانية ١٥ - اليأس من روح الله ١٦ - الأمن من مكر الله ١٧ - الجزع عند المصائب ١٨ - الفخر والبطر عند النعم ١٩ - ترك فرائض الله، واعتداء حدوده، وانتهاك حرماته ٢٠ - خوف المخلوق دون الخالق ٢١ - العمل رياءً وسمعة ٢٢ - مخالفة الكتاب والسنة، اعتقاداً وعملاً ٢٣ - طاعة المخلوق في معصية الخالق ٢٤ - التعصب للباطل ٢٥ - الاستهزاء بآيات الله ٢٦ - جحد الحق ٢٧ - الكتمان لما يجب إظهاره من علم وشهادة ٢٨ - السحر ٢٩ - عقوق الوالدين ٣٠ - قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق

стр. 475

٣١ - أكل مال اليتيم ٣٢ - الربا ٣٣ - الفرار من الزحف ٣٤ - قذف المحصنات الغافلات المؤمنات (١). ٣٥ - الفحش والبذاء ٣٦ - ترك العدل في القضاء والحكم ٣٧ - أكل أموال الناس بالباطل ٣٨ - التصوير ٣٩ - الركون إلى الظالمين ٤٠ - التبرج والسفور ٤١ - تعذيب الحيوان ٤٢ - الشرب في آنية الذهب والفضة ٤٣ - اللعن لغير من لعنه الله ورسوله ٤٤ - منع الزكاة ٤٥ - اليمين الغموس ٤٦ - الدياثة ٤٧ - النميمة ٤٨ - شرب المسكر ٤٩ - أذية الجار ٥٠ - إضاعة الصلاة

стр. 476

أسباب الوقاية من النار: وبعد هذا التخويف والإنذار، وذكرِ ما أعد الله لمن عصاه في النار، ألا يدعونا ذلك إلى التوبة والادكار، والكف والانزجار عن معصية العزيز الجبار؟ إنه لا ينبغي لأحد أن يأمن على نفسه مهما بلغت طاعته وقربه أن يكون وقودَ النار غدا، قال النبي ﷺ : (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك) (١). وينبغي أن يُعلم أن النار ليست للكفار وحدهم، بل هي أيضًا لعصاة المسلمين إذا وردوا الآخرة غيرَ تائبين ولم تنلهم شفاعة من الشفاعات، فيعذَّبون بقدر ذنوبهم ثم يصيرون إلى الجنة ما داموا عصاة موحدين. فلأجل هذا على طالب النجاة في الآخرة أن يجعل بينه وبين النار وقاية وهو مازال في الدنيا، وسبب الوقاية منها على سبيل الإجمال هو طاعة الله ورسوله والبعد عن معصيتهما، وعلى سبيل التفصيل فإن الإقبال على أضداد تلك الأعمال المسببة لدخول النار-كما تقدم قريبًا- يقي صاحبه بإذن الله من النار.

стр. 477

دارُ النعيم -نسأل الله أن يجعلنا من أهلها- لقد روت لنا كتب الأدب أخباراً وأشعاراً كثيرة عن العاشقين وهُيامهم بمنازل من يحبون، شوقًا إليها بعد بَينِهم عنها، وطمعًا بلقاء الحبيب في جنابتها، يسهرون ويبكون ويستدرون دموع غيرهم؛ ليشاركوهم تألم غرام البعد عنها بعد إلفها، فإذا وصلوا إلى تلك المغاني بعد عناء رحلة الشوق ومكابدة البعد أصابهم من السرور والحبور ما لا يوصف!. وذلك كله على منزل دنيا وحبيب دنيا كلاهما إلى زوال، فكيف بجنة عرضها السماوات والأرض؟ ألا تشتاق النفوس إلى تلك المنازل العالية، والمغاني الغالية، ورؤية الله ومخاطبته ونيل رضوانه في تلك الدرجات السامية؟ فهل فكر الإنسان في تلك الدار الفيحاء ونعيمها وقارنها بهذه الدنيا الفانية وغصصها المتتالية؟ "من تأمل بعين الفكر دوام البقاء في الجنة في صفاء بلا كدر، ولذات بلا انقطاع، وبلوغ كل مطلوب للنفس، والزيادة مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من غير تغيير ولا زوال، إذ لا يقال: ألف ألف سنة، ولا مائة ألف ألف، بل ولو أن الإنسان عد ألوف ألوف السنين لا ينقضي عدده، وكان له نهاية، وبقاء الآخرة لا نفاد له، إلا أنه لا يحصل ذلك إلا بنقد هذا العمر، وما مقدار عمر غايته مائة سنة منها: خمسة عشر صبوة وجهل، وثلاثون بعد السبعين- إن حصلت- ضعف وعجز، والتوسط نصفه نوم، وبعضه زمان أكل وشرب وكسب، والمنتخل منه للعبادات يسير!

стр. 478

أفلا يشتري ذلك الدائم الكامل بهذا الفاني القليل؟ " (١). فيا عجبًا كيف يؤثر عاقل داراً ذاهبة على دار خالدة، وعيشًا مكدراً على عيش صاف، وشقاء وآلامًا ونعيمًا مغشوشًا على حياة كاملة النعيم بلا أوجاع ولا آلام، فأين الموفقون وأين المشمرون؟ قال ابن القيم: " ولما علم الموفَّقون ما خُلقوا له، وما أريد بإيجادهم رفعوا رؤوسهم فإذا عَلم الجنة قد رُفع لهم فشمروا إليه، وإذا صراطها المستقيم قد وضح لهم فاستقاموا عليه، ورأوا من أعظم الغبن بيع ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر في أبدٍ لا يزول ولا ينفد بصُبابة عيشٍ إنما هو كأضغاث أحلام أو كطيف زار في المنام مشوبٍ بالنغص، ممزوج بالغصص، إن أضحك قليلا أبكى كثيراً، وإن سر يومًا أحزن شهوراً، الآمه تزيد على لذاته، وأحزانه أضعاف مسراته، أوله مخاوف، وآخره متالف، فيا عجباً من سفيه في صورة حكيم، ومعتوه في مسلاخ عاقل؛ آثر الحظ الفاني الخسيس، على الحظ الباقي النفيس، وباع جنة عرضها السموات والأرض بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات، ومساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، بأعطان ضيقة آخرها الخراب والبوار، وأبكاراً عُرباً أتراباً كأنهن الياقوت والمرجان، بقذرات دنسات، سيئات الأخلاق، وحوراً مقصورات في الخيام بخبيثات مسيّبات بين الأنام، وأنهاراً من خمر لذة للشاربين بشراب نجس مذهب للعقل، مفسد للدنيا والدين، ولذة النظر إلى وجه العزيز الرحيم، بالتمتع برؤية الوجه القبيح الذميم، وسماع الخطاب من الرحمن بسماع المعازف والغناء والألحان، والجلوس على منابر اللؤلؤ والياقوت والزبرجد يوم المزيد بالجلوس في مجالس الفسوق مع كل شيطان مريد، ونداء المنادي: (يا أهل الجنة، إن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا، وتحيوا فلا تموتوا، وتقيموا فلا تظعنوا، وتشبوا فلا تهرموا)؛ بغناء المغنين؟ … وإنما يظهر الغبن الفاحش في هذا البيع يوم القيامة، وإنما يتبين سفه بائعه يوم

стр. 479

الحسرة والندامة، إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفداً وسيق المجرمون إلى جهنم ورداً، ونادى المنادي على رؤوس الأشهاد: ليعلمن أهل الموقف من أولى بالكرم من بين العباد، فلو توهم المتخلف عن هذه الرفقة ما أعد الله لهم من الإكرام، وادخر لهم من الفضل والإنعام، وما أخفى لهم من قرة أعين لم يقع على مثلها بصر ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر؛ لعلم أي بضاعة أضاع، وأنه لا خير له في حياته وهو معدود من سقط المتاع، وعلم أن القوم قد توسطوا ملكًا كبيراً لا تعتريه الآفات، ولا يلحقه الزوال، وفازوا بالنعيم المقيم في جوار الكبير المتعال … لقد نودي عليها في سوق الكساد، فما قبل ولا استام إلا أفراد من العباد! فواعجباً لها كيف نام طالبها، وكيف لم يسمح بمهرها خاطبها، وكيف طاب العيش في هذه الدار بعد سماع أخبارها، وكيف قر للمشتاق القرار دون معانقة أبكارها، وكيف قرت دونها أعين المشتاقين، وكيف صبرت عنها أنفس الموقنين، وكيف صدفت عنها قلوب أكثر العالمين، وبأي شيء تعوضت عنها نفوس المعرضين؟! " (١). "إخواني، لقد خاب من باع باقياً بفان، وخطرَ في ثوبَي متوان، وتغافل عن أمر قريب كان، وضيَّع يوماً موجوداً في تأميل ثان، أمَا الجنة تشوقت لطالبيها، وتزينت لمريديها، ونطقت آيات القرآن بوصف ما فيها، وملأت أسماع العباد أصوات واصفيها؟ كأنكم بالجنة وقد فتحت أبوابها، وتقسمها يوم القيامة أصحابها، وغنت ألسن الأماني قريب قبابها: بشَّرها دليلُها وقالا: … غداً ترينَ الطَلحَ والجبالا " (٢). يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ لَسْتَ رَخِيْصَةً … بَلْ أَنْتِ غَاليةٌ عَلَى الْكَسْلَانِ يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ لَيْسَ يَنَالُهَا … في الألْفِ إِلاَّ وَاحدٌ لَا اثْنَانِ

стр. 480

يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ مَاذَا كفُوْهَا … إِلاَّ أوُلُو التَّقْوَى مَعَ الإيْمَانِ يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ سُوقُكِ كَاسِدٌ … بِيْنَ الأَرَاذَلِ سفلَةِ الْحَيَوَانِ يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ أَيْنَ الْمُشْتَرِي … فَلَقَدْ عُرِضْتِ بأيْسَرِ الأَثْمَانِ يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ هَلْ مِنْ خَاطِبٍ … فَالْمَهْرُ قَبْلَ المَوتِ ذُوْ إِمْكَانِ يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ كَيْفَ تَصْبُّر الْـ … ـخُطَّابُ عَنْكِ وَهُمْ ذَوُو إِيْمَانِ يَا سِلْعَةَ الرَّحْمَنِ لَوْلَا أَنَّهَا … حُجبَتْ بِكُلِّ مَكَارِه الإنْسَانِ مَا كَانَ عَنْهَا قَطُ مِنْ مُتَخَلِّفٍ … وَتَعَطَّلَتْ دَارُ الْجَزاءِ الثَّانِي لَكِنَّهَا حُجِبَتْ بِكُلِّ كَريْهَةٍ … لِيَصُدَّ عَنْهَا الْمُبْطِلُ الْمُتَوانِي وَتَنَالُهَا الْهِمَمُ الَّتِي تَسْمُو إِلَى … رَبِّ العُلى بِمَشيْئَةِ الرَّحْمَنِ (١). من العرصات إلى الجنات: فبعد أن يُقضى بين الخلائق في العرصات يساق أهل الجنة إلى الجنة، فيمرون على الصراط مسرعين حسب أعمالهم في الدنيا، فيخلصون إلى مكان بين الجنة والنار فيبقون هناك حتى يقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، وتصفّى قلوبهم من أدواء الحسد والحقد والكراهية فيما بينهم، حتى إذا نُقّوا دخلوا الجنة، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. وقال رسول الله ﷺ : (يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في

стр. 481

الجنة منه بمنزله كان في الدنيا) (١). ثم بعد ذلك يُساقون إلى الجنة وفوداً مكرمين، تحيط بهم السعادة من كل جانب، وتستقبلهم على أبواب الجنة ملائكةُ الرحمن تحييهم وتهنئهم بسلامة الوصول والنجاة من الدنيا وما بعدها. قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٣، ٧٤]، وقال: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]، وقال: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، وقال: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]. وممن يستقبل المؤمنَ على أبواب الجنة: أولادُه الذين ماتوا قبل البلوغ في حياته فاحتسبهم وصبر عند مصيبته بهم، فعن قرة بن إياس ﵁ أن رجلاً كان يأتي النبي ﷺ ومعه ابن له فقال النبي ﷺ : (تحبه؟ قال: نعم، يا رسول الله، أحبك الله كما أحبه، ففقده النبي ﷺ فقال: ما فعل فلان بن فلان؟ قالوا: يا رسول الله، مات، فقال النبي ﷺ لأبيه: ألا تحب أن لا تأتي بابًا من أبواب الجنة إلا وجدته ينتظرك؟ فقال رجل: يا رسول الله، أله خاصة أم لكلنا؟ قال: بل لكلكم) (٢). وعن عتبة بن عبد السلمي ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل) (٣).

стр. 482

لقد أخبرنا رسول الله ﷺ عن نصيب هذه الأمة من أهل الجنة، فقد قال ﵊: (أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم) (١). تتجه هذه الصفوف جميعها إلى أبواب الجنة زمراً على حسب أعمالهم، والنورُ يعلو وجوههم، فيصلون إلى تلك الأبواب فيجدونها ثمانية، قال رسول الله ﷺ : (في الجنة ثمانية أبواب) (٢). وقال ﵊: (من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله، هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان، قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، ما على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال رسول الله ﷺ : نعم، وأرجو أن تكون منهم) (٣). فقد بين النبي ﷺ في هذا الحديث أن أبواب الجنة مسماة بالأعمال الصالحة، فمن أكثرُ عمله وأظهره الصلاة دخل من باب الصلاة، وهكذا بقية الأعمال، ومن كان مكثراً من جميع تلك الأعمال دعي للدخول من جميع تلك الأبواب فيدخل من أيها شاء. وهذه الأبواب أبواب عظيمة في الاتساع والمسافة بين مصاريعها. فعن عتبة بن غزوان ﵁ قال: (ولقد ذكر لنا أن مصراعين من مصاريع الجنة بينهما مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام) (٤).

стр. 483

وقد أعلمنا أيضًا رسول الله ﷺ عن أوائل معينة عند أبواب الجنة؛ فأول من يدخل الجنة نبينا محمد ﷺ ، وأول الأمم دخولاً أمته، قال رسول الله ﷺ : (آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك) (١). وقال رسول الله ﷺ : (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة) (٢). وأخبر رسول الله ﷺ أن الفقراء المهاجرين وأهل المعروف هم أيضًا أول من يدخل من الناس. وقال رسول الله ﷺ : (هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره) (٣). وقال ﵊: (وأول من يدخل الجنة أهل المعروف) (٤). ومن الأوائل: قوله ﵊: (أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة) (٥). ومن الأوائل: قوله ﵊: (أول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد حوت) (٦). وحينما تفتح لهم الأبواب يلجون فرحين مسرورين فيقال لهم: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ

стр. 484

آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ *لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٤، ٣٥]. ويتجهون إلى قصورهم وحدائقهم فيعرفونها أكثر من معرفتهم لبيوتهم في الدنيا، قال تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦]، على أحد التفسيرين في الآية، وقال ﵊: (فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا) (١). صفة أهل الجنة: إن الله ﵎ كما خلق أهل النار خلقًا آخر يتناسب مع عذابهم فكذلك خلق أهل الجنة خلقًا آخر يتناسب مع نعيمهم، فقد طيّب خلقهم، وأكمله باطنًا وظاهراً، وأزال عنهم آفات الدنيا وعيوبها. فقبل دخولهم تُنقّى صدورهم من الغل والحسد وغير ذلك من الأمراض، فيدخلون على قلب رجل واحد. قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. وقال رسول الله ﷺ : (قلوبهم على قلب رجل واحد، لا اختلاف بينهم ولا تباغض) (٢). ويدخلونها أبناءَ سِنٍّ واحدة، وعلى طول واحد، وعُرض واحد، قال رسول الله ﷺ : (يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً بيضًا جعاداً مكحلين أبناءَ ثلاث وثلاثين، وهم على خلق آدم ستون ذراعا، في عرض سبعة أذرع) (٣). ويخلق الله زوجات الدنيا المؤمنات خلقًا آخر في الجنة فيصرن أبكاراً على سن واحدة متحببات لأزواجهن من غير حيض ولا نفاس ولا سوء خلق. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٧]. وقال: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ

стр. 485

مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥]. وتذهب عنهم عيوب الدنيا من قبح وعمى وعرج وعجز وضعف وغير ذلك. وتزول عنهم آفات الدنيا ومنغصاتها، فلا موت في الجنة، ولا حر ولا برد ولا حزن ولا تعب ولا إعياء ولا خروج منها. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٤، ٣٥]، وقال: ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، وقال: ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣]. وليس في الجنة عزوبية ولا جوع ولا ظمأ، ولا حاجة إلى الخلاء، ولا مرض ولا هرم ولا بؤس ولا خوف ولا وسخ ولا تهرٍّ للثياب. قال رسول الله ﷺ : (لكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، وليس في الجنة عزب) (١). وقال ﵊: (إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون، ولا يتغوطون ولا يتمخطون. قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك) (٢). وقال ﵊: (من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) (٣). وقال ﵊: (ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، و إن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، و إن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا) (٤).

стр. 486

ويذهب عنهم كل قول وفعل باطلين، ويُلهمون التسبيح كما يُلهمون النَّفَس، يتنعمون بذلك ولا يتعبدون، ويحيي بعضهم بعضًا بالسلام. قال تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٣٥]، وقال: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦]. وقال: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠]. وقال رسول الله ﷺ : (يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس) (١). صفة الجنة: إن نعيم الجنة الذي ينتظر المؤمنين-نسأل الله أن يجعلنا منهم- نعيمٌ لا يحيط به الوصف، فكل ما خطر في بالك ففي الجنة أعظم من ذلك، ففيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وذلك النعيم الكبير ينقسم إلى قسمين: نعيم حسي، ونعيم معنوي. النعيم الحسي: فالنعيم الحسي كثير متعدد، فمنه: ما على أبدانهم من الرُّواء والحُسن. قال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]. ومنه: الطعام والشراب، وهو أنواع كثيرة بلغت غاية اللذة في الشكل والطعم واللون والآنية التي تحملها، وقد جاءت في وصفه نصوص متعددة، قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠، ٢١]، وقال: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٥، ٢٦]، وقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي

стр. 487

وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥]. ومن النعيم: نعيم النكاح، قال تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الطور: ٢٠]، وقال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٢ - ٢٤]. ومن النعيم: نعيم اللباس والحلية والفراش والمتكآت، قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢، ١٣]. ومن النعيم: نعيم الخدمة، فيخدمهم ولدان مخلدون بلغوا الغاية في الرونق. قال تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ [الإنسان: ١٩]. ومن النعيم: منازلهم وقصورهم الواسعة العالية الحسنة داخليًا وخارجيًا. قال تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢]. وقال النبي ﷺ : (إن في الجنة غرفًا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام) (١). وقال ﷺ : (إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها في السماء ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا) (٢). النعيم المعنوي: وأما النعيم المعنوي فمنه: أن أهل الجنة يجلسون على الأرائك ويتحادثون فيما بينهم

стр. 488

عما كانوا عليه في الدنيا من العناء والنصب، وكيف نجاهم الله تعالى من ذلك، فيشكرون الله على فضله. قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٥ - ٢٨]. ومن النعيم المعنوي: رؤيتهم لوجه الله تعالى وسماع خطابه، وإحلالُ رضوانه عليهم. قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. وقال رسول الله ﷺ : (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة: إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل الله موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، وينجنا من النار؟ فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم) (١). قال ابن القيم: "أفضل نعيم الآخرة وأجله وأعلاه على الإطلاق هو النظر إلى وجه الرب ، وسماع خطابه، كما في صحيح مسلم عن صهيب ﵁ عن النبي ﷺ : (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة: إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل الله موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، وينجنا من النار؟ فيكشف الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه). فبيَّن ﵊ أنهم مع كمال تنعمهم بما أعطاهم ربهم في الجنة لم يعطهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، وإنما كان ذلك أحب إليهم لأن ما يحصل لهم به من اللذة والنعيم والفرح والسرور وقرة العين فوق ما يحصل لهم من التمتع بالأكل والشرب والحور العين، ولا نسبة بين اللذتين والنعيمين ألبتة؛ ولهذا قال في حق الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ

стр. 489

لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٥، ١٦]. فجمع عليهم نوعي العذاب: عذاب النار، وعذاب الحجاب عنه سبحانه، كما جمع لأوليائه نوعي النعيم: نعيم التمتع بما في الجنة، ونعيم التمتع برؤيته" (١). وقال أيضًا: " لذة النظر إلى وجه الله يوم القيامة تابعة للتلذذ بمعرفته ومحبته في الدنيا، وكما أنه لا نسبة لنعيم ما في الجنة إلى نعيم النظر إلى وجهه الأعلى سبحانه فلا نسبة لنعيم الدنيا إلى نعيم محبته ومعرفته والشوق إليه والأنس به، بل لذة النظر إليه سبحانه تابعة لمعرفتهم به ومحبتهم له؛ فإن اللذة تتبع الشعور والمحبة فكلما كان المحب أعرف بالمحبوب وأشد محبة له كان التذاذه بقربه ورؤيته ووصوله إليه أعظم" (٢). وأما عن الرضوان فقال ﵊: (إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا) (٣). آخر من يدخل الجنة: إن الموحدين من عصاة المسلمين يدخلون جهنم فيعذبون فيها بقدر ذنوبهم ثم يخرجون بعد ذلك إلى الجنة. فعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير) (٤).

стр. 490

وقد أخبر رسول الله ﷺ عن آخر أهل الجنة دخولاً إليها، فعن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولاً: رجل يخرج من النار حبواً، فيقول الله: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول: يا رب، وجدتها ملأى، فيقول: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا ربي، وجدتها ملأى فيقول: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا فيقول: أتسخر مني أو تضحك مني وأنت الملك). فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه وكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنة منزلة) (١). أسباب دخول الجنة: للجنة أعمال صالحة تؤدي إليها، وخصال من قام بها كان ذلك سببًا لدخولها، والملاحظ على الخصال الموجبة للجنة الواردة في الكتاب والسنة يجد أموراً: الأول: هناك سبب عام لدخول الجنة ألا وهو القيام بالواجبات والابتعاد عن المحرمات، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. وعن جابر قال: أتى النبيَّ ﷺ النعمانُ بن قوقل فقال: يا رسول الله، أرأيت إذا صليت المكتوبة وحرمت الحرام وأحللت الحلال أأدخل الجنة؟ فقال النبي ﷺ : (نعم) (٢). وعن طلحة بن عبيد الله: أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس فقال: يا رسول الله، أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: (الصلوات

стр. 491

الخمس إلا أن تطوع شيئًا). فقال: أخبرني ما فرض الله علي من الصيام؟ فقال: (شهر رمضان إلا أن تطوع شيئاً). فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة؟ فقال فأخبره رسول الله ﷺ شرائع الإسلام، قال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله علي شيئًا. فقال رسول الله ﷺ : (أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق) (١). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من وقاه الله شر ما بين لحييه، وشر ما بين رجليه دخل الجنة) (٢). الثاني: هناك نصوص ذكرت أعمالاً صالحة وبينت أن من جمعها فهو من أهل الجنة، مثل ما ذكر الله في أول سورة المؤمنون، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]. ومثل أواخر سورة الفرقان، قال تعالى: ﴿وعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً* وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ﴿٦٥﴾ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً* وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً* وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً* يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ

стр. 492

فِيهِ مُهَاناً* إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً* وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً* وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً* وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً* وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً* أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً* خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً* قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ﴿٧٧﴾ [الفرقان ٦٣ - ٧٧]. وكقوله ﵊: (من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر ﵁: أنا، فقال رسول الله ﷺ : ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة) (١). الثالث: حرص الصحابة ﵃ على سؤال رسول الله ﷺ عن أعمال تدخل الجنة، وهذا يدل على علو هممهم في الخير. وهذا يحث المسلم على الحرص على الأعمال التي تكون سببًا لدخول الجنة. ومن النصوص الدالة على ذلك ما جاء: عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رجلاً قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة؛ فقال النبي ﷺ : (تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم) (٢).

стр. 493

وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر فأصبحت يومًا قريباً منه ونحن نسير فقلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: (لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت (١). وعن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، علمني عملاً يدخلني الجنة، قال: (إن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة: أعتق النسمة، وفك الرقبة، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسقِ الظمآن) (٢). وعن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بشيء إذا عملته - أو عملت به - دخلت الجنة، قال: (أفشِ السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وقم بالليل والناس نيام، تدخل الجنة بسلام) (٣). وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رجل لرسول الله ﷺ : دلني على عمل يدخلني الجنة، قال رسول الله ﷺ : (لا تغضب ولك الجنة) (٤). الرابع: وردت نصوص أخرى تذكر أعمالاً تكون سبيلاً إلى الجنة، وهي كثيرة، فمن تلك الأعمال على سبيل الأجمال-وبعضها قد ذكر في النصوص السابقة-: ١ - طاعة الله ورسوله. ٢ - القول السديد

стр. 494

٣ - تقوى الله ٤ - الإيمانُ والعملُ الصالح ٥ - الصبر والتوكل على الله ٦ - التواصي بالحق والتواصي بالصبر ٧ - الجهاد في سبيل الله ٨ - الشهادة في سبيل الله ٩ - الهجرة في سبيل الله ١٠ - المداومة على السنن الراتبة ١١ - كفالة اليتيم ١٢ - الحج المبرور ١٣ - بناء المساجد ابتغاء وجه الله ١٤ - الاستقامة ١٥ - طلب العلم الشرعي ١٦ - الغدو إلى المساجد لعبادة الله ١٧ - الإكثار من السجود ١٨ - طاعة الزوج من غير معصية لله ١٩ - قيام الليل ٢٠ - الرحمة بالحيوان ٢١ - الصدقة ٢٢ - قول دعاء سيد الاستغفار ٢٣ - احتساب الوالدين موت الأولاد قبل بلوغهم. ٢٤ - صلة الرحم ٢٥ - التوبة من الذنوب.

стр. 495

لا تضيع الفرصة: وبعد أن طوّف الخيال في دار الجمال، وسافر القلب بشوقه إلى تلك المنازل البهية، وتاقت الروح إلى الانتقال إلى ذلك النعيم المقيم، ألا يحثنا هذا الشعور العارم إلى اغتنام ما تبقى من رصيد العمر بصرفه في العمل لتلك الدار الأنيقة. إن العاقل يتمنى ويشتاق لكنه يعمل للوصول إلى ما تمنى. فالجنة تحتاج إلى مسابقة، قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]. والجنة تحتاج إلى منافسة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٢ - ٢٦]. والجنة تحتاج إلى مسارعة، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. فلا تكسل أيها الإنسان ولا تبطئ؛ فما هي إلا أيام قليلة من التعب تعقبها الراحة التامة والسعادة الأبدية.
следующие страницы →