← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9885

مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر- ط مكتبة العلوم والحكم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (424 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وعقوبته) ورد قبل نزول آية " فلا تقل لهما أف" وعمل به قبل نزولها، لأن التخصيص بعد العمل بالعام نسخ كما قدمنا وايضاحه أن قوله في الحديث يحل عرضه، أي بقوله مطلني وعقوبته أي بالحبس، وعموم الحديث يشمل الوالد اذا مطل دين ولده وهو غني، وفحوى قوله " فلا تقل لهما أف" تدل على أنه لا يحبس الوالد في دين عليه لولده لأن الحبس أشد ايذاءاً من التأفيف، فإن ورد هذا المخصص قبل العمل بالعام فهو تخصيص، والا فهو نسخ وهو المقصود بالتقدير في المثال المذكور. وقال المؤلف رحمه الله تعالى في هذا المبحث: واذا نسخ الحكم في المنطوق بطل الحكم في المفهوم، وفيما يثبت بعلته أو بدليل خطابه وأنكر ذلك بعض الحنفية لأنه نسخ بالقياس وليس بصحيح، لأن هذه فروع تابعة لأصل فاذا سقط حكم الأصل سقط حكم الفرع، وعلى هذا الذي ذكره المؤلف درج في المراقي بقوله: ... ويجب الرفع لحكم الفرع ... ... أن حكم أصله يرى ذا رفع وايضاح معنى كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن منطوق اللفظ اذا نسخ بطل حكم ما تفرع عليه من مفهوم وما ألحق به بعلته، ومراده بدليل خطابه مفهوم مخالفته، فلو فرضنا نسخ قوله " كل مسكر حرام" لبطل قياس النبيذ على الخمر بجامع الاسكار، ولو فرضنا نسخ ايجاب الزكاة في السائمة لبطل مفهومه الذي هو عدم وجوبها في المعلوفة لبطلان أصله وهكذا، وخالف في هذا بعض الحنفية قائلين: ان الأصل حكم والفرع حكم آخر فيجوز نسخ هذا وبقاء هذا، ومثاله ما حكاه الباجي عن بعضهم من شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، قياساً على شهادتهم على المسلمين في الوصية في السفر المنصوص في قوله: أو آخران من غيركم بجامع العلة التي

стр. 107

هي تعذر وجود الشهود من المسلمين ثم نسخت شهادتهم على المسلمين في السفر على القول بذلك بقوله: " واشهدوا ذوي عدل منكم"، وقوله " ممن ترضون من الشهداء" والكفار غير مرضيين، وقوله: " ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون" أي وأحرى الكافرون برد الشهادة من الفاسقين، وبقي حكم شهادة بعضهم على بعض غير منسوخ مع نسخ الأصل المقيس عليه بناء على القول بذلك. تنبيهان الاول: قد قدمنا أن جماعة من الأصوليين قالوا ان مفهوم الموافقة بجواز نسخه دون أصله كالعكس، وصححه السبكي في جمع الجوامع وعليه فهذا الخلاف لم يعرج عليه المؤلف. الثاني: لم يتعرض المؤلف أيضاً لمفهوم المخالفة هل يمكن نسخه مع بقاء أصله أولا، والتحقيق جواز ذلك ووقوعه، ومثاله حديث (انما الماء من الماء) منطوق هذا الحديث ان من نزل منه الماء الذي هو المني وجب عليه استعمال الماء، أي غسل الجنابة، من نزول ذلك المني ومفهوم الحصر بانما أن من جامع وحصل من جماعه التقاء الختانين ولم ينزل منه مني أنه لا غسل عليه، فنسخ هذا المفهوم يوجب الغسل عند التقاء الختانين وان لم يحصل انزال الثابت عنه ﷺ وبقي المنطوق الذي هو وجوب الغسل من الانزال محكماً غير منسوخ، واعلم أنه لا يجوز النسخ بمفهوم المخالفة لضعفه ولاختلاف في اعتباره، واشار الى حكم مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة في النسخ صاحب المراقي بقوله:

стр. 108

وجاز بالفحوى ونسخه بلا ... أصل وعكسه جوازه انجلا ورأى لأكثرين لاستلزام ... وبالمخالفة لا يرام وهي عن الأصل لها تجرد ... في النسخ وانعكاسه مستبعد قال المؤلف رحمه الله تعالى: ـ (فصل) في ما يعرف به النسخ اعلم أن ذلك لا يعلم بدليل عقلي ولا بقياس، بل بمجرد النقل إلى آخره. حاصل هذا المبحث أن العقل والقياس لا يعرف بهما الناسخ من المنسوخ، وأن ذلك انما يعرف بمجرد النقل الدال على ذلك ولذلك طرق، منهما أن يكون في اللفظ ما يدل على النسخ كقوله ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) الحديث. الثاني: أن يذكر الراوي تاريخ سماعه نحو سمعت عام الفتح كذا وسمعت في حجة الوداع كذا، أي شيئاً يناقضه فيعرف الناسخ بتأخره، فما في حجة الوداع يكون ناسخاً لما في عام الفتح لتأخره عنه اذا لم يمكن الجمع بينهما. الثالث: اجماع الأمة على أن هذا الحكم منسوخ وأن ناسخه متأخر، ومثل له ابن السمعاني بنسخ وجوب الزكاة لغيرها من الحقوق المالية. ومنها أن ينقل الراوي الناسخ والمنسوخ فيقول رخص لنا في المتعة ومكثنا ثلاثة ثم نهانا عنها. ومنها أن يكون راوي أحد الخبرين أسلم في آخر حياة النبي - صلى الله

стр. 109

عليه وسلم - والآخر لم يصحب النبي ﷺ الا في أول الإسلام كرواية طلق بن علي وأبي هريرة في الوضوء من مس الفرج والله تعالى أعلم. هكذا ذكر المؤلف ﵀. قال مقيده عفا الله عنه: ـ اعلم أن محل التقديم لخبر متأخر الاسلام عمن أسلم قبله فيما اذا مات الأول قبل صحبة الثاني النبي ﷺ . أما ان عاش الأول حتى صحب الآخر النبي ﷺ فلا يكون حديث المتأخر ناسخاً لحديث متقدم الاسلام لاحتمال أن يكون متقدم الاسلام روى الحديث بعد متأخر الاسلام، اذ لا مانع من ذلك عقلاً ولا عادة ولا شرعاً، ولأجل هذا قال بعض العلماء: لا يقدم حديث أبي هريرة المذكور على حديث طلق من هذا الوجه بناء على أنه لم يثبت وفاة طلق قبل صحبة أبي هريرة، واعتمد هذا صاحب نشر البنود في شرح قوله في مراقي السعود عاطفاً على مالا يقبل النسخ به: ... وكون راويه الصحابي يقتفي ... ... ومثله تأخر في المصحف والله جل وعلا أعلم. وقوله يقتفي، أي يتبع الآخر في الاسلام، يعني أنه أسلم بعده فكان اسلامه يقتفي اسلامه وحديث أبي هريرة هو ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (من أفضى بيده الى ذكره وليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء) وحديث طلق هو ما روي عن النبي ﷺ انه سئل عن مس الذكر فقال: (وهل هو الا بضعة منك) مع أن حديث طلق مضعف، قال النووي في شرح المهذب أنه ضعيف باتفاق الحفاظ وقد بين البيهقي وجوهاً من وجوه تضعيفه

стр. 110

هذا هو مضمون الحديثين والله تعالى أعلم وصلى الله على محمد

стр. 111

وآله وصحبه وسلم. (مقرر السنة الثانية) السنة قال المؤلف رحمه الله تعالى: ـ الأصل الثاني من الأدلة سنة النبي ﷺ ، اعلم أن السنة في اللغة الطريقة والسيرة ومنه قول لبيد في معلقته: ... من معشر سنت لهم آباؤهم ... ... ولكل قوم سنة وامامها أي طريقة يسيرون عليها وفي اصطلاح الشرع هي ما قاله رسول الله ﷺ أو فعله أو قرر عليه وقول المؤلف ﵀ وقول رسول الله ﷺ أي وكذلك فعله وتقريره لأنه لا يقرر على باطل وقوله لدلالة المعجزة على صدقة أي ان معجزات الأنبياء تتضمن شهادة من الله لهم أن ما جاءوا به حق وقوله وهو دليل قاطع على من سمعه منه شفاهاً، أي وكذلك من شاهد فعله أو تقريره ﷺ وقوله فأما من بلغه بالأخبار فينقسم في حقه قسمين تواتراً وآحاداً كما سيأتي ان شاء الله ايضاحه وقوله وألفاظ الرواية في نقل الأخبار خمسة يعني أن كيفية رواية الصحابي عن النبي ﷺ خمس مراتب أقواها المرتبة الأولى وهي ما كان اللفظ فيه صريحاً في السماع من النبي ﷺ نحو سمعته ﷺ يقول أو حدثني أو أخبرني أو شافهني وهذا هو الأصل في الرواية.

стр. 112

المرتبة الثانية التي تلي الأولى في القوة هي ما كان اللفظ فيه ظاهراً في السماع منه ﷺ مع أنه محتمل لأنه لم يسمع منه مباشرة بل بواسطة نحو قوله قال رسول الله ﷺ أو عن رسول الله ﷺ ونحو ذلك وانما كانت هذه المرتبة دون التي قبلها لأنها ليست صريحة في السماع لامكان أن يكون سمعه من غير النبي ﷺ وهذه الصورة ان وقعت من الصحابي فالرواية بها مقبولة اذ لو فرضنا أن هناك واسطة وأنه مرسل فمراسيل الصحابة مقبولة لأن لها حكم الوصل أما ان صدرت هذه الصورة التي هي قال وعن ونحوهما من غير الصحابي فان كان غير مدلس فهي صحيحة كالتصريح بالسماع وان كان مدلساً لم تقبل مالم يثبت السماع من طريق أخرى كما هو مقرر في علم الحديث ومن يحتج من العلماء بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس وقوله قال ونحو ذلك من باب أولى ومثل المؤلف رحمه الله تعالى لقول الصحابي قال رسول الله ﷺ مع أنه لم يسمع منه مباشرة بما روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ مع أنه لم يسمع منه مباشرة بما روي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من أصبح جنباً فلا صوم له فلما استكشف قال: حدثني الفضل بن عباس وما روي عن ابن عباس أنه قال: انما الربا في النسيئة فلما روجع أخبر أنه سمعه من أسامة بن زيد وقد بينا أن مثل ذلك لا يضر لأن مرسل الصحابي له حكم الوصل. المرتبة الثالثة: أن يقول الصحابي أمر رسول الله ﷺ بكذا أو نهى عن كذا وانما كانت هذه دون التي قبلها لأن فيها من احتمال عدم السماع مباشرة مثل ما في الأولى وتزيد عليها بأنه قد يظن ما ليس بأمر أمراً هكذا قيل ولا يخفى بعده إذ عدالة الصحابي تمنعه من أن ينقل عن النبي ﷺ الأمر فيما ليس بأمر ولذا جعلت جماعة من أهل الأصول هذه المرتبة في منزلة التي قبلها لضعف

стр. 113

الاحتمال المذكور. المرتبة الرابعة: أن يقول أمرنا أو نهانا ولا يذكر الفاعل وانما كانت دون التي قبلها لأن فيها من الاحتمال ما في التي قبلها وتزيد باحتمال أن يكون الآمر غير النبي ﷺ من الأئمة والعلماء وأكثر أهل الأصول على أنه لا يحمل الا على أمر الله ورسوله خلافاً لمن أبطل هذه المرتبة لذلك الاحتمال. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ـ وفي معنى هذه المرتبة قوله من السنة كذا والسنة جائزة بكذا فالظاهر أنه لا يريد الا سنة رسول الله ﷺ ولا فرق في قول الصحابي ذلك وبين أن يقوله في حياته أو بعد وفاته ﷺ . قال المؤلف رحمه الله تعالى: ـ وقول التابعي والصحابي في ذلك سواء الا أن الاحتمال في قول الصحابي أظهر. المرتبة الخامسة أن يقول: كنا نفعل كذا على عهد رسول الله ﷺ أو كانوا يفعلون كذا على عهده ﷺ كقول جابر كنا نعزل والوحي ينزل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ـ ممثلاً لهذا مثل قول ابن عمر: كنا نفاضل على عهد رسول الله ﷺ فنقول أبو بكر ثم عمر ثم عثمان فيبلغ ذلك رسول الله

стр. 114

- ﷺ فلا ينكره. وقال: كنا نخابر أربعين سنة، الخ. ز أما اذا لم يذكر زمن النبي ﷺ بل قال كانوا يفعلون كذا مثلاً فقال أبو الخطاب يكون نقلاً للاجماع ومنعه بعض أصحاب الشافعي مالم يصرح بنقله عن أهل الاجماع، قال أبو الخطاب واذا قال الصحابي هذا الخبر منسوخ وجب قبول قوله ولو فسره بتفسير وجب الرجوع إلى تفسيره. هكذا نقل عنه المؤلف ومنع الأمرين كثير من علماء الأصول والله أعلم. ولم يذكر المؤلف هنا جميع صور أداء الحديث لأن رواية ال ... عن شيخه قد تكون بالسماع كما ذكرنا وقد تكون بالعرض وهو قراءته على الشيخ وقد تكون بالمناولة وغيرها من أقسام الاجازة كما سيذكره المؤلف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ـ (فصل) وحد الخبر هو الذي يتطرق اليه التصديق أو التكذيب وايضاحه أن ضابط الخبر هو ما يمكن أن يقال لقائله صدقت أو كذبت ومالا يمكن فيه ذلك فهو الانشاء كالأمر والنهي وغيرهما من أنواع الطلب وكصيغ العقود لأنها لانشاء العقد لا للاخيار به. قال المؤلف: وهو قسمان متواتر وآحاد، فالمتواتر يفيد العلم، الخ.. خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن الخبر قسمان متواتر وآحاد وان المتواتر يفيد العلم اليقيني الذي لا يتطرق اليه الشك من غير حاجة إلى شيء زائد على نفس

стр. 115

الخبر المتواتر وأن السمنية خالفوا في افادته العلم زاعمين حصر العلم في الحواس فلا يقين عندهم الا بمحسوس فقط، والسمنية بضم السين وفتح الميم فرقة هندية من عبدة الأصنام دهريون قائلون بالتناسخ ينكرون وقوع العلم بغير المحسوس منسوبون إلى صنم يسمى سمن أو بلد يسمى سمونات وهذا المذهب لا شك في بطلانه يشك عاقل في اليقين بأن الواحد نصف الإثنين وان الكل أكبر من الجزء ونحو ذلك من الأحكام العقلية. قال المؤلف: (فصل) قال القاضي: العلم الحاصل بالتواتر ضروري الخ.. خلاصة ما ذكره في هذا الفصل ان العلم الحاصل بالخبر المتواتر فيه قولان أحدهما أنه ضروري وهو قول القاضي والثاني أنه نظري وهو قول أبي الخطاب والضروري هو مالا يحتاج إلى تأمل والنظري هو ما يحتاج إلى تأمل وحجة من قال هو ضروري أن السامع يجد نفسه مضطراً للعلم يقيناً به كوجود الائمة الأربعة ووجود مكة وبغداد بالنسبة لمن لم يرهما فلو أراد التخلص من العلم بذلك لم يقدر وحجة من قال انه نظري هي أن العلم لابد له من العلم بمقدمتين قبله الأولى أن يعلم أن هذا الأمر أخبر به عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة. الثانية أنن يعلم أن ما أخبر به عدد على تلك الصفة فهو حق يقيناً فينتج من ذلك أن هذا الخبر يقين وأكثر أهل الأصول على الأول.

стр. 116

قال المؤلف: (فصل) ذهب قوم الى أن ما حصل العلم في واقعة يفيده في كل واقعة وما حصله لشخص يحصله لكل شخص يشاركه في السماع الخ ... خلاصة ما ذكر في هذا الفصل أن القدر الموجب للعلم اليقيني لا يتفاوت بحب الوقائع والأشخاص بل ما حصل به العلم في واقعة يحصل به في.. حصل به لشخص يحصل به لغيره من غير تفاوت. وقيل لا مانع من تفاوته باعتبار الأشخاص والوقائع ومحل هذا في الخبر المتجرد عن القرائن أما ان احتفت به قرائن فلا شك ان حصول اليقين به يتفاوت لأن القرائن الخفية يفهمها الذكي وتخفى على الغبي فتقوم القرائن للذكي مقام عدد من المخبرين وكذلك القرائن الظاهرة ان علم بها بعض المخبرين دون بعض كما لو تواتر الخبر لجماعة أن فلاناً مات وفلاناً تزوج وأحدهم قد رأى قبل ذلك الذي أخبروا بموته في النزع والذي أخبروا بتزويجه في السوق يشتري ما يحتاج إليه المتزوج فان العالم بمثل هذه القرائن يحصل له اليقين قبل حصوله لغير العالم بها لأن القرائن قد تفيد العلم منفردة عن أخبار فانا نعلم محبة شخص لآخر خوف شخص من آخر بما نرى من القرائن الدالة على ذلك ونحو ذلك كثير فاذا انضمت القرائن إلى الأخبار قامت مقام بعض المخبرين في افادة العلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ـ وللتواتر ثلاثة شروط الخ.. اعلم أن التواتر في اللغة هو مجئ الواحد بعد الواحد بفترة بينهما ومن ذلك قوله تعالى: " ثم أرسلنا رسلنا تترى " لأن التاء الأولى مبدلة من واو كتاء تقوى وقيل التواتر

стр. 117

التتابع مطلقاً ومنه قول لبيد في معلقته: يعلو طريقة متنها متواتر ... في ليلة كفر النجوم غمامها والتواتر في الاصطلاح هو اخبار جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة عن أمر محسوس وخلاصة ما ذكره المؤلف في هذا الفصل أن التواتر المفيد للعلم اليقيني تشترط فيه ثلاثة شروط: الأول: أن يكون اخبارهم عن أمر محسوس أي مدرك باحدى الحواس كقولهم: رأينا وسمعنا لأن تواطؤ الجم الغفير على الخطأ في المعقولات لا يستحيل عادة فترى الآلاف من العقلاء يتواطؤون على قدم العالم وعلى كذب الأنبياء مع أن تواطؤهم باطل لأنه ليس في اخبار عن محسوس أما تواطؤهم على الكذب في الاخبار عن محسوس فهو مستحيل عادة مع كثرتهم وعدم الدواعي الى التواطؤ. الشرط الثاني: أن يكون العدد بالغاً حداً يستحيل معه التواطؤ على الكذب عادة. الثالث: أن يكون العدد المذكور في كل طبقة من طبقات السند من أوله إلى آخره واختلف أهل الأصول في تحديد العدد الذي يحصل بخبرهم اليقين والمذهب الصحيح المعتمد أنه ليس له حد معين بل ما حصل به العلم اليقيني فهو العدد الكافي كالخبز نقطع بأنه يشبع والماء نقطع بأنه يروي مع عدم تحديد الحد الذي يقع به الشبع والري منهما وقيل أقله اثنان وقيل أقله أربعة وقيل خمسةوقيل عشرون وقيل ثلاثون وقيل سبعون والصحيح الأول وبطلان القول بالأربعة فما دونها واضح لوجوب تزكية الأربعة في شهادتهم على الزنا ومعلوم أن عدد التواتر لا تشترط فيه العدالة بل ولا الاسلام ومثال المتواتر حديث من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار وأشار

стр. 118

في مراقي السعود الى هذه المسألة بقوله: واقطع بصدق خير التواتر ... وسو بين مسلم وكافر واللفظ والمعنى وذاك خبر ... من عادة كذبهم منحظر عن غير معقول وأوجب العدد ... من غير تحديد على ما يعتمد وقيل بالعشرين أو بأكثرا ... أو بثلاثين أو اثنى عشرا إلغاء الأربعة فيه راجح ... وما عليها زاد فهو صالح وأوجبن فى طبقات السند ... تواتراً وفقاً لدى التعدد قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) ليس من شروط التواتر أن يكون المخبرون مسلمين ولا عدولا , الخ.. خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن التواتر لا يشترط في المخبرين به إسلام ولا عدالة لأن القطع بصدق خبرهم من حيث ان اجتماعهم وتواطأهم على الكذب مستحيل عادة لكثرتهم والعادة تحيل ذلك في الكفار والمسلمين وليس صدق خبرهم من حيث أن المخبرين به عدول مسلمون وانهم لا يشترط فيهم ألا يحصرهم بلد بل يحصل القطع بخبرهم وان حصرهم بلد أو مسجد كالحجيج اذا أخبروا بواقعة صدتهم عن الحج وأهل الجمعة اذا أخبروا عن حادثة منعتهم من صلاة الجمعة علم صدقهم في الأمرين مع حصرهم في محل أو مسجد.

стр. 119

قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) و لا يجوز على أهل التواتر كتمان ما يحتاج إلى نقله ومعرفته وأنكر ذلك الامامية , الخ ... خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن أهل التواتر لا يجوز عليهم كتمان ما يحتاج إلى نقله لأن كتمانه يجري في القبح مجرى الأخبار عنه بخلاف ما هو عليه فلم يجز وقوع ذلك منهم وتواطؤهم عليه فان قال رجل من أهل الجمعة أن الخطيب ضربه رجل بالسيف فقتله وهو يخطب على المنبر ولم يذكر هذا باقي الجمعة جزمنا بأن ذلك الرجل كاذب لأن تواطأهم على كتمان مثل هذا الأمر مستحيل عادة ومن هنا قالوا ما نقل آحاداً مع توفر الدواعي إلى نقله تواتراً حكم ببطلانه فان قيل لم ينقل النصارى كلام عيسى في المهد نقلا متواتراً مع أنه حق واقع , فالجواب ان كلامه في المهد وقع قبل ظهوره واتباعهم له وخالف في هذه المسألة الامامية قائلين ان أهل التواتر قد يكتمون ورتبوا على لك أن جميع الصحابة ﵃ وأرضاهم مع كثرتهم كتموا كلهم النصوص المصرحة بامامة على ﵁ , وقالوا والوقوع (١) دليل على الجواز حاشا أصحاب رسول الله ﷺ مما يفتريه عليهم الامامية من المختلقات.

стр. 120

قال المؤلف رحمه الله تعالى: - القسم الثاني: أخبار الآحاد وهي ما عدا المتواتر. اعلم أولا ان الآحاد جمع أحد وهمزة أحد مبدلة من واو فأصلها وحد وربما نطقت العرب فيه بالواو على الأصل ومنه قول نابغة ذبيان: وضابط خبر الآحاد أنه هو ما لم يدخل في حد المتواتر الذي قدمنا تعريفه لأن القسمة ثنائية عند الجمهور وعليه فالمستفيض الذي لم يبلغ حد التواتر من الآحاد خلافاً لمن جعل القسمة ثلاثية فجعل المستفيض واسطة بين المتواتر والآحاد وأقل المستفيض أربعة وقيل اثنان وقيل ثلاثة وأشار في المراقي إلى هذا بقوله: وخبر الواحد مظنون عرا ... عن القيود فى الذى تواترا والمستفيض منه وهو أربعة ... أقله وبعضه قد رفعه عن واحد وبعضهم عما يلى ... وجعله واسطة قول جلى قال المؤلف رحمه الله تعالى: - اختلف الرواية عن إمامنا ﵀ في حصول العلم بخبر الواحد الخ ... حاصل كلام أهل الأصول في هذه المسألة التي هي يفيد خبر الآحاد اليقين أو لا يفد الا الظن أن فيها للعلماء ثلاثة مذاهب: الأول: هو مذهب جماهير الأصوليين أن أخبار الآحاد إنما تفيد الظن فقط ولا تفيد اليقين وهو مراد المؤلف بالعلم فالعلم هو اليقين في الاصطلاح وحجة هذا القول انك لو سئلت عن أعدل رواة خبر الآحاد أيجوز في حقه الكذب والغلط لاضطررت ان تقول نعم فيقال قطعك اذن بصدقة مع تجويزك عليه الكذب والغلط لا معنى له.

стр. 121

المذهب الثاني: انه يفد اليقين ان كان الرواة عدولا ضابطين واحتج القائلون بهذا بأن العمل بخبر الآحاد واجب والظن ليس من العلم حتى يجب العمل به لأن الله تعالى يقول: ((ان الظن لا يغني من الحق شيئاً)) . والنبي ﷺ يول: (إياكم والظن فإن الظن أكذب. الحديث.) وهذا القول بافادته العلم رواية عن أحمد وحكاه الباجي عن ابن خويز منداد من المالكية وهو مذهب الظاهرية. المذهب الثالث: هو التفصيل بأنه احتفت به قرائن دالة على صدقة أفاد اليقين والا أفاد الظن ومثال ما احتفت به القرائن اخبار رجل بموت ولده المشرف على الموت مع قرينة البكاء واحضار الكفن والنعش. ومن أمثلته أيضاً أحاديث الشيخين لأن القرائن دالة على صدقها لجلالتها في هذا الشأن وتقديمهما في تمييز الصحيح على غيرهما وتلقي العلماء لكتابهما بالقول وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق كما قاله غير واحد واختار هذا القول ابن الحاجب وإمام الحرمين والامدي والبيضاوي قاله صاحب الضياء اللامع وممن اختار هذا القول أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى وحمل بعضهم الرواية عن أحمد على ما قامت القرائن على صدقة خاصة دون غيره. قال مقيده عفا الله عنه: - الذي يظهر لي أنه هو التحقيق في هذه المسألة والله جل وعلا أعلم ان خبر الآحاد أي الذي لم يبلغ حد التواتر ينظر اليه من جهتين هو احداهما قطعي ومن الأخرى ظني ينظر اليه من حيث أن العمل به واجب وهو من هذه الناحية قطعي لأن العمل بالبينات مثلا قطعي منصوص في الكتاب والسنة وقد أجمع عليه المسلمون وهي أخبار آحاد. وينظر إليه من

стр. 122

ناحية أخرى وهي هل ما أخبروا به مطابق للواقع في نفس الأمر فلو قتلنا رجلا قصاصاً بشهادة رجلين فقتلنا له هذا قطعي شرعاً لا شك فيه وصدق الشاهدين فيما أخبرا به مظنون في نفس الأمر لا مقطوع به لعدم العصمة. ويوضع هذا قوله ﷺ في حديث أم سلمة المتفق عليه: (انما أنا بش وأنكم تختصمون إلى فلعل بعضكم أن يكون الحن , بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من نار فليأخذها أو ليتركها) . فعمل النبي ﷺ في قضائه قطعي الصواب شرعاً مع أنه صرح بأنه لا يقطع بحقيقة الواقع في نفس الأمر كما ترى , وأشار في المراقي إلى الأقوال في هذه المسألة بقوله في خبر الآحاد: ويوضحه أيضاً قول علماء الحديث في تعريف الصحيح أن المراد صحته في ظاهر الأمر. تنبيه: - اعلم أن التحقيق الذي لا يجوز العدول عنه أن أخبار الآحاد الصحيحة كما تقبل في الأصول. فما ثبت عن النبي ﷺ بأسانيد صحيحة من صفات الله يجب اثباته واعتقاده على الوجه اللائق بكمال الله وجلاله على نحو ليس كمثله شئ وهو السميع البصير. وبهذا تعلم أن ما أطبق عليه أهل الكلام ومن تبعهم ن أن أخبار الآحاد

стр. 123

لا تقبل في العقائد ولا يثبت بها شئ من صفات الله زاعمين أن أخبار الآحاد لا تفيد اليقين وأن العقائد لا بد فيها من اليقين باطل لا يعول عليه. ويكفي من ظهور بطلانه أنه يستلزم رد الروايات الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ بمجرد تحكيم العقل. والعقول تتضاءل أمام عظمة صفات الله , وقد جرت عادة المتكلمين أنهم يزعمون أن ما يسمونه الدليل العقلي وهو القياس المنطقي الذي يركبونه من مقدمات اصطلحوا عليها أنه مقدم على الوحي. وهذا من أعظم الباطل لأن ما يسمونه الدليل العقلي ويزعمون أن إنتاجه للمطلوب قطعي هو جهل وتخبط في الظلمات. ومن أوضح الأدلة وأصرحها في ذلك أن هذه الطائفة تقول مثلا: ان العقل يمنع كذا من الصفات ويوجب كذا منها وينفون نصوص الوحي بناء على ذلك فيأتي خصومهم من طائفة أخرى ويقولون هذا الذي زعمتم أن العقل يمنعه كذبهم فيه بل العقل يوجبه. وما ذكرتم بأنه يجيزه أو يوجبه كذبتم فيه بل هو يمنعه وهاذ معروف في الكلام في مسائل كثيرة معروفة , كاختلافهم ي أفعال العبد وجواز رؤية الله بالأبصار وهل العرض يبقى زمانيين إلى غير ذلك. فيجب على المسلم أن يتقبل كل شئ ثبت عن النبي ﷺ بسند صحيح ويعلم أنه ان لم يحصل له الهدى والنجاة باتباع ما ثبت عنه ﷺ فانه لا يحصل ذلك بتحكيم عقله التائه في ظلمات الحيرة والجهل وعلى كل حال فاثبات صفات الله بأخبار الآحاد الصحيحة واعتقاد تلك الصفات كالعمل بما دلت عليه من أوامر الله ونواهيه كما أنها تثبت بها أوامره ونواهيه وكذلك تثبت بها صفاته , وقد بينا أنها من احدى الجهتين قطعية.

стр. 124

قال المؤلف: (فصل) وأنكر قول جواز التعبد بخبر الواحد عقلا الخ ... خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن قوماً أنكروا جواز التعبد بخبر الآحاد عقلا قالوا لا يجوز عقلا أن يأمر الله خلقه أن يعبدوه بمقتضى ما يبلغهم عنه وعن رسله على ألسنة الآحاد وعللوا ذلك الامتناع العقلي بأن الآحاد غير معصومين فخبرهم غير مقطوع بصدقة وغير المقطوع بصدقة ليس من العلم والتكليف بما ليس بمعلوم علماً يقينياً يقبح والقبيح مستحيل في حقل الله تعالى. ومن يروى عنه هذا القول ابن علية والأصم والجبائي وجماعة من المتكلمين وهذا القول لا شك في بطلانه كما أنه لا شك أن التحقيق هو مذهب الجمهور وهو جواز وقوع التعبد بأخبار الآحاد فالعمل بها قطعي والموافقة لما في نفس الأمر ظنية ولا مانع عقلا ولا شرعاً ولا عادة من بناء قطعي شرعاً على أمر ظني بالنسبة لما في نفس الأمر كما تقدم قريباً. قال المؤلف: (فصل) وقال أبو الخطاب: العقل يقتضي وجوب قبول خبر الواحد لأمور ثلاثة الخ ... خلاصة ما ذكره في هذا الفصل ان أبا الخطاب قال: ان العمل بخبر الآحاد يوجبه العقل لثلاثة أمور:

стр. 125

الأول: ان الأمور القطعية في الشرع قليلة والأغلب فيه الظنيات فلو علق العمل على القطع لتعطل أغلب الأحكام لندرة القواطع وقلة مدارك اليقين. الثاني: أنه ﷺ مبعوث إلى الناس كافة ولا تمكن مشافهة جميعهم ولا إبلاغ جميعهم بالتواتر. الثالث: ان العدل الراوي لخبر الواحد مظنون الصدق لعدالته والظن أرجح من مقابله والعمل بالراجح يوجبه العقل فمتى ترجح وجود أمر الله ورسوله بأخبار العدل فالعمل له اذن أرجح من مقابلة فالعقل يقتضيه , وأجاب المخالفون عن الأمور الثلاثة بأنه لا يلزم من عدم التعبد به تعطل الأحكام لامكان البقاء على البراءة الأصلية واستصحاب العدم الأصلي وكذلك الظن الناشئ منه قالوا لا يرفع حكم اليقين الثابت بالبراءة الأصلية واستصحاب العدم الأصلي قالوا والنبي ﷺ يكلف بتبليغ من أمكنه تبليغه من أمته دون من لم يمكنه. قال مقيده عفا الله عنه: - التحقيق ان العقل بالنظر إليه وحده لا يمنع التعبد بخبر الواحد ولا يوجبه فكلا القولين المتقدمين باطل بلا شك أعني قول من قال يمنعه العقل كالأصم والجبائي وقول من قال يوجبه وهو أبو الخطاب فالعقل يجيز التعبد به ولا يمنعه ولا يوجبه وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى. قال المؤلف: (فصل) فأما التعبد بخبر الواحد سمعا فهو قول الجمهور خلافاً لأكثر القدرية وبعض أهل الظاهر ولنا دليلان قاطعان الخ ... خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا الفصل أن التعبد بخبر الواحد بالنظر إلى الحكم الشرعي فهو مراده بقوله سمعا هو مذهب الجمهور خلافاً لأكثر القدرية

стр. 126

وبعض أهل الظاهر وان للجمهور دليلين قاطعين على التعبد به شرعاً , الأول: إجماع الصحابة ﵃ في وقائع لا تنحصر على قبوله كرجوع أبي بكر لقول المغيرة ابن شعبة ومحمد بن سلمة في ميراث الجدة لما أخبراه أنه ﷺ أعطاها السدس ومنها رجوع عمر ﵁ إلى قول المذكرين في دية الجنين أنه ﷺ قضى فيها بغيرة عبد أو وليدة ومنها رجوع عمر إلى قول الضحاك بن سفيان أن رسول الله ﷺ كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها وكرجوعه إلى قول عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ اخذ الجزية من مجوس هجر ومنها رجوع عثمان ﵁ إلى قول فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ أمرها بالسكنى في دار زوجها لما قتل حتى تنقضي عدتها إلى غير ذلك من الوقائع التي لا تنحصر (١) والمقصود المثال لا حصر جميعها وقد جاء عنهم التصريح برجوعهم عما كانوا يرونه لنفس تلك الأخبار التي هي آحاد كما جاء في بعض روايات حديث الغرة في الجنين أن عمر قال لله أكبر لو لم نسمع بهذا لقضينا بغيره عند أبي داوود وغيره كما روي عنه أنه كان لا يرى توريث المرأة من دية زوجها حتى أخره الضحاك بن سفيان بأن رسول الله ﷺ

стр. 127

كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها وكان قد قتل خطأ وأمثال هذا كثيرة فان قيل قد جاء ما يدل على ترك العمل بخبر الواحد في وقائع أخرى كعدم قبوله صلى الله عيه وسلم لخبر ذي اليدين لما قال له أقصرت الصلاة أن نسيت وأخبره أنه سلم من أثنتين ولم يقبل أبو بكر ﵁ خبر المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة حتى شهد معه محمد ابن مسلمة ولم يقبل عمر خبر أبي موسى في الاستئذان ثلاثاً حتى شهد معه أبو سعيد الخدري ولم تقبل عائشة خبر ابن عمر في حديثه أن الميت يعذب ببكاء أهله فالجواب من وجهين: الأول: ان هذا اعتراف من المخالف بقبول خبر الآحاد وإذا فهو إقرار منه بمحل النزاع لأن شهادة محمد ابن مسلمة مع المغيرة وأبي سعيد مع أبي موسى لا تنقل الخبر من كونه آحاداً لأن خبر الاثنين آحاد كما ترى. الثاني: ان تلك الوقائع ليس فيها ما يدل على عدم قبول خبر الآحاد لأن عدم تصديق النبي ﷺ لذي اليدين لأنه كان يظن خلاف ما اخبر به ولذا قال له كل ذلك لم يكن أي لم أنس ولم تقصر الصلاة أي في ظني ولا يكلف الإنسان بقبول خبر هو يظن عدم صدقة ولما أخبره الصحابة بصدق ذي اليدين أتم صلاته وسجد للسهو وهذا هو الصواب في الجواب عن هذا خلافاً لما ذكره المؤلف ﵀ من أن الجواب عنه أن عدم تصديقه ﷺ لذي اليدين ليعلمهم أن هذا الحكم لا يؤخذ فيه بقول الواحد لأنهم كانوا خلفه ﷺ كثيرين جداً وفيهم من هو أضبط للصلاة وأحرص على كمالها من ذي اليدين فكان انفراده بالتنبيه على ذلك دون جميعهم بعيداً ولذا لم يصدقه حتى أخبره غيره ...

стр. 128

وأما أبو بكر ﵁ فلم يرد قول المغيرة وانما طلب الاستظهار بشهادة آخر معه ولو لم يجد غيره لقبله منفرداً كقول إبراهيم بلى ولكن ليطمئن قلبي. وأما عمر ﵁ فانه قال لأبي موسى سداً للذريعة ليلا يكون الناس كلما توجه إلى أحد منهم لوم وضع حديثاً عن النبي ﷺ يرفع به عنه ذلك اللوم وقد ثبت عن عمر ﵁ أنه غير مكذب ولا متهم لأبي موسى ولكنه خشي أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ . وأما عائشة فهي لم تكذب ابن عمر بل قالت انكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ كما ثبت عنها ﵂ في الصحيح. وفي رواية عنها في الصحيح أيضاً أنها قالت رحم الله أبا عبد الرحمن تعني ابن عمر سمع شيئاً فلم يحفظه الخ ... ولكنها ظنت أنه غلط لاعتقادها أن ما أخبر به مخالف لقوله تعالى: ((ولا تز وازرة وزر أخرى)) لأن بكاء أهل الميت ليس من فعله فلو عذب به لكان من مؤاخذته بعمل غيره والقرآن ينفي هذا ومن هنا ظنت أنه غلط ظن شخص غلط شخص معين في حادثة معينة لسبب معين ليس فيه البتة ما يقتضي رد قول ذلك المخبر مطلقاً كما ترى مع أن الصواب في هذه المسألة مع ابن عمر ﵄ وليس الأمر كما ظنت عائشة ﵂ وتوجيهه عند العلماء من أربعة أوجه , الأول: ان ذلك الميت أوصى أهل بالبكاء عليه كقول طرفة ابن العبد في معلقته: وحينئذ فتعذيبه بفعله الذي هو أمره وايصاؤه بالمنكر.

стр. 129

الثاني: أن يعلم أن أهله يفعلون ذلك بعد موته ولم ينههم عنه لأن الله يأمره بنهيهم عن ذلك المنكر كما قال تعالى: ((قوا أنفسكم وأهليكم ناراً)) وتعذيبه اذا بتقصيره وإهماله ما أمره الله به من نهي أهله عن المنكر. الثالث: ان معنى تعذيبه ببكاء أهله توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به. الرابع: أن معنى تعذيبه تألمه بما يقع من أهله من النياحة وغيرها قال ابن حجر في الفتح وهذا اختيار أبي جعفر الطبري من المتقدمين ورجحه ابن المرابط وعياض ومن تبعه ونصره ابن تيمية وجماعة ن المتأخرين واستشهدوا له بحديث قيلة بنت مخرمة ومحل الشاهد في كلامه من حديثها قوله ﷺ : (فو الذي نفس محمد بيده ان أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم) قال: وهذا حديث طويل حسن الإسناد أخرجه ابن أبي خيثمة وابن أبي شيبة والطبراني وغيرهم. الدليل الثاني: ما تواتر ما إنفاذ رسول الله ﷺ أمراءة ورسله وقضاته وسعاته إلى الأطراف لتبليغ الأحكام والقضاء وتبليغ الرسالة ومن المعلوم أنه كان يجب عليهم تلقي ذلك بالقبول ليكون مفيداً والنبي ﷺ مأمور بتبليغهم الرسالة ولم يكن ليبلغها بمن لا يكتفي يه وهذا دليل قاطع على قبول أخبار الآحاد. وقال البخاري في صحيحه باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الآذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام قول الله تعالى: ((فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون)) ويسمي الرجل طائفة لقوله تعالى: ((وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا))

стр. 130

فلو اقتتل رجلان دخل في معنى الآية. وقوله تعالى: ((ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)) وكيف بعث النبي ﷺ أمراءة واحداً بعد واحد فان سها أحد منهم رد إلى السنة ثم ساق ﵀ أحاديث في وقائع متعددة كلها دجالة على الزامه ﷺ بقبول خبر الآحاد فانظر ها فيه ان شئت ومراد البخاري ﵀ أن العمل بخبر الواحد دل عليه الكتاب والسنة فمن الآيات الدالة عليه قوله تعالى: ((فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة)) الآية. لأن تلك الطائفة لم يقل أحد بشرط بلوغها عدد التواتر مع أن الله يلزم بقبول خبرها في قوله: ((ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم لعلهم يحذرون)) بل ذكر البخاري أن الطائفة تصدق بالرجل الواحد , واستدل على ذلك بالآية التي ذكرنا آنفاً وقد سبقه للاستدلال بالآية على ذلك الشافعي ومجاهد رحمهم الله تعالى. ومن الآيات الدالة على قبول خبر الواحد قوله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)) الآية. فانه يفهم من دليل خطاب هذه الآية أعني مفهوم مخالفتها ان ذلك الجائي بنبأ لو كان غير فاسق بل كان معروفاً بالعدالة والصدق فانه لا يلزم التبين في خيره على قراءة فتبينوا ولا التثبيت على قراءة فتثبتوا بل يلزم العمل به حالا من غير تبين ولا تثبت والتحقيق اعتبار مفهوم المخالفة كما تقرر في الأصول خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله تعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - دليل ثالث وهو أن الإجماع انعقد على قبول قول المفتي فيما يخبر به عن ظنه فما يخبر به عن السماع الذي لا يشك فيه أولى.

стр. 131

قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) وذهب الجبائي إلى أن خبر الواحد انما يقبل اذا رواه عن النبي ﷺ اثنان ثم يرويه عن كل واحد منهما اثنان إلى يصير في زماننا إلى حد يتعذر معه إثبات حديث أصلا الخ ... خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن لجبائي قاس الرواية على الشهادة وهذا مذهب باطل بإجماع من يعتد به من العلماء. فرواية المرأة كرواية الرجل وليست شهادتها كشهادته. ورواية النساء مقبولة في الدماء والحدود ونحو ذلك ولا تقبل شهادتهن في ذلك والشهادة في الزنا لا بد فيها من أربعة والرواية فيه لا تحتاج إلى ذلك إلى غير ذلك من الفوارق بينها التي لا نزاع فيه بين أهل العلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - ويعتبر في الراوي المقبول روايته أربعة شروط: الإسلام والتكليف والعدالة والضبط الخ ... اعلم أن الكافر لا تقبل روايته على التحقيق ولو كان متأولا معظماً للدين لأن منصب القبول لا يستفاد بغير الإسلام وخلاف من خالف في هذا لا يعول عليه وأما غير المكلف كالصغير والمجنون فلا تقبل روايته أيضاً على التحقيق أما المجنون فلا تقبل مطلقا لا في التحمل ولا في الأداء وأما الصبي فيقبل في التحمل دون الأداء على التحقيق والمعنى أنه ان سمع الحديث من النبي فتحمله عنه وهو صغير عاقل ثم أداه بعد بلوغه قبل كما هي حالة رواية ابن عباس والحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير والنعمان بن بشير وأضرابهم أما لو أداه في حال

стр. 132

صغره فانه لا تقبل روايته لكونه لا يخاف الله ولا يعرفه ولو فرضنا أنه يعرفه فهو يعلم أن الصبي مرفوع عنه القلم فلا يخاف عاقبة الكذب ولأنه لا يقبل قوله فيما يخبر به عن نفسه وهو الاقرار فما يخبر به عن غيره أولى بعدم القبول ولا ينتقض هذا بالعبد فان إقراره لا يقبل مع أن روايته مقبولة لأن المانع من قبول إقراره هو حق سيده الذي يملكه وليس لأحد إقرار بملك غيره مع أن قوماً أجازوا إقراره في العقوبات البدنية وهو مذهب مالك وقول من قال من العلماء بقبول شهادة الصبيان فيما يقع بينهم من الجنايات لا يرد على ما ذكرنا لأنه من قبيل الاستدلال بالقرائن اذا كثروا وأخبروا قبل التفرق مع مسيس الحاجة لذلك لكثرة وقوع الجنايات بينهم وانفرادهم غالبا عن غيرهم وأما الضبط فلا خلاف في اشتراطه فلا تقبل رواية غير المميز ولا المجنون ولا المغفل الذي لا يحسن ضبط ماحفظه ليؤديه على وجه فلا ثقة بقوله وان كان غير فاسق والضبط في اللغة هو حفظ الشئ بالحزم وفي الاصطلاح هو كون الراوي غير كثير الغلط والخطأ بل خطؤه نادر ويعرف ذلك بمخالفته للجماعة المشهورين بالعدالة والضبط فمن كثرت مخالفته لهم فليس بضابط فلا تقبل روايته ومن ندرت مخالفته لهم فهو الضابط المستكمل لهذا الشرط قال في طلعة الأنوار معرفاً للضابط: كذاك لا يقبل إلا من ضبط ... من زايل الخطأ كثيراً والغلط بالضابطين اتعبرن فإن غلب ... وفق فضابط وإلا يجتنب وأما العدالة فلا اختلاف في اشتراطها في الراوي والعدالة في اللغة التوسط وفي الاصطلاح سلامة الدين من الفسق والمروءة من القوادح وعرفها ابن عاصم في رجزه بقوله: والعدل من يجتنب الكبائرا ... ويتقى فى الأغلب الصغائرا وما أبيح وهو في العيان ... بقدح في مروءة الانسان.

стр. 133

وقال بعض علماء الأصول: العدالة هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروؤة جميعاً حتى تحصل ثقة النفوس بصدقة فلا ثقة بقول من لا يخاف الله تعالى خوفاً وازعاً عن الكذب وخلاف أهل الأصول في اشتراط الملكة المانعة من فعل ما يخل بالدين والمروءة مشهور وممن جزم باشتراط الملكة فيها صاحب جمع الجوامع والغزإلى والأبياري والفهري وغيرهم وأكثر أهل على أن العدل هو من يجتنب الكبائر مطلقاً وصغائر الخسة مطلقاً كسرقة لقمة وتطفيف جبة لدلالة ذلك على سقوط مروءته وساقط المروءة لا ثقة بقوله ويجتنب صغائر غير الخسة في أغلب الأحوال ويجتنب ما يخل بالمروءة عرفاً من المباحات كالبول في الطريق والأكل في السوق لغير سوقي ونحو ذلك وظاهر كلامهم سواء كان الاجتناب بسبب ملكه أي هيئة راسخة في النفس ومجاهدتها دون فعل ذلك وهذا هو الأظهر عندي وممن ما ل اليه ابن حلولو في الضياء اللامع والعبادي في الآيات البينات والله تعالى أعلم , واعلم أن الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة لاشعاره بعدم التقوى من فاعله , قال في المراقي: ولا صغيرة مع الإصرار ... المبطل الثقة بالأخبار وخلاف العلماء في حد الكبيرة معروف فلا نطيل به الكلام هذا وما ذكره المؤلف من اشتراط العدالة يعلم منه أنه لا تقبل رواق فاسق وهو كذلك كما نص الله على ذلك في قوله: ((ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هو الفاسقون)) الآية. وقوله: ((ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)) أما ان كان فسقة بارتكاب كبيرة كقذف المحصنات ونحو ذلك فلا

стр. 134

خلاف في عدن قبول روايته وأما ان كان فسقة عن تأول كبعض أهل الأهواء الذين لم تبلغ بهم بدعهم الكفر البواح فاختلاف أهل الأصول والحديث في قبول رواياتهم معروف فأما من كان منهم برى أن الكذب لترويج بدعته جائز كالخطابية وغيرهم فلا تقبل روايته قولا واحدا وكذلك من يدعو منهم إلى بدعته أما الذي لا يدعو إلى بدعته ولا يرى جواز الكذب بل عرف الصدق والتحرز من الكذب واحترام الدين فأكثر أهل العلم على قبول روايته لأن صدقه مما يغلب على الظن وقد روى الشيخان وغيرهما من جماعة من المبتدعة من خوارج ومرجئة وقدرية وممن اخرج له البخاري عمران بن حطان وهو القائل في ابن ملجم قاتل أمير المؤمنين علي ﵁ يمدحه على ذلك. يا ضربة من تقى ما أراد بها ... إلا يبلغ من ذى العرش رضوانا إنى لأذكره من غوى فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا ولقد صدق من رد عليه بقوله: بل ضربة من غوى أوردته لظى ... وسوف يلقى بها الرحمن غضبانا وفي هذه المسألة أعني الرواية عن أهل البدع كلام كثير للعلماء لم نطل به الكلام وأظهره هو ما ذكرنا والله تعالى أعلم وانما العدالة بواحد من ستة أمور: الأول: الاختبار بالمعاملة والمخالطة التي تطلع على خبايا النفوس ودسائسها. الثاني: التزكية ممن ثبتت عدالته وهي أخبار العدول المبرزين عنه بصفات العدالة. الثالث: السماع المتوتر أو المستفيض عنه أنه عدل فمن اشتهرت عدالته

стр. 135

بين أهل العلم وشاع الثناء عليه بالعدالة كفى ذلك في ثبوت عدالته كمالك والسفيانين والأوزاعي والشافعي وأحمد وأشباههم. الرابع: قضاء قاض بشهادة شاهد ان كان معروفاً عنه أنه لا يحكم بعلمه أو لم يكن عالماً بالواقعة مع شهرته بالعدالة وعدم الحكم بقول غير العدل أو مجهول الحال فان احتمل أنه حكم بعلمه لا بشهادة الشاهد فليس ذلك تعديلا له. وحكى ابن الحاجب الإجماع على أن حكم القاضي بشهادة الشاهد نحو ما ذكرنا له والظاهر أنه لا يخلو من خلاف. الخامس: أن يروي عنه من عرف من عادته أو من لفظه أنه لا يروى الا عن العدل كالبخاري في صحيحه ومالك فان تلك الرواية عنه تعديل له , وذهب جماعة من علماء الحديث إلى أن ذلك ليس تعديلا له لاحتمال مخالفته عادة وكونه ذلك تعديلا له هو اختيار الأصوليين أما ان كان يروى عن غير العدل فليست روايته عن شخص تعديلا له قولا واحدا. السادس: أن يعمل عالم بروايته بشرط أن يعرف من لفظ ذلك العالم أو عادته أنه لا يعمل الا بقول العدل وعلى هذا جماعة من الأصوليين وقالت جماعة من أهل الحديث ليس عمل العالم بروايته تعديلا له ولا تصحيحاً لمرويه لجواز أن يكون عمل به احتياطاً أو في فضائل الأعمال التي أجاز بعضهم العمل فيها بالضعيف بشرطه المعروف في علم الحديث. قال مقيده عفا الله عنه: - ان كان العمل المذكور في الترغيب أو كان أحوط فالظاهر أن العمل له لا يستلزم تعديل رواية أما ان كان ليس من مواضع الترغيب وكان الاحتياط في ترك العمل به كما لو دل المروي المذكور على جواز أخذ مال إنسان أو عقوبته وكان العالم الذي عمل به لا يعمل الا برواية العدل فالظاهر أن عمله بروايته حينئذ تعديل له وقطع بذلك العبادي في الآيات البينات

стр. 136

وقال صاحب نشر البنود ليس بعيداً أما إن كان العالم لا يلتزم في العمل بالرواية عدالة الراوي فعمله بروايته ليس تعديلا له اتفاقاً وإلى المسألة إشارة في المراقي بقوله: ومثبت العدالة اختبار ... كذاك تعديل والانتشار وفى قضا القاضى وأخذ الراوى ... وعمل العالم أيضاً ثاوى وشرط كل أن ير ملتزماً ... رداً لما ليس بعدل علما وستأتي هذه المسألة في المتن وقدمناها لنذكر مثبت العدالة عند ذكر العدالة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) ولا يقبل خبر مجهول الحال في هذه الشروط في احدى الروايتين وهو مذهب أبي حنيفة الخ ... خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن من جهل إسلامه فلم يعرف أمسلم هو لا ومن جهل بلوغه فلم يدر أبالغ هو أم صبي ومن جهل ضبطه فلم يدر أضابط هو أم لا لا تقبل رواية واحد منهم قولا واحداً أما من جهلت عدالته فلم يدر أعدل هو أو لا فالرواية المشهورة عن أحمد أنه لا يقبل وهو مذهب الشافعي. قال مقيده عفا لله عنه: - وهو مذهب مالك والجمهور والرواية الأخرى عن أحمد أنه يقبل. قال المؤلف. وهو مذهب أبي حنيفة ومدار هذا الخلاف على أن شرط القبول هل

стр. 137

هو العلم بالعدالة أو هو عدم العلم بالفسق فمن قال لا يقبل مجهول العدالة قال المدار على علم العدالة والمجهول لم تعلم عدالته فلا يقبل ومن قال يقبل قال المدار على عدم العلم بالفسق وهذا لم يعلم منه فسق فيقبل واحتج من قال بأن مجهول العدالة لا يقبل بحجج الأولى ان مستند قبول خبر الواحد الإجماع والمجمع عليه قبول رواية العدل ورد خبر الفاسق. والمجهول ليس بعدل ولا هو في معنى العدل في حصول الثقة بخبره. الثانية: قياس الشك في العدالة على الشك في بقية الشروط الذي هو محل اتفاق على عدم القبول اذ لا فرق بين الشروط المذكورة فلا وجه لجعل الشك مانعاً من القبول في بعض منها دون بعض بلا دليل. الثالثة: قياس روايته على شهادته فشهادة مجهول العدالة لا تقبل لقوله تعالى: ((واشهدوا ذوي عدل منكم)) الآية. وقوله: ((ممن ترضون من الشهداء)) والمجهول غير عدل ولا مرضى فكذلك روايته. الرابعة: ان المقلد اذا شك في بلوغ المفتي الدرجة التي تخول له الإفتاء لم يجز تقليده فكذلك الرواية عنه. الخامسة: ان الفرع الشاهد على شهادة أصل لا تقبل شهادته ما لم يعينه فلو كانت شهادة المجهول مقبولة لما احتيج إلى تعيينه. هذا حاصل ما ذكره المؤلف منه حجج القول مع بعض اختصار. واحتج من قال بقبول رواية مجهول العدالة بحجج. الأولى: قبوله ﷺ شهادة الأعرابي برؤية الهلال ولم يعرف منه الا الإسلام.

стр. 138

الثانية: ان الصحابة ﵃ كانوا يقبلون رواية الأعراب والعبيد والنساء لأنهم لم يعرفوهم بفسق. الثالثة: ان من أسلم من الكفار ثم روى فور إسلامه فروايته مقبولة والقول بردها بعيد ولا مستند لقبولها الا إسلامية وعدم العلم بفسقه بعد إسلامه. الرابعة: أنه لو أخبر بطهارة ماء أو نجاسته أو أنه على طهارة أو أن هذه الجارية ملكه أو أنها خالية من زوج قبل قوله في ذلك فيجوز التطهر بالماء الذي أخبر بطهارته ويترك الماء الذي أخبر بنجاسته ويجوز الائتمام به لقوله أنه على طهارة ويجوز وطئ الجارية المشتراة منه بقوله أنها ملكه وأنها خالة من زوج هذا الذي ذكره المؤلف من حجج هذا القول وأجاب أهل القول الأول عن هذه الحجج بأن قبوله ﷺ لشهادة الأعرابي لم يتعين فيه كون الأعرابي كان مجهولاً عنده لاحتمال أن يكون كان عالماً بعدالته بوحي أو غيره أو يكون زكاه بعض الصحابة والظاهر أن الجواب عن هذا أن الصحابة كلهم كلهم عدول تثبت عدالتهم وتزكيتهم بالنص وبأن الصحابة ما كانوا يقبلون رواية أحد من غير الصحابة من العبيد والنساء الا من عرفوا صدقه وعدالته وأما قريب العهد بالكفر ممن أسلم ثم روى فان كان صحابياً فله عدالة الصحابة وطراوة إسلامه ورغبته في الدين تجعله يتباعد من الكذب وأما ان كان من غير الصحابة فلا نسلم قبول روايته حتى تعرف عدالته وأما من أخبر عن نجاسة الماء أو طهارته من غير الصحابة فلا تصدق روايته إلا إذا عرفنا عدالته وأما قول البائع ان هذه السلعة له وان هذه الأمة لا زوج لها فقد رخص في قبول ذلك في المعاملات لشدة حاجة الناس اليها ولو كان بيده المتاع معروفاً أنه غير عدل. اذ لو توقفت المعاملات على إثبات ملك السلع المعروضة للبيع لتعذر ذلك وصار فيه حرج كبير فاكتفي

стр. 139

في ذلك بوضع اليد ودعوى الملك ولو من غير عدل. قال المؤلف: (فصل) ولا يشترط في الرواية المذكورة الخ ... خلاصة ما ذكره في هذا الفصل سبعة أشياء: الأول: ان رواية المرأة كرواية الرجل فرواية عائشة مثلا لا فرق بينها ورواية الرجال من الصحابة إذ الرواية ليست كالشهادة فالنساء في باب الرواية هن والرجال سواء. الثاني: ان رواية الأعمى إذا وثق بمعرفة الصوت مقبولة واستدل لذلك بأن الصحابة ﵃ كانوا يروون عن عائشة وغيرها من النساء من وراء حجاب اعتماداً على الصوت الا أن الأصوليين قرروا في مباحث الترجيح أن الذي روي عن النساء من غير حجاب لكونه من محارمهن ترجح روايته على رواية من روى عنهن من وراء حجاب ومثلوا له برواية القاسم بن محمد عن عائشة أن بريرة عتقت وزوجها عبد مع رواية الأسود بن يزيد عنها أنه كان حراً لأن القاسم ابن أخيها يروي عنها من غير حجاب والأسود ليس محرماً لها فلا يروي عنها الا من وراء حجاب. وعن البخاري أن القائل بأنه كان حراً الحكم وليس من قول عائشة. الثالث: ان الراوي لا يشترط فيه كونه فقيهاً بل تقبل رواية العدل الذي ليس بفقيه واستدل له المؤلف بحديث رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. وبأن الصحابة كانوا يقبلون خبر

стр. 140

الأعرابي الذي لا يروي الا حديثاً واحداً. الرابع والخامس أنه لا يقدح في الرواية بالعداوة والقرابة بخلاف الشهادة وإيضاحه أنه لو كانت خصومة بين أثنين ثم روى قريب أحدهما أو عدوه حديثاً عن النبي ﷺ يقتضي نفع ذلك القريب أو ضر ذلك العدو فلا يقدح في روايته بتلك العداوة أو القرابة لأن حكم الرواية عام لكل الناس لا يختص بشخص بعينه بخلاف الشهادة. السادس: أنه لا يقدح في رواية الراوي بعدم معرفة نسبه. السابع: أنه لو ذكر اسم شخص متردد بين مجروح وعدل فلا تقبل تلك الرواية لاحتمال كون ذلك الشخص المذكور في السند هو المجروح. هذا هو حاصل ما ذكره المؤلف في هذا لفصل وجميع ما فيه صواب والمقرر في أصول مالك وألي حنيفة أنهما لا يقبلان رواية غير الفقيه وبعضهم يقيده عن أبي حنيفة بما اذا خالفت رواية غير الفقيه القياس وبهذه القاعدة ردوا كثيرا من أحاديث أبي هريرة ﵁ بدعوى أنه غير فقيه وأن روايته مخالفة للقياس ومثال ذلك ردهم لحديثه في المصراة أنه يردها اذا حلبها وصاعاً من تمر والمروي في أصول المالكية عن مالك عدم قبول رواية غير الفقيه مطلقاً بدعوى أن غير الفقيه لا يوثق بفهمه الكلام على وجهه فربما فهم غير المقصود لعدم فقهه وربما نقله بالمعنى فيقع بذلك الخلل في روايته ولا شك أن هذا باطل من وجهين: الأول: ان عدالته تمنعه من أن يقول شيئاً لم يفهمه ولمم يجزم بفهمه مع أن معنى الكلام الذي لا خفاء فيه ولا إجمال يفهمه على وجهه غير الفقيه كما لا يخفى. الثاني: ان النبي ﷺ بين أنهه قد يحمل الفقه

стр. 141

غير الفقيه وذلك نص في محل النزاع وهو ثابت عنه ﷺ أنه قال: نضر الله أمرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه فقوله ﷺ : ورب حامل فقه ليس بفقيه نص في محل النزاع دال على صحة رواية غير الفقيه كما ترى. وقد قال المناوي في شرح الجامع الصغير في الكلام على هذا الحديث رواه الترمذي في العلم والضياء في المختارة عن زيد بن ثابت قال الترمذي صحيح وقال ابن حجر في تخريج المختصر حديث زيد بن ثابت هذا صحيح خرجه أحمد وأبو داوود وابن حبان وابن أبي حاتم والخطيب وأبو نعيم والطيالسي والترمذي وفي الباب عن معاذ بن جبل وأبي الدرداء وأنس وغيرهم وقال في موضع آخر الحديث صحيح المتن وان كان بعض أسانيده معلولا. اهـ. قال مقيده عفا الله عنه: - ومعنى هذا ثابت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ لأن قول النبي ﷺ في حديث أبي موسى المتفق عليه المشهور وكان منه أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا الحديث مثل مضروب لكون الراوي قد يكون غير فقيه فكما أن تلك الأجادب لم تنبت ولم تثمر ولكنها أمسكت ذلك الماء للناس فنفعهم الله به فشربوا منه وسقوا وزرعوا فكذلك أولئك الرواة لم يتفقهوا ولكن نفع الله الناس بما حفظوا من العلم فانتفعوا به وتفقهوا فيه ولذا قال ﷺ : رب مبلغ

стр. 142

أوعى من سامع وقوله مبلغ بصيغة اسم المفعول وهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب العلم في باب قول النبي صلى لله عليه وسلم رب مبلغ أوعى من سامع من حديث أبي بكر ﵁ عن النبي ﷺ وذكر صاحب الجامع الصغير هذا الحديث من رواية ابن مسعود وعزاه للامام أحمد في المسنتد والترمذي وابن حبان وجعل عليه علامة الصحة وقال شارحه المناوي قال ابن حجر في تخريج المختصر حديث مشهور خرج في السنن أو بعضها من حديث ابن مسعود وزيد بن ثابت وجبير ابن مطعم وصححه ابن حبان والحاكم. وذكر أو القاسم بن منده في تذكرته أنه رواه عن المصطفى ﷺ أربعة وعشرون صحابياً ثم سرد أسماءهم وقال عبد الغني في الآداب تذاكرت أنا والدارقطني طرق هذا الحديث فقال: هذا أصح شئ روي فيه. اهـ. وهذه النصوص تدل على أن ما روي عن مالك وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى من عدم قبول رواية غير الفقيه مطلقاً أو اذا خالفت القياس خلاف لصواب وقد رد صاحب مراقي السعود هذا القول على أهل مذهبه من المالكة بقوله: من ليس ذا فقه أباه الجيل ... وعكسه أثبته الدليل والحيل الصنف من الناس ومراده بهم علماء المالكية وقوله وعكسه أي عكس قولهم أثبته الدليل وهو ما ذكرنا آنفاً من الأحاديث في ذلك. قول المؤلف في التزكية والجرح قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) المراد بالتزكية في الاصطلاح أخبار العدول عنه بصفات العدالة والمراد

стр. 143

بالجرح في الاصطلاح أخبارهم عنه بما يخل بعدالته من فسق أو سقوط مروءة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - اعلم أنه يسمع الجرح والتعديل من واحد في الرواية لان العدالة التي تثبت بها الرواية لا تزيد على نفس الرواية بخلاف الشهادة وكذلك تقبل تزكية العبد والمرأة كما تقبل روايتها معنى كلامه واضح وهو أن التعديل والجرح بالنسبة إلى الرواية كلاهما يثبت بواحد عدل ولو عبد أو امرأة لان نفس الرواية تثبت بواحد ولو عبداً أو امرأة فكذلك التزكية فيها أما الشهادة فلا يكفي فيها واحد كما هو معروف وكذلك لا يكفي في التزكية فيها واحد وحاصل كلام العلماء في هذه المسألة أن لهم فيها ثلاثة مذاهب: الأول لا بد في التعديل والتجريح من عدلين مطلقاً سواء كان ذلك بالنسبة إلى الرواية أو الشهادة والثانية يكفي فيها معاً واحد والثالث التفصيل فيكفي الواحد فيها بالنسبة إلى الرواية دون الشهادة وهو الذي درج عليه المؤلف وأشار في مراقي السعود إلى هذه المسألة بقوله في الجرح والتعديل: كلاهما يقبته المنفرد ... ومالك عنه روى التعدد وقال بالعدد ذو دراية ... فى جهة الشاهد لا الرواية والقول باشتراط التعدد في المعدل والمجرح في الرواية والشهادة معاً عزاه الفهري للمحدثين والأبياري لأكثر الفقهاء. وأظهرها عندي الفرق بين الرواية والشهادة في ذلك وكون التعديل والتجريح تبعاً لما فيه التعديل والتجريح فان كان يكتفي فيه بواحد اكتفى في تعديله وتجريحه بواحد والا

стр. 144

فلا وان كان صاحب الضياء اللامع يقول ان الفرق بينهما غلط قائلا ان معقول الشهادة فيهما سواء لأن كلا منهما أخبار عن شخص بصفات العدالة أو عدمها وما قاله يرده الإجماع على الفرق بين الرواية والشهادة في مسائل كثيرة كقبول رواية المرأة منفردة ولو في الدماء والحدود مع عدم قبول شهادتها في ذلك وكلا الأمرين أخبار منها عن أمر. وقد قال ابن عاصم المالكي في تحقيه: وواحد يجزئ فى بابا الخبر ... وإثنان أولى عند كل ذى نظر قال المؤلف رحمه الله تعالى: - واختلف الرواية في قبول الجرح اذا لم يتبين سببه الخ ... خلاصة ما ذكره في هذا الحديث أن فيه ثلاثة مذاهب أحدها أن الجرح يقبل ولو لم يبين المجرح سببه لأن عدالته تمنعه من الجرح بأمر غير قادح. الثاني: ان الجرح لا يقبل الا مع بينان سببه لاختلاف الناس فيما يحصل به الجرح فقد يظن الأمر قادحاً وهو ليس بقادح. الثالث: التفصيل بين المجرح الذي حصلت الثقة ببصيرته وشدة معرفته وتمييزه لأسباب الجرح فيقبل تجريحه مع عدم بيان السبب وبين من ليس كذلك فلا يقبل تجريحه حتى يبين السبب. قال مقيده عفا الله عنه: - جمهور أهل الأصول والحديث لا يقبل الا مع بيان السبب لأن المجرح قد يظن ما ليس بقادح قادحاً وقد قيل لشعبة: لم تركت حديث فلا ن؟ قال: رأيته يركض على بر ذون فتركت حديثه. وروي عن مسلم بن إبراهيم أنه

стр. 145

سئل عن حديث صالح المري فقال: وما تصنع بصالح ذكروه يوماً عند حماد بن سلمة فامتخط حماد. اهـ. وأشباه هذا كثيرة ولأجل هذا احتج الشيخان في صحيحهما بجماعة سبق من غيرهما تجريحهم فلم يقبلوا ذلك التجريح لعدم بيان السبب. ومن أمثلة ذلك رواية البخاري عن عكرمة وعمر بن مرزوق , ورواية مسلم عن سويد ابن سعيد وغيره. قال العراقي في ألفيته: وربما رد الكلام الجارح ... كالنسئ فى أحمد بن صالح قال المؤلف رحمه الله تعالى: - أما اذا تعارض الجرح والتعديل قدمنا الجرح الخ ... خلاصة ما ذكره في هذا المبحث أن الجرح اذا تعارض مع التعديل قدم الجرح لأن المجرح اطلع على أمر خفي على المعدل هذا ان تساوي عدد المجرحين والمعدلين أو كان المجرحون أكثر فان كان المعدلون أكثر من المجرحين فكذلك في الصحيح لأن سبب تقديم الجرح علم المجرح بما خفي على المعدل وذلك لا ينتفي بكثرة عدد المعدلين وقيل يقدم التعديل للكثرة وهو ضعيف هذا حاصل كلامه وتحقيق المقام في هذه المسألة أن المجرحين ان كانوا أكثر فالتجريح مقدم اجماعاً فان تساوى عدد المجرحين والمعدلين أو كان المعدلون أكثر فكذلك على الصحيح وقيل بالترجيح فيهما وأسباب الترجيح ستأتي إن شاء الله تعالى في آخر الكتاب وأشار في المراقي إلى هذه المسألة بقوله: وشذ من زعم أن التعديل يقدم في جميع الصور.
следующие страницы →