← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9885

مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر- ط مكتبة العلوم والحكم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (424 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

غير الفقيه وذلك نص في محل النزاع وهو ثابت عنه ﷺ أنه قال: نضر الله أمرءاً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه فقوله ﷺ : ورب حامل فقه ليس بفقيه نص في محل النزاع دال على صحة رواية غير الفقيه كما ترى. وقد قال المناوي في شرح الجامع الصغير في الكلام على هذا الحديث رواه الترمذي في العلم والضياء في المختارة عن زيد بن ثابت قال الترمذي صحيح وقال ابن حجر في تخريج المختصر حديث زيد بن ثابت هذا صحيح خرجه أحمد وأبو داوود وابن حبان وابن أبي حاتم والخطيب وأبو نعيم والطيالسي والترمذي وفي الباب عن معاذ بن جبل وأبي الدرداء وأنس وغيرهم وقال في موضع آخر الحديث صحيح المتن وان كان بعض أسانيده معلولا. اهـ. قال مقيده عفا الله عنه: - ومعنى هذا ثابت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ لأن قول النبي ﷺ في حديث أبي موسى المتفق عليه المشهور وكان منه أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا الحديث مثل مضروب لكون الراوي قد يكون غير فقيه فكما أن تلك الأجادب لم تنبت ولم تثمر ولكنها أمسكت ذلك الماء للناس فنفعهم الله به فشربوا منه وسقوا وزرعوا فكذلك أولئك الرواة لم يتفقهوا ولكن نفع الله الناس بما حفظوا من العلم فانتفعوا به وتفقهوا فيه ولذا قال ﷺ : رب مبلغ

стр. 142

أوعى من سامع وقوله مبلغ بصيغة اسم المفعول وهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب العلم في باب قول النبي صلى لله عليه وسلم رب مبلغ أوعى من سامع من حديث أبي بكر ﵁ عن النبي ﷺ وذكر صاحب الجامع الصغير هذا الحديث من رواية ابن مسعود وعزاه للامام أحمد في المسنتد والترمذي وابن حبان وجعل عليه علامة الصحة وقال شارحه المناوي قال ابن حجر في تخريج المختصر حديث مشهور خرج في السنن أو بعضها من حديث ابن مسعود وزيد بن ثابت وجبير ابن مطعم وصححه ابن حبان والحاكم. وذكر أو القاسم بن منده في تذكرته أنه رواه عن المصطفى ﷺ أربعة وعشرون صحابياً ثم سرد أسماءهم وقال عبد الغني في الآداب تذاكرت أنا والدارقطني طرق هذا الحديث فقال: هذا أصح شئ روي فيه. اهـ. وهذه النصوص تدل على أن ما روي عن مالك وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى من عدم قبول رواية غير الفقيه مطلقاً أو اذا خالفت القياس خلاف لصواب وقد رد صاحب مراقي السعود هذا القول على أهل مذهبه من المالكة بقوله: من ليس ذا فقه أباه الجيل ... وعكسه أثبته الدليل والحيل الصنف من الناس ومراده بهم علماء المالكية وقوله وعكسه أي عكس قولهم أثبته الدليل وهو ما ذكرنا آنفاً من الأحاديث في ذلك. قول المؤلف في التزكية والجرح قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) المراد بالتزكية في الاصطلاح أخبار العدول عنه بصفات العدالة والمراد

стр. 143

بالجرح في الاصطلاح أخبارهم عنه بما يخل بعدالته من فسق أو سقوط مروءة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - اعلم أنه يسمع الجرح والتعديل من واحد في الرواية لان العدالة التي تثبت بها الرواية لا تزيد على نفس الرواية بخلاف الشهادة وكذلك تقبل تزكية العبد والمرأة كما تقبل روايتها معنى كلامه واضح وهو أن التعديل والجرح بالنسبة إلى الرواية كلاهما يثبت بواحد عدل ولو عبد أو امرأة لان نفس الرواية تثبت بواحد ولو عبداً أو امرأة فكذلك التزكية فيها أما الشهادة فلا يكفي فيها واحد كما هو معروف وكذلك لا يكفي في التزكية فيها واحد وحاصل كلام العلماء في هذه المسألة أن لهم فيها ثلاثة مذاهب: الأول لا بد في التعديل والتجريح من عدلين مطلقاً سواء كان ذلك بالنسبة إلى الرواية أو الشهادة والثانية يكفي فيها معاً واحد والثالث التفصيل فيكفي الواحد فيها بالنسبة إلى الرواية دون الشهادة وهو الذي درج عليه المؤلف وأشار في مراقي السعود إلى هذه المسألة بقوله في الجرح والتعديل: كلاهما يقبته المنفرد ... ومالك عنه روى التعدد وقال بالعدد ذو دراية ... فى جهة الشاهد لا الرواية والقول باشتراط التعدد في المعدل والمجرح في الرواية والشهادة معاً عزاه الفهري للمحدثين والأبياري لأكثر الفقهاء. وأظهرها عندي الفرق بين الرواية والشهادة في ذلك وكون التعديل والتجريح تبعاً لما فيه التعديل والتجريح فان كان يكتفي فيه بواحد اكتفى في تعديله وتجريحه بواحد والا

стр. 144

فلا وان كان صاحب الضياء اللامع يقول ان الفرق بينهما غلط قائلا ان معقول الشهادة فيهما سواء لأن كلا منهما أخبار عن شخص بصفات العدالة أو عدمها وما قاله يرده الإجماع على الفرق بين الرواية والشهادة في مسائل كثيرة كقبول رواية المرأة منفردة ولو في الدماء والحدود مع عدم قبول شهادتها في ذلك وكلا الأمرين أخبار منها عن أمر. وقد قال ابن عاصم المالكي في تحقيه: وواحد يجزئ فى بابا الخبر ... وإثنان أولى عند كل ذى نظر قال المؤلف رحمه الله تعالى: - واختلف الرواية في قبول الجرح اذا لم يتبين سببه الخ ... خلاصة ما ذكره في هذا الحديث أن فيه ثلاثة مذاهب أحدها أن الجرح يقبل ولو لم يبين المجرح سببه لأن عدالته تمنعه من الجرح بأمر غير قادح. الثاني: ان الجرح لا يقبل الا مع بينان سببه لاختلاف الناس فيما يحصل به الجرح فقد يظن الأمر قادحاً وهو ليس بقادح. الثالث: التفصيل بين المجرح الذي حصلت الثقة ببصيرته وشدة معرفته وتمييزه لأسباب الجرح فيقبل تجريحه مع عدم بيان السبب وبين من ليس كذلك فلا يقبل تجريحه حتى يبين السبب. قال مقيده عفا الله عنه: - جمهور أهل الأصول والحديث لا يقبل الا مع بيان السبب لأن المجرح قد يظن ما ليس بقادح قادحاً وقد قيل لشعبة: لم تركت حديث فلا ن؟ قال: رأيته يركض على بر ذون فتركت حديثه. وروي عن مسلم بن إبراهيم أنه

стр. 145

سئل عن حديث صالح المري فقال: وما تصنع بصالح ذكروه يوماً عند حماد بن سلمة فامتخط حماد. اهـ. وأشباه هذا كثيرة ولأجل هذا احتج الشيخان في صحيحهما بجماعة سبق من غيرهما تجريحهم فلم يقبلوا ذلك التجريح لعدم بيان السبب. ومن أمثلة ذلك رواية البخاري عن عكرمة وعمر بن مرزوق , ورواية مسلم عن سويد ابن سعيد وغيره. قال العراقي في ألفيته: وربما رد الكلام الجارح ... كالنسئ فى أحمد بن صالح قال المؤلف رحمه الله تعالى: - أما اذا تعارض الجرح والتعديل قدمنا الجرح الخ ... خلاصة ما ذكره في هذا المبحث أن الجرح اذا تعارض مع التعديل قدم الجرح لأن المجرح اطلع على أمر خفي على المعدل هذا ان تساوي عدد المجرحين والمعدلين أو كان المجرحون أكثر فان كان المعدلون أكثر من المجرحين فكذلك في الصحيح لأن سبب تقديم الجرح علم المجرح بما خفي على المعدل وذلك لا ينتفي بكثرة عدد المعدلين وقيل يقدم التعديل للكثرة وهو ضعيف هذا حاصل كلامه وتحقيق المقام في هذه المسألة أن المجرحين ان كانوا أكثر فالتجريح مقدم اجماعاً فان تساوى عدد المجرحين والمعدلين أو كان المعدلون أكثر فكذلك على الصحيح وقيل بالترجيح فيهما وأسباب الترجيح ستأتي إن شاء الله تعالى في آخر الكتاب وأشار في المراقي إلى هذه المسألة بقوله: وشذ من زعم أن التعديل يقدم في جميع الصور.

стр. 146

قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) في التعديل وذلك إما بقول واما بالرواية عنه الخ ... قد قدمنا ما ذكره في هذا المبحث مستوفي في الكلام على اشتراط العدالة فلا حاجة إلى إعادته هنا وأعلى أنواع التزكية الشادة له بأنه عدل رضى وان لم يبين أسبابا ذلك. واعلم أن تحقيق قبول التعديل بدون بيان السبب كما هو مذهب الجمهور من أصوليين ومحدثين. واعلم أن عدم العمل بشهادة شاهد ليس تجريحاً له كما هو ظاهر. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) والذي عليه سلف الأمة وجمهور الخلف أن الصحابة ﵃ معلومة عدالتهم بتعديل الله تعالى وثنائه عليهم. قال الله تعالى: ((والسابقون الأولون)) الآية. وقال: ((لقد رضي الله عن المؤمنين)) الآية. وقال: ((محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار)) الآية ... الخ ... خلاصة ما ذكره في الفصل أن الصحابة كلهم عدول للثناء عليهم في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وهذا قول جمهور علماء المسلمين وهو الصواب ان شاء الله تعالى , وعلى هذا فجهالة الصحابي لا تضر لأنهم كلهم

стр. 147

عدول والصحابي هو من اجتمع مع النبي ﷺ مؤمناً وما ت على ذلك والصحبة تثبت بقوله عن نفسه أنه صحب النبي ﷺ ان كان أدرك عصره وكذلك تثبت بقول غيره من الصحابة ﵃ هذا حاصل كلامه ﵀ وخالف جماعة فقالوا لا تثبت العدالة الا لخصوص الذين لازموه ﷺ واهتدوا بهديه أما من رآه مرة مثلا ثم فارقه فلا تثبت له العدالة بذلك وممن اختار هذا التفصيل المازري في شرح البرهان لإمام الحرمين والقرافي وغيرهما والصواب ان شاء الله تعالى هو مذهب الجمهور وانهم كلهم عدول ﵃ وأرضاهم سواء لازموه أو اجتمعوا به وذهبوا وقد أطبق العلماء على قبول رواية وائل ابن حجر ومالك بن الحويرث وعثمان بن أبي العاص الثقفي وغيرهم ممن اشتهرت صحبتهم وروايتهم عنه ﷺ مع أنهم وفدوا إليه واجتمعوا به ﷺ ورجعوا إلى أهليهم ولم يلازموه. وقال ابن حجر في مقدمة الإصابة: اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ولم يخالف في ذلك الا شذوذ من المبتدعة وذكر الخطيب في الكفاية فصلا نفيساً في ذلك فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وأحباره عن طهارتهم واختياره لهم فمن ذلك قوله تعالى: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس)) وقوله: ((وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس)) الآية. وقوله: ((لقد رضي الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم)) وقوله: ((والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه)) وقوله: ((يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)) و

стр. 148

قوله: ((للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون)) إلى قوله: ((ان ك رؤوف رحيم)) في آيات كثيرة يصول ذكرها وأحاديث كثيرة يكثر تعدادها وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله إلى تعديل أحد من الخلق على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شئ مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأنباء والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع بتعديلهم إلى أن قال: والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة ومن أدلها على المقصود ما رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله ابن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبعضهم ومن آذاهم فقد آذى الله ومن آذى الله فسيوشك أن يأخذه. وقال أبو محمد بن حزم: الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعاً. قال الله تعالى: ((ولا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى)) وقال تعالى: ((ان الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون)) فثبت أن الجميع من أهل الجنة وانه لا يدخل أحد منهم النار لأنهم هم المخاطبون بالآية السابقة فان قيل التقييد بالإنفاق والقتال يخرج من لم يتصف بذلك فالجواب أن التقيدات المذكورة خرجت مخرج

стр. 149

الغالب والا فالمراد من اتصف بالانفاق بالفعل أو القوة انتهى منه مع حذف واختصار غير مخل بالمقصود وأشار في مراقي السعود إلى مسألة عدالة الصحابي جامعاً معا الفرق بين الرواية والشادة بقوله: ومراده بالامام المؤتمن القرافي وقد سبقه إلى ذلك القول المازري وغيره كما تقدم فالحاصل أن الحق الذي عليه من يعتد به من المسلمين أن الصحابة كلهم تقدم فالحاصل أن الحق الذي عليه من يعتد به من المسلمين أن الصحابة كلهم محكوم لهم بالعدالة ولا يبحث عن عدالة أحد منهم وليسوا معصومين فمن ثبت عليه في خوصه قادح ثبوتاً واضحاً لا مطعن فيه عمل به وقد ارتد بعضهم كعبيد الله بن جحش الذي كان زوج أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان أم حبيبة ﵂ والرده أعظم من ارتكاب كبيرة توجب الفسق وقد مات والعياذ بالله على ردته منتصراً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) المحدود في القذف ان كان يلفظ الشهادة فلا يرد خبره لأن نقصان العدد ليس من فعله ولهذا روى الناس عن أبي بكرة واتفقوا على ذلك وهو محدود في القذف وان كان بغير لفظ الشهادة فلا تقبل روايته حتى يتوب حاصل ما ذكر في هذا الفصل أن أبطال الرواية بالحد في القذف تفصيلا فان كان المحدود شاهداً عند الحاكم بأن فلاناً زني وحد لعدم كمال الأربعة فهذا لا ترد به روايته لأنه إنما حد لعدم كمال نصاب

стр. 150

الشهادة في الزنى وذلك ليس من فعله وان كان القذف ليس بصيغة الشهادة كقوله لعفيف: يا زاني ويا عاهر ونحو ذلك بطلت روايته حتى يتوب أي ويصلح بدليل قوله تعالى: ((ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هو الفاسقون الا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا)) الآية. واستدل المؤلف ﵀ لما ذكره من الفرق بين الحد على سبيل القذف والحد على سبيل عدم كمال النصاب في الشهادة بقصة أبي بكرة لأنه متفق على قبول روايته مع أنه محدود في شهادته على المغيرة ابن شعبة الثقفي بالزنا والشهادة في هذا ليست كالرواية فلا تقبل شهادة المحدود في قذف أو شهادة حتى يتوب ويصلح بدليل قول عمر [بي بكرة تب أقبل شهادتك خلافاً لمن جعل شهادته كروايته فلا ترد وهو محكي عن الشافعي والحاصل أن القذف بالشتم ترد شهادته وروايته بلا خلاف حتى يتوب ويصلح والمحدود في الشهادة لعدم كمال النصاب تقبل روايته دون شهادته وقيل تقبل شهادته وروايته وقصة أبي بكرة المشار إليها أنه شهد على المغيرة ابن شعبة بالزنا هو وأخوه زياد ونافع ابن الحارث وسعيد ابن سهل فتلكأ زياد أو غيره في الشهادة فجلد عمر الثلاثة المذكورين. قال مقيده عفا الله عنه: - يظهر لنا في هذه القصة أن المرأة التي رأوا المغيرة ﵁ مخالطاً لها عندما فتحت الريح الباب عنهما هي زوجته ولا يعرفونها وهي تشبه امرأة أخرى أجنبية كانوا يعرفونها تدخل على المغيرة وغيره من الأمراء فظنوا أنها هي فهم لم يقصدوا باطلاً ولكن ظنهم أخطأ وهو لم يقترف ان شاء الله فاحشة لأن أصحاب رسول الله ﷺ يعظم فيهم الوازع الديني الزاجر عما لا ينبغي في أغلب الأحوال والعلم عند الله تعالى.

стр. 151

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل) في كيفية الرواية وهي على أربع مراتب الخ ... خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن كيفية الرواية يعني الرواية عن غير النبي ﷺ بدليل ما تقدم على أربع مراتب. الأولى: وهي أعلاها عند المؤلف قراءة الشيخ عليه في معرض الأخبار ليروي عنه وذلك يسوغ للراوي أن يقول حدثني وأخبرني وسمعته يقول وقال كذا ونحو ذلك من صنيع الأداء. المرتبة الثانية: أن يقرأ على الشيخ فيقول: نعم أو يسكت فتجوز الرواية به خلافاً لبعض أهل الظاهر القائل بأنه لا بد من إقرار الشيخ نطقاً ولا يكفي سكوته لأن الساكت لا ينسب إليه قول عندهم واستدلاله أيضاً بظاهر قوله تعالى: ((قال أأقررتم وأخذتم على ذلك أصري)) الآية. والجمهور على قبول الرواية ولو سكت لأن عدالته تمنعه من أن يسكت مع علمه بعدم صحة ما يقرأ عليه ما لم تكن هناك مخيلة إكراه أو غفلة ونحو ذلك فلا يكتفي بسكوته وهذه المرتبة الثانية تسوغ للراوي أن يقول أنبأنا وحدثنا فلان قراءة عليه وهل يجوز الاقتصار على حدثنا فلان دون ذكره قراءة عليه فيه روايتان أحدهما يجوز ذلك وعزاه المؤلف لأكثر الفقهاء والأخرى لا يجوز ذلك كما لا يجوز سمعت من فلان في ذلك وهل يجوز للراوي أن يبدل قول شيخه حدثنا بأخبرنا أو عكسه فيه روايتان أيضاً بالجواز والمنع ووجه القول بجواز ذلك اتحاد اللفظيين في المعنى لغة ووجه المنع من ذلك اختلاف مقتضى اللفظيين عند المحدثين لأنهم

стр. 152

يخصون حديثنا بما سمع من لفظ الشيخ وأخبرنا يصلح عندهم لذلك أيضاً ولما قرئ على الشيخ فأقر به فالأخبار عندهم أعلم من التحديث. المرتبة الثالثة: الجازة وهي أربعة أنواع: الأول: الإجازة لمعين في معين كقوله أجزت لك أو لكم أن تروي أو ترووا عني الكتاب الفلاني. الثاني: الإجازة لمعين في غير معين كقوله أجزت لك أو لكم أن ترووا عني جميع مروياتي. الثالث: الإجازة لغير معين في معين كأن يقول أجزت للمسلمين أن يرووا عني الكتاب الفلاني. الرابع: الإجازة لغير معين في غير معين كأن يقول: أجزت للمسلمين أن يرووا عني جميع مروياتي وجمهور أهل العلم على جواز الرواية والعمل بالإجازة واستقر عليه عمل عامة أهل العلم وحكى الإجماع على ذلك أبو الوليد الباجي وعياض من المالكية ومنع الرواية بالإجازة والعمل بها جماعة من الطوائف ممن روي عنه ذلك شعبة ابن الحجاج قائلا لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة وإبراهيم الحربي وأبو نصر الوائلي وأبو بكر الخجندي الشافعي وأبو طاهر الدباس الحنفي وهذا هو إحدى الروايتين عن الشافعي وحكاه الآمدي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ونقله القاضي عبد الوهاب عن مالك وقال ابن حزم أنها بدعة غير جائزة وفيها أقوال أخر غير ما ذكرنا بالتفصيل بين أنواع الإجازة مذكورة في الأصول وعلوم الحديث والحق جواز الرواية بالإجازة كما عليه الجمهور وقال صاحب المراقي: واعمل بما عن الإجازة روي ... إن صح سمعه يظن قد قوى

стр. 153

(تنبيه) فان قيل ما الدليل على جواز الرواية و العمل بالإجازة فالجواب أن بعض أهل العلم استدل لذلك بما يأتي قال صاحب تدريب الراوي قال ابن الصلاح وفي الاحتجاج لتجويزها غموض ويتجه أن يقال إذا أجاز له أن يروي عنه مروياته فقد أخبره بها جملة كما لو أخبره بها تفصيلاً وأخباره بها غير متوقف على التصريح قطعاً كما في القراءة وانما الغرض حصول الإفهام والفهم وذلك حاصل بالإجازة وقال الخطيب في الكفاية احتج بعض أهل العلم لجوازها بحديث أن النبي ﷺ كتب سورة براءة في صحفية ودفعها لأبي بكر ثم بعث علي بن أبي طالب فأخدها منه ولم يقرأها عليه ولا هو أيضاً حتى وصل إلى مكة ففتحها وقرأها على الناس , فكان النبي ﷺ أجاز له أن يروي عنه ما في تلك الصحيفة من غير سماع منه. المرتبة الرابعة: المناولة وهي أن يناوله كتاباً ويقول له أرو عني ما فيه فهو كالإجازة لأن مجرد المناولة دون اللفظ لا يكفي واللفظ وحده يكفي وكلاهما تجوز الرواية به فيقول حدثني إجازة أو أخبرني إجازة فان لم يقل إجازة لم يجز على أصح القولين , فان قال هذا الكتاب سماعي ولم يأذن في روايته عنه فلا تجوز الرواية بذلك لأنه يمكن ألا يجيز رواية عنه لخلل يعلمه فيه وكذلك لو قال عندي شهادة لا يشهد بها ما لم يقل أذنت لك أنت تشهد على شهادتي وكذلك لو قال عندي شهادة لا يشهد بخها ما لم يقل أذنت لك أن تشهد على شهادتي وكذا لو وجد شيئاً بخطه لا يرويه عنه لكن يجوز له أن يقول وجدت بخط فلان كذا كذا فان قال العدل هذه نسخة من صحيح البخاري أو مسلم مثلا فليس له أن يرويه عنه ما لم يأذن وخل يلزمه العمل به فيه خلاف وأظهره لزوم العمل به لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يحملون

стр. 154

صحف الصدقات إلى البلاد وكان الناس يعتمدون عليها بشهادة حامليها بصحتها دون أن يسمعها كل واحد منهم فان ذلك يفيد سكون النفس وغلبة الظن وإلى ذلك أشار في المراقي بقوله: والخلف فى أعلاه السجود ... وأعملن من صحيح السند هذا هو خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث مع زيادات إيضاح واستدلال واستظهار وهذا الذي مشى عليه المؤلف ﵀ من ترتيب هذه المراتب الأربعة المذكورة قول بعض أهل العلم وفيه أقوال أخر غير هذا منها أن المناولة والسماع والعرض الذي هو القراءة على الشيخ فيقول نعم في مرتبة واحدة وان الإجازة المجردة عن المناولة مرتبة ثانية دونها وهذا هو المشهور عند المالكية وعليه درج في مراقي السعود بقوله: ومراده بالأذن الإجازة وبالنوال المناولة يعني أن الإجازة المشتملة على المناولة في مرتبة السماع والعرض وكون المناولة المذكورة تساوي السماع هو ما ذهب إليه ابن شهاب وربيعة ومالك وخلق كثير قاله في نشر البنود وكونها دون السماع هو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وصححه النووي قاله في نشر البنود أيضاً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) إذا وجد سماعة بخط يوثق به جاز له أن يرويه وان لم يذكر سماعه الخ ... خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أنه إذا وجد سماعه بخط يغلب

стр. 155

على الظن به أنه سمعه مع أنه ناس للسماع فهل له أن يرويه اعتماداً على الخط وهو ما اختاره المؤلف وغزاه للشافعي وعلل ذلك بأن مبنى الرواية على حسن الظن وغلبته بناء على دليل وقد وجد ذلك في هذه المسألة لأن الثقة بالخط المذكور يغلب على الظن بها صحة السماع المذكور ولا يجوز له أن يروي ذلك اعتماداً على الخط لأجل نسيانه للسماع وعزاه أبي حنيفة مستدلا له بقياس الرواية على الشهادة في ذلك. واعترض المؤلف قياس الرواية على الشهادة في هذه المسألة من جهتين: الأولي: ان الشهادة تصح اعتماداً على الخط الموثوق به وان لم يتذكرها على إحدى الروايتين الثانية: ان الشهادة أضيق من الرواية لما علم بينها من الفروق كما تقدم , والله تعالى أعلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) إذا شك في سماع حديث من شيخه لم يجز أن يرويه عن الخ ... خلاصة ما ذكره في هذا الفصل ثلاث نقط: الأولي: انه ان شك في سماع حديث من شيخه لا يجوز له أن يرويه عنه مع الشك وهذا واضح لأن منع رواية المشكوك فيه ضروري كما ترى. الثانية: انه إن شك في حديث من سماعه ثم التبس عليه ذلك الحديث المشكوك فيه فلم يميزه من غيره لم يجز له أن يروي عنه شيئاً مع ذلك الشك لأن كل حديث رواه عنه احتمل أن يكون هو ذلك الحديث الذي

стр. 156

شك في سماعه. الثالثة: اذا غلب ظنه أنه سمع منه حديثاً ولم يجزم بذلك فهل تكفي غلبة الظن فتجوز الرواية بها أو لا تكفي فلا تجوز بها ولم يرجح واحداً منها. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) اذا أنكر الشيخ الحديث وقال لست أذكره لم يقدح ذلك الخبر في قول أم أمنا وما لك والشافعي وأكثر المتكلمين ومنع منه الكرخي قياساً على الشهادة خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن شيخ الراوي إذا أنكر الحديث وقال: لست أذكره فلا يبطل ذلك روايته عنه لأنه نسى الحديث والراوي ذاكر له فلا وجه لرد كلام ذاكر له فلا وجه لرد كلام ذاكر بنسيان ناس وهذا القول هو الصحيح وعزاه المؤلف للكرخي ورد المؤلف هذا القياس بكثرة الفوارق بين الرواية والشهادة. قال مقيدة عفا الله عنه: - الذي يظهر صوابه في هذه المسألة هو اختاره غير واحد من الأصوليين والمحدثين من التفصيل في ذلك فان كان الشيخ جازماً بنفيه وانه ما روى هذا الحديث أصلاً لم تقبل رواية الراوي عنه ولا يقدح ذلك في رواية ذلك الراوي في غير ذلك الحديث لأنه لم يثبت كذبه وان لم يجزم بنفيه بل قال لا أعرفه أو لا أذكره أو نحو ذلك لم يقدح فيه. وقد روي ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه هريرة أن النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد ثم نسيه سهيل فكان يقول

стр. 157

حدثني ربيعة عني أني حدثته ولم ينكر عليه أحد قال العراقي في ألفيته: وإن يرده بلا أذكر أو ... ما يقتضى نسيانه فقد رأوا الحكم للذاكر عند المعظم ... وحكى الاسقاط عن بعضهم كقصة الضاهد واليمين إذ ... نسيه سهيل الذى أخذ عنه فكان بعد عن ربيعة ... عن نفسه يرويه لن يضيعه وذكر صاحب المراقي تفصيلاً في جزم الشيخ بعدم رواية الراوي وعزاه للباجي وحاصله أن الشيخ اذا قال هذا الحديث من جملة مروياتي الا أن فلاناً هاذ لم يروه عني جزماً قبلت رواية الراوي وان كان الشيخ جازماً بعدمها وان قال الشيخ هذا الحديث لم يكن من مروياتي أصلا ردت رواية الراو ي عنه وذلك في قوله عاطفا على ما تقبل فيه الرواية: وذكر صاحب المراقي تفصيلا في جزم الشيخ بعدم رواية الراوي وعزاه للباجي وحاصله أن الشيخ إذا قال هذا الحديث من جملة مروياتي الا أن فلاناً هذا لم يروه عني جزماً قبلت رواية الراوي وان كان الشيخ جازماً بعدمها وان قال الشيخ هذا الحديث لم يكن من مروياتي أصلاً ردت رواية الراوي عنه وذلك في قوله عاطفاً على ما تقبل فيه الرواية: والجزم من فرع وشك الأصل ... ودع بجزمه لذلك النقل وقال بالقبول إن لم ينتف ... أصل من الحديث شيخ مقتفى ومراده بهذا الشيخ الباجي ثم أشار إلى أن جزم الأصل بتكذيب الفرع لا يقدح في عدالة الفرع بقوله: وليس ذا يقدح فى العدالة ... كشاهد للجزم بالمقالة (تنبيه) ذكر بعض أهل العلم في هذا المبحث أن السبب الذي منع الحنفية من قبول الحكم بالشاهد واليمين هو نسيان الراوي المذكور للحديث وان نسيانه مبطل للرواية عندهم. وقد قدمنا في النسخ أن الموجب لرد حديث الحكم بالشهادة واليمين

стр. 158

عندهم أنه زيادة على قوله تعالى: ((قان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء)) الآية. وان الزيادة على النص نسخ عندهم والحديث المذكور آحاد والآية معلوم أنها من المتواتر والمتواتر لا ينسخ عندهم بالآحاد كما تقدم إيضاحه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) انفراد الثقة في الحديث بزيادة مقبول سواء كانت لفظاً أو معني , الخ ... خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن الثقة اذا روى زيادة في الحديث لم يروها غيره بل انفرد بها فروايته لها مقبولة واستدل لذلك بأمرين: الأول: ان الثقة لو انفرد بحديث لقبل فكذلك الزيادة في حديث. الثاني: امكان انفراده دون غيره بحفظ الزيادة لاحتمال أن يكون النبي ﷺ ذكر الحديث في مجلسين وذكر الزيادة في أحدهما دون الآخر وحضر هذا المجلس الذي ذكر فيه الزيادة الثقة الذي زادها ولم يحضره الآخر وحضر هذا المجلس الذي ذكر فيه الزيادة الثقة الذي زادها ولم يحضره الآخر الذي روى الحديث بدونها كما يحتمل أيضاً أن الراوي الذي لم يرو الزيادة دخل في أثناء المجلس وقد سمع غيره الزيادة قبل دوله أو عرض له في أثناء الحديث ما يزعجه أو يدهشه عن الإصغاء أو يوجب له القيام عن تمام الحديث وسمع غيره الزيادة بعد أن عرض له هو ما يمنعه من سماعها كما يحتمل أن يسمع جميع الحديث وينسى منه بعض الذي زاده الثقة الآخر فهذه الاحتمالات تبين أن انفراد الثقة بحفظها دون غيره ممكن وقد أخبر بها الثقة ولا داعي لرد خبر ثقة عن أمر ممكن لم يعارضه فيه غيره كما ترى فان علم أنهما معاً سمعا

стр. 159

في مجلس واحد فقال أبو الخطاب يقدم قول الأكثرين وذوي الضبط فان تساووا في الحفظ والضبط قدم قول المثبت وإيضاح معنى قول أبي الخطاب المذكور أن السماع اذا كان في مجلس واحد قدم قول الأكثر سواء كانوا رواة الزيادة أو غيرهم تغليباً لجانب الكثرة لأن الخطأ أبعد عن العدد الكثير من غيره فان تساووا في العدد قد أحفظهم وأضبطهم للترجيح بالحفظ والضبط فان استووا في الكثرة والحفظ قدم قول المثبت على النافي وقال القاضي إذا تساويا فعلى روايتين إحداهما قبول الزيادة وهو الصحيح والأخرى قدم قبول الزيادة هذا حاصل كلامه ﵀. واعلم أن التحقيق في هذه المسألة أن فيها تفصيلا لأنها واسطة وطرفان طرف لا تقبل فيه الزيادة على التحقيق وهو ما إذا كانت الزيادة مخالفة لرواية الثقات الضابطين لأنها يحكم عليها حينئذ بالشذوذ فترد وطرف تقبل فيه الزيادة بلا خلاف وهو ما اذا تفرد ثقة بجملة حديث لا تعرض فيه لما رواه بمخالفة أصلا وممكن حكى الإجماع على قبول هذا الطرف الخطيب , وواسطة هي محل الخلاف وهو زيادة لفظة في حديث ليم يذكرها غير من زاد من رواة ذلك الحديث كحديث حذيفة: وجعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً. انفرد أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي فقال: وجعلت ترتبها لنا طهورا وسائر الرواة لم يذكروا ذلك والصحيح قبول مثل هذه الزيادة كما قرر المؤلف ﵀ تعالة وعليه جمهور الأصوليين ومن أمثلة هذا الباب حديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين قال سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل قال الصلاة على وقتها اتفق أصحاب شعبة عنه على هذا اللفظ في أول وقتها كما أخرجها الحاكم والدارقطني والبيهقي من طريقة وكذلك روى الزيادة المذكورة الحسن بن علي المعمري في اليوم والليلة عن أبي موسى محمد بن

стр. 160

المثنى عن غندر عن شعبة كذلك قاله ابن حجر في الفتح وكذلك روى الزيادة المذكورة عثمان بن عمر عن مالك بن مغول عن شيخ شعبة في الحديث المذكور وهو الوليد ابن العيزار عن أبي عمرو الشيباني عن ابن مسعود أخرجه ابن خزيمة في صحيحه والحاكم وغيرهما قاله ابن حجر أيضاً. فالظاهر ثبوت هذه الزيادة وان لم تكن في جميع طرقها. وقال النووي في شرح المهذب أنها ضعيفة ومن أمثلته أيضاً حديث الصحيحين عن أنس أمر بلال أن يشفع الآذان ويوتر الإقامة زاد سماك بن عطية الا الإقامة وزيادته لها عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس ثابتة في صحيح البخاري وغيره. ومن أمثلة ما قدمنا في هذا الباب من أن راوي الحديث بدون الزيادة قد يدخل في أثناء الحديث فتفوته الزيادة ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر ﵁ قال: كانت علينا رعاية الابل فجاءت نوبتي فروحتها بعشر فأدركت رسول الله ﷺ قائماً يحدث الناس فأدركت من قوله ما من مسلم يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلا عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة فقلت ما أجود هذه فإذا قائل بين يدي يقول التي قبلها أجود فنظرت فإذا عمر قال اني قد رأيتك جئت آنفاً قال ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله الا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء. هذا لفظ مسلم في صحيحه ومثال ما قدمنا من أن راوي الحديث بدونه الزيادة قد يعرض له في أثناء الحديث ما يزعجه عن سماع الزيادة التي رواها غيره ما ثبت في الصحيح من حديث عمران بن حصين ﵄ قال دخلت على النبي ﷺ وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بني تميم فقال اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا قد بشرتنا

стр. 161

فأعطنا مرتين ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن فقال اقبلوا البشرى يا أهل اليمن اذ لم يقبلها بنو تميم قالوا قد قبلنا يا رسول الله ﷺ قالوا جئنا نسألك عن هذا الأمر قال كان الله ولم يكن شئ غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شئ وخلق السموات والأرض فنادى مناد ذهبت ناقتك يا ابن الحصين فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب فو الله لوددت اني تركتها هذا لفظ البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق. (تنبيه) التحقيق أن الرفع والوصل من نوع الزيادة فلو روى بعض الرواة حديثاً موقوفاً ورواه ثقة آخر مرفوعاً أو رواه بعض الرواة مرسلا ورواه ثقة آخر موصولا فذلك الرفع وذلك الوصل يقبل لأنه من زيادة الثقات وهي مقبولة ولا تكون الطريق الموقوفة أو المرسلة علة في الطريق المرفوعة أو الموصولة خلافاً لمن زعم ذلك وللأصوليين أقوال كثيرة في زيادات العدول منها عدم القبول مطلقاً ومنها عدم القبول ان علم اتحاد المجلس ومنها التعارض إذا غيرت الزيادة الإعراب إلى غير ذلك من الأقوال. وأشار إلى بعضها في المراقي بقوله:

стр. 162

قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) وتجوز رواية الحديث بالمعنى للعام المفرق بين المحتمل وغير المحتمل والظاهر والأظهر والعام والأعم عند الجمهور فيبدل لفظاً مكان لفظ فيما لا تختلف الناس فيه كالألفاظ المترادفة مثل القعود والجلوس والصب والإراقة والحظر والتحريم الخ ... خلاصة ما ذكره ﵀ في هذا الفصل أن نقل الحديث بالمعنى جائز عند الجمهور بشروط وان بعض أصحاب الحديث قال يمنعه مطلقاً وانه لا بد من أداء الحديث بنفس اللفظ لا بمعناه وشروط جوازه عند من أجازه الأول منها أن يكون ناقل الحديث بالمعنى عالما باللسان العربي لا تخفى عليه النكت الدقيقة التي يحصل بها الفرق الخفي بين معاني الألفاظ عارفاً بالمحتمل وغيره والظاهر والأظهر والعام والأعم ونحو ذلك لأن من ليس كذلك قد يبدل اللفظ يساويه في ظنه وبينهما تفاوت في المعنى خاف عليه فيأتي الخلل في حديثه من ذلك. الثاني: أن يكون جازماً يقيناً بمعنى الحديث لا ان كمان فهمه للمعنى بنوع استنباط واستدلال يختلف فيه أو يظن لعدم وضوح الدلالة خلافاً لمن زعم الاكتفاء بالظن بالغالب. الثالث: أن لا يكون اللفظ الذي نقل به الراوي معنى الحديث أخفى من لفظ النبي ﷺ ولا أظهر أما منع نقله بما هو أخفى منه فواضح وأما منعه بما هو أظهر منه فقد علله المؤلف بأن الشارع ربما قد إيصال الحكم باللفظ الجلي تارة وبالخفي أخرى

стр. 163

والمعروف عند أخل الأصول تعليله بأن الظهور من المرجحات عند التعارض فقد يتعارض مع الحديث الذي رواه الراوي بأظهر من معناه حديث آخر فيرجحه المجتهد عليه بالظهور ظاناً أن اللفظ للنبي ﷺ والواقع أن موجب الترجيح من تصرف الراوي لا من النبي ﷺ وهذه العلة ظاهرة كما ترى وحجج جواز نقله بالمعنى المذكور في هذا الفصل منها الإجماع على جواز شرح الشرع للعجم بلسانهم فإذا جاز إبدال كلمة عربية بكلمة عجمية فإبدالها بكلمة عربية أولى , ومنها أن سفراء النبي ﷺ كانوا يبلغونهم أوامره بلغتهم ومنها أن الخطب المتحدة والوقائع المتحدة رواها الصحابة بألفاظ مختلفة والمعنى واحد. ومنها أن من سمع شاهداً يشهد بالعجمية جاز أن يشهد على شهادته بالعربية والشهادة آكد من الرواية. ومنها أن الرواية بالمعنى عن غيره ﷺ جائزة فكذلك الرواية عنه بجامع حرمه الكذب فيهما معاً , وحجة من قال بالمنع في هذا الفصل حديث نضر الله امرءاً سمع مقالتي فأداها كما سمها. الحديث هذا هو خلاصة ما ذكره في هذه الفصل. قال مقيده عفا الله عنه: - التحقيق في هذه المسألة هو ما ذهب اليه الجمهور من جواز نقل الحديث بالمعنى بالشروط المتقدمة لأنه غير متعبد بلفظه والمقصود منه المعنى فاذا أدى المعنى على حقيقته كفى ذلك دون اللفظ ومن أتى بالمعنى بتمامه فقد أداه كما سمعه فيدخل في قوله فأداها كما سمعها ويدل لهذا قوله تعالى: ((إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى)) والذي في تلك الصحف إنما هو معنى ما ذكر لا لفظه وأمثال

стр. 164

ذلك كثيرة في القرآن فان قيل ما الجواب عن حديث البراء بن عازب المشهور الصحيح ومحل الشاهد منه أن البراء سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الحديث ومن جملته آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت فقال البراء ورسولك الذي أرسلت فأبدل لفظ النبي بلفظ الرسول فقال له ﷺ : قال آمنت بنبيك الذي أرسلت، فأنكر عليه إبدال لفظ النبي بلفظ الرسول وهذا يدل على منع نقل الحديث بالمعنى قلنا قد أجيب عن هذا بأجوبة متعددة والذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن وجه إنكار النبي ﷺ على البراء إبدال النبي بالرسول إن لفظ الرسول لا يقوم مقام لفظ النبي في الحديث المذكور لتفاوت معنى الكلمتين فانك لو قلت ورسولك الذي أرسلت كان قولك الذي أرسلت لا حاجة له مع قولك ورسولك فهو تكرار ظاهر وتأكيد لا حاجة إليه بخلاف لفظ النبي فان النبي قد يكون غير مرسل فصرحي بأنه مرسل فيكون قوله الذي أرسلت تأسيساً لا تأكيداً ومعلوم أن التأكيد لا يساوي التأسيس وقد تقرر في الأصول أنه ان دار اللفظ بين التأكيد والتأسيس فحمله على التأسيس أرجح الا لدليل كما أوضحناه في كتابنا أضواء البيان في سورة النحل في الكلام على قوله: ((فلنحيينه حياة طيبة)) الآية. تنبيهات: - الأول: حكى قوم الإجماع على جواز نقل الحديث بالمعنى في الترجمة أعني إبدال اللفظ العربي بلفظ أعجمي لا فهام أهل ذلك اللسان الأعجمي , وحكى قوم الإجماع أيضاً على ابدال لفظ بمرادفه وأدخل ذلك في الخلاف قوم آخرون والفرق بين ابدال اللفظ بمرادفه وبين مسألة نقل الحديث بالمعنى ان ابدال اللفظ بمرادفه لا بد فيه من بقاء التركيب

стр. 165

الأول على حالته من غير تقديم ولا تأخير ولا إبدال فعل باسم مثلا ولا عكسه فلو فرضنا مثلا أن لفظ النبي ﷺ في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد أريقوا على بوله سجلا من ماء فقال الراوي أريقوا على بوله دلوا ملأى أو ذنوباً من ماء فهذا من إبدال لفظ بمرادفه لأنه لم يغير فيه شيئاً من تركيب الكلام وانما أبدل لفظ السجل بمرادفه وهو الذنوب أو الدلو الملئ ولو قال مثلاً أمر النبي ﷺ بصب دلو ملأى من الماء على بول الأعرابي فهذا من النقل بالمعنى لأنه غيره من تركيب إلى تركيب آخر يساويه في المعنى وبيان الفرق بين المسألتين يظهر أن المؤلف أدخل إحداهما في الأخرى في قوله فيبدل لفظاً مكان لفظ. التنبيه الثاني: - اعلم أن الخلاف في جواز نقل الحديث بالمعنى إنما هو في عير المتعبد بلفظه أما ما تعبد بلفظه كالأذان والإقامة والتشهد والتكبير في الصلاة ونحو ذلك فلا يجوز نقله بالمعنى لأنه متعبد بلفظه. وقال بعض أهل العلم وكذلك جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ فلا يجوز نقلها بالمعنى اذ لا يقدر غيره على الاتيان بمثلها , قال: ومثال ذلك قوله الخراج بالضمان البينة على المدعي العجمي جبار لا ضرر ولا ضرار. الآن حمي الوطيس ونحو ذلك. التنبيه الثالث: اختلف أهل العلم في الاحتجاج بألفاظ الحديث على مسائل اللغة العربية فقال قوم: لا يجوز لأن الغالب الرواية بالمعنى دون اللفظ وكثير من الرواة الذين يروون بالمعنى لا يحتج بهم في اللغة لأن أصلهم عجم أو عرب لا يحتج بقولهم واستدلوا لهذا بكثرة اختلاف ألفاظ الرواة في الواقعة الواحدة اذ ليس كل تلك الألفاظ المختلفة من لفظ النبي ﷺ وممن قال بهذا القول الدماميني زاعماً أن علماء

стр. 166

عصره كالبلقيني وابن خلدون وغيرهم وافقهوه في ذلك كما ذكره العبادي في الآيات البينات عن شهاب الدين عميرة وذهب آخرون إلى جواز الاحتجاج بألفاظ الحديث على اللغة العربية بناء على أن الأصل والغالب الرواية باللفظ قالوا ولا حجة على خلاف ذلك باختلاف الألفاظ في الواقعة الواحدة لجواز كونه ﷺ حدث عن واقعة واحدة في أوقات مختلفة بألفاظ مختلفة فروى كل راو كما سمع وممن اشتهر بالاستدلال بلفظ الحديث على اللغة ابن مالك ﵀. قال مقيده عفا الله عنه: - الذي يظهر لي في هذه المسألة والله أعلم هو التفصيل فيها فما غلب على الظن أنه من لفظ النبي ﷺ كبعض الأحاديث التي اتفق فيها جميع الرواة أو معظمهم على لفظ واحد فانه حجة في اللغة وما غلب على الظن أنه من لفظ الراوي بالمعنى لا يحتج بقوله في العربية فلا يحتج بلفظه والعلم عند الله تعالى وأشار صاحب المراقي إلى ما في هذه المسألة من الأقوال بقوله: والنقل للحديث بالمعنى منع ... ومالك عنه الجواز قد سمع لعارف يفهم معناه جزم ... وغالب الظن لدى البعض انحتم والاستواء فى الخفاء والجلا ... لدى المجوزين حتماً حصلا وبعضهم منع فى القصار ... دون التى تطول لاضطرار وبالمراد يجوز قطعاً ... وبعضهم يحكون فيه المنعا وجوزت وفقاً بلفظ عجمى ... ونحوه الإبدال للمترجم

стр. 167

قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) مراسل أصحاب النبي ﷺ مقبولة عند الجمهور وشذ قوم فقالوا لا يقبل مرسل الصحابي إلا إذا عرف بصريح خبره أو عادته أنه لا يروي إلا عن صحابي والا فلا لأنه قد يروي عمن تثبت لنا صحبته الخ ... حاصل ما ذكره في هذا الفصل ان مراسيل الصحابة لها حكم الوصل لأن الصحابي لا يروي غالباً إلا عن صحابي ولأن الأمة اتفقت على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من صغار الصحابة مع إكثارهم من الحديث عنه ﷺ وكثير من روايتهم عن مراسيل وشذ قوم فخالفوا في ذلك الا إذا عرف عن الصحابي أنه لا يروى غالباً الا عن صحابي هذا خلاصة ما ذكره في هذا الفصل وقبول مرسل الصحابي هو الصواب والذي يظهر لي أن الصحابي لو علم أن أكثر روايته عن التابعين كمان مرسله كمرسل غيره , والله تعالى أعلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) فأما مراسيل غير الصحابة وهو أن يقول قال النبي ﷺ من لم يعاصره أو يقول قال أبو هريرة ولم يدركه ففيها روايتان إحداهما تقبل اختارها القاضي وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وجماعة من

стр. 168

المتكلمين والأخرى لا تقبل وهو قول الشافعي وبعض أهل الحديث وأهل الظاهر الخ ... خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن في قبول الحديث المرسل روايتين عن الإمام أحمد وان مذهب مالك وأبي حنيفة وممن ذكر معهم قبوله ومذهب الشافعي ومن ذكر معه عدم قبوله وحجة من قال بقبوله هي أن العدل لا يحذف الواسطة مع الجزم بالخبر إلا وهو عالم بأن الواسطة التي حذف ثقة فحذفه لها مع الجزم بالخبر بمثابة قوله أخبرني فلان وهو ثقة لأن أخباره عنه ﷺ بالجزم مع عدم عدالة الناقل الذي لم يذكره ينافي عدالته لما في ذلك من إحلال الحرام وتحريم الحلال والزام الناس بالعبادات بأمر مشكوك فيه وحجة من قال بعدم قبوله ن الواسطة المحذوفة في المرسل لا تعرف عينها ومن لا تعرف عينه لم تعرف عدالته ورواية مجهول العدالة مردودة كما تقدم ولأن شهادة الفرع لا تقبل على شاهد الأصل فكذلك الرواية وافتراق الشهادة والرواية في بعض الأحكام كما تقدم لا يستلزم افتراقهما في هذا المعنى كما أنهما لا فرق بينهما في عدم قبول رواية المجروح والمجهول هذا هو خلاصة ما ذكره في هذه المبحث وما أشار إليه هنا من الفوارق بين الشهادة والرواية في بعض الأحكام كما تقدم لا يستلزم افتراقهما في هذا المعنى كما أنهما لا فرق بينهما في عدم قبول رواية المجروح والمجهول هذا هو خلاصة ما ذكره في هذا المبحث وما أشار إليه هنا من الفوارق بين الشهادة والرواية تقدمت الإشارة إلى ما فيه كفاية منه. تنبيهات: - الأول: اعلم أن المرسل في اصطلاح أهل الأصول غير المرسل في الاصطلاح المشهور عند المحدثين. فضابط المرسل في الاصطلاح الأصولي هو ما عرف أنه سقطت من سنده طبقة من طبقات السند كما

стр. 169

مثل له المؤلف في هذا الفصل فالمرسل في اصطلاح أهل الأصول يشمل أنواع الانقطاع فيدخل فيه المنقطع والمعضل فمن قال من أهل الأصول بقبول المرسل فانه يقبل المنقطع والمعضل كما بينا والمرسل في الاصطلاح المشهور عند المحدثين هو قول التابعي مطلقاً أو التابعي الكبير خاصة قال ﷺ وبعض أهل الحديث يطلق الإرسال على كال انقطاع كاصطلاح أهل الأصول. التنبيه الثاني: اعلم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلسين من باب أولى كما نبه عليه غير واحد. التنبيه الثالث: اعلم أن في المرسل لعلماء الأًصول ثلاثة مذاهب: الأول: انه مردود للجهل بالساقط فيه وعلى هذا جماهير أهل الحديث. الثاني: انه مقبول كما تقدم وهو المشهور عن مالك وأبي حنيفة وأحمد ولكنه يقدم عليه عند التعارض المسند لأنه أرجح منه. الثالث: قول جماعة ان المرسل يرجح على المسند عند التعارض لأن الراوي ما حذف الواسطة في المرسل الا لأنه جازم بعدالتها بخلاف المسند فقد يحيل فيه الناظر على تعديل الراوي ولا يخفى عدم اتجاه هذا القول لأن من كانت عدالته معروفة لا شك أنه أولى ممن لم تعرف عدالته ولا عينه الا بحسن الظن بمن روى عنه أنه عالم بأنه عدل والا لم اجزم بالخبر. التنبيه الرابع: اعلم أن قول المؤلف فأما مراسيل الصحابة فيه بحث عربي وهو أن يقال الياء في المراسيل من أين جاءت والمفرد مرسل فالقياس مراسل كمساجد لعدم موجب للياء وأظهر ما يقال في ذلك عندي

стр. 170

أن إشباع الكسرة في بعض الكلمات أسلوب عربي معروف ومنه قول كعب بن زهير. أمست سعاد بأرض لا يبلغها ... إلا العتاق النجيبات المراسيل وقول الآخر وهو من أبيات كتاب سيبويه: تنفى يداها الحصى فى كل هاجرة ... نفسى الدراهيم تنقاد الصياريف فالدراهيم بالياء جمع درهم وأما على زعم من قال أنها جمع دراهم لغة في درهم فلا شاهد في البيت وأشار في المراقي إلى تعريف المرسل ومذاهب العلماء فيه بقوله: ومرسل قولة غير من صحب ... قال: إمام الأعجميين والعرب عند المحدثين قول التابعى ... أو الكبير قال خير شافع وهو حجة ولكن رجحا ... عليه مسند وعكس صحجا قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) ويقبل خبر الواحد فيما تعم به البلوى كرفع اليدين في الصلاة ومس الذكر ونحوه في قول الجمهور. وقال أكثر الحنفية لا يقبل لأن ما تعم به البلوى كخروج النجاسة من السبيلين يوجد كثيراً وتنتقض به الطهارة ولا يحل للنبي ﷺ ألا يشيع حكمه اذ يؤدي إلى إخفاء الشريعة وابطال صلاة الخلق فتجب الإشاعة فيه ثم تتوفر الدواعي إلى نقله وكيف يخفي حكمه وتقف روايته على الواحد , الخ ... خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن مذهب الجمهور هو قبول أخبار

стр. 171

الآحاد فيما تعم به البلوى أي فيما يعم التكليف به وان أكثر الحنفية خالف في ذلك قائلا ان ما تعم به البلوى تتوفر الدواعي إلى نقله فلا يقبل الا متواتراً وان الحق قبوله بدليل أن الصحابة ﵃ كانوا يقبلون خبر الواحد فيما تعم به البلوى كقبولهم خبر عائشة في وجوب الغسل من الجماع بدون انزال وخبر رافع بن خديح في المخابرة ولأن الراوي عدل جازم بالرواية وصدقة ممكن فلا يجوز تكذيبه مع إمكان صدقه ولأن ما تعم به البلوى يثبت بالقياس والخبر أولى من القياس لأنه أصل له ومقدم عليه وما ذكره الحنفية في توجيه عدم قبوله يبطل بالوتر والقهقهة وخروج النجاسة من غير السبيل وتثنية الإقامة فان كل ذلك مما تعم به البلوى وقد أثبتوه بخبر الواحد هذا خلاصة ما ذكره ﵀ في هذا الفصل والمخابرة المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض مشتقة من الخبار كسحاب وهي الأرض الرخوة ذات الحجارة أو الخبراء وهي القاع ينبت السدر. وحديث رافع المذكور فيه النهي عن بعض أنواع المزارعة. كأن يشترط رب الأرض أن له مانبت في بقعة معينة من الأرض كالبقعة التي تلي مجرى السيل لأنه قد ينبت الزرع فيها دون غيرها كالعكس وغير ذلك مما هو مذكور في حديثه كاشتراط القصارة وما يسقى الربيع ونحو ذلك والقصارة ما بقي في السنبل من الحب بعدما يداس. قال مقيدة عفا الله عنه: - التحقيق هو قبول أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى ولم يزل الصحابة ﵃ ومن بعدهم يقبلون أخبار الآحاد فيما يعم التكليف به كالصلاة والطهارة والصوم وغير ذلك ولأن النبي ﷺ قد يبلغ الشاهد ويأمره بتبليغ الغائب.

стр. 172

قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) ويقبل خير الواحد في الحدود وما يسقط بالشبهات وحكى عن الكرخي أنه لا يقبل لأنه مظنون فيكون ذلك شبهة فلا يقبل لقوله ﵊ ادرأوا الحدود بالشبهات الخ ... خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن خبر الواحد يقبل فيما يسقط بالشبهة كالحدود وأن الكرخي خالف في ذلك زاعماً ان خبر الواحد انما يفيد الظن وعدم إفادته القطع شبهة فيدرأ بها الحد للحديث المذكور وهذا باطل لما قدمنا من أن أخبار الآحاد من جهة العمل بها قطعية فتثبت بها الحدود كسائر الأحكام ولأن الحدود تثبت بشهادة العدول وهي أخبار آحاد والمشهور جواز القياس في الحدود كما عقده في المراقي بقوله: والحد والكفارة والتقدير ... جوازه فيها هو المشهور والضمير في جوازه راجع إلى القياس واذ جاز فيها القياس فخبر الواحد أولى منه كما تقدم وحديث ادرأوا الحدود بالشبهات الذي استدل به المؤلف كل طرقة ضعيفة والمعروف أنه من قول عمر بمعناه لا بلفظه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: - (فصل) ويقبل خبر الواحد فيما يخالف القياس وحكي عن مالك أن القياس

стр. 173

يقدم عليه. وقال أبو حنيفة اذا خالف الأصول أو معنى الأصول لم يحتج به , الخ ... خلاصة ما ذكره في هذا الفصل أن خبر الواح يقبل فيما يخالف القياس وان مالكاً حكى عنه تقديم القياس على خبر الآحاد وان أبا حنيفة لا يقبل خبر الواحد اذا خالف الأصول أو معنى الأصول واستدل المؤلف لقبوله بحديث معاذ فانه قدم الكتاب والسنة على الاجتهاد وصوبه النبي ﷺ وبأن الصحابة كانوا لا يستعملون القياس الا عند عدم النص. ومن ذلك رجوع عمر إلى حديث حمل بن مالك بن النابغة في غرة الجنين وكان يفاضل بين ديات الأصابع ويقسمها على منافعها فرجع عن ذلك لحديث في كل أصبع عشر من الإبل وهو آحاد ولأن الحديث من كلام المعصوم والقياس استنباط وكلام المعصوم أولى من الاستنباط لأنه أبلغ منه , واحتج المؤلف على أصحاب الإمام أبي حنيفة ﵀ بأنهم أوجبوا الوضوء بالنبيذ في السفر دون الحضر وأبطلوا الوضوء بالقهقهة داخل الصلاة دون خارجها وحكموا في الأمة بخلاف القياس وهو مخالف للأصول. هذا هو خلاصة ما ذكره في هذا الفصل وقوله في هذا الفصل وحكى عن مالك أن القياس يقدم عليه هذا الذي ذكر عن مالك بصيغة حكى هو المقرر في أصول الفقه المالكي وعقده في

стр. 174

المراقي بقوله في أول كتاب القياس: والحامل المطلق والمقيد ... وهو قبل ما رواه الواحد يعني أن القياس مقدم عند مالك على خبر الواحد لكن فروع مذهبه تقتضي خلاف هذا وأنه يقدم خبر الواحد على القياس كتقديمه خبر صاع التمر في المصراة على القياس الذي هو رد مثل اللبن المحلوب من المصراة لأن القياس ضمان المثلى بمثله وهذا هو الذي يدل عليه استقراء مذهبه مع أن المقرر في أصوله أيضاً ان كال قياس خالف نصاً من كتاب أو سنة فهو باطل بالقادح المسمى في اصطلاح أهل الأصول فساد الاعتبار وعقدة في المراقي بقوله في القوادح: والخلف للنص أو إجماع دعا ... فساد الاعتبار كل من وعى وهذا القول هو الحق الذي لا شك فيه لان القياس لا يجوز مع وجود النص من النبي ﷺ قال مقيدة عفا الله عنه: قدم مالك وغيره من العلماء الخبر على نوع القياس المسمى عند الشافعي بالقياس في معنى الأصل وهو المعروف بتنقيح المناط. وهو مفهوم الموافقة في صورة لا يكاد العقل السليم يستسيغ فيها تقديم الخبر على القياس المذكور وقد بينا في كتابنا أضواء البيان في سورة بني إسرائيل ان ذلك لا يمكن فيما يظهر لنا كما أنكره ربيعة ابن ابي عبد الرحمن وذلك هو ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن انه قال لسعيد بن المسيب كم في اصبع المرأة قال عشر من الإبل قلت فكم في إصبعين قال عشرون من الإبل قلت فكم في ثلاثة أصابع قال ثلاثون من الإبل قلت فكم في أربعة أصابع قال عشرون من الإبل قلت حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها قال سعيد أعراقي أنت قلت بل عالم نتثبت أو جاهل متعلم قال هي السنة يا ابن أخي فكون عقل ثلاثة أصابع من أصابع المرأة ثلاثين من الابل وعقل أربعة أصابع من اصابعها عشرين من الإبل ينافي ما علم من حكمة الشرع الكريم ووضعه الأمور في مواضعها وايقاعها في مواقعها كما بيناه في كتابنا المذكور وتكلمنا على سند الحديث المقتضي لذلك وعلى المراد بالسنة في قول سعيد بن المسيب هي السنة يا ابن أخي وبالجملة فلزوم ثلاثين من الإبل في ثلاثة أصابع يقتضي بقياس التنقيح الاحروى المعروف بالقياس في معنى الأصل. ان أربعة أصابع لا يمكن أن تقل ديتها عن ذلك لانها مشتملة على الثلاثة وزيادة اصبح وحديث معاذ الذي استدل به المؤلف ضعفه غير واحد والمناقشة في

стр. 175

تضعيفه وتصحيحه كثيرة معروفة ومن انتصر لتضعيفه ابن حزم وغيره وقال ابن كثير في مقدمة تفسيره بعد أن ساق حديث معاذ المذكور بصيغة الجزم بقوله قال رسول الله ﷺ لمعاذ حين بعثه الي اليمن فبم تحكم إلى قوله الحمد لله الذي وفق رسول الله ﷺ لما يرضى رسول الله ﷺ ما نصه وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد كما هو مقرر في موضعه وقال ابن قدامة في روضة الناظر في كتاب القياس بعد أن ساق حديث معاذ المذكور ما نصه قالوا هذا الحديث يرويه الحارث بن عمر عن رجال من أهل حمص والحارث والرجال مجهولون إلى أن قال قلنا قد رواه عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ ثم هذا الحديث تلقته الأمة بالقبول فلا يضره كونه مرسلا. اهـ. وقد أوضحنا الكلام على وجه الاحتجاج بالحديث المذكور وبطلان الطريق التي أشار لها عن عبادة بن نسي في كتابنا أضواء البيان في سورة الأنبياء وسرة بني إسرائيل وما استشهد به المؤلف ﵀ من رجوع عمر إلى الحديث حمل بن مالك في دية الجنين كان الأولى له ان يستدل لذلك برجوع عمر في دية الجنين إلى قول المغيرة بن شعبة ومحمد ابن مسلمة لأن رجوعه لحديثهما في ذلك متفق عليها. (تنبيه) فان قيل ما الفرق بين مخالفة الأصول أو معنى الأصول. فالظاهر في الجواب ان مخالفة القياس أخص من مخالفة الأصول لان القياس أصل من الاصول فكل قياس أصل وليس كل أصل قياسا فما خالف القياس خالف أصلا خاصا وما خالف الأصول يصدق بما خالف قياسا أو نصا

стр. 176

أو إجماعا أو استصحابا أو غير ذلك فوجوب الوضوء بالنوم مثلا موافق للقياس من حيث انه تعليق حكم بمنطقه كسائر الأحكام المعلقة بمظانها مع أنه مخالف لبعض الأصول وهو استصحاب العدم الأصلي في ذلك والمراد بمعنى الأصل في الاصطلاح نفي الفارق كما عقده في المراقي بقوله: ومن أمثلة ذلك ما قدمنا من كون ثلاثة أصابع من أصابع المرأة فيهما ثلاثون من الإبل وأربعة أصابع من أصابعها فيها عشرون لان نفي الفارق المؤثر في نقص الأصابع المذكورة محقق يقينا وانما الفارق بينهما فارق مستوجب للزيادة لان الأربعة مشتملة على الثلاثة مع زيادة إصبع كما ترى.

стр. 177

الأصل الثالث: الإجماع ومعنى الإجماع للغة الاتفاق يقال: اجمع القوم على كذا إذا اتفقوا عليه ويطلق على العزم المصمم ومنه قوله تعالى: ((فأجمعوا أمركم)) . وفي الشرع عرفة المؤلف بأنه اتفاق علماء العصر من أمة محمد ﷺ على أمر من أمور الدين وبقي عليه شرط وهو كون ذلك بعد وفاته ﷺ لانه في حياته لا غبرة بقول غيره. واختار المؤلف ان وجود الإجماع ممكن متصور خلافاً لمن قال لا يمكن بعد الصحابة لكثرة العلماء وانتشارهم في أقطار الدنيا وعد القدرة على معرفة أقوال الكل واحتج المؤلف لامكانه وتصوره بأننا نعلم إجماع المسلمين كلهم على وجوب الصلاة مثلا وبأن العلماء مشهورون في نواحي الدنيا فلا يمتنع معرفتهم ومعرفة أقوالهم في المسألة بأخبار أو مشافهة. وذكر أن الإجماع حجة قاطعة عند الجمهور خلافاً للنظام في قوله ليس بحجة. واعلم ان الإجماع الذي هو حجة قاطعة عند الأصوليين هو القطعي لا الظني. والقطعي هو القولي المشاهد أو المنقول بعدد التواتر والظني كالسكوتي والمنقول بالآحاد. واستدل المؤلف لحجية الإجماع بدليلين: الأول الكتاب وهو قوله تعالى ((ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ... )) الآية. لأن فيها التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين وسبيلهم هو ما أجمعوا عليه وفي الاستدلال عليه بهذه

стр. 178

الآية بحوث ومناقشات. والثاني من السنة كقوله ﷺ ((لا تجتمع أمتي على ضلالة.)) وكقوله ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق..)) وأحاديث الحض على الجماعة وعدم الشذوذ عنها ونحو ذلك وذكر المؤلف أن الصحابة كانوا يستدلون بمثل تلك الأحاديث على حجية الإجماع من غير نكير إلى زمن النظام. (فصل) لا يشترط في أهل الجماع أن يبلغوا عدد التواتر لأن الحجة في قولهم لصيانة علماء الأمة عن الخطأ بالأدلة المتقدمة وان لم يوجد من علمائها غيرهم فهم على الحق وان لم يبلغوا عدد التواتر صيانة لهم عن الخطأ. (فصل) ولا خلاف في اعتبار علماء العصر من أهل الاجتهاد في الإجماع وأنه لا يعتد فيه بقول الصبيان والمجانين وأما العوام فلا يعتبر قولهم عند الأكثرين وقال قوم يعتبر قولهم لدخولهم في اسم المؤمنين ولفظ الأمة: وهذا القول يقتضي إبطال الإجماع إذ يستحيل معرفة أقوال الأمة جميعها في مسألة واحدة والحق أن العوام لا عبرة بهم لجهلهم. (فصل) ومن يعرف من العلم ما لا أثر له في الأحكام الشرعية كعلم الكلام

стр. 179

واللغة والنحو والحساب لا عبرة به في الإجماع لأنه بالنسبة إلى الأحكام الشرعية عامي. فأما الأصولي الذي لا يعرف تفاصيل الفروع, والفقيه الحافظ لأحكام الفروع من غير معرفة الأصول والنحوي اذا كان الكلام في مسألة تبني على النحو فلا يعتبر بقولهم أيضاَ خلافاً لقوم هكذا ذكره المؤلف مع أن أكثر الشافعية والمالكية يعتبرون الأصولي وان لم يحفظ تفاصيل الفروع لأن فيه قوة قابلة لمعرفتها من الأصول. (فصل) ولا يعتبر في الإجماع بقول كافر سواء كان بتأويل أو غيره. فأما الفاسق باعتقاد أو قول او فعل فقال القاضي لا يعتد به وهو قول جماعة لقوله تعالى: ((وكذلك جعلناكم أمة وسطاً)) أي عدولا وهو ليس بعدلا ولأنه لا يقبل منفرداً فلا يقبل مع غيره. وقال أبو الخاب يعتبر قول الفاسق لدخوله في عموم الأمة والمؤمنين في الأدلة المتقدمة. (مسألة) اذا بلغ التابعي رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة اعتد به في الإجماع عند الجمهور وأختاره أبو الخطاب وقال القاضي وبعض الشافعية لا يعتد به وأومأ أحمد ﵀ إلى القولين ووجه الاعتداء به وهو الحق عند الجمهور: انه مجتهد من علماء الأمة فلا وجه لإلغائه ووجه إلغائه أن الصحابة لما شاهدوا التنزيل وكانوا أعلم بالتأويل كان غيرهم من العلماء بالنسبة إليهم كالعامي بالنسبة إلى العلماء فإن انعقد إجماع الصحابة قبل

стр. 180

بلوغ التابعي رتبة الاجتهاد فلا عبرة بقوله لانه مسبوق بالإجماع. (فصل) ولا ينعقد الإجماع بقول الأكثرين من أهل العصر في قول الجمهور وقال ابن جرير الطبري وأبو بكر الراوي لا عبرة بمخالفة الواحد أو الاثنين فلا تقدح مخالفتهما في الإجماع وقد أومأ إليه أحمد ﵀ وحجه الجمهور أن العبرة بقول علماء جميع الأمة لان العصمة انما هي للكل لا البعض وحجة الآخر اعتبار الأكثر والغاء الأقل. قال في المراقي: والك واجب وقبل لا يضر ... لاثنان دون من عليهما (فصل) و اجماع أهل المدينة ليس بحجة وقال ما لك هو حجة أما حجة الجمهور على أنه غير حجة فواضحة لانهم بعض الأمة والمعتبر إجماع الأمة كلها. وأما حجة ما لك فالتحقيق أنها ناهضة أيضاً لان الصحيح عنه أن إجماع أهل المدينة المعتبر له شرطان. أحدهما أن يكون فيمالا مجال للرأي فيه. الثاني أن يكون من الصحابة التابعين لا غير ذلك لان قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه في حكم المرفوع فألحق بهم مالك التابعين م أهل المدينة فيما فيه اجتهاد لتعلمهم ذلك عن الصحابة. أما
следующие страницы →