أو إجماعا أو استصحابا أو غير ذلك فوجوب الوضوء بالنوم مثلا موافق للقياس من حيث انه تعليق حكم بمنطقه كسائر الأحكام المعلقة بمظانها مع أنه مخالف لبعض الأصول وهو استصحاب العدم الأصلي في ذلك والمراد بمعنى الأصل في الاصطلاح نفي الفارق كما عقده في المراقي بقوله:
ومن أمثلة ذلك ما قدمنا من كون ثلاثة أصابع من أصابع المرأة فيهما ثلاثون من الإبل وأربعة أصابع من أصابعها فيها عشرون لان نفي الفارق المؤثر في نقص الأصابع المذكورة محقق يقينا وانما الفارق بينهما فارق مستوجب للزيادة لان الأربعة مشتملة على الثلاثة مع زيادة إصبع كما ترى.
стр. 177
الأصل الثالث: الإجماع
ومعنى الإجماع للغة الاتفاق يقال: اجمع القوم على كذا إذا اتفقوا عليه ويطلق على العزم المصمم ومنه قوله تعالى: ((فأجمعوا أمركم)) .
وفي الشرع عرفة المؤلف بأنه اتفاق علماء العصر من أمة محمد ﷺ على أمر من أمور الدين وبقي عليه شرط وهو كون ذلك بعد وفاته ﷺ لانه في حياته لا غبرة بقول غيره. واختار المؤلف ان وجود الإجماع ممكن متصور خلافاً لمن قال لا يمكن بعد الصحابة لكثرة العلماء وانتشارهم في أقطار الدنيا وعد القدرة على معرفة أقوال الكل واحتج المؤلف لامكانه وتصوره بأننا نعلم إجماع المسلمين كلهم على وجوب الصلاة مثلا وبأن العلماء مشهورون في نواحي الدنيا فلا يمتنع معرفتهم ومعرفة أقوالهم في المسألة
بأخبار أو مشافهة. وذكر أن الإجماع حجة قاطعة عند الجمهور خلافاً للنظام في قوله ليس بحجة.
واعلم ان الإجماع الذي هو حجة قاطعة عند الأصوليين هو القطعي لا الظني. والقطعي هو القولي المشاهد أو المنقول بعدد التواتر والظني كالسكوتي والمنقول بالآحاد.
واستدل المؤلف لحجية الإجماع بدليلين: الأول الكتاب وهو قوله تعالى ((ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ... )) الآية. لأن فيها التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين وسبيلهم هو ما أجمعوا عليه وفي الاستدلال عليه بهذه
стр. 178
الآية بحوث ومناقشات.
والثاني من السنة كقوله ﷺ ((لا تجتمع أمتي على ضلالة.)) وكقوله ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق..)) وأحاديث الحض على الجماعة وعدم الشذوذ عنها ونحو ذلك وذكر المؤلف أن الصحابة كانوا يستدلون بمثل تلك الأحاديث على حجية الإجماع من غير نكير إلى زمن النظام.
(فصل)
لا يشترط في أهل الجماع أن يبلغوا عدد التواتر لأن الحجة في قولهم لصيانة علماء الأمة عن الخطأ بالأدلة المتقدمة وان لم يوجد من علمائها غيرهم فهم على الحق وان لم يبلغوا عدد التواتر صيانة لهم عن الخطأ.
(فصل)
ولا خلاف في اعتبار علماء العصر من أهل الاجتهاد في الإجماع وأنه لا يعتد فيه بقول الصبيان والمجانين وأما العوام فلا يعتبر قولهم عند الأكثرين وقال قوم يعتبر قولهم لدخولهم في اسم المؤمنين ولفظ الأمة: وهذا القول يقتضي إبطال الإجماع إذ يستحيل معرفة أقوال الأمة جميعها في مسألة واحدة والحق أن العوام لا عبرة بهم لجهلهم.
(فصل)
ومن يعرف من العلم ما لا أثر له في الأحكام الشرعية كعلم الكلام
стр. 179
واللغة والنحو والحساب لا عبرة به في الإجماع لأنه بالنسبة إلى الأحكام الشرعية عامي. فأما الأصولي الذي لا يعرف تفاصيل الفروع, والفقيه الحافظ لأحكام الفروع من غير معرفة الأصول والنحوي اذا كان الكلام في مسألة تبني على النحو فلا يعتبر بقولهم أيضاَ خلافاً لقوم هكذا ذكره المؤلف مع أن أكثر الشافعية والمالكية يعتبرون الأصولي وان لم يحفظ تفاصيل الفروع لأن فيه قوة قابلة لمعرفتها من الأصول.
(فصل)
ولا يعتبر في الإجماع بقول كافر سواء كان بتأويل أو غيره. فأما الفاسق باعتقاد أو قول او فعل فقال القاضي لا يعتد به وهو قول جماعة لقوله تعالى: ((وكذلك جعلناكم أمة وسطاً)) أي عدولا وهو ليس بعدلا ولأنه لا يقبل منفرداً فلا يقبل مع غيره.
وقال أبو الخاب يعتبر قول الفاسق لدخوله في عموم الأمة والمؤمنين في الأدلة المتقدمة.
(مسألة)
اذا بلغ التابعي رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة اعتد به في الإجماع عند الجمهور وأختاره أبو الخطاب وقال القاضي وبعض الشافعية لا يعتد به وأومأ أحمد ﵀ إلى القولين ووجه الاعتداء به وهو الحق عند الجمهور: انه مجتهد من علماء الأمة فلا وجه لإلغائه ووجه إلغائه أن الصحابة لما شاهدوا التنزيل وكانوا أعلم بالتأويل كان غيرهم من العلماء بالنسبة إليهم كالعامي بالنسبة إلى العلماء فإن انعقد إجماع الصحابة قبل
стр. 180
بلوغ التابعي رتبة الاجتهاد فلا عبرة بقوله لانه مسبوق بالإجماع.
(فصل)
ولا ينعقد الإجماع بقول الأكثرين من أهل العصر في قول الجمهور وقال ابن جرير الطبري وأبو بكر الراوي لا عبرة بمخالفة الواحد أو الاثنين فلا تقدح مخالفتهما في الإجماع وقد أومأ إليه أحمد ﵀ وحجه الجمهور أن العبرة بقول علماء جميع الأمة لان العصمة انما هي للكل لا البعض وحجة الآخر اعتبار الأكثر والغاء الأقل.
قال في المراقي:
والك واجب وقبل لا يضر ... لاثنان دون من عليهما
(فصل)
و اجماع أهل المدينة ليس بحجة وقال ما لك هو حجة أما حجة الجمهور على أنه غير حجة فواضحة لانهم بعض الأمة والمعتبر إجماع الأمة كلها.
وأما حجة ما لك فالتحقيق أنها ناهضة أيضاً لان الصحيح عنه أن إجماع أهل المدينة المعتبر له شرطان.
أحدهما أن يكون فيمالا مجال للرأي فيه. الثاني أن يكون من الصحابة التابعين لا غير ذلك لان قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه في حكم المرفوع فألحق بهم مالك التابعين م أهل المدينة فيما فيه اجتهاد لتعلمهم ذلك عن الصحابة.
أما
стр. 181
في مسائل الاجتهاد فأهل المدينة عند مالك فالصحيح عنه كغيرهم من الأمة وحكي عنه الإطلاق وعلى القول بالإطلاق يتوجه عليه اعتراض المؤلف بأنهم بعض من الأمة كغيرهم وإلى ما ذكرنا عن مالك أشار في المراقي قال:
وأوجين حجية للمدنى ... فيما على التويف أمره بنى
وقيل مطلقاً وما أجمعا ... عليه أهل البيت مما منعا
ومعناه عند مالك إنفاق الصحابة والتابعين الذين في المدينة واتفاق الخلفاء ... الخ.
(فصل)
واتفاق الخلفاء الأربعة ليس بإجماع عند الجمهور والصحيح أنه حجه وليس بإجماع لأن الإجماع لا يكون الا من الجميع. فالجماع إنما يكون من الكل.. الخ. الإجماع إنما يكون من الكل. وقيل إجماع وقيل حجة لا إجماع وهو أظهرها وما نقل عن أحمد ﵀ من أنه لا يخرج عن قولهم إلى قول غيرهم لا يدل على أن قولهم إجماع لان الدليل قد يكون حجة وليس إجماعا.
(مسألة)
ظاهر كلام أحمد ﵀ أن انقراض العصر شرط في صحة الإجماع وهو قول بعض الشافعية وقد أومأ إلى أن ذلك ليس بشرط بل لو اتفقت كلمة الأمة ولو في لحظة واحدة انعقد الإجماع وهو قول الجمهور واختاره أبو الخطاب - ووجه هذا القول أن حقيقة الإجماع
стр. 182
المعصوم تحصل باتفاقهم ولو في لحظة واحدة والنصوص الدالة على حجة الإجماع ليس فيها القيد بانقراض العصر ولأنه يؤدي إلى تعذر الإجماع لأنه لا يكاد عصر ينقرض حتى يحدث من أولاده من يكون من علماء العصر فيتسلسل.
ووجه اشتراطه احتمال رجوع البعض عن اجتهاده فيؤول الأمر إلى الخلاف - وقد ذكر الإمام أحمد أن أم الولد كان حكمها حكم المة بإجماع ثم أعتقهن عمر وخالفه علي بعد موته. وحد الخمر كان في زمن أبي بكر ﵁ أربعين ثم جلد عمر ثمانين ثم جلد علي أربعين ولولا اشتراط انقراض العصر لما جاز ذلك. وأشار في المراقي إلى أن مذهب الأكثر عدم اشتراط انقراض العصر بقوله: -
(مسألة)
إجماع أهل كل عصر حجة كإجماع الصحابة خلافاً لداود فعنده إجماع الصحابة لا غير هو المعتبر وقد أومأ أحمد ﵀ إلى ذلك وحاصل ما ذكره المؤلف في هذا المبحث ان الإجماع من الأمة معتبر في كل عصر فالماضي لا يعتبر والمستقبل لا ينتظر. وكلية الأمة حاصلة بالموجودين في كل عصر وخالف الظاهرية في إجماع غير الصحابة وأومأ إليه أحمد ويعتبر في الإجماع الغائب لا الميت.
(فصل)
إذا اختلف الصحابة على قولين فأجمع التابعون على أحدهما فقال أبو الخطاب والحنفية يكون إجماعا لانه اتفاق من جميع أهل العصر. وقال
стр. 183
القاضي وبعض الشافعية لا يكون إجماعا لان الذين ماتوا هو مخالفون لا يسقط قولهم بموتهم أما إذا اختلف الصحابة ثم اتفقوا بعد الاختلاف كاختلافهم في أمانة أبي بكر ثم اتفاقهم عليها بأن رجع بعضهم إلى قول الآخرين فهو إجماع منهم كما هو الحق وخالف فيه الصيرفي من الشافعية.
والعم ان غير الصحابة من أهل كمل عصر كذلك عند الجمهور فاذا اختلفوا ثم اتفقوا كان اجماعاً واذا اتفق من بعدهم على أحد قوليهم ففيه الخلاف المذكور والراجح أنه اجماع.
(فصل)
إذا اختلف الصحابة إلى قولين لم يجز إحداث ثالث مخالف لقوليهما في قول الجمهور وقال بعض الحنفية والظاهرية يجوز فحجة الأول أن اختلافهم إلى القولين في قوة الإجماع على بطلان ما سواهما وحجة الثاني أنهم خاضوا في المسألة خوض مجتهدين ولم يحرموا ولم يصرحوا تحريم قول ثالث وأن الصحابة لو عللوا بعلة أو استدلوا بدليل فلمن بعدهم التعليل
ولاستدلال بغير ذل كلأنهم لم يصرحوا ببطلان ذلك وأنهم لو اختلفوا في مسألتين فذهب بعضهم إلى الجواز فيهما وذهب الآخرون إلى المنع فيهما فذهب التابعي إلى التجويز في إحداهما والمنع في الأخرى كان له ذلك - مثال أحداث الثالث المخالف ما حكاه ابن حزم من أن الأخ يحجب الجد لأن الصحابة اختلفوا فيذلك إلى قولين فمن قائل أن الجد أب يحجب الأخ ومن قائل يرثان معا فكان اجماعا على أنه للجد نصيب فالقول بحجب الأخ له: حرق لاجماعهم بأحداث هذا الثالث.
قال مقيدة عفي الله عنه: حاصل تحرير هذه المسألة عند الأصوليين انهم اختلفوا في أحداث القول الثالث فقال بعضهم لا يكون الا خارقا للإجماع
стр. 184
فهو ممنوع مطلقاً ومثاله ما ذكرناه عن ابن حزم وقال بعضهم هو قد يكون خارقاً فيمتنع وغير خارق فيجوز مثال الخارق: الجد والاخوة وقد تقدم. ومثال غير الخارق ما لو فرضنا أنه تقدم القولان في متروك التسمية لكونه يؤكل عند البعض مطلقا وممنوعا عند بعض مطلقاً فعلى قول القائل بأنه يؤكل في تركها نسيانا لا عمداً لأنه وافق بعضاً في كل منهما ولم يخالفهم جميعاً لأنه في حالة
النسيان وافق القائل بالإجابة وفي حالة العمد وافق القائل بالمنع ومن أمثلة اختلاف العلماء في فسخ النكاح بعيوب الزوجين المعروفة فمن قائل يفسخ بكلها ومن قائل لا يفسخ بشيء منها فلو أحدث قول ثالث بالفسخ ببعضها دون البعض لم يكن خارقاً لموافقته لكل مذهب في البعض (١) .
(تنبيه)
إحداث التفصيل جعله قوم داخلا في إحداث القول الثالث وقال قوم ليس داخلا فيه وهو ممنوع أيضاً ان كان التفصيل خارقاً للإجماع ومثاله اختلاف العلماء في توريث العمة والخالة فمن قائل لا ترثان ومن قائل ترثان فلو أحدث التفصيل بإرث العمة دون الخالة أو العكس كمان باطلا لانه خارق لاجماعهم على أنهما سواء لأنهم لو قالوا في المسألتين انهما سواء امتنع التفصيل بينهما قولا واحدا واعلم أن الأصوليين اختلفوا في
стр. 185
انقسام الأمة إلى قسمين في مسألتين وكلاهما مخطئ في إحداهما وحاصل تحرير هذا المقام ان له ثلاث
حالات اثنتان يتفق عليها وواحدة هي المختلف فيها فالمتفق عليها: ١- اتفاقهم على الخطأ في المسألة الواحدة من الوجه الواحد فهذا لا يجوز إجماعا. ٢- اتفاقهم على الخطأ في مسألتين متباينتين كخطأ بعضهم في مسألة من الجنايات وخطأ البعض الآخر في مسألة من العبادات فهذا يجوز إجماعا. ومحل الخلاف ٣- المسألة الواحدة ذات الوجهين نحو المانع من الميراث فانه جنس واحد الا أنه ينقسم إلى نوعين مثلا قتل ورق فهم يجوز أن يقول بعضهم القاتل يرث والعبد لا يرث ويقول البعض الآخر بعكس ذلك فيخطئ كل منهما فيما أصاب فيه الآخر
فقيل هذا لا يمتنع لان الأمة لم تجتمع على خطأ في شيء معين واحد وقيل يمتنع نظراً إلى خطأ المجموع في الجملة (وهذه المسألة هي محل الخلاف) .
(فصل)
الإجماع السكوتي
إذا قام بعض الصحابة قولا في تكليف فانتشر في بقية الصحابة فسكتوا ففي ذلك ثلاثة أقوال والحق انه إجماع سكوتي ظني: انه إجماع وروى عن أحمد ما يدل عليه وبه قال أكثر الشافعية أي والمالكية تنزيلا للسكوت منزلة الرضا والموافقة.
ويشترط في ذلك ألا يعلم
стр. 186
أن الساكت ساخط غير راض بذلك القول وأن تمضي مهلة تسع النظر في ذلك القول بعد سماعه ٢- انه حجة لا جماع ٣ - ليس بحجة ولا إجماع لان الساكت قد يسكت وهو غير راض ولذلك أسباب متعددة كاعتقاده أن كل مجتهد مصيب أو انه لا إنكار في مسائل الاجتهاد ونحو ذلك وتحرير هذه المسألة أن لها ثلاث حالات:
١- أن يعلم من قرينه حال الساكت انه راض بذلك فهو إجماع قولا واحدا.
٢- أن يعلم من قرينته أنه ساخط غير راض فليس بإجماع قولا واحدا.
٣- ألا يعلم منه رضي ولا سخط ففيه الأقوال الثلاثة المتقدمة ومذهب الجمهور انه إجماع سكوتي وهو ظني كما تقدم.
(مسألة)
أعلم أن الأصوليين اختلفوا في مستند الإجماع هل يصح أن يكون عن اجتهاد وقياس على ثلاثة أقوال:
الأول: أحدهما انه لا يتصور الثاني: انه يتصور وليس بحجة الثالث: وعليه الأكثر انه جائز وواقع وهو اختيار المؤلف ومثل وله بعضهم بالإجماع على تحريم شحم الخنزير قياساً على لحمه ومن أمثلة الإجماع على تحريم القضاء في حالة الجوع والعطش المفرطين ونحو ذلك كالحقن والحقب من مشوشات الفكر قياسا على
الغضب المنصوص عليه
стр. 187
في الحديث المتفق عليه ((لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان))
(فصل)
الإجماع ينقسم إلى مقطوع ومظنون وقد تقدمت الإشارة إلى هذا.
(فصل)
الأخذ بأقل ما قيل ليس تمسكا بالإجماع كالاختلاف في دية الكتابي فقيل كدية المسلم وقيل نصفها وقيل ثلثها فالتمسك بالثلث ليس بالإجماع وأظهر دليل على ذلك جواز مخالفته , هـ.
стр. 188
((الأصل الرابع الاستصحاب))
استصحاب الحال ودليل العقل
اعلم أن الاستصحاب ثلاثة أقسام اثنان مقبولان عند الجمهور وواحد مردود عندهم.
١- استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل ناقل عنه , لأن العقل يدل على براءة الذمة حتى يقوم الدليل كعدم وجوب صيام صفر مثلا لان الأصل براءة الذمة منه , فيستصحب الحال في ذلك وهذا النوع هو الذي ينصرف إليه اسم الاستصحاب وهو المعروف بالبراءة الأصلية والإباحة العقلية. وهذا النوع قد دل القرآن على اعتباره في آيات كثيرة كقوله تعالى: ((فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ... )) الآية.
وقوله: ((وما كان الله ليضل قوما بعد اذ هداهم حتى بين لهم ما يتقون)) ووجه الدلالة في الآية الأولى انه لما نزل تحريم الربا خافوا من الأموال المكتسبة من الربا قبل التحريم. فبينت الآية ما اكتسبوا من الربا قبل التحريم على البراءة الأصلية حلال لهم ولا حرج عليهم فيه. ووجه دلالة الآية الثانية: ان النبي ﷺ لما استغفر لعمه أبي طالب واستغفر المسلمون لموتاهم من المشركين وأنزل الله ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ندموا على استغفارهم للمشركين بينت الآية أن استغفارهم لهم
قبل التحريم على البراءة الأصلية لا اثم عليهم فيه ولا حرج حتى بين لهم الله ما يتقونه كالاستغفار لهم مثلا.
стр. 189
٢- استصحاب دليل الشرع كاستصحاب النص حتى يرد الناسخ , والعموم حتى يرد المخصص , ودوام الملك حتى يثبت انتقاله ودوام شغل الذمة الثابت حتى تثبت براءتها ونحو ذلك.
٣- وهو المردود عند الجمهور هو استصحاب حال الإجماع في محل النزاع واعتبره بعضهم واختاره أو أساق بن شاقلا ومثاله: أن يقول في المتيمم إذا رأي الماء في أثناء الصلاة فالإجماع منعقد على صحة صلاته ودوامه فيها فنحن نستصحب ذلك إلى ورود الدليل
الصارف عنه وهذا غير صحيح لان الإجماع إنما دل على الدوام فيها حال عدم الماء ... أما مع وجوده فلا إجماع حتى يقال باستصحابه.
(فصل)
اعلم بأنه من نفى حكماً بأن الأمر الفلاني ليس بكذا اختلف فيه , هل يكفيه مجرد النفي بناء على انه الأصل حتى يرد دليل الوجوب أو يكلف بالدليل على ما ادعاه من النفي وهذا الأخير هو مذهب الجمهور وهو الحق واختاره المؤلف واستدل له بقوله تعالى: ((وقالوا لن يدخل ... هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين)) .
стр. 190
الأصول المختلف فيها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
هذا بيان أصول مختلف فيها وهي أربعة:
الأول: شرع من قبلنا اذا لم يصرح شرعنا بنسخة هل هو شرع لنا وهل كان النبي ﷺ متعبداً قبل البعثة باتباع شريعة من قبلة؟ فيه روايتان:
إحداهما: أنه شرع لنا: اختارها التميمي وهو قول الحنفية.
الثانية: ليس شرع لنا , وعن الشافعي كالمذهبين.
اعلم أولا أن كونه ﷺ متعبداً بعد البعثة بشرع من قبلنا أو غير متعبد به متفرع على الاختلاف في شرع من قبلنا. فعلى أنه شرع لنا بعد وروده في شرعنا فهو متعبد وعلى العكس فلا.
وحاصل ما ذكره المؤلف في هذا الأصل أن فيه قولين ورجح أنه شرع لنا ان ثبت بشرعنا أنه كان شرعاً لمن قبلنا ولم ينسخ في شرعنا. وهو مشهور مذهب مالك وأبي حنيفة.
ومشهور مذهب الشافعي: أنه ليس شرعاً لنا. وحاصل تحرير هذه المسألة أن لها واسطة وطرفين , طرف يكون فيه شرعاً إجماعا , وطرف يكون فيه غير شرع لنا إجماعا وواسطة هي محل الخلاف المذكور , أما الطرف الذي يكون فيه شرعاً لنا إجماعا فهو ما ثبت بشرعنا
стр. 191
أنه كان شرعاً لمن قبلنا ثم ثبت بشرعنا انه شرع لن كالقصاص فانه ثبت بشرعنا أنه كان لمن قبلنا في قوله تعالى: ((
وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس)) الآية. ثم صرح لنا في شرعنا بأنه شرع لنا في قوله تعالى: ((كتب عليكم القصاص في القتلى)) الآية.
وأما الطرف الثاني: الذي يكون فيه غير شرع لنا إجماعا فهو أمران:
أحدهما: ما لم يثبت بشرعنا أصلا كالمأخوذ من الإسرائيليات.
الثاني: ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعاً لهم وصرح في شرعنا بنسخة كالأصر والأغلال التي كانت عليهم كما في قوله تعالى: ((ويضع عنهم اصرهم والأغلال التي كانت عليهم)) .
وقد ثبت في صحيح مسلم أنه ﷺ لما قرأ: ((ربنا ولا تحمل علينا اصراً كما حملته على الذين من قبلنا)) قال الله: قد فعلت.
والواسطة: هي ما ثبت بشرعنا أنه شرع لمن قبلنا ولم يصرح بنسخة في شرعنا.
وحجة الجمهور أنه ما ذكر لنا في شرعنا الا لنعمل به سواء علينا أكان شرعاً لمن قبلنا أم لا , وقد دلت على ذلك آيات كثيرة كتوبيخه تعالى لمن لم يعقل وقائع الأمم الماضية كما في قوله تعالى: ((وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا يعقلون)) .
وقد صرح تعالى بأن الحكمة في قص أخبارهم إنما هي الاعتبار بأحوالهم في قوله تعالى: ((لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب)) وقال تعالى: ((أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده)) .
стр. 192
وحجة الشافعي ﵀ قوله تعالى: ((لكل جعنا منكم شرعة ومنهاجاً)) وحمل ﵀ الهدى في قوله تعالى: ((فبهداهم اقتده)) والدين في قوله تعالى: ((شرع لكم من الدين)) الآية. على خصوص التوحيد دون فروعه العملية.
وقال: ان الخطاب الخاص ﷺ في نحو قوله: ((فبهداهم اقتده)) لا يشمل حكمه الأمة ألا بدليل منفصل لأنه لا يشملها في الوضع اللغوي فإدخالها فيه صرف للفظ اللغوي عن ظاهره فيحتاج إلى دليل.
وأجيب عن الاستدلال الشافعي بان النصوص دالة على شمول الهدى والدين في الآيتين للأمور العملية.
أما في الأولى: فقد روى البخاري في صحيحه عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في (ص) فقال: أو ما تقرأ: ((ومن ذريته داوود أولئك الذين هذى الله فبهداهم اقتده)) فسجدها داوود فسجدها رسول الله ﷺ فهو تصريح صحيح عن ابن عباس أنه ﷺ قد أدخل سجود التلاوة في الهدى في قوله تعالى: ((فبهداهم اقتده)) وسجود التلاوة من الفروع العملية لا من الأصول.
وأما الدين في قوله تعالى: ((شرع لكم من الدين)) الآية. فقد دل الكتاب والسنة على شموله أيضا ً للأمور العملية فقد قال ﷺ في حديث جبريل المشهور: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم) يعني الإسلام والإيمان والإحسان مع أنه
стр. 193
فسر الإسلام فيه بأنه يشمل الأمور العملية كالصلاة والزكاة والصوم والحج.
وفي حديث ابن عمر المتفق عليه ((بني الإسلام على خمس: الحديث , ومعلوم أن الصلاة والزكاة والصوم والحج أمور عملية لا عقائد)) وقد قال تعالى: ((إن الدين عند الله الإسلام)) وقال: ((ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه)) الآية. فدل على أن الدين يشمل الأمور العملية كتاباً وسنة.
وبأن الأدلة دلت على أن الخطاب الخاص به ﷺ يشمل الأمة حكمه لا لفظه الا بدليل على الخصوص كقوله: ((لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)) وقد علمنا من استقرار القرآن أن يخاطب نبيه ﷺ بخطاب لفظه خاص والمقصود منه تعميم الحكم.
فمن ذلك قوله تعالى: ((يا أيها النبي)) ثم قال: ((اذا طلقتم النساء)) الآية. فأفهم شموله حكم الخطاب للجميع.
وقال: ((يا أيها النبي لا تحرم)) ثم قال: ((قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم)) وقال: ((يا أيها النبي اتق الله)) ثم قال: ((ان الله كان بما تعملون خبيرا)) . وقال: ((وما تكون في شأن)) ثم قال: ((وما تعملون من عمل)) الآية.
فدل التعميم بعد الخطاب الخاص به في الآية المذكورة على عموم حكم الخطاب الخاص به , وقال تعالى: ((فأقم وجهك للدين حنيفا)) ثم قال: ((منيبين إليه واتقوه)) فهو حال الضمير المستتر في ((فأقم)) وهو خاص به صلى الله عليه وعلى آله
стр. 194
وسلم , وتقديره ((فأقم وجهك للدين يا نبي الله في حال
كونكم منيبين)) فلو لم يشمل الأمة حكماً لقال ((منيبا)) بالإفراد لإجماع أهل اللسان العربي على أن الحال الحقيقية أعني التي لم تكن سببية لا بد من مطابقتها لصاحبها إفراداً وتثنية وجمعاً وتذكيراً وتأنيثاً , فلا يجوز جاء زيد ضاحكين اجماعاً , ودعوى أن العامل في الحال ألزموا مقدراً وصاحبها الواو في ألزموا , أي ألزموا فطرة الله في حال كونكم منيبين تقدير لا دليل عليه ولا حاجة إليه. وقال تعالى: ((فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها)) ثم قال: ((لكي لا يكون على المؤمنين حرج)) الآية.
وقال تعالى: ((خالصة لك من دون المؤمنين)) مع أن الكلام خاص به ﷺ في قوله تعالى: ((وامرأة مؤمنة ان وهبت نفسها للنبي)) الآية. فلو كان حكمه خاصاً به لأغنى ذلك عن قوله ((خالصة لك من دون المؤمنين)) .
وبأن قوله: ((لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)) معناه أن بعض الشرائع ينسنح فيه بعض ما كان في منها ويزداد فيها أحكام لم تكن مشروعة من قبل , وبهذا الاعتبار يكون لكل شرعة ومنهاج من غير مخالفة لما ذكرنا.
قال صاحب المراقي في هذه المسألة:
ولم يكن مكلفا بشرع ... صلى عليه الله قبل الوضع
وهو والأمة بعد كلفا ... إلا إذا التكليف بالنص انتفى
وقيل: لا والخلف فيما شرعا ... ولم يكن داع إليه سمعاً
стр. 195
(قول الصحابي)
الأصل الثاني المختلف فيه: قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
قول الصحابي: ليس بحجة على صاحبي آخر.
وخلاصة كلام المؤلف في قول الصحابي أنه ذكر فيه أربعة أقوال:
١- انه حجة يقدم على القياس ويخص به العموم وعزاه مالك والشافعي في القديم وبعض الحنفية واستدل بحديث (أصحابي كالنجوم) الحديث.
٢- ليس بحجة وعزاه لعامة المتكلمين والشافعي في الجديد واختار أبي الخطاب واستدل له بامكان الغلط والخطأ من الصحابة وبأنه يجوز عليهم الاختلاف ولم تثبت عصمتهم.
٣- قول الخلفاء الراشدين دون غيرهم واستدل له بحديث: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)) الحديث.
٤- قول أبي بكر وعمر واستدل له بحديث اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر , ويظهر من الثالث والرابع أنه ولو هناك مخالف. هذه خلاصة كلامه ﵀ في هذا المبحث.
стр. 196
قال مقيدة عفا الله عنه: -
حاصل تحرير هذه المسألة: أن قول الصحابي الموقوف عليه له حالتان:
الأولى: أن يكون مما لا مجال للرأي فيه.
الثانية: أن يكون مما له فيه مجال.
فان كان مما لا مجال للرأي فيه فهو في حكم المرفوع كما تقرر في علم الحديث , فيقدم على القياس ويخص به النص , إن لم يعرف الصحابي بالأخذ من الإسرائيليات وان كان مما للرأي فيه مجال , فان انتشر في الصحابة ولم يظهر له مخالف فهو الإجماع السكوتي وهو حجة عند الأكثر وان علم له مخالف من الصحابة فلا يجوز العمل بقول أحدهم إلا بترجيح بالنظر في الأدلة كما ذكره المؤلف في الفصل الذي بعد هذا.
وان لم ينتشر فقيل: حجة على التابعي ومن بعده لأن الصحابي حضر التنزيل فعرف التأويل لمشاهدته لقرائن الأحوال , وقيل ليس بحجة على المجتهد التابعي مثلا لأن كليهما مجتهد يجوز في حقه أن يخطئ وأن يصيب. والأول أظهر. وعن أحمد لا يخرج عن قول الخلفاء الأربعة , فقولهم عنده حجة وليس بإجماع , وحديث عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين: أخرجه الترمذي وغيره , أبو داوود.
وقال المحلي: ان الترمذي صححه , وهو كذلك. وحديث اقتدوا باللذين من بعدي أخرجه الترمذي وغيره وقال صاحب الضياء اللامع عن ولي الدين أنه صححه ابن حبان والحاكم وقال المحلي ان الترمذي حسنه.
وحديث: أصحابي كالنجوم. الحديث. ضعيف لا يحتج به.
стр. 197
(تنبيه)
قول الصحابي: الذي ليس له حكم الرفع ليس بحجة على مجتهد آخر من الصحابة اجماعاً , واعلم أن الذين قالوا: ان قول الخلفاء الأربعة وقول أبي بكر وعمر كغيرهم من الصحابة قالوا: إن المراد بالأمر بالاقتداء بهم هو المقلد.
وأما المجتهد العارف بالدليل فليس بمأمور بترك الدليل الظاهر له لي قول غيره.
واعلم أن التحقيق أنه لا يخصص النص بقول الصحابي إلا إذا كان له حكم الرفع لأن النصوص لا تخصص باجتهاد أحد لأنها حجة على كل من خالفها. وأشار صاحب المراقي إلى مسألة قول الصحابي بقوله:
رأى الصحابى على الأصحاب لا ... يكون حجة بوفق من خلا
فى غيره، ثالثها إنتشر ... وما مخالف له قط ظهر
الاستحسان
الأصل الثالث المختلف فيه: الاستحسان.
قال المؤلف: الاستحسان , ولا بد أولا من فهمه وله ثلاثة معان:
أحدهما: أن المراد به العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سنة.
قال القاضي يعقوب: القول بالاستحسان مذهب أحمد ﵀.
стр. 198
وهذا التعريف للاستحسان هو الصحيح عند المؤلف ولذا رد التعريفين الآخرين.
الثاني: أن المراد به ما يستحسنه المجتهد بعقله.
الثالث: أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يقدر على التعبير عنه.
وبطلان هذه التعريفين ظاهر لأن المجتهد ليس له الاستناد إلى مجرد عقله في تحسين شئ , وما لم يعبر عنه لا يمكن الحكم له بالقبول حتى يظهر ويعرض على الشرع.
ومثال الاستحسان على معنه الذي ارتضاه المؤلف: ما لو باع رجل سلعة بثمن لأجل ثم اشتراها بائعها بعينها قبل قبض ثمنها بأكثر من الثمن الأول لأبعد من الأجل الأول. فالقياس يقتضي جواز البيعتين فيهما لأن كلا منهما بيع سلعة بثمن إلى أجل معلوم لكن عدل بهذه المسألة عن نظائرها من أفراد بيع سلعة بثمن إلى أجل بدليل خاص وهو هنا أنت السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها ملغاة فيؤول الأمر إلى أخذه عند الأجل الأول نقداً ودفعة أكثر منه من حينه عند الأجل الثاني وهذا عين الربا.
وأشار في المراقي إلى مسألة الاستحسان بقوله:
والأخذ بالذى له رجحان ... من الأدلة هو استحسان
أو هو تخصيص يعرف ما يعم ... ورعى الاستصلاح بعضهم
الاستصلاح بعضهم يؤم
ورد كونه دليلاً ينقدح ... ويقصر التعبير عنه متضح
الأصل الرابع المختلف فيه: الاستصلاح: وهو الوصف الذي لم يشهد الشرع لا بإلغائه ولا باعتباره:
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
стр. 199
الرابع من الأصول المختلف فيها الاستصلاح واتباع المصلحة المرسلة , الخ ... وخلاصة ما ذكره المؤلف في هذا الحديث: أن المصلحة المرسلة , إن كانت من الحاجيات أو التحسينيات فهو لا يعلم خلافاً في منع التمسك بها لأنه وضع حكم بغير دليل.
وان كانت من الضروريات , فهو يرى جواز العمل بها عن مالك وبعض الشافعية مع أنه يرى منع العمل بها مطلقاً.
قال مقيده عفا الله عنه: -
اعلم أن الوصف من حيث هو إما أن يكون في إناطة الحكم به مصلحة أو لا , فان لم تكن في إناطة الحكم به مصلحة فهو الوصف الطردي كالطول والقصر بالنسبة إلى جميع الأحكام وكالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق , والطردي لا يعلل به حكم , وان كان في إناطة الحكم به مصلحة فهو المسمى بالوصف المناسب وهو على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يشهد الشرع باعتبار تلك المصلحة كالاسكار فانه وصف مناسب لتحريم الخمر لتضمنه مصلحة حفظ العقل. وقد نص الشرع على اعتبار هذه المصلحة فحرم الخمر لأجلها. وهذا هو المؤثر والملائم. وسيأتي الكلام عليهما في القياس إن شاء الله , فقول المؤلف: أن هذا القسم هو القياس لا يخلوا من نظر.
الثاني: أن يلغي الشرع تلك المصلحة ولا ينظر إليها كما لو ظاهر الملك من امرأته , فالمصلحة في تكفيره بالصوم لأنه هو الذي يردعه لخفة العتق ونحوه عليه لكن الشرع ألغى هذه المصلحة.
وأوجب الكفارة بالعتق من غير نظر إلى وصف المكفر بكونه فقيراً أو ملكاً وهذا الوصف يسمى الغريب عند جماعة أهل الأصول.
стр. 200
الثالث: أن لا يشهد الشرع لاعتبار تلك المصلحة بدليل خاص , ولا لإلغائها بدليل خاص , وهذا بعينه هو الاستصلاح , ويسمى المرسل , والمصلحة المرسلة , والمصالح المرسلة , وسمي مصلحة لاشتماله على المصلحة وسميت مرسلة لعدم التنصيص على اعتباره ولا على إلغائها. وعرفه في المراقي بقوله:
والوصف حيث الاعتبار يجهل ... فهو الاستصلاح قل والمرسل
واعلم أن المصالح من حيث هي ثلاث أقسام:
الأول: مصلحة درء المفاسد , وهي المعرفة بالضروريات وهي ستة لأن درء المفسدة اما عن الدين, أو النفس , أو العقل , أو النسب , أو المال , أو العرض , ومن فروع درء المفاسد نصب الأئمة ووجوب قتل المرتد , وعقوبة المضل صيانة للدين , وتحريم القتل ووجوب القصاص فيه صيانة للأنفس , وتحريم الخمر ووجوب الجلد فيها صيانة للعقول , وتحريم الزنا ووجوب الحد فيه صيانة للنسب , وتحريم السرقة ووجوب القطع فيها صيانة للمال , وتحريم القذف ووجوب الحد فيه صيانة للأغراض , وقد جعلها المؤلف خمساً بحذف العرض , وانتابه فيها لا بد
منه.
الثاني: التحسينات: وتسمى التتميمات وهي الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات , ومن فروعها خصال الفطرة كاعفاء اللحى وقص الشارب , ومنها تحري المستقذرات ووجوب الانفاق علتى الأقارب الفقراء كالآباء والأبناء.
стр. 201
واعلم أن مالكاً يراعي المصلحة المرسلة في الحاجيات والضروريات كما قرره علماء مذهبه خلافاً لما قله عنه المؤلف من عدم مراعاتها في الحاجيات.
ودليل ما لك على مراعاتها اجماع الصحابة عليها كتولية أبي بكر لعمر واتخاذ عمر سجناً وكتبه أسماء الجند في ديوان , واحداث عثمان لأذان آخر في الجمعة وأمثال ذلك كثيرة جداً.
فقد عرفت أنواع المصالح , وعرفت المرسل منها وغير المرسل , وعرفت أن مالكاً يراعيها في الحاجيات كالضروريات.
واعلم أن الضروري له مكمل والحاجي له مكمل.
فمكمل الضروري كتحريم القليل جداً من المسكر , ومكمل الحاجي كالخيار في البيع والرهن بناء على ان البيع من الحاجيات.
والحق أن أهل المذاهب كلهم يعملون بالمصلحة المرسلة وان قرروا في أصولهم أنها غير حجة كما أوضحه القراني في التنقيح , وما ذكره الؤلف ﵀ من أن مالكاً ﵀ أجاز قتل الثلث لا صلاح الثلثين ذكره الجويني وغيره عن مالك وهو غير صحيح ولم يروه عن مالك أحد من أصحابه ولم يقله مالك كما حققه العلامة محمد بن الحسن البناني في حاشيته على شرح عبد الباقي الزرقاني لمختصر خليل , وأشار صاحب المراقي إلى هذه المسألة بقوله:
ثم المناسب عنيت الحكمة ... منه ضرورى وجا تتمة
بينهما ما ينتمى للحاجى ... وقدم القوى فى الرواج
دين فنفس ثم عقل نسب ... مال إلى ضرورة تنتسب
ورتبن ولتعطف مساويا ... عرضا على المال تكن موافياً
فحفظها حتم على الإنسان ... فى كل شرعة من الأديان
الحق به ما كان ذا تكميل ... كالحد فيما يسكر القليل
стр. 202
إلى أن قال:
والبيع كاإجارة الحاجى ... خيار بيع لاحق جلى
وما يتمم لدى الحذاق ... حث على مكارم الأخلاق
وبهذا الإيضاح يظهر لك أن ما يوهمه كلام المؤلف من شمول الاستصلاح لما دل الشرع على اعتباره غير مراد له , لكن المؤلف ﵀ ترجم للاستصلاح الذي هو المصلحة المرسلة ثم ذكر جميع أنواع المصالح من مرسلة وغيرها الإيهام. وقد عرفت التحقيق.
стр. 203
مقرر السنة الثالثة
(باب في تقسيم الكلام والأسماء)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
اختلف في مبدأ اللغات: فذهب إلى أنها توقيفية ... الخ ...
خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أن مبدأ اللغات: قيل هو توقيفي أي بتعليم من الله وقف الخلق على معاني تلك الألفاظ , وقيل: هي اصطلاحية. والذي يقول هي توقيفية يحتج بأن الاصطلاح يحتاج إلى مفاهمة سابقة ليعلم كل منهم مراد الآخر. والذين يقولون هي اصطلاحية يقولون أيضاً: ان التوقيف يحتاج إلى فهم لكلام الموقف سابقاً على التوقيف , والا لم يفهم.
والكل باطل لأن الاصطلاح لا يحتاج إلى علم سابق لإمكان الفهم بالإشارة واليقين , كما يفهم الطفل عن أبويه , ولأن الله سبحانه قادر على أن يخلق في الإنسان علماً ضرورياً يعرف به معاني الألفاظ من غير سابق.
وذكر المؤلف أن القاضي جوز كونها اصطلاحية , وكونها توقيفية وكون بعضها توقيفياً وبعضها اصطلاحياً وكون بعضها ثابتاً قياساً. قال: والواقع في ذلك لا دليل عليه. ثم قال المؤلف: ان هذه المسألة لا تدعوا لها حاجة فالخوض فيها تطويل بما لا فائدة تحته. وقال بعض أهل الأصول: هي مسألة طويلة الذيل قليلة النيل.
стр. 204
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
الأشبه أن تكون توقيفية لقوله تعالى: ((وعلم آدم الأسماء)) الآية.
قال مقيده عفا الله عنه: -
وفي الحديث أيضاً: (وعلمك أسماء كل شئ) الحديث. ولم يعرف المؤلف اللغة , وعرفها في المراقي بقوله:
وما من الألفاظ للمعنى وضع ... قل: لغة بالنقل يدرى من سمع
وأشار إلى الخلاف الذي ذكره المؤلف بقوله:
واللغة الرب لها قد وضعا ... وعزوا للإصطلاح سمعا
فبالإشارة وبالتعيين ... كالطفل فهم ذى الخفا والبين
(تنبيه)
لم يذكر المؤلف فائدة مبنية على الخلاف المذكور في مبدأ اللغات.
وقال الأبياري: لا فائدة تتعلق بهذا الخلاف أصلا. وقال قوم ينبني على هذا الخلاف جواز قلب اللغة كتسمية الثوب فرسا مثلا , وارادة الطلاق والعتق بنحو: اسقني الماء. قالوا: فعلى أنها اصطلاحية يجوز لقوم أن يصطلحوا على تسمية الثوب فرسا مثلا , ولواحد أن يقصد ذلك
стр. 205
في كلامه , وعلى القول بالتوقيف لا يجوز ذلك , وكذلك على الأول أيضاً يصح الطلاق والعتاق بكأسقني الماء ان نواه به.
وعلى القول الثاني لا يصح. قال المازري: ومحل هذا الخلاف ما اذا لم يكن اللفظ متعبداً به كتكبيرة الإحرام , أما المتعبد به فلا يجوز فيه القلب اجماعاً وأشار إلى هذا في المراقي بقوله:
يبنى عليه القلب والطلاق ... بكاسقنى الشراب والعتاق
أي يبني الاختلاف في اللغة فعلى أنها توقيفية يمنع , واصطلاحية يجوز.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
قال القاضي يعقوب بجوز أن تثبت الأسماء قياساً.. الخ..
خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا الفصل: أنهم اختلفوا في تثبيت الأسماء بالقياس فقيل يجوز ذلك. ومراد قائله: أن العرب إذا سمت شيئاً باسم لأجل صفة فيه ثم وجدنا تلك الصفة في شئ آخر. فلنا أن نقول بإطلاق ذلك الاسم عليه كإطلاقها الخمر على عصير العنب القاذف بالزبد. وهذه التسمية لأجل صفة فيه هي مخامرة العقل. فإذا وجدنا هذه الصفة في النبيذ سميناه خمراً في لغتهم.
وقيل يمنع ذلك لن الحال لا يخلو من واحد من ثلاث:
стр. 206
أما أن تكون العرب وضعب الاسم لهما معاً , أو لواحد منها , أو احتمل الأمر هذا وذاك فان وضعته لهما فليس هناك قياس. وانما هو وضع منهم.
وإن كانت وضعته لواحد فليس لنا أن نتعدى عليهم ونزعم أنهم وضعوه للثاني أيضاً. وان احتمل الأمرين فليس لنا أن نتحكم. وهذا القول أظهر ولم يذكر المؤلف فائدة مرتبة على هذا الخلاف.
وذكر بعض أهل الأصول فائدة وهي أنا اذا قلنا بثبوت الأسماء قياساً كفانا ذلك مؤونة القياس الشرعي , فلو أدخلنا النبيذ مثلا في اسم الخمر بقياس اللغة تناولته النصوص الواردة في الخمر فلا يحتاج إلى قياس شرعي. ولو قلنا بأنه لا يدخل في اسم الخمر احتجنا إلى قياس عليها بالقياس الشرعي فيجب مراعاة شروطه وإلى هذا أشار في المراقي بقوله:
وفرعه المبنى ىخفة الكلف ... فيما بجامع يقيه السلف
(تنبيه)
يشترط في الخلاف المذكور: أن يكون اللفظ المقيس عليه مشتقاً.
وفي المسألة قول ثالث لم يذكره المؤلف وهو جواز ذلك الحقيقة دون المجاز عند بعضهم وأشار إلى هذا في المراقي بقوله:
وأما المقيسات بالقياس التصريفي فهي تسعة: وهي الفعل واسم الفاعل
стр. 207
واسم المفعول , وصيغة المبالغة والصفة المشبهة وصيغة التفضيل واسم المكان واسم الزمان واسم الآلة ومحل البحث في تحقيقها في فن الصرف فلا نطيل بها الكلام.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
في تقاسيم الأسماء وهي أربعة أقسام:
١- وضعية , ٢- وعرفية , ٣- وشرعية , ٤- ومجاز مطلق ... الخ خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا البحث ان الأسماء منقسمة إلى الأقسام الأربعة وأن الحقيقة الشرعية مقدمة ولا يكون لفظها مجملا لاحتمال قصد الحقيقة اللغوية فلو وجد في كلام الشارع السم ((الصلاة)) مثلا وجب حمله على معناه الشرعي دون اللغوي الذي هو الدعاء , ولا يقال مجمل لاحتماله هذا وذاك اذا عرفت ذلك فاعلم أن مراده بالوضعي هو الحقيقة اللغوية كاستعمال الرجل في الإنسان الذكر والمرأة في الإنسان الأنثى.
وان كان الوضعي يشمل في اصطلاحهم المجاز لأن دلالة المجاز عندهم على معناه المجازي دلالة مطابقة وهي وضعية بلا خلاف ومراده بالشرعية ما عرفت فيه التسمية الخاصة من قبل الشرع بالصلاة والزكاة. اذا الصوم في اللغة كل إمساك والزكاة في اللغة الطهارة والنماء والصلاة في اللغة الدعاء. وعرف في المراقي الشرع بقوله:
وما أفاد لاسمه النبى ... لا الوضع مطلقاً هو الشرعى
ومراد المؤلف بالعرفية أمران: أحدهما , داخل في المجاز والمجاز
стр. 208
سيأتي والثاني منهما هو: أن يخصص عرف الاستعمال في أله اللغة الاسم ببعض مسمياته الوضعية كتخصيص اسم الدابة بذوات الأربع مع أن الوضع لكل ما يدب على الأرض.
وأما المجاز فهو المعروف عند أهل البلاغة وغيرهم: استعمال الكلمة في غير ما وضعت له لعلاقة بينهما مع قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي. وهذا التعريف للمجاز المفرد المنقسم إلى استعارة , ومجاز مرسل , وأقسام المجاز عند البيانين أربعة.
هذا الذي ذكرنا والمجاز المركب المنقسم إلى استعارة تمثيلية ومجاز مرسل مركب. والمجاز العقلي , والتجويز فيه الإسناد لا في لفظ المسند إليه , ولا المسند , ومجاز النقص والزيادة بناء على عدها من أقسام المجاز.
وبرهان الحصر في الأقسام الأربعة: أن اللفظ اما أن يبقي على أصل وضعه أو يغير عنه فان غير فلا بد أن يكون ذلك التغيير من قبل الشرع أو من قبل عرف الاستعمال أو من قبل استعمال اللفظ في غير موضعه لعلاقة بقرينة فالأول الوضعية , والثاني الشرعية , والثالث العرفية , والرابع المجاز.
واعلم أن التحقيق حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية ثم العرفية ثم اللغوية ثم المجاز عند القائل به ان دلت عليه قرينة.
وأشار إلى هذا في المراقي بقوله:
والتحقيق وجود الحقيقة الشرعية خلافاً لمن أنكرها وزعم أنها اللغوية
стр. 209
وزيد فيها شروط لأنه قول باطل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(النص والظاهر والمجمل)
والكلام المقيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: نص , وظاهر , ومجمل.
وبرهان الحصر في الثلاثة أن الكلام اما أن يحتمل معنى واحداً فقط فهو والنص نحو: تلك عشرة كاملة. وان احتمل معنيين فأكثر فلا بد أن يكون في أحدهما أظهر من الآخر أولا , فان كان أظهر في أحدهما فهو الظاهر ومقابلة المحتمل المرجوح. كالأسد فانه ظاهر في الحيوان المفترس ومحتمل في الرجل الشجاع. وان كان لا رجحان له في أحد المعنيين أو المعاني فهو المجمل. كالعين والقرء. ونحوهما.
وحكم النص: أن لا يعدل عنه الا بنسخ. وحكم الظاهر أن لا يعدل عنه الا بدليل على قصد المحتمل المرجوح وذلك هو التأويل. وسيأتي ان شاء الله.
وحكم المجمل أن يتوقف عن العمل به الا بدليل على تعيين المراد. والتأويل في اصطلاح الأصوليين هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوح بدليل يدل على ذلك ومثاله قوله ﷺ ((الجار أحق بصقبه) فانه ظاهر في ثبوت الشفعة للجار مطلقاً محتملاً احتمالا مرجوحاً أن يكون المراد به خصوص الشريك المقاسم الا أن هذا الاحتمال المرجوح دل عليه الدليل وهو
قوله صلى الله عيه وسلم ((فذا ضربت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)) ولا بد
стр. 210
في دليل التأويل. والاحتمال البعيد يحتاج إلى دليل قوي كما مثلنا. والاحتمال القريب يكفيه دليل يجعله أغلب على الظن من الظاهر. والمتوسط من الدليل للمتوسط من الاحتمال. ولكل مسألة من هذا ذوق خاص فالأحق بتفصيل ذلك: الفروع.
واعلم أن النص قد يطلق على الظاهر أيضاً , ويطلق على الوحي. قد يطلق على كل ما دل. واختار المؤلف ﵀ الإطلاق المذكور أولا.
(تنبيه)
لم يتعرض المؤلف للتأويل بدليل يظنه المؤول دليلاً وليس بدليل في نفس الأمر , ولا للتأويل بلا دليل أصلا.
والأول هو المسمى بالتأويل الفاسد , والتأويل البعيد ومثل له الأصوليون من المالكية والشافعية بنصوص أولها الامام أبو حنيفة ﵀. وسيأتي في هذا المبحث ... منها حمل ((المسكين)) على المد في قوله ﷺ : ((ستين مسكيناً)) وستأتي بقيتها.
والثاني: هو المسمى باللعب كقول غلاة الشيعة في ((أن تذبحوا بقرة)) هي عائشة.
واعلم أن دليل المؤول قد يكون قرينة كمناظرة الإمامين الشافعي وأحمد رحمهما الله في عود الواهب في هبته. فالشافعي يجيز وأحمد يمنع. فاستدل أحمد بحديث ((العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه)) . فقال أحمد في أول
стр. 211
الحديث: ((ليس لنا مثل السوء)) وهو قرينة على أن هذا المثل السيئ منفي عنا فلا يجوز لأحد اتيانه لنا.
وقد يكون نصاً آخر كعموم ((حرمت عليكم الميتة)) فانه ظاهر في شموله الانتفاع بجلدها والنص على الانتفاع بجلد الشاة الميتة في قوله ﷺ : ((هلا أخذتم اهابها فانتفعتم به)) ... الحديث يصرف ذلك العموم عن ظاهره ... وقد يكون ظاهر عموم آخر كالآية المذكورة مع عموم ((أيما اهاب دبغ فقد ظهر)) وقد يكون قياساً راجحاً.
فعموم جلد الزاني مائة جلدة ظاهر في شمول العبد ولكنه ﷺ لما خص عموم الزانية الأنثى بغير الأمة بقوله ((فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب)) عرف أن الرق على لتشطير الجلد محكم بتشطير جلد العبد قياساً على الأمة فكان في قياسه عليها صرف اللفظ عن إرادة عموم ((الزاني)) إلى محتمل مرجوح هو كونه في خصوص الحر اعتماداً على القياس على الأمة المنصوص عليها.
واعلم أن كل مؤول يلزمه أمران:
الأول: بيانه احتمال اللفظ لما حمله عليه.
الثاني: الدليل الصارف له إلى المحتمل المجوح. قال المؤلف وهو ظاهر. واعلم أن الظاهر قد يكون فيه قرائن يدفع الاحتمال مجموعها لآحادها كحمل الحنفية قوله ﷺ لغيلان بن سلمة الثقفي وقد أسلم على عشر نسوة أمسك منهن أربعاً وفارق من سواهن. على الانقطاع عنهن. وان يبتدئ نكاح أربع منهن فهذا ليس ظاهر اللفظ وفيه قرائن يدفعه مجموعها منها: أنه قال ((أمسك)) ولو أراد ابتداء النكاح لما أمر الزوج بالإمساك لأن ابتداء النكاح يشترط فيه رضى المرأة والولي.
ومنها أنه أراد النكاح لذكر شروطه لأنه حديث عهد بالإسلام
стр. 212
والبيان لا يؤخر عن وقت الحاجة. ومنها: أن ابتداء النكاح لا يختص بهن ومن التأويل البعيد في العموم: حمل المرأة في قوله: ((أيما امرأة نكحت)) الحديث.. على ((المكاتبة)) عند أبي حنيفة ﵀ لأنها صورة نادرة وهذا الحديث صريح في عموم النساء لأن لفظه ((أي)) صيغة عموم وقد أكد عمومها بما المزيدة للتوكيد. ورتب بطلان النكاح على الشرط في معرض الجزاء , وهذا من أبلغ صيغة في الدلالة على العموم. فحمله على خصوص المكاتبة لا يخفي بعده.
ومن التأويل البعيد أيضاً: حمل ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)) على النذر والقضاء لأن صوم التطويع غير مراد فلم يبق الا الفرض الذي هو ركن الإسلام وهو صوم رمضان. والقضاء والنذر يجيئان لأسباب عارضة فهما كالمكاتبة في مسألة النكاح المتقدمة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
والصحيح أن نذره هذا ليست كندره المكاتبة وأن الفرض أسبق إلى الفهم فيه فيحتاج هذا التخصيص بالنذر والقضاء إلى دليل قوي وهذه الأمثلة المذكورة للتأويل البعيد هي ما سبقت الإشارة إليها من أنها لأبي حنيفة ﵀ وأن الأصوليين
من المالكية والشافعية والحنابلة مثلوا لها بالتأويل البعيد. وعرف في المراقي النص بقوله:
نص إذا أفاد ما لا يحتمل ... غيرا وظاهر أن الغير احتمل
وأشار إلى اطلاقات النص الآخر بقوله:
والكل من زين له تجلى ... ويطلق النص على ما دلا
وفي كلام الوحي ...
стр. 213
وأشار إلى هذه التأويلات البعيدة التي ذكرها المؤلف وزاد عليها حمل المسكين على المد في قوله: ((ستين مسكيناً)) بقوله:
فجعل مسكين بمعنى المد ... عليه لائح سمات البعد
كحمل مرأة على الصغيرة ... وما ينافى الحرة الكبيرة
وحمل ما ورد فى الصيام ... على القضاء مع الالتزام
وعرف التأويل في الاصطلاح الأصولي وذكر أقسامه إلى صحيح وفاسد ولعب بقوله:
حمل لظاهر على المرجوح ... واقسمه للفاسد والصحيح
صحيحه وه القريب ما حمل ... مع قوة الدليل عند المستدل
وغيره الفاسد والبعيد ... وما خلا فلعباً يفيد
قال المؤلف القسم الثالث المجمل:
وهو ما لا يفهم منه معنى عند الإطلاق , وقيل ما احتمل أمرين لا مزيّة لأحدهما على الآخر كالألفاظ المشتركة ... الخ.
قال مقيده عفا الله عنه: أعلم التحقيق في معنى المجمل عند الأصوليين هو ما تقدم في تقسيم الكلام المفيد إلى نص وظاهر ومجمل. وهو ما اجتمل معنيين كالقرء للطهر والحيض , والشفق للحمرة والبياض , والمتردد بين معان كالعين للباصرة , والجارية , والنقد. وهذا مثال الإجمال بسبب الاشتراك في اسم , وقد يأتي بسبب الاشتراك في حرف أو فعل.
مثاله في الحرف: الواو في قوله: والراسخون في العلم , فانها محتملة للعطف فيكون الراسخون يعلمون التشابه ومحتملة للاستئناف فيستأثر الله بعلمه. ولفظه ((من)) في قوله ((فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه)) محتملة للتبعيض
стр. 214
فيشترط ما له غبار يعلق في اليد ومحتملة لابتداء الغاية فلا يشترط. ومثاله في الفعل قوله: ((والليل اذا عسق)) مشترك بين أقبل وأدبر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
وقد يكون الإجمال في لفظ مركب كقوله: أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح , متردد بين الزوج والولي. وقد يكون بحسب التصريف كالمختار يصح لاسم الفاعل واسم المفعول.
قال مقيده عفا الله عنه: -
كل فعل على وزن افتعل اذا كان معتل العين أو مضعفاً يتحد اسم فاعله واسم مفعوله لأن الكسرة المميزة لاسم المفعول كلتاهما تسقط للاعتلال والتضعيف مثاله في معتل العين: المختار , والمصطاد , والمجتاب , ومثاله في المضعف المضطر والمحتمل , وكذلك كل صيغة ((فاعل مضعفة)) يستوي لفظ اسم فاعلها ((واسم مفعولها كما يستوي مضارعها
المبني لفاعل ومضارعها المبني للمفعول , ((كمضار)) لهما و ((مضار)) للفعلين. ولأجله اختلف في أعراب والدة في قوله تعالى: ((لا تضار والدة)) فقيل فاعل وقيل نائب فاعل. وكذلك ((كاتب وشهيد)) في قوله تعالى: ((ولا يضار كاتب ولا شهيد)) .
وحكم المجمل: التوقف عنه حتى يعرف البيان كما تقدم.
وعرف المجمل في المراقي بقوله:
стр. 215
(تنبيه)
قد يكون الإجمال مع الوضوح في وجه آخر كقوله تعالى: ((وآتوا حقه يوم حصاده ... )) الآية. فانه واضح في اتينان الحق مجمل في مقدار الحق لاحتماله النصف وأقل وأكثر. وأشار له في المراقي بقوله:
والتحقيق ان ((حرمت عليكم الميتة)) ونحوه غير مجمل لظهوره من جهة العرف في تحريم الأكل. وكذلك قوله ((وأحل لكم البيع)) ليس بمجمل لأنه على عمومه الا ما أخرجه الدليل. وتظهر فائدة في حمل بيوع المسلمين على الصحة حتى يقوم دليل على الفساد. وكذلك قوله ((لا صلاة الا بطهور)) ليس بمجمل أيضاً لأن المراد نفي الصحة.
وان شئت قلت: نفي الصلاة بمعنى حقيقتها الشرعية. والمعنيان متلازمان. ولأن الصحة كلما وجدت فحقيقة الصلاة الشرعية موجودة. وكلما عدمت فهي معدومة. والتحقيق أيضاً في قوله ﷺ ((لا عمل الا بنية)) أنه غير مجمل أيضاً.
وحاصل تحرير المقام فيه: أن العمل ان كان عبادة كالصلاة فالمراد فيه نفي الصحة والاعتماد. وان شئت قلت: نفي العمل باعتبار حقيقته الشرعية كما قدمنا في مبحث ((لا صلاة الا بطهور)) . وان كان معاملة فهو يصح ويعتد به دون النية اجماعاً , والنفي فيه ينصب على انتفاء الأجر.
فمن أنفق على زوجته وقضى الدين ورد الأمانة والمغضوب لا يريد بشيء من ذلك وجه الله فان المطالبة تسقط عنه. ويصح فعله ويعتد به. ولكن