Полный текст (424 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الحديث: ((ليس لنا مثل السوء)) وهو قرينة على أن هذا المثل السيئ منفي عنا فلا يجوز لأحد اتيانه لنا.
وقد يكون نصاً آخر كعموم ((حرمت عليكم الميتة)) فانه ظاهر في شموله الانتفاع بجلدها والنص على الانتفاع بجلد الشاة الميتة في قوله ﷺ : ((هلا أخذتم اهابها فانتفعتم به)) ... الحديث يصرف ذلك العموم عن ظاهره ... وقد يكون ظاهر عموم آخر كالآية المذكورة مع عموم ((أيما اهاب دبغ فقد ظهر)) وقد يكون قياساً راجحاً.
فعموم جلد الزاني مائة جلدة ظاهر في شمول العبد ولكنه ﷺ لما خص عموم الزانية الأنثى بغير الأمة بقوله ((فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب)) عرف أن الرق على لتشطير الجلد محكم بتشطير جلد العبد قياساً على الأمة فكان في قياسه عليها صرف اللفظ عن إرادة عموم ((الزاني)) إلى محتمل مرجوح هو كونه في خصوص الحر اعتماداً على القياس على الأمة المنصوص عليها.
واعلم أن كل مؤول يلزمه أمران:
الأول: بيانه احتمال اللفظ لما حمله عليه.
الثاني: الدليل الصارف له إلى المحتمل المجوح. قال المؤلف وهو ظاهر. واعلم أن الظاهر قد يكون فيه قرائن يدفع الاحتمال مجموعها لآحادها كحمل الحنفية قوله ﷺ لغيلان بن سلمة الثقفي وقد أسلم على عشر نسوة أمسك منهن أربعاً وفارق من سواهن. على الانقطاع عنهن. وان يبتدئ نكاح أربع منهن فهذا ليس ظاهر اللفظ وفيه قرائن يدفعه مجموعها منها: أنه قال ((أمسك)) ولو أراد ابتداء النكاح لما أمر الزوج بالإمساك لأن ابتداء النكاح يشترط فيه رضى المرأة والولي.
ومنها أنه أراد النكاح لذكر شروطه لأنه حديث عهد بالإسلام
стр. 212
والبيان لا يؤخر عن وقت الحاجة. ومنها: أن ابتداء النكاح لا يختص بهن ومن التأويل البعيد في العموم: حمل المرأة في قوله: ((أيما امرأة نكحت)) الحديث.. على ((المكاتبة)) عند أبي حنيفة ﵀ لأنها صورة نادرة وهذا الحديث صريح في عموم النساء لأن لفظه ((أي)) صيغة عموم وقد أكد عمومها بما المزيدة للتوكيد. ورتب بطلان النكاح على الشرط في معرض الجزاء , وهذا من أبلغ صيغة في الدلالة على العموم. فحمله على خصوص المكاتبة لا يخفي بعده.
ومن التأويل البعيد أيضاً: حمل ((لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل)) على النذر والقضاء لأن صوم التطويع غير مراد فلم يبق الا الفرض الذي هو ركن الإسلام وهو صوم رمضان. والقضاء والنذر يجيئان لأسباب عارضة فهما كالمكاتبة في مسألة النكاح المتقدمة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
والصحيح أن نذره هذا ليست كندره المكاتبة وأن الفرض أسبق إلى الفهم فيه فيحتاج هذا التخصيص بالنذر والقضاء إلى دليل قوي وهذه الأمثلة المذكورة للتأويل البعيد هي ما سبقت الإشارة إليها من أنها لأبي حنيفة ﵀ وأن الأصوليين
من المالكية والشافعية والحنابلة مثلوا لها بالتأويل البعيد. وعرف في المراقي النص بقوله:
نص إذا أفاد ما لا يحتمل ... غيرا وظاهر أن الغير احتمل
وأشار إلى اطلاقات النص الآخر بقوله:
والكل من زين له تجلى ... ويطلق النص على ما دلا
وفي كلام الوحي ...
стр. 213
وأشار إلى هذه التأويلات البعيدة التي ذكرها المؤلف وزاد عليها حمل المسكين على المد في قوله: ((ستين مسكيناً)) بقوله:
فجعل مسكين بمعنى المد ... عليه لائح سمات البعد
كحمل مرأة على الصغيرة ... وما ينافى الحرة الكبيرة
وحمل ما ورد فى الصيام ... على القضاء مع الالتزام
وعرف التأويل في الاصطلاح الأصولي وذكر أقسامه إلى صحيح وفاسد ولعب بقوله:
حمل لظاهر على المرجوح ... واقسمه للفاسد والصحيح
صحيحه وه القريب ما حمل ... مع قوة الدليل عند المستدل
وغيره الفاسد والبعيد ... وما خلا فلعباً يفيد
قال المؤلف القسم الثالث المجمل:
وهو ما لا يفهم منه معنى عند الإطلاق , وقيل ما احتمل أمرين لا مزيّة لأحدهما على الآخر كالألفاظ المشتركة ... الخ.
قال مقيده عفا الله عنه: أعلم التحقيق في معنى المجمل عند الأصوليين هو ما تقدم في تقسيم الكلام المفيد إلى نص وظاهر ومجمل. وهو ما اجتمل معنيين كالقرء للطهر والحيض , والشفق للحمرة والبياض , والمتردد بين معان كالعين للباصرة , والجارية , والنقد. وهذا مثال الإجمال بسبب الاشتراك في اسم , وقد يأتي بسبب الاشتراك في حرف أو فعل.
مثاله في الحرف: الواو في قوله: والراسخون في العلم , فانها محتملة للعطف فيكون الراسخون يعلمون التشابه ومحتملة للاستئناف فيستأثر الله بعلمه. ولفظه ((من)) في قوله ((فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه)) محتملة للتبعيض
стр. 214
فيشترط ما له غبار يعلق في اليد ومحتملة لابتداء الغاية فلا يشترط. ومثاله في الفعل قوله: ((والليل اذا عسق)) مشترك بين أقبل وأدبر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
وقد يكون الإجمال في لفظ مركب كقوله: أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح , متردد بين الزوج والولي. وقد يكون بحسب التصريف كالمختار يصح لاسم الفاعل واسم المفعول.
قال مقيده عفا الله عنه: -
كل فعل على وزن افتعل اذا كان معتل العين أو مضعفاً يتحد اسم فاعله واسم مفعوله لأن الكسرة المميزة لاسم المفعول كلتاهما تسقط للاعتلال والتضعيف مثاله في معتل العين: المختار , والمصطاد , والمجتاب , ومثاله في المضعف المضطر والمحتمل , وكذلك كل صيغة ((فاعل مضعفة)) يستوي لفظ اسم فاعلها ((واسم مفعولها كما يستوي مضارعها
المبني لفاعل ومضارعها المبني للمفعول , ((كمضار)) لهما و ((مضار)) للفعلين. ولأجله اختلف في أعراب والدة في قوله تعالى: ((لا تضار والدة)) فقيل فاعل وقيل نائب فاعل. وكذلك ((كاتب وشهيد)) في قوله تعالى: ((ولا يضار كاتب ولا شهيد)) .
وحكم المجمل: التوقف عنه حتى يعرف البيان كما تقدم.
وعرف المجمل في المراقي بقوله:
стр. 215
(تنبيه)
قد يكون الإجمال مع الوضوح في وجه آخر كقوله تعالى: ((وآتوا حقه يوم حصاده ... )) الآية. فانه واضح في اتينان الحق مجمل في مقدار الحق لاحتماله النصف وأقل وأكثر. وأشار له في المراقي بقوله:
والتحقيق ان ((حرمت عليكم الميتة)) ونحوه غير مجمل لظهوره من جهة العرف في تحريم الأكل. وكذلك قوله ((وأحل لكم البيع)) ليس بمجمل لأنه على عمومه الا ما أخرجه الدليل. وتظهر فائدة في حمل بيوع المسلمين على الصحة حتى يقوم دليل على الفساد. وكذلك قوله ((لا صلاة الا بطهور)) ليس بمجمل أيضاً لأن المراد نفي الصحة.
وان شئت قلت: نفي الصلاة بمعنى حقيقتها الشرعية. والمعنيان متلازمان. ولأن الصحة كلما وجدت فحقيقة الصلاة الشرعية موجودة. وكلما عدمت فهي معدومة. والتحقيق أيضاً في قوله ﷺ ((لا عمل الا بنية)) أنه غير مجمل أيضاً.
وحاصل تحرير المقام فيه: أن العمل ان كان عبادة كالصلاة فالمراد فيه نفي الصحة والاعتماد. وان شئت قلت: نفي العمل باعتبار حقيقته الشرعية كما قدمنا في مبحث ((لا صلاة الا بطهور)) . وان كان معاملة فهو يصح ويعتد به دون النية اجماعاً , والنفي فيه ينصب على انتفاء الأجر.
فمن أنفق على زوجته وقضى الدين ورد الأمانة والمغضوب لا يريد بشيء من ذلك وجه الله فان المطالبة تسقط عنه. ويصح فعله ويعتد به. ولكن
стр. 216
لا أجر له. وكذلك جميع التروك.
وكل هذه المسائل التي ذكرنا أنها غير مجملة قال فيها بعض العلماء بالإجمال مستدلا بأن الصور غير منفية. فالنفي إذاً غيرها ولم يصرح به فانه محتمل واذاً فهو مجمل وقد علمت التحقيق فيه وأنه غير مجمل واليه الإشارة بقول صاحب المراقي:
وكذلك خبر: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان على تقدير ثبوت هذا اللفظ ليس بمجمل أيضاً لأن العرف يبين أن المراد رفع المؤاخذة , وهو الحق ولا يلزم من ذلك رفع ضمان ما أتلفه خطأ أو نسياناً. لأن ضمان المتلفات , وأروش الجنايات من خطاب الوضع , ولذا يلزم الصبي مع أن القلم مرفوع عنه ويجب على العالقة في دية الخطأ مع أنهم لا علم لهم بالجناية , وما ذكره المؤلف عن أبي الخطاب من أن اراده نفي المؤاخذة لا تضح مستدلا بأنه لو أراد نفي الأثم لم يكن لهم في هذه الأمة مزية لأن الناسي غير مكلف في جميع الشرائع , فيه عندي
أمران: أحدهما: أن اثم الناسي والمخطئ من غير هذه الأمة غير مسلم لورود أدلة تدل على اختصاص هذه الأمة بعفو الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه منها: هذا الحديث الذي نحن بصدده. فقوله: ((عن أمتي)) يفهم منه أن غيرهما ليس كذلك. ومنها: حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قربة لصن مع أنه مكروه بالخوف من القتل لأنهم قتلوا صاحبه لما أبي عن ذلك ومنها: أن قوله تعالى: ((ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا)) . وقول الله قد فعلت كما ثبت في صحيح مسلم.
يدل على أن المؤاخذة بالخطأ والنسيان كانت معهودة على من قبلنا اذ لو كانت مرفوع عن كل أحد لما دعت ضرورة إلى ذلك الدعاء وإظهار
стр. 217
الكرامة بالإجابة بقوله: قد فعلت. فظاهر الامتنان أنه خاص بنا. ويستأنس لهذا بما ذكره البغوي عن الكلبي من أن من قبلنا كانموا يؤاخذون بالخطأ والنسيان. وقد اقل الله تعالى في آدم: ((ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي.)) وقال: وعصى آدم ربه فأضاف إليه العصيان والنسيان فدل على المؤاخذة به. وأما على القول بأن ((نسي)) بمعنى ترك فلا دليل في الآية.
ومن الأدلة على مؤاخذة في الإكراه قوله تعالى عن أصحاب الكهف ((انهم ان يظهروا عليكم يرجمونكم أو يعيدوكم في ملتهم)) فهذا صريح في الإكراه مع أنهم قالوا: ولن تفلحوا اذاً أبداً فدل على عدم عذرهم به.
ثانيها: هو أنا نقول متعلق الرفع في قوله: ((رفع عن أمتي)) الخ.. لا بد أن يكون أحد أمرين.
أو كليهما وهما الإثم والضمان اذ لا وصف يتعلق به الرفع الا الإثم والضمان والاثم مرفوع قطعاً لقوله تعالى: ((ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به)) وقوله في الحديث القدسي قد فعلت كما تقدم. والضمان غير مرفوع اجماعاً لتصريحه تعالى بضمان المخطئ في قوله ((ومن قتل مؤمناً خطأ إلى قوله: إلى أهله.. الآية)) . فاتضح أن الاثم مرفوع وأن الضمان غير مرفوع فتعين كون المرفوع متعلق الرفع في الحديث كما هو واضح.
(فصل في البيان)
стр. 218
والمبين في مقابلة المجمل. واختلف في البيان فقيل هو الدليل وهو: ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى علم أو ظن. وقيل هو: إخراج الشيء من الأشكال إلى الوضوح , وقيل: ما دل على المراد بما لا يستقل بنفسه في الدلالة على المراد وقد قيل: هذان الحدان مختصان بالمجمل ... الخ.
حاصل هذا الخلاف هو: هل البيان يطلق على كل إيضاح تقدمه خفاء أو لا أو هو إيضاح ما فيه خفاء خاص.
وأكثر الأصوليين على أن الينان في الاصطلاح الأصولي هو تصيير المشكل واضحاً , والبيان يحصل بكل ما يزيد بالأشكال من:
أ- كلام: كبيان قوله تعالى: ألا ما يتلى عليكم بقوله: حرمت عليكم الميتة ... الخ.
ب- أو كتابة: ككتابته ﷺ إلى عماله على الصدقات.
جـ- أو إشارة: كقوله: الشهر هكذا وهكذا وهكذا وأشار بأصابعه إلى كونه مرة ثلاثين ومرة تسعاً وعشرين.
د- أو فعل: كبيانه ﷺ للصلاة والحج بالفعل وقال في الأولى: ((صلوا كما رأيتموني أصلى)) . وفي الثاني ((خذوا عني مناسككم)) .
هـ - أو سكوت على فعل: فانه بيان لجوازه. وعرف في المراقي البيان وما به البيان بقوله:
تصير مشكل من الجلى ... وهو واجب على النبى
إذا أريد فهمه وهو بما ... من الدليل مطلقاً يجلو العمى
فقوله: بما من الدليل ... الخ. يدل على أن كل شئ يزيل الإشكال
стр. 219
بيان واختار المحشي أن البيان شامل لكل إيضاح تقدمه خفاء أولا وهو قول معروف لبعض أهل الأصول ولا مشاحة في الاصطلاح.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
ولا يشترط حصول العلم للمخاطب فانه يقال: بين له ولم يتبين , ومثاله فيما يظهر لي أنه ﷺ بين أن عموم قوله تعالى ((يوصيكم الله في أولادكم , لا يتناول الأنبياء , لأنهم لا يورث عنهم المال فلا يقدح في هذا البيان ان فاطمة الزهراء رضى الله عنها وصلى وسلم على أبيها لم تعلم به وجاءت إلى
أبي بكر تطلب ميراثها منه ﷺ وإلى هذه القاعدة أشار في المراقي بقوله:
ونسبة الجهل لذى وجود ... بما يخصص من الموجود
ويجوز بيان النص بما هو دونه سنداً قال بعضهم: أو دلالة فتبين المتواترات بالآحاد وهو مذهب الجمهور. واليه الإشارة بقوله في المراقي:
وبين القاصر من حيث السند ... أو الدلالة على ما يعمد
وأوجبن عند بعض علماً ... إذا وجوب ذى الحلفاء عماً
ومن قال بهذا أجاز بيان المنطوق بالمفهوم كتخصيص عموم قوله ﷺ ((لي الواجد ظلم يجل عرضه وعقوبته)) , بمفهوم الموافقة في قوله: فلا تقل لهما أف ((لأن فحواه يقتضي منع الأذى بالحبس في الدين , فلا يحبس الوالد في دين ولده. وكتخصيص عموم قوله ((في أربعين شاة شاة.
بمفهوم المخالفة بقوله ((في الغنم السائمة الزكاة)) عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة. هكذا ذكر جماعة من أهل الفصول. وذهب قوم إلى أبي الأضعف دلالة لا يمكن البيان به اذ لا يبين الأظهر بالأخفي.
стр. 220
وأما الأضعف سنداً اذا كان أقوى دلالة فلا مانع من أن يبين به الأقوى سنداً الذي هو أضعف دلالة. ومثاله قوله تعالى: ((وأحل لكم ما وراء ذلك)) فانه أقوى سنداً من حديث ((لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها)) ولكن الحديث أقوى دلالة على تحريم جمع المرأة مع عمتها من دلالة عموم الآية على إباحة ذلك.))
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
لا خلاف في أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وجزم في المراقي بأن من أجازه وافق على عدم وقوعه بقوله:
وذهب قوم إلى أنه واقع واحتجوا بأن جبريل أخر بيان صلاة الصبح من ليلة الإسراء. وأجيب من جهة الجمهور بأن أول صلاة منها يجب أداؤها صلاة الظهر من اليوم الذي بعد ليلة الإسراء ولو كانت صلاة الصبح من ذلك اليوم واجبة الأداء لبينها جبريل ﵇.
والحق ما ذهب اليه الجمهور لأن تكليف الإنسان بما لا يعلم تكليف له بالمحال وهو ممنوع الوقعوع على التحقيق.
стр. 221
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
واختلف في تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة فقال ابن حامد يجوز وبه قال بعض الحنفية وبعض الشافعية. وقال أبو بكر عبد العزيز وأبو الحسن التميمي. لا يجوز ذلك وهو قول أهل الظاهر والمعتزلة ... الخ ...
خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا البحث ثلاثة أقوال:
أولا: اختيار المؤلف منها: أن تأخير البيان إلى وقت الحاجة حائز وواقع مطلقاً.
ثانياً: أنه لا يجوز مطلقاً. لا ان كان له ظاهر لأنه يوقع في المحظور فقوله: ((اقتلوا المشركين)) مثلا ظاهره العموم فلو أخر البيان لأدى إلى قتل الذمي والمعاهد والمستأمن لشمول ظاهر العموم لهم واستدل المؤلف لجواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة بقوله تعالى: ((فاتبع قرآنه , ثم ان علينا بيانه)) .
و ((ثم)) للتراخي فدلت على تراخي البيان عن وقت الخطاب وكذلك عنده قوله تعالى: ((ثم فصلت من لدن حكيم خبير)) وبأنه ﷺ علم بأن المراد بقوله: ((في خمس الغنيمة ولذي القربة)) بنو هاشم والمطلب. دون إخوانهم من بني نوفل وعبد شمس مع أن الكل أولاد عبد مناف. فأخر بيانهم حتى سل فقال: أنا وبني المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام , وبأنه تعالى قال لنوح: ((أحمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك الا من سبق عليه القول)) وآخر بيان أن ولده الذي غرق ليس من الأهل الموعود بنجاتهم حين قال نوح:
стр. 222
((ان ابني من أهلي)) فبين له أنه ليس من أهله بقوله: ((يا نوح انه ليس من أهلك)) وبأن آيات الصلاة والزكاة والحج بينتها السنة بالتراخي والتدريج في أوقات الحاجة. وبأن النسخ بيان لانقضاء زمن الحكم الأول. ولا خلاف في تأخير بيانه إلى وقته. إلى غير ذلك من الأدلة وأشار في المراقي إلى هذا الخلاف في هذه المسألة مع زيادة قول رابع بقوله:
باب الأمر
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
الأمر استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء , وقيل هو القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به ... الخ. وهو فاسد ... الخ.
وجد فساد الحد الأخير أن فيه لفظة ((المأمور)) مرتين وهي مشتقة من الأمر فيحصل الدور فيمتنع الفهم. ومفهوم قوله على وجه الاستعلاء أنه ان كان على عكس ذلك فهو دعاء وان كان التساوي فهو التماس كما قال الأخضري في سلمة:
واشترط الاستعلاء الذي مشى عليه المؤلف هو قول الفخر الرازي وأبي الحسين والآمدي وابن الحاجب والباجي.
وقيل يشترط فيه العلو فقط , وهو قول المعتزلة وأبي اسحق الشيرازي , وابن الصباغ والسمعاني , وقيل
стр. 223
يشترط فيه العلو والاستعلاء معاً وهو قول القشيري والقاضي عبد الوهاب , وقيل لا يشترط فيه علو ولا استعلاء فيصح من المساوي والا دون على غير وجه الاستعلاء. وهو مذهب المتكلمين واختاره غير واحد من متأخري الأصوليين.
وأشار في المراقي إلى هذه الأقوال بقوله:
والاستعلاء: كون الأمر على وجه الغلظة والترفع والقهر , والعلو شرف الآمر وعلو منزلته في نفس الأمر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
وللأمر صيغة مبينة تدل بمجردها على كونها أمراً اذا تعرب عن القرائن وهي: افعل للحاضر وليفعل للغائب هذا قول الجمهور ... الخ.
اعلم ان الصيغ الدالة على الأمر أربع وكلها في القرآن وهي:
١- فعل الأمر نحو:: أقم الصلاة.
٢- المضارع المجزوم بلام الأمر نحو: فليحذر الذين يخالفون عن أمره.
٣- اسم فعل الأمر نحو عليكم أنفسكم.
٤- المصدر النائب عن فعله نحو ((فضرب الرقاب))
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
وزعمت فرقة من المبدعة أنه لا صيغة للأمر بناء على خيالهم ان الكلام
стр. 224
معنى قائم بالنفي فخالفوا الكتاب والسنة وأهل اللغة والصرف ... الخ.
أعلم أن كثيرا من المتكلمين يزعمون أن كلام الله معنى قائم بذاته مجرد عن الألفاظ والحروف والأمر عندهم هو اقتضاء الفعل بذلك المعنى القائم بالنفس المجرد عن الصيغة ولأجل هذا الاعتقاد الفاسد قسموا الأمر إلى قسمين: نفسي , ولفظي. فالأمر النفسي عندهم هو ما ذكرنا. والأمر اللفظي هو اللفظ الدال عليه كصيغة افعل.
وأشار إلى مرادهم هذا صاحب مراقي السعود بقوله في تعريف النفسي عندهم واللفظي:
اذا علمت ذلك فأعلم أن هذا المذهب باطل وأن الحق أن كلام الله هو هذا الذي نقرؤه بألفاظه: فالكلام كلام الباري والصوت صوت القارئ وقد صرح تعالى بذلك في قوله: ((فأجره حتى يسمع كلام الله)) فصرح بأن ما يسمع ذلك المشرك المستجير بألفاظه ومعانيه كلامه تعالى.
وأقام المؤلف الحجج على أنه ما في النفس ان لم يتكلم به لا يسمي كلاماً كقوله في قصة زكريا ((قال آيتك أن لا تكلم الناس)) مع أنه أشار إليهم , كما قال ((فأوحي إليهم أن سبحوه)) فلم يكن ذلك المعنى القائم بنفسه الذي عبر عنه بالإشارة كلاماً وكذلك في قصة مريم ((اني نذرت للرحمن صوماً)) الآية. مع قوله فأشارت إليه وفي الحديث: ((إن الله عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به)) .
стр. 225
واتفق أهل اللسان على أن الكلام: اسم , وفعل , وحرف. وأجمع الفقهاء على أن من حلف لا يتكلم لا يخنث بحديث النفس وانما يحنث بالكلام.
قال مقيده عفا الله عنه: -
واذا أطلق الكلام في بعض الأحيان على ما في النفس فلا بد أن يقيد بما يدل على ذلك كقوله تعالى: ((ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله)) الآية. فلو لم يقيد بقوله ((في أنفسهم)) لا نصرف إلى الكلام باللسان كما قرره المؤلف ﵀.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
فأما الدليل على أن هذه صيغة الأمر فاتفاق أهل اللسان على تسمية هذه الصيغة أمراً ولو قال رجل لعبده: ((اسقني ماء)) عد أمراً وعد العبد مطيعاً بالامتثال. وهذا واضح. ومن الواضح أيضاً أن لا يقدح في كون افعل صيغة أمر كونها قد ترد لغير ذلك كالندب في قوله ((فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيراً)) على القول به , والإباحة في قوله: ((فإذا حللم فاصطادوا)) .
والإكرام في قوله: ((ادخلوها بسلام آمنين)) .
والإهانة في قوله: ((ذق انك أنت العزيز الكريم)) .
والتهديد في قوله: ((اعملوا ما شئتم)) .
والتعجيز في قوله: ((فادرؤا عن أنفسكم الموت)) إلى غير ذلك من المعاني لأن صيغة ((فعل)) حقيقة متبادرة في استدعاء الفعل وطلبه مع أنها تستعمل في معنى آخر مع قرينة تبين أن المراد ذلك المعنى الآخر. وهكذا لا أشكال فيه كما أوضحه المؤلف.
стр. 226
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
ولا يشترط في كون الأمر أمراً اراده الأمر ... الخ.
أعلم أن التحقيق في هذا المبحث أن الإرادة نوعان:
إرادة شرعية دينية ... وارادة كونية قدرية. والأمر الشرعي انما تلازمه الإرادة الشرعية الدينية ولا تلازم بينه وبين الإرادة الكونية القدرية فالله أمر أبا جهل مثلا بالإيمان , وأراده منه شرعاً وديناً. ولم يرده منه كوناً وقدراً. اذ لو أراده كوناً لوقع. ((ولو شاء الله ما أشركوا)) . ((ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها)) . ولو شاء الله لجمعهم على الهدى.
فان قيل: ما الحكمة في أمره بشيء وهو يعلم أنه يريد وقوعه كوناً وقدراً؟ .
فالجواب: أن الحكمة في ذلك ابتلاء الخلق وتمييز المطيع من غير المطيع وقد صرح تعالى بهذه الحكمة فانه تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده مع أنه لم يرد وقوع ذبحه بالفعل كوناً وقدراً. وقد صرح بأن الحكمة في ذلك ابتلاء إبراهيم حيث قال: ابن هذا لهو البلاء المبين. فظهر بطلان قول المعتزلة أن لا يكون أمرا
стр. 227
ً الا بإرادة وقوعه.
وقد جرم ضلالهم هذا إلى قولهم: ان معصية العاصي ليست بمشيئة الله لأنها أمر بتركها ولم يرد الا التزام الذي أمر به لأن الأمر لا يكون أمراً الا بالإرادة فنسبوا إليه تعالى العجز واستقلال الحادث بالفعل دونه , عن ذلك علواً كبيراً.
وقد يشاهد السيد يأمر عبده اختباراً لطاعته ونيته أنه ان أظهر الطاعة أعفاه من فعل المأمور به فهو أمر دون ارادة وقوع المأمور به لا لبس فيه كما ذكره المؤلف ﵀.
(مسألة)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
اذا ورد الأمر متجرداً عن القرائن اقتضى الوجوب في قول الفقهاء.. الخ.
خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أربعة أقوال:
١- أن الصيغة المذكورة للوجوب.
٢- أنها للإباحة , وحجته أنا رأينا الأمر قد يأتي لها كقوله: ((فاصطادوا)) فنحمله على أدني الدرجات وهو الإباحة.
٣- أنها للندب. وحجته أن صيغة ((افعل)) تقتضي طلب الفعل وأدني درجات الطلب الندب فنحمله عليه.
٤- الوقوف أنها للوجوب الا بدليل صارف عنه لقيام الأدلة , كقوله ((فليحذر الذين يخالفون عن أمره)) إلى قوله: ((عذاب أليم)) فالتحذير من الفتنة والعذاب الأليم في مخالفة المر يدل على أنه للوجوب.
стр. 228
وقوله: وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم , فإنه جعل أمر الله ورسوله مانعاً من الاختيار وذلك دليل الوجوب.
وقوله: ((واذا قيل لهم اركعوا لا يركعون)) فهو ذم على ترك امتثال الأمر بالركوع وهو دليل الوجوب وقوله: ((ما منعك أن لا تسجد اذ أمرتك)) فقرعه على مخالفة الأمر. وهو دليل الوجوب وقوله: ((أفعصيت أمري)) فهو دليل على أن مخالفة الأمر معصية. وذلك دليل الوجوب. وقوله: ((لا يعصون الله ما أمرهم)) إلى غير ذلك من أدلة الكتاب والسنة. ولا خلاف بين أهل اللسان العربي أن السيد لو قال لعبده افعل فلم يمتثل فأدبه لأنه عصاه أنه ذلك واقع موقعه مفهوم من نفس صيغة الأمر.
وأشار في المراقي إلى الأقوال في هذه المسألة بقوله:
والحق أن دليل اقتضاء ((افعل)) للوجوب الشرع واللغة كما ذكرنا وقيل العقل كما أشار اليه في المراقي بقوله:
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
اذا وردت صيغة الأمر بعد الحظر اقتضت الإباحة وهو ظافر قول
стр. 229
الشافعي.
خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث: أن صيغة ((افعل)) اذا وردت في أمر كان ممنوعاً ففيما تفيده ثلاثة أقوال:
الأول: الإباحة وعزاه لظاهر قول الشافعي.
الثاني: أنهما كالتي لم يتقدمها حظر وقد قدمنا أنها للوجوب عند التجرد من القرائن.
الثالث: ان ورد الأمر بصيغة ((افعل)) فهي للجواز. وان ورد بمثل ((أنتم مأمورون)) فكالتي لم يتقدمها حظر.
وحجة القول بالوجوب هو ما قدمنا من أدلة كون ((افعل)) للوجوب وحجة القول بالإباحة - وهو اختيار المؤلف - أن عرف الاستعمال في الأمر بعد الحظر بالإباحة بدليل أن أكثر أوامر الشرع بعد الحظر بالإباحة كقوله تعالى: ((واذا حللتم فاصطادوا. فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في الأرض. فإذا تطهرن فأتوهن)) إلى غير ذلك من الأدلة.
وحجة القول الثالث: أن الجملة الاسمية قد تفيد من الثبوت والدوام ما لا تفيده صيغة ((افعل)) ولا يخفي ضعف هذا القول.
وحاصل معنى اختيار المؤلف أنها للإباحة هو: أن الحظر الأول قرينة صارفة للصيغة عن الوجوب إلى الإباحة.
قال مقيده عفا الله عنه:
الذي يظهر لي في هذه المسألة هو ما يشهد له القرآن العظيم وهو أن الأمر بعد الحظر يدل على رجوع الفعل إلى ما كان عليه قبل الحظر فان كان قبله جائزاً رجع إلى الجواز , وان كان قبله واجباً رجع إلى الوجوب.
стр. 230
فالصيد مثلا كان مباحاً ثم منع للإحرام ثم أمر به عند الإجلال فيرجع لما كان عليه قبل التحريم. وقت المشركين كان واجباً ثم منع لأجل دخول الأشهر الحرم ثم أمر به عند انسلاخها في قوله تعالى: ((فإذا انسلخ الأشهر الحرم ... الآية)) فيرجع إلى ما كان عليه قبل التحريم. وهكذا. وهذا الذي اختر نا به بعض الأصوليين واختاره ابن كثير في تفسير قوله تعالى ((فإذا حللتم فاصطادوا)) .
وإلى هذه الأقوال في هذه المسألة أشار في المراقي بقوله:
وهذا الذي اخترناه , قال به بعض الأصوليين واختاره ابن كثير في تفسير قوله: ((فاصطادوا)) وإلى الأقوال في هذه المسألة أشار في المراقي بقوله:
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
(فصل)
الأمر المطلق لا يقتضي التكرار في قول أكثر الفقهاء والمتكلمين وهو اختيار أبي الخطاب , وقال القاضي وبعض الشافعية يقتضي التكرار إلى آخره.
خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أن الأمر المطلق أي غير المقيد بمرة ولا تكرار ولا صفة ولا شرط فيه أربعة أقوال:
الأول: لا يقتضي التكرار وهو الحق.
الثاني: يقتضيه.
الثالث: ان علق على شرط اقتضى التكرار والا فلا.
стр. 231
الرابع: ان كرر لفظ الصيغة اقتضى التكرار والا فلا.
اعلم أولا أن ذكر القول بأنه ان علق على شرط مكرر سهو من المؤلف ﵀ , لأن الكلام في الأمر المطلق خاصة والمعلق على شرط غير مطلق.
والحق أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار بل يخرج من عهدته بمرة واحدة فلو قال لو كيله طلق زوجتي فليس له الا تطليقة واحدة , ولو قال لعبده اشتر متاعاً لم يلزمه ذلك الا مرة واحدة وهذا لا شك فيه , سواء قلنا باقتضائه المرة أو مطلق الماهية لأن معناها آيل إلى شئ واحد.
فادعاء اقتضاء التكرار لا وجه له البتة.
وكذلك تكرير الصيغة فكونه للتأكيد أظهر.
تنبيهان: -
الأول: اذا علق الأمر على شرط فالظاهر أنه يكون بحسب ما يدل عليه ذلك الشرط لغة فان كان يفيد التكرار تكرر والا فلا. مثال الأول: كلما جاءك زيد فأعطه درهما. ومثال الثاني: ان جاءك زيد فأعطه درهما.
الثاني: قول المؤلف وقولهم ان الحكم يتكرر بتكرر العلة فكذا الشرط.
قلنا: العلة تقتضي حكمها فيوجد بوجودها والشرط لا يقتضي الخ ...
معناه أنه قائل بأن الحكم يتكرر بتكرر علته وكذلك كلام محشية.
والظاهر أن ذلك لا يصح على الإطلاق لأن تكرر العلة قد يتكرر معه الأمر وقد لا يتكرر إما إجماعاً واما على قول. فمثال ما لا يتكرر فيه ي
стр. 232
الأمر بتكرر علته قولا واحداً من بال مرات متعددة أو جامع كذلك فعله وجوب الوضوء والغسل متكررة والأمر بهما غير متكرر بل يكفي فيهما واحد. وكذلك من زنا مرات قبل أن يحد أقيم عليه حد واحد. ومثال ما يتكرر فيه اجماعاً أن يضرب امرأة حاملا فتسقط جنينين , فعليه غرتان , ومن ولد له توأمان فعليه عقيقتان.
ومثال ما اختلف فيه تعدد صاع المصراة بتعدد الشياه وتعدد كفارة الظهار أن ظاهر من زوجات وتعدد غسل الاناء بتعدد ولوغ كلب أو كلاب , وتعدد الحميد بتعدد العطاس , وحكاية أذان المؤذنين إلى غير ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(مسألة)
الأمر يقتضي فعل المأمور على الفور في ظاهر المذهب , وهو قول الحنفية وقال أكثر الشافعية هو على التراخي الخ ...
خلاصة ما ذكره في هذا المبحث ان فيه القولين المذكورين وكونه للفور هو الحق لأمور:
الأول: ان ظواهر النصوص تدل عليه كقوله تعالى: ((وسارعوا إلى مغفرة من ربكم , سابقوا إلى مغفرة)) الآية. وقوله: ((فاستبقوا الخيرات)) الآية. وقد مدح الله تعالى المسارعين بقوله: ((أولئك يسارعون في الخيرات)) الآية.
стр. 233
الثاني: ان السيد لو أمر عبده فلم يمتثل فعاقبه لم يكن له عذر بأن الأمر على التراخي وذلك مفهوم من وضع اللغة.
الثالث: أنه لو قيل هو على التراخي فلا بد أن يكون لذلك التراخي غاية أولاً , فان قيل: له غاية قلنا مجهولة والتكليف بالمجهول لا يصح وان قيل: إلى غير غاية قلنا أدى ذلك إلى سقوطه والفرض أنه مأمور به وان قيل غايته الوقت الذي يغلب على الظن البقاء اليه , فالجواب أن ظن البقاء معدوم لأنه لا يدري أيخترمه الموت الآن.
وقد حذر تعالى من التراخي لئلا يفوت التدارك باقتراب الأجل بقوله: ((أو لم ينظرا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شئ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم)) ولا سيما والإنسان طويل الأمل , يهرم ويشيب أمله. وأشار في المراقي إلى أن كونه للفور مذهب مالك أيضاً بقوله:
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
الواجب الموقت لا يسقط بفوات وقته ولا يفتقر القضاء إلى أمر جديد وهو قتول بعض الفقهاء. وقال الأكثرون: لا يجب القضاء الا بأمر جديد واختاره أبو الخطاب الخ ...
حاصل هذا المبحث: أن العبادة الموقتة بوقت معين اذا فات وقتها فهل يجب قضاؤها بالأمر الأول، وهو اختيار المؤلف، أو لا يجب إلا
стр. 234
بأمر جديد , وهو قول الأكثرين.
حجة الأول: أن الأمر قد شمل أمرين أحدهما فعل العبادة.
والثاني: اقترانها بالوقت المعين لها , فإذا فات الوقت تعذر أحدهما وبقي الآخر في الإمكان فيجب الاتيان بالممكن لأن المركب من أجزاء ينسحب حكمه علهما.
وحجة الثاني: أنها لما قرنت بالوقت المعين علم أن مصلحتها مختصة به اذ لو كانت في غيره لما خصصت به فيحتاج القضاء إلى أمر جديد. وإلى هذه المسألة أشار في المراقي بقوله:
فمن ترك الصلاة عمداً على القبول بعدم خروجه من الملة يلزمه القضاء بالأمر الأول على الأول , وعلى الثاني فبعضهم يقول: لا قضاء عليه لأنه بأمر جديد وهو لم يرد فيه أمر , وبعضهم يوجب عليه القضاء بالقياس على النائم والناسي , لورود الأمر بوجوب القضاء عليها , والأظهر أن يجيب عليه القضاء بنص جديد هو عموم قوله صلى الله عيه وسلم: (فدين الله أحق أن يقضى) .
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
ذهب بعض الفقهاء إلى أن الأمر يقتضي الاجزاء بفعل المأمور به اذا
стр. 235
امتثل المأمور بكمال وصفه وشروطه الخ..
حاصل هذا المبحث ان من امتثل الأمر وجاء به على الوجه المطلوب اختلف فيه هل يقتضى ذلك الأجزاء وعدم القضاء أولا , والحق الذي لا شك فيه أنه يقتضيه ولا يعترض عليه بالمضي في الفاسد من الحج , ولا بمن صلى يظن الطهارة ثم تبين حدثه , لأنه في الأول أفسد حجه , وفي الثاني صلى محدثاً فلم يمتثل في واحد منهما على الوجه المطلوب.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(مسألة)
الأمر بالأمر بالشيء ليس أمراً به ما لم يدل عليه دليل.
مثاله: قوله ﷺ : (مروهم بالصلاة لسبع) ليس بخطاب من الشارع للصبي ولا بإيجاب عليه مع أن الأمر واجب على الولي لكن اذا كان المأمور النبي ﷺ كان واجباً بأمر النبي ﷺ لقيام الدليل على وجوب طاعته وتحريم مخالفته.
وقال بعض أهل العلم: الأمر بالأمر: أمر. فالأول مأمور بالمباشرة , والثاني بالواسطة وله وجه من النظر.
أما اذا حصل في اللفظيين ما يدل على الأمور فهو أمر بلا خلاف كقوله ﷺ لعمر في شأن طلاق ابنه عبد الله امرأته في الحيض ((مرة فليراجعها)) لأن لام الأمر صدرت منه ﷺ متوجهة إلى ابن عمر فهو مأمور منه بلا خلاف , وإلى هذه
стр. 236
المسألة أشار في المراقي بقوله:
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
الأمر لجماعة يقتضي وجوبه على كل واحد منهم ... الخ..
خلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المبحث أن الأمر لجماعة يقتضي وجوبه على كل فرد منهم الا بدليل يدل على أنه على الكفاية كقوله تعالى: ((ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير)) الآية.
والتحقيق في فرض الكفاية أنه واجب على كلهم يسقط بفعل بعضهم بدليل أنهم ان فعلوه كلهم نالوا ثواب الواجب كلهم وان تركوه كلهم أثموا كلهم.
والدليل على أنه ليس على واحد معين تعذر تكليف المجهول وأشار إليه في المراقي بقوله:
يعني تعذر تكليف المجهول.
стр. 237
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
إذا أمر الله تعالى نبيه بلفظ ليس فيه تخصيص الخ ...
قدمنا هذا الفصل مستوفي في مسألة شرع من قبلنا وذكر المؤلف هنا أن ما خوطب به صحابي واحد يعم غيره وأشار في المراقي إلى أن غير الحنابلة خالفهم في عموم خطاب الواحد بقوله:
وذكر فيه أيضاً أن الخطاب العام للناس يدخل فيه الرسول ﷺ الا بدليل على عدم دخوله. وأشار إليه في المراقي بقوله:
... ... ... ... ... ... ... وقيل لا ولنذكر التفصيلا (١)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
الأمر يتعلق بالمعدوم الخ ...
стр. 238
اعلم ألاً أن الخلاق في هذا المبحث لفظي لأن جميع العلماء مطبقون على أن أول هذه الأمة آخرها إلى يوم القيامة سواء في الأمر والنواهي , والذين يقولون لا يدخل المعدوم في الخطاب , يقولون تكليف المعدوم وقت الخطاب بأدلة منفصلة كقوله: ((وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به
стр. 239
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
ويجوز الأمر من الله لما في معلومه أن المكلف لا يتمكن من فعله وعند المعتزلة لا يجوز إلى آخره.
والتحقيق فيه الجواز والحكمة: الابتلاء. ويوضحه أنه تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده وهو يعلم أنه لا يمكنه من ذبحه بالفعل وصرح بأن الحكمة في ذلك الابتلاء بقوله: ((ان هذا لهو البلاء المبين)) الآية كما قدمنا , وهذه المسألة مبنية على النسخ قيل التمكن من الفعل. والحق جوازه كما وقع في خمس وأربعين صلاة ليلة الإسراء.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
العم أن ما ذكرناه من الأوامر تتضح به أحكام النواهي إلى آخره أي فكما أن الأمر استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء فالنهي استدعاء الترك بالقول على وجه الاستعلاء.
وصيغة الأمر ((افعل)) وصيغة النهي ((لا تفعل)) ولا يشترط فيه إرادة الناهي , والنهي يقتضي التكرار والفور خلافاً للأمر في الأولى على الصحيح.
стр. 240
والأمر يقتضي الاجزاء والنهي يقتضي الفساد , واقتضاؤه الفساد هو الحق خلافاً لأبي حنيفة القائل يقتضي الصحة.
والدليل على اقتضائهم الفساد قوله ﷺ : ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) والمنهي عنه ليس من أمرنا فهو مردود بهذا النص المتفق عليه. وأشار في المراقي إلى اقتضائه الفساد على الصحيح بقوله:
وأشار إلى قول أبي حنيفة باقتضائه الصحة بقوله:
وحجة أبي حنيفة أن النهي عن الفعل يدل على تصور المنهي عنه اذ لو كان ممتنعاً في نفسه لا يقع لم يتوجه اليه النهي كما لا يتتوجه النهي عن الأبصار إلى الأعمى ولا يخفي ما فيه.
قال مقيده عفا الله عنه: -
في اقتضاء النهي الفساد أقوال كثيرة عن أهل الأصول , ومدار تلك الأقوال على أن النهي ان كانت له جهة واحدة كالشرك والزنا اقتضى الفساد بلا خلاف وان كان له جهتان هو من إحداهما مأمور به ومن الأخرى منهي عنه فهم متفقون على أن جهة الأمر ان انفكت عن جهة انهي لم يقتض الفساد وان لم تنفك عنها اقتضاه , ولكنهم يختلفون في انفكاك الجهة ومن ثم يقع بينهم الخلاف , فالحنبلي يقول: الصلاة بالحرير مأمور بها من جهة كونها صلاة منهي عن لبس الحرير فيها والصلاة في الأرض المغصوبة لا تنفك فيها الجهة لأن نفس شغل أرض الغير
بحركات الصلاة حرام فهي باطلة. فيقول المالكي والشافعي والحنفي: لا فرق بين المسألتين فهو أيضاً مأجور على صلاته آثم بغصبه وهكذا.
стр. 241
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(باب في العموم)
اعلم أن العموم من عوارض الألفاظ حقيقة وقد يطلق في غيرها الخ ...
معنى كلامه أن العموم من صفات الألفاظ وقيل: توصف به المعاني أيضاً واختاره العضد وابن الحاجب وغيرهما واليه الاشارة في المراقي بقوله:
ومراده بالمباني الألفاظ. وعرف المؤلف ((العام)) تعريفين:
الأول: العام هو اللفظ الواحد الدال على شيئين فصاعدا مطلقاًً. وهذا التعريف لا يصح تعريف العام في الاصطلاح به لأنه ليس بمانع فلفظه زوج وشفع مثلا تدل على أثنين ولم يقل أحد أنها صيغة عموم.
التعريف الثاني: العام: كلام مستغرق لجميع ما يصلح له.
قلت: وهذا التعريف جيد , الا أنه ينبغي أن يزاد عليه ثلاث كلمات: الأولى: بحسب وضع واحد. والثانية: (دفعة) . والثالثة: ((بلا حصر)) من اللفظ فيكون تعريفاً تاماً مانعاً.
فخرج بقوله: مستغرق لجميع ما يصلح له ما لم يستغرق نحو: بعض الحيوان إنسان وخرج بقوله: دفعة , النكرة في سياق الإثبات كرجل , فإنها مستغرقة , ولكن استغراقها بدلي لا دفعة واحدة. وخرج بقوله: ((بلا حصر)) لفظ عشرة.
стр. 242
مثلا لأنه محصور باللفظ فلا يكوم من صيغ العموم , على رأي الأكثرين وخرج بقوله: بحسب وضع واحد المشترك ((كالعين)) فلا يسمى عاما بالنسبة إلى شموله الجارية والباصرة , لأنه لم يوضع لهما وضعاً واحدا بل لكل منهما وضع مستقل وعرف العام في المراقي بقوله:
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
ثم العام ينقسم إلى عام لا أعم منه إلى آخره.
حاصله: ان للعموم والخصوص واسطة وطرفين: طرف لا شئ أعم منه , كالمعلوم , والمذكور , فأنه يشمل جميع الموجودات والمعدومات. وطرف لا شيء أخص منه كالأشخاص نحو زيد , وهذا الرجل.
وواسطة هي أعلم مما تحتها وأخص مما فوقها , كالحيوان فانه أعلم من الإنسان وأخص من النامي وكالنامي فانه أعم من الحيوان وأخص من الجسم لشمول الجسم غير النامي كالحجر وهكذا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
و ألفاظ العموم خمسة أقسام:
الأول: اسم عرف بالألف واللام لغير المعهود وهو ثلاثة أنواع:
١-ألفاظ الجموع كالمسلمين والمشركين والذين.
стр. 243
٢- أسماء الأجناس وهو مالا واحد له من لفظه كالناس والحيوان والماء والتراب.
٣- لفظ الواحد كالسارق , والسارقة , والزاني والزانية و ((ان الإنسان في خسر)) .
قلت: معنى كلامه ظاهر الا أن إدخال: الذين , والسارق , والزاني , والمشركين , مثلا من المعرف: ((بأن)) فيه نظر لأن ((أل)) في الذين , زائدة لزوماً على الصحيح , وهو اسم موصول معرف , كما قال في الخلاصة:
ولأن (٠ أل)) في السارق , والزاني , والمشركين , اسم موصول أيضاً , كما قال:
واعلم أن المثنى كذلك نحو ((اذا التقي المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) فانه يعم كل مسلمين وهذا بناء على تناسي الوصية في المسلم وان لم نتناسى ((فأل)) فيه موصوة.
القسم الثاني: أدوات الشريط: كمن , فيمن يعقل , و ((ما)) فيما لا يعقل , و ((أي)) في الجميع , و ((أين)) , و ((أيان)) في المكان , و ((متى)) في الزمان إلى آخره.
قلت جعله ((أيان)) للمكان سهو منه ﵀ بل هو للزمان ((كمتى)) .
القسم الثالث: من ألفاظ العموم ما أضيف من هذه الأنواع الثلاثة إلى معرفة كعبيد زيد ومال عمرو. قلت: ومن أمثلة في القرآن: ((وان
стр. 244
تعدوا نعمة الله لا تحصوها)) الآية. فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم.
واعلم أن ((ما)) , و ((من)) , و ((أي)) ) , تعم مطلقاً سواء كانت شروطاً كما ذكره المؤلف أو موصولات , أو استفهامية والأمثلة واضحة نحو: ومن يتوكل عل الله فهو حسبه , وما تفعلوه من خير يعلمه الله , أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة)) وقوله صلى الله
عليه وسلم: (أيما امرأة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل. الحديث) .
القسم الرابع: كل , وجميع , كقوله تعالى: ((كل نفس ذائقة الموت , ولكل أمة أجل , فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون , الله خالق كل شئ)) .
القسم الخامس: النكرة في سياق النفي , نحو ولم تكن له صاحبة , ولا يحيطون بشيء من علمه.
قلت: النكرة في سياق النفي تكون نصاً صريحاً في العموم في ثلاث مسائل:
الأولى: المركبة مع ((لا)) التي النفس الجنس نحو لا ريب فيه.
الثانية: التي زيد قبلها ((من)) وتطرد زيادتها في:
١- الفاعل نحو: مات آتاهم من نذير.
стр. 245
٢- والمفعول: نحو: ((وما أرسلنا من قبلك من رسول)) الآية. والمبتدأ نحو: وما من اله الا اله واحد.
الثالثة: الملازمة للنفي , كالعريب والصافر والدابر والديار وفيما سوى هذه الثلاثة فهي ظاهرة في العموم كالعاملة فيها ((لا)) عمل ليس.
(تنبيه)
من صيغ العموم: النكرة في سياق الشرط نحو: ((وان أحد من المشركين)) الآية. والنكرة في سياق الامتنان نحو: ((وأنزلنا من السماء ماء طهورا)) , والنكرة في سياق النهي نحو: ((ولا تطع منهم آثماً أو كفورا)) .
فائدة: -
وربما أفادت النكرة في سياق الإثبات العموم بمجرد دلالة السياق كقوله تعالى: ((علمت نفس ما أحضرت , علمت نفس ما قدمت وأخرت)) بدليل قوله تعالى: ((هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت)) الآية. وأنشد لنحوه صاحب اللسان:
والعلم أن الحق أن صيغ العموم الخمس التي ذكرها المؤلف التي هي:
١- المعرف ((بأل)) غير العهدية.
٢- والمضاف إلى المعرفة.
стр. 246
٣- والنكرة في سياق النفي تفيد العموم وخلاف من خالف في كلها أو بعضها كله ضعيف لا يعول عليه.
والدليل على أفادتها العموم إجماع الصحابة على ذلك لأنهم كانوا يأخذون بعمومات الكتاب والسنة ولا يطلبون دليل العموم بل دليل الخصوص , وبان السيد لو قال لعبده إحدى الصيغ المذكورة نحو ((من دخل فأعطه درهما , أو كل داخل فأعطه درهما فعليه التعميم وليس له منع أحد ممن شملهم العموم. ومن قال: ان المفرد المعرف ((بأل)) لا يعم. يرد عليه بقوله تعالى: ((والعصر ان الإنسان لفي خسر الا الذين آمنوا)) اذ لو لم يعم كل إنسان لما استثنى منه ((الا الذين آمنوا)) الآية.
(تنبيه)
قال محققو الأصوليين: لا فرق في الجموع المعرفة ((بأل)) بين جمع القلة والكثرة لأن الاستغراق فيها مفهوم من الألف واللام. ولذاعم معهما المفرد كما ذكرنا آنفاً فكيف بالجميع , وقد أشار المؤلف إلى هذا في هذا المبحث وهو ظاهر. وذكر في المراقي صيغ العموم بقوله.
стр. 247
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
أقل الجمع ثلاثة , وحكى عن أصحاب مالك وابن داوود وبعض النحويين وبعض الشافعية: أقلة اثنان الخ..
خلاصة هذا المبحث أن في أقل الجمع قولين: أحدهما أنه ثلاثة , وهو مذهب الجمهور. والثاني: أنه اثنان وعزاه المؤلف لمن ذكر وهو رأي مالك ﵀. قال في المراقي:
يعني مالكاً - وحجه هذا القول قوله تعالى: ((فان كان له أخوة)) الآية. لأنها تحجب بالأثنين من الثلث إلى السدس. وقوله: ((وأطراف النهار)) الآية. مع أنهما طرفان. إلى غير ذلك من الأدلة.
قلت: وينبني على الخلاف ما لو أقر بدراهم أو دنانير ولم يبين وقلنا يلزم أقل الجمع لأنه محقق فعلة القول بأنه ثلاثة تلزمه وهو الحق واتفق على لزوم الثلاثة المذكورة المالكية وحجة الجمهور واضحة وهي أن أهل اللسان العربي فرقوا بين المفرد والمثنى والجمع. وجعلوا لكل واحد منها لفظاً وضميراً مختصاً به فالفرق في اللسان بين التثنية والجمع ضروري ولا حجة لمن يقول أقله اثنان في حديث: الاثنان فما فوقهما جماعة
стр. 248
لأن المراد حصول فضل الجماعة بالأثنين وهو أمر شرعي والكلام في أمر لغوي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
اذا ورد لفظ العموم على سبب خاص لم يسقط عمومه إلى أن قال: وقال مالك وبض الشافعية يسقط عمومه الخ ...
حاصلة: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص الأسباب فالنصوص العامة الواردة على أسباب خاصة تكون أحكمها عامة وهذا هو الحق.
قلت: تحرير المقام في هذه المسألة أن العام الوارد على سبب خاص له ثلاث حالات:
الأولى: أن يقترن بما يدل على العموم فيعم اجماعاً كقوله تعالى: ((السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)) لن سبب نزولها المخزومية التي قطع النبي ﷺ يدها والاتيان بلفظ السارق الذكر يدل على التعميم وعلى القول بأنها نزلت في الرجل الذي سرق رداء صفوان بن أمية في المسجد فالاتيان بلفظ السارقة الأنثى دليل على التعميم أيضاً.
الثانية: أن يقترن بما يدل على التخصيص فيخص اجماعاً كقوله تعالى: ((خالصة لك من دون المؤمنين)) .
الثالثة: ألا يقترن بدليل التعميم ولا التخصيص وهي مسألة المؤلف. والحق فيها أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فيعم حكم آية اللعان
стр. 249
النازلة من عويمر العجلاني وهلال. وآية الظهار النازلة في امرأة أوس بن الصامت وآية الفدية النازلة في كعب بن عميرة. وآية: ((وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون)) النازلة في ابنتي سعد بن الربيعة. وهكذا.
(تنبيه)
فان قيل: ما الدليل على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟
فالجواب: أن ذلك دل عليه الوحي واللغة أما الوحي فان هذه المسألة سئل عنها رسول الله ﷺ فأفتى بذلك , وذلك أن الأنصاري الذي قبل الأجنبية ونزلت فيه: ((ان الحسنات يذهبن السيئات)) الآية. قال للنبي: إلى هذا وحدي يا رسول الله , ومعنى ذلك هل حكم هذه الآية يختص بي لأني سبب نزولها؟ فأفتاه النبي ﷺ بأن العبرة بعموم لفظ: ((ان الحسنات يذهبن السيئات)) لا بخصوص السبب حيث قال له: (بل لأمتي كلهم) وهو نص نبوي في محل النزاع.
ومن الأحاديث الدالة على ذلك أنه ﷺ لما أيقظ علياً وأمره وفاطمة بالصلاة من الليل , وقال له على ﵁: ان أرواحنا بيد الله إن شاء بعثنا ولي ﷺ يضرب فخذه ويقول: وكان الإنسان أكثر شئ جدلا , فجعل عليا داخلاً فيها مع أن سبب نزولها الكفار الذين يجالدون في القرآن. وخطابه ﷺ لواحد كخطابه للجميع كما تقدم
стр. 250
ما لم يقم دليل على الخصوص.
وأما اللغة فان الرجل لو قالت له زوجته: طلقني فطلق جميع نسائه لا يختص الطلاق بالطالبة التي هي السبب.
والتحقيق عن مالك أنه يوافق الجمهور في هذه المسألة خلافاً لما ذكره عنه المؤلف , وأشار في المراقي إلى أن السبب لا يخصص عموم اللفظ عند مالك بقوله:
وجمهور أهل الأصول على أن صورة السبب قطعية الدخول في العام فلا يجوز اخراجها منه بمخصص وهو التحقيق. وروي عن مالك أنها ظنية الدخول كغيرها من أفراد العام , وأشار له في المراقي بقوله:
يعني بالإمام مالكاً ﵀.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
قول الصحابي: نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة وقضى بالشفعة فيما لم يقسم ((يقتضي العموم)) وقال قوم لا عموم له الخ ...
هذه المسألة يترجم لها عن الأصوليين (بحكاية الصحابي فعلا)) ظاهرة العموم نحو: نهى رسول الله ﷺ عن
следующие страницы →