أيام أخر)) ومثله قوله تعالى: ((أو به أذى من رأسه ففدية أي فحلق شعره)) .
فاتضح أن دلالة الاقتضاء إنما هي على مقصود محذوف لا بد من تقديره لتوقف الصدق أو الصحة عليه.
(ب) وإيضاح دلالة الإشارة: أنها دلالة اللفظ على معنى ليس مقصوداً باللفظ في الأصل , ولكنه لا زم للمقصود فكأنه مقصود بالتبع لا بالأصل.
كدلالة ((أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم)) الآية. على صحة صوم من أصبح جنباً. لأن إباحة الجماع في الجزء الأخير من الليل الذي ليس بعده ما يتسع للاغتسال من الليل يلزم إصباحه جنباً. وكدلالة قوله تعالى: ((وحمله وفصاله ثلاثون شهراً)) مع قوله: ((وفصاله في عامين)) عل أن أقل أمد الحمل ستة أشهر.
(
ج) وأما دلالة الإيماء والتنبيه , فهي لا تكون الا على علة الحكم خاصة وضابطها: أن يذكر وصف مقترن بحكم في نص من نصوص الشرع على وجه لو لم يكن ذلك الوصف علة لذلك الحكم لكاتن الكلام معيباً. ومثاله قوله ﷺ للأعرابي الذي قال له: هلكت وأقعت أهلي في نهار رمضان. أعتق رقبة , فلو لم يكن ذلك الوقاع علة لذلك العتق كان الكلام معيباً.
وكل هذه الثلاثة من دلالة الالتزام.
والحق أنها من المفهوم.
أما المفهوم فهو قسمان:
стр. 282
١- مفهوم موافقة.
٢- مفهوم مخالفة.
أما مفهوم الموافقة فهو ما يكون فيه المسكوت عنه موافقاً لحكم المنطوق مع كون ذلك مفهوماً من لفظ المنطوق , وعرفه في المراقي بقوله:
وهو أربعة أقسام: لأن المسكوت عنه:
١- تارة يكون أولى بالحكم من المنطوق كقوله تعالى: ((فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره)) , فمثقال الجبل المسكوت عنه أولى بالحكم من مثقال الذرة , وقوله: ((وأشهدوا ذوي عدل منكم)) , فأربعة عدول المسكوت عنهم إلى.
٢- وتارة يكون مساوياً , كإحراق مال اليتيم وإغراقه المفهوم منعه من قوله: ((إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً)) وكلا هذين القسمين يكون ظنياً , وقطعياً.
فالأقسام أربعة وستأتي هذه المسألة بإيضاح إن شاء الله تعالى في القياس.
واعلم أن مذهب الجمهور هو كون هذا النوع من المفهوم , وذهب جماعة منهم الشافعي إلى أنه مجاز من اطلاق البعض وارده الكل. وذهب قوم إلى أن العرف اللغوي نقل اللفظ من وضعه لثبوت الحكم في المذكور خاصة إلى ثبوته في المذكور والمسكوت عنه معاً.
وأشار إلى هذه الأقوال في المراقي بقوله:
стр. 283
وأما مفهوم المخالفة فهو أن يكون المسكوت عنه مخالفاً لحكم المنطوق كقوله ﷺ : (في الغم السائمة الزكاة) . فالمنطوق السائمة: والمسكوت عنه: المعلوفة. والتقييد بالسوم يفهم منه عدم الزكاة في المعلومة ويسمى دليل الخطاب , وتنبيه الخطاب وهو ثمانية أقسام:
١- مفهوم الحصر وأقوى صيغ الحصر: النفي والإثبات نحو: (لا اله الا الله) فالأصوليون يقولون منطوقها نفي الألوهية عن غيره جل وعلا , ومفهومها اثباتها له وحده جل وعلا , والبيانيون يعكسون.
قلت: الحق الذي لا شك فيه: أن النفي والإثبات كلاهما منطوق صريح , فلفظه ((لا)) صريحة في النفي , ولفظه ((الا)) صريحة في الاثبات. فعد مثل هذا من المفهوم غلط فيما يظهر لي وقد نبه علهي صاحب نشر البنود , وانما يكون للحصر مفهوم في الأدوات الأخر نحو: انما , وتقديم المعمول وتعريف الجزأين ونحو ذلك.
ومفهوم الغاية نحو: فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره.
مفهوم أنها ان تكحت زوجاً غيره حلت له.
ومفهوم الشرط نحو: ((وان كن أولات حمل)) الآية.
يفهم منه أن غير الحوامل لا نفقة لهن.
ومفهوم الوصف نحو: في الغنم السائمة زكاة.
стр. 284
ومفهوم العدد نحو: ((فاجلدوهم ثمانين جلدة)) .
يفهم منه أنه لا يجلد أكثر من ذلك.
ومفهوم الظرف زماناً كان أو مكاناً. مثال الزماني: ((الحج أشهر معلومات)) . يفهم منه أنه لا حج في غيره.
ومثال المكاني: ((وأنتم عاكفون في المساجد)) يفهم منه أنه لا اعتكاف في غير المسجد عند من يقول ذلك.
ومفهوم العلة: نحو: أعط السائل لحاجته يفهم منه أنه لا يعطي غير المحتاج.
ومفهوم اللقب: وهو أضعفها , وضابط اللقب عند الأصوليين هو كل اسم جامد سواء كان اسم جنس , أو اسم جمع , أو اسم عين لقباً كمان أو كنية أو اسما فلو قلت: ((جاء زيد)) لم يفهم منه عدم مجئ عمرو بل ربما كان اعتباره كفراً كما لو قيل: ((محمد رسول الله)) يفهم من مفهوم لقبه أن غيره لم يكن رسول الله.
وأشار في المراقي إلى أقسام ومراتبه بقوله:
واعلم أن أبا حنيفة ﵀ لا يقول بمفهوم المخالفة من أصله.
стр. 285
(تنبيه)
الفرق بين مفهوم الصفة ومفهوم اللقب:
إن تخصيص الغنم بالسوم مثلا لو لم يكن للفرق بين السائمة وغيرها في الحكم لكان تطويلا بلا فائدة بخلاف جاء زيد فان تخصيصه بالذكر ليمكن إسناد المجيء إليه إذا لا يصح الإسناد بدون مسند إليه.
إذا علمت هذا فاعلم أن المؤلف ﵀ لم يذكر ((دلالة الإشارة)) التى بينا أصلا , وانما أطلق الإشارة على الإيمان الذي بينا وأطلق التنبيه على مفهوم الموافقة ولا مشاحة من الاصطلاح. ط
وذكر لمفهوم المخالفة ست درجات:
الأولى: مفهوم الحصر , وصيغ الحصر كثرة كالنفي والإثبات , وانما , والتحقيق أنها أداة حصر كما يدل عليه جعلها في القرآن كثيراً في موضع النفي والإثبات نحو: ((إنما ألهكم اله واحد إنما تجزون ما كنتم تعلمون)) .
وتقديم المعمول , وتعريف الجزأين ونحو ذلك.
الثانية: الشرط: قال: وأنكر مفهوم الشرط قوم. قلت: وممن أنكره الباقلاني.
الثالثة: الوصف وجعله المصنف درجتين:
إحداهما: أن يذكر الوصف قيداً للاسم العام. والثانية: أن يذكر قيداً لغير العام لا للفظ الشامل لجميعها الأولى أقوى من الثانية. ومثال الأولى في الغنم السائمة زكاة. ومثال الثانية: الثيب أحق بنفسها من
стр. 286
وليها.
والفرق بين المسألتين أن التلفظ باسم الغنم في الأولى تدخل فيه السائمة والمعلوفة فلا يمكن أن يكون غافلاً عن المعلوفة لدخولها في لفظة الغنم فيعلم أنه ما خص السائمة الا لمخالفة حكمها لحكم المعلوفة بخلاف لفظ الثيب في الثانية , فلا يتناول البكر , فيمكن أن يكون غافلاً عن البكر وقت التلفظ باسم
الثيب في الثانية.
وكثير من الأصوليين لا يفرق بين المسألتين.
الدرجة الخامسة: مفهوم العدد كحديث ((لا تحرم المصة ولا المصتان)) , يفهم منه أن الثلاثة تحرم , ولكن جاء نص يخالف هذا المفهوم وهو خمس رضعات يحرمن وقصة من: عشر رضعات يجرمن فنسخن بخمس الخ.. معروفة في الفروع.
السادسة: مفهوم اللقب وهو مراد المؤلف بقوله: السادسة أن يخص اسماً بحكم فيدل على (أنا) ما عداه بخلافة إلى آخره.
وقد علمت أن الحق عدم اعتبار مفهوم اللقب وان فائدة ذكره إمكان الإسناد اليه.
وقال المؤلف فيه: وأنكره الأكثرون وهو الصحيح.
خاتمة: -
لم يذكر المؤلف ﵀ موانع اعتبار مفهوم المخالفة , وله موانع تمنع اعتباره ذكرها الأصوليون منها:
١- أن يكون تخصيص المنطوق بالذكر للامتنان كقوله تعالى: ((تأكلون منه لحماً طرياً فلا يفهم منه منع قديد الحوت.
стр. 287
٢- ومها: تخصيصه بالذكر لموافقة الواقع كقوله تعالى: ((لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء)) الآية. فإنها نزلت في قوم والوا اليهود من دون المؤمنون فجاءت الآية ناهية عن الحالة الواقعة من غير قصد التخصيص بها.
٣- ومنها تخصيصه بالذكر جرياً على الغلب كقوله: ((وربائبكم اللاتي في حجوركم)) لأن الغالب في الربيبة كونها في حجر زوج أمها.
٤- ومنها تخصيصه بالذكر لأجل التوكيد كحديث: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر)) الخ ...
٥- ومنها: ورود الجواب على سؤال فلو فرض أن سائلاً سأله ﷺ : هل في الغنم السائمة زكاة؟ فأجابه في الغنم السائمة زكاة. لم يكن له مفهوم لأن صفىة السوم في الجواب لمطابقة السؤال.
٦- ومنها: أن يكون المتكلم لا يعرف حكم المفهوم فإذا كان المتكلم يعلم حكم السائمة ويجهل حكم المعلوفة فقال: في السائمة زكاة يكون قوله لا مفهوم له لأن تركه للمفهوم لعدم علمه بحكمه.
٧- ومنها: الخوف كأن يقول قريب العهد بالإسلام لعبده بحضرة المسلمين تصدق بهذا على المسلمين فلا يعتبر مفهوم المسلمين لتركه ذكر غيرهم خوفاً من أن يتهم بالنفاق.
٨- ومنها: أن يكون السائل يعلم المفهوم ويجهل حكم المنطوق فلا يكون للمنطوق مفهوم لأن تخصيصه بالذكر لأن السائل لا يجهل الا إياه.
стр. 288
وأشار في المراقي إلى أسماء مفهوم المخالفة ومواقعه بقوله:
стр. 289
مقرر السنة الرابعة
باب القياس
... القياس في اللغة التقدير، ومنه قسمت الثوب بالذراع إذا قدرته به، أو قست الجراحة إذا جعلت الميل فيها لتعرف غورها.
وهو في الشرع: حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما. والمراد بالحمل هنا الالحاق، فالفرع كالأرز، والأصل كالبر، والحكم كتحريم الربا، والجامع كالكيل. ولا بد لكل قياس من أصل، وفرع، وعلة، وحكم، كما سيأتي ايضاحه ان شاء الله تعالى في أركان القياس.
واعلم أن العلة هي مناط الحكم لأنها مكان نوطه أي تعليقه، وسميت علة لأنها أثرت في المحل كعلة المريض، من اطلاق النوط على التعليق في اللغة قول حسان ﵁:
وأنت زنيم نيط في آل هاشم ... ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد
وقول أبي تمام:
أحب بلاد الله ما بين منعج ... ... الي وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها نيطت على تمائمي ... ... وأول أرض مس جلدي ترابها
ومن هذا المعنى: ذات أنواط.
والاجتهاد في العلة على ثلاثة أضرب: تحقيق المناط، وتنقيحه، وتخريجه. وقد علمت أن المناط هو العلة فمعنى تحقيق المناط تحقيق العلة في الفرع وهو نوعان:
стр. 290
الأول: مجمع عليه في كل الشرائع: وهو أن تكون القاعدة الكلية منصوصة أو متفقاً عليها فيجتهد في تحقيقها في الفرع، كوجوب المثل من النعم في جزاء الصيد، وكوجوب نفقة الزوجة، فيجتهد في البقرة مثلا بأنها مثل الحمار الوحشي، ويجتهد في القدر الكافي في نفقة الزوجة.
فوجوب المثل والنفقة معلوم من النصوص، وكون البقرة مثلا، وكون القدر المعين كافياً في النفقة، علم بنوع من الاجتهاد، وهو هذا القسم من تحقيق المناط، والمناط هنا ليس بمعناه الاصطلاحي لأنه ليس المراد به العلة، وانما المراد به النص العام وتطبيق النص في أفراده هو هذا النوع من تحقيق المناط. ولا يخفى أن في عده من تحقيق المناط مسامحة، ولا مشاحة في الاصطلاح.
النوع الثاني منه هو ما عرف فيه علة الحكم بنص أو اجماع، فيحقق المجتهد وجود تلك العلة في الفرع، كالعلم بأن السرقة هي مناط القطع، فيحقق المجتهد وجودها في النباش لأخذه الكفن من حرز مثله.
الضرب الثاني: تنقيح المناط، والتنقيح في اللغة التهذيب والتصفية، فمعنى تنقيح المناط تهذيب العلة وتصفيتها بالغاء ما لا يصلح للتعليل واعتبار الصالح له. ومثاله: قصة الأعرابي المجامع في نهار رمضان. ففي بعض رواياتها أنه جاء يضرب صدره وينتف شعره ويقول: هلكت، وأقعت أهلي في نهار رمضان.
فقال له النبي ﷺ : أعتق رقبة. فكونه إعرابياً، وكونه يضرب صدره، وينتف شعره، وكون الموطوءة زوجته مثلا، كلها أوصاف لا تصلح للعلية فتلغي تنقيحاً للعلة أي تصفية لها عند الاختلاط بما ليس بصالح.
واعلم أن تنقيح المناط تارة يكون بحذف بعض الأوصاف لأنها لا تصلح، وتارة بزيادة بعض الأوصاف لأنها صالحة للتعليل. وقد اجتمع
стр. 291
مثالهما في قصة الأعرابي المذكورة. فقد نقح فيها المناط الشافعي وأحمد مرة واحدة وهي تنقيحه بحذف بعض الأوصاف كما قلنا.
ونقحه مالك وأبو حنيفة مرتين: الأولى هي هذه التي ذكرنا، والثانية هي تنقيحه بزيادة بعض الأوصاف وهي: أن سالكا وأبا حنيفة ألفيا خصوص الوقاع وأناطا الحكم بانتهاك حرمة رمضان فأوجبا الكفارة في الأكل والشرب عمداً فزادا الأكل والشرب على الوقاع تنقيحاً بزيادة بعض الأوصاف.
(تنبيه)
هذه الصورة التي فسر بها المؤلف تنقيح المناط وهي تنقيحة النقص هي السير والتقسيم بعينه وتنقيحة الزيادة هي مفهوم الموافقة بعينه وهو المعروف عند الشافعي ﵀ بالقياس في معنى الأصل.
الضرب الثالث: تخريج المناط: وهو استخراج العلة بمسلك المناسبة والإخالة بعينه وسيأتي ان شاء الله في استنباط العلة بالمناسبة. هذا هو المعروف في الاصطلاح. وظاهر كام المؤلف أن مراده بتخريج المناط هو استخراج العلة بالاستنباط مطلقاً فيدخل فيه السبر والتقسيم والدوران الوجودي والعدمي مع المناسبة والإخالة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
في (إثبات القياس على منكريه)
قال بعض أصحابنا: يجوز التعبد بالقياس شرعاً وعقلا لقول أحمد
стр. 292
رحمه الله: لا يستغني أحد عن القياس وبه قال عامة الفقهاء والمتكلمين.
وذهب أهل الظاهر والنظام إلى أنه لا يجوز التعبد به عقلا ولا شرعاً، وأومأ إليه أحمد ﵀ فقال: (يجتنب المتكلم في الفقه المجمل والقياس) وحمله القاضي على قياس يخالف نصاً. . إلخ.
اعلم أولاد ان ما ورد عن الصحابة من ذم الرأي والتحذير منه إنما يعنون به الرأي الفاسد، كالقياس المخالف للنص أو المبني على الجهل لا جماعهم على العمل بالرأي والاجتهاد فيما لا نص فيه وإلى هذا أشار في المراقي بقوله:
وما روى من ذمه فقد عنى ... ... ... به الذي على الفساد قد بنى
وذكر المؤلف أدلة لوجوب العمل بالقياس منها:
١- أن عدم العمل به يفضي إلى خلو كثير من الحوادث عن الأحكام لقلة النصوص وكون الصور لا نهاية لها.
٢- ومنها أن العقل يدرك حكم العلل الشرعية إذ مناسبتها للحكم عقلية مصلحية يدرك العقل طلب تحصيلها وورود الشرع بها.
٣- ومنها أننا نستفيد بالقياس ظناً غالباً، والعمل بالظن الراجح متعين.
٤- ومنها اجماع الصحابة ﵃ على الحكم بالرأي في الوقائع الخالية من النص، كقياسهم العهد على العقد في الإمامة العظمى، وكاجتهادهم في مسألة الجد والأخوة، وتمثيلهم في ذلك بالغضين والخليجين. وكقولهم في المشركة. وكقول أبي بكر ﵁ في الكلالة: أقول فيها برأيي.
وكقول عمر ﵀ لأبي موسى الأشعري: " اعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور برأيك ". وكقولهم في السكران: إذا سكر هذى، وإذا
стр. 293
هذى افترى فحدوه حد الفرية. وكقول معاذ للنبي ﷺ أنه يجتهد حيث لا كتاب ولا سنة، فصوبه النبي ﷺ . وأمثال هذا كثيرة جداً، أن لم تتواتر آحادها حصل بمجموعها العلم الضروري أنهم كانوا يجتهدون فيما لا نص فيه.
٥- وقد استدل على اثبات القياس بقوله تعالى: " فاعبروا يا أولي الأبصار "، وحقيقة الاعتبار مقايسة الشيء بغيره كقولهم: (اعتبر الدينار بالصنجة) وهذا الاعتبار هو القياس.
٦- وقوله ﷺ : (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله) .
٧- وقوله ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر. .) .
٨- وقوله ﷺ : (أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى. فهو تنبيه على قياس دين الله على دين المخلوق) .
٩- وقوله ﷺ لعمر حين سأله عن القبلة للصائم: (أرأيت لو تمضمضت فهو قياس للقبلة على المضمضة بجامع أن الكل مقدمة الفطر، وأمثال هذا كثرة جداً.
(تنبيه)
هذه الأدلة التي ذكر منها ما هم أعم من محل النزاع لأن مطلق الاجتهاد أعم من القياس، ومنها ما يدل على محل النزاع كقصة
стр. 294
معاذ، فإنه صرح فيها بأن اجتهاده في ما لا نص فيه، وذلك أنما يكون بالالحاق بالمنصوص وكحديث الذين والمضمضة.
ومن أصرح الأدلة على اثبات القياس ما ثبت في الصحيحين من قصة الذي ولد له ولد أسود يخالف لونه لون أمه وأبيه فقاسه ﷺ على أولاد الإبل الحمر يكون فيها الأورق. وقال فيه ﵊: فلعله نزعه عرق. والقصة صحيحة مشهورة (١) .
قال المؤلف ﵀: -
(أوجه تطرق الخطأ إلى القياس)
اعلم أن القياس يتطرق إليه الخطأ من خمسة أوجه:
١- ألا يكون الحكم معللا كان يعلل نقض الوضوء بلحم الجزور بأنه " حار " فيلحق به لحم الظبي فيجعله ناقضاً. وهذا بناء على أن نقض الوضوء بلحم الجزور ليس تعبدياً.
٢- ألا يصيب علته في نفس الأمر كأن لا تكون علة الربا في البر الطعم بالنسبة إلى من يعلل بالطعم.
٣- أن يقصر في بعض أوصاف العلة، كأن يقول: علة القصاص " القتل العمد " ويحذف العدوان. فيلزم على علته القصاص من ولي الدم إذا اقتص
стр. 295
من القاتل لأن قصاصه منه قتل عمد.
٤- أن يجمع إلى العلة ما ليس منها كما لو جعل علة وجوب الكفارة على المواقع في نهار رمضان كونه أعرابياً مجمعاً فيلزم عليه أن جماع الحضري ليس علة الكفارة وهو باطل.
٥- أن يخطئ في وجود العلة في الفرع كما لو ظن التفاح مكيلا فيلحقه بالبر في الربا بجامع الكيل.
(تنبيه)
اعلم أن هذه الخمسة المذكورة هنا راجعة إلى القوادح الآتية في آخر الكتاب.
أما الأول: وهو ألا يكون الحكم معللا. . الخ. . فهو راجع إلى نوع من أنواع القادح المعروف بعدم التأثير، وهو المعبر عنه بعدم التأثير في الوصف كما سيأتي ايضاحه ان شاء الله.
وأما الثاني: وهو ألا يصيب علته في نفس الأمر. . الخ. . فهو راجع إلى القادح المذكور آنفا أيضاً. وأن كان هناك مجتهد آخر يعلل ذلك الحكم بعلة أخرى فهو راجع إلى القادح المعروف بمركب الأصل.
وأما الثالث: وهو أن يقصر في بعض أوصاف العلة. . الخ. . فهو راجع إلى القادح المسمى بالكسر، لأنه خلال بجزئي العلة والاخلال بجزئها كسر لها. وهذا القادح لم يذكره المؤلف.
стр. 296
وأما الرابع: وهو أن يخطئ في وجود العلة في الفرع فهو راجع إلى نوع من أنواع القادح المسمى " بالمنع " وهو منع وجود العلة في الفرع.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
الحاق المسكوت عنه بالمنطوق
ينقسم إلى مقطوع ومظنون
فالمقطوع ضربان: أحدهما: أن كون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق ولا يكون مقطوعاً به حتى يوجد فيه المعنى الذي في المنطوق وزيادة. . الخ. .
اعلم أولا: أن الالحاق من حيث هو ضربان: الأول: الالحاق ينفي الفارق. الثاني: الالحاق بالجامع وضابط الأول أنه لا يحتاج فيه إلى التعرض للعلة الجامعة، بل يكتفي فيه بنفي الفارق المؤثر في الحكم كالغاء الفارق بين البول في الماء الراكد، وبين البول في اناء وصبه فيه.
إذا علمت ذلك فاعلم أن التحقيق أن نفي الفارق أربعة أقسام لأن نفيه إما أن يكون قطعياً أو مظنوناً وفي كل منهما أما أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، أو مساوياً له.
فالمجموع أربعة:
стр. 297
الأول: هو ما كان المسكوت عنه فيه أولى بالحكم من المنطوق مع القطع ينفي الفارق كالحاق أربعة عدول بالعدلين في قبول الشهادة في قوله تعالى: " واشهدوا ذوي عدل منكم " والى مثقال الجبل بمثل الذرة في المؤاخذة في قوله تعالى: " فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره " الآية.
وكالحاق الضرب بالتأفيف في الرحمة في قوله تعالى: " فلا تقل لهما أف " الآية.
الثاني: هو ما كان المسكوت عنه فيه مساوياً للمنطوق مع القطع بنفي الفارق أيضاً كالحاق احراق مال اليتيم واغراقه بأكله في الحمة في قوله تعالى: " ان الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما " الآية. وكالحاق صب البول في الماء بالبول فيه. المذكور في حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه. الحديث) .
الثالث: هو ما كان المسكوت عنه فيه أولى مع نفي الفارق بالظن الغالب كالحاق شهادة الكافر بشهادة الفاسق في الرد المنصوص عليه بقوله تعالى: " ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون ".
لاحتمال الفرق بأن الكافر يحترز عن الكذب لدينه في زعمه والفاسق متهم في دينه، وكالحاق العمياء بالعوراء في منع التضحية المنصوص في الحديث.
فالعمياء أولى بالحكم المذكور من العوراء، ولكن نفي الفارق مظنون ظنا غالبا مزاحما لليقين، وليس قطعياً كما قاله غير واحد، ووجه ذلك أن الغالب على الظن أن علة منع التضحية بالعوراء هي كون العور نقصاً في ثمنها وقيمتها، والعمياء أحرى بذلك من العوراء ولكن هناك احتمال آخر، هو أن تكون العلة هي: أن العور مظنة الهزال لأن العوره ناقصة البصر إذ لا ترى إلا ما قابل عينها المبصرة ونقص بصرها المذكور
стр. 298
مظنة لنقص رعيها، ونقص رعيها مظنة لهزالها، وهذه العلة المحتملة ليست موجودة في العمياء لأن من يعلفها يختار لها
أجود العلف، وذلك مظنة السمن.
وبما ذكرنا تعلم أنه لا يلزم من كون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق أن يكون قطعيا خلافا لما ذكره المؤلف ﵀، وأنه لا يلزم أيضاً من كونه مساويا أن يكون نفي الفارق ظنيا خلافا لظاهر كلامه.
الرابع: هو ما كان المسكوت عنه فيه مساويا للمنطوق به مع كون نفي الفارق مظنونا لا مقطوعا، كالحاق الأمة بالعبد في سراية العتق المنصوص عليه في العبد في الحديث الصحيح فالغالب على الظن أنه لا فرق في سراية العتق بين الأمة والعبد لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان
طرديان لا يعلق بواحد منهما حكم من أحكام العتق.
وهناك احتمال آخر هو الذي منع كون نفي الفارق قطعيا، وهو احتمال أن يكون الشارع أنما نص على العبد في قوله: (من أعتق شركا له في عبد. الحديث) لخصوصية في العبد لا توجد في الأمة، وهي أن العبد إذا أعتق يزاول من مناصب الرجال ما لا تزاوله الأنثى ولو حرة.
(تنبيه)
اعلم أنه نفي الفارق الذي ذكرنا أقسامه الأربعة انما هو قسم من تنقيح المناط، وهو مفهوم الموافقة بعينه، واختلف العلماء في دلالته على مدلوله هل هي قياسية أو لفظية، ولهم في ذلك أربعة مذاهب.
الأول: أن دلالة مفهوم الموافقة انما هي من قبيل القياس، وهو المعروف عند الشافعي بالقياس في معنى الأصل، ويقال له القياس
стр. 299
الجلي.
الثاني: أن دلالة الموافقة لفظية لكن لا في محل النطق، لأن ما دل عليه اللفظ في محل النطق هو المنطوق وما دل عليه لا في محل النطق هو المفهوم، وكلاهما من دلالة اللفظ.
الثالث: أنها دلالة لفظية مجازية عند القائلين بالمجاز وهو عندهم من المجاز المرسل، ومن علاقات المجاز المرسل " الجزئية " والكلية، قالوا: ففي مفهوم الموافقة يطلق الجزء ويراد الكل، وبعبارة أخرى يطلق الأخص ويراد الأعم فقد أطلق التأفيف في الآية وأريد به عموم الأذى مجازا مرسلا، كما زعموا. قالوا: وكذلك أطلق النهي عن أكل مال اليتيم، وأريد الاتلاف، فيدخل الاحراق والاغراق وغيرهما من أنواع الاتلاف، مجازا مرسلا كما زعموا أيضاً.
الرابع: أنها لفظية لأن العرف اللغوي نقل اللفظ من وضعه لمعناه الخاص إلى ثبوته فيه، وفي المسكوت عنه أيضا، قالوا: فعرف اللغة نقل التأفيف من معناه الخاص إلى عموم الأذى، ونقل أكل مال اليتيم من معناه الخاص إلى عموم الاتلاف، وعلى هذا تكون دلالته لفظية من قبيل العرفية وأكثر الأصوليين على أن اللفظ دل عليه لا في محل النطق.
الضرب الثاني: هو الالحاق بالعلة الجامعة، كالحاق الذرة بالبر بجمع الكيل.
(طرق إثبات العلة)
اعلم أن اثبات العلة له طريقان، النقل، والاستنباط، فالنقل ثلاثة أضرب والاستنباط ثلاثة أضرب كذلك.
стр. 300
أضرب إثبات العلة بالنقل:
الضرب الأول: النص الصريح على العلية نحو " من أجل كتبنا على بني إسرائيل " وقوله ﷺ : (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) .
والمؤلف جعل اللام، لام التعليل، والباء ونحو ذلك من الصريح، نحو " الا لنعلم من يتبع الرسول " ونحو " ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله " ونحو ذلك، وغيره جعل هذا من الظاهر لا من الصريح.
الضرب الثاني: الايماء والتنبيه، أن يقرن الحكم بوصف على وجه لو لم يكن علة لكان الكلام معيباً عند العقلاء، وأنواع الايماء والتنبيه عند المؤلف ستة:
الأول: أن يذكر الحكم عقب وصف بالفاء فيدل على أن ذلك الوصف علة لذلك الحكم نحو " قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض " و " السارق والسارقة فأقطعوا أيديهما " ويلحق بهذا ما رتبه الراوي بالفاء كقوله: " سها النبي ﷺ فسجد، ورض يهودي رأس جارية فأمر ﵊ أن يرض رأسه بين حجرين ".
وبعض علماء الأصول يقول: أن ما رتبه الراوي الفقيه بالفاء مقدم على ما رتبه بها الراوي غير الفقيه.
الثاني: ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء يدل على التعليل كقوله تعالى: " من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين، ومن يتق الله يجعل له مخرجا ".
стр. 301
الثالث: أن يذكر للنبي ﷺ أمر حادث فيجب بحكم فيدل على أن ذلك الأمر المذكور له ﷺ علة لذلك الحكم الذي أجاب به كقول الأعرابي " واقعت أهلي في نهار رمضان " فقال له ﷺ : (أعتق رقبة) فدل على أن الوقاع
هو علة العتق.
الرابع: أن يذكر مع الحكم شيئا لو لم يقدر التعليل به لكان لغوا غير مفيد، وهو قسمان:
الأول: أن يستنطق السائل عن الواقعة بأمر ظاهر الوجود ثم يذكر الحكم عقبه كقوله لما سئل عن بيع الرطب بالتمر، أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم، قال: " فلا إذا " فلو لم يكن نقصان الرطب باليبس علة للمنع لكان الاستكشاف عنه لغواً.
الثاني: أن يعدل في الجواب إلى نظير محل السؤال كما روى أنه لما سألته الخثعمية عن الحج عن الوالدين، فقال ﷺ : أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان ينفعها؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق بالقضاء. ففهم منه التعليل بكونه دينا.
الخامس: أن يذكر في سياق الكلام شيء لو لم يعلل به صار الكلام غير منتظم كقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع " فانه يفهم منه أن علة النهي عن البيع كونه مانعا من السعي إلى الجمعة.
السادس: ذكر الحكم مقرونا بوصف مناسب كقوله تعالى: " إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم " أي لبرهم وفجورهم.
стр. 302
الضرب الثالث: ثبوت العلة بالاجماع، كالاجماع على تأثير الصغر في الولاية على المال.
واعلم أن بعض الأصوليين يقولون بتقديم الاجماع على النص، لأن النص يحتمل النسخ والاجماع لا يحتمله، وسيأتي بيان ذلك وبيان موجب تقديم الاجماع على النص في الكلام على ترتيب الأدلة، ومرادهم بالاجماع الذي يقدم على النص خصوص الاجماع القطعي دون الاجماع الظني، وضابط الاجماع القطعي هو الاجماع القولي، لا
السكوتي، بشرط أن يكون مشاهدا أو منقولا بعدد التواتر في جميع طبقات السند.
أضرب إثبات العلة بالاستنباط الثلاثة: -
الضرب الأول: اثبات العلة بمسلك المناسبة، والمناسبة لغة الملائمة.
وفي الاصطلاح: كون الوصف يتضمن ترتب الحكم عليه مصلحة، كالاسكار، فان ترتب المنع عليه فيه مصلحة حفظ العقل من الاختلال، (ويسمى المناسبة، والمناسبة والإخالة) .
وضابط مسلك المناسبة والإخالة عند الأصوليين، أن يقترن وصف مناسب بحكم في نص من نصوص الشرع، ويكون ذلك الوصف سالما من القوادح، وبقوم دليل على استقلاله بالمناسبة دون غيره، فيعلم أنه علة ذلك الحكم، ومثاله: اقتران حكم التحريم بوصف الاسكار في قوله ﷺ : (كل مسكر حرام) فالاسكار مناسب للتحريم مقترن به في النص سالم من القوادح، مستقل بالمناسبة، واعلم أن الوصف من حيث هو قسمان:
١- طردي كالطول والقصر.
٢- ومناسب كالاسكار والصغر لتحريم الخمر وولاية المال. إذا علمت
стр. 303
ذلك فالمناسب عند المؤلف ثلاثة أقسام: مؤثر، وملائم، وغريب. وعند غيره أربعة: الثلاثة الأول السابقة والرابع المرسل، وهو المعروف بالمصلحة المرسلة.
واعلم أولا أن المراد بالجنس في هذا المبحث القدر المشترك بين أفراد مختلفة حقائقها، والمراد بالنوع القدر المشترك بين أفراد متفة حقائقها.
إذا علمت ذلك فاعلم أن المؤثر عند لمؤلف قسمان:
الأول: ما دل نص أو اجماع على تأثير عين الوصف في عين الحكم، ومثل له المؤلف بنفي الفارق المتقدم.
الثاني: ما دل نص أو اجماع على تأثير عين الوصف في جنس الحكم، ومثل له المؤلف بالأخوة من الأب والأم فانه مؤثر بالنص في التقديم في الميراث. فقياس عليه ولاية النكاح.
والملائم: عند المؤلف هو ما دل نص أو اجماع على تأثير جنس الوصف في عين الحكم فيه، ومثل له بتأثير جنس المشقة في اسقاط الصلاة عن الحائض، لأنه ظهر تأثير جنس الحرج في عين اسقاط الصلاة، كتأثير مشقة السفر في اسقاط ركعتين من الرباعية.
والغريب عند المؤلف: هو ما دل الدليل المذكور على تأثير جنس الوصف في جنس الحكم فيه، ومثل له بتأثير جنس المصالح في جنس الأحكام. وقال محشيه: وذلك كالحاق الصحابة شارب الخمر بالقاذف في جلده ثمانين لأنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى.
стр. 304
وذكر جماعة من أهل الأصول: أن المؤثر ما دل نص أو اجماع على اعتبار عينه في عين الحكم، والملائم هو ما دل فيه الدليل المذكور على اعتبار عينه في جنس الحكم، أو جنسه في عين الحكم، أو جنسه في جنس الحكم، وأن الغريب هو ما دل على اهدار المصلحة التي صار بها مناسبا، ومثاله
جماع الملك في نهار رمضان فالمصلحة تتمحض في تكفيره بخصوص الصوم لأنه هو الذي يردعه لخفة العتق والاطعام عليه، ولكن الشرع ألغى هذه المصلحة.
واعلم أن الشرع لا يلغي مصلحة الا لأجل مصلحة أخرى أرجح منها، فالغاؤه مصلحة بزجر الملك المجامع في نهار رمضان بخصوص الصوم إنما هو من أجل أن مصلحة اعتاق الرقبة واطعام المساكين أرجح في نظر الشرع من التضييق على الملك بخصوص الصوم لينزجر.
والمرسل: هو ما لم يقم دليل خاص على اعتبار مناسبته، ولا على اهدارها، ومثلوا لتأثير العين في العين بتأثير الصغر في عين الولاية على المال، وبتأثير مس الذكر في نقض الوضوء، ولتأثير العين في الجنس بتأثير عين الصغر في ولاية النكاح، لأن عين الصغر اعتبر اجماعا في جنس الولاية الصادق بولاية المال، لأن الجنس يوجد في كل فرد من أفراده من حيث هو قدر مشترك بينها، ومثلوا لتأثير الجنس في العين بأنه لو لم يرد دليل على الجمع في الحضر لمشقة المطر ونحوه بأن الدليل دل على اعتبار جنس المشقة في عين الحكم الذي
هو الجمع كتأثير مشقة السفر في الجمع، ومثلوا لتأثير الجنس في الجنس بتأثير القتل بالمثقل في القصاص للاجماع على اعتبار جنس الجناية في جنس القصاص.
واعلم أن للجنس مراتب بعضها أعم من بعض في الأوصاف والأحكام، فأعم أجناس الحكم كونه حكماً، وأخص من ذلك كونه
стр. 305
واجباً أو محرماً مثلا، وأخص من الواجب كونه عبادة أو غير عبادة. والمراد بغير العبادة ما ليس تعبدياً كقضاء الدين، ورد المغصوب والأمانة، والتعبدي كالصلاة.
ويظهر الفرق بينهما بأن فاعلها لا يقصد الامتثال يصح له الأول دون الثاني وان كان لا يؤجر الا بالنية، وأخص من العبادة كونها صلاة أو غيرها.
وأعم أنواع الوصف كونه وصفاً تناط به الأحكام، وأخص منه كونه مناسباً وأخص من المناسب كونه مصلحة أو درئ مفسدة، كالحاجيات والضروريات والتميمات.
إذا علمت مراتب الأحكام والأوصاف فاعلم أن ما هو أخص مقدم على ما هو أعم، فجنس القرابة مثلا مؤثر في نوع الميراث فيقدم الأخص فلذا تقدم البنوة على الأخوة، والأخوة على العمومة مثلا، ومن هنا قال بعض العلماء: يقدم الحرير لأن تحريم الحرير لا يختص بالصلاة فكأن تحريم النجس أقوى منه لأنه يختص بها.
وانه ان لم يجد المحرم المضطر الا ميتة وصيدا أكل الميتة دون الصيد لأن تحريم الصيد خاص باالحر، والقاعدة تقديم الأخص، وخالف بعض العلماء في الفرعين والله اعلم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
النوع الثاني في اثبات العلة (السبر ... الخ..)
اعلم أولا أن هذا المسلك من مسالك العلة، يسمى بالسبر فقط، وبالتقسيم فقط، وبهما معاً، وهو الأكثر، والسبر بالفتح لغة: الاختبار،
стр. 306
ومنه يسمى ما يعرف به طول الجرح وعرضه سباراً ومسباراً، وأصل هذا الدليل من حيث هو مبني على أمرين:
أحدهما: حصر أوصاف المحل، وهو المعبر عنه بالتقسيم.
ثانيهما: ابطال ما ليس صالحاً للتعليل بطريق من طرق الأبطال الآتية. . فيتعين الوصف الباقي وهو المعبر عنه بالسبر.
فإذا عرفت معنى هذا المسلك فاعلم أن خلاصته ما ذكره فيه المؤلف أن أبا الخطاب اشترط في هذا المسلك اجماع الأمة على أن الأصل المقيس عليه معلل أي غير تعبدي مع الاختلاف في تعيين العلة فيبطل المستدل بالسبر جميع ما قالوه إلا واحدة فيعلم صحتها، كي لا يخرج الحق عن أقاويل الأمة، فنقول الحكم معلل ولا علة الا كذا وكذا وقد بطل أحدهما فيتعين الآخر.
كان يقول الحنبلي مثلا: علة تحريم الربا أما الكيل وأما الطعم وأما الاقتيات والإدخار فيبطل ما سوى الكيل فيتعين الكيل فهذا المسلك متأسس على ثلاثة أمور على ما درج عليه المؤلف:
الأول: الاجماع على كون حكم الأصل معللا.
الثاني: كون التقسيم حاصراً لجميع ما يعلل به، وذلك إما بموافقة الخصم أو عدم ابدائه وصفاً زائداً سواء أقر بالعجز عن ذلك، أو أدعاه وامتنع عن ذكره.
الثالث: ابطال ما سوى ذلك الوصف ولهذا الابطال طريقان:
الأولى: وجود الحكم بدون الوصف الذي يبطله المستدل بالسبر فيظهر أنه غير العلة لوجود الحكم دونه، ومثاله قول الشافعي المعلل تحريم الربا في البر بالطعم أن وصف الكيل والاقتيات، والادخار لغو بدليل وجود
стр. 307
الحكم الذي هو منع الربا في ملء الكف من البر مع أنه لا يكال وليس فيه قوت لقلته، فيتعين وصف الطعم.
ومثل لهذا المحشى بقول الحنبلي والشافعي مثلا: يصح أمان العبد لأنه صادر عن عاقل مسلم غير متهم فيصلح قياساً على الحر. فيقول الحنفي مثلا: بقي وصف آخر هر الحرية لم يوجد في الفرع فيبطل القياس فيقول المستدل: وصف الحرية لغو هنا بدليل الاتفاق على صحة أمان العبد المأذون له.
الثانية: أن يكون الوصف طردياً لم يعهد من الشارع الالتفات إليه في اثبات الأحكام أما بالنسبة إلى جميع الأحكام كالطول والقصر، أو إلى بعضها كالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق لأنهما يعتبران في غير العتق كالشهادة والميراث، ولا
يكفي المستدل بالسبر في الأبطال المذكور النقض الذي هو وجود الوصف دون الحكم، وسيأتي ايضاحه في القوادح ان شاء الله.
واعلم أن المؤلف ذكر أنه لا يكفي في حصر الأوصاف أن يقول المستدل " بحث فلم أجد إلا هذا " وأنه لا يكفي في الابطال أن يقول بحثت في الوصف الفلاني فما عثرت فيه على مناسبة لأن الخصم يعارض بمثل ذلك. ثم قال المؤلف: فان بين صلاحية ما يدعيه علة أو سلم له الخصم ذلك فانه يكفيه ابتداء بدون السبر فالسبر إذا تطويل طريق غير مفيد، فلنصطلح على رده.
قال مقيده عفا الله عنه: -
أكثر المالكية والشافعية على الاكتفاء بقوله بحثت فلم أجد غير هذا، أو عدم أو عدم ما سوى هذا الأصل، وعليه فالسبر ليس تطويل طريق، ومما
стр. 308
يوضح ذلك اطباق النظار على أن من أعظم طرق الحصر العقل والاستقراء، فالاستقراء من طرق الحصر قطعا. وقوله بحثت فلم أجد غير هذا استقراء منه لأوصاف المحل حتى لا يجد غير تلك الأوصاف التي حصرها بالاستقراء فرد هذا الحصر لا وجه له.
والأكثر منهم يثبت به الحجة للناظر والمناظر معا ولا يشترطون الاجماع على تعليل حكم الأصل لأن الغالب في الأحكام التعليل خلافاً لأبي الخطاب.
تنبيهان: -
الأول أن هذا الدليل الذي هو السبر والتقسيم منقسم عند الأصوليين إلى قطعي وظني، فالقطعي هو ما كان فيه حصر الأوصاف وابطال الباطل منها قطعيين. والظني هو ما إذا كان ظنيين أو أحدهما ظنياً.
الثاني: اعلم أن المعترض إذا أبدى وصفاً زائداً على الأوصاف التي حصرها المستدل فان السبر يبطل لبطلان أحد ركنيه وهو الحصر، ومحل هذا ما لم يبين المستدل أن الوصف الزائد الذي أبداه المعترض طردي لا دخل له في التعليل، فانه يكون وجوده وعدمه سواء فيستقيم حصر المستدل بالسبر ولا يبطل دليله، وقد أوضحنا البحث
في هذا الدليل وأكثرنا من أمثلته في القرآن وغيره وذكرنا بعض آثاره العقائدية والتاريخية، وبينا المراد به عند الأصوليين والجدليين، والمنطقيين، وما تسميه به كل طائفة منهم، في كتابنا أضواء البيان في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: " أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا ".
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
النوع الثالث في إثبات العلة: أن يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها
стр. 309
كوجود التحريم بوجود الشدة في الخمر وعدمه بعدمها. . الخ. .
اعلم أولا أن هذا المسلك من مسالك العلة يسمى بالدوران الوجودي والعدمي، وبالدوران فقط، وبالطرد والعكس في الاصطلاح: الملازمة في الانتفاء وخلاصة ما ذكره المؤلف في هذا المسلك أن اقتران الحكم بالوصف وجوداً وعدماً دليل على أنه علته، ولا يقدح في ذلك أن اقترانه به في الوجود فقط لا يفيد العلية على الصحيح الذي هو الحق. كما يأتي في مبحث الطرد قريباً ان شاء الله.. وكذلك اقترانه به في العدم فقط لا يفيد العلية اجماعاً لأن عدم تأثير كل واحد منهما منفرداً لا يمنع تأثيرهما مجتمعين:
لا تخاصم بواحد أهل بيت ... ... ... فضعيفان يغلبان قويا
ولا يقدح في هذا المسلك بأن رائحة الخمر مثلا يدور معها المنع وجوداً وعدماً وليست بعلة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
و النقض برائحة الخمر ليس بلازم لأن صلاحية الشيء للتعليل لا يلزمها أن يعلل به اذ قد يمتنع لمعارضته ما هو أولى منه.
قال مقيده عفا الله عنه: -
النقض برائحة الخمر يدفعه القيد الذي ذكره جماهير من أهل الأصول وهو أنهم جعلوا الوصف المذكور في مسلك الدوران يشترط فيه المناسبة أو احتمالها، فان كان طردياً محضاً علم قطعاً أنه غير العلة ولو دار معه الحكم وجوداً وعدماً كرائحة الخمر المذكورة، واليه الاشارة بقول صاحب المراقي معرفا للدوران:
أن يوجد الحكم لدى وجود ... ... ... وصف وينتفي لدى الفقود
стр. 310
والوصف ذو تناسب أو احتمل ... ... ... له والا فعن القصد اعتزل
وهو عند الأكثرين سند ... ... ... في صورة أو صورتين يوجد
والحق أن في هذا المسلك ثلاثة أقوال:
الأول: أنه يفيد العلية ظناً وهو مذهب الجمهور وعليه درج المؤلف.
الثاني: أنه يفيد العلية قطعاً وبه قال المعتزلة.
الثالث: أنه لا يفيد التعليل أصلا لاحتمال كون الوصف الدائر معه الحكم ملازماً للعلة كرائحة الخمر أو جزء منها.
(تنبيه)
الدوران يكون في صورة واحدة كما مثلنا به في شدة الخمر فان المنع يدور معها وجوداً وعدماً.
وقد يكون في صورتين وهو أضعف من الأول ولذا أبطله بعض من اعتبر الأول، ومثاله ما لو قلت: الحلى المباح تجب فيه الزكاة لكونه نقداً والنقد أحد الحجرين (١)
والنقدية يدور معها الوجوب وجوداً في المصكوك والمسبوك مثلا، وعدماً في العبيد، والثياب، والدواب.
وهذا المسلك الذي هو الدوران كما أن له دخلا في الأمور الشرعية
стр. 311
فنفعه كثير جداً في الأمور الدنيوية وهو الذي توصل به الأطباء إلى ما علوه من فوائد الأدوية والأغذية حيث دارت معها آثارها وجوداً وعدماً كما أشار إليه في المراقي بقوله:
أصل كبير في أمور الآخرة ... ... ... والنافعات عاجلا والضائرة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
فأما الدلالة على صحة العلة باطرادها ففاسد. . الخ. .
اعلم أولا أن هذا المسلك من مسالك العلة وهو المعروف بالطرد، ويسمى بالدوران الوجودي وهو مختلف في صحة دلالته على العلة فجمهور العلماء على أنه مردود وعليه درج المؤلف.
وذهب طوائف من أصحاب أبي حنيفة إلى أنه حجة أن سلم من الانتقاض وجرى على الاطراد ومثاله: المائع الذي تبنى عليه القناطر ويصاد فيه السمك تقع به الطهارة فنقول ليس بعلة لأن الطهارة تقع بغير المذكور كالتراب ونحوه، وذهب كثير من الشافعية إلى أنه حجة بشرط مقارنة الحكم والوصف في جميع الصور غير صورة النزاع الحاقاً للنادر بالأغلب.
وقيل تكفي المقارنة في صورة واحدة ولا يخفى بعده، وذهب الكرخي من الحنفية إلى أنه مقبول جدلا لا فتيا وعملا، وهو بعيد أيضاً.
فاذا عرفت ذلك فاعلم أن معنى الطرد هو ما قدمنا من أنه الملازمة في الثبوت، أي كلما ثبت الوصف ثبت معه الحكم، والمراد بالطرد هنا الملازمة في الثبوت فقط، أي وعدم الملازمة في الانتفاء.
стр. 312
فقول المؤلف: فأما الدلالة على صحة العلة باطرادها ففاسد.
يعني به دوران الحكم معها وجوداً فقط لا عدما وخلاصة ما ذكر فيه المؤلف " أنه لا يدل على العلية إذ لا معنى له الا سلامتها من مفسد واحد هو النقض. والنقض هو وجود الحكم دون الوصف كما سنوضحه ان شاء الله تعالى في مبحث القوادح، وانتفاء المفاسد ليس بدليل على الصحة بل لو سلم من كل مفسد لم يكن دليلا على الصحة كما لو سلمت شهادة المجهول من جارح لم تكن حجة ما لم تقم بينة معدلة مزكية فكذلك لا يكفي في الصحة انتفاء المفسد بل لا بد من دليل على الصحة، فلو قيل دليل صحتها انتفاء المفسد، لقال الخصم دليل فساد
انتفاء المصحح.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
ثم للمعترض في افساده المعارضة بوصف مطرد يختص بالأصل فلا يجد إلى التخلص عنه طريقا كقولهم في الخل مائع لا يصاد من جنسه السمك ولا تبنى عليه القناطر فلا تحصل الطهارة به كالمرق. انتهى.
أي ومعلوم أن كونه مائعاً لا يصاد من جنسه السمك الخ.. دائر معه الحكم الذي هو عدم الطهارة مع أنها أوصاف طردية لا تناط بمثلها الأحكام فظهر أن الحكم يدور مع الوصف في الوجود وليس علة له.
(تنبيه)
ذكر جماعة من الأصوليين أنه لا يشترط في عدم الاحتجاج باطراد الوصف أن لا يكون مناسباً بالذات أو بالتبع فان كان مناسباً بالذات فهو قياس عليه لا طرد وان كان بالتبع فهو قياس شبه لا طرد وإلى هذا أشار
стр. 313
صاحب المراقي بقوله معرفاً للطرد:
حصول حكم حيثما الوصف حصل ... ... والاقتران في انتفا الوصف انحظل
ولم يكن تناسب بالذات ... ... أو تبع فيه لدى الثقات
ثم يبين صاحب المراقي ابطال الرد بأن المنقول عن الصحابة هو التعليل بالمناسب دون الطرد حيث قال:
وروى النقل عن الصحابة ... ... ... ومن رأى بالأصل قد أجابه
ومعنى قوله: ومن رأى بالأصل قد أجابه أن من رأى كون الطرد يفيد العلية أجاب المانع لذلك بأن الأصل في الملازمة في الوجود أن تكون لموجب يقتضي ذلك، وهو كون الوصف الدائر معه الحكم في الوجود علة له.
(تنبيه)
لا يلتبس عليك الطرد بالوصف الطردي فان الطرد هو ما عرفناه الآن في هذا المسلك، والوصف الطردي هو الذي ليس في اناطة الحكم به مصلحة كالطول والقصر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
" متى لزم من الوصف المتضمن للمصلحة مفسدة مساوية للمصلحة أو راجحة عليها فقيل أن المناسبة تنتفى. . الخ. . "
اعلم أن التحقيق في هذه المسألة أن الخلاف فيها لفظي لأن المصلحة إذا استلزمت مفسدة مساوية أو راجحة فان الحكم لا ينبني على تلك المصلحة قولا واحداً لأن الشرع لا يأمر باستجلاب مصلحة مؤدية لمفسدة أكبر منها أو مساوية لها، ولكن الخلاف في المصلحة المعارضة بالمفسدة هل
стр. 314
هي منخرمة زائلة من أصلها أو هي باقية معارضة بغيرها وهو اختيار المؤلف.
فعلى أن المصلحة باقية فعدم الحكم لوجود المانع، وعلى أنها زائلة فعدم الحكم لعدم المقتضى ومن أمثلته فداء أسارى المسلمين بالسلاح إذا كان يؤدي إلى قدرة الكفار بذلك السلاح على قتل عدد الأسارى أو أكثر من المسلمين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
(في قياس الشبه)
واختلف في نفسيره وفي أنه حجة. . الخ. .
اعلم أولا: أن هذا المسلك من مسالك العلة هو أصعبها وأدقها فهماً كما رح به الأصوليون وحدوه بحدود مختلفة غالبها يرجع إلى أن الوصف في قياس الشبه مرتبة بين الطردي والمناسب فمن حيث أنه لم تتحقق فيه المناسبة أشبه الطردي، ومن حيث أنه لم يتحقق فيه انتفاؤها أشبه المناسب، ولهذا سمي شبهاً، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن المؤلف ذكر في حده قولين:
الأول: قول القاضي يعقوب: أن الشبه هو أن يتردد الفرع بين أصلين فيلحق بأكثرهما شبهاً كالاختلاف في العبد، هل يملك، وهل إذا قتل تلزم فيه القيمة أو الدية فانه يشبه المال من حيث أنه يباع ويوهب ويورث ونحو ذلك، ويشبه الحر من حيث أنه يثاب ويعاقب وينكح ويطلق ونحو ذلك فيلحق بأكثرهما شبهاً، والأكثر على أن شبهه بالمال أكثر فتلزم فيه القيمة إذا قتل وقيل بالعكس، وهذا النوع هو المعروف بغلبة الأشباه.
стр. 315
وأجمع الجمهور على أن غلبة الأشباه لا يخرج عن الشبه لأنه إما أن يكون هو بعينه وإما أن يكون نوعاً منه خلافاً لما زعمه العضد من أنه ليس نوعاً من المسلك المسمى (بالشبه) وإن حاصله تعارض مناسبين بالذات رجح أحدهما فهو من مسلك المناسب بالذات وأن الشبه لفظ مشترك يطلق على كل منهما، وغلبة الأشباه من أقوى قياسات الشبه.
وأقوى أنواعه الشبه في الحكم والصفة معاً، ثم الشبه في الحكم فقط، ثم الشبه في الصفة فقط.
ومثال الشبه في الصفة والحكم معاً شبه العبد بالمال في أن يورث ويباع ويشتري ونحو ذلك، وهذا شبه في الحكم، وشبهه للمال في الصفة هو كون العبيد تتفاوت قيمة أفرادهم بحسب تفاوت أوصافهم جودة ورداءة.
والشبه في الصفة فقط كشبه الأقوات بالبر والشعير في الربا.
والشبه في الحكم فقط، لم أذكر مثالا الآن.
الثاني: أن الشبه هو الجمع بين الأصل والفرع بوصف يوهم اشتماله على حكمة الحكم من جلب مصلحة أو دفع مفسدة وذلك أن الأوصاف ثلاثة أقسام:
الأول: قسم يعلم اشتماله على المناسبة كالاسكار وقياسه وهو قياس العلة.
الثاني: قسسم لا تتوهم فيه مناسبة، كالطول والقصر، وهو الطردي والقياس به باطل.
الثالث: قسم بين القسمين الأولين وهو ما يتوهم اشتماله على مصلحة الحكم ويظن أن مظنتها من غير اطلاع على عين المصلحة، مع عهدنا
стр. 316
اعتبار الشارع له في بعض الأحكام، كالجمع بين مسح الرأس ومسح الخف في نفي التكرار بجامع كونه مسحاً.
والجمع بينه وبين الأعضاء المغسولة في التكرار بكونه عضواً من أعضاء الوضوء كالوجه، وهذا هو قياس الشبه وهو مختلف فيه، واختلفت فيه الرواية بالصحة وعدمها عن الإمام أحمد، وأكثر الأصوليين على قبوله لأنه يثير ظناً بثبوت الحكم.
قال مقيده عفا الله عنه: -
الذي يظهر لي في كلام المؤلف ﵀ في هذا المسلك أنه لا يخلو من بعض نظر الله تعالى أعلم، وذلك لأن مثاله للقول الثاني من القولين اللذين ذكرهما في نفسير الشبه وهو بعينه مثال الأول، لأن قضية تكرار مسح الرأس في الوضوء راجعة إلى غلبة الأشباه، لأن
تكرار مسح الرأس في الوضوء دائر بين أصلين فيلحق بأكثرهما شبهاً.
أحدهما: أنه مسح فلا يتكرر كغيره من المسح كمسح الوجه واليدين في التيمم ومسح الخف في الوضوء.
ثانيهما: أنه ركن من أركان الوضوء الأربعة المذكورة في الآية فيكرر كما يكرر غسل الوجه واليدين فمن قال بعدم تكرار مسحه قال أنه أكثر شبها بالأول، ومن قال: بتكراره قال أنه أكثر شبهاً بالثاني، والقول الأخير في تفسير الشبه مثل له صاحب المستصفى بأمثلة متعددة منها قول الشافعي رحمه لله في مسألة اشتراط النية في طهارة الحدث: طهارة موجبها (١) في غير محل موجبها فتفتقر إلى النية قياساً على التيمم وهذا يوهم الاجتماع في
стр. 317
مناسب هو مأخذ النية وإن لم يطلع على ذلك المناسب.
ومنها تشبيه الأرز والزبيب بالتمر والبر لكونهما مطعومين أو قوتين فان ذلك إذا قوبل بالتشبيه بكونهما مقدرين أو مكيلين ظهر الفرق، إذ يعلم أن الربا ثبت لسر ومصلحة والطعم والقوت وصف ينبئ عن معنى به قوام النفس والأغلب على الظن أن تلك المصلحة في ضمنها لا في ضمن الكيل الذي هو عبارة عن تقدير الأجسام إلى غير ذلك من أمثلته لهذا النوع المذكور.
وقد أوضح مسلك الشبه جماعة من أهل الأصول بأنه هو ما كان الوصف الجامع ليس مناسباً بالذات ولكنه مناسب بالتبع أي مستلزم للوصف المناسب. وقد شهد الشرع بتأثير الجنس القريب لذلك الوصف في الجنس القريب لذلك الحكم ومثلوا لذلك بأمثلة، ومنها قولهم في الخل مائع لا تبنى القنطرة على جنسه فلا تحصل به الطهارة قياساً على الدهن فقولهم: لا تبنى القنطرة على جنسه، ليس مناسباً في ذاته، لكنه مستلزم للمناسب، لأن العادة أن القنطرة لا تبنى على الأشياء القليلة بل على الكثيرة كالأنهار فالقلة مناسبة لعدم مشروعية المتصف
بها من المائعات للطهارة العامة، لأن الشرع العام يقتضي أن تكون أسبابه عامة الوجود، أما تكليف جميع لناس بما لا يجده الا بعضهم فبعيد عن قواعد الشرع، فقولهم: لا تبنى القنطرة على جنسه ليس بمناسب وهو مستلزم للمناسب وقد شهد الشرع بتأثير جنس القلة والتعذر في عدم مشروعية الطهارة بدليل أن الماء إذا قل واشتدت إليه الحاجة فانه تترك الطهارة به وينتقل إلى التيمم.
ومنها تعليلهم بوجوب النية في التيمم بكونه طهارة، فيقاس عليه الوضوء بجامع أنه طهارة، فإن الطهارة من حيث هي لا تناسب اشتراط
стр. 318
النية لعدم اشتراطها في طهارة الخبث. ولكن تناسبه من حيث أنها عبادة وقربة، والعبادة مناسبة لاشتراط النية لقوله: " وما أمروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " الآية. فان قيل: ان كان المناسب لاشتراط النية جهة العبادة لزم اشتراطها في الطهارة من النجاسة لتحقق تلك الجهة فيها إذ لا تكون الا واجبة أو مندوبة، والواجب والمندوب كلاهما عبادة مع أن عدم اشتراطها فيها مجمع عليه.
فجواب المخالفين هو أن الطهارة من النجاسة من حيث هي لم توضع لمحض التعبد، فقد تكون غير واجبة ولا مندوبة كأزالتك لها عن أرضك دفعاً للاستقذار، بخلاف الوضوء مثلا فانه لا يقع إلا عبادة، ولا ينافي ذلك غسل الأعضاء لمجرد التنظيف لأن غسلها على الوجه والترتيب الخاصين لا يكون الا للتعبد.
(تنبيه)
اعلم أن من الفوارق التي ذكرها بعض أهل الأصول بين الشبه والمناسب أن صلاحية الشبه لما يترتب عليه من الأحكام لا يدركها العقل لو قدر عدم ورود الشرع، قالوا فاشتراط النية في الوضوء لو لم يرد الشرع باشتراطها في التيمم لما أدرك العقل اعتبارها فيه بخلاف المناسب فان صلاحيته لما يترتب عليه من الأحكام قد يدركها العقل قبل ورود الشرع.
ولذلك حرم بعض رجال العرب الخمر على نفسه قبل ورود الشرع بتحريمها لأن عقله أدرك قبح زوال العقل وما يلزم عليه من القبائح، حرمها على نفسه للموجب المذكور قيس بن عاصم المنقري التميمي كما ذكره عنه بعض المؤرخين وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب وفي ذلك يقول:
стр. 319
رأيت الخمر صالحة وفيها ... ... ... خصال تفسد الرجال الحليما
فلا والله أشربها صحيحاً ... ... ... ولا أشفى بها أبداً سقيما
ولا أعطى بها ثمناً حياتي ... ... ... ولا أدعو لها أبداً نديما
لأن الخمر تفضح شاربيها ... ... ... وتجنيهم بها الأمر العظيما
فقوله لأن الخمر تفضح شاربيها البيت دليل على أنه أدرك بعقله مناسبة الأسكار للتحريم كما لا يخفى.
(تنبيه)
فان قيل ذكرتم أن عبارات الأصوليين في تعريف الشبه يدور غالبها على أن الوصف الجامع فيه مرتبة بين الطردي والمناسب. وأن غلبة الأشباه لا تخرج عن الشبه المذكور، فما وجه كون الوصف في غلبة الأشباه مرتبة بين الطردي والمناسب.
فالجواب أن ذلك واقع فيه بالنظر إلى اعتبارين مختلفين فشبه العبد بالمال مناسب للزوم القيمة طردي بالنسبة إلى لزوم الدية وشبهه بالحر مناسب بالنسبة إلى لزوم الدية طردي بالنسبة إلى لزوم القيمة. وهكذا فصار الوصف في غلبة الأشباه مناسباً باعتبار طردياً باعتبار آخر. والله تعالى أعلم.
стр. 320
قال المؤلف رحمه الله تعالى: -
(فصل)
(في قياس الدلالة)
وهو أن يجمع بين الفرع والأصل بدليل العلة ليدل اشتراكهما فيه على اشتراكهما في العلة فيلزم اشتراكهما في الحكم كأن نقول في اجبار البكر البالغة جاز تزويجها وهي ساكتتة فجاز وهي ساخطة قياساً على الصغيرة فإن أباحه تزويجها مع السكوت تدل على عدم اعتبار رضاها ولو اعتبر لاعتبر دليله وهو النطق لأن السكوت محتمل متردد، وإذا لم يعتبر رضاها جاز تزويجها حالة السخط.
فقد جمع في هذا القياس بين الصغيرة والبكر والكبيرة في جواز الاجبار على النكاح عند من يقول بذلك بدليل عدم اعتبار رضاهما أي وهو السكوت بناء على ما قاله من أنه محتمل متردد فعدم اعتبار الرضا وهو علة الإجبار، وقد جمع في هذا المثال بين الفرع والأصل بدليله الذي هو التزويج حالة السكوت هذا حاصل ما ذكره المؤلف في قياس الدلالة. وقد أوضح قياس الدلالة جماعة من الأصوليين بأنه الجمع بين الأصل والفرع بملزوم العلة أو أثرها أو حكمها.
فمثال الجمع بملزومها: الحاق النبيذ بالخمر في المنع بجامع الشدة المطربة لأنها ملزومة للأسكار الذي هو العلة.
ومثال الجمع بأثر العلة: الحاق القتل بالمثقل بمحدد في القصاص بجامع الإثم، لأن الإثم أثر العلة التي هي القتل العمد العدوان.