قصي بن كلاب
كان كلاب بن مرة متزوجا من فاطمة بنت سعد بن سيل، فولدت له زهرة وقصيا، ومات كلاب وقصي طفل في المهد، وقدم مكة بعد هلاك كلاب ربيعة بن حرام من عذرة، فتزوج فاطمة، واحتملها إلى بلاده، فحملت قصيا معها، وأقام أخوه زهرة بمكة لأنه كان رجلا، وقد ولدت فاطمة لربيعة رزاحا، فلما كبر قصي تسابّ هو ورجل من قضاعة فعيّره بأنه ليس منهم، وإنما هو ملصق فيهم، فدخل على أمه وهو مغضب فأخبرها، فقالت له: يا بني، صدق أنك لست منهم، ولكن رهطك خير من رهطه، واباؤك أشرف من ابائه، وإنما أنت قرشي، وأخوك وبنو عمك بمكة، وهم جيران بيت الله الحرام.
فاحتمل بنفسه إلى مكة وأقام قصي بمكة، وعرف عنه من الجد وحسن الرأي ما جعله موضع احترام أهلها وأهله فيها، وتقديرهم له، وكانت سدانة البيت في هذا الوقت لخزاعة يتولاها حليل بن حبشية، فما لبث حين خطب إليه قصي ابنته حبّى أن رغب فيه وزوجه، فولدت لقصي: عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزى، وعبدا، وكثر ولده وانتشروا، كما كثر ماله، وعظم جاهه وشرفه.
ولاية قصي البيت
ثم هلك حليل فرأى قصي أنه أولى بالكعبة وبأمر مكة من خزاعة وبني بكر، فقريش هم في الذروة من ولد إسماعيل، وصريح ولده، فكلّم رجالا من قريش وبني كنانة، ودعاهم إلى إخراج خزاعة وبني بكر من مكة، فأجابوه، واستنصر أيضا بأخيه لأمه رزاح بن ربيعة، فجاء ومعه إخوته لأبيه، وكانت
стр. 142
حرب شديدة بينهم، وبين خزاعة وبني بكر، انتهت بانتصار قصي ومن معه، وهزيمة الاخرين وإجلائهم عن مكة، وتمّ لقصي ولاية البيت وأمر مكة، وجمع قومه من منازلهم- وكانت بعيدة عن البيت- إلى ما حول البيت، فسمي:
مجمّعا، وتملك على قومه وأهل مكة فملّكوه، وكان أول بني كعب بن لؤي أصاب ملكا أطاع له به قومه.
وصارت ماثر قريش كلها إلى قصي: الحجابة «١» ، والسقاية «٢» ، والرفادة «٣» ، واللواء «٤» ، والندوة «٥» ، فحاز شرف مكة كلها، فما تنكح امرأة، ولا يتزوج رجل من قريش، وما يتشاورون في أمر نزل بهم، ولا يعقدون لواء حرب إلا في داره.
ولمّا بنت قريش بأمر قصي حول الكعبة دورها تركوا مكانا كافيا للطواف حول البيت، وتركوا بين البيوت طرقا ينفذ منها إلى الحرم، واتخذ لنفسه دار الندوة، وجعل بابها إلى مسجد الكعبة، ففيها كانت قريش تقضي أمورها، وقيل إن حليلا هو الذي أوصى بذلك لقصي لما انتشر ولده من ابنته، فأبت خزاعة أن تمضي ذلك لقصي، فعند ذلك هاجت الحرب بينه وبين خزاعة، وقيل إن حليلا عهد بالمفاتيح إلى أبي غبشان وهو من خزاعة، وكان رجلا سكّيرا، فابتاعها منه قصي بزق خمر، فقيل: أخسر من صفقة أبي غبشان.
وكان قصي أول من سن الرفادة وجعلها فرضا على قريش، حيث قال:
«يا معشر قريش إنكم جيران الله، وأهل بيته، وأهل الحرم، وإن الحجاج ضيف الله، وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج، حتى يصدروا عنكم ففعلوا» .
стр. 143
جعل قصي هذه الماثر لعبد الدار
وكان عبد الدار أكبر أبناء قصي، وكان عبد مناف قد شرف في حياة أبيه، وذهب كل مذهب، وكذلك شرف عبد العزّى، وعبد، فقال قصي- وقد كبرت سنه، ووهنت قوته- لابنه عبد الدار: أما والله يا بني لألحقنّك بهم وإن كانوا قد شرفوا عليك، لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفتحها له، ولا يعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت بيدك، ولا يشرب أحد بمكة إلا من سقايتك، ولا يأكل أحد من أهل الموسم طعاما إلا من طعامك، ولا تقطع قريش أمرا من أمورها إلا في دارك، فأعطاه داره: دار الندوة، وأعطاه الحجابة، واللواء، والسقاية، والرفادة «١» .
منازعة بني عبد مناف لبني عبد الدار
وتولّى عبد الدار هذه المناصب التي اثره بها أبوه، وتولّاها أبناؤه من بعده، لكن أبناء عبد مناف كانوا أشرف في قومهم، وأعظم مكانة، لذلك أجمع عبد شمس، وهاشم، والمطلب، ونوفل بن عبد مناف أن يأخذوا ما بأيدي أبناء عمومتهم، وتفرق رأي قريش: بعضها مع هؤلاء، وبعضها مع أولئك، وعقد بنو عبد مناف «حلف المطيّبين» لأنهم غمسوا أيديهم في طيب جاءت به بعض نساء بني عبد مناف في جفنة، فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند الكعبة، فتعاقدوا، وتعاهدوا هم وحلفاؤهم، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم، وتعاقد بنو عبد الدار، وتعاهدوا وحلفاؤهم عند الكعبة حلفا مؤكدا على ألايتخاذلوا، ولا يسلم بعضهم بعضا، فسمّوا «الأحلاف» ، وكادوا يقتتلون في حرب تفني قريشا، ولكن رحمة الله تداركتهم فتداعوا للصلح على أن يعطوا بني عبد مناف السقاية، والرفادة، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار كما كانت، ففعلوا، ورضي كل واحد من الفريقين بذلك، وظل الأمر عليه حتى جاء الإسلام «٢» .
стр. 144
ولاية هاشم بن عبد مناف السقاية والرفادة
فولي هاشم بن عبد مناف الرفادة، والسقاية، وذلك أن عبد شمس كان رجلا سفّارا قلما يقيم بمكة، وكان مقلا من المال ذا ولد، وأما هاشم فكان موسرا، فهذا هو السبب في تولّيه الأمرين مع أن عبد شمس كان أكبر منه، وكان هاشم يستعين بقريش في الرفادة، فكان إذا حضر الحاج قام في قريش فقال:
«يا معشر قريش، إنكم جيران الله وأهل بيته، وإنه يأتيكم في هذا الموسم زوّار الله وحجاج بيته، وهم ضيف الله، وأحق الضيف بالكرامة ضيفه، فاجمعوا لهم ما تصنعون به طعاما أيامهم هذه التي لا بد لهم من الإقامة بها، فإنه- والله- لو كان مالي يسع لذلك ما كلفتكموه» فيستجيبون له، ويخرجون لذلك خرجا من أموالهم كلّ بقدر طاقته، فيصنع به للحجاج طعاما حتى يرجعوا من مكة.
وكان هاشم- فيما يزعمون- أول من سن الرحلتين لقريش: رحلتي الشتاء والصيف، وأول من أطعم الثريد بمكة، وكان اسمه عمرا، وإنما سمي هاشم لذلك، قال شاعرهم:
عمرو الذي هشم الثريد «١» لقومه ... قوم بمكة مسنتين عجاف «٢»
سنت إليه الرحلتان كلاهما ... سفر الشتاء ورحلة الأصياف
وفي عهده ازدهرت مكة، وسمت مكانتها في أنحاء الجزيرة كلها، واعتبرت العاصمة المعترف بها، وطوّع لهم هذا الازدهار أن يعقدوا معاهدات الأمن وحسن الجوار مع الدول المجاورة لهم، من رومان، وفرس، وأحباش، وغساسنة وغيرها.
مناوأة أمية بن عبد شمس لعمه هاشم
وظل هاشم تتقدم به السن في مكانته على رياسة مكة وزعامتها، لا يفكر أحد في منافسته، حتى خيّل لابن أخيه أمية بن عبد شمس أنه قد بلغ مكانا
стр. 145
يسوغ له هذه المنافسة، لكنه لم يقدر وغلب على أمره، وبقي الأمر لهاشم لا ينازعه أحد، وترك أمية مكة إلى الشام، فأقام بها عشر سنين «١» .
تزوج هاشم من بني النجار
وكان هاشم بن عبد مناف رجلا تاجرا كثير المال، يكثر من الأسفار ما بين مكة والشام، وفي سفرة من سفراته نزل بالمدينة، فرأى سلمى بنت عمرو أحد بني عدي بن النجار، فأعجب بها، وكانت سلمى لشرفها في قومها واعتزازها بنفسها لا تنكح الرجال حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها، إذا كرهت رجلا فارقته، فتزوجها هاشم، وكانت قبله عند أحيحة بن الجلاح من الأوس، فولدت له عمرو بن أحيحة، وولدت لهاشم عبد المطلب، فسمته: شيبة، فتركه هاشم عندها حتى صار غلاما دون المراهقة، فذهب إليه عمه المطلب فجاء به إلى مكة، ثم هلك هاشم بغزة «٢» من أرض الشام وهو في رحلة من رحلاته التجارية، ثم هلك بعده عبد شمس بمكة، ثم المطّلب بردمان «٣» من أرض اليمن، ثم نوفل بسلمان من أرض العراق.
ولاية المطلب الرفادة والسقاية
وبعد موت هاشم ولي السقاية والرفادة من بعده المطّلب بن عبد مناف، وكان أصغر من عبد شمس وهاشم، وكان ذا شرف في قومه وفضل، وكانت قريش تسميه «الفيض» لسماحته وجوده.
عبد المطلب في مكة
وتذكّر المطّلب أن ابن أخيه هاشم بالمدينة، وأنه قد ان له أن يرجع إلى أهله وبلده، فركب إلى المدينة، وذهب إلى سلمى وطلب إليها أن تدفع إليه الفتى، وقد قارب البلوغ، وبعد تمنع أذنت له ودفعته إليه، فاحتمله على بعيره، وأردفه إياه، ودخل به مكة، فظنته قريش عبدا له جاء به؛ فتصايحت:
стр. 146
عبد المطلب ابتاعه، فقال المطلب: ويحكم، إنما هو ابن أخي هاشم قدمت به من المدينة، فغلب على الفتى هذا اللقب، وصار مشهورا به، وتنوسي الاسم الأصلي: شيبة.
ولاية عبد المطلب السقاية والرفادة
ثم هلك المطّلب بردمان فولي عبد المطلب السقاية والرفادة بعد عمه المطلب، فأقامها للناس، وأقام لقومه ما كان اباؤه يقيمون لهم، وشرف في قومه شرفا لم يبلغه أحد من ابائه، وأحبه قومه، وعظم خطره فيهم، وصار سيد قريش، والمقدّم من أشرافها.
وقد لقي عبد المطلب في القيام بهذين المنصبين، ولا سيما السقاية شيئا غير قليل من المشقة، فقد كان إلى يومئذ وليس له من الأبناء إلا الحارث، وكانت سقاية الحاج يؤتى بها منذ نضبت زمزم من ابار عدة مبعثرة حول مكة، فتوضع في أحواض إلى جوار الكعبة، وكانت كثرة الولد عونا على تيسير هذا العمل، والإشراف عليه، فلذلك كان عبد المطلب في هم وتفكير دائم في هذا الأمر.
وبينما هو على هذا رأى رؤيا كانت سبب الفرج بعد الكرب، واليسر بعد العسر، وعادت (زمزم) كما كانت عينا ثرّة يشرب منها الحجيج، وكان عبد المطلب يشتري الزبيب فينبذه بماء زمزم، وربما يخلط الماء باللبن، أو العسل ويسقي أضياف الله.
السقاية بعد عبد المطلب
ولما مات عبد المطلب صارت السقاية إلى أبي طالب، ثم اتفق أن أملق في بعض السنين، فاستدان من أخيه العباس عشرة الاف إلى الموسم الاخر، وصرفها أبو طالب في السقاية، فلما كان العام المقبل لم يكن مع أبي طالب شيء، فاستسلف أخاه أربعة عشر ألفا أخرى، فقال له العباس بشرط إن لم تعطني تترك لي السقاية أكفيكها، فقال: نعم، وجاء العام المقبل ولم يكن مع
стр. 147
أبي طالب شيء، فأخذها العباس، ثم صارت من بعده إلى ولده عبد الله، ثم إلى علي بن عبد الله، ثم إلى داود بن علي، ثم إلى سليمان بن علي، ثم إلى عيسى بن علي، ثم أخذها المنصور واستناب عليها مولاه أبا رزين «١» ، وبتوالي العصور ذهبت هذه المفاخر واندرست.
стр. 148
رؤيا عبد المطلب في شأن زمزم
روى ابن إسحاق في سيرته بسنده عن علي بن أبي طالب- ﵁ أنه كان يحدث حديث زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها قال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني ات «١» فقال: احفر طيبة «٢» . قال:
قلت: وما طيبة؟! فقال: ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر برّة «٣» . قال: قلت: وما برة؟! قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه، فجاءني فقال: احفر المضنونة «٤» . قال: قلت: وما المضنونة؟! قال: ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت فيه، فجاءني، فقال: احفر زمزم، قال: قلت:
وما زمزم؟! قال: لا تنزف «٥» أبدا، ولا تذم «٦» ، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم «٧» ، عند نقرة الغراب الأعصم «٨» ، عند قرية النمل «٩» .
стр. 149
عثور عبد المطلب على زمزم
فلما بيّن له شأنها، ودلّ على موضعها، خرج بمعوله، ومعه ابنه الحارث، وليس له ولد غيره يومئذ، فحفر فيها، فلما بدا لعبد المطلب الطي «١» كبّر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه، فقالوا: يا عبد المطلب إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها لحقا، فأشركنا معك فيها، قال: ما أنا بفاعل!! إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم، قالوا: فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا:
كاهنة بني سعد هذيم، قال: نعم وكانت بأشراف الشام، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر، والأرض إذ ذاك مفاوز، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق فني ماء عبد المطلب وأصحابه حتى كادت أعناقهم تنقطع من العطش، وضن عليهم بنو قومهم من قريش بالماء، وقالوا: إنا بمفاوز وإنا لنخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فرأى عبد المطلب أن يحفر كل واحد لنفسه قبره، ففعلوا، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشى.
ثم بدا لعبد المطلب، فقال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض ولا نبتغي لأنفسنا الماء لعجز، فعسى أن يرزقنا الله ماء ببعض البلاد فارتحلوا، حتى إذا بعث عبد المطلب راحلته انفجرت عين ماء عذب من تحت خفّها، فكبّر عبد المطّلب، وكبّر أصحابه، ثم نزل فشرب وشربوا، وملأوا أسقيتهم، ثم دعا قريشا، فقال: هلمّوا إلى الماء فقد سقانا الله، فجاؤا، وشربوا، واستقوا ثم قالوا: قد- والله- قضي لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبدا، إن الذي سقاك الماء بهذه الفلاة
стр. 150
لهو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا، فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلّوا بينه وبينها.
وفي رواية أخرى أن عبد المطلب لما رأى رؤياه غدا ومعه ابنه الحارث إلى حيث وصف له مكانها، فوجد قرية النمل، ووجد الغراب الأعصم ينقر عندها بين الوثنين: إساف، ونائلة، فجاء بالمعول وقام ليحفر حيث أمر، فقامت إليه قريش، وقالوا: والله لا نتركك تحفر بين وثنينا هذين اللذين ننحر عندهما، فقال عبد المطلب لابنه: ذد عنّي حتى أحفر، فو الله لأمضين لما أمرت، فلما عرفوا أنّه جادّ خلّوا بينه وبين الحفر، فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطي فكبر، وعرف أنه صدق.
فلما تمادى به الحفر وجد غزالين من ذهب، ووجد الأسياف والأدرع، فقالت له قريش: لنا معك في هذا شرك. فقال: لا، ولكن هلمّ إلى أمر نصف بيني وبينكم، نضرب عليها القداح «١» ، قالوا: وكيف تصنع؟ قال: أجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين، فمن خرج له قدحاه على شيء كان له، ومن تخلّف قدحاه فلا شيء له، قالوا: أنصفت، فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقدحين أسودين لعبد المطلب، وقدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوا القداح لسادن هبل، وقام عبد المطلب يدعو الله ، فضرب صاحب القداح، فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة، وخرج الأسودان على الأسياف والأدرع لعبد المطلب، وتخلّف قدحا قريش، فضرب عبد المطلب الأسياف بابا للكعبة، وضرب الغزالين حلية للباب، فكان أول ذهب حليت به الكعبة، ثم أقام عبد المطلب سقايتها للحاج، فكانت له عزا وفخرا على قريش، وعلى سائر العرب، وقد ذكر عنه أنه قال: إني لا أحلها لمغتسل، وهي لشارب حل وبل «٢» .
стр. 151
تعفية زمزم على جميع الابار
وكانت قريش لما طمّت زمزم حفرت أبيارا بمكة، فحفر هاشم بن عبد مناف بئرا عند فم شعب أبي طالب، وحفر عبد شمس بن عبد مناف بئرا بأعلى مكة، وحفر أمية بن عبد شمس بئرا لنفسه، وحفر بنو أسد بن عبد العزّى بئرا، وحفر بنو عبد الدار بئرا، وبنو جمح بئرا، وبنو سهم بئرا، وهكذا.
فلما أعاد عبد المطلب حفر زمزم عفت على الابار التي كانت قبلها، وانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام، ولفضلها على ما سواها من المياه، ولأنها بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.
فضل زمزم
وقد ورد في فضل ماء زمزم أحاديث كثيرة فمنها: ما رواه مسلم في صحيحه في قصة إسلام أبي ذر- ﵁: «إنها طعام طعم» «١» ورواه أبو داود الطيالسي مرفوعا بزيادة: «طعام طعم، وشفاء سقم» وروى الإمام أحمد بسنده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «ماء زمزم لما شرب له» ورواه سويد بن سعيد وهو ضعيف وروى الدارقطني والحاكم وصحّحه عن ابن عباس عن النبي ﷺ : «ماء زمزم لما شرب له: إن شربته لتستشفي شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله، وهي هزمة «٢» جبريل، وسقيا الله إسماعيل» ، ومهما يكن من شيء فقد صحح الحافظ الدمياطي- وهو من الحفاظ المتأخرين المتقنين- حديث: «ماء زمزم لما شرب له» وأقره الحافظ العراقي «٣» .
وروى ابن ماجه والحاكم عن ابن عباس أنه قال لرجل: «إذا شربت من
стр. 152
زمزم فاستقبل القبلة، واذكر اسم الله، وتنفّس ثلاثا «١» وتضلّع منها «٢» ، فإذا فرغت فاحمد الله، فإن رسول الله ﷺ قال: «إن اية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم» «٣» .
ولن تجد أحلى، ولا أهنأ من ماء زمزم حين تخرج من البئر، وأقرب ما تكون في هذه الحالة إلى اللبن الحليب قريب العهد بثديه، وتبريدها أو تبخيرها يخرجها عن طبيعتها المستساغة، وفوائدها الصحية والغذائية معروفة بالتجربة، ولكن لا بد أن يصاحب شربها حسن الاعتقاد في فوائدها، وإلا فلا يستفيد شاربها منها، لأن المعروف أن من يشرب الشراب وهو له كاره، أو معتقد عدم جدواه لن يشعر بفائدته، وهذا هو السبب في أن البعض يعاف ماء زمزم، ولا يستسيغها، ولا يستفيد منها.
وأشهد الله أني ما عافتها نفسي قط، وقد تضلّعت منها مرارا وتكرارا، ولا سيما وهي خارجة من بئرها، وأني ما استفدت في تنظيم جهازي الهضمي بشيء مثل ما استفدت منها، وصدق رسول الله: «إنها طعام طعم، وشفاء سقم» .
стр. 153
نذر عبد المطلب ذبح أحد أولاده
قد علمت انفا ما لقيه عبد المطلب من قريش من عنت وتعسف حين أعاد حفر زمزم، لقلة من يمنعه من ولده انذاك، حتى قال بعضهم له: «يا عبد المطلب أتستطيل علينا وأنت فذ، لا ولد لك!!» .
فحز ذلك في نفس عبد المطلب فنذر لله سبحانه: لئن ولد له عشرة بنين، ثم بلغوا معه حتى يمنعوه، لينحرنّ أحدهم عند الكعبة!!.
فلما بلغ بنوه عشرة «١» ، وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم، ثم أخبرهم
стр. 154
بنذره، وقيل: إنه رأى رؤيا تذكره بنذره «١» ، ودعاهم إلى الوفاء فأطاعوه، وقالوا: كيف نصنع؟ قال: ليأخذ كل رجل منكم قدحا، ثم يكتب فيه اسمه، ثم ائتوني، ففعلوا، ثم أتوه، فدخل على هبل في جوف الكعبة، وقال لصاحب القداح: اضرب على بنيّ هؤلاء بقداحهم، وأخبره بنذره الذي نذر، ففعل الرجل.
خروج القدح على عبد الله
وكان عبد الله أحب ولد عبد المطلب إليه، وكان يرى أن السهم إذا أخطأه فقد أشوى «٢» ، فلما أخذ سادن هبل القداح ليضرب بها قام عبد المطلب يدعو الله، فضرب الرجل، فخرج القدح على عبد الله، فهم عبد المطلب بذبحه، فقام إليه أخوال عبد الله من بني مخزوم فقالوا: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه، وقالت له قريش: لا تفعل- خشية أن تكون سنّة، وأشاروا عليه أن ينطلق إلى المدينة، فإن بها عرّافة- كاهنة- لها تابع «٣» فسلها، ثم أنت على رأس أمرك: إن أمرتك بذبحه ذبحته، وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته.
فداء عبد الله بمائة من الإبل
فانطلقوا حتى أتوا المدينة، فوجدوا العرّافة بخيبر فركبوا إليها. فلما قصّ عليها عبد المطلب قصته استمهلتهم إلى الغد، ولما عادوا إليها في اليوم التالي قالت لهم: قد جاءني الخبر، كم الدية فيكم؟ قالوا: عشرة من الإبل، قالت:
فارجعوا إلى بلادكم، ثم قرّبوا صاحبكم، وقرّبوا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها القداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا عشرا حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه، فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم.
стр. 155
فلما رجعوا قرّبوا عبد الله وعشرا من الإبل، فخرج على عبد الله، فزادوا عشرا، فخرجت على عبد الله!! وما زالوا يضربون ويزيدون حتى بلغت الإبل مائة، ثم ضربوا فخرج القدح على الإبل، فقالت قريش: لقد رضي ربك يا عبد المطلب، فقال: لا، حتى أضرب عليها بالقداح ثلاثا، ففعل، وفي كل مرة يخرج القدح على الإبل، ثم نحرت وتركت، لا يصد عنها إنسان، ولا طير ولا سبع.
وهكذا شاء الله- أن يكون هذا الفداء كرامة للنسمة المباركة التي ستخرج من ظهر عبد الله بن عبد المطلب، وإرهاصا بين يدي المولود الذي لا يزال في ضمير الغيب.
وقد ترك حادث الذبح والفداء للفتى الهاشمي عبد الله دويا في المجتمع القرشي، بل في المجتمع العربي كله، وأصبح ذكره على كل لسان، وقصته سمرا في كل بيت.
стр. 156
الفصل الرّابع زواج عبد الله بامنة
ها هو ذا عبد الله بن عبد المطلب وقد رضي عنه الإله، وعظم فيه الفداء قد أصبح ملء الأسماع والأبصار، وقد كان عبد الله شابا، نسيبا، جميلا، وسيما، غض الإهاب، قوي البنيان، فلا عجب أن غدا مطمع الامال، وغاية الأماني، من الغيد الكواعب الحسان، من شريفات قريش، أن يصرن زوجا له «١» حتى برّح بهن الهوى والحب.
فرأى أبوه عبد المطلب- شريف مكة وسيدها- أن يزوجه بكرا من كرائم البيوتات القرشية، وفكّر الشيخ ثم فكر، حتى هداه تفكيره- وهو العارف بالأعراق والأحساب- إلى فتاة بني زهرة امنة بنت وهب، بن عبد مناف، بن زهرة «٢» ، بن كلاب، بن مرة، فأخذ بيد عبد الله، وذهب به حتى أتى منازل بني زهرة، ودخل وإياه دار وهب بن عبد مناف الزهري، وهو يومئذ سيد بني زهرة نسبا وشرفا، فزوجه ابنته امنة، وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا،
стр. 157
وموضعا «١» وبنى عبد الله بامنة، وبقي في بيت أبيها ثلاثة أيام على عادة العرب في ذلك، حتى كان اليوم الرابع انتقل بها إلى منازل بني عبد المطلب، وعاش الفتى المرموق المحبوب المرضي عليه من الإله، والفتاة الوادعة الجميلة الشريفة أياما معدودات- لم تتجاوز عند جمهرة المؤرخين عشرة أيام- وقد شاء الله أن تكون الأيام العشرة هي عمر الحياة الزوجية في هذا الزواج المبارك.
تعرض بعض النساء لعبد الله
وقد ذكر ابن إسحاق أنه لما انصرف عبد الله مع أبيه قاصدين دار بني زهرة مرّا على امرأة من بني أسد بن عبد العزّى، وهي عند الكعبة، قيل اسمها قتيلة «٢» ، وهي أخت ورقة بن نوفل، فنظرت إلى وجه عبد الله فوجدت فيه نورا يتلألأ، فقالت له: لك مثل الإبل التي نحرت عنك، وقع علي الان «٣» ، فقال:
أنا مع أبي ولا أستطيع خلافه، ولا فراقه. وقيل في المرأة التي عرضت نفسها عليه أنها فاطمة بنت مرّ الخثعمية، وكانت من أجمل النساء وأعفهن، وكانت رأت نور النبوة في وجه عبد الله، وكانت ممن قرأ الكتاب القديمة، فقالت له:
يا فتى هل لك أن تقع علي الان، وأعطيك مائة من الإبل، فأبى.
ويروى أن عبد الله قال حين عرضت عليه المرأة نفسها:
أما الحرام فالحمام «٤» دونه ... والحل لا حل فأستبينه
فكيف بالأمر الذي تبغينه ... يحمي الكريم عرضه ودينه
وفي الحق أني في شك من هذا العرض، فالبيئة العربية ما كانت تسمح بهذا العرض، وكأنّ بعض العلماء شعر بما شعرت به، ففسّر عرض نفسها عليه بأنها عرضت عليه الزواج بها، ولكن البيتين المذكورين لا يلتقيان مع قصد الزواج، والوقوع عليها في الحلال!! فالله أعلم بصحة هذه القصة.
стр. 158
حمل السيدة امنة بالنبي
وفي هذه الأيام المعدودة حملت السيدة الشريفة امنة بسيد هذه الأمة، وقد ادخرها القدر لأعظم أمومة في التاريخ، وتوالت عليها الرؤى والبشريات بجلال قدر هذا الجنين، فرأت فيما يرى النائم حين حملت به أنه خرج منها نور أضاء الأرض، وبدت منه قصور بصرى من أرض الشام، فقد روى أبو نعيم في «الدلائل» وابن سعد في «الطبقات» أن امنة قالت: «رأيت كأنه خرج مني شهاب أضاءت له الأرض، حتى رأيت قصور الشام» ، وما كانت هذه الرؤيا ومثيلاتها ليخفى تأويلها على السيدة امنة، وهي من هي ذكاء وفطنة، فقد فهمت أن من حملت به سيملأ الأرض نورا وضياء، وهدى ورحمة، وسيكون له شأن وذكر.
وفاة عبد الله بن عبد المطلب
ولم يطل المقام بالفتى الشاب عبد الله مع زوجته امنة بنت وهب، فقد خرج في تجارة إلى الشام وترك الزوجة الحبيبة، وما درى أنها علقت بالنسمة المباركة، وقضى الزوج المكافح مدة في تصريف تجارته، وهو يعدّ الأيام كي يعود إلى زوجته فيهنأ بها، وتهنأ به، وما إن فرغ حتى عاد، وفي أوبته عرّج على أخوال أبيه عبد المطلب وهم بنو النجار بالمدينة، فاتفق أن مرض عندهم، فبقي وعاد رفاقه، ووصل الركب إلى مكة، وعلم منهم عبد المطلب بخبر مرضه، فأرسل أكبر بنيه: الحارث ليرجع بأخيه بعد إبلاله، وما إن وصل الحارث إلى المدينة حتى علم أن عبد الله مات، ودفن بها في دار النابغة من بني النجار، فرجع حزين النفس على فقد أخيه، وأعلم أباه بموت الغائب الذي لا يؤوب، وأثار النبأ الموجع الأحزان في نفس الوالد الشيخ المفجوع في فقد أحب أولاده إليه، وألصقهم بنفسه، وأثار الأسى والحسرة في نفس الزوجة التي كانت تحلم بأوبة الزوج الحبيب الغالي، وتشتاق إليه اشتياق الظمان في اليوم الصائف القائظ إلى الشراب العذب الحلو البارد، وتبدّد ما كانت تعلّل به نفسها من سعادة وهناءة في كنف الزوج الفتى الوسيم، والذي كان مشغلة المجتمع القرشي والعربي حينا من الزمان، فما مثله من فتى، وما مثله من زوج!!
стр. 159
ولم يكن للجنين عند فقد الأب إلا شهران، وهذا الذي ذكرنا، من أن عبد الله مات، والنبي لا يزال حملا في بطن أمه، هو الذي ذكره شيخ كتاب السيرة ابن إسحاق، وتابعه عليه ابن هشام، وهو الرأي المشهور بين كتاب السير والمؤرخين، وكان عمر عبد الله حينذاك ثماني عشرة سنة «١» .
ويرى بعض العلماء أن والد النبي ﷺ توفي بعد ميلاده وهو لا يزال في المهد، قيل: ابن شهرين، وقيل: أكثر من ذلك، والأول هو الراجح، وإن قال السهيلي: إن الرأي الثاني قول أكثر العلماء.
وترك عبد الله لابنه الجنين: خمسة من الإبل، وقطيعا من الغنم، وجارية هي أم أيمن بركة الحبشية حاضنته فيما بعد، وهذه الثروة، وإن لم تكن مظهر ثراء وسعة، فهي كذلك لم تكن مظهر فقر ومتربة.
رثاء امنة لعبد الله
وروي أن عبد الله لما توفي قالت السيدة امنة ترثيه:
عفا جانب البطحاء من ال هاشم ... وجاور لحدا خارجا في الغمائم «٢»
دعته المنايا دعوة فأجابها ... وما تركت في الناس مثل ابن هاشم
عشية راحوا يحملون سريره «٣» ... تعاوره أصحابه في التزاحم
فإن تك غالته المنون وريبها ... فقد كان معطاء كثير التراحم
رؤيا لعبد المطلب
روى أبو نعيم بسنده قال: قال عبد المطلب: «بينا أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني، ففزعت منها فزعا شديدا، فأتيت كاهنة قريش فقلت لها:
إني رأيت الليلة كأن شجرة نبتت قد نالت رأسها السماء، وضربت بأغصانها المشرق والمغرب، وما رأيت نورا أزهر منها أعظم من نور الشمس سبعين
стр. 160
ضعفا. ورأيت العرب والعجم لها ساجدين، وهي تزداد كل ساعة عظاما ونورا وارتفاعا، ساعة تخفى، وساعة تظهر.
ورأيت رهطا من قريش قد تعلّقوا بأغصانها، ورأيت قوما من قريش يريدون قطعها، فإذا دنوا منها أخذهم شاب لم أر قط أحسن منه وجها، ولا أطيب منه ريحا، فيكسر أظهرهم، ويقلع أعينهم، فرفعت يدي لأتناول منها نصيبا، فلم أنل، فقلت: لمن النصيب؟ فقال: النصيب لهؤلاء الذين تعلّقوا بها وسبقوك.
فانتبهت مذعورا، فرأيت وجه الكاهنة قد تغيّر، ثم قالت: لئن صدقت رؤياك ليخرجنّ من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب، وتدين له الناس.
فقال عبد المطلب لأبي طالب: لعلك أن تكون هو المولود، فكان أبو طالب يحدّث بهذا الحديث والنبي ﷺ قد خرج «١» ، ويقول: كانت الشجرة والله- أبا القاسم الأمين، فيقال له: ألا تؤمن؟ فيقول: السبة والعار «٢» .
وحكاها بعضهم «٣» على وجه اخر قال: زعموا أن عبد المطلب رأى في منامه كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء، وطرف في الأرض، وطرف في المشرق، وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب يتعلّقون بها. فقصّها، فعبّرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق، ويحمده أهل السماء، وأهل الأرض.
قصة الفيل
هي قصة مشهورة أرّخ بها العرب لدلالتها على مزيد عناية الله تعالى ببيته، ذلك أن أبرهة الحبشي لما غلب على بلاد اليمن، ورأى الناس يقصدون
стр. 161
زرافات، وواحدانا، ورجالا وركبانا- الكعبة البيت الحرام قال: إلام يقصدون؟ قالوا له: إلى الكعبة بمكة يحجون، قال: وما هو؟ قالوا له: بيت من الحجارة، قال: وما كسوته؟ قالوا: ما يأتي ههنا من الوصائل «١» ، قال: لأبنينّ خيرا منه.
فبنى لهم كنيسة بصنعاء تفنّن في بنائها، وتزيينها، وسماها «القلّيس» «٢» قاصدا صرف العرب عن الكعبة، ولكن أعرابيا عمد إليها فتغوّط فيها، فلما علم أبرهة استشاط غضبا، وعزم على هدم الكعبة، وسار في جيش لجب لا قبل لأهل مكة والعرب به، وقد تعرض له في الطريق بعض قبائل العرب، ولكنه تغلب عليهم، وعند مشارف مكة وجدوا إبلا لعبد المطلب بن هاشم، فاستاقوها، فذهب عبد المطلب إليه، وكان وسيما جميلا تعلوه المهابة والوقار، فاستعظمه أبرهة، وأكرمه، فلما كلّمه في الإبل عجب وقال له: أتكلمني في الإبل، ولا تكلمني في بيت فيه عزك، وشرفك، وشرف ابائك؟! فقال عبد المطلب هذه الكلمة التي سارت مسير الأمثال: «أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه» «٣» !!
ثم رجع عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة ومعه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال:
لاهمّ «٤» إنّ المرء يمنع ... رحله فامنع رحالك
وانصر على ال الصليب ... وعابديه اليوم الك
لا يغلبنّ صليبهم ... ومحالهم «٥» أبدا محالك
إن كنت تاركهم وقبلتنا ... فأمر ما بدا لك
стр. 162
ثم أرسل حلقة البيت وانطلق هو ومن معه من قريش إلى الجبال ينظرون ما أبرهة فاعل بالبيت، وكان في جيش أبرهة فيل عظيم، فصار كلما وجّهوه إلى الطريق المؤدّي إلى مكة أبى وبرك، وإذا وجّهوه إلى غير طريق مكة سار وجرى، ومع هذه الاية أصر أبرهة وجيشه على هدم الكعبة، فما كان إلا أن أرسل الله عليهم طيرا أبابيل «١» ، في مناقيرها وأرجلها حجارة صغار، فصارت ترميهم بهذه الحجارة، وليس كلهم أصابت، فكان من صادفه حجر تمزّق جسمه ومات، وخرجوا هاربين يتساقطون بكل طريق، ويهلكون بكل مهلك، ونكّل الله بأبرهة وجيشه شر تنكيل، وقد ذكر الله سبحانه هذه القصة في سورة الفيل قال:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ «٢» (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ «٣» (٥) .
وقال رسول الله ﷺ : «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين» «٤» .
فهي لمّا أراد بها أبرهة وجنده سوا أهلكهم الله، ولمّا أراد رسول الله ﷺ وأصحابه بفتحها خيرا أعينوا ونصروا، وقد كانت هذه الاية إرهاصا بين يدي ميلاد نبينا محمد ﷺ ، ودلالة على يمنه، وخيره، وبركته.
стр. 163
المشككون في القصة
ويشكك بعض المستشرقين «١» ومن نهج نهجهم من الكتاب المسلمين «٢» في هذه القصة، مع ثبوتها بالتواتر المفيد للقطع واليقين بإجماع أهل الملل والعقول، ويقولون إن هلاك الجيش كان بسبب انتشار مرض الجدري في الجيش، واعتمدوا على خبر ذكره ابن إسحاق بعد ما ذكر القصة على ما وردت في الكتاب الكريم، قال: حدثني يعقوب بن عتبة أنه حدث: «أن أول ما رئيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام» «٣» .
وليس فيما ذكره ما يدل على أن هلاكهم كان بهذا، وإلّا لما ذكر ابن إسحاق القصة المعتمدة أولا في بضع صفحات، ولم لا تكون الحصبة والجدري كانتا بسبب ما أصابهم من الجراح، والتنكيل، والقيح، والصديد في هذا الجزء من شبه الجزيرة، كما هو مشاهد ومعروف من انتشار بعض الأمراض والأوبئة عقب الحروب والجوائح؟! بل لم لا يكون هذا أمرا اتفاقيا حدث بعد حادث الفيل؟! ولو سلمنا بأن هذا رأي لقائله، فكيف يرجّح رأي ضعيف يعارض ظاهر القران على رأي صحيح يشهد له ظاهر القران؟!
الحق أن هذا التشكيك ليس له ما يبرره، أما إنكار ما قصه القران، وقد كان من المشهورات المسلمات عند العرب، واستعظامه على قدرة الله ، فأثر من ضعف الإيمان واليقين، ولوثة سرت إلى البعض من المستشرقين والمبشّرين.
стр. 164
الباب الثاني من الميلاد إلى البعثة النّبويّة
الفصل الأول: الميلاد.
الفصل الثاني: الرضاع.
الفصل الثالث: النبيّ في كفالة أمه، ثم جده، ثم عمه.
الفصل الرابع: زواج النبي ﷺ بخديجة.
الفصل الخامس: تجديد قريش بنيان الكعبة.
الفصل السادس: حياة النبي ﷺ قبل البعثة.
الفصل السابع: حالة العالم قبل البعثة.
الفصل الثامن: البشارة بالنبيّ في الكتاب السماوية السابقة.
стр. 165
الفصل الأوّل الميلاد
وتقدمت أشهر الحمل بالسيدة الشريفة امنة بنت وهب، وهي تترقب الوليد الذي لم تجد في حمله وهنا، ولا ألما، وهتف بها هاتف قائلا: «إنك قد حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وقع على الأرض فقولي:
«أعيذه بالواحد، من شر كل حاسد، وسميه محمدا» .
وبلغ الكتاب أجله، وبعد تسعة أشهر أذن الله للنور أن يسطع، وللجنين المستكن أن يظهر إلى الوجود، وللنسمة المباركة أن تخرج إلى الكون، لتؤدي أسمى وأعظم رسالة عرفتها الدنيا في عمرها الطويل.
ففي صبيحة اليوم الثاني عشر من ربيع الأول من عام الفيل «١» ، الموافق سنة سبعين وخمسمائة من ميلاد السيد المسيح، حيث بدأ الصبح يتنفس، واذن نور الكون بالإشراق، افتر ثغر الدنيا عن مصاصة البشر «٢» ، وسيد ولد ادم، وأكرم مخلوق على الله: سيدنا محمد بن عبد الله.
ولما وضعته السيدة والدته خرج معه نور أضاء ما بين المشرق والمغرب، حتى رأت منه قصور بصرى بالشام، ووقع جاثيا على ركبتيه، معتمدا على يديه، رافعا رأسه إلى السماء، ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها. روى
стр. 166
محمد بن سعد من حديث جماعة منهم: عطاء بن أبي رباح، وابن عباس، أن امنة بنت وهب قالت: «لما فصل مني- تعني النبي- خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، ثم وقع على الأرض جاثيا على ركبتيه، معتمدا على يديه، ثم أخذ قبضة من التراب، فقبضها، ورفع رأسه إلى السماء» «١» .
وروى الإمام الجليل أحمد بن حنبل، والبزار، والطبراني، والحاكم، والبيهقي عن العرباض بن سارية السلمي- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إني عند الله لخاتم النبيين «٢» ، وإن ادم لمنجدل في طينته، وسأخبركم عن ذلك: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمي التي رأت «٣» ، وكذلك أمهات النبيين يرين» «٤» ، وإن أمّ رسول الله ﷺ رأت حين وضعته نورا أضاءت له قصور الشام، وفي رواية ابن إسحاق: «أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام» .
موضع ولادته
وكانت ولادته ﷺ في دار أبي طالب بشعب بني هاشم «٥» ، وكانت قابلته
стр. 167
الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف، وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه ﷺ ، ولد مسرورا مختونا «١» ، واستدلوا على هذا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من كرامتي على ربي أني ولدت مختونا، ولم ير أحد سوأتي» «٢» وورد عن ابن عمر أنه قال: «ولد النبي ﷺ مسرورا مختونا» «٣» .
وقد ضعّف جماعة من العلماء هذه الأحاديث كالعراقي، وابن القيم في «زاد المعاد» وقال: ليس هذا من خصائصه، لأن كثيرا من الناس ولد مختونا، وقد عدهم صاحب المواهب.
ولقد نعمت الأم التي ترملت في شبابها بالوليد الجميل، المشرق الجبين، الذي ملأ البيت من حولها نورا وسرورا، ورأت فيه السلوى عن الحبيب الغالي الذي تركه لها وديعة في ضمير الغيب ثم مات، وما إخالها إلا ذرفت الدمع سخينا، أن لم ير الأب الشاب هذا الوليد الذي يملأ العيون جمالا وبهاء، والقلوب محبة.
إخبار جده عبد المطلب
وكان أول ما فعلته السيدة امنة أن أرسلت إلى جده تبشره بميلاد الحفيد ابن الحبيب، وجاء الجد فرحا مسرورا، وضمّه إلى صدره ضمات خفق لها قلبه، وخفّفت من لوعة الحزن على الحبيب المغيّب في ثرى المدينة، وذهب به إلى الكعبة، فقام يدعو الله ويشكره على ما أنعم به عليه وأعطاه، وسماه (محمدا) ولم يكن هذا الاسم شائعا عند العرب، ولا تسمّى به إلا عدد جدّ قليل، ولكن الله سبحانه ألهم جده ذلك إنفاذا لأمره، وتحقيقا لما قدّره وذكره في الكتاب
стр. 168
السماوية التي بشرت به، ولما سئل جده عن سبب تسميته (محمدا) قال: أردت أن يحمده الله في السماء، ويحمده الناس في الأرض، ولعل السيدة امنة أخبرت جده بما رأت في منامها فاتفق ما رأت وما رأى، ورجع شيخ مكة وشريفها، وهو يحمله بين يديه، لا تكاد تسعه نفسه من شدة الفرح فأسلمه إلى أمه.
احتفاء بني هاشم بالمولود
وفي اليوم السابع- كما هي عادة العرب- نحر الجدّ الذبائح، وأقام الولائم شكرا لله، واحتفاء بالوليد الذي رأى في حياته حياة موصولة لابنه الغالي عبد الله، ومراة صافية يرى في صفحتها المشرقة النيرة وجه عبد الله، كلما أهاجته الذكرى، وثار في نفسه الشجن، وقد شارك البيت الهاشمي في الغبطة بالوليد الجديد، فهذه ثويبة الأسلمية جارية أبي لهب بن عبد المطلب لما بشرت سيدها بميلاد ابن أخيه محمد أعتقها «١» ، ورضي الله ﵎ عن سيدنا العباس فقد قال مادحا النبي:
وأنت لما ولدت أشرقت الأر ... ض وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي الن ... ور، وسبل الرشاد نخترق
ورحم الله أحمد شوقي أمير الشعراء في العصر الحديث حيث قال في همزيته:
ولد الهدى فالكائنات ضياء ... وفم الزمان تبسّم وثناء
الروح، والملأ، الملائك حوله ... للدين والدنيا به بشراء
والعرش يزهو، والحظيرة تزدهي ... والمنتهى والسّدرة العصماء
بك بشّر الله السماء فزينت ... وتضوّعت مسكا بك الغبراء
يوم يتيه على الزمان صباحه ... ومساؤه بمحمد وضاء
стр. 169
ذعرت عروش الظالمين فزلزلت ... وعلت على تيجانهم أصداء
والنار خاوية الجوانب حولهم ... جمعت ذوائبها وغاض الماء
والاي تترى، والخوارق جمة ... جبريل روّاح بها غدّاء
ما صاحب الميلاد من الايات والعجائب
ومن الايات والإرهاصات «١» التي صاحبت الميلاد ارتجاس إيوان كسرى، وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته، فقد كان هذا إيذانا بأنه لم يبق من ملوكهم إلا أربعة عشر «٢» ، وهذا ما كان، وصدّقه التاريخ والواقع، وغاضت بحيرة ساوه «٣» ، وخمدت نيران فارس التي كانوا يعبدونها، ولم تخمد منذ ألف عام «٤» .
وقد أسرف المؤلفون في السير والمولد والتاريخ في ذكر العجائب التي اقترنت بالميلاد، ومنها كلام الهواتف «٥» ، والجن، وفيها الكثير مما لم يصح، وما هو مختلق، فأعرضت عن ذكر كل ذلك، واكتفيت بما هو ثابت، أو بعضه «٦» .
أسماء النبي ﷺ
إن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمّى، ومبلغ تحلّيه بالفضائل والاداب والخصائص والميزات، ولرسول الله صلوات الله وسلامه عليه أسماء كثيرة
стр. 170
أشهرها خمسة. ففي الصحيحين عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ :
«لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب» .
وأشهر هذه الأسماء هما: محمد، وأحمد، وقد وردا في الكتاب الكريم قال تعالى:
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (٢٩) «١» .
وقال:
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ (١٤٤) «٢» .
وقال عز شأنه:
وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ (٦) «٣» .
ثم إن هذه الخمسة مما خصّ به نبينا ﵊، وأما غيرها فقد يشاركه فيها غيره من الأنبياء، ومما وقع من أسمائه ﷺ في القران بالاتفاق:
الشاهد، والمبشّر، والنذير، والمبين، والداعي إلى الله، والسراج المنير، قال تعالى:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً (٤٦) «٤» .
وفيه أيضا: المذكر، والرحمة، والنعمة، والهادي، والشهيد، والأمين، والمزمّل، والمدثّر، والرؤوف، والرحيم.
стр. 171
ومما وقع في الحديث الصحيح: «سميتك المتوكل، ليس بفظّ، ولا غليظ؛ ولا جاف، ولا سخّاب بالأسواق، ولا يقابل السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح» «١» .
ومن أسمائه: المختار، والمصطفى، والشفيع المشفّع «٢» ، والصادق المصدوق «٣» ، وكان بعض صحابة رسول الله ﷺ إذا حدّث عنه قال: «حدثني الصادق المصدوق ﷺ » إلى غير ذلك من الأسماء الشريفة التي تدل على صفات جليلة وخصوصيات منيفة.
وقد قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية في تصنيف له في «الأسماء النبوية» :
«قال بعضهم: أسماء النبي ﷺ تسعة وتسعون اسما عدد أسماء الله الحسنى، ثم قال: ولو بحث عنها باحث لبلغت ثلاثمائة اسم» ، وقد ذكر في كتابه المذكور أماكنها من القران والأخبار، وضبط ألفاظها وشرح معانيها، واستطرد- كما هي عادته- إلى فوائد كثيرة.
والحق- كما قال الحافظ الكبير ابن حجر- أن غالب الأسماء التي ذكروها هي أوصاف للنبي ﷺ ، ولم يرد الكثير منها على سبيل التسمية، وذلك مثل عدهم: اللبنة، للحديث الصحيح المشهور في التعبير عنه باللبنة «٤» ، وعدهم الهادي، والمذكّر، والمختار ونحوها.
أما (محمد) فاسم مفعول من التحميد للمبالغة يقال: حمّده إذا نسبه إلى
стр. 172
كثرة المحامد، والفضائل، أو هو الذي حمد مرة بعد أخرى كالممدّح قال الأعشى:
إليك- أبيت اللعن- كان وجيفها ... إلى الماجد القرم الجواد المحمّد
ورسولنا محمد ﷺ قد اجتمع فيه المعنيان، فقد تكاملت فيه الخصال المحمودة، والأخلاق الفاضلة العظيمة، ولا تنفك ألوف الألوف بل مئات ألوف الألوف، تلهج بحمده، والثناء عليه من لدن مبعثه إلى يوم يقوم الناس لرب العالمين، وفي المحشر حينما يشفع للناس، ويريحهم من هول الموقف يحمده الأولون والاخرون. وقد نوّه الله سبحانه في الكتاب الكريم بهذه الفضيلة والخصيصة الظاهرة، فقال عز شأنه:
وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩) » .
فمن ذا الذي يحصي ألوف ألوف الألوف الذين سيحمدونه في هذا المقام؟! وهذا الاسم الكريم هو أشهر الأسماء الخمسة، وأذكرها بين الناس.
ولم يكن هذا الاسم مشهورا في الجاهلية، وإنما تسمّى به بعض العرب قرب ميلاده لما سمعوا من الأحبار والرهبان من أهل الكتاب أن نبيا سيبعث اخر الزمان يسمى (محمدا) ، فسموا أبناءهم بهذا رجاء ذلك، قال القاضي عياض:
وهم ستة لا سابع لهم «٢» ، وقال السهيلي في «الروض الأنف» : لا يعرف من
стр. 173
تسمّى قبل النبي بهذا الاسم إلا ثلاثة «١» ، والذي حققه الحافظ ابن حجر أنه تسمّى بهذا الاسم خمسة عشر شخصا «٢» ، فلما ولد النبي ﷺ ألهم الله جده بهذا الاسم تحقيقا لما سبق به علم الله.
وأما (أحمد) فهو أفعل تفضيل أي أكثر الناس حمدا، فهو علم منقول من صفة، وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم يفتح بها على أحد قبله، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام حمّادون، وهو أحمدهم أي أكثرهم حمدا، أو أعظمهم في صفة الحمد، وهو صاحب لواء الحمد يوم القيامة، وهو ﷺ بلغ الغاية في الاتصاف بالمحامد والفضائل، والغاية في حمد الله والثناء عليه بما هو أهله، وشكره على نعمائه. وقد ورد هذا الاسم في القران مرة واحدة على لسان عيسى- ﵇ في التبشير به ﷺ .
وقد زعم بعض المبشرين وأعداء الإسلام أن المبشّر به أحمد، ونبيكم محمد، وكأني برسول الله يرد عليهم حينما ألهمه الله سبحانه أن يقول هذا الحديث، إذ هو يقتلع الشبهة من أساسها فهو: محمد، وأحمد.
وأما الماحي فقد ورد تفسيره في الحديث عن النبي، وقد قيل إن المراد أنه الذي محا الله به الشرك والعقائد الوثنية من الجزيرة العربية. والذي أراه أن يترك الحديث على عمومه، فقد كان الكفر عند مبعثه يكاد يكون عاما في الدنيا ولم يسلم من ذلك إلا القليلون كالحنيفيين، وأهل الأديان الذين لم يحرّفوا،
стр. 174
ولم يبدّلوا، ويكون المراد أن الله محا به معظم أنواع الكفر، وأصبح معظم الناس مؤمنين موحّدين، فإنه ﷺ لم يفارق الدنيا حتى صارت الجزيرة كلها مؤمنة موحّدة وحمل أصحابه الرسالة من بعده، فلم يمض قرن من الزمان أو أقل حتى صار معظم الدنيا المعروفة انئذ من المحيط إلى المحيط «١» يذكر على ماذنها توحيد الله في اليوم خمس مرات.
وأما الحاشر فقد فسّر أيضا في الحديث. ومعنى على قدمي: أي على أثري، وهو يوافق قوله في الرواية الاخرى: «وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي» أي أنه أول من يحشر يوم القيامة، وفي الحديث الاخر: «أنا أول من تنشق عنه الأرض» .
وأما العاقب فقد ورد تفسيره في الرواية الاخرى: «وأنا العاقب ما بعده نبي» فهو خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
النسب الزكي الشريف
وإليك نسب النبي الشريف المنيف، على ما ذكره الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه «٢» قال:
محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب «٣» ، بن هاشم «٤» ، بن عبد مناف «٥» ، بن قصي «٦» ، بن كلاب «٧» ، بن مرّة، بن كعب «٨» ،
стр. 175
ابن لؤي، بن غالب، بن فهر «١» ، بن مالك، بن النضر «٢» ، ابن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس «٣» ، بن مضر «٤» ،
стр. 176
ابن نزار «١» ، بن معدّ «٢» ، بن عدنان «٣» .
وهذا النسب الزكي متفق عليه بين علماء الأنساب إلى عدنان، قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: أجمع العلماء على أن رسول الله ﷺ إنما انتسب إلى عدنان ولم يجاوزه.
وأما من بعد عدنان فهم مختلف فيهم، وإن كان النسابون اتفقوا على أن عدنان ينتهي نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم- ﵉ فهو جد النبي الأعلى، وقد انتقلت إليه منه بعض الصفات الجسمانية، ففي الحديث الصحيح لما ذكر إبراهيم قال: «وإنه لأشبه الناس بصاحبكم» .
ولم يزل ﷺ يتنقل من أصلاب الاباء الطيبين، إلى أرحام الأمهات الطاهرات، لم يمسّ نسبه من سفاح الجاهلية شيء، بل كان بنكاح صحيح على حسب ما تواضع عليه العرب الشرفاء، حتى خرج من بين أبويه الكريمين.
وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» . ورواه الترمذي في سننه بزيادة في أوله: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ... » والمراد بالاصطفاء تخيّر الفروع الزكية من الأصول الكريمة تخيّرا مبناه الأخلاق الكريمة، والفضائل الإنسانية السامية، والطباع الفطرية السليمة، وينضم إلى ذلك بالنسبة إلى إسماعيل والنبي اصطفاء النبوة والرسالة.
стр. 177
وروى البخاري في صحيحه بسنده عن النبي ﷺ قال: «بعثت من خير قرون بني ادم قرنا فقرنا، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه» . وروى البيهقي أن النبي ﷺ خطب فقال: «أنا محمد بن عبد الله ... » إلى اخر النسب الشريف ثم قال: «وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما، فأخرجت من بين أبوي، فلم يصبني شيء من عهر «١» الجاهلية، وخرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح، من لدن ادم حتى انتهيت إلى أبي، وأمي، فأنا خيركم نفسا، وخيركم أبا» وروى الإمام أحمد في مسنده بسنده عن المطّلب بن أبي وداعة قال: قال العباس: بلغه ﷺ بعض ما يقول الناس، فصعد المنبر فقال: «من أنا» ؟ قالوا:
أنت رسول الله، قال: «أنا محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل، فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا، وخيركم نفسا» إلى غير ذلك من الأحاديث «٢» .
وراثة الصفات والفضائل
وإذا كان الله جرت سنته ألايبعث نبيا إلا في وسط من قومه شرفا، ونسبا، ومحتدا، فقد كان في الذروة من هذه نبينا محمد ﷺ ، فما من ابائه إلا كان مليا «٣» بالفضائل، والمكارم، وقد علمت بعضا منها انفا، وما من أم من أمهاته إلا وهي أفضل نساء قومها نسبا وموضعا، ولم تزل هذه الفضائل والكمالات البشرية تنحدر من الأصول إلى الفروع حتى تجمعت كلها في سلالة ولد ادم، ومصاصة بني إبراهيم وإسماعيل، سيدنا محمد بن عبد الله الأمين.
وليس من شك في أن النسب الكريم إذا زانه الحسب العريق، كان ذلك من أسباب الكمال. ووراثة الصفات الخلقية والخلقية، والخصائص النفسية، والعقلية أمر مقرر معلوم، وقد دلّ على هذه الوراثة قوله ﷺ للرجل الذي جاء
стр. 178
يشتكي إلى النبي أن ابنه جاء أسود، ولم يكن أحد من أبويه أسود فقال له:
«هل لك من إبل» ؟ قال: نعم قال: «ما ألوانها» ؟ قال: حمر، قال: «هل فيها من أورق» «١» ؟ قال: نعم قال: «فأنّى ذلك» ؟ قال: لعله نزعه عرق «٢» قال:
«فلعل ابنك هذا نزعه عرق» «٣» !
وقد شرح العلماء المحدثون قوانين الوراثة، وبيّنوها غاية البيان، وقد قالوا: إن هناك وراثة نوعية عامة، وهي وراثة الصفات الجسمية والنفسية الثابتة الخاصة بالنوع الإنساني، فكل طفل يولد مزودا بهذه الصفات عن طريق الوراثة النوعية.
ووراثة خاصة: وهي التي تنقل إلى الفرع صفات من أصوله الخاصة القريبة أو البعيدة، وهي لذلك تنتظم طائفتين:
١- إحداهما: الوراثة الخاصة المباشرة، وتظهر فيما يرثه الطفل عن أصليه المباشرين: أبيه وأمه.
٢- والثانية: الوراثة الخاصة غير المباشرة، وتظهر فيما يشبه فيه الطفل أحد أجداده، أو إحدى جداته من جهة الأب، أو الأم من الدرجة الأولى، أو من الدرجات التي تليها من صفات لم تظهر في أحد أبويه. ومن هذا النوع ما يسمونه «الوراثة الفرعية» أو «الوراثة بالواسطة» أو «الوراثة المشتركة» وهي التي تظهر فيما يشبه فيه الطفل أحد أعمامه، أو أخواله، أو إحدى عماته، أو خالاته من صفات لم تكن ظاهرة في أحد أبويه المباشرين، وذلك أن الطفل إذا أشبه عمه مثلا في صفة ما، يرجع إلى أنه هو وعمه أخذا هذه الصفة عن جده القريب أو البعيد، أو من جدته القريبة، أو البعيدة من جهة الأب، والوراثة الخاصة غير المباشرة ترجع في التحليل الأخير إلى الوراثة الخاصة المباشرة.
стр. 179
ثم إن كانت الوراثة في الصفات لأحد الأبوين «سميت وراثة بالتحيّز» وإن كانت لأحدهما في بعض الصفات وللاخر في بعضها سميت «وراثة بالاقتران» باعتبار نوع الصفات.
وتنقسم الوراثة باعتبار نوع الصفات الموروثة عن الأصول الخاصة، أو عن القبيلة إلى ثلاثة أقسام:
(أ) وراثة جسمية كوراثة الطول والقصر وسمات الوجه وغيرها.
(ب) وراثة عقلية كوراثة مظهر من مظاهر الإدراك أو الوجدان أو النزوع.
(ج) وراثة خلقية كوراثة الصفات الاجتماعية المتعلقة بالخير والشر، والفضيلة والرذيلة، كالحلم والورع والتقوى «١» .
وقد أفاد النبي ﷺ من الوراثتين: العامة، والخاصة بنوعيها، فكان فيه خير ما في صفات البشر والنوع الإنساني، وخير ما كان في ابائه وأمهاته من الفضائل والصفات. وقد انضم إلى ذلك كله أن الله تعهده من الصغر بالتربية المثلى، والتأديب البالغ، فلا تعجب إذا كان ﷺ المثل الكامل في جسمه، وفي عقله، وفي دينه، وفي خلقه، وفي نسبه، وحسبه «والناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» «٢» .
الاباء
ها أنت قد رأيت أن اباءه كلهم سادة، ورثوا المجد والشرف كابرا عن كابر، وأنهم ليس فيهم أحد يغمص في خلق، أو يغمز في نسب أو شرف. فكان منهم الوسيم القسيم، ومنهم البطل الصنديد، ومنهم الجواد الكريم، ومنهم الحكيم الذي تتفجر الحكمة من قلبه وتجري على لسانه، وكان منهم التاجر الذي
стр. 180
يكسب المعدوم، ومنهم البر الرحيم الوصول للرحم، ومنهم المتدين، والمتحنّث «١» ، والمتحنّف «٢» .
وبحسب البيت الهاشمي شرفا وكرما أنهم كانوا سادة العرب جميعا، لا ينازعهم في السيادة منازع، وأنه انتهت إليهم السقاية، والرفادة، مع أنهم لم يكونوا جميعا من أهل الغنى والثراء. إنها- وايم الحق- لماثر وفضائل لا نجدها في أعرق الدول حضارة، ولم تصل إليها أغنى أمم الأرض اليوم.
الأمهات
أما الأم المباشرة فهي السيدة الكريمة امنة بنت وهب، بن عبد مناف، بن زهرة، بن كلاب، فهي تجتمع مع عبد الله في جدهما الأعلى: كلاب، وقد كان زهرة الولد البكر لكلاب بن مرة، والشقيق الأكبر لقصي الذي جمع قريشا بعد تشتت، وصاحب الماثر والمفاخر التي ذكرناها فيما سبق، وقد عرف بنو زهرة بالود الخالص لبني عبد مناف بن قصي، والانحياز إلى جانبهم في السلم والحرب، والأحلاف والعهود، وأما جدها عبد مناف فكان يقرن في الشرف بابن عمه:
عبد مناف بن قصي، فيقال: المنافان، تعظيما وتكريما، وأما أبوها وهب فكان سيد بني زهرة.
وجدتها لأبيها عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال السلمية، إحدى النساء اللواتي اعتزّ بهن الرسول فقال: «أنا ابن العواتك من سليم» «٣» .