← Сира

Сира · id 9896

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

محمد أبو شهبة

Полный текст (1 326 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ابن نزار «١» ، بن معدّ «٢» ، بن عدنان «٣» . وهذا النسب الزكي متفق عليه بين علماء الأنساب إلى عدنان، قال الحافظ أبو الخطاب بن دحية: أجمع العلماء على أن رسول الله ﷺ إنما انتسب إلى عدنان ولم يجاوزه. وأما من بعد عدنان فهم مختلف فيهم، وإن كان النسابون اتفقوا على أن عدنان ينتهي نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم- ﵉ فهو جد النبي الأعلى، وقد انتقلت إليه منه بعض الصفات الجسمانية، ففي الحديث الصحيح لما ذكر إبراهيم قال: «وإنه لأشبه الناس بصاحبكم» . ولم يزل ﷺ يتنقل من أصلاب الاباء الطيبين، إلى أرحام الأمهات الطاهرات، لم يمسّ نسبه من سفاح الجاهلية شيء، بل كان بنكاح صحيح على حسب ما تواضع عليه العرب الشرفاء، حتى خرج من بين أبويه الكريمين. وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» . ورواه الترمذي في سننه بزيادة في أوله: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ... » والمراد بالاصطفاء تخيّر الفروع الزكية من الأصول الكريمة تخيّرا مبناه الأخلاق الكريمة، والفضائل الإنسانية السامية، والطباع الفطرية السليمة، وينضم إلى ذلك بالنسبة إلى إسماعيل والنبي اصطفاء النبوة والرسالة.

стр. 177

وروى البخاري في صحيحه بسنده عن النبي ﷺ قال: «بعثت من خير قرون بني ادم قرنا فقرنا، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه» . وروى البيهقي أن النبي ﷺ خطب فقال: «أنا محمد بن عبد الله ... » إلى اخر النسب الشريف ثم قال: «وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما، فأخرجت من بين أبوي، فلم يصبني شيء من عهر «١» الجاهلية، وخرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح، من لدن ادم حتى انتهيت إلى أبي، وأمي، فأنا خيركم نفسا، وخيركم أبا» وروى الإمام أحمد في مسنده بسنده عن المطّلب بن أبي وداعة قال: قال العباس: بلغه ﷺ بعض ما يقول الناس، فصعد المنبر فقال: «من أنا» ؟ قالوا: أنت رسول الله، قال: «أنا محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب، إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل، فجعلني في خير قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا، فأنا خيركم بيتا، وخيركم نفسا» إلى غير ذلك من الأحاديث «٢» . وراثة الصفات والفضائل وإذا كان الله جرت سنته ألايبعث نبيا إلا في وسط من قومه شرفا، ونسبا، ومحتدا، فقد كان في الذروة من هذه نبينا محمد ﷺ ، فما من ابائه إلا كان مليا «٣» بالفضائل، والمكارم، وقد علمت بعضا منها انفا، وما من أم من أمهاته إلا وهي أفضل نساء قومها نسبا وموضعا، ولم تزل هذه الفضائل والكمالات البشرية تنحدر من الأصول إلى الفروع حتى تجمعت كلها في سلالة ولد ادم، ومصاصة بني إبراهيم وإسماعيل، سيدنا محمد بن عبد الله الأمين. وليس من شك في أن النسب الكريم إذا زانه الحسب العريق، كان ذلك من أسباب الكمال. ووراثة الصفات الخلقية والخلقية، والخصائص النفسية، والعقلية أمر مقرر معلوم، وقد دلّ على هذه الوراثة قوله ﷺ للرجل الذي جاء

стр. 178

يشتكي إلى النبي أن ابنه جاء أسود، ولم يكن أحد من أبويه أسود فقال له: «هل لك من إبل» ؟ قال: نعم قال: «ما ألوانها» ؟ قال: حمر، قال: «هل فيها من أورق» «١» ؟ قال: نعم قال: «فأنّى ذلك» ؟ قال: لعله نزعه عرق «٢» قال: «فلعل ابنك هذا نزعه عرق» «٣» ! وقد شرح العلماء المحدثون قوانين الوراثة، وبيّنوها غاية البيان، وقد قالوا: إن هناك وراثة نوعية عامة، وهي وراثة الصفات الجسمية والنفسية الثابتة الخاصة بالنوع الإنساني، فكل طفل يولد مزودا بهذه الصفات عن طريق الوراثة النوعية. ووراثة خاصة: وهي التي تنقل إلى الفرع صفات من أصوله الخاصة القريبة أو البعيدة، وهي لذلك تنتظم طائفتين: ١- إحداهما: الوراثة الخاصة المباشرة، وتظهر فيما يرثه الطفل عن أصليه المباشرين: أبيه وأمه. ٢- والثانية: الوراثة الخاصة غير المباشرة، وتظهر فيما يشبه فيه الطفل أحد أجداده، أو إحدى جداته من جهة الأب، أو الأم من الدرجة الأولى، أو من الدرجات التي تليها من صفات لم تظهر في أحد أبويه. ومن هذا النوع ما يسمونه «الوراثة الفرعية» أو «الوراثة بالواسطة» أو «الوراثة المشتركة» وهي التي تظهر فيما يشبه فيه الطفل أحد أعمامه، أو أخواله، أو إحدى عماته، أو خالاته من صفات لم تكن ظاهرة في أحد أبويه المباشرين، وذلك أن الطفل إذا أشبه عمه مثلا في صفة ما، يرجع إلى أنه هو وعمه أخذا هذه الصفة عن جده القريب أو البعيد، أو من جدته القريبة، أو البعيدة من جهة الأب، والوراثة الخاصة غير المباشرة ترجع في التحليل الأخير إلى الوراثة الخاصة المباشرة.

стр. 179

ثم إن كانت الوراثة في الصفات لأحد الأبوين «سميت وراثة بالتحيّز» وإن كانت لأحدهما في بعض الصفات وللاخر في بعضها سميت «وراثة بالاقتران» باعتبار نوع الصفات. وتنقسم الوراثة باعتبار نوع الصفات الموروثة عن الأصول الخاصة، أو عن القبيلة إلى ثلاثة أقسام: (أ) وراثة جسمية كوراثة الطول والقصر وسمات الوجه وغيرها. (ب) وراثة عقلية كوراثة مظهر من مظاهر الإدراك أو الوجدان أو النزوع. (ج) وراثة خلقية كوراثة الصفات الاجتماعية المتعلقة بالخير والشر، والفضيلة والرذيلة، كالحلم والورع والتقوى «١» . وقد أفاد النبي ﷺ من الوراثتين: العامة، والخاصة بنوعيها، فكان فيه خير ما في صفات البشر والنوع الإنساني، وخير ما كان في ابائه وأمهاته من الفضائل والصفات. وقد انضم إلى ذلك كله أن الله تعهده من الصغر بالتربية المثلى، والتأديب البالغ، فلا تعجب إذا كان ﷺ المثل الكامل في جسمه، وفي عقله، وفي دينه، وفي خلقه، وفي نسبه، وحسبه «والناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» «٢» . الاباء ها أنت قد رأيت أن اباءه كلهم سادة، ورثوا المجد والشرف كابرا عن كابر، وأنهم ليس فيهم أحد يغمص في خلق، أو يغمز في نسب أو شرف. فكان منهم الوسيم القسيم، ومنهم البطل الصنديد، ومنهم الجواد الكريم، ومنهم الحكيم الذي تتفجر الحكمة من قلبه وتجري على لسانه، وكان منهم التاجر الذي

стр. 180

يكسب المعدوم، ومنهم البر الرحيم الوصول للرحم، ومنهم المتدين، والمتحنّث «١» ، والمتحنّف «٢» . وبحسب البيت الهاشمي شرفا وكرما أنهم كانوا سادة العرب جميعا، لا ينازعهم في السيادة منازع، وأنه انتهت إليهم السقاية، والرفادة، مع أنهم لم يكونوا جميعا من أهل الغنى والثراء. إنها- وايم الحق- لماثر وفضائل لا نجدها في أعرق الدول حضارة، ولم تصل إليها أغنى أمم الأرض اليوم. الأمهات أما الأم المباشرة فهي السيدة الكريمة امنة بنت وهب، بن عبد مناف، بن زهرة، بن كلاب، فهي تجتمع مع عبد الله في جدهما الأعلى: كلاب، وقد كان زهرة الولد البكر لكلاب بن مرة، والشقيق الأكبر لقصي الذي جمع قريشا بعد تشتت، وصاحب الماثر والمفاخر التي ذكرناها فيما سبق، وقد عرف بنو زهرة بالود الخالص لبني عبد مناف بن قصي، والانحياز إلى جانبهم في السلم والحرب، والأحلاف والعهود، وأما جدها عبد مناف فكان يقرن في الشرف بابن عمه: عبد مناف بن قصي، فيقال: المنافان، تعظيما وتكريما، وأما أبوها وهب فكان سيد بني زهرة. وجدتها لأبيها عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال السلمية، إحدى النساء اللواتي اعتزّ بهن الرسول فقال: «أنا ابن العواتك من سليم» «٣» .

стр. 181

ولم يكن نسب امنة من جهة أمها دون ذلك عراقة وأصالة، فهي ابنة برّة بنت عبد العزى، بن عثمان، بن عبد الدار، بن قصي. وجدتها لأمها أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى، بن قصي بن كلاب، وهي سلالة عريقة أصيلة أنبتت امنة بنت وهب لتضطلع بعبئها الجليل في أمومتها التاريخية، ولتنتظم بهذه الأمومة في سلك الأمهات المنجبات للرجال الذين صنعوا أمما، وغيروا وجه التاريخ «١» . أمهات ابائه أما أمّ أبيه فهي فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومية، وبنو مخزوم في الذؤابة من قريش نسبا، وشرفا، ومحتدا، وأما أم جده عبد المطلب فهي سلمى بنت عمرو النجارية، وكانت سلمى لشرفها في قومها، واعتزازها بنفسها لا تنكح الرجال حتى يشترطوا لها أن أمرها بيدها، إذا كرهت رجلا فارقته، وإن رضيته عاشرته، ولما خطبها هاشم من أبيها وزوجها منه اشترط عليه مقامها عنده، وقيل بل اشترط عليه ألاتلد إلا عنده بالمدينة، فلما رجع من الشام بنى بها، وأخذها معه إلى مكة، فلما خرج في تجارة له إلى الشام أخذها معه وهي حبلى، فتركها بالمدينة، ودخل الشام فمات بغزة، فلما وضعت سلمى ولدها شيبة بقي عند أخواله سبع سنين، حتى جاء عمه المطلب فأخذه على ما ذكرناه سابقا. وأما أم جده هاشم فهي عاتكة بنت مرّة بن هلال السلمية من بني سليم بن منصور، إحدى قبائل قيس عيلان بن مضر، إحدى العواتك اللاتي اعتزّ بهن الرسول. وأما أم جده عبد مناف فهي حبّى بنت حليل الخزاعية من بني خزاعة بن

стр. 182

عمرو إحدى قبائل قمعة بن إلياس بن مضر، وهم الذين كانوا يتولّون البيت وإمارة مكة قبل قريش حتى انتزعها منهم قصي بن كلاب بن مرة مجمّع قريش، وصاحب مفاخرها، وهذا قول ابن إسحاق؛ وقال غيره: بل أم عبد مناف عاتكة بنت هلال بن فالج بن ذكوان «١» ، وأم قصي فاطمة بنت سعد، وهي يمانية من أزد شنوءة. وأم كلاب هند بنت سرير من بني فهر بن مالك. وأم مرة وحشية بنت شيبان من بني فهر أيضا. وأم كعب ماوية بنت كعب من قضاعة. وأم لؤي سلمى بنت عمرو الخزاعية. وأم غالب ليلى بنت سعد من هذيل. وأم فهر جندلة بنت الحرث من جرهم. وأم مالك عاتكة بنت سعد بن الظرب من قيس عيلان. وأم النضر برة بنت مرار بن أد. وأم كنانة عوانة بنت سعد من قيس عيلان. وأم خزيمة سلمى بنت أسلم من قضاعة. وأم مدركة خندف المضروب بها المثل في الشرف والمنعة. وأم إلياس الرباب بنت جندة بن معد. وأم مضر سودة بنت عك. وأم نزار معانة بنت جوشم من جرهم «٢» . ومن ثمّ نرى أنه لم يزل- ﷺ يتنقل من الأصلاب الأصيلة إلى الأرحام الطاهرة، حتى خرج من بين أبويه الكريمين الشريفين.

стр. 183

الفصل الثاني الرّضاع إرضاع أمه له وكانت أولى من أرضعته ﷺ هي أمه، قيل: أرضعته ثلاثة أيام، وقيل سبعا، وقيل تسعا. إرضاع ثويبة «١» ثم أرضعته ثويبة جارية عمه أبي لهب بلبن ابنها مسروح بضعة أيام قبل قدوم حليمة عليه، وكذلك أرضعت عمه حمزة، وابن عمته أبا سلمة المخزومي، فكانوا أخوة من الرضاع. ولما قيل للنبي عقب عمرة القضاء: ألا تتزوج ابنة حمزة هي فاطمة- قال: «إنها ابنة أخي من الرضاع» ولما قالت له السيدة أم حبيبة إنا نحدّث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، وفي رواية: درة بنت أبي سلمة قال: «بنت أبي سلمة» ؟! قالت: نعم، قال: «إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلّت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة «٢» ؛ أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضنّ علي بناتكن، ولا أخواتكن» . رواه البخاري. استرضاعه في بني سعد وكان من عادة أشراف العرب أن يتلمّسوا المراضع لأولادهم في البوادي ليكون ذلك أنجب للولد، وأصح للبدن، وأصفى للذهن، وأبعد عن الوخم،

стр. 184

والكسل. وكانوا يقولون: إن المربّى في المدن يكون كليل الذهن، فاتر العزيمة، ضعيف البنية. هذا إلى ما في نشأتهم بين الأعراب من استقامة اللسان بالفصيح من الكلام، والسلامة من اللحن، والبراءة من الهجنة. ولما قال الصديق أبو بكر رضي الله تعالى عنه- للنبي ﷺ : «ما رأيت من هو أفصح منك يا رسول الله؟» فقال: «وما يمنعني، وأنا من قريش، وأرضعت في بني سعد» . فمن ثمّ كانوا يرسلون أبناءهم إلى البادية حتى يبلغوا الثامنة أو العاشرة، ومن القبائل من كان لها في المراضع شهرة، وفي الفصاحة مكان، ومنها قبيلة بني سعد التي منها حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية مرضعة النبي، وقد مكث عندها سنتين، ثم عادت به كي تراه أمه، فما إن رأته، وملأت عينيها منه حتى احتضنته وقبلته، وسرها ما رأته عليه من علامات الصحة، والنضارة، والنمو، وتوسلت حليمة إلى أمه أن ترجعه معها حتى يكبر؛ فإنها تخشى عليه وباء مكة، وما زالت بها حتى قبلت، ثم عادت به بعد سنتين «١» ، وهي بادية القلق، شديدة التخوف عليه، حتى أحسّت ذلك منها السيدة امنة، فسألتها عن سبب ذلك، فأنكرت أن يكون هناك شيء، ثم لم تلبث أن أخبرتها بقصة الملكين اللذين جاا إليه وهو في غنم لهم مع أخيه السعدي، فشقّا صدره، فطمأنتها أمّه أنه لا سبيل للشيطان عليه، وأنه سيكون له شأن، وقالت لها: دعيه عنك، وانطلقي راشدة. وسأدع السيدة حليمة تقص القصة لما فيها من العبرة والروعة، ورعاية الله لنبيه من الصغر، قالت: قدمت مكة في نسوة من بني سعد نلتمس الرضعاء «٢» في سنة شهباء «٣» ،

стр. 185

على أتان لي، ومعي صبي لنا «١» ، وشارف لنا «٢» ، والله ما تبضّ «٣» بقطرة، وما ننام ليلنا ذلك مع صبينا ذاك، لا يجد في ثديي ما يغذيه «٤» ، ولا في شارفنا ما يغذيه، فقدمنا مكة، فو الله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله ﷺ فتأباه إذا قيل إنه يتيم!! وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أب الصبي، فكنا نقول: يتيم ما عسى أن تصنع أمه؟ فكلنا نكرهه لذلك. فو الله ما بقيت من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعا غيري، فلما لم أجد غيره قلت لزوجي «٥» : والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع، لأنطلقنّ إلى ذلك اليتيم فلاخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي عسى أن يجعل الله لنا فيه بركة، قالت: فذهبت إليه فإذا به مدرج في ثوب من صوف أبيض من اللبن، يفوح منه المسك، وتحته حرير أخضر، راقد على قفاه يغط، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله، فدنوت منه رويدا «٦» ، فوضعت يدي على صدره فتبسم ضاحكا، وفتح عينيه لينظر إلي، فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء، وأنا أنظر!! فقبلته بين عينيه، وأعطيته ثديي الأيمن، فأقبل عليه بما شاء من لبن «٧» ، فحوّلته إلى الأيسر، فأبى، فكانت تلك حالته بعد «٨» .

стр. 186

فروي، وروي أخوه، ثم أخذته بما هو إلى أن جئت به رحلي، فأقبل عليه ثدياي بما شاء الله من لبن، فشرب حتى روي، وشرب أخوه حتى روي، فقام صاحبي «١» إلى شارفنا تلك، فإذا بها لحافل «٢» ، فحلب لنا، فشرب، وشربت حتى روينا، وبتنا بخير ليلة. فقال صاحبي: تعلّمي «٣» يا حليمة، والله إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة، قلت: والله إني لأرجو ذلك، قالت: ثم خرجنا فركبت أنا أتاني «٤» ، وحملته عليها معي، فو الله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك ارفقي علينا «٥» ، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟! فأقول لهن: بلى- والله- إنها لهي هي!! فيقلن: والله إن لها لشأنا!! قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح عليّ حين قدمنا به معنا شباعا لبّنا «٦» فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم «٧» : ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعا لبّنا، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه، وفصلته، وكان يشب شبابا لا يشبّه الغلمان فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا «٨» . قالت: فقدمنا به على أمه، ونحن أحرص شيء على مكثه هاهنا، لما كنا

стр. 187

نرى من بركته، فكلّمنا أمه، وقلت لها: لو تركت بنيّ عندي حتى يغلظ «١» ، فإني أخشى عليه وباء مكة «٢» قالت: فلم نزل بها حتى ردته معنا «٣» . مداعبة حليمة وابنتها للنبي وكانت حليمة- ﵂ تداعب النبي، وترقّصه، وتناغيه كما تفعل الأمهات مع الأبناء، فمن ذلك قولها: يا ربّ إذ أعطيته فأبقه ... وأعله إلى العلا ورقّه وادحض أباطيل العدا بحقّه وكانت الشيماء «٤» ، أخته من الرضاعة، تقول: هذا أخ لي لم تلده أمي ... وليس من نسل أبي وعمي فديته من مخول معمّي «٥» ... فأنمه «٦» اللهمّ فيما تنمي وكانت تقول أيضا: يا رب أبق أخي محمدا ... حتى أراه يافعا وأمردا ثم أراه سيدا مسوّدا ... واكبت أعاديه معا والحسدا وأعطه عزا يدوم أبدا

стр. 188

جميل بأجمل منه وقد كان ﷺ أعرف الناس بالجميل وأشدهم مكافأة عليه، وقد قدم عليه بعد أن أظهر الله الإسلام أبواه من الرضاع فأكرمهما، وبسط لهما رداءه، ووصلهما، وكانت الشيماء وقعت في سبايا هوازن، فلما عرفها قال لها: «إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك، وترجعي إلى قومك فعلت» ؟ فقالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي. فوصلها، وأكرمها، وردّها إلى قومها، ويقال: إنه أعطاها غلاما وجارية، فزوجتهما، وتناسلا. قصة شق الصدر قال ابن إسحاق «١» : قالت حليمة: فو الله إنه لبعد مقدمنا بشهرين أو ثلاثة «٢» مع أخيه من الرضاعة لفي بهم «٣» لنا خلف بيوتنا، جاء أخوه يشتدّ «٤» فقال: ذاك أخي القرشي قد جاءه رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه وشقّا بطنه!! فخرجت أنا وأبوه- يعني من الرضاعة- نشتد نحوه، فوجدناه قائما منتقعا لونه، فاعتنقته، واعتنقه أبوه، وقال: أي بني ما شأنك؟! قال: «جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاني، وشقّا بطني، ثم استخرجا منه شيئا لا أدري ما هو؟ فطرحاه، ثم ردّاه كما كان» !! قالت حليمة: فرجعناه معنا، فقال أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابني قد أصيب، فانطلقي بنا نرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف عليه، قالت: فاحتملناه فقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك به يا ظئر «٥» وقد كنت

стр. 189

حريصة عليه وعلى مكثه عندك؟! قالت: فقلت: قد بلغ الله بابني، وقضيت الذي علي، وتخوّفت الأحداث عليه، فأدّيته إليك كما تحبين، قالت: ما هذا شأنك فاصدقيني خبرك، قالت: فلم تدعني حتى أخبرتها، قالت: أفتخوفت عليه الشيطان؟! قالت: قلت: نعم، قالت: كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لبنيّ لشأنا، أفلا أخبرك خبره؟ قلت: بلى، قالت: رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصرى «١» من أرض الشام، ثم حملت به فو الله ما رأيت من حمل قط كان أخف علي، ولا أيسر منه «٢» ، ووقع حين ولدته، وإنه لواضع يديه بالأرض، رافع رأسه إلى السماء، دعيه عنك، وانطلقي راشدة «٣» . رواية أخرى لابن إسحاق قال ابن إسحاق: وحدثني ثور بن يزيد عن بعض أهل العلم، ولا أحسبه إلا عن خالد بن معدان الكلاعي، أن نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا له: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، قال: «نعم أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت لها قصور الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا إذ أتاني رجلان «٤» عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوءة ثلجا، ثم أخذاني فشقّا بطني، واستخرجا قلبي فشقّاه، فاستخرجا منه علقة سوداء، فطرحاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته فوزنني بهم فوزنتهم «٥» ، ثم قال: زنه بمائة من أمته، فوزنني بهم، فوزنتهم. ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنني بهم،

стр. 190

فوزنتهم، ثم قال: دعه عنك فو الله لو وزنته بأمته لوزنها» «١» . قال ابن كثير: وهذا إسناد جيد قوي. رواية الإمام مسلم في صحيحه وقد ثبت في صحيح مسلم من طريق حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك «أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل- ﵇ وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه، فشقّ عن قلبه فاستخرج القلب، واستخرج منه علقة سوداء، فقال: هذا حظ الشيطان، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه- يعني ظئره- فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره» «٢» . رواية أبي يعلى وأبي نعيم وابن عساكر فقد رووا بأسانيدهم عن شدّاد بن أوس، عن رجل من بني عامر «٣» أن رسول الله ﷺ قال: «كنت مسترضعا «٤» في بني سعد بن بكر، فبينما أنا ذات يوم في بطن واد مع أتراب لي من الصبيان إذ أنا برهط ثلاثة معهم طست من ذهب، مليء ثلجا، فأخذوني من بين أصحابي، وانطلق الصبيان هرابا مسرعين إلى الحي، فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعا لطيفا، ثم شقّ ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، وأنا أنظر إليه لم أجد لذلك مسّا، ثم غسلها بذلك الثلج ... » على نحو ما ذكر ابن إسحاق غير أنه في هذه الرواية كانوا ثلاثة، وفي الأولى كانوا اثنين، فلعل من ولي عملية الشق هما الاثنان، فاقتصر عليهما في بعض الروايات دون بعض.

стр. 191

تكرار شق الصدر وقد تكرر شق الصدر الشريف غير هذه المرة، فقد حصل مرة ثانية عند المبعث «١» . ومرة ثالثة عند الإسراء والمعراج، وهذه المرة ثابتة بالأحاديث الصحيحة من رواية الشيخين: البخاري ومسلم، وغيرهما «٢» . أما المرة الأولى: فقد كانت لنزع العلقة السوداء التي هي حظ الشيطان من كل بشر، فخلقت فيه ﷺ تكملة للخلق الإنساني، ثم إخراجها بعد خلقها كرامة ربانية، فهو أدل على مزيد الرفعة والكرامة من خلقه بدونها وبنزعها منه نشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، والاتصاف بصفات الرجولية من الصغر فلا لهو ولا عبث وإنما هو الكمال والجد. وأما الثانية: فليتلقّى ما يوحى إليه من أمور الرسالة بقلب قوي وهو على أكمل الأحوال وأتم الاستعداد. وأما الثالثة: فكانت استعدادا لما يلقى إليه في هذه الليلة من أنواع الفيوضات الإلهية، وما سيريه ربّه فيها من الايات البينات، وإدراك مرامي المثل الرائعة التي ضربت له في مسراه وفي معراجه «٣» ، وكلها تحتاج إلى شرح الصدر، وثبات القلب. المنكرون لشق الصدر، والمشككون فيه وينكر «سيرموير» حادثة شق الصدر على معناها الظاهر، ويرى أن ما حدث إنما هي نوبة عصبية، ويجعلها «درمنغم» أسطورة، ويحملها على أنها أمر معنوي، يشير إلى مغزى فلسفي، فيقول: «إنها نشأت من قول الله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وأن هذه العملية أمر باطني قام على تطهير ذلك القلب ليتلقى رسالة الله عن حسن نية، ويبلغها بإخلاص تام، وإن أسطورة شق

стр. 192

الصدر ذات مغزى فلسفي لما تشير إليه تلك الدرنة السوداء من الخطيئة الأولى التي لم يعف منها غير مريم وعيسى!! ولما يدل عليه من معنى الورع الصوفي» «١» . وقد تأثر بهذا الرأي بعض الكاتبين في السيرة من المسلمين ومنهم الدكتور محمد حسين هيكل- ﵀، فقال: «لا يطمئن المستشرقون، ولا يطمئن جماعة من المسلمين كذلك إلى قصة الملكين هذه، ويرونها ضعيفة السند ... » «٢» إلى اخر ما قال. وقد طعن في القصة بأنها ضعيفة السند، وأنها مرسلة، وأن القصة رواها طفل صغير في سن السنتين، وكان النبي في مثل هذه السن أيضا، وهي سن لا يحصل فيها التمييز حتى يكون تحمّل الراوي للقصة صحيحا، كما ذكر مزاعم بعض المستشرقين. وللرد على ما أثاره المستشرقون وغيرهم حول حادث شق الصدر أقول وبالله التوفيق: ١- أما أن المستشرق «سيرموير» لم يرض أن يشير إلى قصة الملكين فثبوت القصة أو نفيها لا يتبع رضاه ولا عدم رضاه، وإنما المعوّل عليه في هذا ثبوت الرواية أو عدم ثبوتها، ولا أدري كيف استراح الدكتور هيكل إلى زعم موير وتجويزه أن يكون النبي في طفولته أصابته نوبة عصبية، وقد تنبهت لها حليمة وزوجها، وأن هذه النوبة لم تؤثر في النبي لحسن تكوينه!! وهو دس خبيث، وطعن مردود، وليس في القصة ما يدل عليه، ولماذا رجّح ظنّ حليمة وزوجها وتخوّفهما أن يكون أصاب النبيّ شيء، ولم يرجّح قطع أمه السيدة امنة في أنه ليس للشيطان عليه سبيل؟! والأم أعلم الناس بالابن، واخر من يقتنع بزوال أثر المرض عن الابن، و «موير» لأجل أن ينكر الشق وقع فيما هو أشد نكرا، وهو أن النبي أصابته نوبة عصبية، حتى خيّل إليه

стр. 193

ما ليس بحاصل حاصلا، وهي شنشنة تعرف من أخزم؟ ٢- أما أن «درمنغم» يرى أن القصة لا تستند إلى شيء غير ما يفهم من الاية، وأن ما يشير إليه القران إنما هو عمل روحي بحت «١» ، فنحن لم نقل: إن الاية هي الدليل، وإن كان البعض يقول: إنها تشير إلى ذلك، ولكن الدليل هو ما ثبت من الروايات التي سقناها. ٣- أما أن ما يدعو المستشرقين والمفكرين من المسلمين إلى إنكار هذا الحادث: أن حياة النبي كانت كلها إنسانية سامية، فنحن نرى ألاتنافي قط بين سمو الحياة الإنسانية، وثبوت الخوارق والمعجزات الحسية للأنبياء، وهل عيسى لما ولد بغير أب، وأجرى الله على يديه خوارق العادات لم تكن حياته إنسانية؟! وهل موسى ﵇ لما أعطي الايات التسع لم تكن حياته إنسانية؟! الحق أنها لوثة حمل لواءها المستشرقون، وسرت عدواها إلى بعض الكتاب المسلمين المعاصرين. ٤- ثم إن حادثة شق الصدر ليست مخالفة للعقل، لقد ظلم الدكتور هيكل العقل حين قال ذلك، وفرق كبير بين مخالفة العادة، ومخالفة العقل، ولو جاز هذا التشكيك في القصة في العصور الأولى فلن يجوز ذلك اليوم، وقد تقدم العلم والطب، وأصبحت تجرى فيه العمليات الخطيرة في القلب، وفي الكلى، وفي الرئتين، بل أنا أكتب هذا وتجري محاولات عدة لزرع بعض أجزاء إنسان في جسم إنسان اخر، فإذا جاز أن يقع هذا من البشر، أفنستبعد على قدرة الله، وملائكته المؤتمرين بأمره أن يشقّوا صدر النبي، ثم يلتئم بلا الة، ولا ألم، ولا سيلان دم؟! ثم ما للمعجزات ولسنن الكون العادية، حتى نتعلل في إنكارها بأننا لن

стр. 194

نجد لسنة الله تبديلا، وما المعجزات إلا أمور خارقة للمألوف من سنن الله في الكون!! ٥- أما قول البعض: إن هذه القصة ضعيفة السند فنقد مجمل، وكنا نحب من الناقد أو المنكر، وقد عرض لإنكار أمر يقره جمهرة المسلمين وفيهم أئمة كبار لهم بصر بالنقد والتعديل والتجريح للرواة، أن ينقد سند القصة نقدا تفصيليا، أما وقد أتى به نقدا مجملا فهو معارض بتوثيق أئمة كبار لسند هذه القصة، وقد سمعت انفا أن القصة رواها الإمام مسلم في صحيحه وإن كانت مجملة، وأن بعض أسانيد القصة إن لم تكن صحيحة فهي حسنة وجيدة وتصلح للاحتجاج بها، بل قصة الشق ليلة الإسراء والمعراج مروية في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث، بل قال بعض العلماء المحققين: إنها متواترة. قال الحافظ ابن حجر بعد أن عرض لذكر الروايات الدالة على شق الصدر وتكرره: «وجميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له، دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك» . وقال القرطبي في «المفهم» : «لا يلتفت لإنكار الشق ليلة الإسراء والمعراج، لأن رواته ثقات مشاهير» وطبعي أن من صدق به ليلة الإسراء والمعراج يلزمه التصديق به في الصغر، وعند البعثة ما دام الأمران ثابتين بالروايات التي يحتج بها. أما ما قيل: من أن ابن إسحاق رواها مرسلة عن رجل لم يسمّ من الصحابة فلا ينهض للطعن، إذ المعروف في قواعد «أصول الحديث» أن الصحابة عدول، فلا تضر جهالة الصحابي. ٦- أما قولهم: إن القصة رواها طفل صغير في سن ليست سن تمييز ... فهذا بنوه على ما ذكره ابن إسحاق، وقد قدّمت أن الصحيح الذي رجّحه أئمة النقد والرواية أن الشق كان في السنة الرابعة، أو أوائل الخامسة، وهي سن تمييز، ولا سيما من مثل النبي وأخيه السّعدي. وأنا أذكر أحداثا وقعت لي وأنا في الرابعة أو دونها، ولا أنساها أبدا، وكأنها ماثلة أمامي الان،

стр. 195

وهي دون قصة الشق. والكثيرون من الناس يذكرون مثل ذلك. والمحققون من المحدثين على عدم تحديد سن التحمل بخمس سنين، بل قالوا: المعوّل عليه التمييز، وقد يكون ابن أربع سنين وهو مميّز أكثر من ابن خمس أو ست، وقد يكون ابن خمس مثلا وتمييزه دون تمييز ابن أربع «١» ، ومما ذكرناه يتبين الرد على من نقد متن القصة بأنها مخالفة لما روي أنه أقام في بني سعد إلى خمس سنوات. وأن النقد أصبح غير مقبول بعد أن بينت الرأي الصحيح الراجح. خاتم النبوة قد وردت روايات عدة تفيد أنه ﷺ كان في جسده قطعة لحم ناتئة عليها شعر عند كتفه الأيسر كزرّ الحجلة «٢» ، كما في صحيح البخاري، ومسلم، أو كبيضة الحمامة كما في صحيح مسلم، وهي ما كان يعرف بخاتم النبوة. والروايات تدل على أن هذا الخاتم كان من علامات نبوته في الكتاب السابقة، كما تدل على ذلك قصة بحيرى الراهب. فقد تحايل حتى راه، ثم قال لعمه أبي طالب ما قال. والصحيح أن هذا الخاتم تكوّن بعد الولادة، وأنه على الأصح كان بعد قصة شق الصدر، وأما القول بأنه ولد به أو ختم به عقب الولادة فضعيف «٣» . روى الشيخان في صحيحيهما بسندهما عن السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجع، فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، ثم توضأ فشربت من وضوئه، وقمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه مثل زرّ الحجلة. وروى مسلم بسنده عن جابر بن سمرة قال: «رأيت خاتما في ظهر رسول الله ﷺ كأنه بيضة حمام» «٤» .

стр. 196

الفصل الثالث النّبيّ ﵇ في كفالة أمّه، ثم جدّه، ثم عمّه ها هو ذا النبي ﷺ قد عادت به حليمة بعد حادثة شق الصدر في مبتدأ سنته الخامسة، وقد شبّ عن الطوق، وقوي جسمه، وغلظ عوده، وبلغ من النضرة وميعة الصبا ما لم يبلغه صبي في مثل عمره، وقد عاش في كنف الأم الحنون، وأضحى هو كل شيء في حياتها، إذ ليس هناك ما يشغلها أو يلهيها عنه، ودرج في كفالة جده الشيخ الذي كان يحنو عليه أكثر من حنوه على أبنائه، وقد وجد فيه عوضا عن أحب أبنائه إليه. الذهاب إلى المدينة فلما بلغ النبي السادسة من عمره ارتأت أمّه أن تذهب به إلى أخوال جده عبد المطلب بالمدينة من بني النجار، ليرى مكانة هؤلاء الأخوال الكرام، وقد كان لهذه الخؤولة اعتبارها لمّا هاجر فيما بعد إلى المدينة، وليقضيا حق الحبيب المغيّب رمسه في تراب المدينة، وأغلب الظن أن تكون الأم حدّثت ابنها بقصة أبيه، ومفارقته الدنيا وهو في شرخ شبابه، وأن الابن تاقت نفسه إلى البلد الذي ضم رفات الأب. وخرجت الأم والابن ومعهما أم أيمن بركة الحبشية جارية أبيه، ووصل الركب إلى المدينة. وكان المقام في دار النابغة من بني النجار، ومكثوا عندهم شهرا، وزاروا الحبيب الثاوي في قبره، وحرّكت الزيارة لواعج الشوق والأحزان في نفس الأم والابن، وانطبع معنى اليتم في نفس النبي بعد أن كان لاهيا عنه. وبعد أن قضوا حاجات النفس عاد الركب إلى مكة، وفي الطريق بين

стр. 197

المدينة ومكة مرضت الأم، وحمّ القضاء، ودفنت بقرية (الأبواء) «١» ، وجلس الابن يذرف الدمع سخينا على فراق أمه، التي كان يجد في كنفها الحب، والحنان، والسلوى، والعزاء عن فقد الأب، وهكذا شاء الله- سبحانه- للنبي ﷺ ، ولما يجاوز السادسة، أن يذوق مرارة فقد الأبوين. وكان النبي ﷺ يذكر أمورا في زورته تلك، فقد نظر إلى دار بني النجار بعد الهجرة قائلا: «هنا نزلت بي أمي، وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله، وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار» «٢» . وكان النبي ﷺ كلما مرّ بقبر أمه زاره، ويبكي، ويبكي من حوله، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: «زار النبي ﷺ قبر أمه، فبكى وأبكى من حوله، ثم قال: «استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور تذكركم الموت» «٣» . وروى الإمام أحمد بسنده عن بريدة قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا (بودّان) «٤» قال: «مكانكم حتى اتيكم» فانطلق، ثم جاءنا وهو ثقيل، فقال: «إني أتيت قبر أم محمد، فسألت ربي الشفاعة- يعني لها- فمنعنيها، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها» . وروى البيهقي بسنده عن بريدة قال: انتهى النبي ﷺ إلى رسم قبر فجلس، وجلس الناس حوله، فجعل يحرك رأسه كالمخاطب، ثم بكى فاستقبله عمر، فقال: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: «هذا قبر امنة بنت وهب، استأذنت ربي في أن أزور قبرها، فأذن لي، واستأذنته الاستغفار لها فأبى علي، وأدركتني رقتها فبكيت» . قال: فما رئيت ساعة أكثر باكيا من تلك الساعة «٥» .

стр. 198

في كفالة جده عبد المطلب وبعد موت أم النبي ﷺ كفله جده عبد المطلب، وضمّه إليه، ورقّ عليه رقّة لم يرقّها على ولده، وكان يقربه منه ويدنيه، ويدخل عليه إذا خلا، وإذا نام، ولا يأكل طعاما إلا يقول: «عليّ بابني» فيؤتى به إليه، وبذلك عوّضه الله بحنان جده عن حنان الأبوين، وكانت حاضنته بعد وفاة أمه هي أم أيمن «١» ، وكان النبي لما كبر يعرف لها ذلك ويقول: «هي أمي بعد أمي» وكان عبد المطلب كثيرا ما يقول لها: يا بركة لا تغافلي عن ابني، فإني وجدته مع غلمان قريب من السدرة، وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني هذا نبيّ هذه الأمة. وكان الجد يسر لما يرى من مخايل الشرف والعزة على حفيده محمد، فقد كان لعبد المطلب فراش يوضع في ظل الكعبة، وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، فكان النبي ﷺ يأتي وهو غلام يافع فيجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب، والغبطة تملأ نفسه: «دعوا ابني، فو الله إن له لشأنا!!» ثم يجلسه معه على فراشه، ويمسح ظهره بيمينه، ويضمّه إليه. فلما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى ابنه أبا طالب «٢» بكفالة النبي وحياطته، ثم مات عبد المطلب، ودفن بالحجون، وكانت سن النبي ثماني سنين. كفالة عمه أبي طالب له ثم كفله عمه أبو طالب، ولم يكن أبو طالب بأكبر بني عبد المطلب، ولا بأكثرهم مالا، ولكنه كان أشرف قريش وأعظمها مكانة، وأكرمها نفسا، وقد أحب أبو طالب ابن أخيه محمدا حبا شديدا، لا يحبه أحدا من ولده، فكان

стр. 199

لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرج فيخرج معه، وصبّ به صبابة «١» لم يصبّ مثلها بشيء قط. وكان يخصه بالطعام، وكان إذا أكل عيال أبي طالب جميعا أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله ﷺ شبعوا، فكان إذا أراد أن يؤكلهم قال: كما أنتم حتى يأتي ولدي، فيأتي النبي فيأكل معهم، فكانوا يفضلون من طعامهم، فيعجب أبو طالب ويقول: إنك لمبارك. وكان الصبيان يصبحون رمصا شعثا «٢» ، ويصبح محمد دهينا كحيلا. وقد زاده حبا في نفسه ما كان يتحلّى به النبي في صباه من طيب الشمائل، وكريم الاداب في هيئة الأكل، والشرب، والجلوس، والكلام، مما يعز وجوده في هذه السن بين الصبيان، ويدل على أن الله سبحانه فطره من صغره على خير الخلال والاداب.

стр. 200

رعيه الغنم وقد اشتغل النبي ﷺ في صباه برعي الغنم: رعاها لأهله، ورعاها لبعض أهل مكة، وبذلك ضرب مثلا عاليا من صغره في اكتساب الرزق بالكد والتعب، وكان النبي ﷺ يذكر ذلك في كبره وهو مغتبط مسرور، روى الإمام أحمد بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: «افتخر أهل الإبل والغنم عند النبي ﷺ ، فقال النبي: «الفخر والخيلاء في أهل الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم» ، وقال: «بعث موسى وهو يرعى غنما لأهله، وبعثت أنا وأنا أرعى غنما لأهلي بجياد» «١» ، وقال: «ما بعث الله نبيا إلا وقد رعى الغنم» فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط «٢» لأهل مكة» «٣» . والحكمة في رعي الأنبياء الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم بالتمرن والتعود على رعايتها القدرة على رعاية أممهم، والقيام بشؤونهم، إذ في رعيها ما يحصل لهم الحلم، والشفقة والرحمة، ويعودهم من الصغر الصبر، وطول البال، والأناة والتريث، وزجر الباغي، وجبر كسر الضعيف، ويربّي فيهم ملكة الحرص على المصلحة، ودفع المضرة، وحسن التعاهد، والرفق بمن تحت أيديهم، والسهر على مصلحتهم، وفي الحديث النبوي السابق الذي رواه أحمد ما يشير إلى هذه المعاني.

стр. 201

هذا إلى ما في رعي الغنم من قضاء نهاره وبعض ليله في البادية، فيتمتاع بالسماء الصافية، والشمس المشرقة، والهواء النقي، ويطيل التأمل والنظر في السماء ذات الأبراج، والأرض ذات الفجاج، والجبال ذات الألوان، وبذلك يصير التأمل والتدبر ملكة من ملكات النفس.

стр. 202

صحبته لعمه إلى الشام ولما بلغت سنه ﷺ الثانية عشرة خرج عمه أبو طالب في تجارة له إلى الشام، فتعلقت نفس ابن أخيه به، ورغب في مصاحبته، فرقّ له عمه، واستصحبه معه حتى وصل الركب إلى (بصرى) من بلاد الشام، وكان بها راهب يقال له (بحيرى) «١» عنده علم بالكتب السماوية السابقة، وقد علم منها أنه قد ان مبعث نبي اخر الزمان وأنه من العرب. وقد جذب انتباهه إلى القافلة أنه رأى غمامة تظلل شخصا منهم، فصنع لهم طعاما على غير عادته ودعاهم إليه، وهنا تختلف الروايات: ففي بعضها أنهم حضروا بما فيهم النبي، وفي بعضها أنهم حضروا جميعا وتركوا النبي عند رحالهم تحت شجرة قريبة منهم، فلما حضروا تفرّس فيهم فلم يجد صاحب الصفة التي يعرفها، فرغب في حضوره فأحضروه، فلما حضر صار يتفرّس فيه ويتعرف على بعض صفاته، ثم تحايل حتى رأى خاتم النبوة بين كتفيه على صفته التي عندهم في الكتاب، فأقبل على أبي طالب فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، قال بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي أن يكون أبوه حيا!! قال أبو طالب: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به، قال: صدقت فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فو الله لئن رأوه، وعرفوا ما عرفت ليبغنّه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم.

стр. 203

وما إن فرغ أبو طالب من بيع تجارته حتى عاد به مسرعا إلى مكة، وقد اشتد حرصه عليه وحبه له، ولم تذكر لنا الروايات أكثر مما سمعت ولم يسمع منه النبي شيئا من علوم أهل الكتاب، ولا قرأ عليه بحيرى شيئا من كتبهم، ولو حدث شيء من هذا لحدّث به أفراد الركب ولا سيما بعد بعثته لما سبّ الهتهم، وسفّه أحلامهم، وعاب دينهم. حرب الفجار «١» ولما بلغ النبي ﷺ أربع عشرة سنة شهد حرب الفجار، وكانت بين قريش وغيرها من قبائل كنانة وأحلافها، وبين قيس وأحلافها، وسببها أن النعمان بن المنذر ملك العرب بالحيرة بعث بقافلة له إلى سوق عكاظ، وكان في حاجة إلى من يجيرها له، فجلس يوما وعنده البرّاض بن قيس الكناني، وعروة بن عتبة الرّحّال، فقال: من يجير لي تجارتي حتى تبلغ عكاظ، فقال البرّاض بن قيس: أنا أجيرها على بني كنانة، وكان البرّاض فاتكا خليعا خلعه قومه لكثرة شره، فقال النعمان: أنا أريد من يجيرها على الناس كلهم. فقال عروة: أبيت اللعن، أكلب خليع يجيرها لك؟ يريد البراض، أنا أجيرها على أهل الشيح والقيصوم «٢» من أهل نجد وتهامة، فقال البرّاض: أتجيرها على كنانة يا عروة؟ قال: نعم، وعلى الناس كلهم!! فأحفظ ذلك البرّاض، فتربّص بعروة حتى إذا خرج بالتجارة قتله غدرا وأخذ القافلة، وكانت قريش بعكاظ، فأتاهم ات فأخبرهم بما كان من البرّاض، فارتحلوا وهوازن لا تشعر بهم، فلما بلغ هوازن قتل عروة اتّبعت قريشا فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم، فاقتتلوا حتى لاذت قريش بالحرم، فتواعدوا العام المقبل بعكاظ، وقد دامت هذه الحرب أربع سنوات حتى ألهم الله سبحانه أحد عقلاء الفريقين فدعا إلى الصلح، فاستجابوا له بعد أن أنهكتهم الحرب على

стр. 204

أن يدفع من كان أقل قتلى دية من زاد من القتلى، فدفعت قريش لهوازن دية عشرين رجلا. وقد حضر النبي هذه الحرب مع أعمامه، قيل: كان يرمي معهم، وقيل كان ينبل لهم «١» ، ولمّا ذكر هذا اليوم بعد النبوة قال النبي ﷺ : «قد حضرته مع عمومتي، ورميت فيه بأسهم، وما أحب أني لم أكن فعلت» «٢» . حلف الفضول وكان حلف الفضول بعد حرب الفجار بأربعة أشهر، وكان أكرم حلف وأفضله في العرب في الجاهلية، وسببه أن رجلا من قبيلة (زبيد) باليمن قدم مكة ببضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل السهمي وأبى أن يعطيه حقه، فاستعدى عليه الزّبيدي الأحلاف: عبد الدار، ومخزوما، وجمحا، وسهما، وعديّ بن كعب، فأبوا أن يعينوه على العاص بن وائل وانتهروه، فلما رأى الزبيدي الشر صعد على جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس، وقريش في أنديتهم حول الكعبة، فاستصرخهم لرد ظلامته قائلا: يا ال فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر إنّ الحرام لمن تمت كرامته ... ولا حرام لثوب الفاجر الغدر فقام الزبير بن عبد المطلب فقال: ما لهذا مترك. فاجتمعت بنو هاشم، وزهرة، وبنو تيم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان، فصنع لهم طعاما، وتحالفوا في شهر حرام، وهو ذو القعدة، فتعاقدوا وتحالفوا بالله ليكوننّ يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يرد إليه حقه ما بلّ بحر صوفة، وما بقي جبلا ثبير وحراء مكانهما «٣» . فسمّت قريش هذا الحلف «حلف الفضول» وقالوا: لقد دخل هؤلاء في

стр. 205

فضل من الأمر، ثم مشوا إلى العاص بن وائل، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي، فدفعوها إليه. وقيل: إنما سمي حلف الفضول لأنه أشبه حلفا تحالفته جرهم على هذا: من نصر المظلوم وردع الظالم، وكان دعي إليه ثلاثة من أشرافهم اسم كل واحد منهم (فضل) وهم: الفضل بن فضالة، والفضل بن وداعة، والفضل بن الحارث فيما قال ابن قتيبة، وقال غيره: الفضل بن شراعة والفضل بن بضاعة، والفضل بن قضاعة، وفي هذا الحلف قال الزبير بن عبد المطلب: إن الفضول تعاقدوا، وتحالفوا ... ألّا يقيم ببطن مكة ظالم أمر عليه تعاقدوا وتواثقوا ... فالجار والمعتر «١» فيهم سالم وقد حضر النبي ﷺ هذا الحلف الذي رفعوا به منار الحق، وهدموا صرح الظلم، وهو يعتبر من مفاخر العرب وعرفانهم لحقوق الإنسان، وقد روي أن النبي ﷺ قال: «لقد شهدت بدار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحبّ أن لي به حمر النّعم، ولو دعيت لمثله في الإسلام لأجبت» . تجارة النبي لخديجة في مالها كانت خديجة- ﵂ سيدة تاجرة ذات شرف، ومال، وتجارة تبعث بها إلى الشام. وكانت تستأجر الرجال، وتدفع إليهم المال مضاربة «٢» . وكانت قريش قوما تجّارا، ومن لم يكن تاجرا فليس عندهم بشيء. وكان النبي قد ناهز العشرين من عمره المبارك، وأصبح شابا جلدا قويا، أعز الطالع، ميمون النقيبة، يزين شبابه الغض ما يتمتاع به من حلو الشمائل، وكرم الأخلاق: من أمانة، وصدق حديث، وعفة، وعزوف عما ينغمس فيه أمثاله من الشباب من لهو ومجون، فكان ذلك مما وجّه نفس السيدة خديجة إلى أن يعمل لها في تجارتها، فأرسلت إليه، فلما جاء إليها قالت له: دعاني إلى طلبك

стр. 206

ما بلغني من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك، فذكر ذلك لعمه أبي طالب، فقال له: إن هذا لرزق ساقه الله إليك. وفي رواية أخرى أن أبا طالب هو الذي عرض على النبي أن يعمل لها في تجارتها، وأنها- ولا شك- ستفضله على غيره، وأن أبا طالب هو الذي سعى إليها، وقال لها: هل لك يا خديجة أن تستأجري محمدا؟ فقد بلغنا أنك استأجرت فلانا ببكرين، ولن نرضى لمحمد إلا بأربعة أبكار، فقالت هذه الكلمة التي تنم عن تقدير صادق، وحس مرهف، وشعور يفيض بالحب والحنان: لو طلبت هذا لبغيض بعيد لأجبتك، فكيف، وقد طلبته لحبيب قريب!! فرجع الشيخ أبو طالب مغتبطا، وحدّث ابن أخيه بما سمع، ولا تسل عما كان لهذه الكلمات الصادقة من أثر في نفس النبي الشاب. الخروج بالتجارة ثم خرج النبي بتجارة خديجة إلى الشام وكانت سنّه تخطو إلى الخامسة والعشرين، وكان خروجه لأربع عشرة ليلة من ذي الحجة ومعه غلام خديجة (ميسرة) ، حتى وصل سوق (بصرى) في رواية، وسوق حباشة «١» في رواية أخرى بتهامة، فنزل تحت ظل شجرة في سوق بصرى قريبا من صومعة راهب يسمى (نسطورا) «٢» فقال: يا ميسرة من هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال: رجل من قريش من أهل الحرم، فقال الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة- وفي رواية بعد عيسى- إلا نبيّ!!. ولا تسل عما غمر نفس ميسرة من حب، وتقدير، وإكبار لسيده محمد، لقد رأى تظليل الغمام له في مسيره هذا، ولمس عن كثب الكثير من أخلاقه،

стр. 207

وبره، وعطفه، وحسن معاملته، وأمانته، وسمع من نسطورا ما سمع، فلا عجب إذا كان حدّث سيدته بعد عودته بما رأى وما سمع، وما وجده منه من حسن الخلق. وباع النبي التجارة وابتاع، وعاد بربح وفير، وعاد معه غلام خديجة، ووصل الركب في الظهيرة إلى مكة، وخديجة في علّيّة لها «١» ، فرأت النبي تكسوه المهابة والجلال، فلما دخل عليها أخبرها بخبر التجارة وما ربحت، فسرت لذلك سرورا عظيما، وخرج النبي، وترك ميسرة يقص على سيدته من شأن سيده محمد ما شاءت له نفسه أن يقص. افتراءات المستشرقين ودسهم قد سمعت انفا ما قاله الراهب (نسطورا) في شأن النبي، وما قاله من قبل (بحيرى) لعمه أبي طالب، ولم تذكر الروايات الموثوق بها شيئا غير هذا، ولكن قد جرى بعض كتّاب السيرة من المستشرقين أو إن شئت فقل المبشّرين ومتابعيهم من الكتاب المسلمين أن يحمّلوا الروايات ما لا تتحمل، وأن يدسوا السم في الدسم، وأن يطلقوا لخيالهم الجامح العنان، كأنما يؤلفون رواية مسرحية، لا أعظم سيرة لنبي، توفر لها من دواعي الصدق، والثبوت، وتحرّي الحقيقة ما لم تحظ به سيرة في الدنيا!!. فزعموا أن النبي قابل في هاتين الرحلتين: رحلته مع عمه، ورحلته لخديجة بعض الرهبان وأخذ عنهم، وأنهم جادلوه، وجادلهم في أمر عيسى وأمر غيره، وغرضهم بهذا أن يلقوا في أوهام بعض القارئين أن النبي استفاد من هؤلاء، وانطبعت في ذهنه معارفهم، ثم فاض ذلك على لسانه فيما جاء به من قران، كي يصلوا إلى أن القران من عند النبي، وأن ما زعمه وحيا هو أمر نابع من نفسه، على ما يرون من فكرة الوحي النفسي «٢» . وإذا جاز هذا التجني والدس من المبشرين والمستشرقين استجابة

стр. 208

لعصبيتهم، وما رضعوه في ألبان أمهاتهم من صليبيتهم، فما كان ينبغي ولا يجوز أن يقلدهم في هذا بعض الكتاب المعاصرين من المسلمين!!. وإليك ما ذكره الدكتور هيكل في كتابه: «خرج محمد مع ميسرة غلام خديجة بعد أن أوصاه أعمامه به، وانطلقت القافلة في طريق الصحراء إلى الشام مارة بوادي القرى، ومدين، وديار ثمود، وبتلك البقاع التي مر بها مع أبي طالب، وهو في الثانية عشرة من عمره، فأحيت هذه الرحلة في نفسه ذكريات الرحلة الأولى، كما زادته تأملا وتفكيرا في كل ما رأى وسمع من قبل سفره بالشام، أو بالأسواق المحيطة بمكة، فلما بلغ (بصرى) اتصل بنصرانية الشام، وتحدّث إلى رهبانها وأحبارها، وتحدّث إليه راهب نسطورا وسمع منه، ولعله أو لعل غيره من الرهبان قد جادل محمدا في دين عيسى، هذا الدين الذي انقسم يومئذ شيعا وأحزابا كما بسطنا من قبل» «١» . وهذا الكلام الذي ذكره هيكل الباحث المسلم، وهذه الفروض والتخمينات قد اتبع فيها (در منغم) حذو النعل بالنعل «٢» ، ولا أدري كيف غاب عنه أن مدين ليست في طريق الشام؟؟ ثم من هم نصارى الشام الذين تحدث إلى رهبانهم وأحبارهم؟ كنا نحب منه أن يؤيد ما يقول ويذكر لنا غير من جاءت بهم الرواية من (بحيرى) و (نسطورا) ، وما القيامة العلمية لكلمة «لعل» و «الفروض» في مثل هذا البحث الذي يتصل بحياة أعظم إنسان عرفته الدنيا؟! ثم من قال: إن النبي كان عنده علم بمذاهب أهل الكتاب وعقائدهم قبل النبوة؟. ولو أن النبي أخذ عنهم، واستفاد منهم كما زعموا لردّوا عليه حينما عرض في صراحة لبطلان عقائدهم، وفساد مذاهبهم، ولقالوا له نحن الذين علمناك، فكيف تجحد فضلنا، وتطعن في ديننا؟. ولا ندري أنصدق (درمنغم) ومتابعيه أم نصدق الحق ﵎ حيث قال:

стр. 209

وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً «١» مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣) «٢» ؟!. ثم أي نصارى الذين أخذ عنهم النبي؟ النصارى المحرّفون؟! أم النصارى المخرّفون؟! وإليك صورة للنصرانية في هذا العهد بشهادة النصارى أنفسهم، يقول مولانا محمد علي: «ولكن كيف كانت حالة النصرانية في ذلك العهد؟ فلنرجع إلى شهادات الكتّاب النصارى أنفسهم في هذا الموضوع، فقد رسم أحد الأساقفة صورة لتلك الأيام فقال: إن المملكة الإلهية كانت في اضطراب كلي، بل إن حالة جهنمية حقيقية كانت قد أقيمت على سطح الأرض نتيجة للفساد الداخلي، وقد عالج السير (وليم موير) هذا الموضوع فانتهى إلى النتيجة نفسها قال: «وفوق هذا فقد كانت نصرانية القرن السابع نفسها متداعية فاسدة، كانت معطلة بعدد من الهرطقات المتنازعة، وكانت قد استبدلت بإيمان العصور الأولى السمح صغارات الخرافة وصبياناتها» . تلك صورة للنصرانية تمثل وضعها العام انذاك، كانت واحدة الذات الإلهية قد احتجبت منذ عهد بعيد، وكانت عقيدة التثليث قد أدت إلى نشوء تعقيدات متعددة، وتنافست الفرق والهرطقات المختلفة في قدح زناد الفكر لتفسير هذه العقيدة، وأدى ذلك إلى إنشاء جمهرة من المؤلفات أبعدت الإنسان عن هدف الدين الحقيقي» «٣» . يتبين لك أيها القارىء المنصف أن ما ذكروه لا بد وأن يكون ظنونا وتخمينات، وليس من البحث العلمي الصحيح في شيء.

стр. 210

الفصل الرّابع زواج النّبيّ ﷺ بخديجة حدثناك انفا عن سفر النبي بتجارة السيدة خديجة، وصحبته غلامها ميسرة، وطبعي أن ميسرة حدثها بكل ما رأى وما سمع، وكانت خديجة ابنة عم ورقة بن نوفل، وكان عنده علم بالكتب السابقة، فحدثته بما حدثها به غلامها، فقال لها: «إن كان هذا حقا يا خديجة فإن محمدا نبيّ هذه الأمة» !!. ورجعت بها الذاكرة إلى حادثة تركت في نفسها أثرا، فقد روى ابن إسحاق أنها كانت بين لداتها القرشيات يوم عيد، فجاءهن يهودي، فقال: يا معشر نساء قريش، إنه يوشك فيكن نبيّ قرب وجوده، فأيتكن استطاعت أن تكون فراشا له فلتفعل، فحصبه النساء، وأغلظن له، وعضّت خديجة على قوله، ووقع في نفسها ذلك، وكان لهذا وذلك أثره البالغ في نفس خديجة. وهفا القلب العفيف الطاهر إلى الشاب الأمين المأمون، ولكن ماذا تفعل؟ أتعرض نفسها عليه؟ أم ترسل له من تتحسس الأمر وتتعرف رغبته؟. هنا تختلف الرواية، فمن قائل «١» : أنها أرسلت إليه، وقالت له: يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك «٢» في قومك، وأمانتك، وحسن

стр. 211

خلقك، ومن قائل «١» : إنها أرسلت إليه نفيسة بنت منية «٢» ولعل هذا هو الأقرب، وسأدع نفيسة تقص علينا القصة قالت: كانت خديجة امرأة حازمة جلدة شريفة، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ أوسط قريش نسبا، وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، وكلّ قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك. قد طلبوها، وبذلوا لها الأموال، فأرسلتني دسيسا إلى محمد بعد أن رجع في عيرها من الشام، فقلت: يا محمد ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: «ما بيدي ما أتزوج به» ، قالت: فإن كفيت ذلك، ودعيت إلى المال، والجمال، والشرف، والكفاءة، ألا تجيب؟ قال: «فمن هي» ؟ قالت: قلت: خديجة، قال: «وكيف لي بذلك؟» ، قالت: قلت: علي، قال: «فأنا أفعل» ، فأعلمت خديجة أهلها، فوجدت منهم قبولا وترحيبا، وحدّدت للنبي وأهله موعدا يحضرون فيه، وذكر النبي ذلك لأعمامه، فخرج معه عمّاه: أبو طالب، وحمزة حتى جاؤوا بيت خديجة، فوجدوا عندها عمها عمرو بن أسد حاضرا، فخطبها منه أبو طالب لابن أخيه محمد، فوافق ورحّب وقال: هذا الفحل لا يقدع أنفه «٣» ، وخطب أبو طالب خطبة الإملاك «٤» ، وهي تنم عن فضائل النبي وخصائصه، وشرفه، وشرف ابائه، وهي قطعة من بليغ الكلام، وفصيح القول. وهذا الذي ذكرناه من أن الذي ولي تزويجها هو عمها هو الذي عليه أكثر علماء السير، وهو الصحيح كما قال السهيلي، فإن أباها كان قد مات قبل ذلك.

стр. 212

قال الواقدي: الثّبت عندنا المحفوظ عن أهل العلم أن أباها مات قبل حرب الفجار، وأن عمها عمرو بن أسد هو الذي زوجها لمزيد حفظ الثبت وهو الزّهري، خصوصا وقد رواه عن صحابي من السابقين «١» ، وكذلك ذكر الطبري- وهو من ثقات المؤرخين- أن عمها عمرا هو الذي أنكحها رسول الله ﷺ ، وأن خويلدا مات قبل الفجار «٢» ، ويرى ابن إسحاق أن أباها هو الذي زوجها وهو رأي ضعيف. بطلان بعض المرويات ومن ثمّ يتبين لنا تهافت ما روي أن أباها امتنع من تزويجها، وأنهم سقوه الخمر حتى ثمل فرضي، وأنهم ألبسوه المزعفر، فلما صحا من سكره أخبروه فأنكر عليهم ذلك، فما زالت به خديجة حتى رضي، وهي رواية باطلة مدسوسة لمخالفتها للنقل الصحيح على ما ذكرنا. ثم هي مخالفة للواقع، وللظروف، والبيئة، فبنو هاشم في الذروة من قريش نسبا وشرفا، وقد صدع بها أبو طالب في مجمع حافل بالسادات فما نازعه فيها منازع، ثم إن مثل النبي في شبابه الغض، ورجولته النادرة، وخلقه الكامل ممّن تطّاول إلى مصاهرته أعناق الأشراف، وهذا أبو سفيان بن حرب وهو من هو في عداوته للنبي وبني هاشم، لما بلغه أن النبي تزوج السيدة أم حبيبة ابنته، ولم يكن أسلم بعد قال: «هذا الفحل لا يقدع أنفه» . دسّ المستشرقين ومن العجيب حقا أن رجلا مثل (درمنغم) لم يذكر في كتابه غير هذه الرواية المتهافتة، وقدّم لذلك بكلام يشعر أن النبي في منزلة دون منزلة خديجة، وأن عشيرته دون عشيرة بني مخزوم (كذا) ، وجعل النبي أجيرا لخديجة فلا يليق أن يكون زوجا، إلى اخر ما تخيل من تخيلات، وافترض من ترّهات «٣» ، مع أنه

стр. 213

أنحى باللائمة في مقدمة كتابه على المتعصبين والمتغالين في نقد النبي، حتى كانت كتبهم عامل هدم، على الخصوص وأنه سلك مسلكا وسطا بين المتقدمين، ومغالاة بعض المستشرقين المغالين في النقد، وأنه سيعول في كتابه على المصادر القديمة والنقد الحديث «١» ، وقد وقع فيما اخذ غيره عليه، وهل من التعويل على المصادر القديمة ذكر الضعيف المتهافت، وترك الصحيح؟! وهل من النقد الحديث تجاهل البيئة والظروف والأعراف التي كانت سائدة وتجاهل الواقع الملموس؟ الحق أن المستشرقين مهما ادّعوا الأنصاف فكتاباتهم تنقض ما يدّعون. خطبة أبي طالب قال: «الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضىء معدّ، وعنصر مضر «٢» ، وجعلنا حضنة بيته «٣» ، وسوّاس حرمه «٤» ، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما امنا، وجعلنا الحكّام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل من قريش شرفا ونبلا وفضلا إلّا رجح به، وهو وإن كان في المال قل «٥» ، فإن المال ظل زائل «٦» ، وأمر حائل «٧» ، وعارية «٨» مسترجعة، ومحمد من عرفتم قرابته، وهو- والله- بعد هذا له نبأ «٩» عظيم، وخطر جليل جسيم «١٠» ، وله في خديجة بنت خويلد رغبة،

стр. 214

ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق «١» فعلي» . وقد أمهرها أبو طالب اثنتي عشرة أوقية ونشّا «٢» ، يعني خمسمائة درهم، وأصدقها رسول الله زيادة على ذلك عشرين بكرة. الوليمة والعرس وبنى النبي بخديجة، وأولم عليها: نحر جزورا أو جزورين، وأطعم الناس، وأمرت خديجة جواريها أن يغنّين، ويضربن بالدفوف، فقد بلغت مناها، وتم الفرح والسرور، ولله در البوصيري حيث قال: ورأته خديجة والتقى والزه ... د فيه سجية والحياء وأتاها أنّ الغمامة والسّرح «٣» ... أظلته منهما أفياء وأحاديث أن وعد رسول اللّ ... هـ بالبعث حان منه الوفاء فدعته إلى الزواج وما ... أحسن أن يبلغ المنى الأذكياء وكان عمر النبي حينئذ خمسا وعشرين سنة، وكان عمرها أربعين أو تزيد قليلا، ونعمت خديجة بالزواج الذي لم تعرف له الدنيا مثيلا في تاريخ الأزواج، ونعم النبي بهذا الزواج الميمون المبارك، فقد كانت خديجة حازمة، عاقلة، طاهرة، عروبا لزوجها، وواست النبي بالنفس والمال، ورزقه الله منها البنين والبنات، فولدت له: القاسم وبه كان يكنى، وعبد الله «٤» ، وقيل: ثلاثة بزيادة الطيب، وقيل: أربعة بزيادة الطاهر. وولدت له زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة- ﵅. أما الذكور فقد ماتوا في الجاهلية صغارا، وأما الإناث فقد عشن حتى تزوجن، وكلهن متن في حياة النبي ما عدا فاطمة فقد توفيت بعده بستة أشهر، ومن ثمّ نرى أن النبي ﷺ ذاق مرارة فقد الأبناء، كما ذاق من قبل مرارة فقد الأبوين.

стр. 215

وقد شاء الله- وله الحكمة البالغة- ألايعيش له ﷺ أحد من الذكور حتى لا يكون ذلك مدعاة لافتتان بعض الناس بهم، وادّعائهم لهم النبوة، فأعطاه الذكور تكميلا لفطرته البشرية وقضاء لحاجات النفس الإنسانية، ولئلا يتنقّص النبي في كمال رجولته شانىء، أو يتقوّل عليه متقول، ثم أخذهم في الصغر، وأيضا ليكون في ذلك عزاء وسلوى للذين لا يرزقون البنين، أو يرزقونهم ثم يموتون، كما أنه لون من ألوان الابتلاء، وأشد الناس بلاء الأنبياء، فالأمثل فالأمثل، وقد كان مما نبزه به سفهاء المشركين، أنهم قالوا فيه: إنه أبتر أي لا عقب له. خديجة قبل النبي وكانت السيدة خديجة تدعى في الجاهلية الطاهرة لشدة عفافها وصيانتها وشرفها وكمالها، وقد تزوجها وهي بكر أبو هالة «١» بن زرارة التميمي فولدت له هندا «٢» ، وقد أسلم وحسن إسلامه، وهو راوي حديث صفة النبي ﷺ ، شهد بدرا وقيل وأحدا، وروى عنه الحسن بن علي فقال: حدثني خالي، لأنه أخو فاطمة لأمها، وكان- ﵁ فصيحا، بليغا، وصّافا، وكان يقول: «أنا أكرم الناس أبا، وأما، وأخا، وأختا: أبي رسول الله ﷺ «٣» ، وأمي خديجة، وأخي القاسم، وأختي فاطمة» قتل مع علي يوم الجمل. وولدت له هالة «٤» ، قال ابن عبد البر: له صحبة، وروي عن عائشة قالت: قدم ابن لخديجة يقال له هالة والنبي ﷺ قائل، فسمعه فقال: «هالة، هالة، هالة» !! وروى الطبراني بسنده عن هالة بن أبي هالة أنه دخل على
следующие страницы →