← Сира

Сира · id 9897

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها

عبد الرحمن علي الحجي

Полный текст (440 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

النبوية الشريفة مليئة بالعظات الموجّهة الغنية في كل هذه الأمور وغيرها. فانظر وقارن واقتد بحنكة وحكمة تليق بالمسلم. * الصحابة والولاء للإسلام: كان الولاء للإسلام واضحا في سلوك الصحابة الكرام، لا يعرفون غيره، وعلى أساسه توزن الأمور وتتخذ المواقف وتتجه النصرة مهما كانت. به يقيسون كل الأمور، يهرعون إلى كل ما يرضي الله تعالى وحسب شرعه، يتحرونه ويقبلون عليه. وكان بناء كل فرد في المجتمع على هذه الأسس الرصينة الصّلبة البالغة، وفي النهاية المجتمع كله كذلك، وفي أشد الأمور وأصعبها وأكثرها تضحية وبذلا. فانظر كيف قاتل المسلمون (العرب) المشركين (العرب) ، وكان فيهم إخوانهم بل وآباؤهم وأهلوهم، ومع ذلك كانت المواجهة واضحة والمفاصلة مكشوفة والمقاتلة شديدة. والمسلمون لا يفعلون ذلك جهلا بأي معنى كريم- وهم أهله وأولى به من كل أحد- بل على العكس، المسلم من أحفظ أناس للرّحم وكل صلة كريمة وكافة الروابط الخيرة البرّة. لكن تلك كلها مرتبطة بميزان الإسلام وحده وشرعه ومفاهيمه، وإن كان أحدهم ليتمنى أن يهتدي هؤلاء جميعا، كما رجا أبو حذيفة متألما عند مقتل أبيه كافرا في بدر: عتبة بن ربيعة. إذ كان يأمل بإسلامه (ولكنني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام ... كنت أرجوه له) «١» . وأبو حذيفة هذا هو زوج سهلة «٢» بنت سهيل بن عمرو

стр. 107

(المستحاضة) . أسلمت قديما وهاجرت مع زوجها أبي حذيفة بن عتبة إلى الحبشة وولدت فيها ابنهما محمدا. ودعوة الآخرين إلى الإسلام وهدايتهم هو هدفهم، بعد ما هداهم الله تعالى له الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ [الأعراف: ٤٣] . لكنهم حين أصروا على مقاتلتهم واجهوهم. فإذا ما أخذنا الصور الفردية، فمع كل فرد من الصحابة الكرام صورة في هذا وموقف وشاهد، مثلما في كل الأمور الآخرى، تجدهم دائما عندها. لأنها جميعا تصدر من هذا البناء، البناء الذي هو الأساس في قيام هذا المجتمع المثال بهذا المنهج الرباني الكريم. وهو لا يأتي إلا بالخير في أي حال ووضع وموقف أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم: ٢٤- ٢٥] . ونأتي الآن لتقديم بعض الأمثلة المعبرة عن هذا المعنى، واجعلها للجميع أفرادا وجماعات ومجتمعات ودولة، سلما وحربا وفي كل حال، ومهما كانت تفوّت من منافع أو تقدّم لهم من مغريات أو إغراآت الآخرين لهم أو تغريرهم بهم. * أسلموا وأهلهم أعداء: فكم من المسلمين- نساء ورجالا- أسلموا، ولهم من أسرتهم- ربما آباؤهم وإخوانهم- من أكبر أعداء الإسلام ومحاربيه، ويقودون ذلك ضد كل من أسلم. ونال هؤلاء الذين أسلموا منهم أشد أنواع النكال والتعذيب والحرمان. وكان هؤلاء المسلمون- فوق ذلك كله- يدعون أهليهم إلى دين الله تعالى. من أمثال: حنظلة الغسيل (غسيل الملائكة وشهيد أحد) بن أبي

стр. 108

عامر الفاسق. فكان أبوه هذا الفاسق يوم أحد مع المشركين «١» وابنه حنظلة يقاتل المشركين- ومعهم والده- ناصرا دعوة الله تعالى، حتى استشهد فيها، ومن أوائلهم. وعبد الله (الابن) بن عبد الله بن أبيّ بن سلول الخزرجي، كان أبوه رأس النفاق في المدينة المنورة، وبه عرف. أما ابنه (عبد الله الابن) فكان من سادة الصحابة وأخيارهم، وكان اسمه الحباب، وبه كان أبوه يكنى، فغيّره النبي ﷺ وسماه عبد الله. واستمر هذا يجاهد مع الرسول الكريم ﷺ ، واستشهد يوم اليمامة «٢» ، في قتال مسيلمة الكذاب. ومن مواقفه (الابن) أنه وقف ضد أبيه حين عاد المسلمون من غزوة بني المصطلق، وهي غزوة المريسيع، التي حدثت في شعبان من السنة الخامسة للهجرة «٣» . كذلك أخته رملة بنت عبد الله بن أبي بن سلول الأنصارية وأبوها رأس المنافقين، أسلمت وبايعت الرسول الكريم «٤» ﷺ . وكذلك أختها جميلة بنت أبي بن سلول، وكانت زوج حنظلة الغسيل «٥» .

стр. 109

وأبو جندل من المسلمين الأوائل. وأبو سهيل بن عمرو، الذي كان خطيب قريش وفصيحهم ومن أشرافهم، أسلم فيما بعد، يوم فتح مكة (٨ هـ) «١» ، واستشهد يوم اليرموك (١٥ هـ) «٢» . وكان رئيس وفد مفاوضي قريش في صلح الحديبية، في ذي قعدة السنة السادسة للهجرة «٣» . وسهلة- كما سبق ذكره- أخت أبي جندل بنت سهيل بن عمرو كذلك، وهي زوجة أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة «٤» ، وأخوها عبد الله بن سهيل بن عمرو، من فضلاء الصحابة، أسلم قديما في مكة وهاجر إلى الحبشة واضطرّ أن يكتم إسلامه، وخرج إلى بدر مع المشركين، فانحاز إلى رسول الله ﷺ «٥» . وهذه الظاهرة- إسلام أفراد من أسرة عرفت بعداوتها للإسلام- تشمل النساء كذلك، رغم صعوبة ذلك على المرأة. فأم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط التي أسلمت بمكة قديما، وقد صلّت القبلتين وبايعت رسول الله ﷺ «٦» . وهاجرت إلى رسول الله ﷺ عام الحديبية، وسارت من مكة إلى المدينة ماشية (نحو ٥٠٠ كم) ، فسار أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة خلفها ليردّاها، فمنعها الله تعالى منهما. وكانت كل أسرتها تحارب الإسلام أقسى الحرب، ولا سيما أبوها كان من أكبر أعداء الإسلام طوال العهد المكي، فاذى رسول الله ﷺ أشد الإيذاء، وخرج في بدر مع المشركين يحارب الله ويحارب رسوله وقتل فيها في (١٧) رمضان السنة الثانية للهجرة الشريفة «٧» . وهذه أم حبيبة، رملة بنت أبي سفيان، أم المؤمنين، المهاجرة إلى الحبشة، زوج رسول الله ﷺ ، ورضي الله عنها، أسلمت قديما بمكة

стр. 110

وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها، الذي توفي هناك، فتزوجها رسول الله ﷺ . عقد ﷺ عليها سنة ست بعد الحديبية وهي بالحبشة. أسلمت وكانت أسرتها تحارب الإسلام، حتى أبوها، وإلى أن أسلم في فتح مكة، في شهر رمضان السنة الثامنة للهجرة النبوية الشريفة. وانظر موقفها من أبيها يوم جاء إلى المدينة بعد صلح الحديبية ليؤكده، لنقض قريش العهد جهارا نهارا «١» . ورفض المسلمون جميعا التحدث معه، حينما لا حظوا أن الرسول ﷺ أعرض عنه. وذهب إليها يستنجد بها، فلم تستقبله يومها فلما ذهب ليجلس على فراش النبي ﷺ ، طوته دونه. فقال: يا بنية، أرغبت بهذا الفراش عني، أم بي عنه؟ قالت: بل فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ «٢» . وفي معركة أحد (منتصف شوال السنة الثالثة للهجرة الشريفة) كان الذي يحمل لواء رسول الله ﷺ مصعب بن عمير، وهو من بني عبد الدار «٣» . والمشركون يحمل رايتهم بنو عبد الدار «٤» ، وفيهم من إخوة مصعب. واستشهد مصعب في أحد «٥» . كان مصعب أترف (أرق) وأنعم وأعطر غلام في مكة يضرب به المثل في لبسه ودلاله، حتى في الذي كان يستعمله «٦» ، فكان فتى مكة جمالا

стр. 111

وتيها «١» . وقال فيه رسول الله ﷺ ، إذ وقف عليه حين رآه في ميدان المعركة يوم أحد، وهو منجعف (مصروع) على وجهه شهيدا «٢» ، بعد أن استشهد، وكان لا يملك غير بردة (نمرة) لا تكفيه غطاء، إذا غطّي رأسه خرجت رجلاه وإذا غطيت رجلاه خرج رأسه «٣» ، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: «لقد رأيتك بمكة وما بها أحد أرقّ حلّة ولا أحسن لمة منك، ثم أنت (اليوم) شعث الرأس في بردة» «٤» . دقق في حياته، أسلم بعد ذلك الترف كله، الذي كان يتمناه الآخرون، إعجابا بجماله ومكانته وغناه، حرم وسجن ثم هاجر إلى الحبشة الهجرتين وعاد إلى مكة متابعا جهاده. «كان من فضلاء الصحابة وخيارهم، ومن السابقين إلى الإسلام. أسلم ورسول الله ﷺ في دار الأرقم، وكتم إسلامه خوفا من أمه وقومه، وكان يختلف إلى رسول الله ﷺ سرا، فبصر به عثمان بن طلحة العبدري يصلي، فأعلم أهله وأمه، فأخذوه وحبسوه، فلم يزل محبوسا إلى أن هاجر إلى أرض الحبشة، وعاد من الحبشة إلى مكة، ثم

стр. 112

هاجر إلى المدينة بعد العقبة الأولى ليعلّم الناس القرآن، ويصلي بهم» «١» . وكان مصعب خلال ذلك كله مثالا في الصبر والاحتمال والتضحية والإقدام والإقبال والأخلاق وقلة الخلاف «٢» . كان أول المهاجرين إلى المدينة، بعد بيعة العقبة الأولى (الصغرى) وعودة الأنصار الاثني عشر المبايعين إلى المدينة في ذي الحجة السنة الحادية عشرة للبعثة الشريفة. وقد أرسله النبي ﷺ إليهم (أو معهم) وإلى المدينة، حيث «بعث رسول الله ﷺ مصعب بن عمير مع النفر الاثني عشر الذين بايعوه في العقبة الأولى، يفقّه أهلها ويقرئهم القرآن (ويعلّمهم الإسلام) ، ويفقههم في الدين» «٣» . فكان منزله على أسعد بن زرارة «٤» . وكان مصعب إنما يسمى بالمدينة المقرئ. يقال: «إنه أول من جمع الجمعة بالمدينة. وأسلم على يده العديد، منهم ثلاثة من أئمة الأنصار وسادتهم وأعلامهم، كلهم من بني عبد الأشهل الأوسيين «٥» ، وهم عبّاد بن بشر «٦» ، وأسيد بن حضير «٧» ، وسعد بن معاذ «٨» . وكفى بذلك فخرا وأثرا في الإسلام» «٩» . وعاد مصعب إلى مكة مع السبعين الذين وافوا يومها رسول الله ﷺ في بيعة العقبة الثانية (الكبرى) في ذي حجة السنة الثانية عشرة للبعثة الشريفة. وكان مصعب أول من زار رسول الله ﷺ قبل أهله، فما كان ليبدأ بأحد قبل

стр. 113

رسول الله ﷺ . فسرّ به وبما حمل إليه من الأخبار في إسلام الأنصار «١» . ثم عاد إلى المدينة لهلال ربيع النبوي (الأول) ، وذلك قبل مقدم رسول الله ﷺ باثنتي عشرة ليلة «٢» . واستمر في المدينة يعمل لخدمة الإسلام، لم يدع فرصة لذلك. وشهد كل المشاهد مع رسول الله ﷺ . وفي بدر، كان لواء رسول الله ﷺ الأعظم يومئذ- لواء المهاجرين- مع مصعب بن عمير «٣» . وكذلك الأمر كان في أحد «٤» ، يقاتل بها حتى سقط. ولما أخذها أخوه أبو الروم «فلم يزل في يده حتى دخل به المدينة حين انصرف المسلمون» «٥» . وكانت أم شيبة بنت عمير بن هاشم «٦» (أخت مصعب) زوج الحجاج بن علاط السّلمي، أقبلت على هذا الدين العظيم دين الله تعالى. * الإيمان وتكاليف تربيته: المسلم- ولا سيما جيل الصحابة الكرام- يظهر جوهره ناصعا متلألئا فريدا، كلما كلفته وأسندت إليه تبعة وعركته المراتب. فكأن هذه التكاليف

стр. 114

تتيح له مجال المران على القوة وتدربه على التعامل بتربيته وتثبت فاعليته ما أخذ به نفسه، حتى لكأنه كان ينتظره ويريده ويبحث عنه ويترقبه، بشوق يجد فيه ضالته. واستعداده في ذاته لا حدود له. وهو أكثر إقداما كلما كان أعلى وأقوى وأخطر، ومهما أحاطت به الأخطار من كل نوع، والمغريات وحتى الشهوات، شهوات النفس الفطرية. حيث إن هذه تربت بهذا الدين واستقامت واعتلت مقاعد وقواعد الإيمان النقي التقي الأصيل والأبي السّني القوي بالله تعالى ودعوته وبنبيه الكريم ﷺ . ولقد كان الرسول الكريم ﷺ يكلف الصحابة الكرام ويحملهم جميعا، وبشكل طبيعي وبإنسانيته وانسيابه المتساوق. فتراهم يقبلون متلهفين ويقبلون. فكان ذلك أحد أساليب التربية الجادة العميقة والتعليمية المتريثة المترتبة والتقوية المتثبتة. فكان يكلف المسلمين، بشكل قوي ومكلف ومجهد. ولولا تلك التربية بهذا الدين، لما كان ممكن أن يستجيب أحد منهم ولا فرد واحد، بينما الذي يحدث أنه لا يتخلف أحد منهم، ومع التخيير، كما حدث في غزوة عبد الله بن جحش (رجب- شعبان سنة ٢ هـ) . بل ويستجيبون وهم في حالة لا ينتظر معها الاستجابة من أي أحد، لكنهم جميعا سارعوا بفرح وعزم وحرص، كما حدث في غزوة حمراء الأسد (١٦ شوال السنة الثالثة للهجرة) ، في اليوم التالي ليوم أحد وجراحهم ما زالت بدمائها تسيل. ولم يخرج فيها إلا من كان في أحد. ولم يسمح ﷺ لأحد غيرهم بالخروج، وقد أرادوا فردّوا. وكان ﷺ في مقدمتهم، رغم ما حدث له يوم أحد. بل كانوا إذا ندبوا لشيء يقدّمون أكثر مما يطلب منهم، مثلما جرى في الهجرة والنصرة والمؤاخاة. بل العقبة يتقدمون إلى قمة نافلة، بل لم يطلب منهم فيها شيء. كما حدث في بيعة العقبة الكبرى في السنة الثانية عشرة للبعثة النبوية الشريفة- بجانب فرحهم بأعبائها التي تقتضي أن يقدّموا أموالهم فداء

стр. 115

وأشرافهم أشلاء- حيث بعد هذه البيعة في مكة (منى) أرادوا مقاتلة قريش فمنعهم الرسول الكريم ﷺ إذ لم يكن قد أذن بالقتال. فالإيمان بالله تعالى ودعوته بطبيعته، يستجيش كل الطاقات الإنسانية بأعلى صياغة وأنقاها وأجودها، يغذيها ويقويها ويعليها لتقوم، وينشطها على شرعه بمنهجه الفريد الجديد ويوفرها ويولدها. فإن الله تعالى لا يأخذ أهل الغواية والضلال والشرك إلا بعد أن يظهر الحق أوضح ما يكون لكل أحد، وتظهر حجته كاملة قوية لهم ولا يبقى إلا العناد. فإذا ما أعرضوا أخذهم وخذلهم وهزمهم. وكان هذا الجيل وأمثالهم إذا استعدّوا لشيء وقالوه أعلنوه، لا ينكصون عنه أبدا بل يزيدون. وهذه إحدى صور الوفاء عند المسلم، الذي لا ننتظر غيره، مثلما لا ننتظر من غيرهم إلا الغدر والنكث والخلف إن لم يكن الاعتداء. ولا يعرفون غيره، وإن وفّوا فلمصلحة. وإنّ بعض مظاهر الوفاء التي تبدو على غير المسلمين ليس لها أصالة أو حقيقة أو جذور، ولذلك توقع الغدر، فهم حسب أهوائهم وعداوتهم وولاآتهم ومصالحهم. وهذا التاريخ الإسلامي منذ أيام الرسول الكريم ﷺ وإلى ذهاب خلافة الإسلام (العثمانية) - بدايات القرن العشرين- كله وفاء، لكن ائتوني بحادثة وفاء واحدة لدى أمم الحضارة، فيها وفاء حقيقي أصيل ملتزم. أما التاريخ الحديث الذي نذكره، فكل يوم ترى على مسارحهم جديدا من هذه الصور الكالحة الفاضحة الموبوءة. ولكنهم يسيرون بكبرهم وتجاوزاتهم، التي غاب من أمامه أهل الإيمان والجهاد والفداء، بل وحكموا بالزيف والخديعة والادعاء. كما وجدوا أمامهم غفلة وأهواء ومظاهر خادعة. وسلوك الإنسان دليل على نوعيته وحقيقته ومعتقده. ومن هنا قال الرسول الكريم ﷺ : «الدين المعاملة» «١» ، أي: من ثماره حسن

стр. 116

المعاملة للجميع. وقال ﷺ : «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» «١» . فابتداء من معاهدة سايكس- بيكو وما تلاها وحتى اليوم، سيبقى الأمر كذلك حتى يأتي أمر الله تعالى، يوم تأتي أجناد الخير الأطهار ورايات الحق المنير ومواكب الدعوة المباركة إن شاء الله تعالى، غير بعيد في الآفاق. وكان من أساليب تربية الرسول الكريم ﷺ للصحابة، ارتقاء بهم لتأدية المهمات الإيمانية- ودوما كلها كذلك- والتزاماتها، باستيعاب واستيفاء واهتمام، يفرحون بها ويتقدمون لها ويقبلون عليها، متنافسين مسارعين متكاثرين لإنجازها، أنه ﷺ يبدأ بنفسه الشريفة، بل وبأشق الأجزاء والمراحل والأعباء منها، يحثهم ويندبهم ويشجعهم لها، وهو في مقدمتهم جميعا. وربما يكلفهم بأمر أو يسأل القيام به بشكل عام، ويتولى ذلك من يستعد. وقد تكون شروط، كما جرى في أحد وإعطاء السيف لأبي دجانة. وقد يؤجّل من يتقدم، كما جرى للزبير بن العوام في الخندق، وقد يختار من يريد، كما جرى لحذيفة بن اليمان في الخندق وكذلك لعلي بن أبي طالب في خيبر. وفي دراستنا لهذه السيرة الشريفة نحاول أن نستشف ونكتشف ونتفهم ونتعلم ذلك، فيما نراه ونشهده ونلحظه، ونحاول أن نكتشف ما هو مثل المجاهل المتنوعة. وهذا الالتزام الإسلامي والترقي في سلّم منهجه وتربيته كانت وهي غير مرتبطة بأي اعتبار إلا طاعة الله تعالى: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» «٢» . و «اسمعوا وأطيعوا ولو إلى عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله» «٣» .

стр. 117

وهذا أبو بكر حين تولى الخلافة واستعد لقتال المرتدين، أبى عليه بعض الصحابة، فقال كلمته المشهورة: (والله لأقاتلنهم وحدي ما استمسك السيف بيدي، أو ينقص هذا الدين وأنا حي) «١» . وكنت في أشد المواقف وأصعبها، التي ممكن أن تغلب النفس على ما فيها واعتادته أيام الراحة والسلم والهدوء، أيام الحروب والشدائد وكذلك الإغراء، تراهم يلتزمون بدون أية رقابة، بلا رقابة. إنها رقابة الله تعالى التي تقود النفس (جميعها) إلى رقابة الذات. فكان ذلك الجيل القرآني عجبا من أعاجيب هذا الدين، في قوته والتزامه وفي وفائه لله تعالى. وكأنه كلما تقدم ويتقدمون في الحياة يزدادون التزاما وحفاظا وتمكينا لما تعلموه وتربوا عليه وعيّشوه في نفوسهم، حتى بعد وفاة الرسول ﷺ . ولذلك لا تكاد تجد أحدا من الصحابة الكرام قد تهاون- حتى بعد وفاة الرسول ﷺ فضلا عن أن يكون قصر أو انحرف. وهذا معلم من معالم السيرة النبوية الشريفة وعجيبة أخرى من عجائبها وعجائب هذا الجيل القرآني الفريد. والسيرة أمامنا نستقي منها مطلوبنا وقياسنا، آثار الإسلام في ذلك الجيل القرآني الفريد، ونقتفيه ونأخذ منه ونجعله المثال في الحياة وحمله هذه الأمانة وأدائها، وكذلك في دراسته السيرة الشريفة وآثاره. نرى ذلك في شرائحها المتنوعة، ومنها نستنبط رسم الصورة نتطلع إليهم، مقياسا وميزانا ومثالا، فيما يمكن أن يعود إليه المسلم من الترقي والإقدام والالتزام بهذا الدين ومنهجه الحكيم. والآن- بعد هذا التجوال في مرابع السيرة الشريفة ورياضها- نعود لنبني عليه. إنه كلما تقدم أحد في الحياة وتقدم لأمور المسؤولية تظهر قوته

стр. 118

ونوعيته وتربيته السنية السوية القوية. وعليه فإن العلماء والقادة والخلفاء تظهر نوعيتهم وهم في الموقع والموقف أكثر، مثلما تظهر ببهائها كلما كبرت هذه المسؤولية، مهما كانت إغراآتها وانبهاراتها ومثقلاتها. ولا يفلح في ذلك أبدا إلا الفالحون المفلحون الذين تولوا كتاب الله تعالى، وجعلوه منهجا وحيدا لهم في حياتهم، إيمانا واحتسابا، واستقبلوا السنة الصحيحة منبعا وسيرته ﷺ ، موئلا وقدوة. وانظر إذا إلى كل من تولى مسؤولية لترى كيف عمل العجائب التي لا تتم إلا بهذا الدين، أفرادا كانوا أو جماعة أو مجتمعا، جنودا وقادة حكاما ومحكومين، نساء ورجالا وأطفالا وشيوخا صغارا وكبارا، حيثما أتيتهم، مكلّفين من أحد أو متطوعين، مهمات علمية أو سلمية أو حربية. وقد تجدهم بحال لم يمكن أن تعرف أو حتى تتوقعه منهم قبل توليهم. انظر أبا عبيدة والهدية التي أتته من الروم- خلال فتح الشام- فرفضها، إلا أن يعطى أفراد الجيش مثلها!!! وانظر القادة والعلماء والخلفاء كانوا وقّافين في كل أحوالهم عند كتاب الله تعالى. وهؤلاء الخلفاء الراشدون مثلا ظهرت قوتهم في الأخذ بهذا الدين أكثر والارتقاء إلى قمم جديدة بعد توليهم الخلافة. وإذا كان ما يزال الحديث مستتبعا عن عمر، فانظر صنائعه في رعايته الناس وتواضعه وإحساسه بالمسؤولية عنهم- أمام الله تعالى- إلى حدّ أن علي بن أبي طالب- الذي كان أحد مستشاريه- قال له يوما: يا أمير المؤمنين لقد أتعبت الخلفاء من بعدك. انظره (عمر) كيف يرفض إلا أن يحمل هو نفسه الطحين للمرأة وأولادها الجائعين، قائلا لعامله: أأنت تحمل عني وزري يوم القيامة؟ ثم لا يتركهم إلا بعد أن يراهم قد أكلوا وشبعوا. بل إنه منع ابنه عبد الله بن عمر أن يرعى إبله- مثل غيره من عموم الناس- في مراعي الدولة، فقد يكون يجوز أكثر مما له من ذلك لأنه ابن الخليفة. وكانت خشية الله تعالى وعقابه وطلب رضاه ماثلا أمامهم حيا في

стр. 119

نفوسهم، نديا في وجدانهم، وقدوتهم في ذلك كله رسول الله ﷺ ، الذين كانوا ملازمين له ﷺ ، باذلين غاية الجهد في كل شيء لتحري سيرته ﷺ في كل الأمور، ويأتون منها ما استطاعوا. وكان ﷺ في كل أمر يبدأ بنفسه، ولا يميزها في الواجبات، بل ويحمّلها أكثر، في العبادة والقيادة بالأعمال والأعباء. والقصص كثيرة جدا إلى حدّ أنه توفي ﷺ ولم يشبع آله من لحم وخبز، وكان يمر الشهر والشهران وما يشعل في بيت رسول الله ﷺ نار. وحين لحق ﷺ بالرفيق الأعلى كانت درعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير (أقل من مئة كيلو غرام) «١» طعاما لأهله يأكلونه.

стр. 120

يا لله على هذا الدين العظيم ومنهجه الكريم وهذا النبي الذي أعده الله وهيأه ورباه ليكون قدوة القدوات، الذي ربّى بمنهج الله تعالى وكتابه الكريم ذلك الجيل القرآني الفريد. وكان ﷺ قدوة متميزة وأسوة حسنة وقمة في كل شيء، واقفا على القمم كلها يرنو إليه الجميع ليسيروا خلفه مقتدين به ﷺ . وسيبقى قدوة لكل الأجيال، والتي به فقط تفلح وليس بغيره مهما ادعت، إلا بالاقتداء به، ليكونوا قدوة للآخرين. وهذا ما يحتاجه كل جيل وجيلنا الحاضر هو أحوج ما يكون إليه. وهكذا كان جيل الصحابة الذي يبقى هو الآخر مثالا للأتباع الأبرار والجنود الأخيار والأمة الأطهار، بحسن اقتدائهم بالرسول ﷺ الذي تمثل بأحسن صيغة وأرقى صبغة وأبهر مثال، لكتاب الله وأمره والأخذ بمنهجه. فكانوا خير القرون ونعم من أخذ بمنهج الله تعالى، وأجود من تابع خطوات هذا النبي ﷺ . جزاه الله خير ما يجزي نبيا عن أمته، وجعلنا من خيرة الأتباع في هذا الجيل، إن شاء الله تعالى. * رهافة الثمرة الإيمانية: وهذه الرهافة المؤمنة الربانية بلغت من الدقة والرقة والعمق إلى أنهم كانوا يتهمون أنفسهم لأدنى تقصير أو بدون تقصير، والشواهد كثيرة جدا. خذ مثلا ما رواه الصحابي الجليل عن نفسه حنظلة بن الربيع الأسيدي (٥٠ هـ) المعروف بحنظلة الكاتب- وكان من كتاب الرسول ﷺ «١» - قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول الله ﷺ يذكّرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين. فإذا خرجنا من عند رسول الله ﷺ عافسنا الأزواج والأولاد والضّيعات، فنسينا كثيرا. قال أبو بكر: فو الله إنا لنلقى

стр. 121

مثل هذا. فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله ﷺ ، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : «وما ذاك؟» قلت: يا رسول الله، نكون عندك تذكّرنا بالنار والجنة حتى كأنّا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيرا. فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة وساعة» «١» . وحين أنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات: ٢] ، تحرّج بعض الصحابة في حالهم، خوفا من أن يكونوا مشمولين بذلك. كان منهم أبو بكر وعمر «٢» .

стр. 122

أما ثابت بن قيس بن شمّاس، خطيب الأنصار «١» ، فقد اتهم نفسه واعتبر أنه من أهل النار وقعد في بيته حزينا، ولكن الرسول الكريم ﷺ افتقده، فسأل عنه وعرف أمره، فطمأنه وأخبره أنه من أهل الجنة. هؤلاء الصحابة الكرام- وهم خير القرون- رباهم الإسلام هذه التربية الفذة، نقلهم وأدخل الإيمان عليهم من جميع المنافذ، سكب معانيه في نفوسهم، فظهرت شاهدة شاهرة شاخصة، سلوكا رفيعا يعبر عن المعاني الإسلامية. وهذا واضح في الأسلوب القرآني وطريقة تعبيره ومنهجه التربوي الفريد، الذي به ربى الرسول الكريم ﷺ هؤلاء الأصحاب، نساء ورجالا وأطفالا. وكثيرا ما نجد القرآن الكريم يقارن ويقابل ويواجه حالات هذا المستوى أمام ما تؤدي إليه مباعدة منهجه ومصير الضلال الذي ينتظر أهله من الخسران في الدنيا والآخرة، مجلّلا بالخزي والعذاب في نار جهنم، بشكل يكون التقابل متزاحما. فكلما ارتفع المؤمنون إلى مستوى التربية العجيب يظهر في الجانب الآخر المستوى المتدني التعيس البئيس، لمن جافى شرع الله تعالى وجانب الأخذ به والبعد عنه مهما كانوا وبلغوا. ويجعل ذلك طبيعيا- وتلك سنة الله تعالى في الفلاح والخسران- مثلما مقابل خسارة الدارين للكفر- والعياذ بالله- طبيعته الدنسة المركسة المفلسة، بعيدة عن الله تعالى، وهو غاية التردي والشقوة والمرارة. فإن الإيمان بالله تعالى ودينه يأخذ أصحابه إلى قمة فريدة من الرقة والرقي والقرب من الله تعالى والأنس بشرعه في الدنيا

стр. 123

والآخرة، والتنعم بجواره يوم القيامة. وبه ربحوا الدنيا والآخرة، مقابل خسارة الدارين للكافرين. وإننا دوما لنحمد الله تعالى على نعمة هذا الدين. تلمس هذا واضحا في مواقع متعددة من القرآن الكريم، فالكافرون لا يكادون يحسون بذلك بما جنوه، فهم لا يريدونه، وغرتهم دنياهم بطرا وكبرا ووهما، مهما بلغ فعلهم وعنادهم واستكبارهم، ظنوا السراب ماء. أما المؤمنون فقد ارتقوا بهذا الدين وحده في سلم الإنسانية، حين ارتقوا في سلم الإيمان بالله تعالى والعمل بشرعه، إيمانا واحتسابا، وأحسوا ببرد هذا الإيمان الذي ملأ نفوسهم وحياتهم، وملك تصرفاتهم، فلا عيش لهم بدونه. وهذا يعني أن تفوق هذه المعاني الإيمانية وظهورها- لمن فاته أن يدركها في نصوصها- أن يراها ماثلة في حياة أهلها، وهو من واجباتهم، لا يتكلفونها أو يفتعلونها أو يدّعونها. والمؤمنون دوما تظهر عليهم معاني الإيمان بالله تعالى ودعوته، وهو طبيعتهم وواجبهم ومهمتهم، فإن حياتهم باستمرار تكون ترجمة قوية لها. وهؤلاء المؤمنون بالإسلام ودعوته الكريمة، أصبحت هي كل حياتهم، وعاشوا بها ولها وفيها، حتى إنهم رغم طاعتهم المعهودة والتزامهم وإقبالهم يحسون بالتقصير، ويجدون المتعة الحقة والأنس الحبيب والسعادة الكبرى بالقرب منه، يرجون رحمة الله تعالى وعفوه، تقربا إليه وحده. ويتطلعون إلى الكمال أو استكمال المؤهلات ليستحقوا تمام العبودية لله تعالى، ساعين إلى جنة عرضها السموات والأرض متنعمين بثواب من الله على تقواهم وحسن اتباعهم وطاعتهم إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: ٥٤- ٥٥] «١» . لكنهم مع كل هذه الاستجابة والإقبال والاتّباع تراهم- لهذا البناء الكريم خائفين، رغم هذا التوجه، مقابل الآخرين المعرضين، لاهين مع ما هم

стр. 124

فيه من غضب الله تعالى، ببعدهم عن شرعه المبين الذي تراهم فرحين بتقلبهم وتقبلهم الانحدار في هذا التّيه المنكود المشقي المزري. وهذا التقابل يرسم مشهدا حيا ماثلا يبين الفرق الهائل المتقابل بين الذين آثروا رضا الله تعالى والجنة، وبين الذين عمدوا، فأخذوا طريق عصيان الله تعالى، فحازوا غضبه والنار. فبينما أنت تقرأ عن الضالين: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ [المؤمنون: ٥٣- ٥٦] . إذا بك تقرأ بعدها مباشرة عن المؤمنين السعداء: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ [المؤمنون: ٥٧- ٦١] . فهؤلاء متعلقون أشد التعلق وبشوق عميق ورغبة جامحة جدّ شديدة وإقبال عجيب على الله تعالى. وهم- ومع كل ما يقومون به ويؤدونه ويسارعون فيه- تراهم خائفين وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ [المؤمنون: ٦٠] . فهؤلاء المؤمنون بالله وحده لا شريك له الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا لا شبيه له ولا نظير ولا كفء، ويؤمنون بكتبه، وآخرها القرآن الكريم، المكلفون بالعمل بما فيه، وبرسله وخاتمهم محمد بن عبد الله ﷺ ، الذي أرسله الله بهذا الدين، وهم مأمورون بمحبته واتباعه والاقتداء به. وهم قائمون بكل ذلك، ومع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من عذاب الله تعالى خائفون وجلون، فجمعوا مع الإحسان الشفقة. فعن عائشة أم المؤمنين- ﵂ أنها قالت: يا رسول الله وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله ؟ قال: «لا يا بنت الصّديق! ولكنه الذي يصلي ويصوم

стр. 125

ويتصدق، وهو يخاف الله » «١» . فهذا هو ذلك الجيل القرآني الفريد الذي تربى بهذا الدين، على يد الرسول الكريم ﷺ . وهم وأمثالهم أقاموا دين الله تعالى وحموه وحملوه ونشروه وأقاموا وثبّتوا أعلامه في واقع الحياة. فكان يظهر أثره وثمره وجماله فيهم وفي الأجيال التي تلتهم، يتطلعون إلى الأعلى والأفضل والأرقى لما عند الله تعالى. وانظر ما يقوله عمر بن عبد العزيز (١٠١ هـ) - معبّرا عن ذلك- بعد أن تولى الخلافة: (إنّ لي نفسا توّاقة لم تتق إلى منزلة فنالتها، إلا تاقت إلى ما هو أرفع منها، حتى بلغت اليوم المنزلة التي ليس بعدها منزلة، وإنها اليوم تاقت إلى الجنة) «٢» . وها هو يخاطب نفسه بهذا البيت من الشعر «٣» : تجهّزي بجهاز تبلغين به ... يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا * إضاآت كريمة ومدلولات فاضلة لقصة ربيعة: ولقصة ربيعة الآنفة- بمضامينها الشاملة ومدلولاتها الفاضلة ولمساتها المتوثبة المحببة، نحو القمم المنيرة، سنلمح لبعضها الآخر- أمثلة متعددة متزاحمة تتجه بها نحو هذا الفهم، وتقود إلى هذا الوضوح، وتكشف الآفاق السامية، تلوح نحو معرفة الرسول الكريم ﷺ بأصحابه إلى هذا الحد، وفي كل الأوقات والأحوال والمناسبات. وهو يعيش معهم دوما ليس من ناحية

стр. 126

الكينونة أو التواجد الزماني والمكاني والإنساني، بل في نفوسهم وذواتهم ووجدانهم وكيانهم جميعا، بكل مشمولاتها ومحتوياتها ومكوناتها، حتى وهو غائب عنهم. وكذلك بالنسبة له ﷺ حتى وهم غائبون عنه. فهو يتولى رعايتهم وتوجيههم وتربيتهم، حتى وهو يعمل معهم، وحتى في الحالات التي لا تدع لصاحبها مجالا لآخرين، كالمعارك. تجد ذلك مركّزا وواضحا ومقصودا، حتى كأنها كانت مناسبات يراد منها ذلك ويعمد له، يتعامل معهم فيها أفرادا وجماعات كل حسب استعداده، لكن يرتفع بالجميع، فيوجهه حسب استعداده وطاقته وحاجته، لكن الجميع بنفس الاتجاه. وهم مهما ارتقوا يجدونه ﷺ قدوتهم وأسوتهم، وهو كذلك دوما. فكأني ألمحهم موكبا متقدما نحو القمم متتابعين متعلقين برسول الله ﷺ ، بحب لا نظير له، وإحساس فريد متوثب، بأجمل المشاعر، واقتداء مهيب. وانظر مثلا قصة أصحاب يوم الرجيع (صفر السنة الرابعة للهجرة) «١» . العشرة (أو الستة) الذين أخذوا غدرا وخديعة ولؤما من قبيلتين عربيتين، هما: عضل والقارة، قتلوا أكثرهم وباعوا الآخرين لأهل مكة، فقتلا في يوم واحد شهيدين، انتقاما لمعركة بدر. هما: خبيب بن عدي وزيد بن الدّثنّة. فلما قدّموا زيدا (أو خبيبا) «٢» ليقتلوه صبرا، صلبا ورميا مشدودا على الخشب، سألوه إن يقبل أن يكون عند أهله ويكون محمد ﷺ يقتل مكانه، فقال: (والله ما أحب أنّ محمدا ﷺ الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي) . فقالوا: ما رأينا من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا. أما خبيب فلما هددوه بالقتل إن لم يرجع عن الإسلام- نعوذ بالله العظيم- قال: (إن قتلي في الله قليل) «٣» .

стр. 127

إن بناء الرسول الكريم ﷺ كما أدّبه الله تعالى ورباه وأعده- أحد الأدلة على نبوته، وما أكثرها وأوفرها وأظهرها. فهو بذاته في سيرته الشريفة دون أي دليل آخر، بمستواه ونوعيته ومثاليته، دليل أي دليل «١» . وتسير في عين الاتجاه من قصة ربيعة قصة حارث بن مالك الأنصاري الآتي ذكرها «٢» . وحب الصحابة هذا لرسول الله ﷺ وتمتعهم بحلاوة هذه الصحبة الكريمة جعلهم يفكرون ويرغبون ويطمعون ألا تنقطع، وأن تبقى موصولة حتى يوم القيامة، بل وفيها كذلك. والحق إنه أفق عظيم في عمق هذا الحب وصدقه وقوته التي عبق طيبها فملأ آفاق الحياة والنفوس والوجدان، ويشغلهم المحافظة عليها واستمرارها، ينعمون بها في الدنيا والآخرة. فيستجيب الله تعالى لهم حاثا على الأخذ بكل سبب يديم لهم متعة هذه الصحبة الكريمة وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً [النساء: ٦٩- ٧٠] . ورغم معرفة الصحابة الكرام- ﵃ أنه سيفارقهم، لكونه بشرا إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠] ، فما كانوا ليحتملوه بل حتى كأنهم لا يريدون وقوعه، أو كأنهم لا يكادون يريدون تصوره. وقد وجه الله الأذهان إلى ذلك مبكرا، لما يعلم- ﷻ وعم نواله- من شدته عليهم «٣» . ولعل كل هذا الأمر- بأحداثه

стр. 128

المتعددة المتوالية المتعانقة- كان تهيئة لهذا الحدث الجلل، وهو أرحم الراحمين. جرى ذلك إذا لتوضيحه من خلال ماجريات (مجريات) أحداث السيرة النبوية الشريفة وجريانها في نهرها الزلال وموكبها المنير وخطها المرسوم لتحقيق أهدافها التي صرفها الله؛ لتكون موطن العبرة والتربية والتوجيه الدائم. من ذلك ما جرى في معركة أحد، وما أنزل الله تعالى فيها «١» . ثم تلميحاته الكثيرة ﷺ لفرد- كما لا حظنا في قصة معاذ وهو يودعه لليمن- أو لجمع «٢» ، أو أكثر، أو الجم الغفير في حجة الوداع. ومع ذلك لم يتحملوا خبر موته ﷺ ، كما جرى لعمر بن الخطاب وآخرين. وكلهم كان حزنه غامرا، حيث قال أنس بن مالك عن النبي ﷺ : (شهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوما قطّ كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا، وشهدته يوم مات، فما رأيت يوما قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات) «٣» .

стр. 129

* دقة الرهافة وأصالتها جعلتهم يشعرون بالتقصير: حتى لقد بلغت رهافة الحس ورقة الشعور وسمو النفس عند الصحابة أنهم مهما ارتقوا يجدون أنفسهم مقصرين وعملهم زهيدا، ومهما قدموا يحسبون أنهم مقلّون، ومهما أحسنوا البلاء والفداء والأداء للإسلام وهو كبير، في نفسه وحتى بالنسبة لمستوياتهم العالية، يجدونه صغيرا في جنب الله تعالى (رغم) وهم فيه أقوياء أشداء وأصلاء. وتلك طبيعة الإسلام وبناؤه وتربيته التي أقاموا أنفسهم بها وعليها. وقد استمدوا طبيعتهم من طبيعة الإسلام، يعبّرون عنه في أعلى المستويات. لا تغرهم الدنيا، وقد أتتهم، لا تغريهم ولا تلهيهم. فهم لديهم الاستعداد أن يفعلوا كل شيء مهما كان صعبا وشاقا ومكلفا، وكأنهم يتنافسون فيه. كل ذلك وهم يقدّمونه لله تعالى، يطلبون رضاه وحسن ثوابه والجزاء الكريم لديه. وكان ﷺ يعرفهم جميعا ويعرف كلّا منهم، بمفرده ومدى استعداده. ولذلك كانت مطالب الصحابة الكرام ﵃ أخذ هذا الاتجاه، ليست عابئة بغيرها أو ما دونها، بل بلغت حدا فريدا ومستوى عجيبا وقمة شاهقة. ومهما كانت تكاليفها وشدتها ومشقتها، تجد لديهم الحضور والسرور والإقبال «١» وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ [النساء: ٦٦] «٢» . ورغم معرفة الصحابة الكرام ﵃ أنه لو طلب منهم ذلك لفعلوه. وحين نزلت هذه الآية الكريمة قال رجل (لم تذكر الرواية اسمه) : (لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا) . انظر لهذا الاستعداد في العمل والاستجابة وكذلك في الفهم. وحين بلغ ذلك النبي ﷺ قال: «إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال

стр. 130

الرواسي» . وأشار الرسول الكريم ﷺ بمناسبة نزول هذه الآية إلى عدد من الصحابة أنهم سيفعلون ذلك، ذكر منهم ابن أم عبد (عبد الله بن مسعود) . وهذا يشير إلى معرفة الرسول الكريم ﷺ العميقة الدقيقة الوثيقة بالصحابة الكرام، معرفة نفوسهم بكل أبعادها وأمجادها واستعداداتها. وهو موضوع مهم «١» . وعبد الله بن رواحة الذي بلغ من طاعته أنه كان قادما إلى المسجد والرسول ﷺ يخطب، فسمعه يقول: «اجلسوا» فجلس مكانه خارج المسجد حتى فرغ ﷺ من خطبته. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «زاده الله حرصا على طواعية الله ورسوله» «٢» . وهذا الاستعداد لتحمل الأمر الشاق كهذا، كان متوفرا لدى صحابة رسول الله ﷺ ، ولكن الله تعالى عافاهم وعافانا من مثل هذه التكاليف. وثمارها واضحة في السيرة الشريفة بكل وضوح، سلما وحربا وبذلا وإقداما والتزاما وتضحية بالنفس. ومعلوم ما جرى للمسلمين يوم أحد، الذي كان يوم السبت للنصف من شوال السنة الثالثة للهجرة، حيث رجع الرسول الكريم ﷺ مساءه إلى المدينة، وقد أصيب المسلمون فيها بما لم يصابوه في أية معركة أخرى في حياة الرسول الكريم ﷺ ، بما ناله من الأذى الشديد «٣» ، وسالت الدماء ثم ما وقع من القتل في المسلمين. وفيها قتل عمّه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وسيد الشهداء ﵁. ومثّل بالعديد منهم، ولم يمثّل من المسلمين أحد. وانظر قصة المرأة الدينارية، استشهد اعزّ الناس إليها: أبوها وأخوها

стр. 131

وزوجها، وهي تقول: كيف رسول الله ﷺ ، فقالوا لها: هو بخير كما تحبين. فقالت: أرونيه، فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل، تريد صغيرة. وآخرون أصيبوا بعشرات الضربات من ضربات الحرب، وهم يقاتلون مستمرين في القتال، من مثل سعد بن الربيع «١» . وأنس بن النضر (عم أنس بن مالك، خادم النبي ﷺ ، وبه سمّي) «٢» ، قاتل حتى قتل، فوجد به فوق ثمانين ضربة. وبذلك يقول أنس: (لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ (تسعين) ضربة فما عرفته إلا أخته، عرفته ببنانه) . وانظر ما فعلت نسيبة ودعوتها «٣» . وحين تقرأ سيرة أي صحابي وصحابية تجد كل قضاياهم مع رسول الله ﷺ ومقدمة أمامه، بطاقاتهم. فكانوا يبايعونه على كل شيء، وفي المعارك على الموت وعلى ألّا يفروا، حتى وهم على غير استعداد مادي ونفسي ومعنوي، كما حدث في صلح الحديبية. ومثلما كان هذا يتم في حياة الرسول الكريم ﷺ كان كذلك بعد وفاته ﵊، كما حدث في معركة اليرموك (١٥ هـ) وفي غيرها من أمثالها وهي كثيرة وجد وفيرة. وكذلك بعدها خلال التاريخ وعلى مدار الأحداث وكل المواجهات بين المسلمين وأعدائهم من كل جنس. يتبين لنا من خلال هذه النماذج الفرائد والقصص الكرائم والأحداث المحامد- بوفرتها وكثرتها وغزارتها- أن الصحابة الكرام كانوا يلجؤون إلى رسول الله ﷺ ويهرعون (يهرعون) إليه، ليجدوا عنده برد النّفس الحنون وأنس الرفيق الأثير ونسيم الراحة الظليل في كل ما يشغلهم، مهما كان، وحسب هذا البناء، كما يجدون بقربه الأمان، وطلباتهم وحاجاتهم استزادة لها.

стр. 132

من هذا قصة ذلك السّكوني الذي حضر ضمن وفد قومه الذين قدموا من اليمن إلى المدينة المنورة- على صاحبها الصلاة والسلام- عام الوفود السنة التاسعة للهجرة، بصدقات أموالهم. فأكرم رسول الله ﷺ وفادتهم وقضى حوائجهم. لكن هذا الغلام الذي خلّفه قومه على رحالهم- وهو أحدثهم سنّا كانت له حاجة أخرى. وحينما جاؤوا إلى وداع رسول الله ﷺ سألهم- كعادته ﷺ إن كانوا خلّفوا أحدا؟ فذكروا الغلام، فقال ﷺ : «أرسلوه إلينا» . فأقبل الغلام إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني امرؤ من بني أبذى، يقول: من الرهط الذين أتوك آنفا، فقضيت حوائجهم. فاقض حاجتي يا رسول الله، قال: «وما حاجتك؟» قال: إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي، وإن كانوا قدموا راغبين في الإسلام، وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم، وإني والله ما أعلمني من بلادي إلا أن تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني، وأن يجعل غناي في قلبي، فقال رسول الله ﷺ وأقبل إلى الغلام: «اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه» . ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه، فانطلقوا راجعين إلى أهليهم. ثم وافوا رسول الله ﷺ في الموسم بمنى سنة عشر، فقالوا: نحن بنو أبذى، فقال رسول الله ﷺ : «ما فعل الغلام الذي أتاني معكم؟» قالوا: يا رسول الله ما رأينا مثله قطّ، ولا حدّثنا بأقنع منه بما رزقه الله، لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها. ولا التفت إليها، فقال رسول الله ﷺ : «الحمد لله إني لأرجو أن يموت جميعا» . فقال رجل منهم: أو ليس يموت الرجل جميعا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «تشعّب أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا، فلعل أجله أن يدركه في بعض تلك الأودية فلا يبالي الله في أيها هلك» . قالوا: فعاش ذلك الغلام فينا على أفضل حال، وأزهده في الدنيا، وأقنعه بما رزق. فلما توفي رسول الله ﷺ ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام، قام في قومه فذكرهم الله والإسلام، فلم يرجع منهم أحد، وجعل أبو بكر الصديق يذكره ويسأل عنه حتى بلغه حاله وما قام به،

стр. 133

فكتب إلى زياد بن لبيد الأنصاري البيّاضي يوصيه به خيرا «١» . قصة أخرى- وهذه وأمثالها كثيرة- شبيهة بقصة هذا الغلام السّكوني اليماني، تلك هي قصة بشر وأبيه معاوية بن ثور بن عبادة البكّائي، من بني عامر بن صعصعة (عداده في أهل الحجاز) ، في وفد بني البكّاء القادمين على رسول الله ﷺ سنة تسع للهجرة. وهم ثلاثة نفر: معاوية هذا وهو سيدهم، وهو يومئذ ابن مئة سنة، ومعه ابنه بشر. وكان برّا بأبيه الذي طلب من النبي ﷺ أن يمسح وجهه، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، إني أتبرّك بمسّك، وقد كبرت وابني هذا برّ بي فامسح وجهه «٢» . وكان معهما الفجيع بن عبد الله جندح بن البكّاء وعبد عمرو بن كعب بن عبادة، وهو الأصم. فأمر لهم رسول الله ﷺ بمنزل وضيافة وأجازهم ورجعوا إلى قومهم. وكان معاوية قال لابنه بشر يوم قدم وله ذؤابة: إذا جئت رسول الله ﷺ فقل له ثلاث كلمات لا تنقص منهن ولا تزد عليهن، قل: السلام عليك يا رسول الله، أتيتك يا رسول الله لأسلّم عليك، ونسلم إليك وتدعو لي بالبركة. قال بشر: ففعلتهن، فمسح رسول الله ﷺ على رأسي ودعا لي بالبركة وأعطاني أعنزا عفرا. وبهذا افتخر محمد بن بشر بن معاوية، فقال: وأبي الذي مسح النبيّ برأسه ... ودعا له بالخير والبركات أعطاه أحمد- إذ أتاه- أعنزا ... عفرا ثواجل لسن باللّجبات يملأن رفد الحي كلّ عشية ... ويعود ذاك الملء بالغدوات بوركن من منح وبورك مانح ... وعليه مني ما حييت صلاتي «٣»

стр. 134

* مدى عناية الرسول ﷺ بالصحابة: هكذا كانت عناية الرسول الكريم ﷺ بهؤلاء الصحابة الكرام، به يقتدون، وإليه يهرعون وعنده يجدون التوجيه، فترتاح قلوبهم، وتسكن نفوسهم، وتقرّ عيونهم. يجدون عنده الاستجابة والعناية والحنو الغامر، فينطلقون إلى الحياة عاملين أقوياء. بل إن العناية النبوية كانت تفوق كل تصور، حتى العناية بالأسماء- إذا كانت- يغيّر الجاهلية منها إلى الصيغ الإسلامية، كما رأينا آنفا بالنسبة لعبد عمرو الأصم، وسبق عند عبد الله ذي البجادين حين كان اسمه عبد العزى فغيره ﷺ . وهذه كثيرة جدا. بل إنه ﷺ كان نفسه يتفقدهم ويسألهم عما يشغلهم، ويعرض عليهم ما يقربهم ويراه مهما لهم، وما عليهم أن يكون لهم.

стр. 135

ولربيعة بن كعب الأسلمي الأنصاري نفسه قصة أخرى توضح ذلك، وهي مثال له وشاهد، وتحمل معاني جمة كريمة عالية متنوعة. يقول ربيعة: كنت أخدم رسول الله ﷺ فقال: «يا ربيعة ألا تزوّج؟» قلت: والله يا رسول الله ما أريد أن أتزوج، ما عندي ما يقيم المرأة، وما أحبّ أن يشغلني عنك شيء، فأعرض عني، فخدمته ما خدمته، ثم قال لي الثانية: «يا ربيعة ألا تزوّج؟» فقلت: ما أريد أن أتزوج، ما عندي ما يقيم المرأة، وما أحب أن يشغلني عنك شيء. فأعرض عني، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: والله لرسول الله ﷺ بما يصلحني في الدنيا والآخرة أعلم مني، والله لئن قال: تزوّج لأقولنّ: نعم، يا رسول الله، مرني بما شئت. فقال: «يا ربيعة ألا تزوّج؟» فقلت: بلى، مرني بما شئت، قال: «انطلق إلى آل فلان- حيّ من الأنصار، كان فيهم تراخ عن النبي ﷺ فقل لهم: «إن رسول الله ﷺ أرسلني إليكم يأمركم أن تزوّجوني فلانة» ، لامرأة منهم. فذهبت فقلت لهم: إن رسول الله ﷺ أرسلني إليكم يأمركم أن تزوجوني فلانة، فقالوا: مرحبا برسول الله وبرسول رسول الله ﷺ ، والله لا يرجع رسول رسول الله ﷺ إلا بحاجته، فزوجوني وألطفوني وما سألوني البيّنة. فرجعت إلى رسول الله ﷺ حزينا فقال لي: «ما لك يا ربيعة؟» . فقلت: يا رسول الله أتيت قوما كراما فزوجوني وأكرموني وألطفوني وما سألوني بيّنة، وليس عندي صداق. فقال رسول الله ﷺ : «يا بريدة الأسلمي، اجمعوا له وزن نواة من ذهب» ، قال: فجمعوا لي وزن نواة من ذهب، فأخذت ما جمعوا لي فأتيت به النبي ﷺ فقال: «اذهب بهذا إليهم فقل: هذا صداقها» ، فأتيتهم فقلت: هذا صداقها، فرضوه وقبلوه، وقالوا: كثير طيب. قال: ثم رجعت إلى النبي ﷺ حزينا، فقال: «يا ربيعة ما لك حزين؟» فقلت: يا رسول الله ما رأيت قوما أكرم منهم، رضوا بما أتيتهم وأحسنوا، وقالوا: كثير طيب، وليس عندي ما أولم، قال: «يا بريدة اجمعوا له شاة» قال: فجمعوا لي كبشا عظيما سمينا، فقال لي رسول الله

стр. 136

صلى الله عليه وسلم: «اذهب إلى عائشة فقل لها: فلتبعث بالمكتل الذي فيه الطعام» ، قال: فأتيت إليها فقلت لها ما أمرني به رسول الله ﷺ ، فقالت: هذا المكتل فيه تسع آصع شعير، لا والله إن أصبح لنا طعام غيره، خذه. فأخذته فأتيت به النبي ﷺ وأخبرته بما قالت عائشة، فقال: «اذهب بهذا إليهم فقل: ليصبح هذا عندكم خبزا وهذا طبيخا» ، فذهبت إليهم وذهبت بالكبش ومعي أناس من أسلم، فقلت: ليصبح هذا عندكم خبزا وهذا طبيخا، فقالوا: أما الخبز فسنكفيكموه، وأما الكبش فاكفونا أنتم، فأخذنا الكبش أنا وأناس من أسلم فذبحناه وسلخناه وطبخناه، فأصبح عندنا خبز ولحم، فأولمت ودعوت رسول الله ﷺ «١» . * العناية النبوية الحنون في رعاية الواقع الميمون: قصة ربيعة هذه الآخرى «٢» ، مليئة كذلك بالمعاني القوية، ذوات الإضاءة الناصعة، وهي عديدة، منها: التدليل والتأييد والتأكيد لمعرفة الرسول الكريم ﷺ بالصحابة الكرام- رضوان الله عليهم- بدقائق أحوالهم وأغوار نفوسهم وبما هو يصلح لهم دنيا وأخرى، كما بينه ربيعة نفسه بقوله: (والله لرسول الله ﷺ بما يصلحني في الدنيا والآخرة أعلم مني) . بل وتصل هذه المعرفة الكريمة إلى أنه ﷺ يعرفهم معرفة تتجاوز كثيرا معرفتهم لأنفسهم «٣» ، وكذلك في مقدار الاهتمام

стр. 137

بها وطريقة أخذها لخيري الدنيا والآخرة، وللارتقاء بكل ذلك بأفضل أسلوب وأجمل رعاية وأجود طريقة، تأخذ بالنفوس إلى المعاني الكريمة وإدراك المرامي السليمة وبناء واستخراج كوامنها الحرة. وكان هذا عاما للفرد منهم بكل أحواله، ولجميعهم بكل تنوعاتهم، ولكل أمور حياتهم وبكافة أحوالهم. فكان اهتمامه ﷺ بكل فرد منهم وبجميعهم في مجمل شؤونهم دون استثناء. حتى لقد كان يشعر أحدهم أنه ﷺ يخصه بهذا الاهتمام المركز الأصيل. أليست هذه وحدها توضيحا وتوكيدا وتدليلا على النبوة الكريمة؟ التي أعدها الله تعالى وأوحى إليها هذا الدين، نعمة منه على الإنسان، ساكن هذه الأرض. فكرّمه وجعله فيها خليفة يحكم بشرعه سبحانه. وهذه علامة ومؤهل وشرط لهذه الخلافة الأرضية. والسيرة كلها على ذلك دليل وأن هذا وأمثاله لا يكون إلا بنبوة اختارها الله وأوحى إليها الكتاب العظيم وهو القرآن الكريم، المهيمن على الحياة بكل ما فيها والمتضمن لخير منهاج ملئ بالمعجزات في كل اتجاه، تتبدى في كل يوم منها جديد، مدخر لكل الأجيال، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. ولكل جيل قسطه الذي قد كان قدّره الله تعالى لهم منه، معجزات لا تنفد تتحرر ولا تتأخر. فهذا القرآن الذي قد جعله الله تعالى «لا تنتهي عجائبه» ، كما وصفه الرسول الكريم ﷺ في حديث شريف طويل «١» . هو وحده القائم على سعادة الإنسانية في الدنيا والآخرة. صيغة التكافل القوية الكريمة العاملة، التي أتمت وأنجزت وحلت بسرعة وسهولة ويسر هذه المشكلة التي كان يراها ربيعة- وحق له ذلك، وهي كذلك تماما- غير قابلة التنفيذ.

стр. 138

اهتمام الرسول الكريم ﷺ المتسع بأمور الصحابة الكرام- رضوان الله عليهم- والسعي لإدراكها وتذكيرهم بها والعمل على إنجازها، بهذا الشكل المتعاون، بقيادته ورعايته ﷺ ، بل ومشاركته، رغم حالة الزهادة وقلة ما عنده من الزاد في بيته، وكرمه به، ووضوح حاجته الشديدة وأهله إليه. سرعة استجابة أهل البنت لأمر رسول الله ﷺ وفرحهم بذلك واعتبارهم له بركة ونعمة وكرم، ساقه الله إليهم على يد النبي الكريم ﷺ الحبيب الأثير ﷺ ففرحوا به شاكرين ملبين متعجلين، مما جعلهم ليس فقط لا يسألونه عن شيء، بل هم يقدمون- ما ليس عليهم- الهدية على ذلك. أضف إلى ذلك: سرعة الاستجابة من الجميع وتعجل التنفيذ، مما يجعل أي مشكلة تحل- في هذا المجتمع- دون تأخير أو تقصير ولا تبرير، وكل ذلك يجري في الأمور المهمة. وهناك حقوق لا تسقط، ولها موقعها الاجتماعي، والنّفس الإنساني والجمال الحياتي، تلك التي يهتم بها الإسلام ويدعو إليها ويثبتها حقوقا في الحياة؛ لما تحمله من معان كريمة وأثر في المجتمع والحياة، وإن كانت خفية أو خفيفة رديفة، لكنها مؤثرة فوارة دوارة، أخرجها وأنضجها وأدرجها، فلا يدعها تهمل تحت أي مبرر أو حجة أو حال، وعلى قدر الاستطاعة، تعبيرا عن الاهتمام ودليلا على الفرح وأداء لحقوق، وبإمكانياته ومكنتها وحدودها، ودون مغالاة، حتى مع توفر ملبّياتها ومغنياتها ومتطلباتها، تجري بسمته وتدور مع شرعه وتحيا بصبغته. تلك هي الفرحة بهذه المناسبة أن تكون سعيدة ومجيدة وحميدة: الزواج وتقديم مستلزماته وأداء حق الزوجة والإعلان عن الفرحة، تعريفا بها وارتفاعا بقدرها وتكريما لمعانيها في تكريم الزوجة، شريكة ورفيقة درب. وقد تكون هناك أمور أخرى في هذه القصة التي جرت في ظل هذا الدين الذي ربى هؤلاء النفر المثال بيد رسول الله الكريم ﷺ . فكانت هذه الرعاية التي أظهرت عمليا تعاليم الإسلام والحرص على ممارستها في الواقع

стр. 139

ورسم النماذج الفذة للحياة الكريمة السعيدة- دنيا وأخرى- تبقى مثالا للأجيال. وهي تبين كذلك هذا السلوك العملي- المشارك من الجميع- في هذه الحادثة وغيرها، هو مقتضى الأخذ بهذا الدين. وهكذا يتم بناؤه ويكون إعلاؤه وتثبيت شواهده وأعلامه وأفهامه في الحياة لتكون القدوة والمثال والدليل على الطريق، وليس غيره طريق، وهي من معالم الطريق، الطريق الوحيد المنير. ولكن هل يمكن إدراك أي شيء من ذلك إلا بهذا الدين؟ ذلك هو ما على مسلمة اليوم إدراكه والأخذ بأسبابه والعض عليها بالنواجذ. وهذا ما تهدف إليه كتابة هذه السيرة الشريفة. * تفقد الرسول ﷺ أصحابه وحبّهم له: كان ﷺ يتفقد أصحابه الكرام دوما- ﵃ بعد الصلوات وغيرها ولا سيما بعد صلاة الصبح، «وكان رسول الله ﷺ إذا صلّى الصبح انصرف، فيتصفح وجوه أصحابه ينظر إليهم» «١» . كما جرى لعبد الله ذي البجادين المزني، الذي أسلم بعد فتح مكة، والذي جرّده عمه- وكان في حجره- من كل شيء، حتى جرده من ثوبه، بسبب إسلامه، فلم يأبه لذلك. فأتى أمه فقطعت بجادا لها باثنين، فاتّزر نصفا وارتدى نصفا، ثم أصبح فصلى مع رسول الله ﷺ الصبح. فلما صلّى رسول الله ﷺ تصفح الناس ينظر من أتاه- كان ﷺ يفعله دوما- فرآه رسول الله ﷺ فقال: «من أنت؟» قال: أنا عبد العزى، فقال: «أنت عبد الله ذو البجادين، فالزم بابي» ، فلزم باب رسول الله ﷺ «٢» . فخرج مع رسول الله ﷺ في جيش

стр. 140

العسرة. ولعله كان دليلا في هذه الغزوة، فتوفي في تبوك «١» (رجب- أو بعده- السنة التاسعة للهجرة) ، بعد إسلامه بقليل! أما الصحابة الكرام- ﵃ فكان حبهم للرسول الكريم ﷺ يتجاوز كل أنواع الحب ودوافعه وتعبيراته. وكل حياتهم على ذلك دليل. علما أن هذا الوضع الشرعي الذي يستدعيه الانتماء لهذا الدين لا بد أن يتجاوز مقداره ومستواه ونوعيته حب النفس والأهل والولد، كما مر بيانه. ولكن هذا كان في نفوسهم حاضرا ومتدفقا وفعالا في واقع الحياة العملية لا يفتعلونه ولا ينبع من شعور إجباري أو دنيوي أو مشوب، بل هو حب مشبوب كانت نفوسهم متوازية متلازمة مع هذا، وهو ثمرة الصدق في الاتّباع لهذا الدين الإلهي ومنهجه الفريد الوحيد. كان أحدهم يتمنى أن يفدي نفسه له ﷺ ، ويجد في ذلك حلاوة ومتعة لا تعدلها متعة ولا تقدّم عليها، بل إن أحدهم ليستقل نفسه في هذا. وكل أحداث السيرة الشريفة كذلك، في المنشط والمكره وفي العسر واليسر وفي السلم والحرب تعبر عن ذلك أقوى تعبير. وخذ في ذلك مثلا ما جرى في غزوة أحد المشهودة. وهذا الاستعداد المتقابل والتهيؤ المتواصل والتنامي المتماثل يجري في كل الأمور، وجرى لدى هؤلاء الأصحاب. وأقصد من ذلك أن تربية هؤلاء الأخيار على دين الله تعالى جعل نفوسهم مستعدة للامتثال، إلى حد أنها تمارس هذا المستوى ربما قبل نزول الأمر به من الله تعالى والكف عن المناهي قبل النهي بذلك فيها. حتى لتكاد نفوس هؤلاء الصحابة الكرام تطلب ذلك وتستشرفه وتتوق إليه قبل نزول الأمر فيه أو النهي عنه من الله تعالى، ويتولاه الرسول الكريم ﷺ . وهذا يمثل أحد معالم وميزات ومتفردات التربية القرآنية التي قد أرادها الله تعالى لأهل هذه الدعوة الربانية الكريمة التي لا تصلح

стр. 141

الحياة إلا بها. وهي- إن شاء الله تعالى- مال أهل هذه الأرض. ومهما حاول الأعداء الذين حاربوا وما زالوا يحاربون هذه الدعوة الكريمة فإن أمرها لابد قادم وقائم وغالب إن شاء الله تعالى وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١] . * النساء وفرض الحجاب: ومثال ذلك ما جرى في موضوع الأمر بفرض الحجاب للنساء، فمما رواه البخاري- رحمه الله تعالى- عن أم المؤمنين عائشة- ﵂ أنها قالت: (يرحم الله نساء المهاجرات الأول لمّا أنزل الله: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ [النور: ٣١] . شققن مروطهنّ فاختمرن بها) «١» ، كذلك روي عنها في وصف المؤمنات: (كن نساء المؤمنات (نساء من المؤمنات) يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفّعات بمروطهن ثم ينقلبن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهنّ أحد من الغلس) «٢» . كذلك أثنت عائشة- ﵂ على نساء الأنصار بمثل ذلك.

стр. 142

وهذا يعني أن جميع النساء المسلمات هن كذلك، ولكن لكل وصف مناسبته، عند ذكر هؤلاء أو هؤلاء. روى أبو داود عن عائشة أم المؤمنين- ﵂ أنها ذكرت نساء الأنصار فأثنت عليهن، وقالت لهن معروفا، وقالت: لمّا نزلت سورة النور عمدن إلى حجوز فشققنهنّ فاتّخذنه خمرا «١» . وفي نفس المعنى كذلك روت صفية بنت شيبة عن أم المؤمنين أم سلمة- ﵂ قالت: لما نزلت يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٩] . خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية «٢» . كذلك روت صفية بنت شيبة هذه عن عائشة، قالت: بينما نحن عند عائشة، قالت: فذكرن نساء قريش وفضلهن. فقالت عائشة- ﵂: إن لنساء قريش لفضلا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار،

стр. 143

أشدّ تصديقا لكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل. لما نزلت في سورة النور: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابته. فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحّل، فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه. فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجرات كأن على رؤوسهنّ الغربان) «١» . * جيل الصحابة والإقبال على أمر الله: وهكذا تلقّى جيل الصحابة الكرام كل الأوامر والنواهي والتوجيهات. رغم أن الذي كان يحدث يعدّ أمرا فريدا، يصعب تصديق حدوثه لولا أنه قد حدث فعلا؛ فإن المسحة المعجزة التي تزينه والنسمة العالية التي توصله والقوة الإيمانية الربانية التي تحمله، هي من آثار الإعجاز في هذا الدين- قرآنا وسنة وسيرة- الذي نجده مبثوثا قويا شامخا في فعال أولئك الصحب الكرام، في كل أحوالهم، من الغضب والرضا والعسر واليسر والمنشط والمكره، وفي كل جوانب الحياة وأمورها وتعاملها، في السلم والحرب في الفقر والغنى والسراء والضراء وفي النصر والهزيمة. وإن كان لا هزيمة في مثل هذا البناء، في الحياة وتكاليفها أو في المعارك مع كل الأقوام الآخرى، التي عرف أهلها بالشجاعة. وهم الذين تصدوا ابتداء لحرب المسلمين، مغرورين بكل ما لديهم- وحق ذلك لهم- فهزموا، بفضل الله تعالى جميعا. ولكن أية هزيمة، ما توقعوها وما سبق أن عرفوها. هزائم تتلوها هزائم، حتى استقاموا أو تركوا أو بادوا.

стр. 144

وإن إعجابنا بذلك الجيل الفريد الجديد السعيد، في الفتوحات المعروفة- مثلا- المؤهّلة لهذا، حق وواجب وطبيعي، ولكن فتوحاتهم متوالية متتابعة متصاحبة، في كافة ميادين الحياة، ثمرة هذا الغرس الإيماني والمنهج الإلهي والتربية الربانية، الذي يؤتي أكله كل حين بإذن الله ربه : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم: ٢٤- ٢٥] . وهذا يتم في كل وقت يؤخذ به شرع ومنهج الله تعالى، كما أخذه الصحابة الكرام، ليتكرر في كل جيل ومع أي أحد في كل زمان ومكان وإنسان. تلك النماذج والنوعية والمثالية كانت بهذا الدين، وتكون متكررة حين الأخذ به، حيث إن الإسلام جاء لأهل الأرض، بشمولها وشمول حياتهم، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن بشرعه نصا ومعنى وتطبيقا كاملا. كما تم في ذلك الجيل الكريم جيل الصحابة الحبيب، الذي حاز الخيرية الشاملة، لهم ولكل من يماثلهم في أي جيل من أي الأمم والشعوب. فكان تلقيهم الأوامر الشرعية- وفي أشق الأمور- تلقيا متعاليا متواليا ومتعانقا، مع كل ما يرضي الله تعالى وبينه لهم رسوله ﷺ . وما كان ذلك ليحدث لولا البناء بهذا الدين وعلى قواعده المتينة المتفردة المتجددة، لكل طاقة ومولّدة لها. وحتى لو عرفوه أو بعضه- وهو لا يكون- ما كان ليحدث ولو جزء منه بحال، إلا بهذا الدين. ومع ذلك فالعجب فوق هذا العجب كله، أن تكون الاستجابة جماعية لا نعرف فيها شذوذا لأحد. وكان كل أحد منهم رقيبا. ليس فقط على نفسه، ولكن كذلك على أهله ومجتمعه وكل من حوله، وبافاق لا مثيل لها، بل لا يعرفها أحد ولا يفتكر فيها أو يتخيلها، فضلا عن أن تكون صورا في الحياة ماثلة قائمة راسخة. بل إنه مهما كان تعلقهم بالأمر فإن استجابتهم للقيام به تتسم بلهفة التنفيذ والحرص عليه والسرعة في الاستجابة المتابعة

стр. 145

الواعية الشمول، والذهاب إلى أبعد حد فيه وأجمل أخذ له. بل قد يسري هذا فيما لم يرد فيه أمر، حين يعرفون أنه لخدمة هذا الدين وتقربا إلى الله رب العالمين . فهم يسارعون إليه بأعلى مقدار من الاستجابة، لا تخلو من ذهاب إلى أبعد مدى يجاوز المطلوب، ولكنه يتمشى مع الروحية الجميلة الأمينة النزيهة لبناء النفس المسلمة، الذي أقامه هذا الدين، بعد أبعاده وأمدائه ومشمولاته المتلقاة جميعا. * قصة تحريم الخمر: كل ذلك يتبين في المثال التالي الذي جرى في حياتهم، وفي قضية كانت قبل الإسلام راسخة بتقاليدها الجاهلية وعاداتها المتأصلة القديمة الموروثة، مما يعتبر مسلكا عاما شاملا ومحمودا في مألوفات جاهليتهم ومن مفاخرها. وما كان لهم القيام بالإقلاع عنه- وبهذا النوع العجيب- لولا هذا الدين. ذلك هو قصة تحريم الخمر وكيفية استجابة الصحابة الكرام له ونوعيتها، وذلك في أواخر السنة الثالثة للهجرة وبعد معركة أحد، التي جرت في منتصف شوال منها. لقد كان تعاملهم مع الخمر واستعمالهم له وتناولهم إياه مسألة عامة يمارسها الجميع بشكل يفوق ممارسة العالم المتحضر اليوم له، شرقا وغربا. والذي للأسف قد سرت عدواه وتسربت إلى بلداننا الإسلامية، وبشكل مرعب ومخيف ومحزن، فنسأل الله العافية. ويبدو أن شيوع استعمال الخمر- وغيرها من المنكرات، القديمة والجديدة سواء- سمة بارزة، وظاهرة مميزة، ومعلم لازم لكل جاهلية وعلى مدار التاريخ، قديمه وحديثه ومعاصره. وكل هذه الجاهليات تمارسه وهي في أوج جاهليتها، كالمجتمع الروماني والفارسي والجاهلية العربية والجاهلية العلمية المعاصرة. وللمقارنة العابرة في موضوع الخمر في العصر الحاضر، وبعد أن تبين
следующие страницы →