الحياة إلا بها. وهي- إن شاء الله تعالى- مال أهل هذه الأرض.
ومهما حاول الأعداء الذين حاربوا وما زالوا يحاربون هذه الدعوة الكريمة فإن أمرها لابد قادم وقائم وغالب إن شاء الله تعالى وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١] .
* النساء وفرض الحجاب:
ومثال ذلك ما جرى في موضوع الأمر بفرض الحجاب للنساء، فمما رواه البخاري- رحمه الله تعالى- عن أم المؤمنين عائشة- ﵂ أنها قالت: (يرحم الله نساء المهاجرات الأول لمّا أنزل الله: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ [النور: ٣١] . شققن مروطهنّ فاختمرن بها) «١» ، كذلك روي عنها في وصف المؤمنات: (كن نساء المؤمنات (نساء من المؤمنات) يشهدن مع رسول الله ﷺ صلاة الفجر متلفّعات بمروطهن ثم ينقلبن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهنّ أحد من الغلس) «٢» .
كذلك أثنت عائشة- ﵂ على نساء الأنصار بمثل ذلك.
стр. 142
وهذا يعني أن جميع النساء المسلمات هن كذلك، ولكن لكل وصف مناسبته، عند ذكر هؤلاء أو هؤلاء.
روى أبو داود عن عائشة أم المؤمنين- ﵂ أنها ذكرت نساء الأنصار فأثنت عليهن، وقالت لهن معروفا، وقالت: لمّا نزلت سورة النور عمدن إلى حجوز فشققنهنّ فاتّخذنه خمرا «١» . وفي نفس المعنى كذلك روت صفية بنت شيبة عن أم المؤمنين أم سلمة- ﵂ قالت: لما نزلت يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٩] . خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من الأكسية «٢» .
كذلك روت صفية بنت شيبة هذه عن عائشة، قالت: بينما نحن عند عائشة، قالت: فذكرن نساء قريش وفضلهن. فقالت عائشة- ﵂: إن لنساء قريش لفضلا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار،
стр. 143
أشدّ تصديقا لكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل. لما نزلت في سورة النور:
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابته.
فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحّل، فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه. فأصبحن وراء رسول الله ﷺ معتجرات كأن على رؤوسهنّ الغربان) «١» .
* جيل الصحابة والإقبال على أمر الله:
وهكذا تلقّى جيل الصحابة الكرام كل الأوامر والنواهي والتوجيهات.
رغم أن الذي كان يحدث يعدّ أمرا فريدا، يصعب تصديق حدوثه لولا أنه قد حدث فعلا؛ فإن المسحة المعجزة التي تزينه والنسمة العالية التي توصله والقوة الإيمانية الربانية التي تحمله، هي من آثار الإعجاز في هذا الدين- قرآنا وسنة وسيرة- الذي نجده مبثوثا قويا شامخا في فعال أولئك الصحب الكرام، في كل أحوالهم، من الغضب والرضا والعسر واليسر والمنشط والمكره، وفي كل جوانب الحياة وأمورها وتعاملها، في السلم والحرب في الفقر والغنى والسراء والضراء وفي النصر والهزيمة. وإن كان لا هزيمة في مثل هذا البناء، في الحياة وتكاليفها أو في المعارك مع كل الأقوام الآخرى، التي عرف أهلها بالشجاعة. وهم الذين تصدوا ابتداء لحرب المسلمين، مغرورين بكل ما لديهم- وحق ذلك لهم- فهزموا، بفضل الله تعالى جميعا.
ولكن أية هزيمة، ما توقعوها وما سبق أن عرفوها. هزائم تتلوها هزائم، حتى استقاموا أو تركوا أو بادوا.
стр. 144
وإن إعجابنا بذلك الجيل الفريد الجديد السعيد، في الفتوحات المعروفة- مثلا- المؤهّلة لهذا، حق وواجب وطبيعي، ولكن فتوحاتهم متوالية متتابعة متصاحبة، في كافة ميادين الحياة، ثمرة هذا الغرس الإيماني والمنهج الإلهي والتربية الربانية، الذي يؤتي أكله كل حين بإذن الله ربه : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم: ٢٤- ٢٥] . وهذا يتم في كل وقت يؤخذ به شرع ومنهج الله تعالى، كما أخذه الصحابة الكرام، ليتكرر في كل جيل ومع أي أحد في كل زمان ومكان وإنسان.
تلك النماذج والنوعية والمثالية كانت بهذا الدين، وتكون متكررة حين الأخذ به، حيث إن الإسلام جاء لأهل الأرض، بشمولها وشمول حياتهم، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن بشرعه نصا ومعنى وتطبيقا كاملا. كما تم في ذلك الجيل الكريم جيل الصحابة الحبيب، الذي حاز الخيرية الشاملة، لهم ولكل من يماثلهم في أي جيل من أي الأمم والشعوب.
فكان تلقيهم الأوامر الشرعية- وفي أشق الأمور- تلقيا متعاليا متواليا ومتعانقا، مع كل ما يرضي الله تعالى وبينه لهم رسوله ﷺ . وما كان ذلك ليحدث لولا البناء بهذا الدين وعلى قواعده المتينة المتفردة المتجددة، لكل طاقة ومولّدة لها. وحتى لو عرفوه أو بعضه- وهو لا يكون- ما كان ليحدث ولو جزء منه بحال، إلا بهذا الدين.
ومع ذلك فالعجب فوق هذا العجب كله، أن تكون الاستجابة جماعية لا نعرف فيها شذوذا لأحد. وكان كل أحد منهم رقيبا. ليس فقط على نفسه، ولكن كذلك على أهله ومجتمعه وكل من حوله، وبافاق لا مثيل لها، بل لا يعرفها أحد ولا يفتكر فيها أو يتخيلها، فضلا عن أن تكون صورا في الحياة ماثلة قائمة راسخة. بل إنه مهما كان تعلقهم بالأمر فإن استجابتهم للقيام به تتسم بلهفة التنفيذ والحرص عليه والسرعة في الاستجابة المتابعة
стр. 145
الواعية الشمول، والذهاب إلى أبعد حد فيه وأجمل أخذ له. بل قد يسري هذا فيما لم يرد فيه أمر، حين يعرفون أنه لخدمة هذا الدين وتقربا إلى الله رب العالمين . فهم يسارعون إليه بأعلى مقدار من الاستجابة، لا تخلو من ذهاب إلى أبعد مدى يجاوز المطلوب، ولكنه يتمشى مع الروحية الجميلة الأمينة النزيهة لبناء النفس المسلمة، الذي أقامه هذا الدين، بعد أبعاده وأمدائه ومشمولاته المتلقاة جميعا.
* قصة تحريم الخمر:
كل ذلك يتبين في المثال التالي الذي جرى في حياتهم، وفي قضية كانت قبل الإسلام راسخة بتقاليدها الجاهلية وعاداتها المتأصلة القديمة الموروثة، مما يعتبر مسلكا عاما شاملا ومحمودا في مألوفات جاهليتهم ومن مفاخرها.
وما كان لهم القيام بالإقلاع عنه- وبهذا النوع العجيب- لولا هذا الدين. ذلك هو قصة تحريم الخمر وكيفية استجابة الصحابة الكرام له ونوعيتها، وذلك في أواخر السنة الثالثة للهجرة وبعد معركة أحد، التي جرت في منتصف شوال منها.
لقد كان تعاملهم مع الخمر واستعمالهم له وتناولهم إياه مسألة عامة يمارسها الجميع بشكل يفوق ممارسة العالم المتحضر اليوم له، شرقا وغربا. والذي للأسف قد سرت عدواه وتسربت إلى بلداننا الإسلامية، وبشكل مرعب ومخيف ومحزن، فنسأل الله العافية.
ويبدو أن شيوع استعمال الخمر- وغيرها من المنكرات، القديمة والجديدة سواء- سمة بارزة، وظاهرة مميزة، ومعلم لازم لكل جاهلية وعلى مدار التاريخ، قديمه وحديثه ومعاصره. وكل هذه الجاهليات تمارسه وهي في أوج جاهليتها، كالمجتمع الروماني والفارسي والجاهلية العربية والجاهلية العلمية المعاصرة.
وللمقارنة العابرة في موضوع الخمر في العصر الحاضر، وبعد أن تبين
стр. 146
بالعلم والواقع والرؤية آثاره المدمرة للإنسان نفسه ومجتمعه وأجياله، لم تفلح أية دولة ولا نظام ولا تربية حتى بالتخفيف أو التخفف منه، رغم الوسائل المتقدمة والإمكانيات الضخمة التي تحوزها والجهود الكبيرة. ليس ذلك فقط- ومع بذل المحاولات في بعضها وبشكل جاد- نرى هذه الظاهرة تتسع وتزداد، أفقا وعمقا. وتنتشر وعلى وضع مخيف ويزداد المعاقرون لها، بل وبين الناشئة والمراهقين والفتيان بل والصغار من الذكور والإناث.
ولقد حاولت الحد منها أو منعها عدة دول غربية في أوربا وأمريكا وغيرها، كالسويد والولايات المتحدة والهند كذلك، ففشلت تمام الفشل.
كانت هذه بدافع دنيوي طبعا، ولما لمست من آثاره المدمرة، ليس على الجيل المعاقر له بل على نسله، فضلا عن الأمراض والآثار الاجتماعية والخلقية والإنتاجية. لقد حاولت أمريكا وفشلت، بعد أن سنّت قانونا سنة (١٩١٩ م) ، واستمرت تعمل به طوال أربعة عشر عاما، ثم اضطرت إلى إلغائه والتخلي عنه، أمام الفشل الذريع المريع المذهل، الذي ربما أتى بعكس الرجاء منه، وبعد أن أنفقت مئات الملايين من الدولارات والجنيهات وأعدم بسببه المئات من الرجال وسجن مئات الآلاف منهم. كان الفشل الغريب- وليس بغريب- هو الحصيلة الواضحة من ورائه. وهذا في كل الأمور يتكرر وفي كل محاولات الإصلاح الجادة ينظر. وفي عالم المخدرات وتجاراتها نرى كم من محاولات بذلت في كثير من دول العالم، في مصر والغرب وأمريكا اللاتينية ولكن لا فائدة. وحتى لو أمكن تحقيق شيء فهو بالحديد والنار، وليس عن اقتناع أو استجابة، من المعاقرين له والمتاجرين به ومن معهم. وذلك لأنهم أخطؤوا الطريق، ربما اختيارا أو إصرارا أو جهلا أو تجاهلا وازدراء. وهذا الغرب أمامنا ومحاولاته في علاج أنواع الفساد الذي يستشري فيه. وكل يوم يزداد هذا كما يزداد فشله في علاجها، وفي تقابل مطّرد.
ويعتبر هذا في الميزان الإسلامي ساذجا وفجا وعبيطا، ليس فقط لأنه
стр. 147
عالج القضية أجزاء وتفاريق ومن السطح، مقطوعة عن كلياتها وأمهاتها وارتباطاتها، بل يعتبر أسلوبا تائها لا يوقع الإنسان ولا يرفعه ولا يورثه إلا مزيدا من السقوط في التّيه، حين يكون بعيدا عن الله تعالى. وهو مظهر بوضوح عبث محاولات الإصلاح بغير منهج الله تعالى.
وقل مثل ذلك في كل المحاولات بأنواع أساليبها وتعدد ميادينها. بل هو طبيعي لا تنتظر غير ذلك منه، مثلما هو طبيعي بالنسبة للإسلام، لا تنتظر منه إلا ذلك التفرد العجيب المميز.
خذ كذلك الظواهر المتنوعة المعاصرة، حتى في البلدان التي بلغت شأوا بعيدا في مضمار التقدم المدني والعلمي والتقني ومعالجاتها التي ظنت- وللأسف ظننا معهم- رقيها وسبقها وتفردها، فما حصدت إلا الذّبول والنّكول والتّدني في جميع القضايا الإنسانية، وما يخص المرأة وما يخص الظواهر الجديدة كالإيدز، بسبب البعد عن منهج الله تعالى.
إن الخمر- كالميسر، كبقية الملاهي- ثم كالجنون بما يسمونه (الألعاب الرياضية) والإسراف في الاهتمام بمشاهدها ... كالجنون بالسرعة ... كالجنون بالسينما ... كالجنون بالمودات والتقاليع ...
كالجنون بالمصارعة والملاكمة ... كالجنون بمصارعة الثيران ...
كالجنون ببقية التفاهات التي تغشى البشرية، حتى لتكاد أن تصبح كالقطعان بل قل كالأنعام في بعض الأحيان في مواقع وبلدان في الجاهلية الحديثة اليوم، جاهلية الحضارة الصناعية والتقنية والعلمية المترهّلة.
إن هذه كلها ليست إلا تعبيرا عن الخواء الروحي من التربية الحقة والعجز والهزيمة أمام تحقيق أي لون من الإصلاح والوصول لعلاج الفاسدات والمفسدات، لتفلس أمامها، الأمر الذي ينقلب أحيانا إلى مماشاتها بل والأخذ بها. بل وأحيانا- تلك وهناك- الفقر المدقع من الإيمان أولا ومن الاهتمامات الكبيرة- نتيجة لذلك- التي تستنفد الطاقة ثانيا. وهي ليست إلا إعلانا عن إفلاس هذه الحضارة في إشباع الطاقة أو الحاجة أو الرغبة الفطرية
стр. 148
بطريقة سويّة. ذلك الخواء وهذا الإفلاس هما اللذان يقودان إلى الخمر والميسر لملء الفراغ، كما يقودان إلى كل أنواع ذلك الجنون وغيره. وهما الخواء والإفلاس وما يتبعهما، بذاتهما- اللذان يقودان، كما يتم، والعياذ بالله ونسأل الله العافية، إلى الجنون المعروف، وإلى المرض النفسي والعصبي والشذوذ. بل يذكر أن للخمر (والتدخين) علاقة بالعقم!!!
لكن انظر الذي حققه الإسلام في هذا الشأن وفي غيره من كل شؤون الحياة، حققه ويحققه بكلمات الله تعالى المعجزة، بلاغة وأثرا وتفردا.
إنها لم تكن مجرد كلمات- كما قد يظن- إنها كلمات الله ، وهي التي حققت تلك المعجزة الفريدة. إنه كان بالمنهج الرباني، منهج هذه الكلمات، متنه وأصله، منهج من صنع رب الناس لا من صنع الناس. وهذا هو الفارق الأصيل بينه وبين كل ما يتخذه البشر من مناهج لا تؤدي إلى كثير أو كبير أو جدير، بل إلى الهزيل لا بل إلى التأذي والتردي والتدني البعيد، لا بل إلى التدمير المحقق والخطير.
إنه ليست المسألة أن يقال كلام، فالكلام كثير. وقد يكتب فلان أو غيره من الفلاسفة والمفلسفين أو من الشعراء أو من المفكرين أو حتى من السلاطين! قد يكتب كلاما ملفقا أو مزوقا أو ملقنا- استعارة أو تجارة أو شطارة، من يده أو يد غيره- قد يكتب كلاما مهما أو منمقا جميلا يبدو أنه يؤلف منهجا أو مذهبا أو فلسفة «١» ... ولكن ضمائر الناس تتلقاه بلا سلطان
стр. 149
لأنه ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ. ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:
٤٠] «١» .
فمصدر الكلمة هنا هو الذي يمنحها السلطان، سلطان العليم الرحمن الرحيم الحكيم القادر الكريم المتفرد. وهي كلمة- فوق ذلك- تستكمن في ذاتها أسرارا من القوة والفاعلية والبركة المؤثرة، بجعل أثرها معجزا، لا يدرك بحال.
بينما مناهج البشر جميعا تفتقد كل هذا فلا تقود إلا إلى التردي، وذلك فوق ما في طبيعة المنهج البشري ذاته من ضعف ومن هوى ومن جهل ومن قصور ومحدودية وغموض وعجز.
فمتى يدرك هذه الحقيقة البسيطة من يحاولون أن يضعوا لحياة الناس مناهج، غير منهج العليم الخبير؟ وأن يشرّعوا للناس قواعد غير التي شرعها الحكيم البصير؟ وأن يقيموا للناس معالم لم يقمها الخلّاق القدير؟
متى ومتى؟ متى ينتهون عن هذا الغرور؟؟!
لكني أقول: إنه لا يتم شيء من ذلك إلا يوم يتم- بقدر الله تعالى- لأهل هذه الدعوة الكريمة أن يقيموا منهج الله في الأرض، فيراه الآخرون حقيقة واقعة، يرون آثارها ويألفون منارها ويتذوقون ثمارها. وهو ما جرى واضحا في السيرة النبوية الشريفة، على صاحبها الصلاة والسلام. حيث أقبلوا عليها واستظلوا بظلها وتفيّؤوا أشجارها واجتنوا ثمارها الطيبة، عبقت بألوان الطّعوم.
رغم أنهم حاربوه طويلا بكل سبيل دون هوادة، وبأكثر من ذلك. ولكن حين رأوه في الحياة قائما، هرعوا إليه مؤمنين به، يتسابقون ويتنافسون في
стр. 150
خدمته غير مدخرين لطاقة. فأصبح أشدّ الأعداء من أبر الأبناء، وهذا من معجزات الإسلام لا يستطيعه غيره بحال «١» .
ومن الملاحظ أن كثيرا من هذه الأنظمة الوضعية الأرضية البشرية- شرقا وغربا، التي تحاول عمل شيء في هذا المضمار، وهي لا تزيدها إلا سوآ فوق سوئها وترديا إلى جانب ترديها وعبئا مع ثقلها- لم تحقق شيئا في أي من هذه المضامير والضمائر والمضامين، وحتى التي رفعت لها الرايات وادّعت سبقها وتفردها متّهمة غيرها. وكانت أفشل من غيرها- كل الأنظمة الوضعية ومن تلك التي قامت على أنقاضها ووصفتها بأشنع الاتهامات، بل حتى صار الناس يترحمون على تلك والتي هم أنفسهم كانوا يتمنون زوالها:
ربّ يوم بكيت منه فلما ... تولى بكيت عليه
ومن العجيب- أو ليس بعجيب- أن كل هذه الأنظمة والأوضاع الجاهلية تحارب دين الله تعالى- بزعامة الصهيونية والصليبية والعلمانية- وتتحد عليه، وهي متعادية متحاربة متوالية، جمعها الهدف والمهمة والمركبة الواحدة، التي اصطنعتها من أجل ذلك، فصارت عليه إلبا واحدا، لحسابها أو لحساب غيرها. بل إن بعض الأوضاع ادّعت تقدمها وقوتها وتفردها في المناهج الإصلاحية وتحت هذه الشعارات- ليس فقط حاولت وفشلت ولا أهملت فحسب، بل كأنها تدعو إلى الفساد والإفساد والخروج عن طاعة الله تعالى، وإن تزيت به- لكنها تتعامل في الواقع بمقولة تستنكرها في الظاهر، هي: (إثابة المسيء وعقوبة المحسن) .
стр. 151
أمور لو تدبّرها حكيم ... إذا لنهى وهيّب ما استطاعا «١»
وهذا كله مما يجعل النداء إلى دين الله قائما ولازما على أهله، معلنين الدعوة إلى هذا الخير والاستقامة والصلاح، الذي لا يتم إلا بهذا الدين وحده، ولا طريق له إلا من هذا الدين فهو وحده الطريق. وهو أقصر الطرق وأصدقها وأنجاها، فضلا عن كونه أجودها وأبركها وأحلاها. فإن تقوى الله وحدها والأخذ بمنهجه- عقيدة وعبادة وشريعة- هي دوما وحدها الكفيلة بإصلاح القلوب وإنارة النفوس وتعمير الحياة. وهذه التقوى لله تعالى والأخذ بشرعه تقوم على الأساس الأمين والركن الركين وهو لا إله إلا الله، بشمول معناها وعمق مبناها ودليل محتواها. وهي دعوة جميع الرسل، عليهم الصلاة والسلام. والرسول الكريم ﷺ دعا إليها طول عمر النبوة المنيرة الخيّرة المباركة.
وخلال الدعوة المكية كانت الدعوة إليها باعتبارها الأساس الذي يقوم عليها البناء الإسلامي كله. وكانت خلالها هي القضية الوحيدة التي يعمل لها، ويجاهد لأجلها وينادي داعيا إليها «٢» .
من ذلك ما رواه الإمام أحمد عن ربيعة بن عباد، وكان جاهليا فأسلم، قال: رأيت رسول الله ﷺ بصر عيني بسوق ذي المجاز (يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله) يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» «٣» .
стр. 152
ولا بد قبل بيان سرعة استجابة الصحابة الكرام والمسلمين والهروع لتنفيذه، أن يعرف موقع شيوع الخمرة في الجاهلية العربية. أقول: لقد كان تعلق العرب بالخمر- قبل الإسلام، لا سيما في المدن مكة (وقريش) والمدينة وغيرها- ربما أكثر من تعلق المدمنين اليوم في الحضارة المعاصرة أو الجاهلية المعاصرة. وربما استعاض أولئك العرب بها عن الماء لأيام.
ويلحظ أن هذه الأمور- كالخمر- هي من معالم الجاهلية وعلاماتها وعاداتها- وكل جاهلية- كما نشهده اليوم في الحضارة (الغربية) المعاصرة، شرقا وغربا. والبلاد الإسلامية كثيرا ما تقلدهم في ذلك وفي غيره، وكأنها زاد تقدّم وحضارة حقّة.
كما لا بد من ملاحظة أن الذين أدركوا في الغرب خطورة الخمرة وأثرها السيىء وأضرارها المتنوعة، البدنية والعقلية والنفسية، وعلى النسل، وكذلك الاجتماعية والخلقية والحضارية. رغم ذلك فهم يعاقرونها صبوحا
стр. 153
وغبوقا «١» ، بل وحتى الأطباء الذين يعرفونها أكثر من غيرهم وينصحون الناس بالكف عن تناولها. وهذا يعني أنه لا المعرفة وحدها ولا القناعة بحالها ولا التقنيات بمفردها تكفي للإقبال أو الإدبار، ولا تصلح للبناء والتربية والاستقامة، لانقطاعها عن النفس، بانقطاعها عن منهج الله تعالى.
ومن هنا كان لا بد أن تفشل كل المبادئ الوضعية وفلسفاتها وأنظمتها ونظرياتها، التي يضعها البشر للبشر، والذي يمثل صيغة من صيغ الخروج عن الفطرة، بخروجها من العبودية لله تعالى والاستبداد بسلطان ليس لهم، هو سلطان الله تعالى، الذي اعتدوا عليه. ولا نذهب بعيدا، والحاضر على ذلك دليل، أي دليل. خذ مثلا وشاهدا وما أكثرها. فما أكثر النظريات الحديثة في مختلف الميادين، التي لو صدقت فلا تصلح لذلك. وقد بدا ليس فقط فشلها بل كذبها وسقوطها وبطلانها.
فهي تنهزم أمام الواقع والحقائق والعلم. وتلحظ هذه الهزائم حتى في مواطنها، فيما قاله العديد من العلماء الذين ما يزالون- لا سيما عندنا- يحتلون منصات التقدم العلمي، من أمثال: دارون وفرويد ودوركايم وهكسلي ونيتشه وكنت وبرجسون وغيرهم كثير.
وسيأتي يوم- إن شاء الله- تبدو فيه كل هذه الفلسفات والنظريات والمذاهب جاهلية، ننظر إليها كما ننظر إلى الجاهليات السابقة ومعبوداتها، إلى حد تثير الدهشة، كيف قبلها الناس في جيل وارتضوها وعاشوها؟ وكما أن الظّلمة لا تعرف لتهجر وتنبذ إلا حين يشع النور، أعني نور الله تعالى، يعرف به الإنسان الطريق صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ [البقرة: ١٣٨] .
وكما حدث أيام الرسول ﷺ حين أسلم من أسلم، وقد حمد الله تعالى
стр. 154
على الإسلام بعد الجاهلية: أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠] .
لقد حدثت الاستجابة لتحريم الخمر لدى الجيل الخيّر، والانتهاء منه، مثلما حدث في موضوع الحجاب، الذي تستبين من خلاله طاعة النساء كلهن، وهن جزء من المجتمع الإسلامي والجماعة المسلمة ونصفه. وكيف أيضا فرح الرجال بتنفيذه. وفي تحريم الخمر كذلك كانت نفس الاستجابة.
والحق أننا لا ننتظر إلا هذه الصورة الفريدة. لأن الإسلام هو الذي يصلح القلوب التي منها يأتي كل الصلاح «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» «١» .
ومع ما كان للخمر من مكانة في نفوس أولئك القوم ومن تعلّق شديد ومعاقرة متسعة. انظر كيف كانت استجابتهم- بعد أن تربوا على الإسلام- للإقلاع عنها وعدم التعامل معها أو التداول بها أو التمثل بالأقاويل فيها، بأي شكل وحال. ما كان أحد يتصور- بدون الإسلام- أن يقلع أحد منهم عنها، فضلا عن أن يكون بالشكل الذي تم به، بعد ذلك التعلق الشامل والمعايشة الدائمة والإدمان الشنيع، إلى حدّ كانت من مفاخرهم في نواديهم ومجالسهم وشعرهم كذلك.
فالآيات الكريمة والأمثلة الواضحة والروايات المتعددة كلها تبين وتؤكد وتؤيد بشكل شامل، على تغلغل هذه الظاهرة- معاقرة الخمرة- في المجتمع الجاهلي. وكانت هي والميسر الظاهرتين البارزتين المتداخلتين في تقاليد هذا المجتمع.
فماذا صنع المنهج الرباني لمقاومة هذه الظاهرة المتغلغلة؟ ماذا صنع
стр. 155
لمكافحة هذه الآفة، التي لا يقوم معها مجتمع جاد صالح مستقم واع أبدا؟
ماذا صنع ليقف في وجه عادة أصيلة قديمة، تتعلق بها تقاليد اجتماعية، كما تتعلق بها مصالح اقتصادية؟
لقد عالج المنهج الرباني هذا كله ببضع آيات من القرآن! وعلى مراحل، وفي رفق وتؤدة. وكسب المعركة، دون حرب ودون تضحيات ودون إراقة دماء. والذي أريق فقط هو دنان الخمر وزقاقها، وجرعات منها كانت في أفواه الشاربين- حين سمعوا آية التحريم- فمجّوها من أفواههم ولم يبلعوها!!
لقد اتبع الإسلام- وهو دين الله تعالى- أسلوب التدرج أمام هذه القضية. علما أن هذا مرتبط بنوع البناء والتربية الربانية للجماعة المسلمة، وما كان يثمر أبدا، لا هذا ولا غيره بدون هذه القاعدة الإسلامية الصّلبة.
ولقد كان للتحريم مراحل سبقت ومهدت له، حتى بات المسلمون هم أنفسهم يطلبون البيان الشافي في هذا ويستعدون، بل ويتمنون تحريمها.
وهذه السّمة والعلامة والاتجاه هو ما أسميه الاستعداد المسبق المتقابل الذي يجعل النفس المسلمة ذاتها- بتربيتها- تطلب الوقوف عند الصيغ الإسلامية قبل الأمر بها، فإذا ما جاء ذلك الأمر كان التنفيذ سريعا. وهذا ما يجعله ترنو إليه بما تربت عليه قبل الأمر به، وعند ذلك يكون سبّاقا في قبوله وانطلاقه له، بل وفرحا بالأخذ به حريصا عليه، ومن فوق هذا الأفق الكريم المتسامي في امتثاله.
جرى لتحريم الخمر ثلاث أو أربع مراحل، وذلك بعد بناء هذه النفس المسلمة ومجتمعها على كلمة التوحيد الخالص لله تعالى في العقيدة والعبادة والشريعة، وهو معنى ومحتوى ومقتضى كلمة «لا إله إلا الله» ، الكلمة التي لا يقدّم عليها شيء ولا يفوقها ولا يقوم قبلها. وكل أمر يا بنى عليها، بعد قيامها في النفس.
стр. 156
١- آية في سورة النحل وهي مكية: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [النحل: ٦٧] «١» .
وهذه الآية لا تحرّم الخمر ولكنها تشير إلى أن الخمر (السّكر) ليس رزقا حسنا والرزق الحسن غيره. والآية تصف الواقع في ذلك الوقت من أنّ الخمر تؤخذ من ثمرات النخيل والأعناب، وليس فيها نص بحلّها. ولكن ذلك ممكن أن يعتبر إشارة إلى اتجاه تحريمها والتمهيد له.
٢- يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما [البقرة: ٢١٩] «٢» .
وهذه الآية الكريمة تبين أن إثم الخمر- كالميسر (القمار) - أكبر من النفع فيه. وليس في هذا حل لها، وهو ما لا يوجد في القرآن مثله. وهذا يعتبر تلميحا- أكبر من الآية السابقة- إلى التقليل من التعامل بها. وهو تمهيد أكبر لتحريمها، وهو تدرج لتحريمها.
٣- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النساء: ٤٣] «٣» .
وهذه الآية الكريمة تعتبر حلقة أخرى في خطوات تحريم الخمر. حيث تضيّق أوقات شربها وتحدده، فلا يشربها قبل الصلاة لخمسة أوقات، حتى يعرف المسلم ماذا يقول في صلاته. فلم يبق إلا وقت قليل لمعاقرتها. وبعد نزول هذه الآية الكريمة كان منادي رسول الله ﷺ إذا أقيمت الصلاة ينادي:
«ألا لا يقربنّ الصلاة سكران» .
٤- ثم يأتي الأمر الجازم بتحريمها (مع الميسر) ، نصا قاطعا أقوى من
стр. 157
لفظ التحريم، حيث قرنها بتحريم الأنصاب والأزلام، أي الشرك بالله تعالى، نعوذ بالله منه.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: ٩٠- ٩١] «١» .
كان هذا الأمر الإلهي- بالانتهاء عن الخمر- تحريما قاطعا حازما شديدا، ومع ذلك فقد استجاب المسلمون له أروع استجابة، مستريحة وفرحة متلهفة. تم ذلك وكأنه كان أملهم ومأربهم ومطلبهم. ذلك هو ثمر هذا البناء الرباني الكريم على منهج الله تعالى. وهذا هو الفرق بينه وفي علاجه للنفس الإنسانية والمجتمع والحياة وبين كل ما عداه من المناهج الوضعية الأرضية الجاهلية غابرا وحاضرا ومستقبلا.
انظر كيف تمت هذه المعجزة المتفردة، التي لا نظير لها في تاريخ البشرية، ولا مثيل لها في تاريخ التشريعات والتقنيات والتنظيمات والتنظيرات والإجراآت والإصلاحات، في أي مكان ولا في أي زمان ولا لدى أي إنسان؟
لقد تمت المعجزة؛ لأن المنهج الرباني أخذ النفس الإنسانية بطريقته
стр. 158
الخاصة، أخذها بسلطان الله وخشيته ومراقبته، وبحضور الله- سبحانه وتبارك وتعالى- فيها حضورا لا تملك الغافلة عنه لحظة من زمان. أخذها جملة لا تفاريق وعالج الفطرة بطريقة خالق الفطرة.
لقد ملأ فراغها باهتمامات كبيرة لا تدع فيها فراغا تملؤه بنشوة الخمر وخيالات السكر وما يصاحبهما من مفاخرات وخيلاء وادعاء، تذهب في الهواء. ملأ فراغها باهتمامات، منها: نقل هذه البشرية الشاردة كلها من تيه الجاهلية الأجرد وهجيرها المتلظي وظلامها الدامس وعبوديتها المذلة وضيقها الخانق إلى رياض الإسلام البديعة وظلاله الندية ونوره الوضئ وحريته الكريمة وسعته التي تشمل الدنيا والآخرة!
ملأ فراغها بالإيمان، وبهذا الإحساس الندي الرضي الجميل البهيج.
فلم تعد في حاجة إلى نشوة الخمر، تحلق بها في خيالات كاذبة وسراب خادع وأوهام مضحكة، تتراءى متوثبة متأهبة. فأين هي من تلك الأحاسيس الرضية، ترفّ بالإيمان المشع إلى الملأ الأعلى الوضئ وتعيش بقرب الله ونوره وجلاله وتذوق طعم هذا القرب، فتمج طعم الخمر ونشوتها وترفض خمارها (آلامها وآثارها) وصداعها وتستقذر لوثتها وخمودها في النهاية!
لقد استنقذ هذا الإيمان بكل إحساساته وموراته وتدفقاته الفطرة من ركام الجاهلية. وفتحها بمفاتيحها الذي لا تفتح بغيره، وتمشي في حناياها وأوصالها وفي مسالكها ودروبها، ينشر النور والحياة والنظافة والطهر واليقظة والهمة والاندفاع للخير الكثير والعمل الكبير والخلافة في الأرض؛ بأصولها التي قررها العليم الحكيم الخبير، وعلى عهد الله وشرطه وعلى هدى ونور منه.
تم هذا بكل يسر وسهولة وشمول، رغم ما مر بنا من تعلقهم الزائد بالخمر قبل الإسلام- وفي الإسلام- حتى كان تحريمها. كانوا يعاقرونها بهذه الممارسة الشرهة الشاملة، إلى حدّ كانت الخمرة مادة فخرهم وأدبهم وشعرهم، مثلما هي مادة نواديهم ومجالسهم وأسمارهم. كما كان أدواتها
стр. 159
وتقاليدها ومصطلحاتها، وأصبح الخمر أحد أهم أغراضهم الشعرية.
وإنك لتجد ذلك في العديد من معلقاتهم، التي هي مستجاد شعرهم، ومستجاد الشاعر عندهم. وكانت- فوق ذلك كله- تقليدا اجتماعيا مرتبطا بجذور حياتهم الاقتصادية والتجارية، فهي قوام تجارتهم «١» .
وقل مثل ذلك في الميسر الذي بلغ من ولوعهم به وتعلقهم بممارسته حدّا «كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله، فيقعد حريبا سليبا ينظر إلى ماله في يدي غيره، فكانت تورث بينهم عداوة وبغضاء، فنهى الله عن ذلك وقدّم فيه، والله أعلم بالذي يصلح خلقه» «٢» .
لقد بلغ من شيوع تجارة الخمرة ورواجها وإلفتهم لها أن كلمة التجارة غدت مرادفة لتجارة الخمر وبيعه. وفي ذلك يقول شاعرهم لبيد بن ربيعة بن مالك- قبل إسلامه طبعا- في معلقته «٣» :
قد بتّ سامرها وغاية تاجر ... وافيت إذ رفعت وعزّ مدامها
стр. 160
ويقول المنخّل اليشكري «١» (نحو ٢٠ ق. هـ) :
ولقد شربت من المدا ... مة بالصغير وبالكبير
فإذا سكرت فإنني ... ربّ الخورنق والسّدير
وإذا صحوت فإنني ... ربّ الشّويهة والبعير
وشعراء آخرون كثيرون تناولوا هذا الاتجاه بشعرهم «٢» .
ومع كل ذلك كانت استجابتهم في الإقلاع عنها عجيبة من عجائب هذا الدين، وكله عجائب، عجبا مستمدا من هذا المنهج الإلهي وقائما على هذه التربية الربانية الفريدة ومتيقظا بالصدق الأمين في الله تعالى.
وانتهى المسلمون كافة، وأريقت زقاق الخمر وكسرت دنانها في كل مكان، بمجرد سماع الأمر. ومج الذين كانت في أفواههم جرعات من الخمر ما في أفواههم- حين سمعوا الأمر- ولم يبلعوها وهي في أفواههم وهم شاربون. ولم يتم ذلك عن طريق سيطرة الدولة وتقنيناتها وتقنياتها وإشرافها ورقابتها، بل تم بسلطان القرآن الكريم، وما أعظمه من سلطان «٣» .
الظاهر أن كثرة من الصحابة الكرام كانوا يعاقرون الخمر، قبل تحريمها، مما يدل على شيوعها وتمكن هذه العادة وتأصل هذا التقليد.
فعمر بن الخطاب- مثلا- ممن كان يعاقرها، منذ جاهليته. وهو الذي يقول في قصة إسلامه: (كنت للإسلام مباعدا وكنت صاحب خمر في الجاهلية أصبها وأشربها. وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزوّرة ...
فقلت في نفسي: فلو أني جئت فلانا الخمّار، وكان بمكة يبيع الخمر، لعلي
стр. 161
أجد عنده خمرا فأشرب منها، فخرجت ... ) «١» .
ولكنه ظل يشربها في الإسلام- مثل غيره- فلما نزلت آية البقرة (٢١٩) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا. ولما نزلت آية النساء (٤٣) : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ. قال: اللهم بيّن لنا بيانا شافيا في الخمر. حتى إذا نزلت آية التحريم التي في المائدة (٩٠- ٩١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «٢» . قال: - وقال المسلمون جميعا- انتهينا انتهينا «٣» ! وانتهى وانتهوا منها جميعا، وإلى غير رجعة.
وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما، فدعانا وسقانا من الخمر فأخذت الخمر منا ... » » .
وهكذا رويت أخبار عن عديد من خيار الصحابة من المهاجرين والأنصار، أنهم كانوا يعاقرونها، مثل سعد بن أبي وقاص «٥» .
وروي عن الصحابي الجليل أنس بن مالك، ﵁ قال: (فإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل فقال: وهل بلغكم الخبر؟
فقالوا: وما ذاك؟ قال: حرّمت الخمر، قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس، قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل) «٦» . ولقد ورد الخبر
стр. 162
بكلمات أخرى عن أنس أيضا، يقول: (كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله ﷺ مناديا ينادي:
«ألا إنّ الخمر قد حرّمت» . قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها.
فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة ... ) «١» .
إن امتثال الصحابة الكرام في الانتهاء عن تناول الخمر- وبهذا الشكل القوي- لهو معجزة من معجزات الإسلام، إذ استجابوا بشكل كامل وجماعي، وأراقوا ما لديهم منه، ولم يؤجلوا ولم يبيعوا ما لديهم منه لغيرهم، حتى لغير المسلمين، بل ولم يعطوه لأحد «٢» . فما أن سمعوا بالخبر- مجرد الخبر- من رجل مسلم حتى نفذوه قبل أن يستفسروا، حتى قالوا انتهينا يا رب «٣» .
وانظر هذه الصورة التي يذكرها الإمام ابن جرير الطبري (٣١٠ هـ) في تفسيره (جامع البيان عن تأويل القرآن) . فيروي عن الصحابي الجليل
стр. 163
بريدة بن الحصيب الأسلمي (٦٣ هـ) «١» . أنه قال: (بينما نحن قعود على شراب لنا، ونحن على رملة، ونحن ثلاثة أو أربعة، وعندنا باطية لنا ونحن نشرب الخمر حلّا، إذ قمت حتى آتي رسول الله ﷺ فأسلّم عليه وقد نزل تحريم الخمر: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [المائدة: ٩٠] ، إلى آخر الآيتين فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟ فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قال: وبعض القوم شربته في يده، وقد شرب بعضا وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجّام. ثم صبوا ما في باطيتهم فقالوا: انتهينا ربنا! انتهينا ربنا! «٢» .
وما عرف عن أحد من الصحابة أنه شرب خمرا أبدا، بعد ذلك بحال.
فالحمد لله رب العالمين.
وهكذا اندثرت هذه الممارسات والتقاليد الغائرة في جاهليتهم، وحتى في إسلامهم قبل التحريم، وفي لمح البصر. انتهت تلك من حياتهم، بعد ما أحبوها، وبعد التحريم أحبوها تحريمها وما أحبوها. وأصبحت من المنكر حتى ذكرها في أحاديثهم، مجرد ذكرها في مدح أو تمنّ أو تسلّ.
وظني أن هذا هو سبب سجن عمر بن الخطاب للشاعر أبي محجن الثقفي (٣٠ هـ) «٣» ، لا لأنه شرب الخمر بل لأنه قال الشعر فيها وحسب.
وهناك حادثة مشابهة، ذلك أن النّعمان بن عديّ بن نضلة القرشي العدوي (نحو ٣٠ هـ) ، صحابي من مهاجرة الحبشة، ومن الولاة، وهو شاعر. ولّاه عمر على ميسان (كورة واسعة بين البصرة وواسط) . وهو الوحيد الذي ولّاه عمر من قومه (بنو عديّ) ، لما يعرف من صلاحه. ولمّا
стр. 164
أبت زوجته الخروج معه كتب إليها بأبيات، منها:
إذا كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلّم
لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا في الجوسق المتهدّم
ولما بلغ ذلك عمر كتب إليه:
(بسم الله الرّحمن الرّحيم. حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر: ١- ٣] .
أما بعد فقد بلغني قولك:
لعل أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا في الجوسق المتهدّم
وايم الله إنه ليسوؤني، فأقدم فقد عزلتك) .
فلما قدم عليه قال: والله يا أمير المؤمنين ما شربتها قطّ، وإنما هو شعر طفح على لساني (وما كان إلا فضل شعر وجدته) وإني لشاعر.
فقال عمر: إني لأظنّك صادقا، ولكن والله لا تعمل لي عملا أبدا.
فنزل البصرة فلم يزل يغزو مع المسلمين حتى مات «١» ، ﵄.
جرى ذلك في تحريم الخمر الذي كان من مفاخرهم المعدودة في المعاقرة لها صباح مساء، ما إن تقارب بطونهم أن تخلوا منها حتى يترعوها من جديد. وبلغ الأمر حدا أنّ مدار الكثير من أشعارهم (ديوانهم) لأكبر شعرائهم من أصحاب المعلقات وغيرهم «٢» ، كانت في المفاخرة والمعاقرة هذه المشاربة، والتي غدت- بعد الفخر بها- بهذا الدين وبنائه القوي الأمين الرباني الرصين، من أكبر العيوب والآثام لديهم، وهي أم الخبائث «٣» .
стр. 165
وإذا نظرنا بعض أشعارهم في ذلك نستدل على أن الإسلام صنع إنسانا جديدا وحياة جديدة ومجتمعا فريدا، في كل مبانيه الحياتية والإنسانية والحضارية في الأنفس والحياة والآفاق.
إن أخذنا الجدي العملي المتمكن بالإسلام يرينا بشكل أدق وأوفق وأبعد حقيقته، ويعمق أكثر فهمنا له، ويبصرنا زيادة بأسراره التي أودعها الله إياه مليئة، يدلنا على طريق الخير السليم القويم، وهو وحده يفعل ذلك. ولكن هذه ثمرة طبيعية مؤكدة، لا يرد غيرها. ولكنه الأساس لأنه يحقق غاية الوجود الإنساني في العبودية الحقة لله تعالى وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] . وهي قوام كل إصلاح وبداية الاستقامة فيها وموئل الإنسانية الكريمة.
والمرجو أن يرى المسلم- مسلم اليوم قبل غيره- ذلك، ليدرك بوضوح عظمة هذا الدين. وهو المستوى اللازم للقيام به والانتماء إليه والسير في موكبه الكريم، ليحقق في نفسه وفي ما حوله وفي الحياة ما يراد منه. ويدرك هو وغيره المنقذ والموجه والمسعد دنيا وأخرى، الذي يتناسب مع الإنسان الذي خلقه الله تعالى وجعله خليفة في أرضه وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة: ٣٠] . وهو هذا الدين وحده. وسيبقى هذا الإنسان ضائعا بدونه أبدا. فلا يفلح في إصلاح الإنسان إلا الدين الذي أنزله الله تعالى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤] .
فالحياة كلها- قديما وحديثا، لا سيما عصرنا- خير دليل على ذلك.
وإن هذا الدين يقود إلى خيري الدنيا والآخرة، فمن يقود إلى خيريهما غيره.
إنه هو الذي أراده الله أن يكون كذلك. وبه وحده تعرف حقّ الله تعالى والاستئناس بالعبودية له سبحانه. ثم إنه به يعرف معنى الألوهية والربوبية والحاكمية، وهو ما على الإنسان أن يعرفه ويؤديه ويقوم به؛ ولذلك أرسل الله تعالى الأنبياء، وآخرهم محمد رسول الله ﷺ ؛ الذي بعثه الله تعالى بالرسالة الخاتمة الشاملة. فما من حجّة بعد ذلك لأحد
стр. 166
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً [النساء: ١٦٥] «١» . وبيّن لهم وأراهم الصيغ الحقة التي لا بد أن تصطبغ بها أعمالهم، خلوصا لله تعالى، إيمانا واحتسابا صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ [البقرة: ١٣٨] .
وإذا كانت هناك دول- مثل الولايات المتحدة الأمريكية- ذات إمكانيات ضخمة حاولت منع الخمر، واستعملت كل وسائل الإعلام والإبلاغ والإقناع، ثم فشلت، فألغت المنع، وأعادت إباحتها، فلماذا منعت وتكلفت، ولماذا أباحت من جديد؟ وهذا يجعل الفرق واضحا- وهو أحد وجوهه- بين الإسلام وغيره، لا يدع مجالا للادعاآت والأوضاع. ليس فقط في مقدرتها وصدقها، ولكن كذلك في نوع المنهج وتوجهه وأحقيته.
مهما ادعت هذه الحضارة التي تحمل من الأدواء والفساد والإفساد ما يقود إلى دمارها، كما سبقت الإشارة إليه.
والواقع الحالي يجعل ادعاآت هذه الحضارة الحديثة وأمثالها وغيرها- وكل تقدم أو منجزات بعيدة عن منهج الله تعالى، قانونا لا يتبدل- يجعلها عديمة القيامة خالية الأهمية خاوية المصداقية، أدركت ذلك أو لم تدركه، الأمر الذي يتيح القول في أن الفساد والشرور والمعاصي مدمرة للحياة الإنسانية مبيدة لحضارتها، بل عقبة كأداء ضروس عبوس في طريق كل إصلاح وبأي ميزان. ولكن الأشد منه أن يكون هذا ملفوفا بلفائف مدّعاة تجعل من ذلك الشر خيرا، إيهاما وإرغاما وانتقاما.
وهذا ما يجري في الحضارة المعاصرة وتوابعها، وهي سمة من سماتها، الأمر الذي يجعل سوس الفساد والنخر يستمر في فعله وآثاره حتى يتهدم الهرم الضخم- في شكله وهيئته- فجأة، قشة أمام الأعاصير تذروها
стр. 167
الرياح أو هشيما تأكله النار فيصبح المحذور منظورا، حين لا ينفع الندم والادعاء التبريري، من عدم الوعي المفتعل. عندها يكتبون عن عودة الوعي واللاوعي ويرون أنفسهم صغارا بعد أن خدعوها، وحتى لو عاقبوها حقيقة، إن كانوا صادقين.
ولكن تلك سنّة الله التي تجنبوها وعقّوها، بفجاجة وغرور صبياني.
أعرضوا عن سنن الله في الأنفس والآفاق والوجود، جهلوها وتجاهلوها واستجهلوها. وما يصيبهم- حاضرا ومستقبلا، مثلما حدث ماضيا ودوما- هو بعض آثار وموجبات ومعطيات سنن الله تعالى في عقاب المكاذبين، كما سنراه في مصارع الغابرين، حين الحديث عنها، يوم ضحكت عليهم شياطين الإنس والجن.
وعلى أي من هذه الاعتبارات والمهمات والمفهومات، فلا منجاة ولا حق ولا استقامة إلا بهذا الدين. نهر زلال موفور ومتوفر لكل أحد، وللإنسان أنزله الله الرحمن الرحيم، فليغترف منه من يشاء ما شاء كيف يشاء، وبشرطه وحدوده ومقتضياته وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١] .
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف: ١٠٩- ١١١] .
* الترقي الإيماني والإقبال على دخول الإسلام:
لقد غدا مجتمع الصحابة كلّه هكذا يترقى كل يوم في سلّم الإيمان، متقدما نحو قممه التي لا تدرك إلا بهذا الدين. وهذا المجتمع غدا كله ماثر
стр. 168
وكرائم ومحامد. ومن هنا كان الرسول الكريم ﷺ يدع القادمين إلى المدينة المنورة يقيمون فيها أياما- مسلمين وغير مسلمين- ليروا وليشاهدوا نوعية هذا المجتمع الرباني الذي أنشأه الإسلام ونشّأه بهذا القرآن. فهو تربية وإخراج، كما قال الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران: ١١٠] .
كانت إقامة القادمين إلى المدينة المنورة مقصودة، على ما يبدو، ولمدة كثرت أو قلت، وتكون على الأغلب نحو ثلاثة أيام.
وتبين من خلال متابعاتي في السيرة النبوية الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- أن الذي يأتي إلى المدينة من غير المسلمين- بأي دافع وسبب- لا أحد من الصحابة يشرح له الإسلام على الإطلاق، ولم يوجّه الرسول الكريم ﷺ أحدا ليقوم بذلك، بل لعل التوجيه ألا يفعله أحد.
وأفهم منه أن يترك القادم هو نفسه يتولى معرفة الإسلام من خلال ما يراه من سلوك أهله وأخلاقهم وتعامل مجتمعهم، وذلك يكفيه وزيادة، ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك كله. كما أن الشرح قد يشير- مما يشير إليه- إلى إجبار القادم- بشكل ما- على قبول الإسلام، الذي لا يكون إلا بالقبول الذاتي القلبي الأصيل. يلزم به نفسه ويفرح بأخذه منهجا ويا بني حياته عليه.
وهو بهذا يسعى إليه ولو على حياته. وهذا ما يريده الإسلام، وهو الذي رأيناه من هؤلاء الذين يصرون عليه ويأتون إلى المدينة معتمدين متعمدين محتملين حتى من أهليهم فارين إلى مدينته ومجتمعه ونبيه ﷺ .
وبهذا انتشر الإسلام. وهذا يدل دلالة واضحة قوية جادة على نوعية المجتمع المسلم وقوة التزامه وشمول إقباله على منهج هذا الدين.
فأينما يلتفت القادم لا يرى إلا عجبا في هذا الدين وماذا صنع بأهله، إذ أخذهم إلى قممه السامقة وأجوائه العبقة ومجتمعه الكريم الذي صاغه هذا المنهج الرباني الوضئ الجديد الفريد.
стр. 169
وإن قصة جبلة بن الأيهم، ملك الغساسنة- الذي أصر الخليفة عمر بن الخطاب على تنفيذ العدل فيه، فهرب وعاد، ثم ندم «١» - لتمثّل دلالة طبيعية معتادة على الإسلام في كل شيء، والذي يقدّم ميزانه دوما على كل اعتبار، دون أي حسابات غير حساب موازينه من منهج الله المنير والسعي لرضاه سبحانه. ولا يجب أن ننتظر منه غيره، مثلما لا ينتظر مثله من أي توجّه أو منهج- إن صح ذلك- أو نظام. بل إنه لمن العبث والضياع والتيه انتظار ذلك من غيره، بل لا نتوقع مطلقا إلا عكسه تماما. أمّا ندم جبلة فلا بد أنه أدرك روعة هذا الإسلام ومحاسنه وتفرده التي حجبت أو تأخرت أو غلبت رؤيتها غروره وزعامته وجاهليته. وقد فات الأوان، إلا لو أنه أقبل من جديد بقوة وثبات وإقدام يعلن موقفه، دون تردد، ولا سيما وهو غارق بدنياه بترفها وأبهتها ونعيمها الزائف الزائل الغرور.
أما موعد شرح الإسلام فكان يتم للمسلمين وللقادمين مسلمين أو بعد أو يدخلوه مؤمنين، أفرادا أو جماعات أو أفواجا.
فكان بقاء القادمين إلى مجتمع المدينة لمدة، ليشهدوا هذا المجتمع القرآني الفريد وليعرفوا من خلال نوعيته هذا المجتمع الذي رباه الإسلام ونشّأه، وأخرجه الله تعالى إلى الحياة مثالا، بهذا الدين العظيم. وكيف وماذا صنع بهم، فكانوا ولادة جديدة للإنسان الفاضل الذي أخذ بهذا المنهج الفريد، المنهج الرباني الوحيد الذي يمكنه أن يصل بالإنسان- فردا ومجتمعا ودولة- إلى هذا الأفق السامي الوضئ، وبه وحده يكون. فكانوا يندهشون مأخوذين بهذا الإنسان الجديد، فيأتي إلى الإسلام فرحا طائعا ويصبح من خيرة أبنائه بعد ما كان من ألد أعدائه، بل ويندم على زمن من عمره أنفقه، معاديا للإسلام أو بعيدا عنه، يحاول ملافاته بمضاعفة جهده واجتهاده وجهاده، مثلما جرى لكثيرين، منهم: الحارث بن هشام بن
стр. 170
المغيرة «١» أخو أبي جهل، فرعون هذه الأمة وعدوها اللدود.
فيندفع هذا المسلم الجديد بهذا المنهج الجديد يحمله بين أضلعه، منطلقا به في الحياة يمثله في كل أحواله وتعامله. وقد يكون حرصه على خدمته أكثر قوة من شدته في عداوته له، والأمثلة كثيرة. وكم من أحد أو جمع جاؤوا ليوقعوا بالمجتمع وأهله وينالوا منه، بل ويتامروا على نبيه ﷺ ليقتلوه، فيعودون مسلمين، يعملون للإسلام بكل ما يملكون وبكل طاقتهم.
جرى ذلك لعديد: من مثل:
١- ثمامة بن أثال «٢» ملك اليمامة «٣» ، الذي بعد أن كان يقاتل الرسول ﷺ قبل إسلامه، لكنه بعد إسلامه غدا يقاتل أعداء الإسلام حتى لو كانوا من قومه وعشيرته (بنو حنيفة) . وكان ممن ثبت على الإسلام أيام الرّدّة بل وقاتلهم، حتى ضد من ارتد من قومه من المرتدين وقاتلهم، ومنهم مسيلمة الكذاب، حتى مكّن الله منه وتم القضاء عليه والحمد لله.
٢- كذلك قصة إسلام عمير بن وهب، الذي أتى إلى المدينة بعد معركة بدر، رمضان السنة الثانية للهجرة. وكان يريد الفتك برسول الله ﷺ ، بحجة فداء ابنه من الأسر، وكان قد حضر بدرا مع المشركين هو وابنه وهب، فنجا هو وأسر ابنه. وتعهد له ابن عمه صفوان بن أمية بن خلف أن يكفل عياله
стр. 171
ودينه وجهازه ليذهب إلى المدينة لقتل رسول الله ﷺ ، بسيف مسموم مصقول مشمول. ولكن الرسول ﷺ كان يحدثه في المسجد- وعمير يخفي نيته- كشف له، بما أوحى الله إليه، اتفاقه مع صفوان في الحجر (في الكعبة) فقال ﷺ : «تحمّلت له بقتلي على أن يعول بنيك ويقضي دينك، والله حائل بيني وبينك!» . قال عمير: أشهد ألاإله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.
يا رسول الله، كنا نكذبك بالوحي، وبما يأتيك من السماء، وإن هذا الحديث كان بيني وبين صفوان في الحجر، والحمد لله الذي ساقني هذا المساق، وقد آمنت بالله ورسوله. ففرح المسلمون حين هداه الله «١» .
٣- وشبيه بذلك إسلام نوفل بن الحارث بن عبد المطلب «٢» . وهو ابن عمّ رسول الله ﷺ . أسر يوم بدر كافرا، ولما فداه عمّه العباس أسلم. وكان أسنّ إخوته (أبو سفيان وربيعة) ومن سائر من أسلم من بني هاشم.
ولقد ذكرت في إسلامه رواية أخرى أراها أجود، وقد رواها حفيده عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، قال: لما أسر نوفل بن الحارث ببدر، قال له رسول الله ﷺ : «افد نفسك» . قال: ما لي مال أفتدي به. قال ﷺ : «افد نفسك برماحك التي بجدّة» فقال: والله ما علم أحد أن لي بجدّة رماحا، بعد الله غيري، أشهد أنك رسول الله. ففدى نفسه بها، وكانت ألف رمح «٣» .
стр. 172
ورجع إلى مكة ثم هاجر هو والعباس إلى رسول الله ﷺ أيام الخندق.
وشهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة وحنين والطائف وثبت يوم حنين مع رسول الله ﷺ وأعان يومها بثلاثة آلاف رمح.
وهكذا ترى بوضوح كبير أن أكثر الصحابة حاربوا الإسلام أولا أشد الحرب، ثم أسلم من أسلم منهم بعد ذلك، فكان أحدهم يتمنى أن يفدي الإسلام وقرآنه ورسوله ﷺ بنفسه وماله وأهله، وهو بذلك سعيد.
وكان أحدهم لا يود إلا أن يموت شهيدا في سبيل الله؛ ولذلك فإن خالد ابن الوليد بن المغيرة الذي سماه الرسول ﷺ بعد معركة مؤتة (٨ هـ) «سيف من سيوف الله» «١» . قال حين حضرته الوفاة: (لقد شهدت مئة زحف أو زهاءها، وما في بدني (جسدي) موضع شبر إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح أو رمية سهم. ثم ها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء، وما من عمل أرجى من (لا إله إلا الله) وأنا متترّس بها) «٢» .
وكان حريصا أشد الحرص على الشهادة في سبيل الله، فيقول: (ما أدري من أي يوم أفر: يوم أراد الله أن يهدي لي فيه شهادة، أو يوم أراد الله أن يهدي لي فيه كرامة) «٣» . وقال أيضا (عند الوفاة) : (ما من ليلة يهدى إليّ فيها عروس أنا لها محبّ (أو أبشّر فيها بغلام) أحبّ إليّ من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد في سرية (من المهاجرين) أصبّح فيها العدوّ (فعليكم بالجهاد) «٤» .
стр. 173
وقال أيضا عند الوفاة: (لقد طلبت القتل مظانّه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي. وما من عملي شيء أرجى عندي بعد التوحيد من ليلة بتّها وأنا متترّس، والسماء تهلّني ننتظر الصبح حتى نغير على الكفار. ثم قال:
إذا متّ، فانظروا إلى سلاحي وفرسي فاجعلوه عدة في سبيل الله) «١» .
انظر إلى هذا التحول العجيب، فبعد ذلك العداء المتناهي يصبح لا همّ له في حياته إلا خدمة هذا الدين؛ الذي غدا عنده أغلى من حياته، وخير ما يفرحه خدمته والعمل له وبه والجهاد بكل الطاقة الإيمانية الجديدة في سبيل الله بل أصبح يتبرك حتى بشعر من رسول الله ﷺ . وذلك أن أبا سليمان خالد بن الوليد افتقد يوم اليرموك قلنسوته «٢» ، فبحثوا عنها فلم يجدوها.
واستمر البحث حتى وجدوها، فإذا هي خلقة (خلقة بالية) فقال:
(اعتمر رسول الله ﷺ في حجة الوداع فحلق رأسه فابتدر الناس شعره فسبقتهم إلى ناصيته الكريمة الشريفة فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصر) «٣» .
стр. 174
وهذا ما فعله الإسلام بأتباعه يكسبهم طاقات جديدة، وينمي ما لديهم باتجاه العمل لله تعالى وطلب ثوابه وجنته. وعلى ذلك ففي معركة مؤتة (٨ هـ) وقد آلت قيادة الجيش الإسلامي بالافه الثلاثة التي واجه جيش الروم بالافه المئة بمشيئة الله على أقل تقدير أو يزيدون، وبعد مقتل القادة الثلاثة، وتولي خالد القيادة، فيحارب ببطولة الإسلام الجديدة الوليدة الفريدة، وينسحب بعد أن تدقّ (تكسر) بيده تسعة أسياف، فما بقي في يده إلا صفيحة يمانية «١» .
بهذا الدين غدا خالد بن الوليد علما في الحياة الإسلامية، عرفه المسلمون وغير المسلمين. فهو منا موضع التقدير والحب والاقتداء، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
стр. 175
* حضور مشاهد الغابرين:
في تاريخ البشرية العام أمثلة وفيرة معروفة. وفيما قصه الله تعالى في القرآن الكريم خير بيان، فيه العبرة الواسعة المشهودة، تزوّد الإنسان- في كل جيل- بالخبرة المؤكدة الحقة إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران:
٦٢] . مثلما فيها الأخبار الصادقة كل الصدق. فالقرآن الكريم أصدق مصدر في الوجود، وأصدق كتاب بكل ما فيه وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤١- ٤٢] . فهو الصدق الوحيد: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً [النساء: ٨٧] . وهم الذين عليهم الانتفاع بها، حاضرة أمام الأنظار ماثلة لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف: ١١١] .
ومنذ خلق الله الإنسان على هذه الأرض جعل الحق والباطل، والصراع بينهما قائم. وكان دوما بين الأنبياء- ﵈ وأتباعهم جبهة واحدة ضد الباطل وكل من قاده واستغواه. والحق يتمثل فقط في اتّباع منهج الله تعالى وحده، والباطل يجتمع فيمن رفضه وعاداه وحاربه.
ويتخذ الباطل صيغا متنوعة، حكاما ومن تابعهم من المحكومين وغير المحكومين من أي مكان، جمعتهم اتجاهاتهم أو منافعهم أو مصالحهم، ومهما كانت دوافعهم وانتما آتهم وتناقضاتهم، مثلما حدث مثلا في معركة الخندق (الأحزاب) في مواجهة الدعوة الإسلامية ومجتمعها ونبيها ﷺ ، وذلك في شوال السنة الخامسة للهجرة. وقد ذكر القرآن الكريم هؤلاء وهؤلاء مثلما ذكر أقوامهم ومواقفهم وأحداث الاتّباع والامتناع.
أما المحاربون لدين الله، فقد ضرب الله تعالى الأمثلة لها، أفرادا أو أقواما أو شعوبا، ولكن دوما كان النصر للمؤمنين بالله ودعوته، مهما ادعى أولئك وجادلوا وما حكوا وعاندوا.
فالأفراد من أمثال فرعون وهامان وقارون، وثلاثتهم متعاونون على الإثم
стр. 176
والعدوان، مجتمعون على الباطل والكفر، تجبرا وتكبرا وتطاولا إلى حد التأله في مواجهة دعوة الله تعالى التي بعث بها موسى وأخوه هارون ﵉.
فرعون: (مصري قبطي) ، وهو حاكم مصر الطاغي المستبد المتأله.
ويمثل بوضوح سلطان الحكم المتجبر الذي يحارب الله ودعوته وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [القصص: ٣٨- ٤٠] .
هامان: (مصري قبطي) ، وهو- على ما يبدو- كبير وزراء فرعون ووزير مكائده ومعاونه في حربه لدعوة الله تعالى. وقد أوكل فرعون إليه أمورا كثيرة، ويبدو منها العسكرية وأمور الهندسة المعمارية. وهو يمثل سلطان المنصب والعلم وربما المال وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ [القصص: ٦] ، إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ [القصص: ٨] . ولعل هامان كان على علم بهندسة البناء أو يتولى الإشراف عليها وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ [غافر: ٣٦] .
قارون: أما قارون فهو ليس مصريا وليس من قوم فرعون أو هامان، وإنما من قوم موسى ومن أعوان فرعون. وهو يمثل سلطة المال والعلم وتسلطهما وسطوتهما بالباطل لمحاربة الحقّ، الذي يريده الله تعالى والذي بعث به موسى وأخاه هارون ﵉، ودعوته وأتباعه إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٧٦] «١» .
стр. 177
وهؤلاء الثلاثة جمعتهم مواجهة دعوة الله تعالى التي كلّف بها موسى وهارون- ﵉ وإن اختلفت أقوامهم وانتما آتهم. واستمر الصراع الدامي المتنوع الطويل «١» بين الحق الذي أراده الله تعالى وبين الباطل وجنوده. وانتهى- كما هي سنة الله تعالى- بنصره عباده المؤمنين بدعوته العاملين بها ولها وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (٢٥) وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ [غافر: ٢٣- ٢٧] .
هذه الآيات الكريمة من سورة غافر، التي فيها نماذج أخرى كثيرة.
ولعل فرعون يعتبر نموذجا لسلطان الحكم وطغيانه وجبروته المتأله. وهامان وهو وزير فرعون المدبر لمكائده- نموذجا لسلطان العلم والمنصب.
وقارون نموذجا لسلطان الثروة والعلم قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: ٧٨] .
وكل هذه النماذج بات أصحابها جميعا معا في جبهة واحدة ضد الإيمان. والكفر ملة واحدة، مهما كان بينهم من التناقضات- وما أكثرها- والعداوات- وما أشدها- والحزازات- وما أعمقها وأعرقها- كما نلمسه اليوم في المعسكرات التي اتحدت ضد الإسلام. وهي ربما لم تتحد عمرها يوما ولا مرة واحدة إلا في هذا.
فليس هناك إذا إلا معسكران: معسكر الإيمان بالله تعالى ودعوته، وهو
стр. 178
الإسلام بمعناه الشامل. وهو دين الله الواحد الذي دعا إليه كافة الأنبياء- ﵈ وحمل صورته الأخيرة العامة الشاملة الكاملة الدائمة اللازمة الخيرة محمد رسول الله ﷺ ، إلى البشرية كافة في كل زمان ومكان وإلى يوم الدين، ولا يقبل الله من أحد دينا غيره. وهو الدين الذي بشّر به ووصى كلّ الأنبياء- ﵈ أقوامهم بالإيمان به واتّباعه. والآيات القرآنية الكريمة في ذلك كثيرة وواضحة وملزمة ومفهمة.
فالإيمان هو الآصرة الحقة والصلة الموثقة والوشيجة المرتجاة دوما، تجمع أهلها على شرع الحق ودعوته الأمينة ودينه المتين. ولذلك فإن مؤمن آل فرعون، وهو ليس من قوم موسى- ﵇ إلا أنه آمن به ووقف معه ومع المؤمنين من بني إسرائيل ضد فرعون وحزبه وجنده وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر: ٢٨] .
ومن هنا فعقاب فرعون قد انصب عليهم جميعا.
وهكذا دوما يكون الإيمان بالله تعالى ومنهجه الكريم، وهو الآصرة الحقة الثابتة الصادقة. ثم إن الله سبحانه أخذ هؤلاء الظلمة ونصر عباده المؤمنين.
وكلّا أخذ الله بذنبه وبما يستحق من العذاب في الدنيا، وفي الآخرة أشد وأخزى وأنكى. وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت: ٣٩- ٤١] «١» .
стр. 179
فإن عبادة الله تعالى واتّباع دعوته والاقتداء بنبيه ﷺ هو الملجأ الحقيقي. وقوة الله تعالى هي القوة الحقيقة الحقة القوية العدل، وهي الوحيدة المتصرفة في هذا الوجود، وما عداها من قوة الخلق فهو الهزيل الواهن الضعيف كبيت العنكبوت. من يحتمي بها فهي خيوط واهية، سريعا ما تذهب وتزول ويبور صاحبها ويهلك. فالعاقل والعالم والفاهم لا يجب أن تخدعه قوة في الأرض وتصرعه وتصرفه عن دين الله تعالى- وهو الحق الوحيد السديد الأكيد الجدير- مهما بلغت، حكما وسلطانا وطغيانا، علما ومالا ومنصبا، وكلها سراب خادع وكلها قبض ريح، وبناء واقع وخيط واهن لا ينفع المتعلق به بشيء أبدا، لا يلبث أن يهوى، بل حتى من نفسه أحيانا، أو أحايين.
وانظر إلى سحرة فرعون، وهم كهنة معابده الذين كانوا يزاولون السحر، كما هو الحال في الأديان الوثنية والمنحرفة والمتحرفة والمفتعلة.
وظني أنهم من قوم فرعون (مصريون أقباط) ، وليسوا من قوم موسى- ﵇ بني إسرائيل. ولكن هؤلاء السحرة وقد رأوا الحق وعرفوه، وهم أهل السحر وأساتذته وأدرى بخدعه وبألاعيبه وبخلوه من الحقائق، رأوا أن ما جاء به موسى هو الحق الأكيد، فلا بد إذا أن يكون نبيا مرسلا من الله تعالى، ففتح الله قلوبهم له، فامنوا به واحتملوا ما يأتي من وراء ذلك.
ولكن الروعة في قوة الحق المتمثل في رسالة الله تعالى التي انتزعتهم من وحل الباطل والكفر والضلال والغواية وأخذتهم من وهادها وإغراآتها ومنافعها ومناصبها ورفعتهم إلى قمة الإيمان. وهنا- في رسالة موسى، ﵇ إنهم قبل ساعات كانوا مع فرعون يناصرونه ويتقربون إليه بخدمته
стр. 180
وطاعته ويرجون المكانة عنده والمكافأة منه والرضا من قبله، بتنفيذ مؤامرته وتمرير باطله. فما أن رأوا الحق الإلهي قائما بأدلته ضاربا بجذوره ثابتا في واقعه، حتى آمنوا وكانوا بذلك ضد فرعون، وأنهم آمنوا جميعا وناصروا الحق الذي جاء به موسى الرسول- ﵇ من عند الله تعالى، وبهمة جديدة لديها من القوة، علوا وسموا وقمة لا تكون إلا بدين حق من الله .
وكم من حادثة في سيرة رسول الله ﷺ وبعضها مرّ بنا- تجعل العدو الذي يتامر على الإسلام وأهله ونبيه الكريم ﷺ عندما يرى الآيات يتحول حالا إلى دين الله، متخليا عن كل ما عداه، غير هياب ولا مرتاب ولا مبال لما يأتي به هذا الانتماء. ولعل قصة سحرة فرعون لبيان حقائق ومعان كثيرة، بها أراد الله تعالى أن تبين للناس في دعوة الإسلام، ومنها هذه النماذج، التي لا تبالي بأي أذى في سبيل الله حين تتبين لهم حقائق هذا الدين.
وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١١٣- ١٢٨] .