والعدوان، مجتمعون على الباطل والكفر، تجبرا وتكبرا وتطاولا إلى حد التأله في مواجهة دعوة الله تعالى التي بعث بها موسى وأخوه هارون ﵉.
فرعون: (مصري قبطي) ، وهو حاكم مصر الطاغي المستبد المتأله.
ويمثل بوضوح سلطان الحكم المتجبر الذي يحارب الله ودعوته وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [القصص: ٣٨- ٤٠] .
هامان: (مصري قبطي) ، وهو- على ما يبدو- كبير وزراء فرعون ووزير مكائده ومعاونه في حربه لدعوة الله تعالى. وقد أوكل فرعون إليه أمورا كثيرة، ويبدو منها العسكرية وأمور الهندسة المعمارية. وهو يمثل سلطان المنصب والعلم وربما المال وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ [القصص: ٦] ، إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ [القصص: ٨] . ولعل هامان كان على علم بهندسة البناء أو يتولى الإشراف عليها وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ [غافر: ٣٦] .
قارون: أما قارون فهو ليس مصريا وليس من قوم فرعون أو هامان، وإنما من قوم موسى ومن أعوان فرعون. وهو يمثل سلطة المال والعلم وتسلطهما وسطوتهما بالباطل لمحاربة الحقّ، الذي يريده الله تعالى والذي بعث به موسى وأخاه هارون ﵉، ودعوته وأتباعه إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٧٦] «١» .
стр. 177
وهؤلاء الثلاثة جمعتهم مواجهة دعوة الله تعالى التي كلّف بها موسى وهارون- ﵉ وإن اختلفت أقوامهم وانتما آتهم. واستمر الصراع الدامي المتنوع الطويل «١» بين الحق الذي أراده الله تعالى وبين الباطل وجنوده. وانتهى- كما هي سنة الله تعالى- بنصره عباده المؤمنين بدعوته العاملين بها ولها وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ (٢٥) وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ [غافر: ٢٣- ٢٧] .
هذه الآيات الكريمة من سورة غافر، التي فيها نماذج أخرى كثيرة.
ولعل فرعون يعتبر نموذجا لسلطان الحكم وطغيانه وجبروته المتأله. وهامان وهو وزير فرعون المدبر لمكائده- نموذجا لسلطان العلم والمنصب.
وقارون نموذجا لسلطان الثروة والعلم قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: ٧٨] .
وكل هذه النماذج بات أصحابها جميعا معا في جبهة واحدة ضد الإيمان. والكفر ملة واحدة، مهما كان بينهم من التناقضات- وما أكثرها- والعداوات- وما أشدها- والحزازات- وما أعمقها وأعرقها- كما نلمسه اليوم في المعسكرات التي اتحدت ضد الإسلام. وهي ربما لم تتحد عمرها يوما ولا مرة واحدة إلا في هذا.
فليس هناك إذا إلا معسكران: معسكر الإيمان بالله تعالى ودعوته، وهو
стр. 178
الإسلام بمعناه الشامل. وهو دين الله الواحد الذي دعا إليه كافة الأنبياء- ﵈ وحمل صورته الأخيرة العامة الشاملة الكاملة الدائمة اللازمة الخيرة محمد رسول الله ﷺ ، إلى البشرية كافة في كل زمان ومكان وإلى يوم الدين، ولا يقبل الله من أحد دينا غيره. وهو الدين الذي بشّر به ووصى كلّ الأنبياء- ﵈ أقوامهم بالإيمان به واتّباعه. والآيات القرآنية الكريمة في ذلك كثيرة وواضحة وملزمة ومفهمة.
فالإيمان هو الآصرة الحقة والصلة الموثقة والوشيجة المرتجاة دوما، تجمع أهلها على شرع الحق ودعوته الأمينة ودينه المتين. ولذلك فإن مؤمن آل فرعون، وهو ليس من قوم موسى- ﵇ إلا أنه آمن به ووقف معه ومع المؤمنين من بني إسرائيل ضد فرعون وحزبه وجنده وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر: ٢٨] .
ومن هنا فعقاب فرعون قد انصب عليهم جميعا.
وهكذا دوما يكون الإيمان بالله تعالى ومنهجه الكريم، وهو الآصرة الحقة الثابتة الصادقة. ثم إن الله سبحانه أخذ هؤلاء الظلمة ونصر عباده المؤمنين.
وكلّا أخذ الله بذنبه وبما يستحق من العذاب في الدنيا، وفي الآخرة أشد وأخزى وأنكى. وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت: ٣٩- ٤١] «١» .
стр. 179
فإن عبادة الله تعالى واتّباع دعوته والاقتداء بنبيه ﷺ هو الملجأ الحقيقي. وقوة الله تعالى هي القوة الحقيقة الحقة القوية العدل، وهي الوحيدة المتصرفة في هذا الوجود، وما عداها من قوة الخلق فهو الهزيل الواهن الضعيف كبيت العنكبوت. من يحتمي بها فهي خيوط واهية، سريعا ما تذهب وتزول ويبور صاحبها ويهلك. فالعاقل والعالم والفاهم لا يجب أن تخدعه قوة في الأرض وتصرعه وتصرفه عن دين الله تعالى- وهو الحق الوحيد السديد الأكيد الجدير- مهما بلغت، حكما وسلطانا وطغيانا، علما ومالا ومنصبا، وكلها سراب خادع وكلها قبض ريح، وبناء واقع وخيط واهن لا ينفع المتعلق به بشيء أبدا، لا يلبث أن يهوى، بل حتى من نفسه أحيانا، أو أحايين.
وانظر إلى سحرة فرعون، وهم كهنة معابده الذين كانوا يزاولون السحر، كما هو الحال في الأديان الوثنية والمنحرفة والمتحرفة والمفتعلة.
وظني أنهم من قوم فرعون (مصريون أقباط) ، وليسوا من قوم موسى- ﵇ بني إسرائيل. ولكن هؤلاء السحرة وقد رأوا الحق وعرفوه، وهم أهل السحر وأساتذته وأدرى بخدعه وبألاعيبه وبخلوه من الحقائق، رأوا أن ما جاء به موسى هو الحق الأكيد، فلا بد إذا أن يكون نبيا مرسلا من الله تعالى، ففتح الله قلوبهم له، فامنوا به واحتملوا ما يأتي من وراء ذلك.
ولكن الروعة في قوة الحق المتمثل في رسالة الله تعالى التي انتزعتهم من وحل الباطل والكفر والضلال والغواية وأخذتهم من وهادها وإغراآتها ومنافعها ومناصبها ورفعتهم إلى قمة الإيمان. وهنا- في رسالة موسى، ﵇ إنهم قبل ساعات كانوا مع فرعون يناصرونه ويتقربون إليه بخدمته
стр. 180
وطاعته ويرجون المكانة عنده والمكافأة منه والرضا من قبله، بتنفيذ مؤامرته وتمرير باطله. فما أن رأوا الحق الإلهي قائما بأدلته ضاربا بجذوره ثابتا في واقعه، حتى آمنوا وكانوا بذلك ضد فرعون، وأنهم آمنوا جميعا وناصروا الحق الذي جاء به موسى الرسول- ﵇ من عند الله تعالى، وبهمة جديدة لديها من القوة، علوا وسموا وقمة لا تكون إلا بدين حق من الله .
وكم من حادثة في سيرة رسول الله ﷺ وبعضها مرّ بنا- تجعل العدو الذي يتامر على الإسلام وأهله ونبيه الكريم ﷺ عندما يرى الآيات يتحول حالا إلى دين الله، متخليا عن كل ما عداه، غير هياب ولا مرتاب ولا مبال لما يأتي به هذا الانتماء. ولعل قصة سحرة فرعون لبيان حقائق ومعان كثيرة، بها أراد الله تعالى أن تبين للناس في دعوة الإسلام، ومنها هذه النماذج، التي لا تبالي بأي أذى في سبيل الله حين تتبين لهم حقائق هذا الدين.
وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ (١٢٦) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ (١٢٧) قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١١٣- ١٢٨] .
стр. 181
* المؤمنون والمعاندون وغيرهم:
إنه حين تقوم العقيدة بالله تعالى مستوية، وتستيقن وتستعلن حقيقة الإيمان الحق بدعوة الله تعالى غائرة في النفس، لا بد أن تستعلي على كل قوة في الأرض وتستهين بكل بأس، مهما تجبر وتنمر وتبختر واحتمى ببيوت العنكبوت وتترس بخيوطها، حماية له ووقاية لمن معه أمام قدرة الله تعالى وناموسه. علما أن الباطل- وذلك دينه وشنشنته- حين يداري أتباعه، فإنه لا يفعل ذلك محبة لهم أو اهتماما بهم أو رعاية لصلة معهم، بل هم أرخص ما يكونون عنده وأدنى من آخرين، بل كل الآخرين لديه أقل مما يتصورن.
إنما فقط ليقفوا معه معاونين له على باطله وليستعملهم، مواجهة للحق الإلهي، تحقيقا لماربه واستمرارا في سلطانه وتثبيتا لحكمه. ولذلك إذا لم يؤدوا هذا له، تراه- وقد رأيته في فرعون- هو نفسه ينقلب عليهم أو يقلب لهم ظهر المجن- كما يقولون- وينيلهم أقسى أفانين العذاب وأشد ألوان التنكيل وأبعد مدى في الانتقام، حتى لكأنه يقول لهم: لم إذا قربتكم وقدمت لكم وأعطيتكم، فترقيتم وأثريتم وتنعمتم، وكل ذلك من يدي، واليوم تنكرونها. فكيف إذا وقد جاوزوا ذلك وأصبحوا في جبهة الحق الذي يحاربه. وتلمّس ذلك بوضوح باهر، فيما أوقعه فرعون بالسحرة الذين آمنوا، من التقتيل والتنكيل والانتقام الفظيع المريع السريع.
والواضح من طريقة القرآن الكريم المعجزة في التعبير والتصوير للمعاني أن فرعون نفّذ تهديده فيهم وقتلهم جميعا، مثلما فعلوا- وبنفس أسلوب التعبير والتصوير للقرآن المعجز- بمؤمن آل فرعون. لكنهم- وكل المؤمنين بدعوة الله تعالى ورسالته- ثبتوا أقوياء وقاموا بسلاء ورضوا أولياء- إن شاء الله تعالى- خلال المواجهة والأذى.
وهذا ما يجري وجرى لمن رفعه اليقين بهذا الدين إلى أن يكون من أتباع الأنبياء- ﵈ الذين لا يعرفون الخنوع ولا الخضوع. كيف وقد امتلأت قلوبهم بالإيمان بالله وحده وأنست بمعرفته واطمأنت إلى جواره.
стр. 182
وغدت هذه الأمور واضحة للمؤمنين بدعوة الله وعلى يد الرسول الكريم محمد ﷺ ، الذي بعثه الله تعالى بهذا الدين رحمة للعالمين، بما رباهم عليه القرآن الكريم بهذه المعاني المشهودة في تاريخ الأنبياء ﵈ ومنهم قصة موسى ﵇ وفرعون. وهكذا القصص الآخرى التي أراد الله تعالى أن يتعلم المسلمون منها تثبيتا لقلوبهم وتسرية عنهم وتسلية لهم، ليحتملوا ألوان الاضطهاد على يد أعداء الله تعالى. وهو ما جرى لسحرة فرعون الذين آمنوا بموسى ﵇ وما يجري دوما مع الأنبياء ﵈ وأتباعهم، حين غمر الإيمان قلوبهم، ونوّر بصائرهم، وأحيا نفوسهم.
ومنه ما جرى- ويجري دوما- لأتباع هذا الدين الذي بعث الله به محمدا ﷺ ، ابتداء من العهد المكي، ومنذ أول يوم آمنوا به ومن أول عهدهم بها هناك، لا يفزعون ولا يتزعزعون، حتى النساء والإماء والعبيد، مثلما الأغنياء المتقدمين والمتمكنين سواء بسواء. ثم الأنصار، من بيعات العقبة الثلاث، وآخرها بيعة العقبة الكبرى، فور إسلامهم وأداء البيعة للنبي ﷺ على نصرته. وذلك «حين أراد الله بهم ما أراد من كرامته والنصر لنبيه وإعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشرك وأهله» »
. وكذلك المهاجرون في العهدين المكي والمدني وبعدهما، ولصحابة رسول الله ﷺ طوال حياتهم وأجيال ممن تلتهم وتتلوهم من الأمة المسلمة، إن شاء الله تعالى.
* لله سنة جارية ثابتة بملازمة العاقبة للمتقين:
فالإسلام والأمة المسلمة حيثما بعث الله الأنبياء والرسل ﵈ ، لا سيما منذ بعث الله خليله إبراهيم ﵇ وهو أبو الأنبياء جميعا ﵈ وأتباعه هم المسلمون، وصّاهم بذلك، وهي وصية
стр. 183
جميع الأنبياء ﵈ . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
[الحج: ٧٧- ٧٨] .
وهذه الأمة كانت على منهج واحد هو منهج الله تعالى، على تتابع الأجيال وتوالي الرسالات حتى انتهت إلى خاتمهم محمد ﷺ ، وأتباعه هم الذين حملوا هذه الأمانة وتحملوا مسؤوليتها وقبلوا وأدوا تبعتها، ما دامت تقوم بها بكامل احتشادها واستعدادها وإعدادها. ويوم تتخلى عن ذلك فتكون في ذيل القافلة، أو دون ذلك، فهي- عند ذلك- آخر الأمم، لا في العير ولا في النفير.
وقد مرت بالأمة في تاريخها أوقات من ذلك، لكنها بعودتها لمعاني هذا الدين وتجديد نفسها وإحياء مضامينه في حياتها تعود لمكانتها الكريمة وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨] .
والطريق واضح والعودة دوما ممكنة ووعد الله قائم، بشروطه وحدوده ومستلزماته، أداء ووفاء وإقبالا. وليس منه الترامي هنا وهناك، مثلما حدث أحيانا في الماضي، منها أيام الطوائف في الأندلس في القرن الخامس الهجري. مثلما ليس منها التفلت والوقوع في المهاوي السحيقة الغارقة المغرقة، والانتساب للشرق أو للغرب، على فضلات شطائر مسمومة مدسوسة لا تجدي نفعا ولا تقيم وضعا، لا تسمن ولا تغني من جوع، أو فلم يرفع بهذا رأسا «١» .
стр. 184
وإن الانتساب لهذه وتلك مدفوعة بأي شعار وادعاء وانتماء، وهم يعرفون أنها لا تبقي ولا تذر من الحق شيئا، حتى لو كانوا مخلصين، بعد أن جربنا كل تلك الشعارات والولاآت والانتما آت، وقد تملكت هذه كل أسباب القوة والأزمة والكلمة، فلم تثمر إلا أشد الثمار مرارة، دونها مرارة الحنظل الصحراوي المكتمل.
وقد حذرنا الله تعالى أقوى تحذير من كل ذلك، وأن أية دعوة (أو دعوى) غير دعوة الله تعالى هي جعل أو وضع للأمة في قافلة الأنعام، إن لم يكن أبعد من ذلك. والرسول ﷺ حذرنا من ذلك التفلت من دعوة الله أشد التحذير ووصفها بأنها منتنة وجاهلية ووثنية، وجعلها في أكثر من مناسبة تحت قدميه الشريفتين، كما قال ذلك مثلا في حجة الوداع: «ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي (هاتين) موضوع» «١» .
ولكنهم ومع ذلك مازال أناس ماضين فيه لا ينفكون عنه، يحملون الأمة وراءهم بالسياط، إن لم يتم ذلك بالاختيار. وهم دعاة على أبواب جهنم «٢» ، ولا ينفعهم عند الله ما يدعون من الصلة بالإسلام.
стр. 185
والواقع يشهد على تلك الآثار المرّة الناقعة الصارفة التي أورثتها هذه التوجهات، مشبوهة أو غير مشبوهة، صدرت عن جهل أو غفلة أو موجة.
فالإسلام ليس تراثا عربيا ومحمد ﷺ لم يكن قائدا عربيا، بل للأمة الإسلامية. حمل الرسالة الإسلامية إلى الناس كافة، ليست خاصة بهم.
ويدخل في هذه الأمة كل من اتبع دينه من أي جنس وبلد وقبيل. ويخرج منها كل من ليس كذلك دوما.
وكل من ابتعد عنها أو واجهها أو حاربها فليس منها في شيء، فلا أنساب ولا أصلاب، حتى لو كان ذؤابتها ورأسها وأقحاحها. وهذا واضح جدا ليس فقط من نصوص الإسلام- قرآنا وسنة وسيرة- بل وكذلك حتى روحه العام وطبيعته وتاريخه. ووضوحه ليس بحاجة إلى دليل.
وليس يصحّ في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
ولا ينكره إلا المماحكون الذين يريدون- متعمدين- إشاعة غير
стр. 186
الإسلام. وهم بذلك يريدون تحقيق أهداف معادية وصرف الناس عن دين الله، مهما ادعوا العلم وغيره. وهم بجانب ذلك إنهم يحجّرون واسعا، فهم يريدون سلخ الأمة من دينها، وليس حبا فيما يدعون إليه، بل ليختفوا وراءه، بل حربا للإسلام.
والعجيب أن هذا الاتجاه ينمو ويعمل له ويصر عليه في البلدان الإسلامية، ولا سيما بين البلدان العربية، وذلك لتشتيتها وقطع انتمائها لهذا الدين والقضاء على مصدر سعادتها وقوتها وعزتها.
وكان على أعداء الإسلام من منصرين (مبشرين) ومستشرقين ومستعمرين (هوية الجميع واحدة) يبحثون عن شيء يصرفون به المسلمين عن دينهم، فتقدم أفراد من المسلمين بإهدائهم بغيتهم بإيجاد تيار آخر غير إسلامي- وإن ألبسوه مضطرين، لا مفر- ثوبا مرقعا ممزعا وموزعا يحمل طلاء مدّعى أنه إسلامي، وليس كذلك أبدا. وبدلا من أن نهدي العالم إلى هذا الدين ليهتدوا به ويسعدوا ويحضّروا، أهداهم هؤلاء سلاحا لحرب الإسلام نفسه، واستعمال ألفاظ وكلمات ومصطلحات لإخفاء الحقائق- وما تخفى أبدا- لإفراغها من مضامينها وجعلها بعيدة عن معانيها ومدلولاتها الحقة، في خلط عجيب وغريب مفضوح، ادعاء ودعاية ورواية وبأي ألفاظ، ترقيعا وتمييعا وترويعا.
وفي معركة بدر (١٧ رمضان السنة الثانية للهجرة) قاتل المسلمون المشركين العرب، الذين قتل منهم سبعون، من زعمائهم من قريش وسادة مكة مثل أبي جهل، فرعون هذه الأمة «١» .
كما أنه ﷺ وصف أسارى بدر من المشركين (العرب) الذين وقعوا في أسر المسلمين (العرب) يوم بدر بأنهم نتنى (جيف) . وكان عددهم سبعين مثل عدد قتلاهم- فيهم أشراف قريش وزعماؤهم- قومه ﷺ ولكنهم كفرة
стр. 187
مشركون، من أمثال سهيل بن عمرو «١» ، بل كان فيهم من أبناء عمومته ﷺ من بني هاشم من أمثال عقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب «٢» من بني هاشم ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب «٣» . بل كان في هؤلاء الأسارى أبو العاص بن الربيع صهر رسول الله ﷺ وختنه، زوج زينب- ﵂ كبرى (أكبر) بناته، وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد أم المؤمنين- ﵂ زوج بل أول زوجات الرسول الكريم ﷺ ، لأمها وأبيها «٤» . ومع كل ذلك فقد وصف الرسول الكريم ﷺ هؤلاء الأسرى في بدر بأنهم جميعا جيف، بقوله: «لو كان المطعم بن عديّ حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى، لتركتهم له» «٥» ، والنتانة هذه معنوية بسبب
стр. 188
كفرهم، فهم كذلك جميعا أحياء وأمواتا.
ومما ينسجم ذكره مع هذه الوجهة ذلك أنه في معركة الخندق (الأحزاب) شوال السنة الخامسة للهجرة حاول بعض فرسان قريش اقتحام الخندق فأمكن عدد منهم ذلك، فقتل من قتل وهرب الباقون طالبين النجاة.
وكان ممن قتل عمرو بن عبد ودّ العامري، وهو من فوارس العرب وشجعانهم وأبطالهم المعلمين.
فلما بارزه علي بن أبي طالب- ﵁ وكرم الله وجهه- قتله، وحمل الزبير بن العوام (حواري رسول الله ﷺ على نوفل بن عبد الله حتى شقه باثنين وكاد يقتل فرسه بنفس الضربة. فقيل له: يا أبا عبد الله ما رأينا مثل سيفك، فقال: والله ما هو السيف، ولكنها الساعد «١» . وكان رسول الله ﷺ قد دعا له ولسيفه من قبل، فبارك الله تعالى له ذلك.
وبقيت الجثتان (عمرو بن عبد ود ونوفل بن عبد الله) أياما فأرسل المشركون يريدون جثة عمرو بن عبد ود وعرضوا ثمنا ضخما لذلك، فقال لهم ﷺ : «لا خير في جيفته ولا في ثمنه، ادفعوه إليهم فإنه خبيث الجيفة (الجثّة) خبيث الدية» . فلم يقبل منهم شيئا، وقال ﷺ مثل ذلك حين طلبوا جثة نوفل مقابل دية، فقال: «إنه خبيث الدية، فلعنه الله ولعن ديته فلا أرب لنا في ديته ولسنا نمنعكم أن تدفنوه» «٢» .
стр. 189
* معاني الأحداث السالفة:
إن هذا الاستعراض أو التطواف الطويل في الأحداث السابقة للدعوة الإسلامية التي ذكرها القرآن الكريم ورأينا معانيها مستمرة، يحياها المسلمون واقعا، بما علمهم الله تعالى، وهي تظهر أثر الإيمان بهذا الدين واضحا، والأديان السابقة بصفائها، من قبل أتباعها. وهو الفرقان الواضح الذي يفرق بين الحق والباطل، وإنه هو الذي يميز الإنسان. وفيه وحده النجاة والسعادة، وهو الذي يعلي قدر الإنسان، وما عداه يهبط به أسفل سافلين، والإيمان يرفعه إلى عليين. ومن هنا فإن الله تعالى قصّ علينا أحوال السابقين ممن آمنوا بدعوة الله تعالى والذين واجهوهم ومصائرهم.
وإن الإيمان العملي بدين الله وحده هو الذي ينجي الإنسان ويرفع قدره ويقربه من الله تعالى ويسعده في الدارين. وبه يكون الإنسان الكريم الذي عرف ربّه، ليكون العبد الفاضل المترقي الذي أدى واجبه نحو ربه وسلك سبيله ووفى حقه، حري برحمة الله في الدنيا وبجنته في الآخرة. أما الذين جانبوه وأهملوه وحاربوه عمرهم ولم يتوبوا فليس لهم إلا البوار والعقوبة والنار وبئس القرار.
ولا بد للمؤمن أن يحتمل من أجل نصرة هذا الدين كلّ شيء، حتى يتحقق بإذن الله تعالى النصر لأهل دعوته. وهي سنة جارية وماضية ودائمة، ضرب الله تعالى لها الأمثلة في القرآن الكريم للاقتداء بها، فتعلمها المسلمون وعاشوها ومارسوها صابرين وبها سعداء فرحين.
وهكذا ضرب الله لنا هذه الأمثلة في القرآن الكريم، ولأنبياء كثيرين آخرين (غير موسى عليه وعليهم السلام) في مواجهة المكابرين من أقوامهم ومواجهتهم لهم وحربهم بمختلف الأساليب. ثم إن الله تعالى أخذ هؤلاء الطغاة: وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ [القمر: ٤١- ٤٣] .
стр. 190
نوح ﵇ وقومه «١» ، فكان الطوفان.
هود ﵇ وقومه «٢» عاد وهلاكهم.
صالح ﵇ وقومه «٣» ثمود وهلاكهم.
إبراهيم ﵇ «٤» أبو الأنبياء ﵈ وأبو نبينا محمد رسول الله ﷺ وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [العنكبوت: ٢٧] .
وإبراهيم ﵇ هو الذي واجهه أولا أهل بابل (أو أور) ذات الآلهة الكبيرة، وكبيرها مردوك، وملكهم الطاغية النمرود.
لوط ﵇ وقومه «٥» ، وعقاب الله لهم.
شعيب ﵇ وأهل مدين «٦» وهلاكهم.
وبهذه الأمثلة وغيرها من الصيغ والشواهد الواضحة في دعوة الله تعالى يتبين نتيجة اتّباعها لدعوة الله تعالى ونصرهم على عدوهم، كما يتبين مصائر
стр. 191
أعدائها وأخذهم وخذلانهم بفضل الله تعالى في الدنيا، والخزي والندامة والعذاب يوم القيامة. وتلك سنة الله تعالى، أن ينصر المسلمين ويأخذ الكافرين أخذا قويا.
والإسلام دين الله الواحد الذي أرسل به أنبياءه- ﵈ وكلفهم بحمله إلى البشرية. فهم ذلك الرهط الكريم رعاة الموكب الإيماني الرباني.
إذ الإسلام هو إسلام النفس والحياة والمجتمع كله لله تعالى ولأمره وشرعه.
وكان آخر قادة هذا الموكب الكريم وخاتم الرسالات هو محمد بن عبد الله ﷺ عبد الله ورسوله. وكل الأنبياء- ﵈ وأتباعهم صفتهم الإسلام وهم المسلمون. وهو أمر ماض في الحياة ولا يكون إلا بدعوة الله تعالى، ودعوته لا تكون إلا إسلاما كليا لله تعالى ودعوته الكريمة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة: ٢٠٨] «١» . فلا يقبل الله غيرها. وهو أمر دائم وقائم ودائر، مثلما كان قديما فهو كذلك حديثا، غابرا وحاضرا ماضيا ومستقبلا.
وهذا البيان القوي المعجز الذي جعل الله به هذا القرآن في أحواله وجوانبه ومحتوياته، كذلك في وضوحه وظهوره واستمراره، يواجه الله تعالى به العرب الذين هم أول من واجه الدعوة الإسلامية ونبيها محمدا ﷺ .
وهو بيان كذلك، كما في آيات كثيرة «٢» ، أنه الشرف وحده والرفعة هو منبعها والسيادة في الدنيا والسعادة في الآخرة.
لكنهم- يا للأسف والحسرة والغرابة- واجهوا الإسلام وحاربوه، وعملوا بكل ما لديهم من مال وجهد وخبرة في حربه. فالقرآن الكريم كتاب الله المبين، الذي أوحاه إلى مصطفاه ﷺ ، عرض عليهم في سورة العنكبوت
стр. 192
- وسور أخرى كثيرة- مصائر الغابرين المكاذبين الذين حاربوا بقوة دعوة الله وآذوا أنبياءه. وكانت أمامهم ماثلة ديار بعض تلك الأقوام الذين أهلكهم الله تعالى بذنوبهم، يشهدونها خاوية على عروشها ويمرون باثارها وبقاياها وأطلالها، ويعرفون مواقعها. فهو سبحانه يحدثهم عن أخبارها ليزدجروا ويعتبروا فيهتدوا وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ [القمر:
٤] «١» .
* القرآن الكريم والعبر العامة المستفادة من قصصه:
وبعد فهذا الاستعراض لمصائر ومصارع المكاذبين ومشاهدهم البائسة الماثلة أمامهم التي بينها الله تعالى لهم، يخاطبهم- بهذا القرآن الكريم- ومتوجها إليهم بالخطاب محذّرهم مصيرا كهذه المصائر، فكفار أهل مكة وقريش والعرب وغيرهم على الدوام ليسوا خيرا من كفار تلك الأقوام الغابرة الذين ترون مصارعهم شاهدة، وهم لا ينكرونها. إذا فأفيقوا وتداركوا واسعوا للنجاة والسعادة في الدارين والاستقامة باتّباعكم لهذا النبي الكريم ﷺ وأنتم تعرفون صدقه وأمانته واستقامته، الذي جاءكم- من عند الله تعالى بهذا الدين الحق الصدق الجد، وكتابه القرآن الكريم.
وأنتم ترون حقيقة النّذر فيما سبقكم من أقوام، مثلما ترون من حقيقته وإعجازه وصدقه وتشهدون به وتقرونه وتلمسونه في كل جانب وقضية وموضوع، وإن الكفرة لا بد أن يهزموا أمام المؤمنين بهذا الدين. فإن النصر لا محالة وبالتأكيد ولا مفر- بعون الله تعالى، وحسب سنة الله وإرادته ووعده للذين اتّبعوا شريعته وأحبوها أكثر من أنفسهم، وهي نفيسة، قدموها رخيصة ولم يدخروا شيئا دونها.
стр. 193
وقد حدث هذا في معركة بدر الكبرى (١٧ رمضان السنة الثانية للهجرة النبوية الشريفة) . وهو أمر دائم، فالله ينزل نصره على أوليائه، ما داموا على شريعته قائمين، ويجعل ويحلّ الهزيمة على أعدائه، مهما ومن كانوا وما ادعوا وما تبجحوا وأظهروا أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: ٤٣- ٤٥] «١» .
وجاء في التنذير والتنبيه والتحذير- بعد تلك الأمثلة والشواهد والمشاهد في سورة العنكبوت للعرب أنفسهم من قريش وأهل مكة والجزيرة وغيرهم- المخاطبين بذلك أولا، ويشمل كل أحد مثلهم- إن هم حاربوا هذا الدين وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [العنكبوت: ١٨- ٢٠] .
ومن حكمة الله تعالى ونعمته ومنّته أن لم يكن المحق والسحق والدمار للمعاندين في أمر هذه الدعوة الكريمة، الذي كان مصير أمثالهم في دعوات الله السابقة؛ لأن هذا دين الله العام لأهل الأرض أجمعين، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وهي كذلك رحمة منه، لحكمة يريدها وهو بها عليم.
ولكن جهاد المؤمنين بها، صابرين على كل أنواع الأذى والاضطهاد والتعذيب، حتى نصر الله تعالى نبيه ﷺ وجنده ودعوته بهؤلاء المؤمنين
стр. 194
الذين اتبعوه في كل الأحوال، وفي حرب أعدائهم بهذا الدين وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:
٦٢- ٦٤] .
فالله يذكّر العرب- وغيرهم- الذين حاربوا الإسلام، بمصارع العصاة والعتاة والبغاة من الكفرة المتألهين والظلمة المتجبرين والفسقة المتبخترين، من الغابرين وعلى مدار القرون السابقة للدعوة الإسلامية ويدعوهم إلى الاعتبار، بعد أن تبين لهم أن هناك قوة واحدة هي قوة الله تعالى الذي أراد بالعباد خيرا بإرسال الأنبياء- ﵈ التي كانت هذه الدعوة الكريمة خلاصتها وخاتمتها وكمالها في هذا القرآن الكريم، أنزله على محمد ﷺ إمام الأنبياء وسيد المرسلين- ﵈ وبيّن لهم من خلال الآيات في الكتاب- وهو الصدق الأكيد الذي وحده يحمل الحقيقة الوحيدة الأكيدة الرشيدة- ومن خلال واقع الحياة المشهود، مع أن أولئك القوم أو الأقوام كانوا أقوى منهم وأمضى وأعلى، عبرة وتذكرة وتنبيها: أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ [غافر: ٢١- ٢٢] «١» .
стр. 195
وهكذا يضرب الله تعالى الأمثلة في القرآن الكريم للإيمان بدعوته وجبهة الحق والمؤمنين به في عصور سبقت، سواء ممن نصر من الأنبياء- ﵈ في وقتهم أو بعدهم، من النساء والرجال. فزوجة فرعون المتأله كانت مؤمنة، وسحرة فرعون كانوا له ومعه، لكنهم لما رأوا الحق فاجتذبهم وأراد الله كرامتهم، آمنوا واحتملوا تهديد فرعون وتخويفه وتنكيله بهم- وقد أعلمهم به- لكنهم آثروا الحق الذي أنزله الله ورغبوا بما عنده تعالى من الأجر والثواب والجنة فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى [طه: ٧٠- ٧٦] .
وهكذا يستعرض لنا القرآن الكريم هذه الصور والصيغ والمشاهد بأسلوبه المعجز وتعبيره المتفرد وكلمات الله القوية- وتلك حقيقتها وطبيعتها وأحقيتها المؤكدة المتجددة المتفردة- في هذا البيان لدعوات الله السابقة، منذ البداية وحتى نوح- ﵇ إلى إبراهيم- أبي الأنبياء- ﵇ وموسى، أنبياء. ثم داود وسليمان، أنبياء وملوكا. ثم بأقوام آخرين من المؤمنين بالله تعالى والعاملين بمنهجه الآخذين بكلمته. فذو القرنين «١» كان ملكا مؤمنا صالحا. وقصة الفتية المؤمنين أصحاب الكهف «٢» ، وأصحاب الأخدود «٣» . وكلها أمثلة على مواجهة الإيمان الأعزل للكفر المدجج
стр. 196
المتجبر. ولكنها مع ذلك تنتهي بانتصار الإيمان الصادق بدعوة الله تعالى.
ويد الله تعالى القادرة دوما مع عباده المؤمنين، ما داموا آخذين بمضامينه وعاملين بمحتوياته مجاهدين له، وهم يرفضون ما عداه، وتلك هي سنة الله.
والمثال الواقع المتواتر المشهود وبأجلى الصيغ وأعلاها وأحلاها تجده في الإسلام ودعوته التي حملها محمد ﷺ وجاهد له ومن معه، أعلى ما يكون الجهاد، مقبلين على الله تعالى يتسابقون في الأخذ بشرعه والتزام طاعته، يتقربون بذلك له راغبين برضاه وبجنته.
وهذا بعض ما يجعل دراسة السيرة الشريفة مهمة وواجبا إيمانيا ينبغي على المسلم الاهتمام به، إذ من خلالها ندرك حقيقة هذا الأمر وصدقه ووضوحه، كما ندرك تماما واقعه وواجبه وطريقه، ليبقى ماثلا للناس، ضمن سلسلة الدعوة إلى الله في عقدها الكريم، وأن هذا سنة الدعوات في المواجهة بين المؤمنين بالله ودعوته وبين الكافرين بها، ويكون الصراع وتقوم المواجهات وتقدم التضحيات. فإذا ما صدق أهل الدعوة وأدوا ما عليهم وثبتوا عليها، تمتد إليهم يد الله القاهرة بالعون والتأييد والنصر، ويذهب الكفر وأهله.
وذلك حسب سنن الله تعالى من أخذ المؤمنين بالأسباب، فينصرهم على عدوهم، ما داموا لا يدخرون وسعا، بإقبال بيّن وصدق واضح وفداء أكيد، في موعد وحال يقدره الله . وهذا ما يجعل أمر الدعوة إلى الله في كل مراحلها، ولا سيما سيرة الرسول ﷺ ، ضرورة لازمة لمن التحق بموكب هذه الدعوة الكريمة ويعمل على نصرتها في كل أحواله.
وإذا كنا نرى اليوم ضعفا في ذلك، فلا بد أن يهيئ الله تعالى لدينه من ينصره، إنه على ما يشاء قدير، وإنه بالغ أمره، وهو الغالب بقوته وقدرته وحكمته.
стр. 197
* أجواء السيرة العبقة:
في هذه الأجواء العبقة الندية الرخية بايات الله تعالى ووحيه ورعايته لأهل دعوته، كان ﷺ يربي الصحابة الكرام، مما علمه الله وأوحاه إليه وأعدّه له. ويأخذ بأيديهم- حسب أحوالهم واستعدادهم ونوعياتهم- إلى الأرقى والأعلى والأوفى، في سلّم الإسلام والقرب من الله تعالى ورضاه، برفق وحكمة ودراية بهم. وكان ﷺ يتولى ذلك وهم يتربون على مائدة القرآن الكريم وينهلون من ينبوعه الصافي الزّلال المثال وبه يرتقون، مقتدين برسول الله ﷺ .
فكانت مجرد الإشارة تكفيهم للقيام بكل عمل وواجب ومهمة، مهما كانت شاقة وبالإشارة، بل لمجرد معرفتهم أو ملاحظتهم أو إحساسهم بتوجيه الرسول الكريم ﷺ في أي أمر من الأمور أو برغبته أو تفضيله له. فإن ذلك يقربهم إلى الله أكثر وبه يحصلون على رضاه وبالجنة، يستجيبون له، بجد وفرح وإقبال.
فانظر إلى عبد الله بن عمر، ما إن سمع قول النبي ﷺ فيه: «نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي بالليل» «١» ، فكان لا ينام من الليل إلا قليلا (يتهجد) ، حتى وفاته ﵁ .
* الصحابة وسبل الارتقاء:
وكان ﷺ دوما يأخذ بأيديهم ويرتقي بهم، يسألهم أو يسألونه، بعد ما
стр. 198
رباهم على الإيمان القوي العميق بالله رب العالمين ودينه العظيم ونبيه الكريم. وعلموا أن لهذا الدين والإيمان به حقيقة يجدونها في أنفسهم، تجعل كلماته أجزاء من أبدانهم بل تفتدى لها أبدانهم. تتحول إلى عمل ماض وصوت جهير وإصرار مضئ، في واقع الحياة. آثاره تجول وتصول، وثماره تنادي وتقول، تفصح عن حقيقته وتؤكد وجودها. وعبروا عنه صورا متلألئة، ف «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل» «١» .
ومهما كانت تكاليف هذا العمل يجري ذلك ويتم بدون موازنات أو حسابات أو أي اعتبارات، تترجح عندها الأمور الدنيوية. بل هي لا ترد في هذه الحسابات ولا وزن لها في كفته، بل هي تفتدى من أجل الحصول على رضا الله تعالى، بطاعته وطاعة رسوله ﷺ في رفع شأن هذا الدين وإعلاء كلمة الله في كل موطن، مهما كانت التكاليف وغلت التضحيات.
ويوم مرّ الحارث بن مالك الأنصاري «٢» برسول الله ﷺ قال له: «كيف أصبحت يا حارث؟» قال: أصبحت مؤمنا حقا. قال: «انظر ما تقول، فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟» ، فقال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري. وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا.
وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، فقال ﷺ : «يا حارث، عرفت فالزم» ثلاثا «٣» .
فحقيقة الإيمان بهذا الدين، آثار واضحة وثمار جلّى ناضجة، يراها كل
стр. 199
أحد، لا تحتاج إلى دليل، فهي الدليل الذي يبهر كلّ ناظر، يدهشه ويجذبه.
لذلك فإن حارث طلب إلى الرسول الكريم ﷺ أن يدعو له بالشهادة، فقال: يا نبي الله، ادع الله بالشهادة، فدعا له. فنودي يوما: يا خيل الله اركبي، فكان أول فارس ركب وأول فارس استشهد «١» ، ﵁ وأرضاه.
وهكذا كان رسول الله ﷺ يرعاهم في كل الأمور، فردا فردا، وأسرة أسرة، وجماعة جماعة. يوجههم وهو معهم، يعاونهم ويرشدهم.
فكانوا يلجؤون إليه في كل ما يعتملون ويواجهون ويأملون «٢» - نساء
стр. 200
ورجالا- حتى خصوصياتهم وزواجهم وكل قضاياهم دوما «١» .
فكان ﷺ لكل واحد منهم أكثر من أب وأم وأخ، يبذل من خاصة نفسه ولا يبقي لنفسه- إن بقي- إلا بعد أن يكتفي الآخرون، يعطي من كل ما عنده لدينهم ودنياهم، من ماله وتوجيهه وحبه الذي لا ينضب، والذي تجاوز أصحابه إلى أتباعه وإخوانه في كل جيل حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ولأهل الأرض أجمعين. فهو النبي الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وهو رسوله إلى الناس كافة.
وكان ﷺ يمضي مع صحابته في الأمر حتى ينجزه، ويسعى معه أو قبله لذلك، حتى يصل به إلى النهاية بعون الله. وهو ﷺ الذي يبدأ بإثارة الكلام عن قضية أحدهم، ويسأل عنها، ليسعى قبل صاحبها في حلّها وإنجازها، مهما كانت ضخمة وصعبة، يبحث عن طريق لحلها، ويتولى شأنها بنفسه، وهو القصد من سؤاله. وفي كل مسألة نماذج وشواهد كثيرة وفيرة غزيرة.
ومرة جاءه أعرابي، وقد أقيمت الصلاة، فأخذ الأعرابيّ ثوبه ﷺ وقال: إنما بقي من حاجتي يسيرة، وأخاف أنساها، فقام معه حتى فرغ من حاجته، ثم أقبل فصلى «٢» ، فأي اهتمام هذا؟!!
وقد جرى ذلك مع كل واحد من صحابته- نساء ورجالا، صغارا
стр. 201
وكبارا، أطفالا وشيوخا- مرات ومرات مع كل منهم، أو كثير، مهمات تنوعت ومهما اقتضت واشتدت. بل هو ﷺ الذي يقترح ويحث على إنجاز الرغبات وتوفير الضرورات وتحقيق آمال البركات «١» .
ولقد كان ربيعة بن كعب الأسلمي يخدم الرسول ﷺ متطوعا وحريصا، ويعتبر ذلك عبادة، ويكلف نفسه ما لا يكلف به أحدا، ويسعى به فرحا «٢» .
ما أجمل وأروع هذا الدين وأعظم خلق وفضل نبيه الكريم ﷺ . هذا الدين الذي اختار الله له هذا النبي العظيم، ورباه وأدبه وأعده على ما يريده من الخلق والفضل والعبودية لله. ذلك لكي يكون أهلا لحمل دعوة الله المباركة ووحيه المنزل على قلب هذا النبي الكريم والرسول العظيم ﷺ ، قرآنا وسنة وسيرة. وبهذا تكون تربية أتباعه من الصحابة الكرام ومن تبعهم إلى يوم الدين. ويكون ذلك إعدادا فريدا يتناسب وهذا المنهج الرباني نفسه، ويسمو بهم إلى قمة عالية لا تدانيها أية من الواجهات والتربيات والمفهومات من كافة النواحي، نوعا ودرجة وطبيعة.
تراها كذلك وهي ترتقي في سلّم الصعود نحو القمم تتسامى، وغيرها يترنح في وهاد المستنقعات، لتظهر بوضوح حقيقة هذا المنهج وقوته ومصداقيته وروعته وفعاليته ومصدريته.
يرى ذلك في اتباعه، ويكون البناء عاليا والتأثير واضحا والأخذ به شاملا. وبلغ ذلك البناء إلى حد من التأثير والإثمار أن وجد الصحابة الكرام في تكاليفهم وبذلهم عبادة، بها يفرحون وعليها يقبلون وعلى الوفاء بها يصرون ولأجلها يسهرون وفي سبيلها يبذلون ولإعلائها يضحّون بكل ما يملكون، والنفس عندهم من أجلها قليلة. وهم يفعلون ذلك إيمانا واحتسابا وقربى. كيف لا والرسول الكريم ﷺ قدوتهم وأسوتهم، وكان يجد راحته
стр. 202
في العبادة. فهو الذي كان يقول لبلال في وقت الصلاة: «أرحنا بها يا بلال» أو: «يا بلال أقم الصلاة، أرحنا بها» «١» ، ويقول: «حبّب إليّ من دنياكم النساء والطّيب وجعلت قرّة عيني في الصلاة» «٢» .
ولقد قال الرسول الكريم ﷺ يوما لربيعة: «يا ربيعة ألا تزوّج؟» قلت: لا والله يا رسول الله ما أريد أن أتزوج، وما عندي ما يقيم المرأة، وما أحب أن يشغلني عنك شيء!! فأعرض عني، ثم قال لي الثانية: «يا ربيعة ألا تزوّج؟» فقلت: ما أريد أن أتزوّج، ما عندي ما يقيم المرأة، وما أحب أن يشغلني عنك شيء. فأعرض عني. ثم رجعت إلى نفسي فقلت:
والله لرسول الله ﷺ أعلم مني بما يصلحني في الدنيا والآخرة، والله لئن قال لي ألا تزوج؟ لأقولن: نعم يا رسول الله، مرني بما شئت. فقال لي:
«يا ربيعة ألا تزوّج؟» فقلت: بلى، مرني بما شئت، قال: «انطلق إلى آل فلان- حي من الأنصار، كان فيهم تراخ «٣» عن رسول الله ﷺ فقل لهم:
إن رسول الله ﷺ أرسلني إليكم يأمركم أن تزوجوني فلانة» ، لامرأة منهم.
فذهبت إليهم فقلت لهم: إن رسول الله ﷺ أرسلني إليكم يأمركم أن تزوجوني، فقالوا: مرحبا برسول الله وبرسول رسول الله ﷺ ، والله لا يرجع رسول رسول الله ﷺ إلا بحاجته، فزوّجوني وألطفوني وما سألوني البينة «٤» .
وهكذا تمضي القصة وتتعدى ذلك إلى معاونته ﷺ لربيعة في تهيئة كل متطلبات الزواج، بل حتى القران والوليمة، يحث المسلمين على إنجاز ذلك له ومعاونتهم إياه، بل وإعداد مقتضيات العرس والوليمة التي يحثّ
стр. 203
عليها الإسلام ورسوله ﷺ ودعوة الآخرين إليها «١» .
هكذا كان الرسول ﷺ يرعى أصحابه، وهكذا أحبوه أكثر من أنفسهم، وهكذا يكتمل الإيمان «٢» . ونحن إن فاتنا مكانة الصحبة وشرفها فنجتمع وإياهم معه في الجنة- إن شاء الله وبفضله- وتحت لواء الرسول الكريم ﷺ ونسأله- وهو العلي القدير- صحبته في الآخرة في الجنة، كما كان الصحابة يسألونه ذلك.
إن نكن لم نر النبيّ فإنّا ... قد تبعنا سبيله إيمانا
والحق أن هذا أفق عجيب ونظر ثقيب وتعلق باهر ومستوى نادر وإيمان متنور وعقل متفكر. ويبدو أن عددا كبيرا من الصحابة- إن لم يكن كلهم- قد حضر عندهم هذا التصور، كما في القصة السابقة وقصص أخرى، منها ما يشير إلى أنهم لا يحتملون ولا يتصورون فراقه. ومن ذلك ما يروى أنه جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وهو محزون فقال له النبي ﷺ : «يا فلان ما لي أراك محزونا؟» فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه. فقال: «ما هو؟» ، قال: نحن نغدو عليك ونروح، ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغدا ترفع مع النبيين، فلا نصل إليك. فلم يرد عليه النبي ﷺ شيئا. فأتاه جبريل بهذه الآية الكريمة: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً [النساء: ٦٩- ٧٠] . فبعث النبي ﷺ فبشره «٣» .
وكلما ارتقى الصحابة الكرام أفقا جديدا، وجدوا سعة في حياة الرسول الكريم ﷺ وآفاقا لا زالت بعيدة، وكانوا أكثر إدراكا لها وأحدّ نظرا وبعدا
стр. 204
لمداها. هكذا في كل الصفات المتنوعة التي أرادها وأدارها الإسلام ودعا إليها وربى أتباعه عليها.
فالقدوة والأسوة النبوية عميقة الغور، مثلما هي سامقة الآفاق دانية القطوف. والله تعالى أعد الرسول الكريم ﷺ ليرى كلّ أحد الإسلام نموذجا في الأرض، يصيغه إنسانا بشرا، ارتقى بهذا الدين العظيم، أنزله الله تعالى وأعده له وأدبه به ودعا الآخرين إليه، فرباهم بمنهجه، بتوجيه الله وتسديده بالوحي الأمين، قرآنا وسنة وتوجيها بالسيرة النبوية الشريفة.
وهكذا فالسيرة الشريفة بحاجة إلى فهم متسع متفتح أصيل عميق متجدد.
فلا يمكن أن يغور إليها إلا الذي أحبها وتعلق بها وعاش معانيها، وانطوى على هوى مكين، يغدو به وكأنه يرى رسول الله ﷺ ويصحبه في حياته.
صورة متحركة أمامه، يراه فيقتدي به، وهو الذي رباه الله وأحسن أدبه وتوجيهه.
* القرآن والسيرة:
وإننا نجد ذلك في معاني الإسلام وفهم القرآن الكريم وعمليته وصدقه وأصالته ومناسبته للإنسان، وحياته وتكوينه وطبيعته. فهو يا بني الإنسان بناء لا يصح لغيره ولا يكون، ويرقى به إلى المستوى المثالي، تراه في واقع الحياة. فهو الذي يربيه ويرتقي به، بصيغة مثالية واقعية أو واقعية مثالية، جرت في الحياة، ليس في أفراد- وفي جماعة فحسب- ولكن في مجتمع متكامل في كافة شؤونه وأحواله، باطنا وظاهرا، انطلق بذلك البناء حريصا على معانيه وحارسا لمبانيه، يؤثره على كل ما عداه، بإقبال وانشراح.
مجتمع كان كل أفراده كذلك. كان القرآن يربيهم وينشئهم وينشّئهم أمة كريمة. وهو أمر ما كان إلا به ولا يكون البتة إلا معه.
ومن هنا نجد الوفرة من السيرة النبوية في القرآن الكريم، نفسر القرآن
стр. 205
بها ونفهمها، وندلها بها في التطبيق والعمل. وهكذا نفهمه ونفهمها. بل ويمضي الفهم والتربية والعمل والتخلق والتطبيق والاستبدال، وتتعمق كل الأمور وتستغرق كافة الجوانب.
إن توالي الآيات الكريمة ينزّلها الله على رسوله الكريم ﷺ ذاكرا حقائق الأحداث وخوافيها، مما هو في ضمير الناس- مسلمين ومشركين- مما يجهله الرسول الكريم ﷺ نفسه، ولم يتنبه أو يراه أي أحد ذو صلة بالأمر، يظهر خفاياها وبواطنها وما غاب منها، بل وينبه لنتائجها استقبالا، ويبين حقائق الأشياء والأحداث والأحياء وطواياها ويوضحها.
فالقرآن الكريم يتنزل تشريعا وهداية وتربية، مثلما يبين حقائق الأحداث ومراميها، بدقائقها وحقائقها، مرئيّها ومخفيّها، واقعها ومستقبلها، مثلما ينبه إلى أبعادها ويشير إلى نواياها ومخططاتها، فيما لو حدثت. ويظهر نفوس أهليها وما انطوت عليه، وما تتولد منه، لو استمرت على منوالها، وذلك بالنسبة للمسلمين وغير المسلمين. ويظهر حقيقة الحادثة وظرفها وآثارها الدفينة، آنا ومستقبلا، في صيغة شاملة وصورة كاملة. يضعها أمام الرسول ﷺ والمسلمين ويبين دروبها في النفس والتواآتها وسيرها في منحنياتها، وما ترنو إليه وتطلبه وتريده وترغبه، وبيان الأطراف وما أضمرت والنفس وما نوت والحقيقة وما تثمر وأثمرات، مما قد لا يدركها صاحبها وتغيب عن طالبها، يجهلها كلّ أحد، حتى الذين عايشوها.
وهذا بجانب إخبار الغيب في الأمور ماضيا ومستقبلا، وما التبس أو غاب حاضرا، مبينا آثار ذلك في كلتا الحالتين، جهلا بها أو معرفة لها، والحث على بيان طريق علاجها والموقف المناسب لها ووضع قواعدها، ليكون كل ذلك عاما وشاملا لكل زمان ومكان، مثلما هو التشريع القرآني شامل للحياة لمن وجههم الله تعالى في زمانهم. آياته تترى على الرسول الكريم ﷺ ، تربيهم على يديه وترفعهم إلى أعلى الآفاق أمام عينيه، ليبقى ذلك ملجأ لكل أحد ومطلبا لكل ساع في شرع الله في دربه الكريم.
стр. 206
وهكذا تتكامل حقائق السيرة المذكورة في القرآن الكريم بعمقها وصدقها، بإخبارها عن غيبها وحاضرها معلومها ومجهولها غيبا وشهادة، في كل الأحوال، مثلما يبين ﷻ ما يصلح لهذا الإنسان من تشريع وتوجيه يكون دائما على مدى الحياة ويجعل الإنسان في وضعه الطبيعي الذي أراده الله له وخلقه من أجله وأعده لبناء الحياة الفاضلة، مستديرا بنفسه كما استدارت الحياة والكون على وضعها وفلكها ومسارها يوم خلق الله السموات والأرض.
وهكذا تتعانق في القرآن الكريم موضوعات السيرة الشريفة مع موضوعاته الآخرى كالتشريع وغيره ليبقى كلها مرتبطا بالإنسان في كل زمان ومكان يريده ويطلبه ويرغبه، ليا بني حياته بهذا وذاك. وكل هذا لا غنى للإنسان- وطبعا للمجتمع المسلم- عن كل ما في القرآن الكريم، فكله دائم وصالح وضروري لإقامة الحياة الإنسانية بدروبها وفروعها وجوانبها. وهذا الفهم بحاجة إلى دراسة مستقلة فتح الله به وأنا أراجع هذا المبحث لتقديمه إلى الطباعة «١» .
* بين الدرجة والنوع:
وعلى كل أحد يريد أن يقيم مجتمع الإسلام، أن ينحو هذا المنحى وينظر إلى هذه الآفاق، يرتقي بها فهما وعمقا، حبا وصدقا، علما وعملا، ليقترب- مقتديا برسول الله ﷺ من مستوى أولئك الصحب الكرام. فهو وإن تخلف عنهم في الدرجة، لا يحب أن يتخلف أو يختلف عنهم في النوعية.
ولهذا أسبابه وعزمه وعزائمه وجدّه وإقباله، بحيث هؤلاء يتنسّمون وينسمون
стр. 207
روائع السيرة ويشفّون عنها ويشفون بها ويشون بها ويتمثلون روائعها، ينشرون شذاها وينثرون عبقها، تحبّهم كلما اقتربت منهم، تعرفهم بمواقفهم في كل الميادين، يقعون في النفس موقع التقدير حتى لو كانوا آخر الأفواج.
لا يشقى بهم جليس بل يجد فيهم الأنس الأنيس وينتشي البئيس.
فما الذي يدعو إذا إلى محبة بلال وسمية «١» وياسر وغيرهم، وهم حتى
стр. 208
لم يورّثوا علما ولم يرووا سنة إلا في حدود، ومنهم من استشهد مبكرا جدا، مقبلا ومقدما، يقبلون على الإسلام ويتمثلونه بتوازن واتزان.
ولا بد لكل هذه أن تكون بارزة ظاهرة في تولي عملية البناء ورعايتها في الحديث عن الجماعة المؤمنة التي تريد وتعمل و «تحاول إعادة إنشاء هذا الدين في دنيا الواقع، التي غلبت عليها الجاهلية، وصبغتها بصبغتها المنكرة القبيحة!» «١» .
وهكذا كلما مضيت وعشت، فهمت وتقويت واقتربت واستنتجت وتمثلت وانطلقت. وكلما زاد إيمان الشخص دقّ نظره وثقب بصره وعلا إدراكه، وكان فهمه أعمق وآفاقه أوسع وعمله أشجع. والصحابة الكرام كانوا يزاولون القرآن الكريم، ذوقا وإدراكا، ويعيشونه عملا وواقعا.
وورد عن عبد الله بن مسعود «٢» أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم القرآن
стр. 209
الكريم فيقرئهم العشر آيات فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فيعلمنا القرآن والعمل به جميعا «١» .
* تذوّق الصحابة نعمة الوحي، وافتقادها لدى انقطاعها:
والصحابة الكرام بجانب حيازتهم للصحبة وتشرفهم بها، كان ذلك ممدودا ومواكبا وحيويا، لنزول القرآن الكريم وترادف الوحي الذي به كانت تلك النعمة وكل النعم الآخرى، يرونه ويعيشونه ويحيون به. وكان كل ذلك فعالا في حياتهم عاملا في بنائهم فاصلا في مهماتهم، جمعوا به كل المفاخر وأقاموا كل العمائر وحازوا كل الماثر، بحيث إنه يوم توفي الرسول الكريم ﷺ منتقلا إلى الرفيق الأعلى، أحس المسلمون بفقدان ما تمتعوا به في تلك المدة التي قضوها مع رسول الله ﷺ وعرفوا مذاقها ووجدوا حلاوتها، فافتقدوا الوحي بانتقال الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى.
فلقد ذهب أبو بكر وعمر- ﵄ إلى أم أيمن «٢» يزورونها،
стр. 210
كما كان رسول الله ﷺ يزورها. فلما أتيا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك؟
أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ؟ قالت: بلى، إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء.
فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها «١» .
لكن آثار هذه المدة العجيبة التي لا يكاد العقل يتصورها، لولا أنها وقعت حقا، تبقى تعمل في حياة البشر في كل زمان ومكان وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها «٢» .
* شواهد وفرائد صحابية:
ومنهج هذا الدين أنه يأخذ بصاحبه وتابعه دوما إلى الارتقاء، فردا وجماعة، مجتمعا ودولة، حاكما ومحكوما؛ لأنه يقوم على الصدق في الصلة بالله تعالى ويبحث عن رضاه، بكل طريق ويضحّي ويعطي، قبل أن يأخذ، إن كان يأخذ.
وجواذب الإقدام لهذه الآفاق ونوافذه كامنة متوافرة. وهذا علامة صدق ودليل إخلاص. وأهله يقبلون على الأقوم والأقوى والأجود، حتى لو كان ذلك مغلفا مثقلا؛ لأن الهدف يصبح هو الارتقاء الذي يبذل له ما عداه، ولا يستطيع أن يرتقي في تلك الآفاق من أثقلته الدنيا بأي مقدار، والله تعالى يقول في القرآن الكريم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة: ٣٨- ٣٩] .
стр. 211
* الرخص أم العزائم:
ومن هنا فإن الحياة الإسلامية، لا سيما مجتمع الصحابة الكرام، ملئ بالعزائم الغالية، موار بالعظمات العاليات. دعائمه ذلك البناء الرصين، قام على شرع الله المبين، قدوتهم ومربيهم محمد ﷺ الذي اختاره الله تعالى لتولي هذه المهمة، أدّبه ورباه وأعدّه، فهو يعلمه ويوحي إليه ويوجهه «١» .
وحتى وقت الشدائد والمازق، قلّ جدا وندر- حتى بعد عهد الصحابة الكرام- من أخذ منهم بالرخصة. فكلهم كانوا يأخذون بالعزيمة- رغم وجود الرخصة- وذلك من شدة حبهم لله تعالى ولرسوله الكريم ﷺ ، ذلك الحب الرائق المترقرق والاقتناع البليغ المتدفق والحيوية الفعالة، في ذلك الحب الذي أخذ بهم إلى تلك الآفاق وأجلسهم أو أوقفهم على تلك القمم. وهم يسعون للارتقاء في مسعاهم طبيعة، لرضا الله تعالى والقرب منه، وهم طليعة البشرية ورواد الحياة السعيدة الفريدة، مقتدين بالرسول الكريم ومهتدين بهديه ﷺ .
وقد فهموا معنى قوله ﷺ : «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن
стр. 212
تؤتى عزائمه» «١» . إن هذه الرخص رخص العبادة، أما في الحياة والمواقف فالعزيمة أولى وأدعى وأجدى. وإن الذين بنوا الحياة الإسلامية هم أهل العزائم، في كل موطن وموقع، في البذل والتضحية والإقدام عليها، حبا ورضا وقربى. ويوم يكثر الأخذ بالرخص في أمور الحياة وتحقيق معاني الإسلام فيها، فقد تردت الأمور ونصل بها إلى أضعف الإيمان، الذي هو الاستنكار القلبي. وحتى هذا يصبح في خطر إذا جرى الاستمرار على الرخص والتّرخّص فيها. والرسول ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» «٢» .
فالأخذ بالعزيمة هو طبيعة الحياة الإسلامية وسمتها المتميّز، ونهرها الجاري. وهو زلال متدفق متدافع متسارع. وإن الأخذ بالعزيمة عبادة، وأحد ثمارها الطيبة، ولا انفصام بينهما، يجري بها للتقرب إلى الله تعالى.
وإن النظرة في سيرة الرسول ﷺ تنير هذا البصر والبصيرة وتبني هذا الفهم وتطلق المسلم قويا في الحياة أبيا نقي النفس عالي الهمة.
وفي العهد المكي من أول يوم كان ﷺ إصراره على الدعوة وحملها وإبلاغها لا حدود له.
فأي شيء تذكره في حياته تجدها من هذا النوع وعلى نفس النسج، مهما كانت الشدائد والصعوبات والقوى الباغية. ولا بد أنه قد مرّ بك ماذا قال لعمه أبي طالب حين بدا وكأنه يتخلى عنه بقوله له: يا بن أخي أبق عليّ وعلى نفسك ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله ﷺ أن عمّه خاذله ومسلمه وضعف عن نصرته، فقال ﷺ : «والله يا عمّ، لو وضعوا الشمس
стр. 213
في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته» «١» .
وهذا تصوير لحقيقة هذا الدين والإصرار عليه، من الهادي القدوة والأسوة- صلوات الله وسلامه عليه- روحا استرضعها الصحابة واستنبتوها، شجرة باسقة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، لا تعرف غير هذا اللون من الثمار دائما، ومع كل الظروف.
وقال ﷺ مثل ذلك في المدينة، بعد أن نصره الله وأقام دولة الإسلام وحكّم شريعة الله، حيث بها قام مجتمع فاضل كريم، أيام الحديبية (٦ هـ) حين تعنتت قريش وركبت رأسها: «يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم، دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش. فو الله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به، حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة» «٢» .
وبذلك تسمو الحياة الإنسانية وتتأكد معالمها وتشرق لوامعها. بل إننا لنجد في التضحيات والإقدام تمتلئ الساحات، يتنافسون فيها ويقدمون، كلما زاد الخطر وأقبلت الشدائد واعتركت المعامع، تكاثر الناس بالمواقف الشوامخ، حتى لنرى عجبا من التصرفات والأعمال، ما يظهر معادنهم الباهرة وشواهدهم النادرة، وفي شكل متسع ونوعية تعبر عن ذلك البناء الفرد أو المتفرد، تربّوا على مائدة القرآن، مقتدين برسول الله ﷺ فهما وعملا.
فهم كما وصفهم الرسول الكريم ﷺ «إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون
стр. 214
عند الطمع» «١» . كيف وكان الرسول ﷺ يفعل ذلك، وهو الذي كان يبدأ بنفسه في الملمات والتضحيات.
وانظر إلى سعد بن معاذ «٢» ، ماذا يقول لرسول الله ﷺ في معركة بدر:
(فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته
стр. 215
لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنّا لصبر في الحرب صدق في اللقاء. لعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله» «١» . فسّر رسول الله ﷺ بذلك ونشّطه وقال: «سيروا وأبشروا فإنّ الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله كأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» «٢» .
ثم عبّر سعد عن حب المسلمين والأنصار الذين يتحدث بلسانهم للرسول ﷺ واستعدادهم للبذل في سبيل الله وأن من تخلف منهم كان بسبب عدم توقعهم قتالا فقال: (يا نبي الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه ونعدّ عند ركائبك ثم نلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا وإن كانت الآخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك) «٣» ، فأثنى عليه رسول الله ﷺ ودعا له بالخير، ثم بني لرسول الله ﷺ عريش فكان فيه.
وهكذا استحقت هذه النوعية نصر الله تعالى في بدر، أول لقاء بين المسلمين والمشركين، ورغم التفاوت الذي ما كان يظن أحد أن تدور الدائرة عليهم. أتى نصر الله الذي كانت ثقة الرسول ﷺ به والمسلمين عالية جدا وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران:
١٢٣] .
وهكذا سمى الله يوم بدر يوم الفرقان وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنفال:
٤١] . وهذا هو الحق المبين الذي عاشه المسلمون وأدركوه.