* الرخص أم العزائم:
ومن هنا فإن الحياة الإسلامية، لا سيما مجتمع الصحابة الكرام، ملئ بالعزائم الغالية، موار بالعظمات العاليات. دعائمه ذلك البناء الرصين، قام على شرع الله المبين، قدوتهم ومربيهم محمد ﷺ الذي اختاره الله تعالى لتولي هذه المهمة، أدّبه ورباه وأعدّه، فهو يعلمه ويوحي إليه ويوجهه «١» .
وحتى وقت الشدائد والمازق، قلّ جدا وندر- حتى بعد عهد الصحابة الكرام- من أخذ منهم بالرخصة. فكلهم كانوا يأخذون بالعزيمة- رغم وجود الرخصة- وذلك من شدة حبهم لله تعالى ولرسوله الكريم ﷺ ، ذلك الحب الرائق المترقرق والاقتناع البليغ المتدفق والحيوية الفعالة، في ذلك الحب الذي أخذ بهم إلى تلك الآفاق وأجلسهم أو أوقفهم على تلك القمم. وهم يسعون للارتقاء في مسعاهم طبيعة، لرضا الله تعالى والقرب منه، وهم طليعة البشرية ورواد الحياة السعيدة الفريدة، مقتدين بالرسول الكريم ومهتدين بهديه ﷺ .
وقد فهموا معنى قوله ﷺ : «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن
стр. 212
تؤتى عزائمه» «١» . إن هذه الرخص رخص العبادة، أما في الحياة والمواقف فالعزيمة أولى وأدعى وأجدى. وإن الذين بنوا الحياة الإسلامية هم أهل العزائم، في كل موطن وموقع، في البذل والتضحية والإقدام عليها، حبا ورضا وقربى. ويوم يكثر الأخذ بالرخص في أمور الحياة وتحقيق معاني الإسلام فيها، فقد تردت الأمور ونصل بها إلى أضعف الإيمان، الذي هو الاستنكار القلبي. وحتى هذا يصبح في خطر إذا جرى الاستمرار على الرخص والتّرخّص فيها. والرسول ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» «٢» .
فالأخذ بالعزيمة هو طبيعة الحياة الإسلامية وسمتها المتميّز، ونهرها الجاري. وهو زلال متدفق متدافع متسارع. وإن الأخذ بالعزيمة عبادة، وأحد ثمارها الطيبة، ولا انفصام بينهما، يجري بها للتقرب إلى الله تعالى.
وإن النظرة في سيرة الرسول ﷺ تنير هذا البصر والبصيرة وتبني هذا الفهم وتطلق المسلم قويا في الحياة أبيا نقي النفس عالي الهمة.
وفي العهد المكي من أول يوم كان ﷺ إصراره على الدعوة وحملها وإبلاغها لا حدود له.
فأي شيء تذكره في حياته تجدها من هذا النوع وعلى نفس النسج، مهما كانت الشدائد والصعوبات والقوى الباغية. ولا بد أنه قد مرّ بك ماذا قال لعمه أبي طالب حين بدا وكأنه يتخلى عنه بقوله له: يا بن أخي أبق عليّ وعلى نفسك ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله ﷺ أن عمّه خاذله ومسلمه وضعف عن نصرته، فقال ﷺ : «والله يا عمّ، لو وضعوا الشمس
стр. 213
في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته» «١» .
وهذا تصوير لحقيقة هذا الدين والإصرار عليه، من الهادي القدوة والأسوة- صلوات الله وسلامه عليه- روحا استرضعها الصحابة واستنبتوها، شجرة باسقة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، لا تعرف غير هذا اللون من الثمار دائما، ومع كل الظروف.
وقال ﷺ مثل ذلك في المدينة، بعد أن نصره الله وأقام دولة الإسلام وحكّم شريعة الله، حيث بها قام مجتمع فاضل كريم، أيام الحديبية (٦ هـ) حين تعنتت قريش وركبت رأسها: «يا ويح قريش، لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم، دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظن قريش. فو الله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به، حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة» «٢» .
وبذلك تسمو الحياة الإنسانية وتتأكد معالمها وتشرق لوامعها. بل إننا لنجد في التضحيات والإقدام تمتلئ الساحات، يتنافسون فيها ويقدمون، كلما زاد الخطر وأقبلت الشدائد واعتركت المعامع، تكاثر الناس بالمواقف الشوامخ، حتى لنرى عجبا من التصرفات والأعمال، ما يظهر معادنهم الباهرة وشواهدهم النادرة، وفي شكل متسع ونوعية تعبر عن ذلك البناء الفرد أو المتفرد، تربّوا على مائدة القرآن، مقتدين برسول الله ﷺ فهما وعملا.
فهم كما وصفهم الرسول الكريم ﷺ «إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون
стр. 214
عند الطمع» «١» . كيف وكان الرسول ﷺ يفعل ذلك، وهو الذي كان يبدأ بنفسه في الملمات والتضحيات.
وانظر إلى سعد بن معاذ «٢» ، ماذا يقول لرسول الله ﷺ في معركة بدر:
(فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته
стр. 215
لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنّا لصبر في الحرب صدق في اللقاء. لعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله» «١» . فسّر رسول الله ﷺ بذلك ونشّطه وقال: «سيروا وأبشروا فإنّ الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله كأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» «٢» .
ثم عبّر سعد عن حب المسلمين والأنصار الذين يتحدث بلسانهم للرسول ﷺ واستعدادهم للبذل في سبيل الله وأن من تخلف منهم كان بسبب عدم توقعهم قتالا فقال: (يا نبي الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه ونعدّ عند ركائبك ثم نلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا وإن كانت الآخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك) «٣» ، فأثنى عليه رسول الله ﷺ ودعا له بالخير، ثم بني لرسول الله ﷺ عريش فكان فيه.
وهكذا استحقت هذه النوعية نصر الله تعالى في بدر، أول لقاء بين المسلمين والمشركين، ورغم التفاوت الذي ما كان يظن أحد أن تدور الدائرة عليهم. أتى نصر الله الذي كانت ثقة الرسول ﷺ به والمسلمين عالية جدا وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران:
١٢٣] .
وهكذا سمى الله يوم بدر يوم الفرقان وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنفال:
٤١] . وهذا هو الحق المبين الذي عاشه المسلمون وأدركوه.
стр. 216
ولم يكن الصحابة الكرام يأخذون بالرخصة في أي من هذه الأمور وأمثالها دوما، وعلى ذلك سرت الحياة الإسلامية وسارت مواكبها. ورغم ضعف المسلمين في مكة وقلة عددهم وشدة الاضطهاد عليهم فلم يأخذوا بالرخصة عموما، طيلة العهد المكي، الذي نعرف مقدار ونوعية الاضطهاد فيه للمسلمين، من قبل قريش وصدهم عن سبيل الله، ورفض أهل مكة والعرب من حولها لهذه الدعوة المباركة، رغم إعجازها وبيانها وصدق الرسول ﷺ المعروف عندهم قبل النبوة، بحيث إنهم هم الذين سمّوه «الصادق الأمين» ، وحكّموه جميعا راضين، في أكبر حدث كادت تسيل فيه الدماء، يوم الحجر الأسود، وكان سنه ﷺ خمسا وعشرين سنة.
وما كانوا ينكرون صدقه أبدا. ولشدة ثقتهم به وتأكدهم من أمانته وصدقه أنهم كانوا يضعون أماناتهم عنده، وهم يحاربونه ويحاربون رسالة الله التي أنزلها عليه ليبلغا للعالمين. فتراهم يسعون لقتله بكل سبيل. كما يعلمون صدق المسلمين في حملها ويرون آثارها عليهم خيرا وبركة واستقامة ظاهرة متجلجلة.
فمضت قريش بعيدا في اضطهادها إلى القتل بالسلاح والقتل بالجوع والتعذيب الوحشي. واجه المسلمون كل ذلك بالعزيمة القوية التي تهد الجبال، وأعظم وأكبر من الجبال الراسيات «١» .
كل هذا والإسلام في أوله لم تكتمل آياته ولم تتم شريعته ولم تظهر عظيم صوره وبليغات ماثره ولوامع جوامعه ولم تر أمجاده الواسعة وكل معجزاته الرائعة ولم يسجل بعد بواهر انتصاراته المتقدمة ولم يقم مجتمعه المتلاحم ودولته العظيمة وتتبين مفاخر حياته. ولكن الانتصار بدأ وسار موكبه المبارك الميمون لحظة استقرت عقيدته، عقيدة التوحيد «لا إله إلا الله» ومستلزماتها «محمد رسول الله» واستقامت على الهدى خطواته.
стр. 217
وكلمة التوحيد خير ما قاله الرسول الكريم ﷺ والأنبياء- ﵈ قبله «١» ، وذلك أساس دعوة الإسلام ودعوات الأنبياء. وكان ﷺ في العهد المكي يلاقي الناس ويلتقي في أسواقهم وهو ينادي بهم ويقول: «يا أيها الناس قولوا: لا إله إلّا الله تفلحوا» «٢» .
وهذه المواجهة الصريحة المعلنة كانت في أشد ما يكرهون، لكنها النبوة والرسالة الحقة، وهي من أدلتها ومستلزماتها وأصولها ومقوماتها التي لا تصح بدونها، ولا يقبل الله عملا إلا بها.
ولقد صدق المسلمون في حملها واستعدوا لأعبائها وأخذوا بالعزيمة، بالإيمان بها. وإن علموا الرخصة في ذلك بشروطها وضرورتها، والله تعالى يقول: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [النحل: ١٠٦] .
وقد أتاح لهم ذلك لكنهم أخذوا بالعزيمة. وهذا بلال «٣» العبد الحبشي- الذي أعتقه فيما بعد أبو بكر الصديق، والذي قال فيه عمر بن الخطاب:
(أبو بكر سيدنا وأعتق سيّدنا) «٤» - كان عبدا لأمية بن خلف يعذبه تعذيبا يفري صاحبه، وكان بإمكانه أن ينجو من ذلك بكلمة يقولها بفمه، إرضاء لقريش، لكنه على العكس كان يكرر دوما- وهم يعذبونه- ويصرخ بها في
стр. 218
وجوههم: (أحد أحد) ، وأنه لو يعرف كلمة في الإسلام تقال أشد منها عليهم لقالها.
وكذلك آل ياسر الذين قال فيهن رسول الله ﷺ : «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» «١» . سميّة وزوجها ياسر وابنهما عمار. كان الأبوان أول الشهداء في الإسلام إذ قتلت سمية بطعنة رمح، في موطن العفة، من أبي جهل. وهي تعلم أنه سيفعل ذلك بها. وكان يمكن أن تبقي على حياتها مسلمة مؤمنة بكلمات يرميها لسانها عليهم. واستشهد ياسر تحت التعذيب.
وفي العهد المدني ترى جميع الصحابة- نساء ورجالا- أبطالا عظاما.
انظرهم كيف فعلوا وهم يمتطون قمم العزائم. وذلك لا يحدث ولا جزء منه إلا بهذا الدين الذي نرجو أن تعود صيغه وفيرة منيرة، لتحرر الإنسان من العبودية لغير الله وتعبّده لله رب العالمين، وتحمل راية هذا الدين تطوف بها جنبات الأرض الواسعة.
انظر ماذا فعل حبيب بن زيد الأنصاري «٢» الذي أرسله رسول الله ﷺ رسولا إلى مسيلمة الكذاب باليمامة. فكان مسيلمة إذا قال له: أتشهد أن محمدا رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، وإذا قال له: أتشهد أني رسول الله؟
قال: أنا أصم لا أسمع. فعله مرارا، فقطعه مسيلمة عضوا عضوا ومات شهيدا ﵀ «٣» . لا يزيده على ذلك إذا ذكر له رسول الله ﷺ آمن به وصلّى عليه، وإذا ذكر له مسيلمة قال: لا أسمع «٤» . وكان دمه يسيل ويسأله فيجيب نفس الجواب إلى آخر رمق به، وهو ثابت على ذلك. رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه.
стр. 219
* السيرة مدد وحياة:
وظلت السيرة الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- تحمل الحياة الإسلامية بامتدادها، وتغذيها بروحها، وتقويها بمضامينها. يتوالى ظهورها، وتتجدد حقائقها، كلما تأكدت هذه التربية الفذة، في كل العصور وحتى العصر الحاضر، في الوقائع في العالم الإسلامي: في فلسطين والسويس وأفغانستان وغيرها، وفي كل المواقع. وإن جميع التحركات الخيرة والتجمعات الفاضلة والانبعاثات الوضيئة في عالمنا- بعد أن تهالكت الخلافة الإسلامية العثمانية وتهاوت وذهبت- كانت تنبع من هذا الفيض الكريم في كل العالم الإسلامي ومنها البلاد العربية.
وهذا هو الأمل أن يتجدد ويقوم على عزيمة أهل الإيمان، يبنون من جديد الحياة الإسلامية، ويبذلون ويتقدمون. وهذا ما لا تقيمه الرخص بل تقيمه العزائم. ولا يجب أن يحدث العكس، بأن تؤخذ بالعزيمة في العبادة والرخصة في الحياة، بل الأصل: الرخصة في العبادة والعزيمة في الحياة.
والبوادر ظاهرة، والخير قادم، والموكب يتهيأ للمسير. ولابد أن تنطلق القافلة وتسير- إن شاء الله ، بعد أن تصفو الأمور، وقد جرى ويفهم الناس حقيقة الإسلام. وقد ذهبت كل تلك الشعارات الخادعة، وانهارت مبانيها المتداعية التي حمتها القوى الباغية العميلة ظاهرا وباطنا داخلا وخارجا في أي موطن وموقع، وفي العديد من عالمنا المتسع، واضحا أو خفيا.
الثمار الطيبة الطّعوم:
وهكذا كان الصحابة الكرام وبناؤهم ثمرا طبيعيا لمنهج الإسلام- قرآنا وسنة وسيرة- وصورة واضحة لتعاليمه، قدوتهم في ذلك خير خلق الله ورحمته المهداة إلى العالمين. فهو ﷺ دائما الأسوة الحسنة والقدوة الكريمة للمسلمين جميعا في كل العصور، ابتداء من الصحابة الكرام، ومن أكبرهم
стр. 220
وأعلاهم وأقربهم، كيف لا وهو إمام الأنبياء وسيد المرسلين. وقد ربى أصحابه ويربي إخوانه التابعين في كل الأجيال- مقتدين به ﷺ على مائدة القرآن الكريم، كتاب الله المبين الذي أنزله نورا وهدى للعالمين.
رأينا ذلك تماما لدى الصحابة الكرام، نساء ورجالا، أغنياء وفقراء، كبراء وإماء. واقرأ- إن شئت- هنا تراجم الصحابة الكرام، تجدهم أهل مواقف للحق، لا يعرفون إلّا بها ولا يعرفون إلا بها. وأي مواقف تكون على منهج الإسلام! فأي قمم شواهد ارتقوها، وأي ذرا شواهق وقفوا عليها، وكأنهم ينادون البشرية ويدلّونهم ليذهبوا إليها، يترفقون بهم. ويقودهم لذلك معلم الإنسانية ورحمة الله إليهم وإلى البشرية كافة محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله ﷺ .
فمن سمع واستجاب ارتفع، ومن أعرض وقع. وانظر تصوير رسول الله ﷺ البليغ لذلك، كيف لا، والله قد رباه ورعاه وأدبه وأعدّه ووجّهه، والوحي يتنزل عليه، ويرشده ويسدده ويوجّهه، فيقول ﷺ : «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبّهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون (تفلّتون) من يدي» «١» .
* الإضافة وحديث القرآن:
إن شخصا يقوم بكل ذلك، ينشئ أمة مثالا من عدم، ويهيب بها وفية، لتكون قائدة رائدة- في ذلك الزمان والوسائل- للبشرية كلها، وتدير دفة التاريخ وتحوز مقوده وتحوّل مجراه وتستديره إلى حاله يوم خلق الله
стр. 221
السموات والأرض «١» ، وتملك الزمام وتسيّر موكب الإنسانية وتنشر آثارها وتقدم ثمارها لكل أهل الأرض، تابعها وغيره. وما زال المستقبل لها- إن شاء الله تعالى- بجولات وصولات قادمات. تلك طبيعتها وطبيعة الحياة وحاجة الإنسان، وتقوم بتلك الإنجازات والفتوحات، لا شك أنه نبي من عند الله ورسول منه . وهو خاتمهم- الأنبياء والرسل، ﵈ به ﷺ ختم الله النبوات والرسالات، هيأه وأعده لهذه المهمة، أوحى إليه وسدده وأعانه ونصره ونشر دينه وأجرى المعجزات على يديه.
والقرآن الكريم هو معجزة هذا الدين الكبرى الدائمة الباقية المتجددة المبينة المهيمنة الأكيدة، كل يوم تظهر من جوانبه أعاجيب ومعجزات وآيات جديدة. والقرآن الكريم وحي الله وهداه، بكل حروفه وكلماته وآياته، نصا ومعنى وترتيبا، تشرحه وتوضحه السنة المطهرة وتنشره السيرة النبوية الشريفة.
وإن نبيا يحمل هذا المنهج الإلهي، الذي أنزله الله تعالى هدى ونورا للبشرية، وينفذه ويقيم به مجتمعا مثالا، تطبق فيه كل تلك المعاني الموحى بها والتعاليم التي أنزلها الله تعالى في ذلك الزمان بأحواله ووسائله، وتنشر دعوته وتنصر، ويقبل عليها الناس وتقيم مجتمعا مثالا لوقتهم وللأجيال التالية بعدها وهم ثلّة ضعيفة صغيرة كان يسخر منها «٢» ومن أهدافها. وكان أهل الدعوة في ضيق لا يدعو للأمل- لولا نصر الله- إلى درجة أن أحد أوائل المسلمين وهو خباب بن الأرت «٣» جرى معه مثل هذا، فيحدثنا عنه بقوله:
стр. 222
شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟
فقعد وهو محمرّ وجهه، فقال: «لقد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصرفه عن ذلك، والله ليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» «١» .
لا شك أنه الدين الذي أوحاه الله وارتضاه للعالمين.
* الإسلام منهج أهل الأرض ومستقبلهم المشرّف المشرق:
تلك إرادة الله ورحمته ونعمته على أهل الأرض أجمعين، أنزل كتابا وأحل حلالا وحرم حراما، وبين طريق الهداية وجعله نورا وارتضاه، بهذه النعمة الكريمة: الشريعة التي لا مفر للإنسان من الأخذ بمنهجها، ضرورة ولزاما وحتما وطبيعة، طوعا أو كرها. فمن لم يقبل عليه طائعا لا بد أن سيضطر لأخذه راغما.
стр. 223
وإذا كان الرسول الكريم ﷺ القدوة المثلى والأسوة الحسنى في كل ذلك لمن كان معه ولمن يأتي بعده- طول الحياة وحتى يوم الدين- فإن المجتمع الذي أنشأه بوحي الله ودعوته وبمنهج الإسلام وشريعته وتوجيه الله تعالى ووحيه، كان المثال والقدوة لكل ما يليه من الأجيال والمجتمعات في حياة الإنسان التي تريد السعادة وتأخذ بمنهج الله تعالى في جولات وصولات حاضرات وقادمات، حالا ومستقبلا إن شاء الله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران: ١٩] ، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [آل عمران: ٨٥] .
وليس أصح القول أن إنسانا بهذا الدين يستغني عن كل ما عداه فحسب، بل الصحيح الدقيق أنه لا يصلح حاله بسواه ولا يستقيم أمره إلا إياه، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وأول هذه الأمة ومجدها ونسبها إلى هذا الدين الذي ارتضاه الله للعالمين، وأرسل به محمدا ﷺ ليختم به الرسالات والأنبياء والمرسلين، ويبقى هو الدين المرتضى والمبتغى والمجتبى. فتاريخ الإسلام بدايتها، والإسلام نسبها، والرسول ﷺ قائدها، فلا يصلحها غيره. ومن الأولى ألّا يصلح غيره غيرها.
* الصحابة فخر الميادين، ازدحمت بهم الساحات:
فأولئك الصحابة الكرام استوعبوا واستجابوا، عرفوا بهذا الدين قدر الأمور فكانوا عندها. قدروا الله حق قدره وعرفوا مكانة الرسول ﷺ ونعمة هذا الدين ومنحوا ذلك كل ما عليهم نحوها. فكانوا قمة الإنسانية المؤمنة والجيل الذي لا يتكرر أو إلا بصعوبة بالغة وعصبة (سائغة) وبيعة زاكية، نوعا ودرجة وعددا، وبهذه السعة والأفق والكثرة، وملؤوا الميادين في كل العلوم والفنون. ومن تلك القلة كانت الأعلام الكثيرة، نساء ورجالا، شيوخا وأطفالا وشيبا وشبانا.
والأعلام- كثرة ونوعا ودرجة- دليل أبلغ دليل، موضوع بحاجة إلى
стр. 224
دراسة متأنية. فظهرت نوعيات عجيبة ارتقى بهم المجتمع بالإسلام.
وكم من أحد لم يكن له شأن، كان به عظيما، ليس لأنه عاش قبله في مجتمع قهره فقط وألغى إنسانيته فحسب، بل هو نفسه لم يكن فيه من عوامل الارتفاع. رفعه الإسلام وأصبح من الأئمة والأعلام، إلى حد أنه جعل من الأعمى إنسانا رائدا وقائدا، له مواقف، مثل ابن أم مكتوم «١» ، وهو أعمى، كانت بيده راية المسلمين في القادسية ويقاتل أعداء الله. وهذا وأمثاله، ومن هذا النوع وغيره وفي المواقف العجيبة غير المنتظرة، امتلأت الحياة الإسلامية بالأمثلة المتزاحمة المتلاحمة. كلها وكلهم ما زالوا مضرب المثال في كل الأحوال، ونعمل على النسج على المنوال.
كان كل منهم علما حيث وضعته ملأ الحياة مواقف وشواهد وأمثلة ونماذج فريدة، فظهرت تلك القيادات، في أي موطن وضعتها برزت وأدهشت. وانظر إلى نوعياتهم وأخذهم الأزمة وما أنجزوا من فتوحات مدهشة لكل من اطلع عليها، وما زالت روعتها وقد أتت بالعجائب التي لا تتكرر إلا بهذا الدين الذي به تحقق المعجزات.
ففي نفس الوقت الذي كانت جيوش الفاتحين، من الصحابة الكرام ومن معهم من التابعين، كانوا يطرقون أبواب أكبر امبراطوريتين في العالم (المعروف) ، تحكمانه وتتحكمان بمصائره وتتصرفان في شؤونه، وهما: الامبرطورية الرومية في الغرب والامبراطورية الفارسية في الشرق، بين كسرى وقيصر.
стр. 225
ففي عين الوقت التي كانت هذه الجيوش الإسلامية الفاتحة بقيادة أبي عبيدة بن الجراح (والقادة الآخرين: خالد بن الوليد وأمراء الأجناد) بأعدادها القليلة (٢٤ ألفا) تنازل جموع الروم بأعدادها الكبيرة (نحو ١٥٠ ألفا) وعدتها الوفيرة بقيادة ماهان (باهان) الأرمني وسقلاب (الرومي) وجبلة بن الأيهم العربي (ملك الغساسنة) في اليرموك (خامس رجب، ١٥ هـ) كانت جيوش المسلمين الفاتحة كذلك القليلة (ثلاث وثلاثون ألفا) تواجه جموع الفرس كثيرة العدة والعدد (١٢٠ ألفا، غير الاحتياط أو التبع نحو ٨٠ ألفا) بقيادة رستم في القادسية (آخر شوال، سنة ١٥ هـ) (ومعه جالنوس ومهران وبيرزان وبهمن جاذويه وهرمزان، وقتلوا عدا الأخير) .
وكتب الله النصر الكبير للمسلمين في كليهما «١» .
وهذا التسامي والتمايز والانتصار، مع التفاوت بكل ألوانه ومعداته لصالح الأعداء، مثله كان في كل ميادين الحياة، أظهره المسلمون وانتصروا بالإسلام وحده وتمكنوا فيه يوم التزموا به، امتدادا للنوعية التي رباها رسول الله ﷺ ، وكانت هي القدوة لغيرها من بعده. هي وهم ودوما يقتدون في أخذهم بهذا الدين وتعبيد أنفسهم لله رب العالمين، مقتدين برسوله الأمين ﷺ .
وكانت تلك العصبة التي ضحّت وأقدمت للحفاظ على هذا الدين وحمله علما وعملا، وحرصت عليه وعضّت عليه بالنواجذ، وصلوا القمم التي يمكن أن يصلها الإنسان، لا يصلها إلا بهذا الدين، ليس فردا بل ومجتمعا.
وتلك من معجزات الإسلام. وإنا لنجد ذلك ممتدا خلال العصور والأفراد. والمجتمعات الإسلامية لم تحرم منها في أي عصر ومصر.
والقوى المعاصرة شرقا وغربا وامتداداتها، سماسرة وعملاء، يعرفون ذلك. فهم يمكرون ويبكّرون دوما بضرب أية محاولة وأية حركة تسعى لبعث إسلاميّ جديد، تريد إعادة إنشاء هذا اللون من الأجيال والمجتمعات وتعيد
стр. 226
هذه الصولة إلى ميادين الحياة وإقامة أي مجال لمثل تلك الجولة، فيغلقون عليه الطرق ويسدون الأبواب، يمارسون كل سبيل مهما كان، لا يرعون في ذلك قانونا ولا يعرفون إلّا ولا يحفظون ذمة. فليعرف أهل هذا الدين وحماته وجنده ماذا يفعلون ومتى يصنعون وكيف يسلكون.
* السيرة والتابعون وتابعوهم:
فكان توريث السيرة جزآ من هذه الوراثة الفاضلة التي لم يتعلق بغيرها، وأنفقوا أعمارهم وبهاءهم وذكاءهم، واعتصروا طاقاتهم لأجلها، جهادا من أنواع الجهاد.
كذلك حافظت الأجيال التالية على هذا الأمر، وحرصت عليه، ورغبت في إتمام ما يمكن أن ينقصها فوت الصحبة لرسول الله ﷺ . فاجتمعت لديها الشمول في المعلومات والأخبار والأقوال والسلوك والشمائل من منابعها، صبّت في نهر السيرة، بفضل كافة أولئك الذين أنفقوا كل شيء من أجل جمع معلوماتها والتحقق منها وإسناد أخبارها وأقوالها. وابتدعوا لذلك علوما وأفانين، اعتبرت الأمة الإسلامية بها رائدة.
لقد كان اهتمام الصحابة بالسيرة الشريفة المطهرة عجيبا وعظيما ومتزايدا. ولم يكن هؤلاء التابعون وتابعوهم بكل أجيالهم وحتى اليوم والحمد لله، وسيبقى كذلك دائما وأبدا، بفضل الله تعالى- بعيدا أو أقل من اهتمام الصحابة الكرام بهذا الأمر ولا أدنى محبة للسنة المطهرة والسيرة الشريفة وتعلقا بها وسعيا لمعرفتها وجهدا لتدوينها وهمة للمحافظة عليها- كتابة ودراسة وتدريسا- وبذلا للسير وراء مادتها. مثلما كان الصحابة يحرصون على ذلك في حياة الرسول الكريم ﷺ صحبة ونقلا وتناقلا، أو بعد وفاته تثبيتا وتأكيدا وتحققا. ولأن الصحابة عاشوها وكان مصدرهم لمعرفتها تلك الصحبة، وغدوا هم مصدرها للأجيال والتاريخ. والقرآن الكريم طبعا هو المنبع، جرى نهره الزلال الصافي الأصيل إلى النفوس، برعاية السنة
стр. 227
النبوية المطهرة والسيرة النبوية الشريفة، تبينها وتوضحها وتمثلها.
* الصحابة أئمة ومثل وهم بالرسول ﷺ مقتدون:
ولو أخذت أيّة شريحة من الأحداث والأشخاص تجد عجبا، وفي أشد الأوقات وأصعب الأمور والوقائع، ومع ذلك نجد الرسول الكريم ﷺ أولهم وأكثرهم وأبعدهم احتمالا من أشدهم، وهذا في كل الصفات. فكان رسول الله ﷺ أسرعهم وأنجدهم وأشجعهم وأكرمهم وأورعهم وأعبدهم لله رب العالمين. ويروى عن أنس بن مالك ﵁ قوله: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس. ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعا وقد سبقهم إلى الصوت (وقد استبرأ الخبر) وهو على فرس لأبي طلحة ﵁ عري، ما عليه سرج، في عنقه السيف، وهو يقول: «لم تراعوا، لم تراعوا، ما رأينا من شيء وجدناه لبحرا» «١» ، فكان بعد ذلك لا يجارى!!!
стр. 228
ففي الخندق كان الصحابة رضوان الله عليهم- مهاجرين وأنصارا- يحفرون الخندق (شوال السنة الخامسة للهجرة) حول المدينة المنورة وينقلون التراب على متونهم، في غداة باردة، فرأى ﷺ ما بهم من النّصب والجوع والبرد، قال: «اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة» «١» ، فقالوا مجيبين له مرتجزين مرددين:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
كانوا يقومون بكل ذلك وهم مجهدون. وكان مأكلهم بشعا ومنتنا والقوم جياع، مرت ثلاثة أيام لم يذوقوا ذواقا. ورأى الصحابة بالنبي ﷺ خمصا شديدا، وهو ينقل من تراب الخندق، وكان عمره المبارك نحو ثمان وخمسين سنة، والغبار يلفّه حتى أتمه. فأقبلت العرب بقيادة قريش في عشرة آلاف.
والمسلمون لا يتجاوزوا الثلاثة آلاف. ونصر الله النبي ﷺ ومن معه. فكان ﵊ يقول، ويهتف: «لا إله إلّا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعزّ جنده وغلب (وهزم) الأحزاب وحده فلا شيء بعده» «٢» .
في هذا الجو الرعيب الرهيب الكئيب، المحاط بالبرد والجوع والخوف، كان الصحابة أقوياء، يعملون في تلك الظروف، ونصرهم الله على عدوهم. وفي كل ذلك كان ﷺ أكثرهم عملا وتحملا وإقداما. فهو
стр. 229
دائما، وفي كل شيء ووقت وظرف، خير قدوة وأسوة لأشدهم وأقواهم، فكان يغمرهم بمحبته ويرفع من هممهم ونفسياتهم ويبعث فيهم روحا متفتحة مقبلة. وكانوا هم يقتدونه ويحبونه ويتبعونه ويفتدونه ويؤثرونه ويطيعونه، ويسرعون متسابقين لطاعته.
* حبّ متوارث طهور:
هذا الحب والتضحية والالتزام ورّثه الصحابة الكرام لمن بعدهم. فلقد قال محمد بن كعب القرظي «١» : إن رجلا من أهل الكوفة قال لحذيفة بن اليمان «٢» : يا أبا عبد الله أرأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يا بن أخي. قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، قال:
فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا! «٣» .
فكيف لا يفعل المسلمون ذلك وأكثر منه. إنه الحب العميق الذي لم
стр. 230
يحدث أن أحدا أحب أحدا مثلما أحب الصحابة محمدا ﷺ «١» . وهكذا الأجيال التالية حتى يوم الدين، ونحن منهم إن شاء الله رب العالمين.
بل إن آخرين وإن لم يسلموا أعظموه وتمنوا أن يخدموه، ومنهم من أسلم حين سمع أخباره. وكثير من الأحبار والرهبان وحتى من ملوكهم، من عملوا ذلك. كما فعل هرقل (قيصر الروم) ، الذي وجه إليه رسول الله ﷺ كتابه، بعد صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة يدعوهم للإسلام.
فلقد روي عن عبد الله بن عباس- ﵄ أنه أخبر أن رسول الله ﷺ كتب إلى هرقل (قيصر الروم) يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبي (نحو ٤٥ هـ) فقرئ الكتاب لهرقل، وفيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين. و: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤] «٢» » .
وقد سأل هرقل عن صفات الرسول الكريم الحبيب ﷺ وأمور دعوته، فعلم أنه النبي الحق وقال: «وهذه صفة النبي، وقد كنت أعلم أنه خارج ... فيوشك أن يملك موضع قدمي هذين، ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت (عن) قدميه» «٣» .
стр. 231
وملوك آخرين قالوا شبه مقالته من أمثال النجاشي ملك الحبشة، وقريب من ذلك «باذان» ملك اليمن الفارسي.
* عناية الأجيال بالسيرة:
وعلى ذلك اعتنى السلف بالسيرة النبوية الشريفة اعتناء الطاعة لله والمحبة فيه واعتناء الذي يتعبد الله تعالى بذلك.
فلقد ورد عن زين العابدين «١» علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (كنا نعلّم مغازي رسول الله ﷺ كما نعلّم السورة من القرآن) «٢» . وكذلك ينقل عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص ﵁ قوله: (كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا ويقول يا بنيّ هذه شرف آبائكم فلا تضيّعوا ذكرها) «٣» . وكذلك الإمام محمد «٤» بن مسلم بن شهاب الزّهري عالم الحجاز والشام، ومن أقدم من اعتنى بجمع السيرة،
стр. 232
ولعله بسيرته- المفقودة أكثرها- يعتبر من أول المؤلفين في السيرة النبوية الشريفة في الإسلام، يقول: (في علم السيرة علم الدنيا والآخرة) «١» ، جعلها علما قائما بذاته.
وهكذا هذه الكلمات كانت تعبيرا عن حقائق قائمة، ورثت تنفيذها وتطبيقها الأجيال التالية التي جعلت مكتبة السيرة النبوية عامرة مثل مكتبة السنة المطهرة، وكلاهما يتعانقان ويتداخلان. لقد كان هذا الاهتمام بالغا وشاملا ومتواصلا لأنه عبادة وللعبادة، ولمعرفة الإسلام كافة، بتطبيقاته العملية في الحياة بكل ميادينها وأمورها ومراميها.
فالصحابة مثلما لم تتغير مستوياتهم بل تأكدت وتثبتت واجتهدت، يتبعه ونبع منه أنه لم يتغير تحريهم وتعلقهم ونوعيتهم وآفاقهم.
وانظر ما فعله عقبة بن عامر الجهني «٢» (٥٨ هـ ٦٧٨ م) الذي رحل من المدينة المنورة إلى مصر ليتحقق من أحدهم حديثا عنده من رسول الله ﷺ ، فأتى واليها مسلمة «٣» . فلما دعاه للراحة، قال لمسلمة: إني لم آتك زائرا، جئتك لحاجة، أتذكر يوم قال رسول الله ﷺ (سمعته أنا وأنت) : «من علم
стр. 233
من أخيه سيئة فسترها ستر الله عليه يوم القيامة» ؟ قال: نعم، قال: لهذا جئت. ثم عاد لتوه إلى المدينة «١» .
ومثل هذا متكرر في الصحابة ومن بعدهم. فعل ذلك جابر بن عبد الله ابن عمرو بن سلمة الأنصاري «٢» . وكذلك فعله أبو أيوب الأنصاري «٣» ، إذ قدم من المدينة إلى مصر لأخذ حديث عند صحابي آخر هناك ثم رجع إلى المدينة على راحلته قبل أن يحل رحله «٤» . والأمثلة في ذلك كثيرة «٥» .
والصحابة قد ورّثوا هذا وغيره، مما تعلموه من رسول الله ﷺ ، إلى من تلاهم من الأجيال. حيث ظلت كلماته ﷺ ترن في آذانهم وصورته لا تفارقهم، والقرآن الكريم وسنته وسيرته ﷺ في صدورهم تملأ نفوسهم وتعمّر قلوبهم. وعلى دربهم- في كل ذلك- سار التابعون ومن بعدهم.
فدوّنت كل ذلك وكانت مقوّما من مقومات الحياة الإسلامية، لمجتمع الأمة وحضارتها، يرتقي الناس عندها ويمتازون بها ويتبارون فيها، وفي حلبتها يتسابقون، تعلما وتمسكا واقتداء وخبرة، يبذلون ما اكتسبوه من علمها، ويتعبون لاقتنائه ويقدّمونه لكل أحد وينادون عليه بسلوكهم وحسن
стр. 234
الأسوة وصدق القدوة، وروعة المتابعة وحرص الانتهاج.
وهذا أمر لا يختص بعصر دون غيره. والمسلم الآن بحمد الله مستريح، أن لم يحدث أي تفلّت لشيء مما يتعلق بتلك السيرة، فكان تسجيلا شاملا كاملا لكل ما صدر عن رسول الله ﷺ . كأنه تسجيل يكاد أن يبلغك صوته، بل ترى كذلك صورته، ضمّ كلّ الدقائق والأحوال والأحداث، وكأنه شمل الزمن بكل لحظاته في نبوته الشريفة ﵊.
وهو أمر مستمر، بعد أن قيض الله لهذه السيرة من يحفظها، حتى في جزئياتها، في ليل أو نهار في يقظة أو منام في سلّم أو حرب، وعلى كل اجتماع وطعام وانفراد أو انقياد، في كل الملتقيات، السكون والحركة والسكوت والكلام، حتى في بيته وخاصة نفسه وحاله وخصوصيات تصرفاته وأنواع رغباته وألوان عباداته ودعواته، وكافة أخلاقياته العطرة وشمائله الخيرة وعموم سيرته النيرة، مع كل أحد وفي كافة الأحوال، وفي تعاملاته مع الجميع في البيت مع أهله وفي الحياة مع صحبه وفي اللقاآت مع القادمين والذاهبين ومع المتوجهين إلى الأقوام والشعوب والجماعات والزعماء والرؤساء والملوك في كافة مقاماتهم ومواقفهم وأوضاعهم، طاعة لله بشرعه الذي أرسله الله به، وهو له خير قدوة، عبادة لله تعالى ومحبة فيه وسعيا لمرضاته.
وفي كل الأحوال لا تكاد تترك لحظة من ليل أو نهار، طوال تلك الأعوام الكريمة المضيئة الوضيئة الثلاثة والعشرين، عمر النبوة الشريف المبارك والمباركة، والرسالة الفاضلة والوحي المترادف والصلة المستمرة بالله رب العالمين «١» .
стр. 235
ويمكن على ذلك القول: إن هذه الصورة مستمرة حتى يرث الله الأرض ومن عليها. صورتان متقابلتان، كأنهما واحدة: صورة الصحبة وصورة القدوة والأسوة. فطوال العصور الإسلامية عاصر المسلمون الرسول الكريم ﷺ وصاحبوه.
الصحابة الكرام- رضوان الله عليهم- صاحبوه صحبة زمانية ومكانية، روحية ونفسية، وتلقوا عنه سماعا ورؤية ورواية، ففازوا بشرف الصحبة الذي لا شرف غيره بعده يدانيه، ويعلي هذه الصحبة وشرفها الإسلام الذي كانت به هذه الصحبة وشرفها الرفيع الفريد.
ولقد جاء في صحيح البخاري قول الرسول الكريم ﷺ : «لا تسبّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» «١» .
وهي جزء من شرف الإسلام كله لا يصح بدونه، والذين أتوا من بعدهم صاحبوه ﷺ صحبة عملية، صاحبوه في سيرته ﷺ علما وعملا وتأليفا في السيرة والسنة، يفهمون الكثير من أمور القرآن من خلالها، كما يفهمون السيرة من خلال القرآن الكريم. فهما طريقان متعاونان متعانقان ملتقيان.
يؤدي كل منهما إلى الآخر، توافقا وتطابقا وتكاملا «٢» .
* وضوح أحداث السيرة:
ولعل من لطف الله تعالى: أن حياة رسول الله ﷺ قبل النبوة، كانت
стр. 236
معروفة ليس فيها مجهول، يعرفها قومه وأهل بلده، منذ صغره، وبتفاصيل كثيرة، بل وبكل تفاصيلها.
فهي واضحة مكشوفة مرئية بسهولة- ولذلك حكمة- وليس فحسب، كي لا يكون الرسول الخاتم والنبي الكريم ﷺ مجهولا، مما قد يثير شيئا من التّقوّل، وعلى غير أساس، لكنها بجانب ذلك كانت- بفضل الله تعالى ورعايته وتوجيهه- واضحة ملموسة، بطهارتها وصونها وتمايزها ومغايرتها لما ألف قومه، كي لا يكون فيها مجال للمتقولين، أو حجة للمتعللين، أو مدخل للطاعنين، بل تكون موضعا للمتيقنين، وهي دليل قوي بليغ مكين، مؤكد صدق نبوته. وهي أيضا أحد الأدلة، على أن يد الله كانت ترعاه، إعدادا لحمل هذه الرسالة الخاتمة إلى أهل الأرض أجمعين. وليس في عصره فحسب ولكن في كل العصور، إلى يوم الدين. فلا بد أن تكون كل هذه الأمور متوافرة متضافرة، بما يتناسب وهذه الرسالة الخاتمة الشاملة الكاملة، المتفردة الدائمة المهيمنة دوما.
بحيث تكون كل أدلتها واضحة ويجد الجميع في كل العصور الأدلة القوية على كل اعتبار وأي اتجاه، بحيث لا تبقى في أي مسألة حجة لمعتذر بلغته رسالته أن يمتنع من الالتحاق بها، ويجد لذلك عذرا. وهذا طبعا بجانب الإسلام نفسه، وحيث كانت السيرة واحدة من ثمراته الطيبة. وكل ما فيه- ابتداء من القرآن الكريم وسنة رسول الله ﷺ إلى حياته وسيرته وكل شمائله، كلها ليس فقط مجتمعه بل حتى كل واحدة بمفردها- تقود لذلك وتدل عليه بقوة ووضوح. والإسلام جاء بالأدلة المتنوعة العريضة تمتلك النفوس وتشملها، مهما كانت نوازعها ومنازعها.
وإن موقع مثل هذه الرسالة بحاجة إلى كل تلك العناية الإلهية، والله تعالى أحكم وأعلم وأكرم وأرحم. وهذا أمر امتازت به هذه الرسالة الإسلامية الربانية، حتى على غيرها من رسالات الله. وهي خاتمها ومهيمنة عليها وناسخة لها، تدعو كل أهل الأرض للإيمان بها، يؤمن بها كل أحد،
стр. 237
ويدعو أهل الرسالات السابقة. وهم أولى أن يؤمنوا بها، والرسول الكريم ﷺ يقول: «أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء أولاد علّات، ليس بيني وبينه نبي» وكذلك: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلّات، أمهاتهم شتّى ودينهم واحد» «١» .
* البشارات بالرسالة الخاتمة:
فهي الرسالة الباقية الخالدة على مر الزمان قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
[الأعراف: ١٥٨] .
لقد بين الله ذلك في القرآن الكريم، وكلمته هي القول الفصل الأخير.
وبذلك أخبرت رسل الله بما أوحى إليهم، مبلغين عن الله تعالى. وقد بين الله في القرآن الكريم أن رسل الله جميعا- ﵈ بشّروا به وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١] . ولقد ورد عنه ﷺ أنه قال:
«أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ... » «٢» . فالله تعالى يقول في القرآن الكريم: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: ١٢٩] . وكما يقول الله تعالى أيضا في القرآن الكريم: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ
стр. 238
إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ [الصف: ٦] ، وقال : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:
١٠٥] . ووردت أحاديث كثيرة في هذا المعنى «١» .
* عالمية الدعوة الإسلامية:
ولا بد لمثل هذه الرسالة الربانية، والعناية الإلهية بها، باكتمالها وبالبشارات أن تسبقها، وأنها ليست فقط خاتمة كونها الأخيرة بل لأهل الأرض ودائمة. وهي باعتبارها نعمة، على أهل الأرض أن يسلكوا سبيلها ولا يقبل الله غيرها الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة: ٣] . إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران:
١٩] .
ولذلك فإن الرسول ﷺ بعث بكتبه وسفرائه إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام، في وقت مبكر، وكان ذلك مقدمة وإشارة وإيضاح لما سيكون بعده، ولقيام مواكب الفتح الإسلامي.
ومن هؤلاء الرسل حاطب بن أبي بلتعة (٣٠ هـ) رسول رسول الله ﷺ إلى المقوقس حاكم مصر بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام، ونصه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم (وأسلم) يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت، فعليك إثم القبط قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا
стр. 239
نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤] » «١» .
وكان مما قاله حاطب للمقوقس مما يشير إلى وضوح البشارة عنده برسول الله ﷺ في الإنجيل: (ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إيّاك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، وكل نبي أدرك قوما فهم من أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدركت هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به) «٢» .
كل ذلك واضح، وأقر به، ولكن أهل الدعوة أولى بالكتابة عن هذه السيرة وكل متعلقاتها، وهذه القضية منها، وهم أمناء عرفوا بذلك. فإذا كانوا أمناء على حقوق غيرهم فهم على هذا آمن. وهو أمر متصل بالله تعالى، وهم يخافونه ويتقونه ويبحثون عن رضاه. فإنهم أهل الموضوعية الحقة، بكل مواصفاتها وجلائها وجلالتها وضيائها. رواه الصحابة، وهم أمناء شهداء عيان لجوانب السيرة كافة، وهي عملية، والأقوال صورة لها.
وإبراز الجانب العملي في السيرة وفي حياة المسلمين، إن هو إلا مواكبة لآفاق السيرة في حقائقها ووقائعها وفي عرضها والاستواء معها، في دراستها وفهم مضامينها ومكنوناتها وموقعها. فهي سيرة تحمل معنى السلوك العملي والتطبيق للتعليمات والتعين للآيات وطريقة السير في الحياة بهذا الدين، وهي بجانب كونها السيرة العملية للأقوال، فهي تشمل أكبر الخير.
ولو أخذنا السّنة فهي تشمل القول والعمل والتقرير، بل السيرة لتتسع- وإن اتسعت لها ولغيرها السنة- لكنها أحيانا لتتسع حتى لعلها تزيد جانبا أو
стр. 240
أكثر على السنة من بعض الوجوه، فإن تداخلت فهي لها جوانب أخرى.
وكذلك الصحابة كانت أفعالهم أكثر من أقوالهم. إن المكانة التي يمثلها بلال تقوم على المواقف والفعال، نحبها ونتأثر بها وعلى دربها نسير إن شاء الله تعالى. ويوم وقف عثمان بن عفان ﵁ على المنبر أرتج عليه لكنه قال وقتها: (أنتم إلى إمام فعّال أحوج منه إلى إمام قوّال) ثم نزل.
فكل ذلك يقوم على العمل بالإسلام الذي جاء لأجله. فتقوم الحياة الإنسانية على عقيدته وشريعته ومنهجه، وتتحقق صورتها في الحياة والواقع، عملية تراها وتحياها وتلمسها وتحسها وتعايشها ناطقة معبرة.
مثلما تقدّم تلك للأمور والحياة جديتها ومصداقيتها وقيمة ما فيها، كما هي تعطي للإنسان صورته الحقة الكريمة اللائقة وتقويه في حسن التعبير ودقته وجديته، وتنقذه مما دونها.
ولقد يدخل الجنة أكثر من واحد، ولم يركع لله ركعة، منهم الأصيرم، الذي استشهد في معركة أحد «١» . فإن تحويل المعلومات الإسلامية- بعد الإيمان بها- إلى صورة عملية هي الهم الأكبر والأهم في الأمر وإعطائه القيامة والوضع الحقيقي والجدية والقوة. إن التلقي العملي، منه تستنبط الأحكام، ومنها الرؤية لطبيعة المعلومات ونوعيتها وتطبيقها.
فكان المسلم لا يستمر في تعلم جديد، إلا بعد العمل بما سبقت معرفته، وتحول علمه إلى كتلة من العمل في كل حال، به يتحرك وله يغضب ومن أجله يفرح ويحزن ويحيا ويموت. وقد نقل العديد من المفسرين عن الصحابة الكرام أنهم كانوا إذا تعلموا آيات من القرآن الكريم وعلموا ما فيها يعملون بها تنفيذا، ثم بعدها يحفظون غيرها، وهكذا (تعلّمنا القرآن والعمل به) «٢» .
стр. 241
إن استعراضك للسيرة الشريفة إنما هي لرؤية المشاهد متسلسلة الحلقات متصلة، من العمل الجاد والمصابرة والجهاد والبذل والاستشهاد والمواجهة والثبات، أمام كل ألوان الاضطهاد والصعوبات والمشاكل والقدرات والمؤامرات، والاستعلاء بهذا الدين عن كل التّرّهات والوهدات.
فكان الصحابة هم الجيل القدوة وكان الرسول ﷺ القدوة لهم في ذلك كله، القدوة المثلى والأسوة الحسنى والجانب العملي هو مثاله لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب: ٢١] . وهكذا يقوم الأمر على أسس ومقومات ودعائم ويؤدّى بصيغ معروفة ويتميز بصفته الجميلة الجليلة. يقوم على الإيمان بالله تعالى ومحبته وطلب رضاه، فتكون الانطلاقة الصحيحة في الحياة في خطى ثابتة وفي درب سليم مأمون. وهذا ما نجده في السيرة النبوية الشريفة في الحياة الإسلامية ومجتمعها، وهي أفضل صورة اقتدت بالرسول الكريم ﷺ لتبقى حياة ذلك المجتمع والجيل قدوة لما يتلوها من أجيال في كل العصور والمواقع والمناطق، تحبه وتحييه وتنظر نحوه، تبقى تهتف إليه وتعمل لبلوغه واللحاق بأهله.
* السيرة ونسج المثال:
وتبقى السيرة الشريفة المثال الموحى به، لم ينسج على منوال، وهو في غاية الكمال. والعلماء جعلوا العلم، غير كاف وحده، شرطا لتولي المسؤوليات، ولا بد من التقوى والورع. والإسلام يوجب صفات، منها:
الإحسان لكل أحد حتى مع العدو، ويطلب منه عدم مواجهة السوء بمثله بل بالحسن. ويرفض من المسلم صفات كالكذب والجبن والبخل والغدر والخيانة والفرار من لقاء العدو (الفرار يوم الزحف) والتخلف عن نصرة الإسلام وأهله. فتجد المسلم دوما أقرب إلى الصدق والشجاعة والكرم والوفاء والأمانة والقيام للعدو والإقدام لنصرة الإسلام وأهله. وإن تفاوتوا
стр. 242
في ذلك، لكنهم لا يهبطون عن الحد الأدنى. والأحاديث الشريفة كثيرة في بيان صفات تلازم المؤمن، وعكس لغيره كالمنافقين. ولقد تواترت الأحاديث الشريفة في ذلك. والرسول ﷺ يشير في بعضها إلى أن «المؤمن إذا حدّث صدق وإذا وعد وفّى وإذا اؤتمن أدى ... » «١» .
* السيرة ونفس المسلم:
وهذه السيرة تملأ نفس المسلم بالمحبة لله تعالى وقرآنه وشرعه ومنهجه ولرسوله ﷺ وسنته وسيرته الشريفة. يهتم بكل ذلك ويسلك كل سبيل، ليس فقط للأخذ به والتمسك والالتزام والدعوة إليه وبما يخدمها وينشرها ويعرّف بها، وهو من الدعوة وإليها.
وللدعوة وسائل منها التأليف والكتابة، في كل تلك الأمور وغيرها، مما يتعلق بالإسلام، باعتبارها دين وعبادة ومحبة وعشقا وتعبدا ورقة، بل وقبل ذلك الالتزام والوقوف عند حدود الله تعالى وسنة الرسول الكريم ﷺ .
والكتابة والتأليف من هذا الحرص المشوق، ومنه الكتابة في السيرة التي تنبع من هذا الاتجاه، الكتابة بمحبة وهيبة وتقوى وخشية لله ومحبة للرسول الكريم ﷺ تملأ النفس، قربى وعبادة لله ﷻ «٢» .
* تفسير السيرة ومكانتها:
السيرة هي التفسير الواقعي العملي المثالي الشامل الكامل للقرآن الكريم وبكل شروحه وتفصيلاته وبياناته «٣» .
стр. 243
السيرة منها جرت واستمدت سيرة التاريخ الإسلامي، بها موضوعات هذا التاريخ أولها السيرة النبوية الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- وهي جماله وكماله وتاجه، مثلما هي مهيمنة عليه وصفحة البدء الناصعة فيه.
وحافظ عليها المسلمون وحفظوها، تفتحت لها نفوسهم، وبالإسلام، وبدفعها الميمون فتحوا العالمين.
والحمد لله في البدء والختام، وعلى رسولنا أفضل الصلاة وأتم السلام.
стр. 244
* المبحث الرابع ولادة الرسول الكريم ﷺ ولادة تتبعها ولادة
* فاتحة وافتتاح
* هذا الاحتفال
* أهمية المناسبات
* مولد واقتران
* تفكر وتفكر
* الإسلام وحده هو الشرف
* معنى الاحتفال بالمولد الشريف
* هيمنة القرآن وإمامة الإسلام
* يا حسرة على العباد
* ولادة وولادة
* المسلم قويّ بهذا الدين
* أمة القرآن عودي للقرآن
* الحياة البشرية من الجاهلية إلى الإنسانية
* المثل والأمثلة
* الشرود عن منهج الله تعالى هو الدمار
* النجاة بهذا الدين وحده
* مهمة المسلم وآفاقه وقوته
* كيف السبيل
* أداء حق أمانة الدعوة الإسلامية الكريمة
стр. 245
ولادة الرسول الكريم ﷺ ولادة تتبعها ولادة
* فاتحة وافتتاح:
الحمد لله رب العالمين، هدانا لدينه القويم، وشرّفنا بدعوة الإسلام العظيم، حملها إلينا خاتم الأنبياء والمرسلين؛ الذي أرسله الله إلينا يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً [الأحزاب: ٤٥- ٤٦] محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله ﷺ إلى الخلق أجمعين، رحمة مهداة، ونعمة مسداة، بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض كافة، وحمّله إبلاغ هذه الرسالة المباركة إليهم جميعا، فأحسن إبلاغها، فأدّاها نعم الأداء، وجاهد فيها حقّ الجهاد، لا يهدأ ولا يلين.
وبكتاب الله وهدي رسول الله ﷺ تربّى ذلك الجيل القرآني الفريد؛ الذي أقام دولة الإسلام، ورّثوها لمن بعدهم، وحملها المسلمون- ويحملونها- جيلا بعد جيل، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
* هذا الاحتفال:
وحين نحتفل «١» اليوم بمولد هذا الرسول الكريم ﷺ إنما لنستحثّ أنفسنا، وندعوها إلى السير على الطريق، طريق الله المنير وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣] وأنه المحجة البيضاء التي تركنا عليها
стр. 246
رسول الله ﷺ ، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك «١» .
* أهمية المناسبات:
إنه لا يليق بالمسلم أن يعرف من هذا الدين مناسباته. ومن لا يتذكرون إسلامهم إلا في المناسبات، ليسوا أهلا لنصرته ودعوته، لكن المرجوّ أن تكون هذه المناسبات وقفة لإعادة النظر وإعمال الفكر؛ أن تكون نفحة تغسل الآثام، وتحرك النفوس للتوجّه إلى دين الله، والأخذ بكتاب الله، واتباع هدي رسول الله ﷺ . ولا يجب أن يشغلهم عنه أيّ شيء مهما كان، كما لا يصح أن يغنيهم عنه- أيّ غنى- أيّ منهج، مهما ادّعى وتبجح، فمنهج الله تعالى هو عدتهم وعدّة الإنسانية جميعا في كل العصور، وهو المنهج الوحيد الذي يجلب لها في الدنيا سيادة، وفي الآخرة سعادة.
وحين تسمو نفس المسلم إلى هذا المستوى، وتشرئب إلى هذا الأفق، تكون في غنى عن مناسبات تذكّرها، فبين يديه كتاب الله، مصدرا ومرجعا ومنهجا، يعيش معه صاحبا كريما ناصحا أمينا، نورا وبصيرة، يسترشده في كل أمر، ويستوضحه في كل شأن.
وما كان لهذه المناسبات من مكانة تربّعت عليها؛ إلّا لفقر في نفوس المسلمين، وخواء في أحوالهم وأفعالهم وتمسّكهم، وإلّا فالمسلم يحيا بعقله وقلبه وعقيدته وعبادته، مثلما يحيا بفكره وتصوره وسلوكه وكل حياته، مع القرآن الكريم ومع رسول الله ﷺ في سنّته وسيرته.
وكلّ ذلك حيّ في ضميره، تماما كما هو حيّ في سلوكه، وحبّ رسول الله ﷺ وطاعته، عقيدة وعبادة. وهي من حب الله وطاعته ودينه وشريعته.
стр. 247
وبذلك يعلن محبة الخير للناس، ويعمل على دعوتهم بقوله وفعله، ولا خير إلّا بهذا الفهم والمسلك. وما كان المسلم يكره من المخالفين إنسانيتهم، بل يكره باطلهم وفسادهم. وإن ما وهبهم الله من نعم الدنيا برحمته، وفتح من إمكانيات بحكمته، لا يغنيهم في الدنيا ولا في الآخرة، بل الأمر أشد وأكبر. وكلّ ذلك حجّة عليهم، إذ كان لا بدّ أن يكون سببا لإدراكهم حكمة الله في الإنسان والحياة واستيعابها، فلا ينصرفون عن حكمه وشرعه، بل يقبلون عليه، وفيه وحده النجاة والسعادة في الدارين.
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ «١» [المؤمنون: ٥٣- ٦١] .
وهكذا لقد وقف رسول الله ﷺ يوما- في أوائل الدعوة المكية- يعلن لمن حوله حقائق هذه الدعوة العالمية، وديمومتها، وصدقها، وأحقيتها، فقال: «إنّ الرائد لا يكذب أهله، والله! لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم. والله الذي لا إله إلا هو! إني رسول الله إليكم خاصّة وإلى الناس كافة. والله! لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، ولتجزونّ بالإحسان إحسانا، وبالسوء سوآ، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا» «٢» .
* مولد واقتران:
ولد رسول الله ﷺ عام الفيل، الذي تعرفون- أيها الأخوة- قصّته
стр. 248
وخبره. وقد استنتج واستنبع الدارسون- قدماء ومحدثون- من ماجرياته الكثير من هذا الاقتران، بين الحادثة والمولد، وما زال فيها متسع.
فليس هذا الاقتران محض اتفاق، أيّ اتفاق، لكنه إشارة من الله تعالى لهذه الولادة الكريمة، وما جرى فيها من معان، كان منها التكريم لتلك الولادة، والتنويه بها، وإظهار مكانتها، والإعلاء لشأنها وما تنتظرها.
فاحتملت قصة الفيل فضيلة النصر الذي أراده الله، وتمّ بمعجزة منه ، سنّة خارقة.
فإن الله ناصر دينه وحام حماه، وإن الدين الذي سيتّخذ- بإرادة الله من الكعبة قبلة، ومن مكة حضانة، ومن مواقعها وحيا، سيتولاه ويتولاها الله بنصره، وستبقى قبلة يحميها الله من الآثمين، وينقذها من الوثنيين وأوثانهم؛ لتفئ إلى دين الله، وذلك بشارة أو إشارة إلى نبوة هذا الرسول الوليد، والوليد الرسول ﷺ .
وإنّ أهل الدّين مهما ظنوا أو تخلّوا عن دين الله، فسنن الله في نصره كثيرة، سنّة معتادة جارية أو سنّة خارقة، فكلّها سنن من خلق الله معجزة، يجريها كيف يشاء، فإذا انحرفوا أو تخلّوا عن دعوته أو دولته أو عبادته وطاعته، وأحاط الخطر بهذا الدّين، فإن الله تعالى يتولى نصره بدونهم.
وحتى لو أهمله أهله، فهو في رعاية الله ، يتولّى حمايته، رغم إعراضهم وإهمالهم. والنّصر كلّه من عند الله الجليل ، بهم أو بغيرهم أو بدونهم، فهو العليّ القدير سبحانه، ناصر دينه، فلله تعالى سنن وحكم.
وهذا تنبيه إلى أولئك الذين عبدوا الأصنام المتعددة. وهم قد أدركوا حوادث الفيل والطير والأبابيل وحجارة السّجّيل «١» ؛ زمانا، وشاهدوها عيانا. وكان عليهم- وهم من ورثة دين إبراهيم، ﵇، وادّعوا
стр. 249
فضيلة الأهلية لذلك، فسمّوا أنفسهم الحمس «١» - أن يتبصّروا في حكمتها، ويدركوا أبعادها، بأي مقدار، ففيها التنبيه الذي يجعلهم- لو عقلوه- أقرب إلى دين الله الواحد، وأسهل في التخلي عن تلك الأصنام، وأقبل وأميل إلى الخروج من حياة الجاهلية للدخول في دين الله، وليكونوا في إحساس من نعمة الله عليهم، تجعلهم أسرع استجابة إلى الله ، وما أنزل جلّت قدرته من دين، وأرسل من رسول ﷺ ، لا أن يواجهوه ويكونوا من ألدّ أعدائه، فلا أقلّ من أن يدعوا رسول الله ﷺ ويخلّوا بينه وبين الناس.
* تفكر وتفكر:
ولكن للأسف لقد كان الأمر على غير هذا السبيل؛ الذي كان التفكير فيه أن يكون أصيلا بعيدا عن التنكّر، وبذلك الشكل العنيد.
وحين قام فيهم رسول الله ﷺ يدعوهم بكتاب الله ، وكان فيهم معروفا وبينهم موصوفا، تنكروا له، وحاربوه وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً [الجن: ١٩] .
فكانت لهم- ولكل أحد بعدهم- عبرة، من أن أيّ قوم، وأهل أيّ دين، إذا تنكروا وتمردوا وجهلوا وضلوا ورفضوا أو أعرضوا عن نصرته أو حاربوه، فإن الله ناصره، يهيّئ من ينصره أو ما ينصره.
وإن إقرارهم- بأيّ مقدار- بأحقيقته وواقعيته وتخلّفهم عن نصرته، لن ولا ولم تغن عنهم من الله شيئا، وقد تضعهم في صفّ أعداء الله، فليس في دين الله أنصاف، ولا في حياة المسلم مساومة ولا متاركة ولا إجازة، وإننا
стр. 250
لا نجد في دين الله موطنا للمبرقعين والمرقّعين والأدعياء والمدّعين.
إن الله تعالى لا يقبل من المسلم إلا الإسلام الخالص والتوجّه الكامل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً «١» [البقرة: ٢٠٨] .
والذين يعدون أنفسهم مسلمين لا بد أن تكون كلّ حياتهم على نهج هذا الدين، لا يرضون به بديلا ولا عنه تحويلا، ولا في جزء من جزئياته، وذلك شأن كلّ من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا «٢» .
ولا يظن أحد أنه إذا ما تخلى عن دين الله- كائنا من كانت مكانته أو مقداره أو قوته- أنه يؤخّر ولادة الحياة الإسلامية، وإقامة دولة القرآن. فأن فعل أو بدا له، فقد توهّم السّراب ماء وأضلّ نفسه وخسر. إن نور الله لا يحجبه الضالون، ولا يوقفه التائهون، ولكن لله سننا ماضية، ولكل شيء عنده أجل مقدور ومعلوم، ويأتي نصره بتقدير منه .
ولله تعالى في كونه وخلقه ودعوته وجنده سنن. لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [الرعد: ٣٨] وعند الله الحساب وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [محمد: ٣٨] فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ [المؤمنون: ٤١- ٤٢] .
فلو أعرض أهل الأرض جميعا عن دين الله- وهم عند ذلك الخاسرون، في الدنيا والآخرة- فإن الله تعالى سيسخّر كلّ شيء، وسيشقّق الأرض لتخرج الأبطال، من النساء والرجال والولدان والأطفال- لو اقتضى الأمر ذلك، وأراده الله يحملون الراية في كتيبة خضراء، يفتدون هذا