رسول الله ﷺ ، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك «١» .
* أهمية المناسبات:
إنه لا يليق بالمسلم أن يعرف من هذا الدين مناسباته. ومن لا يتذكرون إسلامهم إلا في المناسبات، ليسوا أهلا لنصرته ودعوته، لكن المرجوّ أن تكون هذه المناسبات وقفة لإعادة النظر وإعمال الفكر؛ أن تكون نفحة تغسل الآثام، وتحرك النفوس للتوجّه إلى دين الله، والأخذ بكتاب الله، واتباع هدي رسول الله ﷺ . ولا يجب أن يشغلهم عنه أيّ شيء مهما كان، كما لا يصح أن يغنيهم عنه- أيّ غنى- أيّ منهج، مهما ادّعى وتبجح، فمنهج الله تعالى هو عدتهم وعدّة الإنسانية جميعا في كل العصور، وهو المنهج الوحيد الذي يجلب لها في الدنيا سيادة، وفي الآخرة سعادة.
وحين تسمو نفس المسلم إلى هذا المستوى، وتشرئب إلى هذا الأفق، تكون في غنى عن مناسبات تذكّرها، فبين يديه كتاب الله، مصدرا ومرجعا ومنهجا، يعيش معه صاحبا كريما ناصحا أمينا، نورا وبصيرة، يسترشده في كل أمر، ويستوضحه في كل شأن.
وما كان لهذه المناسبات من مكانة تربّعت عليها؛ إلّا لفقر في نفوس المسلمين، وخواء في أحوالهم وأفعالهم وتمسّكهم، وإلّا فالمسلم يحيا بعقله وقلبه وعقيدته وعبادته، مثلما يحيا بفكره وتصوره وسلوكه وكل حياته، مع القرآن الكريم ومع رسول الله ﷺ في سنّته وسيرته.
وكلّ ذلك حيّ في ضميره، تماما كما هو حيّ في سلوكه، وحبّ رسول الله ﷺ وطاعته، عقيدة وعبادة. وهي من حب الله وطاعته ودينه وشريعته.
стр. 247
وبذلك يعلن محبة الخير للناس، ويعمل على دعوتهم بقوله وفعله، ولا خير إلّا بهذا الفهم والمسلك. وما كان المسلم يكره من المخالفين إنسانيتهم، بل يكره باطلهم وفسادهم. وإن ما وهبهم الله من نعم الدنيا برحمته، وفتح من إمكانيات بحكمته، لا يغنيهم في الدنيا ولا في الآخرة، بل الأمر أشد وأكبر. وكلّ ذلك حجّة عليهم، إذ كان لا بدّ أن يكون سببا لإدراكهم حكمة الله في الإنسان والحياة واستيعابها، فلا ينصرفون عن حكمه وشرعه، بل يقبلون عليه، وفيه وحده النجاة والسعادة في الدارين.
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ «١» [المؤمنون: ٥٣- ٦١] .
وهكذا لقد وقف رسول الله ﷺ يوما- في أوائل الدعوة المكية- يعلن لمن حوله حقائق هذه الدعوة العالمية، وديمومتها، وصدقها، وأحقيتها، فقال: «إنّ الرائد لا يكذب أهله، والله! لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم. والله الذي لا إله إلا هو! إني رسول الله إليكم خاصّة وإلى الناس كافة. والله! لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، ولتجزونّ بالإحسان إحسانا، وبالسوء سوآ، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا» «٢» .
* مولد واقتران:
ولد رسول الله ﷺ عام الفيل، الذي تعرفون- أيها الأخوة- قصّته
стр. 248
وخبره. وقد استنتج واستنبع الدارسون- قدماء ومحدثون- من ماجرياته الكثير من هذا الاقتران، بين الحادثة والمولد، وما زال فيها متسع.
فليس هذا الاقتران محض اتفاق، أيّ اتفاق، لكنه إشارة من الله تعالى لهذه الولادة الكريمة، وما جرى فيها من معان، كان منها التكريم لتلك الولادة، والتنويه بها، وإظهار مكانتها، والإعلاء لشأنها وما تنتظرها.
فاحتملت قصة الفيل فضيلة النصر الذي أراده الله، وتمّ بمعجزة منه ، سنّة خارقة.
فإن الله ناصر دينه وحام حماه، وإن الدين الذي سيتّخذ- بإرادة الله من الكعبة قبلة، ومن مكة حضانة، ومن مواقعها وحيا، سيتولاه ويتولاها الله بنصره، وستبقى قبلة يحميها الله من الآثمين، وينقذها من الوثنيين وأوثانهم؛ لتفئ إلى دين الله، وذلك بشارة أو إشارة إلى نبوة هذا الرسول الوليد، والوليد الرسول ﷺ .
وإنّ أهل الدّين مهما ظنوا أو تخلّوا عن دين الله، فسنن الله في نصره كثيرة، سنّة معتادة جارية أو سنّة خارقة، فكلّها سنن من خلق الله معجزة، يجريها كيف يشاء، فإذا انحرفوا أو تخلّوا عن دعوته أو دولته أو عبادته وطاعته، وأحاط الخطر بهذا الدّين، فإن الله تعالى يتولى نصره بدونهم.
وحتى لو أهمله أهله، فهو في رعاية الله ، يتولّى حمايته، رغم إعراضهم وإهمالهم. والنّصر كلّه من عند الله الجليل ، بهم أو بغيرهم أو بدونهم، فهو العليّ القدير سبحانه، ناصر دينه، فلله تعالى سنن وحكم.
وهذا تنبيه إلى أولئك الذين عبدوا الأصنام المتعددة. وهم قد أدركوا حوادث الفيل والطير والأبابيل وحجارة السّجّيل «١» ؛ زمانا، وشاهدوها عيانا. وكان عليهم- وهم من ورثة دين إبراهيم، ﵇، وادّعوا
стр. 249
فضيلة الأهلية لذلك، فسمّوا أنفسهم الحمس «١» - أن يتبصّروا في حكمتها، ويدركوا أبعادها، بأي مقدار، ففيها التنبيه الذي يجعلهم- لو عقلوه- أقرب إلى دين الله الواحد، وأسهل في التخلي عن تلك الأصنام، وأقبل وأميل إلى الخروج من حياة الجاهلية للدخول في دين الله، وليكونوا في إحساس من نعمة الله عليهم، تجعلهم أسرع استجابة إلى الله ، وما أنزل جلّت قدرته من دين، وأرسل من رسول ﷺ ، لا أن يواجهوه ويكونوا من ألدّ أعدائه، فلا أقلّ من أن يدعوا رسول الله ﷺ ويخلّوا بينه وبين الناس.
* تفكر وتفكر:
ولكن للأسف لقد كان الأمر على غير هذا السبيل؛ الذي كان التفكير فيه أن يكون أصيلا بعيدا عن التنكّر، وبذلك الشكل العنيد.
وحين قام فيهم رسول الله ﷺ يدعوهم بكتاب الله ، وكان فيهم معروفا وبينهم موصوفا، تنكروا له، وحاربوه وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً [الجن: ١٩] .
فكانت لهم- ولكل أحد بعدهم- عبرة، من أن أيّ قوم، وأهل أيّ دين، إذا تنكروا وتمردوا وجهلوا وضلوا ورفضوا أو أعرضوا عن نصرته أو حاربوه، فإن الله ناصره، يهيّئ من ينصره أو ما ينصره.
وإن إقرارهم- بأيّ مقدار- بأحقيقته وواقعيته وتخلّفهم عن نصرته، لن ولا ولم تغن عنهم من الله شيئا، وقد تضعهم في صفّ أعداء الله، فليس في دين الله أنصاف، ولا في حياة المسلم مساومة ولا متاركة ولا إجازة، وإننا
стр. 250
لا نجد في دين الله موطنا للمبرقعين والمرقّعين والأدعياء والمدّعين.
إن الله تعالى لا يقبل من المسلم إلا الإسلام الخالص والتوجّه الكامل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً «١» [البقرة: ٢٠٨] .
والذين يعدون أنفسهم مسلمين لا بد أن تكون كلّ حياتهم على نهج هذا الدين، لا يرضون به بديلا ولا عنه تحويلا، ولا في جزء من جزئياته، وذلك شأن كلّ من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا «٢» .
ولا يظن أحد أنه إذا ما تخلى عن دين الله- كائنا من كانت مكانته أو مقداره أو قوته- أنه يؤخّر ولادة الحياة الإسلامية، وإقامة دولة القرآن. فأن فعل أو بدا له، فقد توهّم السّراب ماء وأضلّ نفسه وخسر. إن نور الله لا يحجبه الضالون، ولا يوقفه التائهون، ولكن لله سننا ماضية، ولكل شيء عنده أجل مقدور ومعلوم، ويأتي نصره بتقدير منه .
ولله تعالى في كونه وخلقه ودعوته وجنده سنن. لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [الرعد: ٣٨] وعند الله الحساب وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [محمد: ٣٨] فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ [المؤمنون: ٤١- ٤٢] .
فلو أعرض أهل الأرض جميعا عن دين الله- وهم عند ذلك الخاسرون، في الدنيا والآخرة- فإن الله تعالى سيسخّر كلّ شيء، وسيشقّق الأرض لتخرج الأبطال، من النساء والرجال والولدان والأطفال- لو اقتضى الأمر ذلك، وأراده الله يحملون الراية في كتيبة خضراء، يفتدون هذا
стр. 251
الدين منذ البداية، ينظّفون الأرض من أوضارها، ويطهرونها من أدناسها.
ولكل حادثة رواية، ولكل طاغية باغية نهاية. وذلك وعد الله ﵎: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥] .
* الإسلام وحده هو الشرف:
إنه لاستشراف وشرف أن يقف المسلم هذا الموقف الطاهر وبالقلب العامر- في أية مناسبة كانت- يدعو إلى الله ويعاهده، متكلما أو مستمعا، يدعوه بقلبه وبفعله وبنيته وبحياته وبقلمه وعلمه، أن يعمل لهذا الدّين، ويكون في عداد المجاهدين، يعتبر نفسه في سبيل الله جنديا، ويرضى أن يكون لدينه برهانا.
والمسلم الذي يتجه إلى القرآن، محبّا لله ورسوله ﷺ ، حبّا يملك عليه نفسه، ويملأ به رأسه، ويحرّك حسّه ويجعل له بأسه وجهده وجهاده، يصبح الإنسان الحيّ، حيّا في الدنيا بالحق والنور، وحيّا في الآخرة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء: ٦٩] .
فدعوة الله تعالى هي الحياة الحقّة في الدنيا ويوم الدين، وما عدا هذه الدعوة هو الموت الأكيد أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: ١٢٢] .
* معنى الاحتفال بالمولد الشريف:
إننا حين نحتفل بمولد رسول الإنسانية، وقائد البشرية ﷺ فذلك يسلمنا إلى ألانرضى بغيره قائدا وزعيما، ولا نعيش بدونه هاديا أمينا، مبلّغا عن
стр. 252
الله تعالى هذه الرسالة، وداعيا لكتاب الله القرآن الكريم، وعند ذلك يحق لنا الهتاف بزعامة رسول الله ﷺ رسولا نبيا، حبّا وطاعة، ويتوجّب اتّباعه، عبادة نتقرب بها إلى الله، ونتعبّد الله بذلك، ، وجل جلاله، وعمّ نواله، وعزّت قدرته.
إنّ احتفالنا بمولد رسول الله ﷺ ، باعتبار نبوّته؛ التي كانت ولادته لها وما تلاها إعدادا لحملها، واستعدادا لإبلاغها، كان ذلك في علم الله؛ الذي اصطفاه، وأعدّه سبحانه؛ ليحمل هذه الرسالة، ويتلقّى عن ربّه قرآنا، معجزة الله الخالدة، يجاهد فيه، ويقيم دولة القرآن، ربّى عليه الأجناد، وعبّد لله العباد.
* هيمنة القرآن وإمامة الإسلام:
فحقّ لهم- ولنا ولكل المسلمين في كل زمان ومكان- أن يهتفوا بإمامة القرآن وهيمنته، كتابا هاديا، ودستورا مضيئا، لا نفرّط فيه، ولا نتحوّل عنه.
وعلى ذلك تربّى صحابة رسول الله الكرام ﷺ وورّثوه للأجيال التالية، وما زال- وسيبقى بعون الله تعالى- هذا القرآن، وهو كتاب الإنسانية، نفتديه على الدوام، وهو الذي آمنت به الجنّ إذ سمعته قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [الجن: ١- ٢] . فهو كتابنا، وهو قرآننا، إماما وهاديا، نفتديه على الدوام.
وتتتابع في حمله الشعوب والأمم، وتتلاحم في أمّته، فتحيا به الأجيال، متحضّرة سعيدة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وسارت أمة القرآن تحميه، وتفديه، وتستلهمه، وتستهديه في دولة القرآن.
وحين ضعف الأخذ به، والالتزام بأحكامه، ضعف حال أهله بنفس المقدار، حتى دالت هذه الدولة- بعيدا أو غير بعيد- بعوامل داخلية وخارجية، ولحكمة أرادها الله تعالى، وهو الحكيم العليم.
стр. 253
لا نريد من مسلمة اليوم- في أية بقعة من بقاعهم- لا سيما الناطقين بالعربية- باعتبار معرفتهم لهذا القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة الشريفة، وشريعة هذا الدين، لمعرفتهم وفهمهم لغته- أن يكونوا آخر الركب التحاما بدعوة الإسلام، كما لا نريد أن يكون- هم وغيرهم وكل أمته إسلامهم باهتا، أو نائما، أو غائبا، فسيوقفهم الله ، وسيسألهم عن كل ذلك، ويجزيهم بما يستحقون وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [الصافات: ٢٤] .
إنّ أمّة تملك كتاب الله، كيف تهمله؟!
كيف يشغلها عنه شاغل، أو يحول بينها وبينه حائل؟!
إنها مدعوّة لتعيد قراءته، إن كانت قد قرأت، تقرؤه بكلّ حواسها ومشاعرها وبكل كيانها، تتذوقه، وتتفهمه، وتتمثله، وتأخذه شاملا، وتقبل عليه بكليتها، وتتعبّد الله به، باتخاذه منهجا، والاستمداد منه شريعة.
فلا يصحّ للمسلم أن يحفظ هذا الكتاب في السطور أو الصدور، ولا يكون عنده حيّا في الشعور، ولا أن يحمله أوراقا ويهمله أخلاقا، أو يعرفه كلاما ويتركه أحكاما.
* يا حسرة على العباد:
إن الذي يهمل القرآن الكريم، ثم يذهب ليستجدي فتات القوانين، كمن يعاف الحلال الطيب في داره إلى جنبه، ويبحث عن اللحم الحرام! وكمن يملك الماء الزلال ويتركه ويهمله؛ ليرتاد آسن المستنقعات! وكمن عنده كنوز المال الحلال وخزائن الثروات، ثم يطلب الرّبا، به يقتات! فيهلك نفسه ويهلك من معه، نعوذ بالله، ووقانا منه.
كيف يحدث ذلك أم كيف يكون؟! وماذا يقول المسلم أمام هذا الشجن
стр. 254
والشّجون؟!! فاقرأ معي قول الله الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ «١» [البقرة: ٢٧٥] .
يا حسرة على العباد! بأيديهم كتاب الله ، فيه شفاء من كلّ داء، وصحة في كل ميدان، وتقدم نحو أرقى أفق وسعادة في الدارين، ويبحثون عند أهل الأدواء- في الدنيا والآخرة- ما يشفيهم. والوضع الطبيعي أن يتولّوا- هم حفظة وحملة وأهل هذا الكتاب الرباني الكريم- علاج أهل الأدواء. وعلى ذلك فعند أهله المسلمين وحدهم- بهذا الكتاب الكريم- العلاج، أنزله الله شفاء وضياء وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [الإسراء: ٨٢] وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠] .
* ولادة وولادة:
وحين نحتفل بولادة الرسول الكريم ﷺ إنما نحتفل بنبوته ورسالته ودعوته وبنزول القرآن عليه؛ الذي كان نزوله من عند الله سبحانه، رحمة منه ، ونعمة، ومنّة مباركة، فهو بداية الولادة المحتفى بها؛ ولادة الإنسان القرآني الرباني.
حمل هذا القرآن إلى الإنسان والإنسانية؛ في نوعيتها الجديدة، وولادتها الجديدة، ذلك المولود العظيم والنبيّ الكريم ﷺ الذي نحتفي اليوم بولادته، وبهذه الدعوة كانت ولادات الحيوات الفاضلة (جمع حياة) والحضارة الرافلة، بتعاليم هذا القرآن، وبمنهج الإسلام وشريعته كانت ولادة الإنسان الجديد.
وعندها ابتدأ الطريق لولادة الإنسان الجديد والحضارة الفريدة، ولادة الحياة الإسلامية، وقيام الدولة القرآنية.
стр. 255
فنزول القرآن الكريم هو بداية المولد بعد المولد، مولد الإنسان الربّاني الذي تربّى بهذا القرآن. ومع أن الله تعالى أراد لدينه النصر ووعد به، لكنه جعل ذلك حسب سننه الحكيمة التي وضعها، وكان هذا واضحا ومستيقنا لرسول الله ﷺ ، بما أوحاه الله إليه، وقد علّمه للمسلمين الذين وعوه، لكنهم جاهدوا معه حق الجهاد، وكان أحدهم يستقلّ نفسه في سبيل الله، حتى إن المسلم ليتمنى أن يستجمع عمره لينفقه في أي حدث أو موقف أو حال أو معركة، دفاعا عن الإسلام، وتحقيقا لنصرته، وطلبا للشّهادة في سبيل الله .
ومع أنّ ذلك كان واضحا، ومع أن المسلمين جميعا كانوا على يقين من تحقيق وعد الله بالنصر، إلا أنّهم أيضا كانوا على يقين وقناعة مما عليهم أن يقدّموه في سبيل الله، عشقا حقا، وغراما صدقا وفداء ووفاء وإقبالا وتنافسا، ليقوم المجتمع الإسلامي، ويا بنى وجوده، وتقوم دولة الإسلام، وترتفع راية القرآن، وعند الله خير الجزاء في الجنان إلى جوار الرحمن . فإنّ تلك سنّة الله، وهي كذلك تماما تحقيق لمقتضيات الإيمان، ونصرة لدولة القرآن، وتقديم لافتداء العاشق الولهان.
فما كان يفكر أحدهم في النكوص؛ الذي ليس هو من صفات المؤمن، ولا ينظر أبدا في التّراجع، وقد برّأهم الله من ذلك. وهم الذين اجتنبوا السبع الموبقات، ومنها التّولّي يوم الزّحف «١» .
فكان الإقبال كاملا، والمحبة عميقة، تدفع المؤمن ليطير إلى كل أفق كريم، وسط الأعاصير يزاحمها، وفوق الأمواج يعلوها، ويمتطيها، وبين الأسنّة يقارعها، ونحو القمم يجاورها ويحاورها.
стр. 256
الهول في دربي وفي هدفي ... وأظل أمضي غير مضطرب
ما كنت من نفسي على خور ... أو كنت من ربي على ريب
ما في المنايا ما أحاذره ... الله ملء القصد والأرب «١»
ولا بدّ للأمل من عمل، يتجه به المسلم إلى الله تعالى العزيز الكريم، وإن المسلم لا يستمدّ أمله مما حوله كثرة وقلة، وإنما يستمدّ ذلك من الإيمان بالله سبحانه، مصدر القوى ومنزل النصر من خلال التمسّك بحقيقة هذا الدين. كما يستمدها مما أودع الله ﷻ فيما أنزله من منهج كريم وعظيم، وهذه هي بكل وضوح حقيقة هذا الدين. وكذلك من الاقتداء بسيّد الأنبياء، وإمام المرسلين محمد بن عبد الله ﷺ وعليهم جميعا، وبعد ذلك السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين.
المسلم قويّ بهذا الدين:
وكان هذا هو الأمل بنصر الله، وعليه يقوم، وبه يحيا شعور المسلمين، يوم كانوا قلّة مطاردة مضطهدة. مثلما كانوا يوم قامت دولتهم، دولة الإسلام. وحتى يوم قامت لم تكن تملك شيئا في مادياتها، وغير مادياتها، بجانب الدول الآخرى وإمكانياتها. وكان الحديث في غير دولة القرآن، عن مقارعة تلك الدول، أشدّ إيغالا من الخرافة المغرقة.
فأقبلوا على دين الله لا يخافون على شيء، ولا يخشون من شيء، وآجالهم وأرزاقهم وحياتهم بيد الله، وقد جاء في معنى الحديث الشريف:
«إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب» «٢» .
وكذا زيّنوا حياتهم بدين الله، وأعدّوا أنفسهم ليوم لقائه في الآخرة،
стр. 257
باذلين الحياة من أجله، وإن استقلّوها.
وفي معركة اليمامة حين اشتدّت الحرب، وتكاثر العدو على المسلمين، صاح أبو حذيفة في المسلمين: (يا أهل القرآن زيّنوا القرآن بالفعال) . وفيها صاح سالم مولى أبي حذيفة؛ الذي وصفه رسول الله ﷺ بقوله: «إنّ سالما شديد الحب لله» ، وهو فارسيّ من إصطخر، ومن المهاجرين، وكان يحمل رايته- راية المسلمين- في تلك المعركة، صاح قائلا: (بئس حامل القرآن أنا إن لم أقتل في سبيل الله) ، فحفر له حفرة، ووقف فيها يقاتل.
فقطعت يده اليمنى ثم اليسرى، واعتضد الراية حتى استشهد «١» .
إنّ ما يسكبه الإيمان بالله تعالى ودعوته، وكل مقتضيات هذا الإيمان، من قوة في النفس، وما يفتّق فيها من طاقة، وما يحبوها من بركة ويبوّئها من مكانة رفيعة، لأمر فوق التصوّر. إنه ينابيع كلمات الله تتفجر لتكون مثالا، مزيدا لا ينال، ولا يطلب إلا بهذا الدين وحده، كوّنه الإسلام، ويكونه الآن وعلى الدوام، بنوره في أكثر من مكان، في الدعوة الإسلامية العامرة، وهي تسعى لإقامة دولة القرآن، ومن أجل ذلك تسعى وتجاهد وتبذل وتضحي، وتقارع الظلم والظالمين، وتطارد البغي والباغين؛ لتغرس الخير والنور والحق المبين، وهذا ما نلحظه من خلال التاريخ الإسلاميّ كله، وعلى مداراته المتتابعة.
* أمّة القرآن عودي للقرآن:
فيا أمة القرآن! عودة إلى هذا القرآن، وهو الذي جعل الله القضية الأساسية الكبرى فيه: الألوهية والعبودية. الألوهية الحقة بخصائصها في الربوبية، والقوامة، والحاكمية، والعبودية الكاملة التي تعبّد الناس لإلههم الحق- في كل حال ومال.
стр. 258
وكلّ الأمور الآخرى في القرآن الكريم هي من مقتضيات هذه القضية الأساسية الكبرى (الألوهية الحقة الواضحة، والربوبية الكاملة، والعبودية الخالصة) ، والله تعالى يقول: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥] .
وبذلك ترقّت الأمة المسلمة في سلّم المكانة العالية الزاهية، وفي قمم العظمة الإنسانية الكريمة، بتباشير مستقبل البشرية المنير، ولادة الرسول ﷺ ، وتبعتها ولادة الإنسانية الفاضلة بهذا القرآن الكريم؛ الذي أنزل الله تعالى عليه، وأمره بإبلاغه للناس كافة.
* الحياة البشرية من الجاهلية إلى الإنسانية:
وحياة الإنسان والإنسانية على الأرض- وفي البشرية أجمعين، بدون ذلك- يصيبها في هذه الحياة البوار والدمار، ويورّثها في الآخرة الخسار.
فحياة البشر لا تستقيم إلا إذا استقامت هذه الحقيقة الكبرى، في اعتقادهم وتصورهم، في حياتهم وواقعهم، لا تستقيم إزاء الكون الذي يتعاملون مع أحيائه وأشيائه. إذ حين يضطرب تصورهم لحقيقة الألوهية والربوبية والعبودية، يؤلّهون الأحياء والأشياء، ولا تستقيم إزاء بعضهم البعض بدون استقامة هذه الحقيقة في كل جنبات الحياة، ابتداء من ذات الإنسان.
وإن إنسانية الإنسان وكرامته وحريته الحقة الكاملة، لا يمكن أن تتحقق في ظلّ اعتقاد أو نظام أو مبدأ- مهما كان- لا يفرد الله بالألوهية وبالربوبية، بل ويشرد عن العبودية.
وواقع البشر خلال تاريخه يثبت هذه الحقيقة ويصدّقها، فما من مرة انحرف الناس عن الدينونة لله وحده، ودانوا لغيره بالاعتقاد والشعائر أو الأحكام والشرائع، إلا وفقدوا بذلك إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم.
وإن الذين شردوا من العبودية لله وقعوا في شقوة العبودية لغيره، والتي أكلت إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم. مهما اختلفت الأنظمة والقوانين،
стр. 259
شرقية أو غربية، مستوردة أو محلية. مهما ظنّوا فيها، أو ادعوا لها، لكن واقع الحياة كان كفيلا بكشف وهمهم ووهنهم، وبيان زيفهم وبعدهم، وربما ردّهم إلى الحق وسار أمامهم بوضوح كامل على الجادّة، بعد أو قبل فوات الأوان.
لقد تبين لفرعون ضلاله، وقد أغرقه الله، وأعلن إيمانه بعد ما رأى مصيره غرقا، وقد فات أوانه، غفلة واستكبارا، وكان بإمكانه أن يدرك ذلك، ويتدارك أمره، قبله وأبكر منه، وضوحا واستجابة: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ [يونس: ٩٠- ٩٢] .
لكنّ الذين أسلموا متأخرين قبل فوات الأوان، حازوا خير هذا الدين، والإسلام يجبّ ما قبله، فعوّضوا عما فات، والأمثلة كثيرة جدا «١» .
* المثل والأمثلة:
ففي معركة أحد، والمسلمون بقيادة رسول الله ﷺ متّجهون إلى المعركة، فتح الله قلب أصيرم (واسمه: عمرو بن ثابت بن وقش) - من بني عبد الأشهل- للإسلام، فأسلم، وعلم أن المسلمين ذهبوا للجهاد، فحمل سيفه في الحال، ولحق بهم مجاهدا، وقاتل حتى قتل، ووجد في الرّمق الأخير «٢» ، ودهش لرؤيته الأنصار، لما يعرفون من كفره وصدّه، فقالوا:
стр. 260
والله إن هذا للأصيرم، ما جاء به؟ فسألوا فأخبرهم الخبر، وإنه حين ذكر أمره لرسول الله ﷺ قال: «إنه لمن أهل الجنة» . وهكذا رحمه الله تعالى، ورضي الله عنه، وكان إقدامه واستشهاده. ذلك هو مقتضى الصدق في هذا الدّين، وقضى شهيدا، فكان هو الذي دخل الجنة، ولم يركع لله ركعة.
ولدينا العديد من هذه النماذج الفذة، وغيرها الكثير والكثير جدا، تلك صنعها هذا الدين، دين الله الحق لأهل الأرض أجمعين، ولا يمكن أن تكون إلا به- وبه وحده- وهو أمر طبيعيّ.
وفي معركة اليرموك (١٥ هـ) جرى مثل ذلك، حين أقبل إلى معسكر المسلمين «جرجة» أحد قادة الروم ليعلن إسلامه، ودخل المعركة إلى جانب عكرمة، وتعاهدا- مع آخرين كثير- على الموت في سبيل الله، فاستشهدا جميعا «١» . وهكذا وهكذا كثير، ووفير، وجدير.
فليلتحق المسلمون بركب الإسلام المنير عاملين بجديّة أكثر، يزداد القريب قربا، ويقترب البعيد، كما يفوز بالخير ولا يفوته، ويحظى برضا الله وجنته، إن شاء الله .
* الشرود عن منهج الله هو الدمار:
لقد هربت أوربا من شريعة الله، ومنه . وحين هربت من الكنيسة الطاغية الباغية باسم الدين الزائف، وثارت على دين الله ، ظن الناس هناك أنهم يجدون إنسانيتهم وحريتهم وكرامتهم ومصالحهم وحياتهم وسعادتهم، في ظلّ الأنظمة الفردية الديمقراطية؛ بما صاغوه، ووفّروه، ثم في ظلّ الأنظمة التفردية المستبدة الطاغوتية الجماعية، فلم يجدوا إلا الخيبة، والفشل الذّريع، والتغرير، والتدمير، وكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار، وانتقلوا من الوهم إلى السّراب
стр. 261
والأساطير. وسيبقى الإنسان كذلك حتى يعود إلى دين الله تعالى، ففيه وحده النجاح الأكيد الجديد، دنيا وأخرى، سيادة وسعادة.
وقد أغرتهم بذلك تلك الأشكال، وغرّتهم تلك المنتجات والإمكانيات، إلا أنّ الأمر انتهى إلى الرأسمالية الطاغية، بتشكيلاتها المختلفة، ولا فتاتها التي تحولت إلى خيالات وأوهام، فوقعوا في عبودية ذليلة، عبودية البشر للبشر، كثرة ساحقة خضعت لأقلية طاغية، تملك رأس المال، وتملك كل المؤسسات، وإن وضعت عليها اللافتات المزوّقة، والشعارات المنمّقة.
وهرب فريق منهم من تلك الأنظمة الفردية وأجهزتها؛ التي يطغى فيها رأس المال والطبقة، إلى الأنظمة الجماعية، فاستبدلوا طبقة بطبقة أعتى.
وبعد أن كانت تبعيتهم لأصحاب رؤوس الأموال ومؤسساتهم، غدت للدولة التي تملك المال والسلطان، فكانوا كذلك كالمستجير من الرمضاء بالنار الأشد قسوة ولظى، بعد تلك المعاناة.
وسواء انتهت هذه السلسلة أو ما زالت فيها بقية، يدفعها الضلال والكبرياء إلى الشرود عن الله ، والتمسك بالجاهلية، فسيبقى الإنسان خاسرا مسحوقا، مادام في معزل عن الله ومنهجه، ومهما كان في مستوى فلا يقارن مع منهج الله تعالى، ومهما بلغ تقدمه من كل نوع؛ ولذلك أنزل الله شرعه العظيم الذي لا يكون أفضل له فحسب، بل لا يكون بدونه أبدا.
وفي كل مرة- لكل إنسان، وفي كل حال أو وضع أو نظام- دان فيه البشر للبشر، دفعوا له ضرائب فادحة، أنفسهم وكرامتهم وحياتهم وسعادتهم ودنياهم وأخراهم. إنه لا بدّ من عبودية لله تعالى، والأخذ بكل منهجه لكل الحياة الإنسانية، وهذا مما تحمله العبودية لله تعالى، وبها وحدها- يعرف الإنسان نفسه، ويجد حريته، ويحظى بإنسانيته وسعادته، فإن لا تكن لله وحده تكن لغيره، مما عداه، من حجر أو شجر أو شهوة أو هوى أو بشر أو وجهة، من أي نوع كانت وتكون.
стр. 262
والعبودية لله وحده تطلق الناس أحرارا أبرارا شرفاء أعلياء، والعبودية لغير الله تأكل إنسانيتهم وكرامتهم وسعادتهم، ثم تأكل حتى مصالحهم المادية. وإن هذه القضية لا تتعلق فقط بعبادة الأصنام والأوثان في الجاهليات، حتى القديمة، لكنها تتعلق بكل ألوان الجاهليات، وحتى الحديثة والمعاصرة والمستقبلة، وإن ادعت الحتميات والتقدميات وامتلكت التقنيات وكل الإنجازات، ورفعت الشعارات والعبارات، فإن جاهليات ما قبل التاريخ، وجاهليات التاريخ، وجاهلية القرن العشرين، وكل جاهلية، تقوم على أساس من تعبيد العباد للعباد تتردّى بالإنسان، وتذهب سعادته، وتأكل إنسانيته وكرامته، وهذه- لا غيرها- هي الجاهلية، مهما لبست والتبست وتنوعت وتشكلت واستخفت وأخفت أو أظهرت. وهذه القضية لا تتعلق بالمسلمين وحدهم بل بالبشرية كلها، بكل أجيالها وأجناسها وأحوالها وأوضاعها.
ومثلما لا يغني عن المسلمين مجرد الانتساب، مثلما لا يغني عنهم الخلط والمزج بين الإسلام وغيره، للتمويه والتذويب أو لما سوى ذلك، فإن الله ﷻ لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم.
* النجاة بهذا الدّين وحده:
ومن أجل إخراج الناس من تلك الجاهليات، وكل الجاهليات في كل العصور والمواقع، أيّ شكل أخذت، وأيّ زي ارتدت، من أجل إخراجهم من كل ذلك، وتعبيدهم لله رب العالمين، من أجل إخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن عبادة العباد، وأية عبادة أخرى، إلى عبادة الله تعالى، جاءت رسالات الله، وبعث بها أنبياءه ورسله ﷺ لتنظيم الحياة الإنسانية وانتظامها، كريمة فاضلة مرتوية ناهلة مؤمنة بربها بعمق أصيل، وسائرة في الموكب المنير.
стр. 263
والأنبياء والرسل- عليهم الصلاة والسلام- أخوة، هدفهم واحد، ومهمتهم واحدة، ودينهم واحد، وربهم واحد، بعثهم الله حكمة ورحمة وفضل ونعمة على الإنسانية، يرعون ركبها المتحضّر الفاضل، يقودها ذلك الرهط الكريم من الأنبياء والرسل، عليهم الصلاة والسلام.
وكان خاتمها تلك الرسالة الدائمة الباقية، رسالة الإسلام، وهدي القرآن، حملها رسول الله ﷺ الذي نحتفل اليوم بمولده، وذلك واضح في القرآن الكريم المنزّل على رسوله الأمين ﷺ ، والذي فهمه وعاشه أولئك الصّحب الكرام، ومن تبعهم ووالاهم في كلّ جيل، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، والرسول الكريم ﷺ يقول: «الأنبياء أخوة لعلّات، أمهاتهم شتّى ودينهم واحد» «١» .
* مهمّة المسلم وآفاقه وقوّته:
فحين سأل قائد الفرس في القادسية (١٥ هـ) رستم رئيس وفد المسلمين إليهم ربعي بن عامر عن الذي جاء بهم، قال: (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه، ورجعنا، وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله) . فقال رستم: (وما موعود الله) ؟
فقال ربعي: (الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي) «٢» .
وتحقيق هذا الهدف يناسبه البذل وعدم البخل بكل شيء، واسترخاصه، حتى لو كانت النفس، وذلك كان واضحا بالعمل عند المسلمين.
стр. 264
ولقد ربّى رسول الله ﷺ أصحابه على ذلك، وكان لهم مثالا وقدوة، وفي كل شيء، مستعليا وزاهدا في كلّ ما حوله، إلا فيما يرضي الله تعالى، ويقرّب إليه أكثر، وهكذا عاش ﷺ وصحبه المجاهدون الكرام.
* كيف السبيل ؟
وعلى مسلمة اليوم أن ينهجوا نهجه ﷺ في نفوسهم وفي حياتهم، ابتداء من ذواتهم، عاملين على نصرة الإسلام. وإنّ الله سينصر هذا الدين، وينصر أهله، ويقيّض من ينصره، وتلك سنة الله في خلقه دواما.
وإن كنّا على يقين نشهد ونرى في نفوسنا وتصوّراتنا وعقيدتنا، مؤمنين أن دين الله منتصر، وأن فارس الإسلام قائم، وموكبه المنير قادم، ولكنه لا بد من تضحيات، ولا بد من بذل صادق يقدّمه المسلمون.
كل ذلك يقوم على فهم رائق للإسلام، بكل ما يحتويه ويشمله، ولا تصفو المسيرة إلا بصفاء الفهم، وخلوص الإقبال على الله تعالى، بهمّة وحكمة وحنكة وكياسة، يوفره العيش في هذا الدين، تتفتح به المغاليق في النفس والحياة بكل مجاليها وأحوالها على الدوام.
وهذا هو السبيل الذي لا بدّ من سلوكه، تقبل عليه النفس بلا تخفف، وتؤدي حقّه بلا تكلّف، بل إنها لتعشق ذلك، وتندفع نحوه، وتسرّ بما تقدمه، أكثر من ذلك الذي تدّخره وتوفره.
* أداء حق أمانة الدعوة:
فإذا كان للحمل ولادة والولادة قادمة، لا بدّ لها من مخاض، ولا بدّ للمخاض من آلام- سنّة الله وحكمته- يتحملها المسلم بنفس راضية، وروح وفيّة قوية، حتى لو كانت الولادة تورث الموت وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١] .
стр. 265
ولا بد- بعون الله وفضله- أن تشرق الأرض مرة أخرى بنور الله المبين، ويهتف أهل الأرض أجمعين بالألوهية والربوبية والعبودية لله وحده ، ونبوة الرسول الكريم ﷺ قائدا وزعيما، وبالقرآن الكريم دستورا وكتابا مبينا، وبالجهاد سبيلا، مهما تحلّك الظلام، وتجهم الطغاة والطّغام، إن شاء الله تعالى قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: ١٥- ١٦] .
اللهم انصر جندك، وأعل راية شريعتك، وأظهر دينك، واجعله ضياء ونورا لنا في الدنيا والآخرة، وأسكنّا جنتك تحت لواء محمد بن عبد الله رسولك ﷺ ، وأنعم علينا بالنظر إلى وجهك الكريم وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢- ٢٣] اللهم آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 266
المبحث الخامس ولادة الرسول الكريم ﷺ الإرهاص والإشارة
* المولد الميمون: المناسبة والاحتفال
* مدلول حادثة الفيل
* عالمية الدعوة الإسلامية
* السمو بالاستمرار والاتصال
* صورة مضيئة يهبها الإيمان
* السهمي في بلاط كسرى
* معجزة نبوية شاهدة
стр. 267
ولادة الرسول الكريم ﷺ الإرهاص والإشارة الحمد لله رب العالمين؛ الذي أرسل محمدا ﷺ لنا ولأهل الأرض أجمعين، بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا.
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً [الأحزاب: ٤٥- ٤٦] .
* المولد الميمون: المناسبة والاحتفال:
إنه لجميل حقا جدا- لا سيما في مثل هذا العصر، الذي جهل الكثير من المسلمين من دينهم غير قليل، علما وعملا- أن يلتئم جمع، ويقام حفل «١» ، في المناسبات الإسلامية الميمونة المتعددة المتنوعة.
ومنها مولد الرسول الكريم محمد بن عبد الله ﷺ ليتم- من خلالها- التذكير بالمعاني الإسلامية، وتأكيد أبعادها في نفوس المسلمين، ودعوتهم في السير عليها، والأخذ بمضامينها، والعيش بتوجيهاتها، ويلتزمون بها في كل حال، ولا يتفلّتون منها، ولا يتلفّتون إلى أيّ من غيرها مهما كانت.
فليس غير الشريعة الإسلامية تكون أو تصلح لهم- أو لغيرهم- طريقا كريما بارّا، فهم يواصلون المسيرة عليها؛ على الطريق المنير وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣] .
وإنه لمن الممكن اعتبار مولد الرسول الكريم ﷺ أكبر إرهاص مبكّر بقرب نبوته، ولادة اقترنت بها أحداث منبّهة قاطعة، مثل حادثة الفيل، في
стр. 268
العام الذي حمل هذا الاسم، وأضحى تاريخا- عند العرب قبل الإسلام- شهيرا، بحدث غير اعتيادي، استمروا يذكرونه ويتذكرونه مع استعماله وبدونه؛ ولذلك أهمية كبرى، ولعل فيه حكمة. على أن هذا الحدث- ذا السّنة الخارقة- يبقى معروفا ومذكورا، لمن شهده أو سمع به، مثولا في الذاكرة والخاطرة، مثلما لمن كان ناظره. وفيه كانت هذه الولادة الكريمة الميمونة المباركة لأهل الأرض أجمعين.
* مدلول حادثة الفيل:
ويمثل عام الفيل حادثة تعلن بقوة، تحفر في الحياة مشاهد لا تنسى، إشارة تضمّ إلى البشارات السابقة، والإشارات المتنوعة عن الإسلام، وبداية نزول القرآن، وبداية الوحي بهذا الدين، واختيار رسول الله ﷺ ليحمل رسالة الله الخاتمة إلى أهل الأرض أجمعين «١» .
وهذه الحادثة تشير إلى المولد الذي سيحملها، ويحمله من اختاره الله تعالى لذلك، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] ، لتشير إلى اقتراب موعد نزول القرآن على محمد ﷺ بعد أن يبلغ الأربعين من عمره الكريم الشريف الأمين، والمبارك الخير الميمون، موعد ولادة الإنسانية الفاضلة على درب الهدى والنور.
فكانت ولادته ﷺ وما جرى فيها، تأكيدا وتذكيرا لأهل الكتاب ولغيرهم، وتقديما مبينا لما مرّ بهم من بشارات أوحى بها الله إلى أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام- ولغيرهم ممن له بذلك صلة وعلم، لعلهم يعتبرون.
وكانت الولادة الكريمة تنبيها وتقديما مبينا؛ لأهل مكة والجزيرة العربية وغيرهم، لأهمية ذلك، حازمة ولازمة، تصديقا وتوثيقا، مؤشّرا بقرب موعد انبلاج الفجر، وسطوع النور على أهل الأرض أجمعين. كتاب من الله
стр. 269
مبارك مبين، بعث به محمدا ﷺ هاديا ومبلغا وداعيا وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام: ١٥٥] .
* عالمية الدعوة الإسلامية:
فالإسلام دعوة الله لأهل الأرض جميعا- بألوانهم وانتما آتهم وولاآتهم- أن يؤمنوا به، ويكونوا من أهله، من بلغه منهم.
وتلك طبيعة هذا الدين، وحقيقته الواضحة، بكل إيحاآته ومدلولاته ودلالاته، فضلا عن آياته إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [التكوير: ٢٧- ٢٩] «١» .
بل إن من الجن- حين سمعته- لم تملك إلا أن آمنت به قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [الجن: ١- ٢] .
إذ تبدأ الإنسانية المسير في الطريق الخير البار، يظلّلها الأمان، فتنجو من الضّياع، وتتجنب الهاوية، وتأمن الخسران، وتستقيم على درب الخير والنور، وحيدا قويما، بعد أن تلوذ في ظل شريعة الله .
إن الاحتفال بمولده ﷺ باعتبار نبوته ورسالته، وإن هذا المولد الكريم كان علامة مولد جديد للإنسانية؛ ليبدأ عنده موكب الإنسان الجديد؛ بالمسير نحو الخير في الطريق الإنساني الفريد، طريق الله الرحمن الرحيم . وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣] .
وهذه الجموع المحبّة تحتفل بذلك، ولا نحتفل باعتبار المولد تأريخا تراثيا أو تقاليد، لنا فيها عادات وارتباطات قديمة متناقلة عابرة، ولكن نحتفل به باعتبار المولد الكريم إشارة إلى هذا الحدث: نزول القرآن الكريم
стр. 270
العظيم ومقدمة له، ودافعا إلى الأخذ بالإسلام عقيدة وشريعة، عبادة وطاعة والتزاما وحركة، ودعوة متجددة حية، ومنهجا فاضلا، وأسلوبا فذا فريدا لكل أمر، يمد بالحياة، ويباركها، ويعليها، ويرفع من شأنها.
إننا كذلك لا نريد من هذه الاحتفالات، أن تكون ميدانا لعروض خطابية، وكلمات تلوكها الألسن، ثم يخرج كلّ ليمارس ما كان عليه؛ في حياته وفكره ونظره وتصوره وعقله وقلبه عن الإسلام.
وسيكون من يفعل ذلك مخدوعا، لو أقنع نفسه ليكون بهذه المثابة، وغرّته كلماته، فصدق لسانه، وترك كيانه.
وهو مخدوع كذلك، ولو حاز الرضا والتزكية من الآخرين: وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً [النجم: ٢٨] . ولا يزحزح تبعاته أنملة، ولا يقدمه في مضمار الخير خطوة، بل لا بد أن يرتقي في سلّم الخير، وتتسامى نفسه شيئا فشيئا، أو دفعة تقوم على الحق تأخذ به، وتحميه، ولا يمكن لأحد أن يقوم على الحق أو يحميه إلا بعد أن يقيم نفسه عليه: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ [يونس: ٣٥- ٣٦] .
* السموّ بالاستمرار والاتصال:
وحين تسمو نفس المسلم إلى هذا المستوى وقتها، عندئذ تتفتح أمامه أبواب الخير، من خلال هذه الأحفال وغيرها، وتشرئب إلى هذا الأفق، فتكون بعد ذلك في غنى عن مناسبات تذكّرها، فبين يديه كتاب الله مرجعا يعيش معانيه، صاحبا كريما، وأنيسا حميما، وناصحا أمينا نورا وبصيرة، يسترشده في كل أمر، ويستوضحه في كل شأن، ويستهديه على الدوام.
وما كانت لهذه المناسبات من مكانة، ومعوّل، ومؤمّل، تربّعت عليها بهذا الحجم والمقدار- لا يهمل المسلم مناسبة يفترصها- إلا لفتور وفقر في
стр. 271
نفوس المسلمين- كثرة منهم- وخواء في أفعالهم وتمسكهم، وإلا فالمسلم يحيا بعقله وقلبه وعقيدته وعبادته وتصوره وسلوكه وكل حياته، مع القرآن الكريم، وهو بين يديه، ميسّر مفسّر واضح موضّح، ومع رسول الله ﷺ وسيرته الشريفة الواضحة، وسنّته العطرة مهيأة جاهزة مدروسة، وهو ﷺ مع علم المسلم القليل وصلته اليسيرة، حيّ في ضميره وقلبه، مثلما هو حيّ في سلوكه. وكيف لا يكون المسلم كذلك وحب رسول الله ﷺ دين، وطاعته عقيدة وعبادة: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٣١] .
لا نريد من مسلمة اليوم- في أي بقعة من بقاعهم- أن يكونوا آخر الركب إلماما والتحاقا بدعوة الإسلام؛ التي تتفتح أزاهير أتباعها في مواطن هي لها اليوم، أو محسوبة عليها، وفي مواطن أخرى جديدة كانت لها أو لم تكن ... إنه دين الله، ومال الإنسانية لا بد إليه.
كما لا نريد أن يكون إسلام مسلمة اليوم باهتا أو نائما أو غائبا، إذ سيوقفهم الله، ويسألهم عن كل ذلك، ويجزيهم بما يستحقون: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [الصافات: ٢٤] .
ولا يصحّ أن يكتفي المسلم بإسلامه، اسما وموطنا وتأريخا، أو لا يكون ولاؤه الكامل له في كل الأمور، فهو يأخذ من هنا وهناك، في كل أحواله، أو لا يرتبط بالإسلام إلا في دوائر ضيقة، يمدّ يده إلى تيارات أخرى يعبّ من مجاريها.
فهو كمن يعاف الحلال الطيب في داره إلى جنبه، ليبحث على اللحم الحرام.
وكمن يملك خزائن المال الحلال، ثم يأكل السحت الحرام وبه يقتات، من أكله الربا وألوان المحرمات والمظالم والاحتيال «١» الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥] .
стр. 272
فالإسلام هو الحصن الحصين، ومنه وحده نستمد التقنين في كل الأمور، وعلى شريعته نبني الحياة الخيرة المتحضرة وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠] فكيف نتّجه إلى من كان علينا أن نؤويه ونهديه؛ بإذن الله ، إلى شريعته الغراء البيضاء النقية، والنبي ﷺ يقول: «أحبّ الدين إلى الله الحنيفيّة السّمحة» «١» .
ويحي على ساسة القانون ويحهم ... على جهود أضاعوها وما وجدوا
وبين أيديهم القرآن يوردهم ... أسمى المناهج والأحكام لو وردوا
* صورة مضيئة يهبها الإيمان:
لقد وهب الإيمان بهذا الدين، بكليته وبأعماق المسلم وكيانه، حياة جديدة، أطلقت يده في الحياة سيدا فاضلا يرعاها، ويا بني عمرانها، ويحقق إنسانيته، ارتفاعا بها، وإعلاء لشأنها، وإضاءة لطاقاتها، فكان أحدهم ويكون به على الدوام- عجيبا في كل نواحي الحياة. اللهم اجعلنا منهم، بعونك ولطفك ومنّك.
ولقد طفحت صفحات الحياة الإسلامية صورا، ما كانت لأمة غيرها، وما عرفتها- ولن تعرفها- أية حضارة أخرى. وهي ما زالت، وستبقى نابضة بالحياة نبوضها بطبيعة البناء الذي قامت عليه، وتتغذاه على الدوام.
وهنا نضع واحدة من تلك الأحاديث المضيئة تروي معاني الخير، رسمت في مشهد فاضل مضيء تنادي وتندب وتدعو وتقود وتدفع وتحرك بقوة إلى هذا السلوك.
стр. 273
* السّهمي في بلاط كسرى:
ولقد سمعت في الهجرة الشريفة «١» جزآ من قصة ذلك الأعرابي الذي وطئت قدماه بلاط الروم عبد الله بن حذافة السّهمي «٢» (نحو ٣٣ هـ) الذي وطئ كذلك بلاط كسرى، حيث أرسله رسول الله ﷺ إلى إمبراطور الدولة الفارسية كسرى أبرويز (خسرو الثاني) «٣» بن هرمز بن أنوشيروان، برسالة يدعوه فيها إلى الإسلام، وهذا نصّها:
«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس: سلام على من اتّبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد ألاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله.
وأدعوك بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ [يس: ٧٠] .
فأسلم تسلم فإن أبيت فإنّ إثم المجوس عليك» «٤» .
حملها ابن حذافة حتى وصل بها بلاط الفرس. وحين دخل ابن حذافة هذا، بشملته الرقيقة، وعباءته الصفيقة؛ إلى بلاط كسرى ذي الفخفخة والأبّهة والزهوّ المترف المتأله، كان ابن حذافة بإيمانه- الذي تقدم به، ورفعه مكانة عالية، استصغرت كل ذلك- أكبر من كل الجاهليات ومن كل الجبابرة، وأكبر من كل بلاط، مهما كانت فخامته وضخامته، وتجبر بجيشه وحاشيته وحرسه، وبدا في أبّهته وفخفخته، بترفه وطغيانه المتأله المبهور المغرور، مثلما استقر عليه حال بلاط كسرى، لكن ابن حذافة كان أقوى من
стр. 274
كل ذلك؛ لأنه امتلأ بالإسلام، واتصل بالله، مصدر العزة والقوة والهداية وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:
٨] .
كان ابن حذافة عالي الهامة، مشدود القامة، تملأ نفسه معاني الإيمان، وتعليه حياة وكلمات الإسلام، ورفض أن يسلّم الرسالة إلّا لكسرى نفسه، يدا بيد، تنفيذا لأمر رسول الله ﷺ ، إلى كسرى نفسه؛ الذي أبى أولا، كبرياء وجهالة، إلا بوسيط، لكنه استجاب أمام الإصرار.
وما أن قرئت له سطورها الأولى حتى غضب واستشاط، لكنه استمعها كاملة، ومزّق رسالة رسول الله ﷺ راميا إياها في وجه ابن حذافة، وأسمعه كلمات التهديد والوعيد الأجوف الأضعف المنهوك «١» .
وعاد ابن حذافة مسرعا إلى رسول الله ﷺ يحمل هذا الخبر، فلم يزد رسول الله ﷺ أن قال: «مزّق الله ملكه» . وفي رواية: «اللهم مزّق ملكه» «٢» .
معجزة نبوية شاهدة:
هذا مشهد من مشاهد تلك الحادثة، لكن المشهد الثاني فيها يبهرك ويبدهك ويفجؤك، ذلك أنّ كسرى بطغيانه وضلاله وجاهليته لم ير أنه من الممكن أن يدعوه أحد إلى حقّ، أو يسمعه كلمة العدل، أو يقدم له صيغة أو
стр. 275
صبغة صدق، إذ قد أعلن ألوهيته أو كاد، وأطاعه الناس الذين أضلّهم، مثلما فعل ويفعل أمثاله. وقد حكى الله في القرآن المجيد عن فرعون مثل ذلك، فقال عز من قائل: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ [الزخرف: ٥٤] .
فكتب في الحال إلى ملك اليمن باذان، عامله هناك، أن يرسل إلى محمد ﷺ من يأتيه به أسيرا مقيدا. فأطاعه باذان، وأرسل هذا في الحال وزيره مع أخيه إلى المدينة المنورة؛ ليقودا- في زعمهم- رسول الله ﷺ كيما يحضره أمام كسرى ليحاسبه ويعاقبه، في زعمه!!!
وكذلك الطغاة الذين أحلّوا أنفسهم في العباد مقام الألوهية والاستبداد، وجعلوا رغباتهم وأهواءهم وأوامرهم بديل مقام شريعة الله، واستلبوا حق الحاكمية في أرض الله؛ التي لا تكون إلا لله رب العالمين، فاعتدوا على سلطان الله، وتحكّموا في رقاب خلقه. ولقد قصّ الله علينا من ذلك في القرآن الكريم أكثر من مثال، والأمثلة كثيرة ووفيرة جدا.
كان النصر في تلك المواجهات لجند الله، فالله تعالى لا يتخلى عن جنده، وهو معهم يرعاهم بعنايته ونصره، بعد ما أخذوا بشرعه وأمره.
ولما وصل رسولا باذان إلى المدينة المنورة طلب إليهما رسول الله ﷺ أن يمكثا فيها يوما أو أكثر، وهكذا كأني برسول الله ﷺ يفعل ذلك ليبلّغهم دعوة الله، ويدعوهم إلى رسالته السامية الخالدة، ويعلمهم إياها، يرونها خلقا وسلوكا، مثلما يسمعونها كلمات تنفرج عنها الشفاه.
ثم أخبرهما ﷺ بمعجزة، وربما في نفس اللحظة التي تمّت فيها تلك الحادثة أو قريبا منها، فأخبرهما ﷺ بأنه في هذه الليلة- وكانت ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الآخرة من السنة السابعة للهجرة، بعد غروب الشمس بست ساعات «١» - قتل كسرى أبرويز بيد ابنه شيرويه (قباز) ، فدهشا
стр. 276
بهذا الخبر، وحملاه إلى الملك باذان، ورأيا- وفد باذان- أن تنفيذ ما أراده كسرى أخرف من خرافة، أو خرافة الخرافة.
فعادا بهذا الخبر في رسالة حمّلهما إياها رسول الله ﷺ وهما ما يكادان يصدّقان، فأنهيا به إلى باذان الذي كان يتطلع إلى معرفة رسول الله ﷺ وأخباره، ويبحث صدق دعوته، فجاءه، وفاجأه الدليل.
يالله! إنها لمعجزة تدعوهم وأمثالهم ليعيدوا النظر في مواقفهم، لا سيما إذا سلمت الفطر- ولو بعض السلامة- من التهتك والتحطم والتلوث، بل لتزيل ما عليها من صدأ، تطرقها طرقا، تزيل عنها الصدأ، وتثيرها إثارة تبهرها، تحكها وتدفعها إلى الإدراك، تستدرك ما فات وتلتزم الطريق، طريق الله المنير وشرعه الجديد الفريد.
وبينما هم يتعجبون ويستنطقون، إذا ببريد فارس يأتي إلى باذان لينهي إليهم الخبر كاملا بمقتل كسرى أبرويز على يد ابنه، مثلما كان مدونا في رسالة رسول الله ﷺ وبنفس التحديدات التي فاه بها ﵊، فأسلم باذان والعديد ممن معه ومنهم أخته وأفراد كثيرون من أسرته.
وهكذا إذا ظنّ الضالون والظالمون والطغاة والعتاة والمتألهون والجبابرة المنكرون أنهم قادرون على دين الله وجند الله، يأتيهم أمر الله وقضاؤه من حيث لا يحتسبون ولا يظنون، ويأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فلا يفلت أحد من قبضته، وهو مصير الطغاة في كل حين. فليحتفظ وليتيقظ كل أحد، وطريق التوبة مفتوح لمن أراد.
فليكن الاحتفال بمولد رسول الله ﷺ احتفال النفوس باستقبال حياة جديدة والسير على طريق الإسلام، حثيثا قويا ملتزما واعيا متفهما جريئا مصمما شجاعا باذلا، متمثلا لشرع الله وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس: ٢٥] .
стр. 277
والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد الهادي الأمين، ونرجو الله تعالى أن يأخذ بأيدينا إلى سواء السبيل، ويجعلنا من جنود محمد ﷺ الأمين آمين آمين.
стр. 278
المبحث السادس الهجرة النبوية بين الفداء والبناء
* مؤشرات ومبشرات
* محنة ومنحة
* من الجاهلية إلى الإسلام
* العزيمة وقيام الحياة الإسلامية
* فطنة المسلم وتضحيته
* النور وراء الظلمة
* عجائب الإسلام وفرائده
* هذه أخلاق القرآن
* تعدد دروب النفس
* الهجرة والأخذ بالأسباب
* لقاء الهجرة والنّصرة
стр. 279
الهجرة النبوية بين الفداء والبناء الحمد لله رب العالمين الهادي الرحيم «١» ، أرسل النبي الخاتم رحمة مهداة، فالصلاة والسلام على هذا الرسول الأمين، صاحب الهجرة، وحامل لواء الدعوة، ومبلغ الرسالة الإلهية إلى أهل الأرض أجمعين. فتح الله به آذانا صمّا، وعيونا عميا، وقلوبا غلفا «٢» ، فكانوا الهداة، وكانوا الرعاة، وكانوا الدعاة، وخير أمة أخرجت للناس، بما عملت بشرع الله، فاجعلنا اللهم منهم بعونك ولطفك.
إنه لسنة حسنة أن تحتفل جامعتنا بهذه المناسبة الإسلامية الكريمة، ذات الدّلالة الرائعة المتفردة- كأخوات لها كثيرات- نبتت في جو الإسلام، وارتوين به، واستمددن سمته وصبغته صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ [البقرة: ١٣٨] .
والمرجو أن تمتد هذه السّنّة لتحتضن كلّ المناسبات الإسلامية، متعالية ومتجاوزة حدود الرسمية إلى الذاتية الخيرة، اعتزازا بها، وفرحا بوقتها، واحتفالا بمناسبتها.
стр. 280
وهذا يجعلها تسمو على مجرد حفل ينفضّ بعد حين، واجتماع ينتهي في ساعات. بل المرجو أن يمضي أثره- إن شاء الله- لليوم والغد، لهنا وهناك، ندخر به عند الله أجرا وذخرا يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨- ٨٩] .
فلا تتحول الهجرة وأمثالها إلى مناسبات تذكر، أو احتفالات تقام، أو كلمات تلقى. فليس الإسلام شعارات ترفع، أو عبارات تسمع، ولا شيء بعد ذلك. وبه يكون حجة علينا أمام الله، ومسؤوليتنا في الجامعة أكبر ...
مسؤولية الجامعة- ككل- باعتبارها أداة توجيه، ومسؤولية كلّ فرد فيها باعتبار موقفه وموقعه ومكنته. بل لا بد من استنبات بذوره- وبشكل مطرد- ورعاية شجره، ليأتينا بيانع ثمره. وعندها سنقول: يا ريح الإيمان هبّي، خيرا وبركة ونعمة، وفتوحا في كل ميدان، وتقدما كريما فريدا، وهجرة إلى الله وطاعة.
وعلى هذا الأساس سيكون لهذا الاحتفال، والاحتفالات الإسلامية الآخرى، مدلول يجعل اهتمامنا بها جيدا، يفوق أية مناسبة أخرى. وعندها سوف لا يقف الأمر بحدودها، بل ستتّسع هذه السنّة لتتبنى كل قضية إسلامية والمعاني الإسلامية، في كل اتجاه. والجودة: أن تسير الجامعة- بأركانها- على هذا الطريق، يكون لها طابعا ودليلا وهاديا. وعندها لا تكون هذه المناسبات الرافد الوحيد لإمداد المسلم في حياته، والتامه في أجوائها متعطرا بالإسلام، وإلا فإن آثاره تنتهي عما قريب، ليبقى حالنا ماثلا بانتظار مثيله.
لقد آن الأوان، لمن تعلق بصاحب الهجرة- ﵊ وبنيها وأتباعها، ليجعلهم أسوة وقدوة، بقيادة رسول الله ﷺ . وحقيقة التعلق بصاحب الهجرة، اتخاذه أسوة، فهو قائدنا، ولا قيادة قبلها ولا بعدها ولا غيرها، فإننا نحتفل بالرسول الكريم ﷺ وصحبه، شعورا منّا بالارتباط بهم، وذلك يحثنا على السير في الطريق الذي ساروه.
стр. 281
والهجرة والاحتفال بها، موسم إسلامي، جرى التنازل عن كثير من معانيها، فنزلت حالنا عن آفاقها، لكن الخير كل الخير في الأخذ بمنهج الإسلام وحده، واتّباع نبيه الكريم ﷺ وأمته الربانية المؤمنة إلى يوم القيامة.
ومثل هذا الاحتفال محطة وواحة؛ للترميم والمداواة والتجديد والترشيد في كافة الأحوال، تركن إليها كلما تكشف غطاء الحنين، واقتربت تقتبس الضياء، وأحست شدّتها اللاهثة عطشا فلا ماء، إلّا من هذا المورد الصافي الزلال الأصيل، لكن متى تأتي هذه الأمة لترتوي فتصح، وتسمو، فتفلح؟
وكان رسول الله ﷺ ينادي في المواسم قائلا: «أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» «١» . فالفلاح في الدارين، بهذا الدين وحده؛ لتكون كل حياتها خضرة نضرة، تعمر الدنيا والآخرة، وتفوز برضوان الله والجنة.
ليست الهجرة الشريفة حدثا ظاهريا، ولا قضية منقطعة؛ لظاهرة مبتورة، فهي فداء وعطاء ... كانت إحدى ثمار مقدمات ومقومات، هي التي فعلت، فكانت الهجرة التي استجاب المسلمون لأمرها سراعا، بحب وفرح، ولو طلب منهم أيّ شيء لتنافسوا في تقديمه.
والاتجاه في الهجرة هو الاتجاه الإسلامي في تناول الأمور، القائم على الإيمان والحب والفداء، والأخذ بكل الأسباب- سنّة الله تعالى- معتمدين عليه سبحانه. وبه قامت دولة الإسلام الأولى وما تلاها وما بعدها، والفتوحات الإسلامية وحضارتها. ووصلنا الإسلام؛ الذي قصرنا فيه، ولعل الكثير من الأسباب والنتائج والآثار معروفة ومشهودة واضحة.
وحين يكون احتفالنا بهذه الصفة الصافية، متجهين بالنية إلى الله، فهو عبادة، ولا نحتاج إلى زيادة في التحضير والإنفاق، غير اتجاه القلب إلى الله ليتم لنا ذلك إن شاء الله تعالى.
стр. 282
وفي هذه المناسبة يتاح المجال لزيادة المعرفة أو الجديد فيها، ولا تخلو إن شاء الله- من تجديد بعض ما هرم وشاب في مثل هذه الأجواء. وهي أحد أعيادنا الكثيرة، نحتفل بها لما فيها من حكمة ومعنى، نرجو الفائدة منها متنوعة، نرمم ونداوي ونعالج ونجدد ونقيم ونبني بشحنات (شحن) الإيمان الصافي الزلال القوي الأبيّ الفعال، كيما يأتي- بعد المخاض- المولود الجديد، ويتجدد القديم؛ لجعل مولد التحرك والاتصال أصيلا يستمد من المصدر، من منهج الله تعالى، وشرعه المبارك الميمون. وهو أمر يدعو إلى قيام التربية والتوجيه عليه.
وإنه لشرف كبير أن نقوم جميعا بكل ذلك، وإنه لموقف مشرّف كريم، ونحن اليوم نقف في أعقاب عام ذهب ودّعناه، وأبواب عام جديد استقبلناه، ونحن كذلك الآن على أعتاب قرن هجري جديد، نودّع القرن الرابع عشر الهجري لنستقبل تاليه.
* مؤشرات ومبشرات:
هذا القرن الذاهب تميّز بأمرين مهمين، فيما يتعلق بالإسلام: نكبات ودعوات. نكبات أصيب بها المسلمون كما لم يصابوا في غيره، من ذهاب دولتهم، وإبعاد عن الحياة شريعتهم، وتوزعهم إلى شعوب مقطعة الأوصال، افترست نفوس أبنائها وأفكارهم، زاد مسموم، واستبدت بهم رياح هوجاء، تكاد تسقطهم في هاوية سحيقة.
إن المسلم- كما تعلمنا من الصحابة الكرام- يرفض الموضوعات الأرضية، ولا يخدعه بريقها، والهالات التي حولها، والأضواء المحيطة بها، ولا ترديه المبادئ الوضعية، مهما تمكنت من بطشه، وتحكمت في عيشه، أو أحكمت من أمره ترهيبا، أو ألهته بشراسة أو أطعمته من الترهات، أو فتنته، وخدعته ترغيبا. وهو- من باب أولى- لا يجعل من هذه الأجواء له مثالا. وأية استجابة لذلك تنتج بعدا عن الإسلام.
стр. 283
وإن التربية على العيش مع القرآن الكريم ومع سيرة رسول الله ﷺ ولو بدون حفظ النصوص- رغم أهميتها، وهي على العاشق سهلة ميسورة، يندفع لها- تجعل المسلم في حرز حصين، أمينا في السير على الدرب الأمين.
ولكم نزلت نكبات بالأمة المسلمة: أمة محمد ﷺ ، وا أسفاه على أمة محمد، وكم وجدنا من يلوّح لها رافعا غير كتاب الله، فيا حوبتاه! فجاءتها وفاجأتها وفجعتها المصائب والهزائم والمناكر، فيا ضيعتاه!
نكبات: كان الأمر سيكون أشد وأبعد وأنكد لولا أن الله تعالى لطف في ظاهرة هذا القرن الثانية، وهو وعده الكريم، أن يقيّض لهذا الدين- في أرجاء العالم الإسلامي الوسيع- دعاة افتدوه بكل ما يملكون، استمدوا كيانهم من الإسلام، وحياتهم من حياته، وصدروا عن منبعه، ووردوا مشربه، على طريق أولئك الصحب الكرام؛ الذين كانت كل حياتهم جهادا مضيئا على الدوام.
وبذلك كانت الهجرة وكافة الأمجاد، كانوا في كل سعيهم ومعاركهم يتجهون إلى الله، ويعملون لرضاه، ويشتاقون إلى جنته والاستظلال بظله حبا فيه، مع ما هيأ الله في تلك الجنة- للمؤمنين بدعوته- من متع ونعم، هي لهم متاحة مباحة، جزاء وثوابا. كلهم سعوا إلى رضا الله، ونعمة النظر إلى وجهه الكريم وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢- ٢٣] .
فلقد اشتاقوا إلى الجنة، لا إلى أطيارها وأزهارها ولا إلى أنهارها وثمارها فحسب، بل قبل ذلك اشتاقوا أكثر وأكثر إلى رضا الله، في دار المقامة عنده، وصحبة النبي ﷺ وصحبه: ركضا إلى الله بغير زاد، غدا نلقى الأحبة محمدا وصحبه فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ «١» [آل عمران: ١٤٨] .
لم يأت دين الله إلا ليستمر هذا الموكب الفاضل المنير، برعاية الأنبياء
стр. 284
والرسل الكرام، وورثه سيدهم وسيدنا رسول الله- عليه وعليهم الصلاة والسلام- حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
* محنة ومنحة:
فكانت الأولى من الظاهرتين في هذا القرن محنة مرعبة، وكانت الثانية منحة مخصبة. الأمل- بفضل الله ووعده- أن تنمو هذه الشجرة لتؤتي ثمارها يانعة في هذا القرن الخامس عشر؛ الذي قد يتم أمر الله فيه؛ في أي مكان من أرض الله. وهي كلها موطن لدعوته، وعلى أيدي أي شعب من شعوبه، أو أمة من أممه. وهم جميعا مكلفون بها، ويسعون بها ولها إذ بلغتهم هذه الدعوة وليست هي على أحد حكرا، والأمل بعون الله أن نحتفل- من مدّ الله في عمره، أو جيل من أجياله بقيام دولة الإسلام- كما نحتفل نحن اليوم بالهجرة التي كانت بداية للتاريخ الإسلامي، بقيام مجتمعه ودولته، راجين الله تعالى مشاهدتها، والتمتع بقيامها.
ولهذا الاقتران مدلول وأي مدلول، يرى الناظر المتبصر ذلك، من خلال الركام. والله إني لأراها سافرة جاهرة باهرة، حتى لو تخلى عنها الناس أجمعين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة: ٥٤] وذلك مقتضى الإيمان، وهكذا كان الأوائل.
وعرفوا ذلك من أول يوم أنبأ الله نبيه الكريم ﷺ ، وقص عليه، وعلى المؤمنين أخبار الرسل والمؤمنين من قبله: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج: ٤- ٨] فكان ﷺ والمؤمنون في قمة العذاب والإعراض الذي يكفي بعضه- لولا النبوة الكريمة بتأييد الله ومدده وتنزيله- لتوريث النكوص، والإلقاء في اليأس القاتل مدفونا دفينا تحته.
стр. 285
إنها النبوة، وفي كل خطوة من الدعوة- بله المعجزات- عليها دليل، فكانت الأمور عندهم واضحة، ومثالهم رسول الله ﷺ . فمعرفتهم بالطريق ووعوراته ومتطلباته مقننة، والتهيؤ للسير فيه والافتداء بكل شيء، حتى ليغدو كل عزيز في سبيل الله رخيصا، وبذلك قام البناء، وتنزّل الله عليهم بالنصر المبين في كل حين.
وهو أمر واضح يقينا وتعيينا، وعلى أساسه كانت الخطى، يشق الموكب طريقه وسط الظلمات الحالكات، لا في مكة وحدها أو الجزيرة، بل في العالم أجمع.
* من الجاهلية إلى الإسلام:
فالجاهلية غائرة متمكنة بظلماتها وانحرافاتها وتعبّدها لغير الله تعالى، في العقيدة والعبادة والحياة. عبّدوا أنفسهم لحجر أو شجر أو بشر، وإن اختصت- بتفاوت الديار- في ألوان من هذه أو تلك. ويقول رسول الله ﷺ :
«إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب» «١» .
وفي وسط هذا الضلال الشامل بدأ الزمان يدور باسم الله وبدعوته؛ ليستقر عما قريب على الهيئة والحالة التي أرادها الله لها، ولاستحقاق الخلافة بأرض الله بشرعه الكريم، كان ذلك حين جلجل صوت الوحي بقراءة أول آيات من كتاب الله تنزّل بها الروح الأمين من عند الله تعالى على قلب محمد ﷺ ، فكتبت فيه ليبدأ الإشعاع الرباني من غار حراء، وليرتفع بها صوت النبي ﷺ عاليا مدويا في جنبات مكة وطرقاتها، وتردّده أحياؤها، ثم بعد ثلاث سنوات نادى على جبل الصفا بأعلى صوته، امتثالا لأمر الله: