← Сира

Сира · id 9897

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها

عبد الرحمن علي الحجي

Полный текст (440 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

والهجرة والاحتفال بها، موسم إسلامي، جرى التنازل عن كثير من معانيها، فنزلت حالنا عن آفاقها، لكن الخير كل الخير في الأخذ بمنهج الإسلام وحده، واتّباع نبيه الكريم ﷺ وأمته الربانية المؤمنة إلى يوم القيامة. ومثل هذا الاحتفال محطة وواحة؛ للترميم والمداواة والتجديد والترشيد في كافة الأحوال، تركن إليها كلما تكشف غطاء الحنين، واقتربت تقتبس الضياء، وأحست شدّتها اللاهثة عطشا فلا ماء، إلّا من هذا المورد الصافي الزلال الأصيل، لكن متى تأتي هذه الأمة لترتوي فتصح، وتسمو، فتفلح؟ وكان رسول الله ﷺ ينادي في المواسم قائلا: «أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» «١» . فالفلاح في الدارين، بهذا الدين وحده؛ لتكون كل حياتها خضرة نضرة، تعمر الدنيا والآخرة، وتفوز برضوان الله والجنة. ليست الهجرة الشريفة حدثا ظاهريا، ولا قضية منقطعة؛ لظاهرة مبتورة، فهي فداء وعطاء ... كانت إحدى ثمار مقدمات ومقومات، هي التي فعلت، فكانت الهجرة التي استجاب المسلمون لأمرها سراعا، بحب وفرح، ولو طلب منهم أيّ شيء لتنافسوا في تقديمه. والاتجاه في الهجرة هو الاتجاه الإسلامي في تناول الأمور، القائم على الإيمان والحب والفداء، والأخذ بكل الأسباب- سنّة الله تعالى- معتمدين عليه سبحانه. وبه قامت دولة الإسلام الأولى وما تلاها وما بعدها، والفتوحات الإسلامية وحضارتها. ووصلنا الإسلام؛ الذي قصرنا فيه، ولعل الكثير من الأسباب والنتائج والآثار معروفة ومشهودة واضحة. وحين يكون احتفالنا بهذه الصفة الصافية، متجهين بالنية إلى الله، فهو عبادة، ولا نحتاج إلى زيادة في التحضير والإنفاق، غير اتجاه القلب إلى الله ليتم لنا ذلك إن شاء الله تعالى.

стр. 282

وفي هذه المناسبة يتاح المجال لزيادة المعرفة أو الجديد فيها، ولا تخلو إن شاء الله- من تجديد بعض ما هرم وشاب في مثل هذه الأجواء. وهي أحد أعيادنا الكثيرة، نحتفل بها لما فيها من حكمة ومعنى، نرجو الفائدة منها متنوعة، نرمم ونداوي ونعالج ونجدد ونقيم ونبني بشحنات (شحن) الإيمان الصافي الزلال القوي الأبيّ الفعال، كيما يأتي- بعد المخاض- المولود الجديد، ويتجدد القديم؛ لجعل مولد التحرك والاتصال أصيلا يستمد من المصدر، من منهج الله تعالى، وشرعه المبارك الميمون. وهو أمر يدعو إلى قيام التربية والتوجيه عليه. وإنه لشرف كبير أن نقوم جميعا بكل ذلك، وإنه لموقف مشرّف كريم، ونحن اليوم نقف في أعقاب عام ذهب ودّعناه، وأبواب عام جديد استقبلناه، ونحن كذلك الآن على أعتاب قرن هجري جديد، نودّع القرن الرابع عشر الهجري لنستقبل تاليه. * مؤشرات ومبشرات: هذا القرن الذاهب تميّز بأمرين مهمين، فيما يتعلق بالإسلام: نكبات ودعوات. نكبات أصيب بها المسلمون كما لم يصابوا في غيره، من ذهاب دولتهم، وإبعاد عن الحياة شريعتهم، وتوزعهم إلى شعوب مقطعة الأوصال، افترست نفوس أبنائها وأفكارهم، زاد مسموم، واستبدت بهم رياح هوجاء، تكاد تسقطهم في هاوية سحيقة. إن المسلم- كما تعلمنا من الصحابة الكرام- يرفض الموضوعات الأرضية، ولا يخدعه بريقها، والهالات التي حولها، والأضواء المحيطة بها، ولا ترديه المبادئ الوضعية، مهما تمكنت من بطشه، وتحكمت في عيشه، أو أحكمت من أمره ترهيبا، أو ألهته بشراسة أو أطعمته من الترهات، أو فتنته، وخدعته ترغيبا. وهو- من باب أولى- لا يجعل من هذه الأجواء له مثالا. وأية استجابة لذلك تنتج بعدا عن الإسلام.

стр. 283

وإن التربية على العيش مع القرآن الكريم ومع سيرة رسول الله ﷺ ولو بدون حفظ النصوص- رغم أهميتها، وهي على العاشق سهلة ميسورة، يندفع لها- تجعل المسلم في حرز حصين، أمينا في السير على الدرب الأمين. ولكم نزلت نكبات بالأمة المسلمة: أمة محمد ﷺ ، وا أسفاه على أمة محمد، وكم وجدنا من يلوّح لها رافعا غير كتاب الله، فيا حوبتاه! فجاءتها وفاجأتها وفجعتها المصائب والهزائم والمناكر، فيا ضيعتاه! نكبات: كان الأمر سيكون أشد وأبعد وأنكد لولا أن الله تعالى لطف في ظاهرة هذا القرن الثانية، وهو وعده الكريم، أن يقيّض لهذا الدين- في أرجاء العالم الإسلامي الوسيع- دعاة افتدوه بكل ما يملكون، استمدوا كيانهم من الإسلام، وحياتهم من حياته، وصدروا عن منبعه، ووردوا مشربه، على طريق أولئك الصحب الكرام؛ الذين كانت كل حياتهم جهادا مضيئا على الدوام. وبذلك كانت الهجرة وكافة الأمجاد، كانوا في كل سعيهم ومعاركهم يتجهون إلى الله، ويعملون لرضاه، ويشتاقون إلى جنته والاستظلال بظله حبا فيه، مع ما هيأ الله في تلك الجنة- للمؤمنين بدعوته- من متع ونعم، هي لهم متاحة مباحة، جزاء وثوابا. كلهم سعوا إلى رضا الله، ونعمة النظر إلى وجهه الكريم وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢- ٢٣] . فلقد اشتاقوا إلى الجنة، لا إلى أطيارها وأزهارها ولا إلى أنهارها وثمارها فحسب، بل قبل ذلك اشتاقوا أكثر وأكثر إلى رضا الله، في دار المقامة عنده، وصحبة النبي ﷺ وصحبه: ركضا إلى الله بغير زاد، غدا نلقى الأحبة محمدا وصحبه فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ «١» [آل عمران: ١٤٨] . لم يأت دين الله إلا ليستمر هذا الموكب الفاضل المنير، برعاية الأنبياء

стр. 284

والرسل الكرام، وورثه سيدهم وسيدنا رسول الله- عليه وعليهم الصلاة والسلام- حتى يرث الله الأرض ومن عليها. * محنة ومنحة: فكانت الأولى من الظاهرتين في هذا القرن محنة مرعبة، وكانت الثانية منحة مخصبة. الأمل- بفضل الله ووعده- أن تنمو هذه الشجرة لتؤتي ثمارها يانعة في هذا القرن الخامس عشر؛ الذي قد يتم أمر الله فيه؛ في أي مكان من أرض الله. وهي كلها موطن لدعوته، وعلى أيدي أي شعب من شعوبه، أو أمة من أممه. وهم جميعا مكلفون بها، ويسعون بها ولها إذ بلغتهم هذه الدعوة وليست هي على أحد حكرا، والأمل بعون الله أن نحتفل- من مدّ الله في عمره، أو جيل من أجياله بقيام دولة الإسلام- كما نحتفل نحن اليوم بالهجرة التي كانت بداية للتاريخ الإسلامي، بقيام مجتمعه ودولته، راجين الله تعالى مشاهدتها، والتمتع بقيامها. ولهذا الاقتران مدلول وأي مدلول، يرى الناظر المتبصر ذلك، من خلال الركام. والله إني لأراها سافرة جاهرة باهرة، حتى لو تخلى عنها الناس أجمعين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة: ٥٤] وذلك مقتضى الإيمان، وهكذا كان الأوائل. وعرفوا ذلك من أول يوم أنبأ الله نبيه الكريم ﷺ ، وقص عليه، وعلى المؤمنين أخبار الرسل والمؤمنين من قبله: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج: ٤- ٨] فكان ﷺ والمؤمنون في قمة العذاب والإعراض الذي يكفي بعضه- لولا النبوة الكريمة بتأييد الله ومدده وتنزيله- لتوريث النكوص، والإلقاء في اليأس القاتل مدفونا دفينا تحته.

стр. 285

إنها النبوة، وفي كل خطوة من الدعوة- بله المعجزات- عليها دليل، فكانت الأمور عندهم واضحة، ومثالهم رسول الله ﷺ . فمعرفتهم بالطريق ووعوراته ومتطلباته مقننة، والتهيؤ للسير فيه والافتداء بكل شيء، حتى ليغدو كل عزيز في سبيل الله رخيصا، وبذلك قام البناء، وتنزّل الله عليهم بالنصر المبين في كل حين. وهو أمر واضح يقينا وتعيينا، وعلى أساسه كانت الخطى، يشق الموكب طريقه وسط الظلمات الحالكات، لا في مكة وحدها أو الجزيرة، بل في العالم أجمع. * من الجاهلية إلى الإسلام: فالجاهلية غائرة متمكنة بظلماتها وانحرافاتها وتعبّدها لغير الله تعالى، في العقيدة والعبادة والحياة. عبّدوا أنفسهم لحجر أو شجر أو بشر، وإن اختصت- بتفاوت الديار- في ألوان من هذه أو تلك. ويقول رسول الله ﷺ : «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب» «١» . وفي وسط هذا الضلال الشامل بدأ الزمان يدور باسم الله وبدعوته؛ ليستقر عما قريب على الهيئة والحالة التي أرادها الله لها، ولاستحقاق الخلافة بأرض الله بشرعه الكريم، كان ذلك حين جلجل صوت الوحي بقراءة أول آيات من كتاب الله تنزّل بها الروح الأمين من عند الله تعالى على قلب محمد ﷺ ، فكتبت فيه ليبدأ الإشعاع الرباني من غار حراء، وليرتفع بها صوت النبي ﷺ عاليا مدويا في جنبات مكة وطرقاتها، وتردّده أحياؤها، ثم بعد ثلاث سنوات نادى على جبل الصفا بأعلى صوته، امتثالا لأمر الله:

стр. 286

فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: ٩٤] فناداهم ﷺ : «أيها الناس إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» «١» . فأقام النبي ﷺ والمسلمون في مكة- يرتاد تواجد الأقوام وتجمعاتهم ومجتمعاتهم، في منازلهم ومساكنهم وأسواقهم ومجالسهم ومواسمهم، وكافة مواقعهم، ثلاثة عشر عاما، يحفر في الأرض المصخرة، جرّب كلّ تلك المواقع، وكان يعرض نفسه على كل أحد، يسأل من يؤويه، وينصره

стр. 287

ليبلّغ رسالات ربه سبحانه «١» . استمر ذلك كله، حتى كانت تباشير الهجرة تدق الطريق، حين بدأ دخول مجموعات من أهل المدينة في هذا الدين، خلال السنوات الأربع الأخيرة من مكوثه ﷺ في مكة، أو التي أسلم من أهلها خلال ذلك نفر قليل، رأوا كل شيء في جنب الله زهيدا. تربّوا جميعا- رجالا ونساء وولدانا، فقراء وأغنياء وعبدان- على ذلك صناعة، وأتقنوه بضاعة، بشكل متفرد في تاريخ الإنسان، تفرّد الإسلام الذي رباهم على شرع الله وعلى يدي رسول الله ﷺ ؛ الذي كان أكثرهم تحملا وصبرا. وليس ذلك في العذاب والصدود فحسب، ولكن في الصبر عليه، والأمل بنصر الله من غير حدود. ألم تروه، متوسّدا برده- ﵊ في ظل الكعبة، وقد جاءه خبّاب بن الأرتّ «٢» يشكوه- مع آخرين- شدّة العذاب، ليدعو الله للمسلمين بالنّصرة. يقول خبّاب: أتيت النبي ﷺ وهو متوسّد برده (بردة له) في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدّة، فقلنا له: يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟! ألا تدعو الله لنا؟! فقعد وهو محمرّ وجهه، فقال: «لقد كان من قبلكم (لقد كان الرجل فيمن قبلكم) يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض (حفرة) فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على (مفرق) رأسه فيشقّ (فيجعل) نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون

стр. 288

لحمه وعظمه، فما يصدّه (يصرفه) ذلك عن دينه. والله! ليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» «١» . وبعد أن يئست قريش من الإغراء والمداراة، وعرض عليه زعماؤها كل ألوان الإغراء: المال والرئاسة والملك «٢» ، كانت قريش كل يوم تزداد كبرياء وتعنتا في تعذيب المسلمين، الذي لم يكن القتل أشدّها إيلاما، وكانوا لا يتزحزحون، بالحق- خلال كل ذلك- ينطقون، وتمسكا يزدادون إيمانا. فمن ضرب وجه حتى ضاعت معالمه، وأبو بكر ﵁ لا يسأل إلا عن رسول الله ﷺ فور ما أفاق «٣» ؛ وأتلفت صخور ثقيلة صدور المؤمنين، وتنطلق من أفواههم: أحد أحد «٤» ، مدوية قوية، مؤمنة بالله، تغدق عليهم ندى الإيمان، وترشق الكافرين بحمم النيران؛ وسلخت شمس الرمال الحامية ظهور الكثير، وكان الإيمان حجابا رطّب الظهور «٥» ؛ ومزقت السياط مشدودا بالحبال «٦» ، رجلا مقيدة، وعند الله الجزاء؛ وأطلعت عين مؤمنة بضربة مشرك جلّله صغار العصيان للواحد الديان، فأجاب عثمان بن مظعون متفاخرا معتزا بالله: (والله إن عيني الصحيحة، لفقيرة إلى ما أصاب أختها في سبيل الله) «٧» .

стр. 289

كانوا مؤمنين بصدق وعد الله، وإن لم يدركوا نصره، لكن النصر كان في النفس قائما، وفي العين ماثلا، يعيشونه حقيقة واقعة، هو أن يعيش المسلم بهذا الدين، يجاهد في سبيله، مادام فيه نفس يتردد، وآل ياسر- قلبي على آل ياسر- «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» «١» . فاستشهد غرقا بالماء شيخا كبيرا، ياسر أبو عمار. وسبقته إلى رحاب الله في جنة الخلد، زوجته سميّة بحربة فاجر أثيم وكافر لئيم، أبو جهل، طعنها في مقتل، في قبلها، في موطن العفة منها. وكل يوم تشتد المحنة ضيقا، لم يفلت منها أحد من المسلمين، كل قريش تقوم بذلك، متعاونة في كل اتجاه، لم يصدهم كل ما يعرفونه عن رسول الله ﷺ ، وموقفهم منه، ودعوته لهم لينالوا خيري الدنيا والآخرة، فيجبهونه والمسلمين بتلك الأساليب التي هي أشد على النفس في كل الظروف، وبلغت إحدى كبر وأكبر عتواتها في المقاطعة «٢» ؛ التي قاسى المسلمون فيها ثلاث سنوات من الحصر والجوع، ما نال منه أوفر القسط رسول الله ﷺ . فشدّ حجرين تحت الحزام إلى جانب ما يرى من شدة حال المسلمين. والنساء باكيات لا سيما على أطفالهن، إذ لم يجدن بعض الحليب يرضعنهم به. وهل يتدفق بالحليب ثدي أم لا تجد طعاما فهي خاوية!!؟ وهم متعلقون بالدعوة وداعيها أكثر من تحقيق الرغبة في ملء البطون، وقد اختاروا هذا الطريق اختيارا، فكان مدد الدعوة أعلى وأقوى من كل مدد، ماديا ونفسيا، من الله رب العالمين. ما أعجب هذا الإيمان بالله تعالى ودعوته ونبيه، انظر كيف يجعل صاحبه

стр. 290

مليئا بالشوق لخدمته، ابتداء من دائرة النفس الإنسانية، بأن تجدها به سلوكا أسنى، ثم يأتي العمل على نشره. ويوم تخلو النفس من هذه المعاني والسلوك من صورها، فإن العمل أو الدعوة تصبح أمرا دنيويا لمصلحة أو منفعة، وهو أمر يرفضه الإسلام. فالإيمان بهذا الدين الكريم يشعر صاحبه بالتوق والشوق والتعطش له. ومن فقه المسلمين الأوائل، والمرأة المسلمة بالذات، في الهجرة، كما هي في الحياة الإسلامية، جنّدت نفسها مهاجرة ومحضّرة ومدبّرة، افتدت ذلك بنفسها. وهي مهمة تتكامل مع جهود الرجل، أو تنفرد بإجادتها في الهجرة وغيرها لخدمة الإسلام في كل ميدان وآن، ولدينا من هذا قمم عالية وأعلام هادية. فخديجة وسميّة وأم سلمة وعائشة وأسماء ونساء المقاطعة وأم معبد وغيرهن ما أكثرهن. جزى الله ربّ الناس خير جزائه ... رفيقين حلّا خيمتي أمّ معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به ... وأفلح من أمسى رفيق محمد وكم شاركن في بناء الدولة بعد الهجرة، وانتصرن لله ورسوله، فكن مثالا وأيّ مثال! * العزيمة وقيام الحياة الإسلامية: الأخذ بالعزيمة شأن ذلك الجيل القرآني، ومن سار على نهجهم ونهل كما نهلوا- من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . لقد أخذ أكثرهم بالعزيمة «١» ، ولديه متسع في الأخذ بالرخصة ... وخدمة الإسلام تحتاج إلى العزائم والأخذ بها، لا تقدّم عليها دنيا المال والمناصب والشهرة وغيرها. ومن مقتضى الصدق في الإيمان بالله تعالى ودعوته والجدية فيه: ظهور ذلك بوضوح تام ظاهر، سلوكا قراءة وأخلاقا.

стр. 291

إن الكفر والشرك- والعياذ بالله- مرض يسد منافذ النفس، ويبيد رغباتها الفطرية، فهم- ككل إنسان- عطاش لدعوة الله بالفطرة، والماء قريب، خلقه الله للارتواء، وهم يرفضونه، ويجعلون حربهم لتياره الكاسح، بقوته الذاتية المستمدة من الله تعالى، ويذيقون أهله كل فنون المواجهة والتعذيب، ترطبت به نفوسهم، وبللت أرواحهم ينبوع (وينابيع) الإيمان من غير نضوب. والمرأة المسلمة كانت قوية صلبة، رغم ما يعرف عن جنسها من رقة لا تتحمل، إلا أنها أعطت صورة الإيمان بدعوة الله تعالى، إذا استقرت في قلب إنسان. فكم تحملت وبذلت المرأة المسلمة من كل لون بنفسها أو بأولادها أو بالأعزة عليها، وهذا يسري في كل آن، وكانت خلال القرون تجاهد في أكثر من ميدان، وأكبرها تنشئة الأبناء في محاضن القرآن. أيتها المرأة المسلمة! يا شقّ النفس المؤمنة! اكتحلت بك العيون، والفرح بمواقفك، أغلقت على الدموع الجفون. فروعة كل أحد مستمدة من هذا الدين ليس الرجال فقط، بل المؤمنات الفضليات، وكذلك الأطفال، بنين وبنات، ارتضوا جميع الأحوال، ولو أن يهلكوا عيانا لأمر الله، كما استسلم إسماعيل- ﵇ فاستعلوا على كل محرم، وانشغلوا بذكر الله، وعملوا لرضاه. فكل شيء لشرع الله مبذول، في السلم والحرب والسلامة والسامة، وطلب الجنة، بعد الدنيا، وكيف ينام طالبها «١» ، أو يركن لدنيا راغب فيها، فإن سلعة الله غالية إلا إن سلعة الله الجنة «٢» ؟!

стр. 292

تبدل في حياتهم كل شيء، مذ بدعوة الله كانت ولادة الإنسان الجديد. غدا المسلم عبدا لله- بعد الأصنام- متوجها إليه عارفا طريقه. باعوا أنفسهم إيمانا، وارتبطوا بشرعه، تعبّدوا له، بعد العبودية لغيره، تابوا عن الفواحش، وعشقوا الفضائل الربانية. وبهذا التكوين الجديد الذي استهل الفداء طريقا، قائما على الإيمان بالله والحب فيه: حب دعوته وحب رسوله ﷺ وحب المؤمنين وحب مستقبل الإسلام، يفعل ما يريده غير سائل عن لونه أو كنهه ولا مبال بضخامته وعتوه، يدور مع القرآن حيث دار «١» ، لا يريده في غير ذلك الاتجاه، ولا يتهاون في إدارته، يتنازل عن كل شيء له، ولا يتنازل منه بأي مقدار لشيء. بهذه الروح كانت تلك الأمور، وكانت الهجرة، وكانت الدولة، وكانت الفتوحات والحضارة والحياة الكريمة الفضلى والمثل العليا الكبرى والبطولات الفذة القصوى. ألم يأتكم خبر عبد الله بن حذافة السّهمي «٢» ، حين وقع في أسر الروم- في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ واستقدمه القيصر هرقل ليعرض عليه- ترغيبا وترهيبا- ليترك دين الإسلام. فقال- أخذا بالعزيمة دون الرخصة، ودولة الإسلام قائمة- (والله لو ملكتني ملك العرب والعجم ما تركت دين الله (دين محمد) طرفة عين) . ولما قتلوا أمامه بعض أسرى المسلمين رميا بالزيت المغلي إرهابا، لعله يضعف، وجيء به يبكي استبشروا، وسألوه إن كان يبكي ضعفا ويوافق؟ فلم يتغير جوابه، أو يتزحزح من موقعه. إذا لماذا كان يبكي؟ قال: (أبكي لأني لا أملك غير

стр. 293

نفس واحدة إذا استشهدت انقطع جهادي في سبيل الله، وكنت أتمنى أن لي بكل شعرة في بدني نفسا تموت الواحدة تلو الآخرى في سبيل الله) . فلا عجب، ألم يقل رسولنا وقائدنا وقدوتنا وزعيمنا ومعلمنا وهادينا، ولا زعيم لنا غيره ولا نبي بعده ﷺ : «ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل» «١» . وحين اشترت قريش في مكة أسيرا مسلما خبيب بن عديّ «٢» ، في السنة

стр. 294

الثالثة- أو الرابعة- للهجرة، أعدمته رميا بالنبال جنبا. ولما قدّموه إلى القتل، صلّى ركعتين، فكان أول من صلاهما في هذا الموقف، ولما رفعوه على الخشب سألوه إن كان يرضى أن يطلق سراحه مقابل وضع الرسول ﷺ مكانه فقال: (والله ما أرضى أن أكون عند أهلي ومحمد ﷺ يشاك بشوكة في قدمه) «١» . فعجبت قريش من ذلك، وقال قائلهم: ما رأينا أحدا يحبّ صاحبه كما يحب هؤلاء محمدا. ألم يتربّى خبيب في مدرسة النبوة، يتغذى بايات الله تملأ قلبه، وهو يسمعها بصوت النبي ﷺ ، ويسمعه وهو يردد: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما» «٢» . ولما رفعوه على الخشبة كان يقول: (اللهم إنّا قد بلّغنا رسالة رسولك فبلّغه الغداة ما يصنع بنا، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا) «٣» . ثم ردّد أبياتا من الشعر، بينما النبال تمزّق جسمه: فلست بمبد للعدو تخشّعا ... ولا جزعا إني الى الله مرجعي ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أيّ جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع * فطنة المسلم وتضحيته: فلا تركن لذلك أو تستمرئه، وإن قصرت لفترة، فهي تعرف طريق التوبة سراعا، بل إنها تجاهد في الله لا تنثني ولا تنحني ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ

стр. 295

قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب: ٤] . وإنّ للمسلم من إيمانه مولّدا حيا، ومنبعا للوعي، ومجددا للتوبة، في التوجه إلى الله رب العالمين، وتغيير المنكر وإنكاره، ولو بالقلب، الذي هو أضعف الإيمان. فأين نضع ما هو أدنى من ذلك؟ وهل وراءه من إيمان حبة خردل؟ والرسول ﷺ يقول: «والذي نفسي بيده! لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر، أو ليسلّطنّ الله عليكم ذلّا لا يرفعه حتى تعودوا إلى دينكم» «١» . ويقول ﷺ في حديث آخر: «وليقذفنّ الله في قلوبكم المهابة من صدور أعدائكم، ويقذف في قلوبكم الوهن» قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» «٢» . فهذه النوعية من الناس حاملة الإيمان، ورافعة راية القرآن، مستعدة للتضحية من أجل الإسلام، بالمال والفلذ والنفس والأهل والولد، في كل الأحوال، وعلى طول الزمان، تتوارثه الأمة الإسلامية جيلا بعد جيل. * النور وراء الظلمة: وحين ظهر عقم مكة عن احتضان هذه الدعوة- بعد تلك السنين- هيأ الله لدعوته مستقرا جديدا، فكانت البيعات الثلاث- لأهل المدينة- المعروفة التي بايع فيها مجموعة من أهل المدينة في السنة الثالثة عشرة من النبوة، على طاعة الله ورسوله والموت في سبيله. فكانت بيعة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقول الحق، وعدم الخوف في الله

стр. 296

لومة لائم، وعلى نصرة الرسول ﷺ إذا قدم عليهم المدينة فيمنعونه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، وعلى نهكة الأموال، وقتل الأشراف. قالوا: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال ﷺ : «الجنة» ، قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل «١» . وبهذا البناء كانت الهجرة، الحدث التاريخي الفريد، والرحلة الأرضية الكبرى، بعد الإسراء والمعراج الرحلة الكونية والعلوية العظمى. وظهرت في الهجرة البطولات الفريدة من كل لون في مستوى غامر، أظهرت عمق إيمانهم، وشدة حبهم، وشمول فدائهم. ولم يكن أحدهم يخشى على نفسه أو غيره إلا مستقبل الإسلام، وحماية رسول الله ﷺ ، ومن هنا لم يبال أحدهم بشيء. واستغرقت مراحل الهجرة حوالي ثلاثة شهور، هاجر في نهايتها رسول الله ﷺ يصحبه أبو بكر الصديق ﵁ الذي بكى من الفرح، وعن ذلك تقول عائشة- ﵂: (فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ) «٢» . انطلق ﷺ مستخفيا ومستبقيا عليّا ﵁ في فراشه؛ لتطمئن قريش وفتيانها الأربعون المحيطون بالدار ليقتلوه، ببقاء الرسول ﷺ فيه، في الدار- ولكي يعيد الأمانات إلى أهلها «٣» ، وهو الأولى والأهم، وهذا أمر عجيب. ولعل هذا هو السبب الوحيد تماما لإبقائه، وما عداه كان من بركات هذه الدعوة الكريمة، ورعاية الله تعالى لها. * عجائب الإسلام وفرائده: وهذا أمر غريب وعجيب: في سلّم التعجب والإعجاب وفرائد

стр. 297

الأخلاق، ألّا تجد قريش أكثر أمانة وصدقا وثقة من رسول الله ﷺ تضع عنده أماناتهم، وهم يقاتلونه ويحاربون دينه والمؤمنين به، ويحضّرون لقتله، ويعدّون لإبادة دينه، ولا يخشون على أماناتهم وهي عنده؟! إنه حقا لأمر فريد، جدّ فريد وجديد. إنه لأمر عجيب من الناحيتين: من ناحية الكفار، أنهم يفعلون ذلك، ولا يجد هذا الصدق والتفرد في الفضائل التي كانت بدعوة الله، فلا يفتحون لها القلوب، ومن أن رسول الله ﷺ وهو يراهم كذلك، ويؤدي لهم أماناتهم، وهذه أكبرهما وأعجبهما، ومن أجله استأمنوه، وإلى هذا الحد. * هذه أخلاق القرآن: فتلك أخلاق القرآن، وهو أمر لا يمكن أن نجده في غيره، وشتان بين هذه وتلك: الإيمان والكفر. وهذا فيه دليل على أمر آخر مهم، هو أن قريشا كلها- أو أكثر منها، ومنهم أولئك الذين كانوا يحاربونه- كانوا متأكدين من صدقه في الحياة، ومن صدق نبوته، ومع ذلك فلا يؤمنون به، فهم الذين أطلقوا عليه قبل النبوة (الصادق الأمين) ، وهو حجّة عليهم. وحين سأل أحدهم أبا جهل: أمحمد صادق أم كاذب؟ قال له: ويحك إن محمدا لا يكذب قط «١» . ثم هم لا يؤمنون قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] . * تعدد دروب النفس: ويأتي من ذلك شيء: هو أن القناعة العقلية وحدها لا تكفي دائما لقبول الحق والخير، وإذا كفت فكفايتها باردة أو هامدة؛ لأن الإنسان متعدد

стр. 298

المكونات العاملة الحيوية المتحركة، كان العقل واحدا منها، فالله خالق الإنسان، وعالم به أنزل شرعه للعناية بكل المكونات، ليكون الإنسان الرباني الذي أراده الله تعالى بهذه المقومات والشريعة، وبذلك يتجه إلى الله بقوة وحرارة لا يلوي على شيء. وعلى التربية والمهتمين بها أن يلحظوا هذا الأمر الأساسي الخطير في عملية التوجيه والتعليم، وأن يقوم هذا على دين الله . * الهجرة والأخذ بالأسباب: أعدّ الرسول ﷺ عدّته للهجرة بعد أن أمره الله بها، ووضع خطتها، وكانت في غاية الإحكام والدقة ونهاية الحيطة، بتوجيه الله له، ووحيه الأمين، في أمور شرحها وبيانها وذكر معجزاتها يطول، منها: أنه بدل أن يتجه الركب المبارك إلى الشّمال اتجه إلى الجنوب- محفوفا بعناية الله- ملاحقا من قوى الكفر، تبتغي قتله، معلنة عن جائزة ضخمة؛ لمن يأتي به حيا أو ميتا. وأعدت أربعين شابا لقتله، في خطّة عنيفة مخيفة وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ «١» [الأنفال: ٣٠] . فخرج ﷺ من بينهم- بقدرة الله- في الليل، واتّجه إلى دار أبي بكر الصديق ﵁، حيث خرجا ليلا من هناك، من خوخة في ظهر دار أبي بكر، مبتدئين هذه الرحلة المباركة الكريمة من هناك «٢» . أن تنشغل قريش كلّها وأهل مكة، وتبذل لذلك، وتحضّر، وتخطط، فذلك دليل- وهو حال متكرر- أن أهل الباطل- أفرادا وهيئات ودولا ومعسكرات وجهات ومؤسسات وأحزابا- إذا حاربوا الحق، وهم يحاربونه

стр. 299

دوما- يلجؤون إلى كل الوسائل، دون النظر إلى صلتها بمثل أو قانون أو عرف، حتى تلك التي وضعوها، أو ادّعوا التعامل معها. وهكذا دينهم وديدنهم، في كل الأمور، لا ترتبط بشيء غير مصلحتهم. وكلما يدّعون، أو يضعون من قوانين إنما هي لحماية هذه المصلحة، ويوم تعوّقها يدوسونها، ومع كل ذلك إذا فشلوا في شيء لمصلحتهم اتبعوا سبيل القتل والإبادة، لا يصدّهم عن ذلك وأكثر منه شيء. وهكذا فعلت قريش، ودبّرت له، رغم أنهم يتعاملون مع رسول الله ﷺ المعروف لديهم، وهو يدعوهم إلى الله، ودعوته الحقة الخيرة، يفعلون ذلك ظنا أنهم يقضون على هذه الدعوة المباركة، وهيهات! تقع المدينة المنورة بما يزيد على (٤٥٠) كم شمال مكة المكرمة، لكن الركب الميمون- ركب الإنسانية، الذي يضمّ أو يحمل مستقبلها، كما أراد الله الكريم الرحيم لها- اتجه نحو الجنوب، حيث وصل غار ثور- بعد خمس كيلومترات من المسير- في الليل من يوم الخميس. فدخلا ذلك الغار في أعلى الجبل، والطريق إليه وعر شديد. وبعد ثلاثة أيام- قضوها في انتظار أن يخف الطلب، وفي إعداد للزاد والأخبار رائع جميل- بدأ الركب الميمون السير الحثيث- بدليل مكيث- ليلة الإثنين «١» متّجها نحو المدينة المنورة، في رحلة مباركة تحمل هداية الإنسانية، التي أرادها الله . حاز آل أبي بكر عظيم الشرف في الهجرة، إلى ما حازوه من قبل ومن بعد، فعائشة وأسماء ذات النّطاقين تكفّلتا بالطعام، وعبد الله الشاب الثّقف اللّقن (الحاذق اللّماع الفطن) «٢» ينقل أخبار قريش، ويبيت عند الغار ليصبح في مكة وكأنه نائم فيها، وراع يتولّى السير خلفه كيلا يعرف له

стр. 300

أثر «١» ، ومطاردة وصلت أبواب الغار، فكان أبو بكر يرى أقدامهم، ولا يرونه؛ فقال: لو أن أحدا نظر إلى موضع قدمه لأبصارنا. فقال له ﷺ : «يا أبا بكر! ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟! لا تحزن إن الله معنا» «٢» . فحماهما الله من كيدهم، وعاد المطاردون بعدما صدّتهم- بإرادة الله- أصناف من الحيوان الضعيف، قام مقام الجيش الكثيف، فارتدوا خائبين إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التّوبة: ٤٠] . وبعد أيام ثلاثة جاء عامر بن فهيرة، يخدمهم، ويعاونهم في الطريق «٣» . وأقدم الدليل في المساء بجملين (وثالث له) . فسار بهما ممعنا في الجنوب أيضا، ثم اتجه غربا نحو ساحل البحر الأحمر، مصعّدا شمالا إلى المدينة المنورة، في طريق غير معروفة. واستمر الركب يغذّ السير طوال الليل وشطر النهار، كي يبتعد عن مكامن الطلب والمطاردة، القادمة من مكة وما حولها. خطا ذلك بخطوات سريعة في جنح الظلام. وبعد بذل غاية الطاقة، وفي الساعات الحرجة، أو التي تنعدم فيها فعالية الجهد الإنساني، وقد بذل الجهد الماثل في تحقيق شيء، تتولّى العناية الإلهية الإحاطة بها كما هي منذ البداية، تغشاه وترعاه، فكيف وهنا دعوة ونبوة ورسالة؟! ولقد كان رسول الله ﷺ يحوز كامل الاطمئنان، وهو في قمة الخطر،

стр. 301

وغمرته المحدقة المبيدة. أليست تلك واحدة من علامات النبوة؟! بل وسراقة الذي جاء يطاردهم، طمعا في جائزة قريش، فلما ساخت فرسه لأكثر من مرة سقط من عليها في الثالثة، على أن رسول الله ﷺ محفوظ، وتحوّل من مطارد لهما طامع بالجائزة إلى راغب بوعد، يعمّي الأنظار، ويكتم الأخبار، والوعد أمان وإيمان، بشّره ﷺ بأن الله سيفتح على المسلمين، ويلبس سراقة تاج كسرى وأسورته «١» . أليس هذا خيال!؟ لا بل واقع. ويتمّ الله فتح أكبر دولتين في العالم فارس والروم، ويلبس سراقة في خلافة عمر أسورة كسرى وتاجه، ذلك على ملأ من الصحابة. وقال عمر: (الحمد لله الذي سلب كسرى سواريه، وألبسهما سراقة بن جعشم الأعرابي) «٢» . معجزتان في معجزة: الأولى: إخبار عن الغيب، بوحي الله، والثانية: إتمام هذا الأمر، وهو ما أخبر الله به نبيّه، وعرفه سراقة في يوم تمامه. فيا للفرحة والقوة! إنها النبوة الكريمة. ولم يكن رسول الله ﷺ طول الطريق خائفا، فلقد كان يقرأ القرآن، ويكثر من الدعاء، ذلك غاية الاطمئنان، وأعلى درجات الإيمان «٣» . واستمر الركب الكريم أكثر من أسبوع حتى وصل المدينة المنورة في قباء، يوم الإثنين من شهر ربيع النبوي (الأول) . وأقام فيها أربعة أيام، أسّس أول مسجد في الإسلام «٤» . ثم انتقل إلى داخل المدينة المنورة؛ التي

стр. 302

انتشر فيها الإسلام، حتى لم يخل دار من قائل لا إله إلا الله محمد رسول الله «١» ، مستعدّين للفداء، حتى ولو كانوا مقاطع في ذلك البناء، أولئك الذين أحبّوه على البعد قبل الرؤية، مثلما أحببناه في غير رؤية في هذه الحياة إلا رؤية الصورة الواضحة في السلوك والسيرة، وفي القدوة والعشيرة، رؤية العاشق الولهان، فهو حيّ في النفوس والقلوب، راجين أن يجمعنا الله به يوم الدينونة عند الله الواحد الديان «٢» . * لقاء الهجرة والنّصرة: كان أولئك في المدينة- قادمين ومقيمين أو مهاجرين وأنصار- أمضّهم الشوق، وحرّقهم العشق، يرنون إلى الأفق كل يوم؛ لتكتحل العيون برؤية الحبيب، فما أن رأته من بعيد حتى هتفت بنشيد الحبّ الوفي الأصيل ... كان يوما للمسلمين مشهودا، أفضل يوم فرح رأته، إنه يوم رؤية الحبيب «٣» ، مقترنا- لأول مرة- ومعلنا إقامة بناء المجتمع المسلم، يحكمه شرع الله في كل أمره، ويتوجّه إلى الله في كافة شؤونه ... وأقام دولة الإسلام التي نبذت حكم الجاهلية، وحكمت بالشريعة الربانية أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠] . إنها بداية جديدة لجهاد مضن طويل، تحمّلوا فيه التضحيات لنشر الإسلام والدعوة إلى الله، وبنفس نوع البناء وبكل ألوان الفداء، وهكذا المسلم يعيش في فداء وبناء، يقوم كله على بناء النفس المسلمة بدعوة الله، متجها إلى رب السماء، يحكم نفسه بشرعه، لا يرضى بذلك بديلا، ولا عنه تحويلا، حتى يظهر أمر الله، أو يهلك دونه، وهذا هو العهد الدائم

стр. 303

للمسلم، في بشارة رسول الله ﷺ . وهو أمر ترخص له النفوس، وتقدّم الغروس، كل الغروس. وفي هذا بيان واعتبار على أن المسلم يأخذ بالأسباب، كأكثر ما يأخذها إنسان بأقصى الجهد، ثم ينتظر نصر الله. فلا إعداده يدعوه إلى أن يركن إلى نفسه، ولا توكّله على الله يهمله الأسباب، فكلاهما من أمر الله وسنّة الله (قدر الله وسنّته) . وهو في كلتا الحالتين مؤمن بالله تعالى، متوكل عليه، وهما جميعا لا يعملان بمعزل عن إرادة الله ورعايته، بل بهما لا بغيرهما تقوم المسيرات وتحدى القوافل. فكانت الهجرة، وكانت النصرة، وكل ما يتصل به، ويمتّ إليه، فاحتضن الأنصار المهاجرين، وبذلوا لهم- باصرة الدين- بعزة وفرح، فلم تبق مشكلة، وحلّت كلّ معضلة. كان بعضها يمكن أن يعوّق استمرار الطريق، لكن- بفضل الله- قام ذلك المجتمع الفريد، وأول دولة حكمت بشرع الله، بقيادة الرسول ﷺ . فكان قيامها يوما من أكبر أيام الله، اعتبر بداية التاريخ الإسلامي. إنه لجميل، أن نلتقي على هذه المعاني في حفل جليل، تكثر المعاني الكريمة وتتحدد، وتتزاحم الفكر، وتنهمر العبر، فنحن أمام حدث عظيم، كان له ما بعده، نستمدّ منه التعبير عن عظمة الإسلام. وليس من فوائده إكثار المعرفة والاستفادة من المعلومات فحسب، بل- وكذلك- هذا اللقاء للتناجي المتفتح المتوجّه إلى الله. وسواء تقدّم في هذا الحفل أفكار جديدة أو معلومات فريدة، فذلك مهمّ، ولا يقل عنه أهمية- إن لم يزد، بل هو- أن تنتعش الروح، وتنتشي النفس، وتطرق المغاليق من الأبواب، فتفتحها، أو تفتح نافذة فيها، تدخل منها نسمات الحياة، فيهبّ قويا لهذا الدين، عاملا لخدمته إن شاء الله . وفي مثل هذه المناسبة المباركة، تحدث مثل هذه الآثار، والأبواب مفتوحة، ورحاب الله واسعة، وأجواء رحمته طيبة قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ

стр. 304

أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣] . والمسلمون اليوم يتلفتون- في موسم الهجرة وأمثاله- بحثا عن معانيها، وما هي ببعيدة، ليجدوها في دفتي الكتاب. وكم هزلت قلوب، حين أوصدت الأبواب. فحين تفتح الأبواب وتقبل مرتوية، ترتقي في سلم الفضيلة. بل إن البشرية لتتلفت بحثا عن قيادة رشيدة، قيادة إسلامية، يعرف إنسانها ربّه. وقيادة منهج كريم يملك أن يحقق للإنسان إنسانيته ويهبه حضارته ويقيم خلافته، وهو الأمر الذي تتحقق ويتحقق بالإسلام وحده. وكأن الله تعالى، قد وهب للإنسان وعلّمه، لينتج هذه الحضارة الحديثة، التي ضلت الطريق، أن يعوا درسا كبيرا: أنه ليس من شيء يغني عن شرع الله، والحاضر خير دليل، فحياة الإنسان اليوم تراب، ينتظر المطر قبل الاحتراق، وهو على شفا الارتطام، في هوّة تخنقه، يبحث عن كوة نور. وما كان لأمة أن تلد ذلك، وهي لا تنتظر ولا تأمل، بل تسير في عين الاتجاه، تفخر بباطلها، وتدّعي على الحق برهانا، معتدية على سلطان الله الكريم . وهذا دليل آخر على أن الرقيّ البعيد عن الله، يورث مزيدا من الانحراف، مما يجعل التوجه إلى الله بشرعه ضرورة وحتمية، أوثق من كل الحتميات المدّعاة جزافا. ولذلك كانت حضارة اليوم صخرية الطبيعة، عقيمة الرحم، وإن لجأت إلى الأنابيب، لكنها سوف لا تلد المولود الكريم، ما دامت شاردة عن الله تعالى. فالهجرة حدث فريد في التاريخ الإسلامي، وتاريخ النبوات كذلك، فليس له مثيل، مثلما أراد الله لهذا الدين أن يكون متميزا في كل شيء، دين يلقى هذه الصعوبة في مكة، كان الأمل- في العوامل الظاهرة- أن يستجيب أهلها، أكثر بمراحل، مما فعلوا. ولكنها كانت كالصخر أو أشد، إذ أن

стр. 305

معدل من أسلم (وكلهم نحو ٣٠٠ مسلم خلال العهد المكي كله، ثلاثة عشر عاما) كان بمعدل حوالي اثنين في كل شهر، وهذا لم يشكّل يأسا لأحد من المسلمين، بل وكأنه كان للصبر مددا. ولكن مدده طاعة الله ورضاه، من غير استكثار لكل تضحية، وما نال المسلمين في سبيل ذلك. وكان الأمل دوما في الله غير منقطع، كما كان ورأيناه في أحداث الهجرة كذلك. والدعوة الإسلامية على الدوام لا تقف، فإن لم تتقدم اليوم فغدا، أو لم يستجب لها هؤلاء القوم، فغيرهم. فإذا عقمت أرض فعداها، ولا تدري من أين يأتي الفرج، لكنه دوما من المؤمنين قريب، ما دام متوجها إلى الله، كالماء يحمل الحياة، وقد ترفضها أرض فلا يتغير، ولا بد أن يشق طريقه مهما كانت العراقيل. لقد كان الأمل في المدينة أن أول من يؤمن فيها من ساكنيها هم اليهود، وهم أهل كتاب. لكنهم رفضوا حسدا، وهم يعلمون صدق هذا الدين وكتابه ونبيّه ﷺ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ٢٠] . وتصوّر الهجرة ألوانا كثيرة من أحوال الدعوة والدعاة، بقيادة النبي الكريم ﷺ كيلا ييأس الدعاة، إذا ما نظروا إليه وهو نبيّ، فكيف بغيره؟ وإذا ما أغلقت قلوبهم فتحت أخرى، أو تصخّرت أرض تمهدت غيرها. كما أنه ليس من الضروري توفر عوامل معينة تقرّب من الدين أو تبدو كذلك وتوفر العلم به وغير ذلك، مدعاة لهؤلاء أن يؤمنوا فلا يفعلون، كيلا يكون الدين حكرا على أحد، فقد يؤمن البعيد دون القريب أو الضعيف دون القوي، فمن التحق بهذا الدين نال الشرف، وليس الشرف بالادّعاء، إنما بالانتساب الحق لهذا الدين سلوكا وعملا والتزاما. إنّ مقتضى الاحتفال بالهجرة وشقائقها أن تتوجّه القلوب إلى معانيها تستلهم روحها، وتصدر عن تعاليمها، من غير مفارقة لسمتها، ونرجو وندعو الله تعالى أن تتجلى هذه المعاني التعبدية والفكرية والنفسية، تصوّرا

стр. 306

وسلوكا- بهذه الصيغة- في احتفالاتنا كافة، مبنية على نية مؤمنة، وطوية ربانية خيّرة، ليكون لنا فيها أجر، ونية المرء قاعدة ركنيّة ركينة مهمة في عمله، وهي أمر لازم في كلّ عمل، لا بدّ أن تكون خالصة لله تعالى، وحسب شرعه؛ ليكون العمل مقبولا ومأجورا عند الله تعالى. وحديث النية الشريف صدّر به عدد من أهل الصّحاح والمؤلفات الحديثية كتبهم، وهو حديث كان بمناسبة الهجرة، لكنه عام شامل لكل حال، وهو من الأحاديث الجامعة: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها (يتزوجها) فهجرته إلى ما هاجر إليه» «١» . فإذا ما تجلّت هذه الروح، وتفتحت النفس لهذه المعاني وكانت لها من المرامي، فلعلها محاطة برعاية الله ، وتحفها ملائكته، وتنزل علينا في مثل هذا اليوم الفاضل رحمته، فيفتح الله علينا ابتداء، في الهداية، بدا وزيادة فيها والتزاما أكيدا لها، وفي هذا الاتجاه الرشيد؛ لنسير في طريق الله؛ الذي لا يضل سالكه قبل اليوم ولا بعده، ولا يحيد، وهل من رأى النور، وأضاء الله دربه، وعمّر قلبه أن يترك؟ كلا؛ بل يمضي فيه عزيزا غير هيّاب، ولو صبّ عليه كلّ عذاب. اللهم! هبنا الصّلابة في الحق، والثبات فيه، والصبر عليه، اللهم! هبنا صبرا، وتوفّنا مسلمين، اللهم! إنا نسألك البر والتقى والعفاف والغنى والفطنة والحجا، واجعلنا لكلمتك العليا مخلصين.

стр. 307

إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: ٤٠] . وصلّى الله على صاحب الهجرة الشريفة والنصرة الكريمة وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 308

المبحث السابع الهجرة (النبوية) قائمة ودائمة * مناسبات وأحفال * بين العلم والعمل * الجيل المسلم والسيرة * الهجرة والدولة * الهجرات الثلاث * إقامة الحياة الإسلامية * الخلوص الكامل لله * الإسلام هجرة وبيعة * الإسلام وطن وقومية * الهجرة هجرة ونصرة * الحق قادم بأهله

стр. 309

الهجرة قائمة ودائمة أحمد الله إليكم، وأصلّي، وأسلم على رسوله الأمين وآله وصحبه والتابعين كلهم أجمعين إلى يوم الدين «١» . * مناسبات وأحفال: إنه لنشوة ومسرة، أن يلتئم هذا الجمع ليستمع، أو يكتب أحد ليقرأ الآخرون، وينتظم مجلس يتداول بكل مناسبة إسلامية، وقضية ذات علاقة بهذا الدين. وجميل كذلك أن يحتفل المسلمون بمناسبة عالية المكانة، كريمة الموضع، لا بدّ أن تكون فيها- وفي أمثالها- من الرعاية الحقة، ما تفوق أية مناسبة احتفال أو استقبال. يرى المتكلم- في هذه الاحتفالات- وجوها مشرقة بالخير، آملة بالنصر، طافحة بالبشر. والسّنّة يتعطّر حديثها بنفح كريم، يخاطبها، ويكتب لها، ويحادثها، ويتعاهد على خدمة هذا الدين. فهو لقاء شوق وحديث حب ودود، مهما تباين الأسلوب. وحتى ولو لم تجدوا في حضوركم واستماعكم والقراءة، زيادة علم أو معرفة، فلا يجعلكم ذلك تندمون عليه، فلا تثريب كبير. وللإنسان منافذ وأوعية كثيرة، منها وعاء العلم. لكن هناك أوعية أخرى تمتلئ وتشحن

стр. 310

بثماره وبعوامل متدفقة من الإيمان والمحبة والعاطفة، وهي بحاجة إلى امتلاء لزاما ودواما، في كل حال. * بين العلم والعمل: ومثل هذا اللقاء يجدّد تحريك المعرفة؛ لتكون عاملة بما توفر من علم، يكفي ليكون صاحبها عاملا، والمسلم يزداد علما، ويكون بالعمل له الأجر، ويتحقق القصد. فسعي المسلم إلى الصلاة بالمسجد يكسبه الأجر؛ للمعاني المتنوعة في ذلك، غير مقتصرة على علم. وكثرة منا اليوم بحاجة إلى العمل أكثر منه إلى العلم، وما لديه من علم يكفيه لعمل أكثر، فالعلم حجة علينا، وهو دليلنا، يقودنا إلى الأخذ بالإسلام، وليس من فائدة إن لم يكن هذا من ثماره. فلا بد من علم يقود إلى الله في كل أمر، ويوجّه إليه في كل حال، ولاء واهتداء، في الغيب والشهادة والذكر والعبادة والتفكير والتعبير والسعي والجهاد والعلم والاجتهاد. * الجيل المسلم والسيرة: وهكذا كان الجيل المسلم؛ الذي أقام الحياة الإسلامية على أرض الله، وهو أمر مطالب به المسلمون في كل زمان ومكان، وإلا فهم مقصّرون، وذلك واضح في سيرة الرسول ﷺ ، في الهجرة وغير الهجرة، حيث ارتبطت كلها بخيط واحد، مبدؤه ومنتهاه وما بينهما، متصل بالله وشرعه المنير. والسيرة الشريفة مستودع، أودعها الله حقيقة الإسلام، وصورة شريعته، وسر هذا الدين، يجد الناس فيها سيرة الإنسان المثال والصورة الكمال؛ لكل الأمم والأجيال، للقائد والجندي وللرجال والنساء والأطفال، والشيوخ والشباب، في السلم والحرب، والفرد والأسرة، والمجتمع والدولة، في الهجرة والنصرة. والمرأة المسلمة مكانها معروف.

стр. 311

* الهجرة والدولة: لقد أقامت الهجرة دولة في مبتدأ تاريخ الإسلام؛ الذي قام منذ نحو أكثر من ألف وأربعمئة عام، حيث بداية التاريخ الإسلامي، وقامت دولته بكليتها، تحمل راية الحق، فواجهت صراعا في كل ميدان وهجمات من كل اتجاه ومكائد بكل لون، كان بعضها كافيا لسحق الدولة الإسلامية، وحضارتها الفريدة، وتفتيت كيانها، لولا- بعد عون الله- قوة البناء الإسلامي لمجتمعه الكريم، وحضارته الفذة، وبنيته المكينة. واليوم يقف المسلمون في وجه ذلك كله، ولا خلافة- أو ما يماثلها- في الأرض، تحملهم وتحميهم، ولا مجتمع يضمهم، يحتكم بكليته إلى الله، ويؤول لشرعه. وهذا لون آخر من الدروس. إن قوة وقوف أي تجمع إسلامي ليس مقتصرا- فحسب- حين تقوم الحياة الإسلامية، وتكون لها دولة، بل بغيرها أو بدونها أيضا. فهو الذي يسعى ليقيم الحياة الإسلامية ودولتها، ويعلي الراية في مجتمع ترفرف عليه، خضراء نضرة. ولا بدّ من مسعى لإقامة المجتمع المسلم الذي قام أولا في تاريخ الإسلام ثمرة لتلك الهجرة، هجرة إلى الله تعالى، منذ أول يوم التحق المسلم فيه بموكب الإيمان. * الهجرات الثلاث: فكانت هجرات ثلاث «١» : الهجرة إلى الحبشة «٢» ، وهي الوجهة

стр. 312

الأولى، ولم يكن فيها رسول الله ﷺ . وحين سأله عثمان بن عفان ﵁ «١» عن ذلك قال ﷺ : «أنتم مهاجرون إلى الله وإليّ» «٢» . وهذا هو المعنى الدائم للهجرة، وكان جواب عثمان: فحسبنا الله يا رسول الله! ثم كانت هجرة الطائف «٣» ، هاجرها رسول الله ﷺ وحده. كانت بحثا

стр. 313

عن أرض جديدة للإسلام، وقوم آخرين يدعون إليه. ودوما يشق الإسلام مسالك؛ لتتقدم دعوته، وتنتشر، ويدخلها الناس محبين. ثم الهجرة الثالثة الكبرى إلى المدينة المنورة؛ التي أقامت مجتمع الإسلام ودولة الإسلام، واستعد لها المسلمون؛ ليتمّ الله أمره، وينصر دينه، وهي في علم الله كائنة قبل أن تكون. اتخذ لها رسول الله ﷺ والمسلمون كل الأسباب ... جرى كل ذلك مع الاستسلام الكامل لأمر الله وشرعه والركون إليه والأمل بنصره، وهكذا أقامت الهجرة الدولة. والهجرة إلى الله أقامت وتقيم الحياة الإسلامية. إنّ العدو الخارجي والداخلي أصاب منّا ما أصاب، يوم أصيب المسلمون في تمسّكهم، فليلتفت المسلم إلى هذا بقدر حرصه على انتمائه لهذا الدين الرباني وحده. * إقامة الحياة الإسلامية: إن الذين يقيمون المجتمع الإسلامي والحياة الإسلامية ودولتها، هم

стр. 314

أولئك الذين يرسمون صورة الإسلام في سلوكهم، ويتمثلونها في حياتهم، ويفتدونها بالنفس رخيصة. يهتفون بهتاف الخلود في كل موطن شديد: (الله أكبر لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) ، فتصغر الدّنيا في عيونهم، وينظرون إلى الصّعاب منهزمة، وإلى الطغاة راغمة، مهما كانوا مدججين بالسلاح، وممتلكين للمناصب، ومتسلطين، يتولون الإنسان بالجبروت المتفرعن على خلق الله . وكلّ جمع تتركز فيه تلك المعاني الفاضلة الخيرة، تبرز فيه هذه الحقائق، فكما برز في العهد الأول القدوة تبرز على مر التاريخ، ماضيا وحاضرا ومستقبلا. فكم من مؤمن أوذي في الله بكل طريق، وحورب بكل أسلوب، وتقطّع أوصاله، وتتناثر أشلاؤه، وتستنزف دماؤه وهو يشدو وينشد أناشيد الإسلام ... أناشيد القوة الفاضلة، والعدل الأمين بكلام الله المبين وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: ١٢] وهكذا يردد المؤمنون الآيات الكريمة، ويتلونها حق تلاوتها، علما وعملا، ويفهمون معانيها وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩] . كما كان ينشد السلف، وهكذا يفعل الخلف، آيات من الكتاب المبين، والذكر الحكيم، والطريق المستقيم، وبه الهداية، وفي غيره الغواية. وهكذا فهم الجميع، كلّ المسلمين، دوما مثلما يستلهمون كتاب الله ، وحديث الرسول الكريم ﷺ يتمثلونها، ويتعلمون منها مسالكهم، فهم يستنبطون ويستنبطون من معانيها ومبانيها ما يترسّمون وما يفعلون وما يقولون «١» :

стр. 315

والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا إنّ الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا * الخلوص الكامل لله: فكيف يمكن للمسلم أن يدين في صلاته، أو بالعبادة لله شمولا واكتمالا، ويتجه إلى غيره في قوانينه وتفكيره وتصوراته وولائه وإرضائه، ومن يفعل ذلك يكون قد قصر في حق الألوهية، والربوبية لله، والعبودية له ، وذلك واضح في القرآن الكريم «١» . وحين قدم عديّ بن حاتم «٢» على رسول الله ﷺ ليسلم، فدخل المسجد ورسول الله ﷺ يقرأ في وصف أهل الكتاب قول الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: ٣١] . فقال عدي: إنهم لم يعبدوهم! فقال ﷺ : «بلى، إنهم حرّموا عليهم الحلال، وأحلّوا لهم الحرام، فاتبعوهم: فذلك عبادتهم إياهم» «٣» . فلا يصحّ للمسلم أن يقف من الإسلام ودائرته بعيدا، ويسلك دوما سبيل الضعف، فهؤلاء لا يقيمون الآفاق الإسلامية، ولا دولة الإسلام، ومجتمعه، وحياته، فكيف بمن لم ينكر الباطل قلبه أو والاه وأيده؟!

стр. 316

إنّ الذين أقاموا الحياة الإسلامية، أولئك الذين هاجروا إلى الله هجرة كاملة، هاجرت نفوسهم التي خلّصوها من درن الدنيا، فافتدوا شرع الله بكل شيء، وجاهدوا عمرهم له محتسبين ... تربعوا أمام القرآن مأدبة الله الإلهية، ويقودهم حادي الإنسانية، وهاديها محمد ﷺ ، ويعلمون أنّ الضّياع لمن ارتضى غير كتاب الله منهجا ودستورا وغير رسول الله ﷺ زعيما: نبيا ورسولا، وهو كذلك. * الإسلام هجرة وبيعة: لقد كانت الهجرة بيعة، تجاوزت حد الانتماء الاسمي أو الأرضي، وإن قصة مهاجر أم قيس غير مجهولة «١» . بل حتى التعبد في الصلاة، مع ترك ما عداه يجعل ذلك حجّة على صاحبه ومسؤولا، فلا ينفع المسلم أن يؤدّي صومه وصلاته، ويفي حجّه وزكاته، وليس بعد ذلك من شيء، بل إنّ ثمار ذلك أشياء تجعله أكثر قربا إلى الله، وهجرا لما عداه. ومن لم يهجر مبادئ الأرض، ويرفض كلّ غير شرع الله لا يمكن أن يهاجر إليه، والرسول ﷺ يقول: «من لم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية» «٢» . فلا يمكن أن تكون الهجرة إلى الله، وصاحبها مثقل بالعصيان، ومؤتزر

стр. 317

بالآثام، وخامل في طريق الالتزام، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم «١» ، وفي كل الأحوال. * الإسلام وطن وقومية: وتشير الهجرة إلى أن الإسلام لا يعرف وطنا ولا قوما بعينهم، يكون حكرا عليهم، فالقوم في الإسلام هم المسلمون، والوطن فيه الذي ترتفع على قممه شامخات: راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، يعمل المسلم على امتدادها حيث استطاع. ويوم كان الجيش الإسلامي يتجه نحو القسطنطينيّة سنة خمسين للهجرة، وحضرت الوفاة أبا أيوب الأنصاري «٢» كان من وصاته: طلب من

стр. 318

المسلمين، وقائدهم حمل جثته- بعد الوفاة- إلى داخل أرض الروم ما استطاعوا، ليدفنوه هناك، ثم ليعملوا على فتح تلك الأرض، ففعلوا. فدفنوه عند القسطنطينية «١» . ولشدة عشقه للجهاد، وخدمة الإسلام أراد أن يحيا مجاهدا، ويموت شهيدا، ويستمرّ أثره في الجهاد، لا سيما حين أحسّ بالموت خارج المعركة.

стр. 319

ولتربية المسلمين على هذا المعنى كان كل ذلك بينهم معروفا، وبه تأسّى سميّ أبي أيوب: خالد بن الوليد «١» ، حين مات على فراشه، واعتبر ذلك موتة الجبناء «٢» . فالمسلم معناه أن يسعى حثيثا لخدمة الإسلام- وهو كل حياته- حتى لو اقتضى أن يموت شهيدا، يا بني الأحداث، وينيرها بهذا الدين، لا يتخلف عنه بل يعشقه، ويسعى إليه. والمسلم يقيم أموره كلها على الإسلام، باتّساق وانسجام. وهذا ما كان في التربية التي قادت إلى الهجرة، قامت بالانقياد إلى شرع الله . أيها المؤمنون! فلنمض في الطريق إلى الله، مهاجرين إليه بشرعه، هاجرين لكل فكرة وخلقية وزعامة غير الإسلام ومنهجه وغير رسول الله ﷺ

стр. 320

نبينا المجتبى، وأسوتنا الحسنة، وحادي الهداية دوما للبشرية أجمعين. إن الذي كان يسلم- في العهد المكي- يرى ويعرف مقدما ما سيصيبه من عذاب وحرمان، ويغدو أرملا بعد أن يكون أرفلا. وفي العهد المدني يعلم ما يترتب على ذلك، تضحية وإقداما، ورضوا بكله بمحبة جامحة، وسعي حثيث، ورغبة متدفقة، مقبلة، قوية مسرعة أبية. فموكب الهجرة دائم، حيث تبقى مهاجرا إلى الله، وتموت مهاجرا، مناديا: يا رباه! نداء يجمّل الحياة، وينميها، ويمنحها، ويعطيها، بنظر يرافقه ويناغيه، فلا يصارعه أو يباهيه. فهو ليس في صراع مع الكون والحياة، بل مع الباطل وأهله، يأتي الحق لمواجهته ليزهقه، وليا بني حضارة الإنسان، وينير دربه، ويسدد خطوه. * الهجرة هجرة ونصرة: لم تكن الهجرة خطوات لقطع طريق خطر، والنجاح في التخلص من مطارد، للوصول إلى مكان آمن، أو النجاح بانتقال مجموعة، من موطن إلى آخر جديد، إنما هي الخلوص لله والتضحية بالنفس، وكل شيء، من أجل الإسلام، فلولا الهجرة إلى الله لما كانت الهجرة، ولما كانت النصرة، فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [الحشر: ٢] . وإذا تلاقت الهجرة والنصرة، فالكل في نصرة، والكل في هجرة. وأدرك أولئك أنه لا بد أن يكون للإسلام وطن، وللشريعة سكن، فكان مرة، ولا بدّ أن تكون له الكرة، إن شاء الله. ولعل القرن الخامس عشر يمثل باب الهجرة إن شاء الله، فيكون القرن الرابع عشر أشبه بالعهد المكي، والقرن الخامس بالعهد المدني، نبني به الحياة الإسلامية، ومجتمع الإسلام، وقيام آماله. فهي هجرة: بين- من وإلى- حياة الجهاد والمجاهدة والاصطراع، إلى قرن تقوم فيه خلافة الإسلام ودولة الإسلام، إن شاء الله تعالى وبعونه ومنّه،
следующие страницы →