إنّ الذين أقاموا الحياة الإسلامية، أولئك الذين هاجروا إلى الله هجرة كاملة، هاجرت نفوسهم التي خلّصوها من درن الدنيا، فافتدوا شرع الله بكل شيء، وجاهدوا عمرهم له محتسبين ... تربعوا أمام القرآن مأدبة الله الإلهية، ويقودهم حادي الإنسانية، وهاديها محمد ﷺ ، ويعلمون أنّ الضّياع لمن ارتضى غير كتاب الله منهجا ودستورا وغير رسول الله ﷺ زعيما:
نبيا ورسولا، وهو كذلك.
* الإسلام هجرة وبيعة:
لقد كانت الهجرة بيعة، تجاوزت حد الانتماء الاسمي أو الأرضي، وإن قصة مهاجر أم قيس غير مجهولة «١» . بل حتى التعبد في الصلاة، مع ترك ما عداه يجعل ذلك حجّة على صاحبه ومسؤولا، فلا ينفع المسلم أن يؤدّي صومه وصلاته، ويفي حجّه وزكاته، وليس بعد ذلك من شيء، بل إنّ ثمار ذلك أشياء تجعله أكثر قربا إلى الله، وهجرا لما عداه.
ومن لم يهجر مبادئ الأرض، ويرفض كلّ غير شرع الله لا يمكن أن يهاجر إليه، والرسول ﷺ يقول: «من لم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية» «٢» .
فلا يمكن أن تكون الهجرة إلى الله، وصاحبها مثقل بالعصيان، ومؤتزر
стр. 317
بالآثام، وخامل في طريق الالتزام، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم «١» ، وفي كل الأحوال.
* الإسلام وطن وقومية:
وتشير الهجرة إلى أن الإسلام لا يعرف وطنا ولا قوما بعينهم، يكون حكرا عليهم، فالقوم في الإسلام هم المسلمون، والوطن فيه الذي ترتفع على قممه شامخات: راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، يعمل المسلم على امتدادها حيث استطاع.
ويوم كان الجيش الإسلامي يتجه نحو القسطنطينيّة سنة خمسين للهجرة، وحضرت الوفاة أبا أيوب الأنصاري «٢» كان من وصاته: طلب من
стр. 318
المسلمين، وقائدهم حمل جثته- بعد الوفاة- إلى داخل أرض الروم ما استطاعوا، ليدفنوه هناك، ثم ليعملوا على فتح تلك الأرض، ففعلوا.
فدفنوه عند القسطنطينية «١» . ولشدة عشقه للجهاد، وخدمة الإسلام أراد أن يحيا مجاهدا، ويموت شهيدا، ويستمرّ أثره في الجهاد، لا سيما حين أحسّ بالموت خارج المعركة.
стр. 319
ولتربية المسلمين على هذا المعنى كان كل ذلك بينهم معروفا، وبه تأسّى سميّ أبي أيوب: خالد بن الوليد «١» ، حين مات على فراشه، واعتبر ذلك موتة الجبناء «٢» .
فالمسلم معناه أن يسعى حثيثا لخدمة الإسلام- وهو كل حياته- حتى لو اقتضى أن يموت شهيدا، يا بني الأحداث، وينيرها بهذا الدين، لا يتخلف عنه بل يعشقه، ويسعى إليه. والمسلم يقيم أموره كلها على الإسلام، باتّساق وانسجام. وهذا ما كان في التربية التي قادت إلى الهجرة، قامت بالانقياد إلى شرع الله .
أيها المؤمنون! فلنمض في الطريق إلى الله، مهاجرين إليه بشرعه، هاجرين لكل فكرة وخلقية وزعامة غير الإسلام ومنهجه وغير رسول الله ﷺ
стр. 320
نبينا المجتبى، وأسوتنا الحسنة، وحادي الهداية دوما للبشرية أجمعين.
إن الذي كان يسلم- في العهد المكي- يرى ويعرف مقدما ما سيصيبه من عذاب وحرمان، ويغدو أرملا بعد أن يكون أرفلا. وفي العهد المدني يعلم ما يترتب على ذلك، تضحية وإقداما، ورضوا بكله بمحبة جامحة، وسعي حثيث، ورغبة متدفقة، مقبلة، قوية مسرعة أبية.
فموكب الهجرة دائم، حيث تبقى مهاجرا إلى الله، وتموت مهاجرا، مناديا: يا رباه! نداء يجمّل الحياة، وينميها، ويمنحها، ويعطيها، بنظر يرافقه ويناغيه، فلا يصارعه أو يباهيه. فهو ليس في صراع مع الكون والحياة، بل مع الباطل وأهله، يأتي الحق لمواجهته ليزهقه، وليا بني حضارة الإنسان، وينير دربه، ويسدد خطوه.
* الهجرة هجرة ونصرة:
لم تكن الهجرة خطوات لقطع طريق خطر، والنجاح في التخلص من مطارد، للوصول إلى مكان آمن، أو النجاح بانتقال مجموعة، من موطن إلى آخر جديد، إنما هي الخلوص لله والتضحية بالنفس، وكل شيء، من أجل الإسلام، فلولا الهجرة إلى الله لما كانت الهجرة، ولما كانت النصرة، فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [الحشر: ٢] .
وإذا تلاقت الهجرة والنصرة، فالكل في نصرة، والكل في هجرة.
وأدرك أولئك أنه لا بد أن يكون للإسلام وطن، وللشريعة سكن، فكان مرة، ولا بدّ أن تكون له الكرة، إن شاء الله.
ولعل القرن الخامس عشر يمثل باب الهجرة إن شاء الله، فيكون القرن الرابع عشر أشبه بالعهد المكي، والقرن الخامس بالعهد المدني، نبني به الحياة الإسلامية، ومجتمع الإسلام، وقيام آماله.
فهي هجرة: بين- من وإلى- حياة الجهاد والمجاهدة والاصطراع، إلى قرن تقوم فيه خلافة الإسلام ودولة الإسلام، إن شاء الله تعالى وبعونه ومنّه،
стр. 321
فهي تماثل بالمعنى الأساس لكل هجرة، يقوم بها الذين هاجروا إلى الله تعالى على الدوام.
فهذا مصعب بن عمير «١» ، زين شباب أهل مكة، جمالا ودلالا ونعمة وقوة وفتوة وعبثا ولهوا وغنى وزهوا، مضرب المثل بما يلبس، ويتزين، ويتطيّب كذلك تماما.
وحين أسلم حرمه أهله من كل ذلك، وقاوموه، فاستغنى، واستعالى،
стр. 322
واستغلى. وهو بالإسلام أغنى وأعلى وأغلى، فرضي به مسرورا، وعاش فقيرا، من ذلك محروما.
وكان من المهاجرين إلى الحبشة في المرتين، والمهاجر الأول إلى المدينة المنورة، ومعلّم القرآن إلى أهلها.
اختاره رسول الله ﷺ لذلك، واشترك في الأحداث والمعارك، وكان حامل لواء المسلمين في بدر وفي أحد، قطعت يده اليمنى، فحملها باليسرى، وقطعت فاحتضنها، ثم استشهد وهو لا يملك شيئا من الدنيا؛ حتى ولا بردا، يغطّي جسمه كله، فإذا سحبوه على رأسه ظهرت رجله، وإذا غطيت رجله تكشف وجهه، وجه الجهاد على أرض الجهاد، مهاجرا إلى الله في الحياة وحتى الممات «١» .
وحين أطل رسول الله ﷺ يتفقد الشهداء رأى مصعبا، فقال: «لقد رأيتك بمكة وما بها أحد أرقّ حلّة، ولا أحسن لمّة منك، ثم أنت شعث الرأس في بردة» «٢» .
نقول هذا لكل مسلم، وللشباب خاصة، ليسلكوا هذا المسلك في حياة الإنسان المسلم العزيز الحر الكريم الرباني الوضئ.
* الحق قادم بأهله:
فأين لي بأولئك الذين لا يتقدم عندهم حبّ على حبّ الله ورسوله، لا يحبون إلا الله، ولا يوالون إلا من والى الله ووالى رسوله ﷺ ، ويكرهون أن يحيوا خارج الإسلام ولو لحظات «٣» . والحرق بالنار والضرب بالأحجار
стр. 323
والتعليق على الأشجار والتغريق في البحار أهون عليهم، وأطيب إليهم.
وهم قادمون إن شاء الله تعالى ليقيموا الحياة الإنسانية.
فمن تكن كلمات الله حجّته ... فلن يهاب من الدنيا وما فيها
إنني ألمحهم في الآفاق من حولنا والبقاع في كل مكان، يتنادون بالإسلام، مستعدين للتضحية في سبيل الله، وقد جرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا [الأحزاب: ٢٣] .
وفي الماضي بدأ الإسلام غريبا «١» ثم انتشر، فكانت الهجرة ثم كانت الدولة والخلافة، رعت الجهاد، وحملت الراية، واستمر الإسلام في الامتداد، وما زال اليوم، بعد ذهاب الخلافة، يمتد وحده رغم كل ما يرصد له على أيدي الأعداء، وما أكثرهم.
ولكن ما تزال لهذا الدين جولات وصولات وأدوار يؤديها في تاريخ البشرية، ظاهرا بإذن الله على الدين كله وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ
стр. 324
دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [النور: ٥٥] .
وذلك لوعد الله الذي لا يقف في وجهه كيد الكائدين ولا قوة المضلين يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف: ٨- ٩] .
وإنه لوعد حق، منجز، منصور، مكتوب: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥] . فالحمد لله على نعمه، وأكبرها كلها نعمة هذا الدين العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: ٢١] .
стр. 325
المبحث الثامن الهجرة (النبوية) بيع وبيعة
* بداية وافتتاح
* الإسلام كبرى النعم
* ولادة الإنسان الجديد
* دعوة اليقظة والارتقاء
* تقدم الركب الميمون
* حمل الراية المباركة
* ذلك الجيل الفريد
* قوة التضحية والفداء
* الإقبال خفافا وثقالا
* لقاء الهجرة والنصرة
* واجب الشباب الطلاب
* تضحيات فائقة رائقة
стр. 326
* بداية وافتتاح:
حمدا لله، وصلاة وسلاما على رسول الله ومن والاه، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً [الكهف: ١] أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الصف: ٩] نعمة ومنّة وفضلا، بيّن للناس دين الله، وفيه سعادة الدارين، فدعاهم وبصّرهم، فامن من آمن، وضلت عنه أقوام لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال: ٤٢] .
* الإسلام كبرى النّعم:
الحمد لله الواحد المنعم، أسبغ على الإنسان نعمه، ظاهرة وباطنة، شرّفهم بالعبودية له، يدين بهذه العبودية لله وحده . وهي أعلى مقام للإنسانية، توحيدا خالصا، عقيدة للضمير، وتفسيرا للوجود، ومنهجا للحياة، حياة مستمرة تقود إلى جنّة عرضها السموات والأرض.
فكانت نعمة هذا الدين أكبر نعمة، أنزله- برّا وعدلا وصدقا وحقا وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً [الإسراء: ١٠٥] فكل ما عداه باطل وفاشل وشاغل، ضال ومضل وممل فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٢٥] .
بعث به البشير النذير، وريث موكب الأنبياء، ليحدو قافلة الإنسان المؤمن، خليفة في أرض الله، يعمّرها بدينه، وينيرها بشرعه، ويقيم حضارة الحق باتّباعه. يقيّض الله لهذا الدين من ينصره، والرسول الكريم ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم (ولا من خالفهم) حتى يأتي أمر الله وهم كذلك
стр. 327
(على ذلك) » «١» . وهذا حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
فغدت نعمة الإسلام كبرى نعم الله على الإنسان- وما أكثر نعمه- لينتزع البشر من مخالب الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن عبودية البشر للبشر، ويعبّدهم لله رب العالمين. فله الأمر، وله الحكم، وإليه المرجع وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ [الرعد: ٣١] وليبدّل واقع الأرض، وتصوّرات الإنسان، على غير مثال، ولا مطالبة، ولا اصطراع، أو إبدال.
تشقّقت حجب الظلام، وتحطّمت الأوثان، وتحرّر الإنسان، من العبوديات والجاهليات، حين نزلت آيات الله، منذ فجر حراء المبارك. آمن بالله تعالى إيمانا، جعله حيا بعد موات، فأشرقت بصيرته بنور الله، فرأى الكون والحياة رؤية حقيقية، كما لم يرها من قبل أبدا، ولم تخطر له على بال، ولم ترد على قلب بشر بأيّ حال «٢» ، بعد أن عبّد نفسه لله رب العالمين، عبودية للخالق، جعلته في أعلى مقام الإنسانية.
* ولادة الإنسان الجديد:
وتوالت آيات الله، فكانت إعلانا عن ولادة الإنسان الجديد، إنسان
стр. 328
الحضارة الحقة، إنسان العبودية الحقة، لله رب العالمين. وهو إنسان الحرية الصادقة، لا زيف يخرقها، أو يحبكها، أو يحلكها، وإنسان التقدمية الأصيلة، لا دجل يخنقها، يرث سعادة الدنيا والآخرة، كما بين وعد الواحد الأحد في قرآنه الكريم الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢] وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: ١٢٢] .
والإسلام- كبرى نعم الله- أنزله دواء وضياء وشفاء وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً [الإسراء:
٨٢] ، وصلاة وسلاما على النّبي الكريم، وصاحب الخلق العظيم، دعا إلى الله فاهتدى به إلى طريق الله الحق أقوام أنقذها من الشّقوة والكبوة في الدنيا والآخرة، فكانوا من أهل السّيادة والسعادة والشهادة. وحماهم من النار، فكانوا من أهل الفوز والفلاح إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩] ، وضلت عنه أقوام وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠] . أصرّت على الضلال- وا أسفاه- ف لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة: ٢٥٦] فشقت دنيا وأخرى، فالله تعالى يتولّاهم، وجزاء المؤمنين الجنّة، وجزاء الضالين جهنم، وهو جزاء الكافرين «١» . ونسأل الله تعالى الهداية لنا وللخلق أجمعين، والإنقاذ من الغواية، إنه على ما يشاء قدير.
стр. 329
* دعوة اليقظة والارتقاء:
طلع النهار فقام النبيّ المختار ﷺ ، ينادي بايات الله، أنزلها عليه وحيا كريما، وقرآنا عظيما، نصّا ومعنى من عند الله تعالى وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشعراء: ١٩٢- ١٩٤] .
أنزله على قلبه ابتداء من يوم حراء، تبعته القلة المؤمنة فكانت قطر عين صفاء، وينبوع ارتواء زلالا، حتى صارت نهرا، يهدر هدرا، يجرف كل عائق، يزيله صخرا، ويدحرجه حجرا، حفّت بذلك الأهوال، وإنفاق المال، وتقديم الأنفس من النساء والرجال والأطفال.
استمر الحادي البار، والهادي المختار، يقود موكب النور، فاهتزت به نفوس، واستنارت قلوب، حين صحا فيها إنسانها من رقدة، ونهض من كبوة، وأطل من كوة، على الضياء، يحمل مشعله ونبراسه هاديا، وهو الهادي الأمين، رسول الله ﷺ ، ويرفع لواءه عاليا، وينشده ويرنّ صوته مدوّيا، بايات الله البينات لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١] .
حملها الحبيب يجوب بها دروب مكة وما حولها ليل نهار، ويجول أحياءها وسهولها (السهل) وجبالها (الجبل) وصخورها، وينادي أبناءها وقبائلها، ويرتاد أسواقها، ويغشى اجتماعاتها ومجتمعاتها، أهل مكة أمّ القرى وما حولها، ويأتي أسواق العرب ومواسمها قائلا ومناديا فيهم:
«يا أيها الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» «١» .
سرت الحياة في نفوس آمنت، واهتدت، وباعت نفسها لله، وبايعت
стр. 330
على الطاعة والفداء، تتحرك بشرعه، وتقبل على أمره.
* تقدم الركب الميمون:
لحق بركبه الميمون المؤمنون، باعوا أنفسهم لله، ونصروه نصرا مؤزرا وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٦] فلم يتخاذلوا، لزموا غرزه «١» ، ففازوا. وفي سبيل الله سقط على الطريق شهداء، من الرجال والنساء، شيبا وشبانا وأطفالا «٢» .
بدأ الركب الميمون السير قويا منطلقا، يقوده خاتم الأنبياء والرسل الكرام، عليه وعليهم الصلاة والسلام، ابتداء من يوم حراء.
اهتزت الأحجار بغاره فرحانا ... جاء الأمين يرتّل القرآنا
يوم نزول القرآن، نزول الماء إلى الأرض، يحييها ويخصبها ويملؤها بالبركات، وسيبقى كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فهو وحده المنقذ من الشّقوة والكبوة، تستهلك العالمين بدونه، وبه لا بغيره يسعد الإنسان أيّما سعادة في الدنيا والآخرة.
رقص الكون فانهمر ... سال سيله نهر
طرب الكون وانتشى ... أخضر وجهه نضر
وتغنّت بقاعه ... حين صابها المطر
أخضر الماء عينه ... وغدا ثاقب النظر
والحياة جديدة ... إنسانها قد انبهر
стр. 331
ماذا جرى في كوننا؟ ... جاءه هادي البشر
حين دعا محمد ... إلى الحياة واشتهر
يوم نادى كل الورى ... إلى الله بلا ضجر
الله أنزل شرعه ... وحي به قد انهمر
لصبره احتارت قريش ... جهاده كان الأغر
جاء بها نبوة ... وللحق بها ظهر
بدعوة الله قائم ... بالغا قمة الفخر
فانبرى يوقظ الورى ... تتهاوى عنده الشرر
وتحالفت في حربه ... كلّ البغاة وانحصر
شدّت عليه مطارقا ... ومحارقا لا مدّخر
والأقربون تنافسوا ... في بغيهم كانوا الأشر
لكنه حمل اللواء ... به اقتدى ذوو الخير
كان أمضى من الرياح ... كان أقوى من الصخر
فاستنارت به النفوس ... فهو أسنى من القمر
رفع الحقّ صوته ... ضياؤه قد انتشر
والطواغيت تندب ... مجدها باء واندثر
كل قوم لهم إله ... عبدوه وهم حجر
ذهب الظلم وانطوى ... تحت الثرى قد انقبر
حل عدل مكانه ... غصونه تدني الثمر
ملأ الأرض نفحها ... تنشر فوقه الدرر
ومضى يحمل الزمان ... ويداوي بني البشر
قائدا موكب الحياة ... ويعاني فتنة الزّمر
لا يبالي مهما التوى ... دربه حالك السّير
حتى انطوى قبيله ... على ارتخاء وانقعر
حين لانت قناتهم ... فاستبيحوا من الغجر
يوم هابوا عدوّهم ... يوم هانوا على الصّغر
стр. 332
يا بني الجيل نهضة ... تنفض عنكم الغبر
يا صحابا بصيحة ... توقظ كل من هجر
هذا الكتاب نداؤكم ... فاسرعوا غير معتذر
فهو فيه سعادة ... وحده، كل من حضر
به النفوس كريمة ... تبتني كلّ مزدهر
به العيون قريرة ... ترقى الفضائل وانتصر
* حمل الراية المباركة:
حمل رسول الله الحبيب ﷺ راية الموكب المبارك، ينادي الناس عليه، ويدعو إليه، فجّرت آيات القرآن المنزّل عليه، ينابيع الخير، ووفرتها وصاغتها، يتلوها ﷺ ندية قوية، تشقّق بها الظلمات، وتشرق بها الآفاق، ويحيا بها الوجود. واستمر داعيا يجلجل بها صوته المدوّي في دروب مكة وشعابها، حداء ماله مثيل، ولا بديل، ولا غيره دليل، يضيئها بنور الله المبين وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠] .
وصلت قلوب المؤمنين بالله، تملأ جنباتها أشعته، يوقظ النيام والسّكرى السّادرين هديرها، تنشده الفئة المؤمنة، مقتدية بالرسول الكريم ﷺ . أيقنت وانطلقت مؤمنة بقوتها الإيمانية الربانية، موصولة بالله القوي العزيز. آمنت به ﷻ ربا معبودا واحدا أحدا لا إله غيره ولا مالك سواه، ولا حاكم دونه، ولا مشرّع إلا إيّاه. إنه البيع الخالص لله، بلا خلف ولا أنصاف أبدا.
واستعراض السيرة الشريفة يقدّم ذلك واضحا لكل المسلمين، نساء ورجالا. وانظر من شئت وما شئت وتمثّل بمن شئت، ولا بد أن نمثل ونتمثل. فهذا الطفيل بن عمرو الدّوسي (الشهيد أبو الشهيد) ، أسلم في العهد المكي، وباع نفسه وحياته للإسلام، دعا إليه وجاهد من أجله
стр. 333
وحماه، حتى استشهد في حرب اليمامة أوائل سنة (١٢ هـ) «١» .
стр. 334
* ذلك الجيل الفريد:
فارتفعت به هامات، كانت متهطّلة في الجحور، بعين الشّقوة والخمور، متدلية بين الأوثان، فغدت بالله عزيزة، فما عادت تنحني لغيره، وتساوت في ظل الإسلام الرؤوس، كانت متعالية فارغة أو متسافلة متمرغة، فما رضيت الخضوع لغير شرع الله، وتحررت من كل أثقال الأرض، لتطير إلى عليين، في هذه الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [غافر: ٥١] .
وتحطمت الطواغيت والأوثان، ومن كل الألوان، فأشرقت الأرض بنور الله رب العالمين. فكل ما عداه باطل، ومهلك مضلّ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام: ١١٥] .
إنه لفريد وعجيب ومدهش ذلك الجيل؛ الذي تربى على مائدة القرآن، ونهل من فيضه، وأترع من نهره، بيدي رسول الله ﷺ وتربيته وأسوته، فارتدى ذلك، واكتساه، واحتذاه.
وعلى دربهم سارت ما تلاه من أجيال، وحتى اليوم والمستقبل على الدوام إن شاء الله تعالى، تربّت على الدعوة الإسلامية، وتعلمت أنّ الإسلام بيعة. ومنذ قبله، ودخل دائرته، وحمله باع نفسه لله إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: ١١١] ، كل بمقدار إقباله وإخلاصه وتضحيته والتزامه وإقدامه.
وبهذا يقام مجتمع الإسلام، يسير على ذلك المنهج الكريم الذي عليه ربّى رسول الله ﷺ أصحابه، بما أوحى الله له وعلّمه، قرآنا وسنّة وسيرة.
يقبلون عليه لا يتخلفون، ويفرحون بما يقدّمون، يسترخصون من أجله كل ما يملكون.
стр. 335
تجدون النماذج الكثيرة الوفيرة، من كل لون وميدان وتخصص، في العصور الإسلامية المتلاحقة، كلها تتضافر لإظهار هذه المعاني المثلى، قائمة في حياة المجتمع، تجتذب الناس، وتدعوهم إليه. وإذا حلّ الإيمان بهذا الدين الكريم- قلب إنسان، كانت ولادة جديدة رشيدة. وانظروا إلى بيعة العقبة كيف كانت وكيف كان أصحابها، وكيف كان استعدادهم الرفيع للبذل من أجل هذا الدّين «١» .
ثم كانت الهجرة، والتقى أهل الهجرة بأهل النصرة «٢» ، بعد أن حمل الطريق خطواتهم السارّة البارة، هجرة عن الوطن من أجل الدعوة إلى الله، وحمل الأمانة، وتبليغ الرسالة، وهو أمر فريد «٣» .
стр. 336
* قوة التضحية والفداء:
من أجل العقيدة تركوا كلّ شيء، فرحين بنصرتها، وإعلاء رايتها، وقدّم أهل النصرة كل شيء لهم، أخوّة في الدين، وإخلاصا لله رب العالمين، فوطن المسلم حيث يستقر دينه، وتقوم دولته، وتنتشر دعوته.
هذا المستوى واللون لا يأتي بكثرة العلم اللساني، بل العلم القلبي الرباني؛ الذي قيضه الإيمان بالله رب العالمين وعمّقه حبّ هذا الدين ومعرفته. ولا يتم بالمنصب والمال، فليس ذلك مورده ولا سنده، ولا يأتي من بابه، بل بالارتباط الوثيق بالله تعالى، يمتلىء القلب المؤمن به ليثمر عملا صادقا صالحا وماء من العين صافيا، ولا تقبل صدقة من ريّ بل بطاعة الله تعالى والعمل على رضاه بشرعه. وانظر إلى ما عمله، وقدمه، وبلغه عموم الصحابة الكرام «١» .
فصدق التوجّه في الإيمان قوة تفتّق كل شيء خيرا وهو مختوم، وتفجر الينابيع الثرة، وكانت مغلقة، وتنبت كل طاقة فاضلة غائبة أو موقوفة،
стр. 337
تقيم البناء، وتربو الحياة بنصر الله وتأييده، يتوجّه إلى الله يرجوه القبول.
أحزان قلبي لا تزول ... حتى أبلّغ بالقبول
وأرى كتابي باليمين ... وتقرّ عيني بالرّسول
فكم من مجاهد سعى يبحث متلهّفا عن الشهادة حثيثا فرزقها، أمنية عزيزة ألذ من شهد، وأحفل من زفاف. وشهيد استعد لها، وتمنّاها، ووجد ريحها، وتمنى أن يعود، ويقتل فيعود، ويقتل فيعود، كانت ثيابه كفنا قصيرا لا تغطيه مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٢٣] .
وكم من عين رخص ماؤها، وأخرى ذهب بصرها في سبيل الله، وجزء من بدن مجاهد ترك في ميدان المعركة بعيدة، سابقة صاحبها إلى الجنة، وجسد كثرت فيه الطعان تجاوزت جروحه العشرات يغبطه فيها ومنها، السليم المصاب.
إنها بيعة دائمة، وعهود قائمة .
فانظروا ماذا صنع خبيب، وماذا طلب قبل الموت «١» : الصلاة.
وعمر بن الخطاب يوم طعن عمّ سأل: عن الصلاة «٢» .
هجروا كل شيء، وهاجروا إلى الله، باعوها (النفس) له، وبايعوا عليها. أقبلوا عليه بخلوص وصفاء، ملك عليهم الحياة، وتخلوا عن كل ما عداه، من منصب ومال وزعامة وجاه، إذ لا حياة ولا جاه إلا بالإسلام، وكانت لهم النّصرة والنفرة في كل الأحوال.
* الإقبال خفافا وثقالا:
ذكر عن أحدهم أنه قال: وافيت المقداد بن الأسود- فارس رسول الله
стр. 338
صلى الله عليه وسلم- جالسا على تابوت (صندوق) من توابيت الصيارفة، وقد فضل عنها من عظمه: أريد الغزو، فقلت له: قد أعذر الله إليك، فقال: أبت علينا سورة البعوث (التوبة) انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا [التوبة: ٤١] «١» . وفهم أن ذلك محفوف بالأهوال خفّت وبذل المال، وتقديم الأنفس إحقاقا له، وإعلاء لشأنه، نساء ورجالا، شيبا وأطفالا. وكان هذا أمنية «٢» يسعون إليها، ويضرعون إلى الله في تحقيقها في كل طور، وما أكثر الأمثلة «٣» !
هبّت نفوس أحياها الإيمان، وأشرقت جوانبها، وأضاءت جوانحها بالهداية، فباعت نفسها لله، وبايعت على الطاعة والفداء تتحرك بشرعه تدور مع القرآن حيث دار «٤» ، ولا تخاف في الله لومة لائم «٥» .
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا «٦»
وتقدّموا على الطريق يحملونه بأرواحهم، ويغسلونه بدمائهم شهداء، يتمنون على الله أن يعادوا لمثله «٧» . وانظر ماذا فعل ثابت بن قيس سيد الخزرج «٨» في حرب اليمامة تحنط وتكفن وخطب في المسلمين حتى أثخنته
стр. 339
الجراح، فذهب شهيدا، وفاز بالشهادة.
عجيب ذلك الجيل الكريم، وما تلاه من أجيال سارت على الدرب المنير، وكذا الآن وفي كل آن والمستقبل ما دامت تقتديه وتفتديه، تعلّقت بالله وعبدته بشرعه وعملت لرضاه، أملا وعملا، بنت الحياة منيرة معمورة متعالية منصورة «١» .
إذا حلّ الإيمان قلب إنسان كانت له بذلك ولادة جديدة رشيدة، وبيعة العقبة طليعة أهل النصرة.
ثم كانت الهجرة لتغرس على الطريق أزاهير المسك فوّاحة، بأقدامهم القوية خلال خطواتهم السّارة البارّة.
هجروا الموطن وما فيه وهو عزيز، ولاحتضانه البيت العتيق، من أجل الدعوة إلى دار الهجرة، إشارة إلى أن موطن المسلم حيث تكون دعوته، وتقوم دولته وأهله وقومه؛ الذين يعيشون فيه بها وله، فهم إخوانه والمعسكر الذي ينتمي إليه، وهم فئته وأمته من دون الناس، وسماعها ذكر اسم الله تعالى.
هاجروا إلى المدينة أرسالا وفي أحدها مجموعة فيها عمر بن الخطاب، وسالم «٢» مولى أبي حذيفة، كان يؤمّهم لأنه أحفظهم للقرآن. وفيه قال عمر: (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لوليته) «٣» (يعني: الخلافة) .
стр. 340
حتى جاء موكب الهادي المدينة مهلّلة مكبرة «١» .
طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع
وجب الشّكر علينا ... ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع
جئت شرّفت المدينة ... مرحبا يا خير داع
فالتقى أهل الهجرة بأهل النصرة أخوّة في الله وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٢- ٦٤] . ذلك الجيل الفريد تربّى على مائدة القرآن وسيرة الرسول الكريم ﷺ ، وكذلك حين يفعل أي جيل. وانظر إلى ما صنعوا هم وغيرهم ممن أتى بعدهم، وكلهم كانوا كذلك ويكونون بعون الله تعالى، وعلى مدار التاريخ. فهذا سعد بن معاذ، وموقفه العظيم في بدر والخندق وفي الحياة الإسلامية كلها «٢» ، وتعرّف إلى أي أحد منهم تجد في حياته عجبا، وقمة سامقة، ونموذجا باهرا.
أظهرت الهجرة- مثل غيرها من الأحداث الكثيرة الوفيرة- قوة الإيمان التي لا تقاس بالقوة المادية. وإن الله ينصر عبده، ويبعث له جنده، حتى ليقوم القليل منهم بما يواجه بهم الجيش الجليل، كما جرى في الغار والمعارك والفتوحات «٣» .
* لقاء الهجرة والنّصرة:
ووصل الركب الكريم مدينة النور والحبور «٤» ، واجتمع المهاجرون
стр. 341
والأنصار على الأخوّة في الله «١» ، وجرت أحداث عجيبة، ودوما كان كذلك، وهكذا يفعل دوما صدق التوجّه إلى الله- إيمانا واحتسابا- ينشئ طاقة جديدة تقوم هي أيضا، قوة تفتق الخير كله، بكل ما لديه، وتأخذ بها إلى قمة عليا، تقيم البناء، وتربو الحياة- بنصر الله وتأييده- متوجهة إلى الله تعالى، وترجو رضاه.
إن الذين حملوا الإسلام، وهاجروا به ونصروه، نراهم نعم القدوة، لا لأنهم أكثر علما- مع أهميته وضرورته- أو خلفوا لنا الكتب، بل لأنهم تربوا على القرآن وسيرة رسول الله ﷺ فأحيا ذلك نفوسهم، وأنار قلوبهم، وملأ كيانهم.
كم هو جيد أن نحتفل بهذه المناسبات، في وقت حاول البعض تشويهها وطمسها ونسيانها، ولكن يجب أن يتجاوز اهتمامنا الاحتفال إلى الإقبال والعمل والإقدام. وكم من أناس وتجمع يحاربون الإسلام، ويحتفلون به، وهم أكثر ضيقا به من أعدائه، يغشونه، ويجهلونه، ويرفضونه.
نريد أن تحتفل به نفوسنا، وتتنوّر به أعمالنا، وتحفل به حياتنا؛ لتقوم الحياة الإسلامية، وترتفع راية شريعته، وتتثبت في الحياة أعلامه.
فالقرن الخامس عشر الأمل- إن شاء الله تعالى- أن يهيئ الله أمر دعوته وينجز ذلك بسنته؛ لتسوس الحياة، وتقيم شؤون الناس على حكمه، وهو أمر كائن إن شاء الله ولا شك فيه بعونه، إن لم يكن بنا فبغيرنا. وسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة: ٥٤] ، يحتضنون دينه، وينصرونه. وكل حرب له لا تفيد، فالخير قادم، والحق قائم، والنبع الجديد ماء الحياة سالم، وما يريد الله وصله لا ينقطع أبدا.
стр. 342
إنه دين النصر والانتصار في كل ميدان، والخير فيه وحده. وعدّة النصرة بيع النفس لله رب العالمين إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١١١] .
وانظر إلى صنع الصحابة- نساء ورجالا وأطفالا- في أي موقف، ازدانت بهم المواقف، وازدهرت بهم المواقع، وجملت بهم المواضع.
انظر إلى خبيب وجليبيب وسميّة «١» وغيرهم، وغيرهم كثير.
إن الذين حملوا الإسلام، وهاجروا به، ونصروه، تراهم نعم القدوة لأنهم تربّوا على مائدة القرآن، وعاشوا سيرة رسول الله ﷺ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١٠٠] .
فالمرجو لإقامة مثل هذه المناسبات أن تورث آثارا كريمة، تعين على البناء، بمثابة منافذ للنفس وسقيا للروح، تنعشها مباركة، لتنتقل هذه الأحفال بمعانيها إلى النفس الإنسانية ثم الى الحياة.
* واجب الشباب الطلاب:
أيها الأخوة الطلبة- وأستميح الأساتذة الكرام- أن أخصكم أولا ببعض كلمات، حتى لأحسب أنني أتكلم بلسانهم.
إن الشباب- في كل أمة- موئل قوتها، ومركز حركتها، وهذا لا يقلل من شأن من تجاوز هذه المرحلة، وقد عاشوها، فلهم السبق ومعهم التجربة والقيادة.
стр. 343
أيها الشباب الطلاب: ليس من بديل لهذا الدين عن التمسك والأخذ به والعمل بمنهجه، ففيه الغناء والغنى والتقى والقوة والمنعة والعزة. ولا قيمة لمال أو رفاه أو شباب ومنصب ومكانة بدونه. وجمال تلك الأشياء به، وبدونه تصبح نقما وبه تكون نعما. والعلم والتحصيل- في ظل الإسلام- شيء جدّ كريم، علم الصيانة والديانة.
فلنكن مثالا للشباب المتعلم المتفهم المستقيم، الملتزم بدينه، المتمثل بتعاليمه، العازم على نصرته. فهو يغنيه، وبه يكون التفاضل. وهذه النعم سيسألنا الله عنها، فاغتنموا شبابكم قبل الهرم، كما تحدث الرسول الكريم ﷺ «١» .
ونحن على أبواب قرن هجري جديد، ونرجو أن يكون للإسلام.
وبالإمكان أن يأمل الإنسان، ويتوقع من ذلك خيرا كثيرا، ولكن لا القرون ولا الاحتفال بها وحدها تكفي، وأهمية الزمن تكمن لما يتمّ فيه.
ففي ربع قرن من أول عمر الدعوة الإسلامية تم في الأرض عجبا.
فإذا أردنا أن يكون هذا القرآن يحكم في الأرض، أو أردنا أيّا من الأزمان أن يكون قرنا للإسلام وما بعده، فإن ذلك يتأتّى بتربية النفس على الإيمان، وحملها على الإسلام، وأخذها بشرع الله، إيمانا وتضحية وفداء. عند ذلك سيأتي نصر الله، وإنه لمن المؤمنين قريب، إذا وفّوا التزاماتهم، وأدّوا أماناتهم في أي شيء يشاء، وذلك ماثل إن شاء الله، ولكن- وتلك سنة الله- لا بد من توفر الجند، واحتمال كل جهد، والبذل من أجله.
стр. 344
* تضحيات فائقة رائقة:
فلا بدّ لهذا الأمر من تضحية تهون عنده الأمور، وتسترخص النفوس، ولا بد من الإقدام والبذل من أجله أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: ٢١٤] .
في ليلة قدم فارس إلى المدينة المنورة، ودفع باب أحد دورها برمحه، فخرج عليه شابّ دون التاسعة والعشرين من عمره، واستغرب وتعجّب كل منهما من الآخر.
أتدرون من هذا الفارس ومن هذا الشاب العالم؟ هو الأب الذي خرج للجهاد «١» قبل نحو تسع وعشرين سنة، يوم كان الشاب جنينا في بطن أمه.
وتعرفا على بعضهما، ولف الأب ابنه بذراعيه ذراع البطولة، وكان الابن من علماء المدينة يستمع الناس له بشوق.
جاهد الأب في ميدان القتال، وجاهد الابن في ميدان العلم، وكلاهما لحمل الإسلام، وحفظه، ونشره، ذاك يرعاه بسلاحه، وهذا يرعاه بعلمه وفقهه. وكلاهما صفحة لقرطاس حملن أن يكون عند واحد، وعند كليهما عند الآخر «٢» : «وإنّ العلماء ورثة الأنبياء» «٣» .
стр. 345
إن الأمر جدّ، ينتظم الدنيا والآخرة، فلا بدّ من سلوك الجد في أمر الدنيا والآخرة، ولا بد من التوجه إلى الله تعالى والأخذ بشرعه، ونبذ ما عداه. وإن كل نصر في الحياة وبعد الممات يأتي تاليا بنصرة العقيدة وانتصارها في النفس، ثم يأتي بعدها انتصارها في الحياة.
اللهم اجعلنا من العاملين بشرعك والدّاعين إليك، إيمانا عظيما، والمجاهدين في سبيلك، والحاملين مشاعل دعوتك ونور شريعتك، نحمل رايتها خفاقة، نعليها ونفتديها، واحفظ دينك، وأقم دعوتك دعوة القرآن، بأيدينا وأيدي هذا الجيل، وكل جيل من المسلمين، يمسكون قيادتها نحو الخير والبركة ينبوعا، يبنون مجتمعه المتحضّر، مثابة للناس كافة، ومهوى الأفئدة، وموئلا آمنا كريما لأهل الأرض أجمعين «١» .
اللهم أعزنا بكلمتك، وأعزّها بنا، وانصرنا بدعوتك، وانصرها بنا، وأقم شريعتك الغراء في حياتنا، واجعل مجتمعاتنا له حامية وبانية وحانية، واجعلنا من جنودك المخلصين، وهيئ لنا فرص خدمة هذا الدين، وقوّنا في أداء أمانته، آمين كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [البقرة: ٢٤٩- ٢٥٠] .
стр. 346
المبحث التاسع حقائق الهجرة (النبوية) ودعائمها
* مناسبات ذات دلالة
* قوة الإسلام ذاتية ربانية أودعها الله تعالى
* التسخير لهذا الدين
* الهجرة حب وحفظ
* النصر حليف الإيمان
* عجائب هذا التاريخ
* الإسلام ارتقاء وشموخ
* الإسلام تعامل وأخلاق
* الإسلام شفاء وبناء
стр. 347
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه.
يمضي عام وعام، والمسلمون يحتفلون بالهجرة- وغير الهجرة- من المناسبات الإسلامية «١» .
* مناسبات ذات دلالة:
إنه ليس معرضا خطابيا يتبارى فيه الخطباء، وليس حلبة يتجارى ويتباهى المتكلمون فيها، إنه موقف مسؤولية كبرى، موقف لا يصحّ معه بالمتكلم والسامع، على السواء، وعلى الجميع- أن يكون مقصّرا.
والمرجو أن يكون لهذا الحضور مدلول، واهتمام، ونية مكرورة مذكورة؛ للأخذ بتعاليم الإسلام، نحتفل ونأمل في مستقبل كريم، ولا بدّ أن نسعى بجدّ وصدق كيلا تتحول جهودنا إلى احتفالات، وكفى بذلك هدفا.
وإن الهجرة وأمثالها مدعاة للتأمل والعمل، أن تعود سيرة تلك الوجوه الجميلة، والأيدي المتوضئة، والقلوب المتنوّرة، والأذرع الممتدة، والصدور المحتضنة للخير تفتديه، وتقبّله بلذة، وتعانقه بنشوة، وتحمله بفرح شديد.
امتلأت حياة المسلمين من المهاجرين والأنصار- أهل الهجرة وأهل النّصرة- بالأمثلة على ذلك، طيلة حياتهم الإسلامية. وقد مرت بنا قصة
стр. 348
حبيب بن زيد الأنصاري ذات المدلول الكبير «١» . إنّ هذا اللون من البناء هو الذي يستطيع أن يهاجر، ويقيم الهجرة، ويقدم النصرة.
* قوة الإسلام ذاتية ربانية أودعها الله تعالى:
إنّ قوة الإسلام ذاتية مستمدّة من الله تعالى، أقرّها فيه، ومودعة في حقيقته وطبيعته. ومن يتّصل بها يتّصل بالله، ومن اتصل بالله ملك، واتّصل بالقوة العليا الغالبة البالغة.
ليس الذي يملك القوة- جائرا ظلوما غشوما- ويغلب بها هو المنتصر، مهما بدا كذلك. فكم من دول في التاريخ ملكت القوة، وهي تحيا بالطغيان «٢» ؛ لأنها متوشّحة بالكفر والعصيان، فذلك كله يثقله إلى الأرض، ويحجبه عن الخير والنور والبر والبركة.
إنّ الظلم والطغيان والكفر والعصيان، يمثل الهزيمة. أما الطاعة والإيمان بالله تعالى، مقود البطولة، ومقوّم العمران، ومجلبة لنصر الله في كل ميدان، وكل طاغية جبان هزيل وضعيف، وانظر الى فرعون ونهايته مخذولا.
ليس الإيمان وظيفة أو تخصّصا، إنه ينبوع متدفق لا يغيب، ولا يغيض، بل ويفيض. وأعداء الإسلام يعرفون ذلك، فهم يخافونه ويحاربونه، في الماضي والحاضر وعلى الدوام.
واليوم فما يشنّ عليه- شرقا وغربا- على ذلك دليل أي دليل، فدول تدّعي الحضارة والسلام، وهي تعيش بين الدماء والليالي الحمراء، منعوا وأجبروا وتعاملوا بمكائن ثرم اللحوم في روسيا، وقتل السود في أمريكا
стр. 349
وغيرها، وفي المجر (هنغاريا) منعوا الأسماء الإسلامية «١» .
* التّسخير لهذا الدّين:
ولكنّ دين الله تعالى قوي بتأييد الله تعالى له، وبه قوته، فهو قوي بما أودع الله فيه من ذاتية فاضلة شاملة، قويّ بما يهيئ له من عوامل النصر لمن، وبمن أطاعه، ووالاه.
وقد يجري الله تعالى هذا على يد من ليسوا من أهل طاعته ولا من أتباع دينه. والكثير من الآخرين يخدمونه، حتى «وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» «٢» . وإن المسلم يعيش حياته مهاجرا، وهو منتصر من أول يوم يتعلّق قلبه بالإسلام.
خبّروني بربكم من المنتصر بلال»
أم أمية؟ ومن المنهزم المفلس أبو جهل أم سميّة «٤» ؟ وبالقياس لأيّ ميزان واعتبار وأية حسابات؟ وما الذي جعل بلالا وسميّة في نصر دائم، وأبا جهل، وأميّة في هزائم متصلة؟.
إنه ذلك البناء هو الرصيد الذي أقامه الإسلام، وصاغ تلك النفوس، وملأ تلك القلوب، وعمر تلك الصدور؛ بهذه المعاني الربانية.
* الهجرة حبّ وحفظ:
إنّ هذا اللون من البناء هو الذي يستطيع أن يهاجر، ويقيم الهجرة.
فالهجرة إلى الله تعني هجر كل ما عداه، بحفظ أمره وطاعته: «يا غلام
стр. 350
احفظ الله يحفظك» «١» .
وعند ذلك يسمو الإنسان بالحبّ في الله، ويغدو كلّ شيء من أجله هين، وكلّ مشكلة في طريقه ميسورة.
ومن أجل هذا الدين وحبّه ترك المهاجرون كلّ شيء: الأهل والولد والمال، وكذلك البلد. وهذا كلّه رغم حبّ الإنسان لكل ذلك، وتعلّقه بها، ولكن دين الله تعالى أغلى من ذلك كله، ورسول الله ﷺ يقول وهو يترك مكة المكرمة حين الهجرة: «والله! إنك لخير أرض الله وأحبّ أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» «٢» .
وبذلك يقوم المجتمع المسلم، وينصر الله المؤمنين، وبه حلّت كلّ المشكلات، يوم انتقلوا إلى دار جديدة، إذ كانت بعض المشكلات- بدون هذا الدّين- تجعل قيام المجتمع (الإسلامي) ودولته أبعد من البعيد.
* النصر حليف الإيمان:
فالنصر يدور مع الإيمان، مع الإيمان- العميق الواعي المتفهم- بالله تعالى، ودعوته الكريمة، وبالنبوة الخاتمة، ومع الأخذ بكلّ الأسباب
стр. 351
الممكّنة، كما رأينا في الهجرة النبوية الشريفة واضحة، فالنصر إذا لا يدور مع القلّة والكثرة، كما هو مشاهد في السّيرة الشريفة وعموم التاريخ الإسلامي. وحتى الكثرة تأتي بهذا البناء، فتغني نعم الغناء. وكذلك كانت الهجرة، تمت في ظروف صعبة، وإمكانيات قليلة، في خضم متلاطم من الأعداء والأهواء والأهوال، وهكذا كانت وجرت كلّ أمور الإسلام.
إنّها القوة الإيمانية الربانية التي تقود إلى الانطلاق بهذا الدّين، حرصا والتزاما حبا وطاعة لله تعالى. يلازمها تحرّي منهج الله والسعي لرضاه، وصورة رسول الله ﷺ قدوة ماثلة. وبذلك لا يهمّ المسلم ما يلقاه من أجل نصرة هذا الدّين. وكل المشكلات، وكل الطغاة لا ينالون من الدّعاة شيئا.
هؤلاء الدّعاة الذين رسموا صورة الإسلام بسلوكهم، وأقاموا الحياة بجهادهم، فالله تعالى مانعهم من كلّ الأذى، إلا ما يجريه- عزّه- حسب إرادته وحكمته. وهي سنّة الله الذي منع أنبياءه وحفظهم ﵈ وسيدهم رسول الله ﷺ ؛ الذي يقول مخاطبا ابنته فاطمة يوم اشتدّ عليه الأذى في مكة: «فإن الله مانع أباك» «١» .
وبهذه الرّوح انطلقوا في الحياة على بيعتهم يوفونها، وهم بها فرحون وينشدون:
نحن الذين بايعوا محمّدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا «٢»
لا بدّ أن يعود الإسلام ليقود ويسود، ولكن لله تعالى سننا، فلا بدّ من جند أمناء أقوياء أوفياء، ينصرونه ويحملونه ويفتدونه، والتباشير بادية إن شاء الله تعالى.
وإن الغرب الذي غزا العالم الإسلامي بعسكره وفكره، بخيله ورجله، صحا أو غدا على صليبيته ووحشيته، انهزم مرتين في البلاد، بكل
стр. 352
ما استعمله، رغم إمكانياته ومعاونيه من الخونة العاقّين، على مختلف الأصعدة (الصّعد) والميادين. ورغم ذلك، فالإسلام يتقدّم، وتتّسع مروجه، وتغلب أطايبه، وتسمو راياته الخفاقة عالية.
* عجائب هذا التاريخ:
وهذا تكرار لظاهرة فريدة، جرت ومرّت في التاريخ الإسلامي، عرفها وألفها، فالتتار والمغول الذين حملوه، وأقاموا دولته، أتوا إلى دياره غزاة، ويومها أفنوا وقضوا على كلّ ما واجهوه، بوحشية وتدمير.
وهذه خصيصة في الإسلام قائمة ومكينة، عرفناها في التاريخ الإسلامي تكرارا، وهي دوما لا تريم ولا تغور، والإسلام هو البداية والنهاية، وهو أولا وآخرا، وهكذا بوضوح تامّ.
وهذا أمر متميّز في الإسلام: تحوّل أشدّ الأعداء إلى خير الأبناء «١» ،
стр. 353
وهو أمر واضح من بداية الدعوة الإسلامية.
دع عنك ما قاله الأعداء تشويها ... هي الدعاية فلتسقط مباديها
لا يقدرون على شيء بما كسبوا ... غير المكائد في أقصى معانيها
والحق يقذف نارا فوق باطلهم ... فيدفع الله أهواء ويوهيها
فمن تكن كلمات الله حجّته ... فلن يخاف من الدّنيا وما فيها
فالإسلام ارتفع بالإنسانية، همة وخلقا وفكرا ومسلكا، في أي من الميادين، وأي من المضامين، وفي أي حقل للعاملين.
* الإسلام ارتقاء وشموخ:
وانظر إلى من شئت من الصحابة الكرام تجد حياتهم وتصرفاتهم ومواقفهم معبرة عن ذلك ومؤشرة ومفسرة. كل حياتهم مواقف كريمة، وكل مواقفهم بارّة حميمة جسيمة. أناروا الحياة، وتنوّرت بهم، وجعلوها حلوة خضرة نضرة. بنوها وعمروها وحضّروها، حتى كانت بدمائهم، يبذله مقبلا مختارا، ويصرّ على ذلك إصرارا.
فهذا سالم «١» - مولى أبي حذيفة «٢» - الذي استشهد مع أبي حذيفة في معركة اليمامة (١٢ هـ) (لما انكشف المسلمون يوم اليمامة، قال سالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ . فحفر لنفسه حفرة، فقام فيها، ومعه راية المهاجرين يومئذ، ثم قاتل حتى قتل. وقيل: إن
стр. 354
سالما وجد هو ومولاه أبو حذيفة، رأس أحدهما عند رجلي الآخر صريعين ﵄ «١» .
ومصعب الذي استشهد وهو يدافع عن رسول ﷺ في أحد، وقطعت أعضاؤه، وهو مستمرّ في القتال «٢» .
إنّ فوت الزمان يجعل الإنسان المسلم يتشوّق، ويتحوّل أكثر نشاطا لتعويض ما فات «٣» . وكلّ ذلك بسبب بنائه على دين الله، وقيام حياته على منهجه وارتباطه بالله تعالى، طاعة وعبودية وحبّا.
* الإسلام تعامل وأخلاق:
إنها العقيدة في الله، تنير القلب، وشريعة الله تضئ الدرب، وتحطّم
стр. 355
كلّ الجدر، فيصل صوتها الى النفس، تخترق الحواجز فيقيم الإنسان من رقدة، وتنفض عنه همدة. وانظر ما جرى لثمامة بن أثال «١» ، الذي كان