← Сира

Сира · id 9897

السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها

عبد الرحمن علي الحجي

Полный текст (440 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الممكّنة، كما رأينا في الهجرة النبوية الشريفة واضحة، فالنصر إذا لا يدور مع القلّة والكثرة، كما هو مشاهد في السّيرة الشريفة وعموم التاريخ الإسلامي. وحتى الكثرة تأتي بهذا البناء، فتغني نعم الغناء. وكذلك كانت الهجرة، تمت في ظروف صعبة، وإمكانيات قليلة، في خضم متلاطم من الأعداء والأهواء والأهوال، وهكذا كانت وجرت كلّ أمور الإسلام. إنّها القوة الإيمانية الربانية التي تقود إلى الانطلاق بهذا الدّين، حرصا والتزاما حبا وطاعة لله تعالى. يلازمها تحرّي منهج الله والسعي لرضاه، وصورة رسول الله ﷺ قدوة ماثلة. وبذلك لا يهمّ المسلم ما يلقاه من أجل نصرة هذا الدّين. وكل المشكلات، وكل الطغاة لا ينالون من الدّعاة شيئا. هؤلاء الدّعاة الذين رسموا صورة الإسلام بسلوكهم، وأقاموا الحياة بجهادهم، فالله تعالى مانعهم من كلّ الأذى، إلا ما يجريه- عزّه- حسب إرادته وحكمته. وهي سنّة الله الذي منع أنبياءه وحفظهم ﵈ وسيدهم رسول الله ﷺ ؛ الذي يقول مخاطبا ابنته فاطمة يوم اشتدّ عليه الأذى في مكة: «فإن الله مانع أباك» «١» . وبهذه الرّوح انطلقوا في الحياة على بيعتهم يوفونها، وهم بها فرحون وينشدون: نحن الذين بايعوا محمّدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا «٢» لا بدّ أن يعود الإسلام ليقود ويسود، ولكن لله تعالى سننا، فلا بدّ من جند أمناء أقوياء أوفياء، ينصرونه ويحملونه ويفتدونه، والتباشير بادية إن شاء الله تعالى. وإن الغرب الذي غزا العالم الإسلامي بعسكره وفكره، بخيله ورجله، صحا أو غدا على صليبيته ووحشيته، انهزم مرتين في البلاد، بكل

стр. 352

ما استعمله، رغم إمكانياته ومعاونيه من الخونة العاقّين، على مختلف الأصعدة (الصّعد) والميادين. ورغم ذلك، فالإسلام يتقدّم، وتتّسع مروجه، وتغلب أطايبه، وتسمو راياته الخفاقة عالية. * عجائب هذا التاريخ: وهذا تكرار لظاهرة فريدة، جرت ومرّت في التاريخ الإسلامي، عرفها وألفها، فالتتار والمغول الذين حملوه، وأقاموا دولته، أتوا إلى دياره غزاة، ويومها أفنوا وقضوا على كلّ ما واجهوه، بوحشية وتدمير. وهذه خصيصة في الإسلام قائمة ومكينة، عرفناها في التاريخ الإسلامي تكرارا، وهي دوما لا تريم ولا تغور، والإسلام هو البداية والنهاية، وهو أولا وآخرا، وهكذا بوضوح تامّ. وهذا أمر متميّز في الإسلام: تحوّل أشدّ الأعداء إلى خير الأبناء «١» ،

стр. 353

وهو أمر واضح من بداية الدعوة الإسلامية. دع عنك ما قاله الأعداء تشويها ... هي الدعاية فلتسقط مباديها لا يقدرون على شيء بما كسبوا ... غير المكائد في أقصى معانيها والحق يقذف نارا فوق باطلهم ... فيدفع الله أهواء ويوهيها فمن تكن كلمات الله حجّته ... فلن يخاف من الدّنيا وما فيها فالإسلام ارتفع بالإنسانية، همة وخلقا وفكرا ومسلكا، في أي من الميادين، وأي من المضامين، وفي أي حقل للعاملين. * الإسلام ارتقاء وشموخ: وانظر إلى من شئت من الصحابة الكرام تجد حياتهم وتصرفاتهم ومواقفهم معبرة عن ذلك ومؤشرة ومفسرة. كل حياتهم مواقف كريمة، وكل مواقفهم بارّة حميمة جسيمة. أناروا الحياة، وتنوّرت بهم، وجعلوها حلوة خضرة نضرة. بنوها وعمروها وحضّروها، حتى كانت بدمائهم، يبذله مقبلا مختارا، ويصرّ على ذلك إصرارا. فهذا سالم «١» - مولى أبي حذيفة «٢» - الذي استشهد مع أبي حذيفة في معركة اليمامة (١٢ هـ) (لما انكشف المسلمون يوم اليمامة، قال سالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله ﷺ . فحفر لنفسه حفرة، فقام فيها، ومعه راية المهاجرين يومئذ، ثم قاتل حتى قتل. وقيل: إن

стр. 354

سالما وجد هو ومولاه أبو حذيفة، رأس أحدهما عند رجلي الآخر صريعين ﵄ «١» . ومصعب الذي استشهد وهو يدافع عن رسول ﷺ في أحد، وقطعت أعضاؤه، وهو مستمرّ في القتال «٢» . إنّ فوت الزمان يجعل الإنسان المسلم يتشوّق، ويتحوّل أكثر نشاطا لتعويض ما فات «٣» . وكلّ ذلك بسبب بنائه على دين الله، وقيام حياته على منهجه وارتباطه بالله تعالى، طاعة وعبودية وحبّا. * الإسلام تعامل وأخلاق: إنها العقيدة في الله، تنير القلب، وشريعة الله تضئ الدرب، وتحطّم

стр. 355

كلّ الجدر، فيصل صوتها الى النفس، تخترق الحواجز فيقيم الإنسان من رقدة، وتنفض عنه همدة. وانظر ما جرى لثمامة بن أثال «١» ، الذي كان

стр. 356

يكرر الإجراآت- وبإصرار وعناد ومتابعة- لقتل رسول الله ﷺ ، ثم يقع أسيرا بين يدي سرية لمسلمين لم تكن تعرفه، فلما جاءت به إلى رسول الله ﷺ وقيّده في المسجد- وأبقاه فيه أياما- لعله ليرى نوعية المجتمع المسلم الذي يحاربه، ويعدّ العدّة لقتل نبيه ﷺ ؛ ووكل به من يسقيه ويطعمه، بل وحتى من ناقته ﷺ ، ثم أطلقه بدون أي شرط ولا مقابل ولا تكليف. وكان من أمره أن أسلم، ثم واجه قريشا في مكة لعداوتها للإسلام ورسوله ﷺ ، وقاطعهم، وحاصرهم اقتصاديا، حتى فكّ الرسول الكريم ﷺ حصار مكة، وقريش ما زالت في حالة حرب مع الإسلام، ونبيه ﷺ وأهله. * الإسلام شفاء وبناء: وكم واجهت المسلمين بعد الهجرة أمور ومشكلات، كان بعضها كافيا لتعويقها وإيقافها، وربما لتفتيتهم، ولكن بهذا الإيمان بشرع الله تعالى حلّت كلها. وما تمت من أمور كانت لذلك عنوانا، فانظر في المؤاخاة «١» ، كيف أظهرت معاني الإسلام بشكلها العملي الناصع، ممارسة ومظاهرة. وهؤلاء رغم قلّتهم، وقلّة إمكانياتهم، حملوا رسالتهم في مجتمعهم، وانطلقوا بها إلى الناس. فالمسلم يحمل رسالته إلى العالم، لا يبالي أن يواجه الصعاب والأعداء بكل وسائلهم، وهم لا تهمّهم الوسيلة، ولا بدّ للمسلم أن يعرف ذلك، يعرف سبيل الأعداء مثلما يعرف سبيل الإيمان. والمسلمون في كل ذلك يقتدون برسول الله ﷺ في عصره وما تلاه من عصور، ينظرونها، ويمرّرونها أمامهم في كل شأن وأمر. فهو القدوة والأسوة والإمام والحادي والقائد والرائد والمرشد، فإذا ما نالهم شيء فقد ناله أكثر.

стр. 357

والدعاة إلى الله يهون عليهم كل ما يلقون، فهم يعرفون الطريق ويعرفون نحيزة الطغيان وديدن الطغاة. فدور الهجرة ومعناها ومقتضاها وطريقها ومبناها مستمر ومفتوح. رسم المسلمون، خلال التاريخ، وعلى مداره: معانيها، وصوّروا الإسلام بسلوكهم، وأقاموا الحياة بجهادهم، فكانوا في هجرة دائمة بكل ألوانها، يلجؤون إلى الله، ويحتمون بشرعه. وإن الذي يطّلع على الإسلام لا بد أن يهاجر إليه، لا أن يهرب منه. كيف يحدث ذلك؟ ومن هنا كانت الهجرة- ولا بد أن تكون- مستمرة بألوانها الزاهية وصفحاتها الباهية، والأمر كله لله . إنّ الهجرة هجرة عقيدة ونصرة؛ لنشر الإسلام، وتخليص أنفسنا وبني الإنسان من ظلمات النفس وظلام الحياة، وندعو أهل الأرض لإنقاذهم، عاملين على إبلاغه إليهم حيثما كانوا. فلنهاجر إلى الله لنبني الحياة، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة، وبهذه الروح تتمّ الهجرة، ويتمّ كلّ شيء في حياة المسلم، ما دامت نفسه ونيته عليه قائمة، وحياتها به دائمة، تلتحف بالبشر والسعادة. ف «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» «١» والهجرة إلى الله تعالى مفاصلة ومهاجرة لكل سوء وانحراف وعصيان وانجراف، وعند ذاك سيمدّ الله المؤمنين بنصره، ويؤيدهم، ويعلي شأنهم، ويرفع قدرهم، ويكتب لهم الأجر، إن شاء الله ، وبمنّه وكرمه. وهو الذي يقول: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: ٢١] .

стр. 358

وماذا بعد؟ خاتمة ونتيجة وعبر مستفادة!! «لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده ونصر عبده وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده» «١» . والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه واتبع هداه وأعلاه إلى يوم الدين. إنه مثلما حفظ الله تعالى القرآن الكريم عمود الدين، حفظ كذلك دعامته سنة رسول الله ﷺ ، وأرضيته سيرته، إذ كان هذا الحفظ هو حفظ النصوص وحفظ الدروس، أعني التطبيق العملي والشرح الواقعي لمضامين الإسلام، قرآنا وسنة وسيرة. وكانت السيرة الشريفة مستوعبة- من الناحية العملية- للإسلام كله، قرآنا وسنة وسيرة، بكل أبعاده وأمجاده وإرفاده، وكل جهده وجهاده واجتهاده، بحيث يرى المسلم الإسلام كاملا في السيرة النبوية الشريفة. لقد هيأ الله من الأسباب والأفراد والجماعات من يقوم بذلك ويطبقه، بأعلى صيغة وأفخم صورة وأرجى إقبال، بأداء متحفز قوي منطلق لا حدود له، وبشكل رائع، لا يدانيه ما عداه ولا يتخيله أو لا يعرفه أو يفهمه. فيكف يطبقه ومن أين له؟ وحتى لو عرفه لا يستطيع- ولو استطاع- لما وصل لهذا المستوى، وبهذه القوة والفاعلية والوضاءة. وهذا وحده دليل على أنه من عند الله تعالى، أودعه سرا لا يظهر أثره إلا لمن أقبل

стр. 359

عليه، دينا وعقيدة وشريعة. مثلما هي- بنفس الوقت- دليل على أن كل وضع منقطع الصلة بالله، لا يرجى منه خير. وحتى لو عرف أيّ أحد هذه الأبعاد فالذي جرى يفوق أي خيال وآمال ومال. هذا من ناحية التطبيق، ثم كان الأمر من ناحية التوثيق والدقة والثقة والحرص، بحيث إن هؤلاء أنفسهم كان من ماثرهم، أنهم أدّوا صيغ هذه السيرة العطرة بأخبارها وأقوالها وأوصافها، شمولا وإدراكا وتنقيبا. حرص هؤلاء الصحب الكرام حرصا كليا، مثلما تجاوز بطبعه كل الحدود تجاوز كذلك تنقيبهم كلّ الصيغ المعهودة، منظورة وغير منظورة، في السعي وراء كلمة، بل حرف، ولو كانت بديلة، بحيث إن أحدهم سافر وفي ذلك الزمان ووسائل الانتقال تلك- من بلد إلى آخر بعيد، ليتأكد فحسب من أمر يعرفه، متعلق بالإسلام عموما أو بشيء من سنة رسول الله ﷺ وسيرته، قولا وفعلا أو تقريرا «١» . وكانوا ينقبون عن أحواله ﷺ وسلوكه الكريم وتصرفاته في كل ميدان، ومع كل إنسان وفي أي أوان، حتى في خصوصياته أو فيما قد يكون فيه حرج أو حياء أو حاجب يستوجب التوقف عنده. لكنهم كانوا يمضون إليه بصراحة أنيقة وعبارة رقيقة وصحبة رفيقة، حتى في أشد الأمور خصوصية، مما يتعلق ببيته الكريم وزوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين «٢» . والإسلام دين شامل كامل باق عام، لم يدع شيئا إلّا وبينه أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤] . وأن الله ﷻ هيأ الأسباب

стр. 360

لكي ينجز كل ما وعد سبحانه مما يتعلق بهذا الدين. فأنت ترى منذ بداية الدعوة الإسلامية، كيف سارت ونمت. تتبدى لك فيها بشرية الرسول الكريم ﷺ ونبوته في عين الوقت، حيث أبلغ منهج الله تعالى للأمة وجاهد له وصبر وضحى، حتى نصره الله تعالى وحققه نافذا وواقعا معاشا، بكل أبعاده. يتعايش الإنسان به ومعه وله، ثم كيف أن سياقاته وحركته وانطلاقته مصونة مأمونة مضمونة، وراءها يد الله القادر تسيّرها. وكان لا بد أن يتم ما يريده ، من اكتما لهذا الدين- بعد النصوص- في تطبيقه الشامل. ولذلك وإن كان هذا المعنى فهم واضحا؛ لكنه بحاجة إلى تجلية أكثر، تتعمق وراء مضامينه وارتباطاته في واقع الحياة. تحس كأن الله تعالى صرّف سيرة رسول الله ﷺ لتجري بالكيفية التي تمت بها، محقّقة إرادة الله ﷻ في اكتما لهذا الدين، نصوصا وتطبيقا، في كل الآفاق والمجالات والصيغ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ [آل عمران: ١٥٢] «١» . وكلما تعمق الدارس- المسلم خاصة- في السيرة الشريفة، يرى بشكل أوضح هذه الآفاق. ومن خلالها وفي هذا الأمر يشهد أيضا في الرسول الكريم ﷺ بشريته مثلما يرى نبوته، حيث اجتمعت كلتاهما، تلاقيا طبيعيا لا تكادان تنفكان، بل هما تماما كذلك «٢» . ولذلك فإنك ترى- مما ترى- أن كل ما في سيرة رسول الله ﷺ من قول وفعل وتقرير وحركة وسكنة- وتأمل يشير إليك بوضوح- أنه نبي، أرسله الله تعالى بالصيغة المبيّنة في كتابه . وبهذا فإنك كلما ارتقيت وتعمقت وترققت، لا تسأل عن معجزة أخرى للتدليل على نبوته الكريمة، على الرغم من أن هذا لا يعد من المعجزات المفهومة والمعروفة.

стр. 361

ولكن المعجزة هنا متضامنة متضمنة متداخلة «١» . أما المعجزات الآخرى التي أتمها وأجراها الله تعالى على يديه، ورآها صحابة رسول الله ﷺ من المعجزات، وكذلك المعجزات الإخبارية (الغيبية) التي كان ﷺ يلقيها، بما كشف الله تعالى له، سواء من معرفة الأشخاص أو دعاء لأحد أو على أحد بإنجاز، منعا وتثبيتا، أو بإخبار من الأحداث، كان الصحابة يعرفون ذلك. مثلما ورد عن عديّ بن حاتم «٢» ، وبعضها كانوا يستغربونها أو يستفسرونها لجدّتها، ومثلما جرى لسراقة بن مالك بن جعشم. بل إن ذلك كان مفهوما حتى لغير المسلمين، بل- وأكثر من ذلك- لمن كانوا يحاربونه، كما جرى لأبي بن خلف وأخيه أمية وأبي لهب (عمه) «٣» . وهذه المعاني يكفي أن ترى- من خلال صحبة هذه السيرة- ليس علما يتابع أو يدرس أو يؤلّف أو يحاضر، لكن من خلال المعايشة العملية والوقوف في ميادينها، مستشعرا معانيها ملتصقا بمبانيها معبرا عن تطبيقاتها، بشمول وتكامل وامتداد. والحق أن هذا هو أحد مضامين الهدف المرجو من وراء دراسة السيرة النبوية الشريفة. وعلى هذا ربما أجد المبرر فيما أردده، من أن كثرة كاثرة من المسلمين لا يعرفون سيرة رسول الله ﷺ ، فأقول: دعوني أزعم ذلك. وهذا في حالة ما يمكن ألا يكون كثرة يستسلمون لهذه المقولة ولا يقرّون بها ويرونها مبالغة وبعيدة. فكانت السيرة النبوية الشريفة أعلى مرتقى للإنسانية في صياغة الإنسان.

стр. 362

ولكن لا يمكن أن تتم ولو بأصغر صورة مثل هذه الصياغة، دون منهج الله تعالى الذي أودع سبحانه تعالى فيه سرا يقيم الحياة الإنسانية الفاضلة عليه بمستويات وصور وصيغ، تجعلها هي التي تحس بهذا السر المودع، حتى لو لم يمكنك التعبير عنه، لكنك في الواقع تكاد تلمسه، بل تراه وتشهده. وحتى مع توفر هذا المنهج بين يديك، قد لا يفلح الكثير في الوصول إلى تلك الصيغ التي وصل إليها الصحابة، وبذلك التكامل والشمول والارتقاء، ليس في جانب من جوانب الحياة، بل في كافتها وكلها، بذلك المستوى للفرد، مثلما لم يتم ذلك لفئة أو أفراد أو جماعة فحسب، بل للمجتمع كله صغارا وكبارا نساء ورجالا شيبا وشبابا وشوابّا «١» ، لا يكاد يشذ عنه أحد منذ الجيل القرآني الفريد (جيل الصحابة الكرام) . وفي كلتا الحالتين تحقيق لمعجزة الإسلام وبيان إعجازه المتنوع المتسع المكين. لذلك فالإنسان فيه مولود جديد وهو في نوعيته فريد وفي حياته سعيد، سعادة الدنيا والآخرة. فإن يتم إنشاء وتنشئة جيل بأكمله، معبّرا عن معاني الإسلام في مسلكه وحياته وإنجازاته التي طبعت بطابع الإسلام المعجز، فكانت إنجازاته بروعتها كذلك، فهو أمر لا يخلو بحال من روائع وروائح عطر الإعجاز والمعجزات. وتصور ما جرى للمسلمين في الحديبية الذين قال الرسول الكريم ﷺ فيهم: «أنتم اليوم خير أهل الأرض» «٢» . إذا فهذه التربية على منهج الله تعالى وإنجاز صياغة مثل هذا المجتمع هو بذاته معجزة من معجزات الإسلام، أو من ثمارها. وحيثما تلفّتّ تنظر في حياتهم وجدت ثمار تصرفاتهم موصوفة بذلك. إنسان ارتقى بهذا المنهج على يدي هذا الرسول الكريم ﷺ أسوتهم، بيده

стр. 363

الكريمة رفعهم وبهذا المنهج التقطهم من سفح الجاهلية المتدني ومستنقعاتها الآسنة «١» ، وارتقى بهم برفق إلى قمم لا يعرفها أحد، وما عرفها إلا بهذا الدين. وحتى لو عرفها ليس من السهل- أو بالأحرى لا يكون ممكنا بحال أبدا- ارتقاؤها والوقوف عندها، في كل صيغ الحياة وميادينها ومعتركاتها. تجدهم في الأمور كلها على ذلك المستوى العجيب في البذل والعطاء والإقدام والعفة والوفاء والكرم والصبر والاحتمال والجهاد والفداء، جنديا كان أو قائدا حاكما أو محكوما تابعا أو متبوعا، بل حتى مذنبا ومعاقبا ومحروما. فانظر إلى قضية المثنى بن حارثة الشيباني (١٤ هـ) وخالد بن الوليد (٢١ هـ) وأبو عبيدة بن الجراح (١٨ هـ) وعديّ بن النّعمان «٢» ، ثم انظر إلى تلك الغامدية وماعز وأبي محجن والبكائين ومواقفهم. حتى حين كان يرتكب المسلم إثما- قياسا إلى إيمانه- فذلك إنما يقوده لخير، ويثمر لديه ارتقاء جديدا، كما في قصة أبي لبابة وما أدركه واعتبره ذنبا «٣» . والإثم نفسه كان يوزن- لديهم- بمقدار الإيمان، وقد يكون في الآخرين، حتى لا يوصف بأنه ذنب، كالذين تخلفوا في غزوة تبوك «٤» ، انظر مواقفهم وهي في حالة الضعف المردي المتردي. ليس هذا كأفراد لكن (أركز) كمجتمع. والأمجاد التي تواجهها لا تحسبها أفرادا- وهي كذلك تكوّن المجتمع- ولكن (اركز) المجتمع. لا يأخذه النصر ولا تقعده الهزيمة والشدة. والأمر تساوى وروافده له في أول الدعوة، وهي مطاردة أو يوم انتصرت وحققت. ففي مكة مرت سنوات كان كل من يأتي إلى الدعوة الإسلامية يوضع

стр. 364

تحت السياط، وحتى الدعوة الإسلامية، وهي مطاردة كان أعداؤها- وهم يحاربونها- يدركون أن حربهم لها ليس معتادا لهم، إنما هناك في الأمر جديد، سر كامن لا تمت إلى بشر لكنه فوق طاقته، يحسون ويكادون يدركون- أو يدركونها فعلا- أنها من عند الله، بل فعلوا ذلك إقرارا باللسان حين استمعوا إلى كتاب الله تعالى. وانظر قصة الوليد بن المغيرة المخزومي (أبو خالد بن الوليد وأخوه الوليد بن الوليد) . ومثلها قصة عتبة بن ربيعة «١» . ثم إن ذلك الجيل النبوي استمر يأتي بالعجائب- بمسحة المعجزات- التي حتى لو كان بناء الأفراد بذلك المستوى قد يتفلّت كثير منها في الأعمال الجماعية لا سيما الشديدة القوية، تفوق طاقاتهم وإمكاناتهم، أعني بذلك- بصورة رئيسية- الفتوحات الإسلامية وأمثالها من المواجهات، كحروب الرّدّة مثلا. إن مواجهة المسلمين للامبراطوريتين الرومية والفارسية الساسانية، اللتين حكمتا العالم المعروف يومها، وكانتا تمتلكان القوة العسكرية والبشرية والمادية، أمر تجاوز حدوثه حدا وراء الخيال. بل إن مواجهة واحدة منها ودون القضاء عليها، بل وحتى أن يتناوبا الهزيمة والنصر سجالا، لكان شيئا غير اعتيادي ولا مألوف ولا مسموع ولا يمكن تصوره، فكيف لو انتصرت عليها، بل فكيف لو قضت عليها. إذن فما القول في مواجهتهما معا والقضاء عليهما جميعا في وقت قصير وذهابهما إلى الأبد. «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ... » «٢» . وهذا أمر لا يمكن تصور حدوثه أبدا في أي عصر من العصور. علما

стр. 365

أنهما- وعلى انفراد- ما كان بهما ضعف معنوي أو مادي، لا سيما عن مواجهة هؤلاء الحفنة الذين كانوا خاضعين لهم دوما. بل على العكس كانوا يحسبون- كلّا على انفراد- أنهم سينتهون من موضوع هذه الدعوة الإسلامية في أقصر وقت، ويعدّ بالأيام وبأقل جهد وأدنى مؤونة. بجانب أنه ما كان يخطر على بال أحد أن هؤلاء العرب ممكن أن يفكروا في مواجهة أيّ من هاتين الدولتين. كيف وهم كانوا مستعبدين لهم وعملاء (المناذرة للفرس والغساسنة للروم) ، فما كانوا يفكرون في حربهم، وما لهم بهم طاقة. لكن الذي حدث لم يصدقه أهل ذلك الزمان، ولا يصدقه أهل أي زمان، لولا أنه وقع فعلا «١» . وكان أيضا من أثر ذلك ليس جريان هذه الأحداث فحسب، بل تبدل الحياة وآفاقها وطبيعتها ومثلها وإنسانها، التي تثبتت في نفوسهم وما كادوا يتصورون غيرها. إذا فما الذي أحدثه هذا الدين بتربيتهم على منهج الله تعالى، وبيد الرسول الكريم ﷺ . فأي رسول كان هو، باستحقاق هو سيد المرسلين وإمامهم. وهو كما وصفه رب العالمين وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] . ومع أني لم أقدّم الأحداث والوقائع في هذه الخاتمة، الأحداث التي مر عرضها- أو كثير منها- فيما سبق من مباحث، لكن مع ذلك فإن هذه الشروح مستنبطة وقائمة ومستمدة من الأحداث والوقائع والصنائع التي مضت رتيبة منسابة طيبة، لا يكاد يجد أحد شذوذا فيها. مما يجعل أن طبيعة الأفراد في ذلك المجتمع المسلم كانت طبيعة مستقرة متجانسة ذات بناء رصين طيب متناسق، في أفراده وفي تجمعاته. جرى ذلك رغم التناقضات العميقة المتجذّرة والاختلافات الغائرة وحروبها المدمرة والتحالفات المتأصلة، التي كانت بينهم قبل الإسلام.

стр. 366

وبقدر ما كانت هذه العداوات مركّزة ومركسة كذلك- مما كان يبدو من المستحيل حتى تخفيفها، فضلا عن القضاء عليها- غدت علاقاتهم الأخوية وبناء الحب الرصين فيهم قائما وفعالا وقائدا، شاملا وكاملا ودائما، إلى حد غدا سمتا وصبغة مميزة وصيغة معتمدة مشهودة ومرئية، إلى حد بحيث يثير أعلى درجات الاندهاش والانتعاش لدى كل أحد من سامع أو قارئ. وصدق الله تعالى- وهو أصدق القائلين- حيث يقول: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: ١٠٣] . لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤] . وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال: ٦٣] . وهذه الانتصارات لا تنحصر في المواجهات بل في كل ميادين الحياة- كانت بنفس تلك المواجهات- فكانت الفتوحات في أوسع معناها في كل جوانب الحياة. وذلك بعد أن كان الفتح الأساسي هو فتح القلوب لهذا الدين ولكافة مضامين الإسلام ومعانيه، التي بها قامت مبانيه فامتلأت تلك القلوب والنفوس والأرواح وكل مكونات النفس الإنسانية. فتحت مقبلة على شرع الله تعالى ومنهجه وكلماته، عقيدة وعبادة وشريعة، قامت بكل ذلك، تسير في الحياة وتحييها من جديد وترفعها. وبهذا انتشر الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا، بما رأوا من روعة منهجه المنير، وجديته الواقعية الراقية موضحة بسلوك أهله. ولكن الفتوحات المعهودة هي صيغة ملموسة، مثلها كانت بقية الفتوحات. ومثلما هي تحمل سرا ترى آثاره واضحة، كان الأمر كذلك بالنسبة لكل ما يتعلق بالمجتمع المسلم ذاك.

стр. 367

فما القول في أن ينتصر جمع قليل- هم حفنة- بخبرة محدودة، إن وجدت، وبإمانيات ضعيفة ومهيّات أولية، على جموع مؤلّفة ضخمة، ذات خبرة ومجد تاريخي قديم وعدة متقدمة عالية، هي أشبه بالدول الغربية اليوم التي تمتلك التقنيات بل والخطط والخبرات، تجعلها مترقية متقدمة تأخذ بالمبادرة. كانت تلك الجولات تقوم وتتم أيضا في أرضها التي تعرفها وتجيد هي الانتفاع بأحوالها وتضاريسها وأجوائها ومناخها، مع روح معنوية عالية، مستهينة بهذه الحفنة القليلة. ومع ذلك يكون الانتصار لهذه الحفنة القلة، والاندحار للكثرة بكل إمكانياتها. لو أن هذا جرى في معترك واحد فهو يشير إلى سر كامن، فيه المؤشر على نوعية هذه القلة. فكيف إذا استخرجنا قاعدة لا نكاد نجد لها شذوذا أو تخلفا أو توقفا، هو أن جميع المعارك ومع كافة الأقوام- ابتداء من سيرة رسول الله الكريم ﷺ كان عدد المسلمين أقل وعدتهم وخبرتهم وكل المتطلبات اللازمة في تلك المواجهات والمعتركات، ومع ذلك يكون لهم الانتصار. والحقيقة أن هذا كان من بعد الهجرة النبوية الشريفة وعلى مدار التاريخ. ربما يمكنني أن أقول: إن هذا نفسه كان في العهد المكي، وإن لم تكن فيه مثل تلك المعتركات- وإن كانت بحاجة إلى قوة إيمانية لا تقل عن تلك- لكن الحقيقة أن كان الانتصار الباهر النادر للمسلمين. أية قوة امتلكتها هذه المرأة المسلمة، جارية بني مؤمّل- حي من بني عديّ بن كعب- ومن أين أتتها وهي أمة (عبدة) تباع وتشترى وتضرب بالعصا أو بالحربة قتلا، إذا اقتضى (كما جرى لسمية أم عمار بن ياسر) . فكان عمر بن الخطاب يعذبها كل يوم- قبل إسلامه طبعا- حتى يملّ فيقول لها: ما تركتك رحمة بك بل مللا منك، فتقول له: ستبقى كذلك

стр. 368

يا عدو الله حتى تشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله «١» . فمن يا ترى هو الأقوى، هو أم هي؟ ومن هو القوي منهما، مواجهة واستضعافا ودعوة؟ ومن منهما المنتصر؟ «٢» . ومثلها زنّيرة (عبدة، كذلك) التي كانت تعذّب، ربما لذلك فقدت بصرها، بعد أن أعتقها أبو بكر الصديق مع ستة (ست) آخرين من الرجال والنساء «٣» . فادّعت قريش أن آلهتهم هي التي فعلت بها ذلك. فردت عليهم هي نفسها قائلة: كذبوا وبيت الله ما تضر آلهتهم وما تنفع. فردّ الله بصرها، وعاد كما كان «٤» . فانظر مدى ثقة المسلم والمسلمة بالله رب العالمين. وأبو بكر الذي كان من التجار الأغنياء أنفق ماله منذ يوم أسلم في خدمة الإسلام. وحين أسلم كان له أربعون ألف درهما، فهاجر بما تبقى من ماله: خمسة آلاف درهم، ومات- وهو خليفة المسلمين- وما ترك دينارا واحدا ولا درهما «٥» . هكذا كان جيل الصحابة متعلقا بالإسلام باذلا كل شيء، وكان أحدهم يستقل نفسه، وكلهم كان يودّ أن يموت شهيدا، وقبل صاحبه. وهذا يعني أنه منذ استقرار الإيمان في قلب أحدهم وامتلك بناءه وحياته تحقق ذلك الانتصار، وإن أخذ أوضاعا وأشكالا وأحوالا متنوعة، حسب الظروف التي تلفهم. عجائب وأعاجيب وتعاجيب، ولا عجب من أمر الله تعالى. كيف ارتقى

стр. 369

أولئك الصحب الكرام وكيف رباهم رسول الله ﷺ ، بعد تلك الحياة الجاهلية المعتمة المظلمة الآثمة، التي لم تدع في الإنسان ونفسه وحياته شيئا إلا طحنته وأذهبته وأقعدته، حتى دون الحد الأدنى من الفطرة- إلا ما ندر- وفي حالات أتت على كل ذلك. وساد ذلك حتى أهل مكة المكرمة- وهي موطن دين إبراهيم ﵇ وفيها الكعبة المشرفة- كما ساد الجزيرة العربية والعالم الظلم والظلام ولفّه القتام «١» . شمل ذلك كل شيء حتى العبادات التي جرى تحريفها والافتئات عليها بل وفي امتطائها، زورا وبهتانا وادعاء وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [البقرة: ١٩٨] . وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام: ١١٥] . هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الجمعة: ٢- ٤] . إنه القرآن الكريم الذي أنزله الله، وحيا صادقا، وإنها النبوة الكريمة التي بعث بها الله ، وأعدّ لها محمدا ﷺ لتؤدي هذه المهمة، وذلك بوحي الله تعالى اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤] . رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [البقرة: ١٢٩] . وأرادها أن تكون الخاتمة والأسوة، فهي كذلك استجابة لدعوة إبراهيم ﵇ «٢» . تجد أن الإعداد واضح والتهيئة مبكرة وتصريف الحسنة لأهل الأرض أجمعين. وإذا نظرت عليها قبل النبوة اختارها الله تعالى وهي لا تعرف عن ذلك شيئا ولم تتطلع إليه. قُلْ لَوْ

стр. 370

شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [يونس: ١٦] . كان ذلك تكريما ورقيا وتحقيقا لإنسانية الإنسان وإعدادا إياه للخلافة في أرض الله. وبذلك وحده يمكن، وبدونه يبقى حلما حتى لو أمكن تصوره وتخيله وتأمله، وأبعد منه آمادا متطاولة لا يصل إليه، حتى لو عرف الطريق إليه، وهو لا يعرفه، بل كيف يمكنه أن يعرف؟ إن تربية هؤلاء الصحب الكرام والقدوة الإمام ﷺ والجيل المثال، بهذا القرآن العظيم وعلى يدي الرسول الكريم ﷺ ووقوفهم أو جلوسهم على هذه القمم لأكبر من إزالة الجبال وما هو أكبر من ذلك. ولعل هذا بعض ما يمكن فهمه من الآية الكريمة أو وجه من وجوه المعاني التي تحملها وتتحملها: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً [الرعد: ٣١] . وقد أحسّ بهذا- كله أو ببعضه- غير المسلمين، بل الأعداء المحاربون «١» . ارتقوا بهذا الدين إلى قمم ما كانوا يعرفونها وما كان لهم ذلك، حتى لقد بلغت بهم الرهافة مثلا أنهم مهما ارتقوا يرون أنفسهم مقصرين «٢» . وكانوا يعملون بما يعرفون ويسارعون لكل تعليم يسمعون. فهذا حكيم بن حزام (٥٤ هـ) الذي أسلم يوم فتح مكة وكان من المؤلفة قلوبهم. وأعطاه رسول الله ﷺ يوم حنين فاستقله فزاده فقال: يا رسول الله أي عطيّتك خير: «الأولى» وقال: «يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس وحسن أكلة بورك له فيه ومن أخذه باستشراف نفس وسوء أكلة لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع» فقال: (فو الذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدا بعدك شيئا) . فلم يقبل ديوانا ولا عطاء حتى مات «٣» .

стр. 371

وهذا المرتقى يستطيع اعتلاءه من أخذ به إيمانا وعقيدة وعملا «١» . يقول الرسول الكريم ﷺ : «ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل» . كما يقول ﷺ : «الإيمان تصديق بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان» «٢» . ويقول ابن عمر: تعلمنا الإيمان ثم القرآن. والصعود من السفوح لها متطلبانهم، والحصول على مستوى رفيع من الفقه الراقي العجيب لهذا الدين وآفاقه. وانظر أنه حين قدم خراج العراق إلى عمر، خرج مع مولى له يعدّ الإبل فإذا هي كثيرة، فجعل عمر يقول: الحمد لله تعالى، ويقول مولاه: هذا من فضل الله ورحمته. فنهره عمر وقال: ليس هذا هو الذي يقول الله تعالى قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: ٥٨] . فالرحمة عنده- وعندهم- هي ما جاءهم من الله من موعظة وهدى، وكل ما عداه تابع «٣» . فبهذا الدين وحده تقوم البشرية- من أي جنس كانت- وهو الموجّه إلى أهل الأرض أجمعين، وبه وحده يحقّق إنسانيتها وترقى إلى مستوى تعمر الحياة وتبنيها وتعرف مهمتها وتقيم حضارتها. وما يصنعه هذا الدين دوما كثيرا وكثيرا جدا، كما جرى ذلك في الجولة الأولى. وبجانب علو البناء الإنساني بمنهج الإسلام، ولا يكون بغيره، المتمثل في واقع الحياة في سيرة رسول الله ﷺ والصحابة ومن تبعهم، فإن هذا يفصح كذلك عن أن الإسلام منهج عملي- وتلك من معالمه وطبيعته وحقيقته- لا ينفك عن ذلك. وبجانب كل ما يفهم من وصفه عملي- تنفيذيته وحياتيته ومثاليته (حب وبناء) - جاء ليطبق في واقع الحياة. والمسلم الذي يفشل أو يتخاذل أو يتجاهل ذلك- إهمالا وعجزا وضعفا

стр. 372

- ربما هو مقصر ومتأخر ومتحدر عن الإسلام ومراميه وأهدافه، وفهمه سقيم ومستواه ردئ ونوعيته فجّة متدنية متردية. وهو بأشد الحاجة إلى إعادة تفهّمه وتجديد ولائه وترقية حيويته؛ لينطلق يا بني نفسه بمعانيه وقوته بحياته وإقامة أمره بحقائقه. وبدونه- مهما ادعت وامتلكت وأبدعت- لا تعرف شيئا من ذلك بحال. تنزلق وتتناقض وتتناقص وتهوي وتذهب شذر مذر، وتقع فرائس سهلة لكل آكلة وأكول، وتتوزعها الكوارث أيدي سبأ، مهما أعلت مبانيها ناطحات، وأرسلت أقمارها مسرعات، وقمعت (تلقت) أسلحتها جامحات. وكم ذكر القرآن الكريم صورا مشهودة من هذا وأمثاله، من التخلف والانحراف والانحياز، في معسكر الكفر وحربه لدين الله ورسالاته وأنبيائه، فيما قص علينا- من مصائر الغابرين الذين كفروا والذين تخلفوا وألفوا المعاصي ورضوا بالدنية. وفيما ورد في القرآن العظيم- عن موسى ﵇ وبني إسرائيل ومواجهتهم لفرعون- وضوح تام شامل، تبرز فيه طبيعة الإنسان- فردا أو جماعة- عن كل ذلك وفي كافة الأحوال. وكأني أشعر أن هذه القصص التي ذكرها الله في القرآن العظيم هي الصور- والتي هي مكشوفة في علم الله تعالى- تتكرر في الحياة في كل حين بطبيعتها وحقيقتها وأساليبها، لتكون مواجهة جموع المؤمنين لها على خبرة ومعرفة واضحة وأساس، ليتولوا أمرهم ويجهزوا أحوالهم ويتخذوا العدة له. فانظر ما عمل فرعون- وما أكثرهم اليوم- هو والملأ من حوله «١» . وهؤلاء يندفعون معه ولما يريده ويأمرهم به، بل ويزينون ذلك- قناعة

стр. 373

متعاقبة مدعاة، بسطحية وسذاجة وقصر نظر غريب، بعوامل متنوعة تأخذهم إلى الهاوية، وكأنهم مشدودين نحوها. وهكذا دوما يفعل الضلال بأهله، حتى لكأنه يجردهم من مقوماتهم الإنسانية الفطرية التي خلقهم الله تعالى بها فينطلقون معه، ربما أكثر مما يريد وكأنهم منزوعون من إنسانيتهم وبشريتهم. وهو ما نراه في الحياة بكل تفاصيلها هنا وهناك وهنالك، صورا مكرورة مشهورة مشهودة. وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [القصص: ٣٨- ٤٠] . وانظر إلى أي حد وصل استمراؤه وادعاؤه الألوهية. وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ [غافر: ٣٦] . وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ [الزخرف: ٥١- ٥٤] . بل إن فرعون كان يدّعي لنفسه الصلاح ويتهم موسى- ﵇ بالفساد وأنه غيور على الدين دين قومه وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ [غافر: ٢٦] . مع ملاحظة أنه يصف ضلاله بأنه دين، للمماثلة والمقابلة والمحاربة. ولكن مهما جال الباطل وأهله وصال، فإن نصر الله تعالى لا بد أن يكون للمؤمنين أهل دعوته، ما داموا قد وفّوا ما عليهم في الأخذ بدين الله ودعوته وراموا الفداء لأجلها. وهو وعد قائم من الله الذي لا يخلف وعده أبدا. إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) يَوْمَ لا

стр. 374

يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر: ٥١- ٥٢] . وقد يكون هذا العناد والكبرياء والحرب لدين الله تعالى من الأمم والولاء للظلم وأهله، سبب بلائها وعظيم لأوائها وسر زوالها، فتغدو أثرا بعد عين، غير مذكورة إلا بهذا الاعتبار العبرة المثار، تناقصت فذرت وذهبت. ولعل هذا مشمول ببعض معاني وإشارات هذه الآيات الكريمة. يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩) وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ [الرعد: ٣٩- ٤١] . أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ [الأنبياء: ٤٤] . والصحابة الكرام جيل القرآن الفريد السعيد، نجدهم قد فهموا الإسلام أروع فهم وأخذوا به خير أخذ، وعملوا به أجمل عمل، حتى صاروا صورة لهذا الدين، تنظر الأجيال فيهم ترى حقيقة الإسلام ماثلة في الحياة. بل هم لا مثيل لهم في أيّ من الأمم الآخرى ممن كان قبلهم- حتى من أتباع الأنبياء السابقين، ﵈، ومن الحواريين وغيرهم- ولا بعدهم إلا بهذا الدين وعلى مثالهم ومستواهم وتفانيهم، وبلا نظير. استعرض تواريخ الأمم الآخرى كلّها، بكل وقائعها وتفاصيلها، فإنك لست واجدا مثيلا أبدا أبدا، نوعا وكما وكيفا، ولا شبيه بها بأي مقدار، وأنى لها بحال! صفات كريمة سارت في كل اتجاه طيبة الطّعوم وطيبها متنوع تسقى بماء واحد. وقد عرفت الأمة- بكل أجيالها- مكانة الصحابة الكرام- رضوان الله عليهم- وأدت حقهم ورعت حرمتهم، حمية وهيبة واقتداء، إلا من هوى به الهوى، مهما ادعى واحتوى. ونرجو الله تعالى الهداية ونستعين به بالبراءة من كل غواية.

стр. 375

وبجانب ما كانت الأمة تتبرك بهم كانت تقومهم وتستوضحهم. فما كان المسلمون أيامهم يولون غير الصحابة في الأحداث والملمات والمهمات، ومنها المعارك في الفتوحات. لقد نقل هؤلاء الصحابة صيغ السيرة النبوية الشريفة التي تلقوها من الرسول الكريم ﷺ ، وهم وإن لم يبلغوا القمم النبوية التي كان عليها رسول الله ﷺ إلا أنهم تلقوا عنه وجلسوا على أعلى قمة يمكن أن يصلها إنسان بعد النبي الكريم ﷺ بهذا الدين. وتجد فيهم نكهة تلك الثمار ولألاء تلك الأنوار وعبق ذلك الإزهار، طبعا في النوع وليس في الدرجة، ليبقى هو ﷺ القدوة دوما، ليس للأجيال التالية بل حتى لجيل الصحابة الكرام الذي رباه الرسول الكريم ﷺ بالعلم والعمل والتقويم والتوجيه، أليس هو الأسوة للأمة، بكل أجيالها، حتى الصحابة الكرام؟ فكان الصحابة الكرام يستقون منه ﷺ بكل ترتيب واعتبار وحال، سواء في الإقبال على توجيهاته والأخذ بتعليماته أو بالإسراع إلى محاكاته. ووصلوا إلى حد أنه مجرد الإشارة يسارعون إليها متنافسين. وتربوا على ذلك مستمدين من مائدة القرآن الكريم وبيده الكريمة ﷺ . فإذا ذكر شيئا حاثا بشكل عام سارعوا إليه، ولا تكاد تجد استثناء. انظر مثلا بيعتهم في الحديبية! فهذا عمير بن الحمام، فانظر ما فعل في معركة بدر. بل إن أحدهم يسأل عما يقربه إلى الله أكثر، لا يسأل عن تكاليفه مهما كانت حتى لو بذل نفسه، مقبلا غير مدبر. بل ويستقلها، كما قال خبيب حين أتوا به للقتل. استمع إلى قصة عوف بن الحارث «١» . إن أمر هذه السيرة عجيب، كيف وقد صرّفها الله تعالى وجعلها تحتوي الإسلام كله، مطبقا عمليا مرسوما في الحياة قام به أفراد ومجتمع وتمثّله ومثّله. وإذا نظرت فيها جيدا وجدت يد الله العلي القدير كانت توجهها وترعاها وتسيرها حيث يريد سبحانه لتحقيق هذا الأمر.

стр. 376

وهذا التصريف لها ترى فيه صياغتها مستوعبة التعاليم محوّلة إلى واقع عملي. خذ مثلا الأحداث الاعتيادية اليومية في مكة والمدينة كلها في أية شريحة أو مقطع أو جزء تجدها ناطقة بذلك. والمعارك والأحداث وتوسع الدعوة وانتشارها. ذلك واضح في شدة الأمور ودرجاتها ومسيرتها ونصرها وفي مشقاتها وتيسراتها. وهي خلال ذلك لا تكشف عن حقيقة الإيمان وطبيعته وآثاره فحسب، بل تكشف لك أيضا طبيعة الكفر والعدو، سر معها خطوة خطوة منذ البداية يوميا. عسر الدعوة ومشقاتها وأساليب حرب الأعداء لها، والمؤمنون وصبرهم واحتمالهم واستشهادهم، ورفض الآخرين لها وتنوع استجاباتهم وتحجر مجالاتها أحيانا، كما في مكة والطائف، حتى يصل لليأس، لولا أنها نبوّة لا تعرف اليأس بأي حال، بل تستمر بذلك. وهذا دليل على أنها نبوة من الله تعالى وإن كان كل ما فيها على ذلك دليل. وإذا بدون ترقب، وبكل يسر وسهولة يسلم الستة الأوائل من الخزرج من أهل المدينة، ثم يستمر ذلك حتى كانت البيعات والهجرة والنصرة. وكلها بشكل قوي، العداء والولاء سواء. ثم أحداث المدينة بكل ألوانها، الحربية وغيرها. وخذ أي قطع من هذا وذلك، تجد أن يد القدرة الإلهية من ورائها وأداتها المجتمع وأفراده وأحداثه تجري في اتجاهه. خذ بدرا وكيف أن المسلمين خرجوا للقافلة وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ [الأنفال: ٧] . ثم تفلت القافلة فيكون اللقاء والحرب وتكون النتيجة المعروفة وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [آل عمران: ١٢٣] «١» . وانظر فتح مكة حيث كانت معاهدة صلح الحديبية عشر سنوات، وكيف

стр. 377

تنقضها قريش ليكون ذلك معجلا لفتح مكة، حتى تتم الصيغة ويتلوها أن يزول الشرك من العاصمة الكعبة ويقصم ظهر الوثنية وأهلها، وكلها تخلص: هذه المدن ثم الجزيرة للإسلام. وذلك كي يتم نزول القرآن كما تم تطبيق كل الإسلام بأركانه وعباداته ونصوصه وتطبق في حياة الرسول ﷺ . فما إن ينتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلا وقد تم الإسلام نصوصا ودروسا وتطبيقا. وتعرف الفروض وتطبق عمليا. ويعلن في حج السنة التاسعة انتهاء الجاهليات في الحج، حيث جاء في صحيح مسلم أنه: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافا «١» . تجعله على فرجها! وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كلّه ... فما بدا منه فلا أحلّه فكان الأذان (الإعلان والإعلام) في الناس يوم النحر (حج السنة التاسعة) : لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان «٢» ، لأن العرب كانت تطوف بالبيت عراة إلا الحمس، والحمس هي قريش «٣» . ثم يتم في حجة الوداع التي خلصت للإسلام كل تعليماتها وأركانها، ويتم بذلك الإسلام قائما مرئيا في الواقع العلمي. تجد في السيرة النبوية كل المعاني الإسلامية وصيغ تطبيقات الإسلام لتعرف الأمة ذلك بوضوح، بل عليها تقيس وبها تستشهد وتجد لكل أمور الحياة. حتى في بعض التصرفات المتناسبة مع التعليمات الإسلامية ومنهج دعوته وتصريف ذلك حتى فيما حولها مما يتناسب مع معانيها وأمورها.

стр. 378

ففي المقاطعة التي أرادتها قريش ضد المسلمين وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في جوف الكعبة لحصر المسلمين ومن عاونهم من بني عبد المطلب وإجاعتهم حتى يسلّموا لهم محمدا ﷺ . وفي هذا تصحيح لما هو معروف من أن هذه المقاطعة كانت لإجاعتهم، بل هو حتى يسلموهم محمدا ﷺ ليقتلوه، وبذلك ينتهون من هذا الأمر، أمر الإسلام ودعوته. وكان ابتداء هذه المقاطعة من ليلة هلال المحرم من سنة سبعة للبعثة ولمدة ثلاث سنوات إلى السنة العاشرة، وظهرت في ذلك المعجزات المادية والمعنوية في الصبر والإصرار والتقوية. ويبدو لي أن الذين يحاربون الإسلام، فيهم غباء، يورثه إياهم بعدهم عن الحق وحربهم له، فماذا يفعلون؟ فهم يعرفون أن محمدا ﷺ حق وأن هذه الأمور لا تقوم له، ولكن كيف يصنع مبطلون يحاربون دعوة حق، مثل ما يفعل المعاصرون، أنظمة وحكاما ومؤسسات (المستشرقون وأتباعهم، والكنيسة) وما يشيعونه من شبهات على التاريخ الإسلامي، ابتداء من السيرة الشريفة، يدل على غبائهم وأشد أنواع الغباء ودرجاته. شجعهم على ذلك جهل المسلمين بتاريخهم. فحين أتمّ ﷺ فتح الفتوح (فتح مكّة) سأله أسامة بن زيد: أين ننزل غدا يا رسول الله؟ قال: «وهل ترك لنا عقيل دارا» . وطلب أن تضرب قبته (خيمته) في نفس المكان الذي حاصرت قريش فيه المسلمين في شعب أبي طالب في خيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر، حيث قال ﷺ : «نحن نازلون غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر» «١» . ومن أعاجيب هذه الدعوة الكريمة وتعاجيبها- ولا عجب من أمرها لأنها من الله تعالى- أن هؤلاء الصحابة الكرام حين عادوا إلى مكة فاتحين- رمضان

стр. 379

السنة الثامنة للهجرة- لم يأخذ أي أحد منهم ولم يفكر بمال أو عقار، أثاث أو دار، مما تركه وأخذته قريش، ولم يكن ذلك على بالهم أو في حسابهم، لا سيما بعد توجيه الرسول الكريم ﷺ من سأل منهم عن هذا الأمر «١» . كانوا يريدون أن يكون جهادهم خالصا لله تعالى، وهذا في كل الأعمال. وكانوا يحافظون على ذلك ولا ينقصون منه، سائلين الأجر من الله تعالى في كل هذا وغيره، ديدن مألوف. وحين سأل أسامة بن زيد بن حارثة الرسول الكريم ﷺ في فتح مكة- عن مكان نزوله قال: «وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور (من منزل) » «٢» . لكنه ﷺ في فتح مكة وفي حجة الوداع- نزل في خيف بني كنانة، حيث ضربت له القبة. وكان هذا توجيه ﷺ حين أراد أن ينفر من منى: «نحن نازلون غدا- إن شاء الله- بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر» «٣» ، يعني: المحصّب، وهو الأبطح.

стр. 380

وكان الصحابة الكرام يحرصون أن يحافظوا على خلوص أعمالهم لله تعالى ويحزنون لو جرى أمر ينقص من ذلك. وفي قصة عيادة الرسول الكريم ﷺ في حجّة الوداع- سعد بن أبي وقاص (٥٥ هـ) في مرضه في مكة خلالها وتخوّفه أن يموت بمكة أو لا يستطيع- لأي سبب- العودة إلى المدينة، فيذهب منه الكثير من أجر الهجرة التي تمثّل معلما مهما في السير النبوية الشريفة، ومثلها في حياة كل مهاجر، ألّا يحرم من العودة إلى المدينة مهجره وأن يحدث له ما يبقيه في مكة أو يموت فيها بعيدا عن مهجره، وهي دليل على من عاش بهذه الهجرة ألا يغبّش شيء مؤداها ومعناها ومبناها. والمحاورة التي جرت بين الرسول الكريم ﷺ وبين سعد بن أبي وقاص «١»

стр. 381

رضي الله عنه خلال ذلك توضح هذا المعنى، أوردها كما في صحيح مسلم. يقول سعد: عادني رسول الله ﷺ في حجّة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت، فقلت: يا رسول الله بلغني ما ترى من الوجع وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا» ، قال قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: «لا، الثلث، والثلث كثير. إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى اللّقمة تجعلها في في امرأتك» قال: قلت: يا رسول الله أخلّف بعد أصحابي؟ قال: «إنك لن تخلّف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة. ولعلك تخلّف حتى ينفع (ينتفع) بك أقوام ويضرّ بك آخرون. اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردّهم على أعقابهم. لكن البائس سعد بن خولة» . قال (الراوي) : رثى له رسول الله ﷺ من أن توفي بمكة «١» . وكان المشركون يعرفون عن هذه الأخلاق منذ وقت مبكر، إلى حد أنهم يريدون قتله وهو يدعوهم إلى الله، دعوة فيها خير الدنيا والآخرة، ولما كسرت رباعية رسول الله ﷺ وشجّ في رأسه فجعل يسلت الدم (يمسحه ويزيله) عنه ويقول: «كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيّهم وكسروا رباعيته

стр. 382

وهو يدعوهم إلى الله» «١» . فأنزل الله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ [آل عمران: ١٢٨] . والرسول ﷺ رغم ذلك يستمر يدعوهم، ويدعو لهم بالهداية: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» «٢» . وكان ﷺ يرجو «أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا» «٣» . لقد كان الأولى بأهل مكة أن يكونوا أول المؤمنين، لكنهم كانوا له من أكبر المعاندين والمحاربين! فأين الرابطة القومية التي يتحدثون عنها؟ هل حقيقة أن دعاتها يصدقون ويصدّقون ذلك؟ لكن الذي يبدو أنهم أدرى من غيرهم ببطلان هذا الكلام. وهم لا يدعون إليها عن إيمان بها، بل مؤامرة على الإسلام ومواجهة له، ومتى كانت القومية رابطة؟ فضلا عن أن تكون فكرة أو منهجا، لا سيما بالنسبة للإسلام «٤» . لماذا لا يتحدثون عنها رابطة وصلة. ومجتمعا قبل الإسلام؟ إنه من العجيب أن يتكلم أحد بذلك في البلاد الإسلامية. ومن كان يدعو إليها فيما سبق هجرها، وهؤلاء الأوربيون تخلوا عنها، وجدوا أيّ بلد غير إسلامي يدعو لقومية «٥» . أما الأتباع فللأسف إنهم تابعوا لأسباب قلّ فيها التأصيل، كما قلّ فيهم النظر الثاقب والدليل. بل وصل الأمر في العهد المكي أن المشركين وهم يحاربونه ﷺ مع ذلك يضعون أماناتهم عنده. ولكن رغم هذا العداء والعناد، فقد بلغت الدعوة

стр. 383

ونبيها ودعاتها وأتباعها من العلو والسمو والوضوح، في مسالكهم وتعاملهم وأخلاقياتهم أن ذلك أمر مسلّم به. فهم يعترفون بإصرار بهذه الأخلاق العوالي التي لا يمكن إخفاؤها، بل كانت القوة والظهور والاعتزاز، أنهم يعترفون بها بإعجاب وإصرار. فهذا أبو جهل فرعون هذه الأمة وهو يقود قريشا وأهل مكة لقتال الرسول الكريم ﷺ وإبادة الإسلام والقضاء على المسلمين، إلى معركة بدر (١٧ رمضان، سنة ٢ هـ) وبعد فشل كل المحاولات- من عدد من زعماء قريش ومكة- لترك الحرب والعودة إلى مكة بعد نجاة العير القادمة من الشام، بقيادة أبي سفيان وحماية سبعين من فرسان قريش وشجعانها- التي خرج رسول الله ﷺ لاعتراضها- أصر أبو جهل على مواجهة المسلمين والقضاء على الإسلام ونبيه ﷺ وأتباعه «١» . وفي الطريق سأل الأخنس بن شريق أبا جهل منفردا- خلا به- فقال له: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد: أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس ها هنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا! فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قطّ، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسّقاية والحجابة والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ «٢» . ولدى ابن إسحاق في سيرته أورد هذا المعنى- بعد أن يذكر استماع زعماء قريش إلى القرآن الكريم- فيقول: ثم خرج (الأخنس) من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت، تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الرّكب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل

стр. 384

هذه، والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدّقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه «١» . وقد وصف الله تعالى ذلك بقوله العظيم، مخاطبا رسوله الكريم ﷺ : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] . ومضى الصحابة بهذا الخلق مقتدين برسول الله ﷺ ، يسمعون فيهرعون إلى الامتثال، بكل محبة وشوق وفرح. فكانوا يسعون لكل أمر يقربهم إلى الله تعالى، مهما كان شاقا، سواء يسمعونه فيأتمرون، أو يسألون عنه فيسارعون. فانظر إلى عمير بن الحمام حين سمع رسول الله ﷺ في معركة بدر يقول: «والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة» . فقال عمير بن الحمام، أخو بني سلمة، وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء. ثم قذف التّمرات من يده وأخذ سيفه، فقاتل القوم حتى قتل «٢» . ويذكر ابن القيم كلاما إضافيا في هذه القصة، فيقول: ولما دنا العدو وتواجه القوم، قام رسول الله ﷺ في الناس، فوعظهم وذكّرهم بما لهم في الصبر والثبات من النصر والظّفر العاجل وثواب الله الآجل، وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله، فقام عمير بن الحمام، فقال: يا رسول الله، جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: «نعم» . قال: بخ بخ يا رسول الله، قال: «ما يحملك على قولك بخ بخ» ، قال: لا والله يا رسول الله إلّا أن أكون من أهلها، قال: «فإنك من أهلها» . قال:

стр. 385

فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتل حتى قتل. فكان أول قتيل «١» . وصورة أخرى في معركة بدر كذلك- وما أكثر الصور فيها وفي غيرها- إذ سأل عوف بن الحارث «٢» ، فقال: يا رسول الله، ما يضحك الرّب من عبده؟ قال: «غمسه يده في العدو حاسرا» . فنزع درعا كانت عليه فقذفها! ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل «٣» . وهذا وأمثاله يقوم على الإيمان القوي العميق الوثيق بالله تعالى وكتابه العظيم ورسوله الكريم ﷺ . فهو يأتي بالعجائب غير المسموعة ولا المنطورة ولا المعروفة، والتي لا تخطر على بال أحد. لكنه برز أمام العيان أن المجتمع المسلم- كمجتمع الصحابة الكرام ﵃، ومن على منوالهم وعلى مدار التاريخ- يكون في أموره وحياته ومعيشته صورة مصغرة عن الحياة في الآخرة من الرقي المثال والخلق الرفيع والتعامل الفاضل. فهي تكون معيشته من ناحية الاكتفاء والاستمتاع وروعة النّتاج وتوفره لكل أحد. وهذا بطبعه- في الحياة الدنيا- ينتفع منه من يحيا في المجتمع المسلم ويظلّله بوارف ظله ومن يقتبس منه ممن في خارجه أو مارا به أو حتى سامعا عنه. وهذا لكي يشهد غير المسلمين روعة هذا الدين مما هو محروم منه، لكي يكون مجتمعه دوما متميزا يرى الناس فيه صيغ هذا الدين ماثلة أمامهم شاهدا على دين الله تعالى ومنهجه. وهو بذاته دعوة قائمة لا مجال لتجاهله أو إنكارها وعندها يبقى الناس بين معجب يقوده ذلك إلى الانضواء تحت لوائه أو مسالم يقترب يوما فيوم منه ليطرق بابه

стр. 386

ويدخله، أو حقود عنود حسود، مثل أبي جهل ومن معه، الذين ساقتهم إرادة الله إلى بدر ليقتلوا، ويزالوا من أمام دعوة الله تعالى، بتصريف الله لأمر هذه الدعوة الكريمة المباركة. وهؤلاء يستمرون في العداء والحرب والتجييش، ويقضى عليهم بسواعد المؤمنين بهذه الدعوة التي بنتها الشريعة الإسلامية باسم الله تعالى وبكتابه وعلى يدي رسول الله ﷺ . عند ذلك يؤيدهم سبحانه بأي من جنده وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر: ٣١] «١» . يتم بقدرته المطلقة وإرادته القوية ورحمته الواسعة، كما جرى للصحابة الكرام بقيادة رسول الله الكريم ﷺ في معركة بدر الكبرى، وهي فاصلة في التاريخ الإسلامي والإنساني على السواء. وبهذا يتوفر الحبّ لله وكتابه ورسوله ﷺ فيأتي بعجائب الصور التي يستغرب حدوثها ولا يقدر عليها- وما قدر- إلا بهذا الدين، فليتق الله تعالى امرؤ، ويلزم التقوى، ثم ليرى ما سيكون. هكذا تلقى الصحابة الكرام ﵃ هذه المعاني وارتقوا قممها وجلسوا فوق صهواتها، فكانوا نموذجا يحتذى طوال الزمان، وبالنسبة لأي أحد لا تنال ولا تطال بأي حال، إلا تباعا واتّباعا لهذا الدين، ويا ليتها، اقترابا وتسديدا. وكلهم بايعوا رسول الله ﷺ على هذه المعاني ووفّوا، وتكررت هذه البيعة، وأدوا حقها بأعلى المستويات، وكانوا لا يعرفون غير الوفاء، كانوا على الهدى المستقيم وربّ الكعبة المشرفة. بلغت محبة هؤلاء الصحابة الكرام للرسول الحبيب ﷺ ليست أعلى درجات الحب فحسب، ولكنه الحب الذي لا مثيل له، وهذا يعني أن كل

стр. 387

الأمور والأحداث والمعاني التي تبنى على الإسلام لا مثيل لها بالتأكيد؛ لأن صناعته المتفردة عديمة النظير. صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ [البقرة: ١٣٨] . كانوا يفدونه بالنفس والمال والأهل والولد، ومع ذلك يستقلونها «١» . ومع أن هذا شرع ودين لكن كان أيضا رغبة النفس وهوى القلب وفيض العاطفة. وهذا يعني أن أمور الإسلام وتشريعاته وأوامره لا بد أن تؤخذ بهذا الأسلوب والمستوى والطريقة، وإلا فهي لا تقبل إلا بهذه النوعية وخالصة لله تعالى، إيمانا واحتسابا وطلابا. وغدت هذه الأمور تؤدى من قبلهم، ليس فقط رغبات يسعون إليها بل هوى وعشق يجعلهم يؤدون أكثر منها لو استطاعوا، فيقدمون أقصى الطاقة، ولكن أي طاقة: الطاقة الإيمانية بهذا الدين وبما ابتنت عليه من المعاني العالية التي ترفع صاحبها فوق كل مستوى عرفه ويعرفه أي إنسان، مستوى لا يكون إلا بهذا الدين. انظر إلى ما جرى مع عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصيّ القرشيّ المطلبي أحد السابقين الأولين، ومن عمومة رسول الله ﷺ وأسنّ منه عشر سنين في معركة بدر (صبيحة يوم الجمعة ١٧ رمضان ٢ هـ) ، حيث أخرج رسول الله ﷺ ثلاثة من أصحابه للمبارزة: عبيدة (من أبناء العمومة) لعتبة بن ربيعة، وحمزة (عمه) لمبارزة شيبة بن ربيعة، وعلي (ابن عمه) لمبارزة الوليد بن عتبة. أما حمزة وعلي فقتل كل منهما خصمه (شيبة والوليد) ، أما عبيدة فاختلف هو وخصمه (عتبة) ضربتين، «فأثبت كل منهما الآخر، وشدّ عليّ وحمزة على عتبة فقتلاه (فذفّفا عليه: أجهزا عليه) ، واحتملا عبيدة وبه رمق، ثم توفي بالصفراء» «٢» . ثم حملا صاحبهما عبيدة إلى النبي ﷺ

стр. 388

ففرش له قدمه فوضع خده عليها وقد طابت نفس عبيدة بذلك، ثم قال عبيدة: أما والله لو أدرك أبو طالب هذا اليوم لعلم أني أحق منه بقوله «١» : كذبتم وبيت الله يبزا محمد ... ولمّا نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرّع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل وفي بدر لما كان رسول الله ﷺ يعدل صفوف الصحابة استعدادا للقتال، وبيده سهم يعدل به القوم فمر بسواد بن غزيّة، وهو مستنتل (متقدم) من الصف فأشار ﷺ إليه قائلا: «استو يا سواد» . فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل، قال: «فأقدني» فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه الشريفة وقال: «استقد» . قال: فاعتنقه فقبّل بطنه، فقال: «ما حملك على هذا يا سواد؟» . قال: يا رسول الله حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك. فدعا له رسول الله ﷺ بخير «٢» . فلا يوجد وما وجد في العالم كله أحد أحب أحدا كما أحب أصحاب محمد محمدا ﷺ «٣» . والحق أن هذا دائم، فالحب هو طبيعي لكل مسلم حق، على مر العصور حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وانظر هذه الصورة كذلك: أن رجلا من أهل الكوفة قال لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يا بن

стр. 389

أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد. قال: فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا «١» . وهذا الحب العظيم لم يكن مقصورا على أحد دون أحد، الكل كذلك، وهو أمر طبيعي، كما سبق بيانه قبل قليل «٢» . وكان هو ﷺ يبادلهم هذا الحب، يحبهم ويرعاهم ويؤثرهم، تشهد ذلك في كل موطن. فلدى وصول موكب النبوة الكريم إلى المدينة المنورة في الهجرة الشريفة، استقبله نحو خمسمئة من الأنصار بأسلحتهم، وخرج أهل المدينة والعواتق «٣» فوق البيوت، يقلن: ما رأينا منظرا شبيها به، الله أكبر جاء رسول الله، الله أكبر جاء رسول الله. ويصف أنس بن مالك ذلك اليوم فيقول: (شهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوما قطّ، كان أحسن ولا أضوأ (أنور) من يوم دخل المدينة علينا، وشهدته يوم مات فما رأيت يوما قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات رسول الله ﷺ فيه) «٤» . وخرجت الجواري (النساء) من بني النجار يضربن الدفوف وينشدن: نحن جوار من بني النجار ... يا حبذا محمد من جار فقال لهن رسول الله ﷺ : «أتحببنني» ؟ قلن: أي والله يا رسول الله. فقال: «وأنا والله أحبكم» قالها ثلاثا «٥» . كان الصحابة جميعا يحسون بقربهم منه وقربه منهم، متواضعا للجميع وإلى أبعد الحدود، لأنه تواضع لله تعالى، ومن يتواضع لله يرفعه، ومن لا يتواضع لله لا يتواضع لغيره ولا يعرف التواضع إليه سبيلا. ففي فتح مكة (٢٠ رمضان ٨ هـ) حين دخل رسول الله ﷺ ووصل إلى ذي طوى «وقف

стр. 390

على راحلته معتجرا، وإن رسول الله ﷺ ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرّحل» «١» . وكذلك دوما في كل تصرفاته. وكان ﷺ يقوم الليل حتى تفطرت قدماه، فقالت له عائشة ﵂: تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدا شكورا» «٢» . ومعلوم- طبيعيا- أن التوجه في كل ذلك إلى الله تعالى وحب لقائه وثوابه في نعيم الآخرة إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: ٥٤- ٥٥] . وغدا هذا هو بناء الصحابة الكرام إلى حد أن أصبح لديهم طبيعة لا يفكرون فيه فهم يصدرون عنه ويردون. فحين حضرت الوفاة أبا بكر الصديق ﵁ (٢٢ جمادى الآخرة سنة ١٣ هـ) أي حين كان يحتضر دخلت عليه عائشة ﵂ وكان يعاني سكرات الموت، هي معاناة حقة. والرسول ﷺ لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول: «سبحان الله إن للموت لسكرات» «٣» . فلما رأت عائشة ﵂ ذلك قالت لأبيها أبي بكر متمثلة بقول الشاعر: لعمرك ما يغني الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر فنظر إليها أبو بكر معاتبا غير راض، ثم قال لها: لا تقولي هكذا، ولكن قولي: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق: ١٩] . كان همّ الصحابة الكرام- ﵃ أجمعين- الآخرة ورضا الله تعالى وحسن لقائه. وفي كل أحوالهم، وقدوتهم وأسوتهم الرسول الكريم ﷺ . فلا يصدر عنهم في كل ذلك إلا ما يرضي الله تعالى حتى في مزاحهم ولهوهم وغنائهم، وهو أمر طبيعي لا يتكلفونه.
следующие страницы →