← Сира

Сира · id 9898

السيرة النبوية وأخبار الخلفاء من الثقات لابن حبان

ابن حبان

Полный текст (598 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

يقول: من يمنعك مني؟ يا محمد! فقال «١» رسول الله ﷺ : [الله] «٢» ! ودفعه جبريل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذ رسول الله ﷺ السيف، ثم قام على رأسه وقال: من يمنعك مني؟ قال: لا أحد، فقال له رسول الله ﷺ : «قم فاذهب لشأنك» ، فلما ولى قال: أنت خير نبي يا محمد! قال رسول الله ﷺ : «أنا أحق بذلك منك» ، فلما سمعت الأعراب من غطفان برسول الله ﷺ لحقت بذي الجبال، فلما أعجزوه رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة «٣» . وولد السائب «٤» بن يزيد ابن أخت نمر. وغزا رسول الله ﷺ في شهر جمادى الأولى «٥» بحران معدن بناحية الفرع، ثم رجع رسول الله ﷺ ولم يلق كيدا «٦» . ثم كانت سرية الفردة وذلك أن قريشا قالت: قد عور «٧» علينا محمد متجرنا وهو على طريقنا، وإن أقمنا بمكة أكلنا رؤوس أموالنا؛ فقال أبو زمعة «٨» بن الأسود بن المطلب «٩» : أنا

стр. 212

أدلكم على رجل يسلك بكم طريقا ينكب عن محمد وأصحابه، لو سلكها مغمض «١» العينين «٢» لاهتدى! فقال صفوان بن أمية: من هو؟ قال: فرات بن حيان العجلي- وكان دليلا، فاستأجره صفوان بن أمية وخرج بهم في الشتاء وسلك بهم على ذات عرق «٣» ثم على غمرة «٤» ، فلما بلغ الخبر إلى رسول الله ﷺ بعث زيد بن حارثة في جمادى الأولى «٥» ، فاعترض العير فظفر بها، وأفلت أعيان القوم وأسر فرات بن حيان العجلي، وكان له مال كثير وأواقي من فضة، فقسم رسول الله ﷺ الغنائم على من حضر الواقعة وأخذ الخمس عشرين ألفا، وأطلق رسول الله ﷺ فرات بن حيان فرجع إلى مكة «٦» . ثم تزوج رسول الله ﷺ بحفصة بنت عمر بن الخطاب، قال عمر بن الخطاب: لما تأيمت «٧» حفصة «٨» لقيت عثمان بن عفان فعرضتها عليه، فقال «٩» : إن شئت زوجتك حفصة، قال: سأنظر في ذلك، فمكث ليال ثم لقيني فقال: بدأ

стр. 213

لي أن لا أتزوج يومي هذا؛ قال عمر: فلقيت أبا بكر فقلت له: إن شئت زوجتك حفصة! فصمت أبو بكر ولم يرجع إليّ بشيء، فكنت على أبي بكر «١» أوجد مني على عثمان، ثم مكثت ليال فخطبها إلى رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت في نفسك؟ فقلت: نعم، فقال أبو بكر: لم يمنعني أن أرجع إليك فيها بشيء إلا أن النبي ﷺ قد كان ذكرها فلم أكن أفشي سره، ولو تركها قبلتها «٢» . ثم تزوج رسول الله ﷺ زينب «٣» بنت خزيمة من بني هلال التي يقال لها أم المساكين، ودخل بها حيث تزوجها في أول شهر رمضان، وكانت قبله تحت الطفيل بن الحارث فطلقها؛ ثم ولد الحسن بن علي بن أبي طالب في النصف من شهر رمضان، وعق عنه رسول الله ﷺ بكبشين وحلق رأسه، وأمر أن يصدق بوزن شعره فضة على الأوقاص «٤» من المساكين. ثم كانت غزوة أحد وذلك أن أبا سفيان لما رجع بعيره إلى مكة قال عبد الله بن [أبي] «٥» ربيعة المخزومي وعكرمة بن أبي جهل ورجال من قريش ممن «٦» أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر: يا معشر قريش! إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا على حربه لعلنا [أن] «٧» ندرك منه بعض ما أصاب منا! فاجتمعت قريش [على] المسير

стр. 214

إلى رسول الله ﷺ بأحابيشها ومن أطاعها «١» من قبائل «٢» مكة وغيرها «٢» ، وخرجوا معهم بالظعن «٣» ، فخرج أبو سفيان بن حرب بهند بنت عتبة بن ربيعة أم معاوية، وخرج عكرمة بن أبي جهل بأم حكيم «٤» بنت الحارث بن هشام، وخرج الحارث بن هشام بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وخرج صفوان بن أمية ببرة «٥» ابنة مسعود بن عمرو وهي أم عبد الله بن صفوان، وخرج عمرو بن العاص بريطة «٦» ابنة منبه بن الحجاج السهمي وهي أم عبد الله بن عمرو، وخرج طلحة بن أبي طلحة بسلافة «٧» ابن شهيد «٨» أحد بني عروة بن عوف مع نسوة غيرهن «٨» ، ودعا جبير بن مطعم غلامه وحشيا فقال: إن قتلت عم محمد حمزة بعمي «٩» طعيمة بن عدي فأنت عتيق. فخرجت قريش تريد رسول الله ﷺ حتى نزلوا بعينين جبل ببطن السبخة «١٠» على شفير الوادي مما يلي المدينة وهم ثلاثة آلاف رجل، معهم من الخيل مائتا فرس، ومن الظعن خمسة عشر امرأة؛ فقال رسول الله ﷺ لما سمع بهم: «إني رأيت فيما يرى النائم في ذباب سيفي ثلمة «١١» ، ورأيت بقرة نحرت، ورأيت كأني أدخلت يدي في «١٢» درع حصينة «١٢» ؛ فتأولتها «١٣» المدينة» . وكره رسول الله ﷺ الخروج إليهم، فقال عبد الله

стр. 215

ابن أبي بن سلول: يا رسول الله ﷺ ! لا تخرج إليهم، فو الله! ما خرجنا إلى عدو قط إلا أصاب منا، وما دخلها علينا إلا أصبناه. فقال رجال من المسلمين ممن كان فاتهم بدر: يا رسول الله! اخرج بنا إلى أعداء الله، لا يرون «١» أنا جبنّا «١» عنهم أو ضعفنا، فقال عبد الله بن أبي: يا رسول الله! أقم فإن [أقاموا] «٢» أقاموا بشر مجلس «٣» ، وإن دخلوا علينا قاتلهم «٤» الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم «٥» . فلم يزل برسول الله ﷺ الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله ﷺ فلبس لأمته «٦» ثم خرج عليهم، وقد ندم الناس وقالوا: استكرهنا رسول الله ﷺ ولم يكن لنا ذلك، ثم قالوا: يا رسول الله استكرهناك ولم يكن لنا ذلك، إن شئت فاقعد- صلى الله عليك! فقال رسول الله ﷺ : «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» ! فخرج رسول الله ﷺ في شوال يوم السبت في ألف رجل، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وصلى المغرب بالشيخين «٧» في طرف المدينة- وقد قيل: بالشوط «٨» .

стр. 216

ثم عرض المقاتلة فأجاز من أجاز ورد من رد، فكان فيمن رد زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وأسيد بن ظهير «١» والبراء بن عازب وعرابة بن أوس الحارثي وأبو سعيد الخدري. وأجاز سمرة بن جندب، وأما رافع بن خديج فإن رسول الله ﷺ استصغره، فقام على خفين «٢» وتطاول على أطرافه، فلما رآه رسول الله ﷺ أجازه. وكان دليل النبي ﷺ أبو حثمة «٣» الحارثي. فقال عبد الله بن أبي لمن معه: أطاعهم رسول الله ﷺ وعصاني، والله ما ندري على ما نقتل أنفسنا معه، أيها الناس ارجعوا! فعزل من العسكر ثلاثمائة رجل ممن تبعه ورجع بهم المدينة. ومضى رسول الله ﷺ في سبعمائة رجل وسلك حرة بني حارثة ثم نزل حتى مضى بالشعب من أحد في عدوة «٤» الوادي وجعل ظهره إلى أحد، وقال: «لا يقاتلن أحد حتى آمره» . ثم أمر رسول الله ﷺ على الرماة عبد الله بن جبير أحد بني عمرو بن عوف، وهم خمسون رجلا، وقال: «انضح عنا الخيل لا يأتونا «٥» من خلفنا، إن كانت علينا أو لنا فاثبت مكانك، لا نؤتين «٦» من قبلك» ! ثم ظاهر رسول الله ﷺ في درعين، وأعطى اللواء عليّ بن أبي طالب «٧» ، وقال: «من يأخذ مني هذا السيف بحقه» ؟ قال أبو دجانة سماك بن خرشة: وما حقه يا رسول الله؟ قال: «تضرب به في العدو حتى ينحني» ، فقال: يا رسول الله! أنا آخذه بحقه، فأعطاه إياه- وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال «٨» عند الحرب، وكان إذا

стр. 217

أعلم «١» بعصابة «٢» له حمراء ويعصب بها رأسه، فإذا رأوا ذلك علموا أنه سيقاتل؛ فأخذ السيف من رسول الله ﷺ وأخرج عصابة فعصب بها رأسه ثم أخذ يتبختر بين الصفين، فقال رسول الله ﷺ : «إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن» . وتعبأت قريش، وجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل؛ وقال أبو سفيان بن حرب لأصحابه: إنكلم قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم «٣» إذا مالت مالوا «٣» فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه «٤» ، فهموا «٥» به وتواعدوه وقالوا: نحن نسلم إليك ستعلم كيف نصنع! وجاءت هند بنت عتبة والنسوة اللواتي «٦» معها يحرضنهم على القتال، «٧» وتقول فيما تقول «٧» : إن تقبلوا «٨» نعانق ... ونفرش النمارق أو «٩» تدبروا نفارق ... فراق غير دامق «١٠» وأول من خرج من المشركين أبو عامر بن أمية في الأحابيش وقال: يا معشر الأوس! أنا أبو عامر! قالوا: فلا أنعم الله بك عينا، ثم راضخ «١١»

стр. 218

المسلمين بالحجارة وقاتلهم قتالا شديدا «١» ، وقاتل أبو دجانة في رجال من المسلمين حتى حميت الحرب وأنزل الله النصر، وكشفهم المسلمون عن معسكرهم، وكانت الهزيمة عليهم، فلم يكن بين أخذ المسلمين هندا وصواحبها إلا شيء يسير، وقتل علي بن أبي طالب طلحة وهو حامل لواء قريش، و [أبا] الحكم بن الأخنس بن شريق «٢» ، وعبيد الله بن جبير بن أبي زهير «٣» ، وأمية «٤» بن أبي حذيفة بن المغيرة. وأخذ اللواء بعد طلحة أبو سعد «٥» فرماه سعد بن أبي وقاص فقتله، وبقي اللواء صريعا لا يأخذه أحد، فتقدم رجل من المشركين يقال له صؤاب «٦» فأخذ اللواء وأقامه لقريش، فكر المسلمون عليه حتى قطعوا يديه ثم قتل، وصرع اللواء. فلما رأى الرماة الذين خلف رسول الله ﷺ أن المشركين قد انهزموا وتركوا، تركوا مصافهم يريدون النهب وخلوا ظهور المسلمين للخيل، وأتاهم المشركون من خلفهم وصرخ صارخ: ألا! أن محمدا قد قتل! فانكشف المسلمون فصاروا بين قتيل وجريح ومنهزم حتى خلص [العدوّ إلى] رسول الله ﷺ وأصيب رباعيته، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم» . ثم قام زياد بن السكن في خمسة من الأنصار، فقاتلوا دون رسول الله ﷺ رجلا رجلا حتى قتلوا، وكان آخرهم زياد بن السكن «٧» فأثبتته الجراحة، وجاء المسلمون فأجهضوهم عنه «٧» ، فقال رسول الله ﷺ : «ادنوه مني» ! فوسده قدمه

стр. 219

«١» حتى مات في حجره «١» ، وترّس «٢» أبو دجانة دون رسول الله ﷺ بنفسه، فكانت النبل تقع في ظهره وهو ينحني «٣» عليه حتى كثرت «٤» فيه النبل. وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ حتى قتل، أصابه ابن قميئة «٥» الليثي وهو يظن أنه رسول الله ﷺ . ثم رجع إلى قريش وقال: قتلت محمدا! والتقى حنظلة بن أبي عامر وأبو سفيان فاستعلى حنظلة أبا سفيان بالسيف، فلما رآه «٦» ابن شعوب «٧» أن أبا سفيان قد علاه حنظلة بالسيف ضربه فقتله، فقال رسول الله: «إن صاحبكم لتغسله الملائكة» ! وخرج حمزة بن عبد المطلب فمر به سباع بن عبد العزى الخزاعي «٨» وكان يكنى أبا نيار، فقال: هلم يا ابن مقطعة البظور «٩» ! فالتقيا فضربه حمزة فقتل، ثم جعل يرتجز ومعه سيفان إذ عثر دابته فسقط على قفاه وانكشف الدرع عن بطنه، فانتزع وحشي «١٠» حربته فهزها ورماها فبقر بها بدنه ثم أخذ حربته وتنحاه. وقد انتهى «١١» أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة ابن عبيد الله ورجال من المهاجرين والأنصار قد أسقطوا [ما] في أيديهم وألقوا

стр. 220

بأيديهم فقال «١» : ما يجلسكم؟ [قالوا] «٢» قتل رسول الله ﷺ ؛ قال: فما تصنعون بالحياة بعده! قوموا فموتوا على ما مات عليه! ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل، ووجد فيه سبعون ضربة بالسيف والرمح. وكان أول من عرف رسول الله ﷺ حيث كانت الهزيمة كعب بن مالك، قال: عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر فناديت بصوتي: يا معشر المسلمين! ابشروا فهذا رسول الله ﷺ «٣» ! فلما عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا إليه، فيهم «٤» : أبو بكر وعمر وعلي وطلحة والزبير وسعد والحارث بن الصمة، فكان رسول الله ﷺ يناول النبل سعدا ويقول: «ارم فداك أبي وأمي» . ثم أدرك رسول الله ﷺ أبي بن خلف وهو يقول: يا محمد! لا نجوت إن نجوت. فقال القوم: يا رسول الله! أيعطف عليه رجل منا؟ فقال: «دعوه» ! فلما دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة ثم انتفض بها انتفاضة ثم استقبله وطعنه بها فمال عن فرسه، وقد كان أبي بن خلف يلقى رسول الله ﷺ بمكة فيقول: إن عندي «٥» العود أعلفه «٥» كل يوم فرقا من ذرة «٦» أقتلك عليه! فيقول رسول الله ﷺ : «بل أنا أقتلك إن شاء الله» . فرجع أبي بن خلف إلى المشركين وقد خدشته حربة رسول الله ﷺ خدشا غير كبير، فقال: قتلني والله محمد، فقالوا: ذهب والله فؤادك والله إن بك «٧» من بأس، فقال: إنه قد كان يقول بمكة: إني أقتلك، والله! لو بصق عليّ لقتلني، فمات بسرف «٨» وهم قافلون إلى مكة.

стр. 221

فانتهى رسول الله ﷺ بمن معه من أصحابه إلى الشعب، ومر علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته من المهراس، وجاء بها إلى رسول الله ﷺ ، فأراد رسول الله ﷺ شربه فوجد له ريحا فعافه فلم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم وصب على رأسه وقال: «اشتد غضب الله على من دمّى وجه رسول الله» ﷺ . ثم نهض رسول الله ﷺ إلى الصخرة ليعلوها، فلما ذهب لينهض لم يستطع ذلك، فجلس طلحة تحته فنهض رسول الله ﷺ حتى استوى على الصخرة، ثم قال: «أوجب طلحة الجنة» «١» !. وكانت هند واللاتي معها جعلن يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ يجد عن «٢» الآذان والآناف حتى اتخذت هند قلائد من آذان المسلمين وآنفهم وبقرت عن كبد حمزة «٣» فلاكته فلم تستطعه فلفظته «٣» ، ثم علت صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها بشعر لها طويل- أكره ذكره. فقتل من المسلمين سبعون رجلا في ذلك اليوم، منهم أربعة من المهاجرين. وكان المسلمون قتلوا اليمان «٤» أبا حذيفة وهم لا يعرفونه، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا ديته. وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلا.

стр. 222

ثم أن أبا سفيان أراد الانصراف فصرخ بأعلى صوته: الحرب سجال أعل هبل يوم بيوم بدر «١» ، فقال رسول الله ﷺ ثم ناحية: «الله أعلى وأجل لا سواء! قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» . فقال أبو سفيان: يا عمر «٢» أنشدك الله أقتلنا محمدا؟ فقال: اللهم لا وإنه «٣» ليسمع كلامك. فقال: أنت أصدق عندي من ابن قميئة «٤» ، ولكن موعدكم بدر، فقال رسول الله ﷺ : «هو بيننا وبينكم» «٥» . رحل أبو سفيان بالمشركين، فقال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب: «أخرج في آثار القوم، فإن كانوا قد اجتنبوا «٦» الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأنجزتهم» «٧» ! فخرج في آثارهم فرآهم قد اجتنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة، فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره. وفرغ الناس لقتلاهم» ، وخرج رسول الله ﷺ يلتمس حمزة فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به، فوقف عليه وقال: «لولا أن تحزن صفية أن «٩» تكون سنة بعدي «١٠» ما غيبته ولتركته حتى يكون في بطون السباع والطير «١١» ،

стр. 223

ولئن أظهرني الله عليهم لأمثلن» «١» ! فأنزل الله وَإِنْ عاقَبْتُمْ «٢» فَعاقِبُوا الآية «٣» ، ثم أمر رسول الله ﷺ فسجى ببردة. ثم [قال] «٤» ﷺ : «من رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع، أفي الأحياء هو أم في الأموات» ؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله ﷺ ! فنظره فوجده [جريحا] «٥» في القتلى وبه رمق، فقال له: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات، فقال: أنا في الأموات، أبلغ رسول الله ﷺ [عني السلام] «٥» وقل له إن سعد بن الربيع يقول «٦» ؛ جزاك الله عنا خير ما جزى نبي «٧» عن أمته، وأبلغ قومك السلام، وقل لهم إن سعدا يقول لكم إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف- ثم مات؛ فجاء إلى رسول الله ﷺ وأخبره. واحتمل الناس قتلاهم، فأمر رسول الله ﷺ أن يدفنوهم حيث صرعوا بدمائهم وأن لا يغسلوا ولا يصلى عليهم، فكان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ويقول: «أيهم «٨» أكثر أخذا للقرآن» ؟ فإذا أشير إليه بأحدهما قدمه في اللحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» . قال: انظروا عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو «٩» فإنهما كان متصافيين «١٠» في الدنيا فاجعلوهما في قبر واحد» .

стр. 224

ثم قال ﷺ : «إن الله جعل أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوى إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وسقياهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع ربنا بنا» ! فأنزل الله وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ «١» الآية. وكان ابن عمير «٢» لم يترك إلا بردة واحدة، فكانوا إذا غطوا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطوا رجليه بدا «٣» رأسه، فقال رسول الله ﷺ : «غطوا رأسه واجعلوا على رجليه شيئا «٤» من الإذخر» . ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة بمن معه من المسلمين، فمر بدار من دور «٥» الأنصار فسمع البكاء على قتلاهم «٦» ، فقال: «لكن حمزة لا بواكي له! فلما سمع «٧» سعد بن معاذ وأسيد بن حضير أمرا «٨» نساء بني عبد الأشهل أن يذهبن فيبكين على عم رسول الله ﷺ ، فلما سمع رسول الله ﷺ بكاءهن قال: «اجعل» «٩» . ثم ناول علي بن أبي طالب سيفه فاطمة «١٠» وقال: اغسلي عن هذا دمه،

стр. 225

فو الله! لقد صدقني «١» اليوم، فقال رسول الله ﷺ : «لئن كنت صدقت القتال اليوم لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة» . فلما كان ثاني يوم أحد أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج في طلب القوم، فخرج رسول الله ﷺ واستخلف على المدينة ابن [أم] مكتوم، وقال: «لا يخرج معنا إلا من حضر يومنا بالأمس، وكان أكثر أصحاب رسول الله ﷺ جرحى. فمر على رسول الله ﷺ معبد بن أبي معبد الخزاعي- وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة «٢» رسول الله ﷺ بتهامة- فقال: والله يا محمد! لقد عز علينا ما أصابك ولوددنا أن الله «٣» كان أعفاك منهم «٣» . ثم خرج «٤» فلحق أبا سفيان بالروحاء ومن معه من قريش وقد أزمعوا الرجوع «٥» إلى رسول الله ﷺ وقد توامروا بينهم وقالوا: رجعنا «٦» قبل أن نصطلم «٧» أصحاب محمد، نرجع فنكر «٨» على بقيتهم؛ فلما رأى أبو سفيان معبدا مقبلا» قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه في طلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا؛ قال: «١٠» ويلك ما «١٠» تقول «١١» ! والله لقد أجمعنا الكرة على أصحابه لنصطلمهم «١٢» . قال: فإني والله أنهاك عن ذلك بهم!

стр. 226

عليكم من الجود بشيء ما رأيته بقوم على قوم قط، فساءه ذلك. ومر بأبي سفيان ركبة من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة، قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فاخبروا محمدا أنا «١» قد أجمعنا الكرة عليه وعلى أصحابه لنصطلمهم «٢» . ثم رحل أبو سفيان راحلا إلى مكة، ومر الركب برسول الله ﷺ فأخبروه بما قال أبو سفيان «٣» ، فقال رسول الله ﷺ والمسلمون: حسبنا الله ونعم الوكيل! فأنزل الله جل وعلا في ذلك الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ إلى قوله وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ «٤» لما صرف عنهم من لقاء عدوهم إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ «٥» - الآية. فأقام رسول الله ﷺ «٦» بحمراء الأسد ثلاثا، ثم انصرف إلى المدينة. السنة الرابعة من الهجرة أخبرنا الحسين بن إدريس الأنصاري قال أنا أحمد بن أبي بكر الزهري عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: دعا رسول الله ﷺ على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحا، يدعو على رعل وذكوان وعصية، قال أنس: فأنزل الله في الذين قتلوا ببئر معونة قرآنا قرأناه حتى نسخ «بلغوا عنا «٧» قومنا إنا قد «٧» لقينا ربنا فرضى عنا ورضينا «٨» عنه» .

стр. 227

قال: في أول هذه السنة كانت غزوة بئر معونة، وذلك أن أبا براء عامر بن مالك ملاعب الأسنة «١» قدم المدينة [فأهدى لرسول الله ﷺ فرسين وراحلتين، فقال رسول الله ﷺ : «لا أقبل هدية مشرك» ، فعرض رسول الله ﷺ عليه الإسلام] «٢» فلم يسلم «٣» وقال: يا محمد! لو بعثت معي رجالا من أصحابك إلى نجد رجوت أن يستجيبوا لك؛ فقال رسول الله ﷺ : «إني أخاف عليهم من أهل نجد» ، فقال أبو براء: أنا لجار «٤» فابعثهم فليدعوا «٥» الناس إلى ما أمرك الله به، فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو «٦» الساعدي في أربعين راكبا، وقد قيل في سبعين رجلا من الأنصار، حتى نزلوا ببئر معونة- وهي بئر أرض بني عامر وحرة بني سليم، ثم بعثوا حرام بن ملحان من بني عدي بن النجار بكتاب رسول الله ﷺ إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا عليه فقتله، ثم استصرخ [عليهم] «٧» بني عامر فأبوا أن يجيبوه بما دعاهم إليه وقالوا: لن نخفر «٨» أبا براء إنه «٩» قد عقد لهم عقدا. فاستصرخ [عليهم] «٧» قبائل من سليم: رعلا وذكوان «١٠» وعصية، فأجابوه إلى ذلك، فخرج حتى غشي القوم في رحالهم فأحاطوا بهم، فلما رآهم المسلمون أخذوا أسيافهم ثم قاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد، فإنهم تركوه وبه رمق.

стр. 228

وكان في المسلمين عامر بن فهيرة طعنه «١» جبار بن سلمى الكلابي «١» بالرمح، ثم طلب في القتلى فلم يوجد جثته، فمن ذلك قيل: رفع عامر بن فهيرة إلى السماء. وكان في سرحهم ابن أمية «٢» ورجل من الأنصار من بني عمرو بن عوف «٣» فلم «٤» ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا «٤» الطير تحوم على العسكر، فقالا: إن لهذا الطير لشأنا! فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة، فقال الأنصاري «٥» لعمرو بن أمية: ماذا ترى؟ قال: أرى أن نلحق «٦» برسول الله ﷺ فنخبره، فقال الأنصاري: لكني ما كنت لأرغب عن موطن قتل فيه هؤلاء، ثم تقدم فقاتل حتى قتل «٧» . ورجع عمرو «٨» بن أمية حتى قدم رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فدعا النبي ﷺ على رعل وذكوان وعصية ثلاثين صباحا، فأنزل الله فيهم «بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضى عنا ورضينا عنه» «٩» . ثم كانت غزوة الرجيع في صفر أميرها مرثد بن أبي مرثد، فيها قتل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح «١٠» وخالد

стр. 229

ابن البكير؛ وأسر» خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة، وخرجوا «٢» بهما إلى مكة وباعوهما «٣» . ثم كانت غزوة بني النضير وكان السبب في ذلك أن عمرو بن أمية لما انفلت من رعل وذكوان وعصية وجاء إلى رسول الله ﷺ وأخبره بقتل أصحاب بئر معونة لقيه في الطريق رجلان من بني عامر، وقد كان معهم عهد من رسول الله ﷺ وجوار لا يعلم عمرو بذلك، فلما نزلا سألهما عمرو: من أنتما؟ قالا: رجلان من بني عامر، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب ثأرة «٤» من بني عامر بما أصابوا من أصحاب بئر معونة. فلما أخبر رسول الله ﷺ قال: «بئس ما عملت قد كان لهما مني جوار» . وكتب عامر بن الطفيل إلى رسول الله ﷺ إنك قد قتلت رجلين لهما منك جوار فابعث بديتهما، فانطلق رسول الله ﷺ إلى قباء ثم مال إلى بني النضير ليستعين في ديتهما ومعه نفر من المهاجرين، فجلس رسول الله ﷺ إلى مجلسهم فاستند إلى جدار هناك فكلمهم، فقالوا: أنى «٥» لك أن تزورنا، يا أبا القاسم! «٦» نفعل ما أحببت «٦» ، فأقم عندنا حتى تتغدى «٧» ، «٨» وتآمروا «٨» بينهم، فقال عمرو بن جحاش «٩» بن عمرو بن كعب: يا معشر بني النضير! والله لا تجدونه أقرب منه الساعة! أرقى على ظهر هذا البيت فأدلي عليه صخرة فأقتله بها، فنهاهم سلام بن

стр. 230

مشكم فعصوه «١» . وصعد عمرو بن جحاش ليدحرج الصخرة، وأخبر الله جلا وعلا رسوله فقام كأنه يريد حاجة، وانتظر أصحابه من المسلمين فأبطأ عليهم، وجعلت اليهود تقول: ما حبس أبا القاسم! فلما أبطأ على المسلمين انصرفوا، فقال كنانة ابن صوريا «٢» : جاءه والله الخبر الذي هممتم به! فلقي أصحاب النبي ﷺ رجلا مقبلا من المدينة فقالوا: أرأيت رسول الله ﷺ ؟ فقال: رأيته داخلا المدينة، فانتهوا إليه وهو جالس في المسجد فقالوا: يا رسول الله! انتظرناك فمضيت وتركتنا، فقال: «همت اليهود بقتلي «٣» ، ادعوا لي محمد بن مسلمة» ، فأتي بمحمد «٤» ، فقال: «اذهب إلى اليهود فقل لهم: اخرجوا من المدينة، لا تساكنونني «٥» وهممتم بما هممتم من الغدر» . فجاءهم محمد بن مسلمة فقال لهم: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تظعنوا من بلاده، فقالوا: يا محمد! ما كنا نظن أن يجيئنا بهذا رجل من الأوس، فقال محمد ابن مسلمة: تغيرت القلوب ومحا الإسلام العهود، فقالوا: نتحمل؛ فأرسل إليهم عبد الله بن أبي: «٦» لا تخرجوا فإن معي ألفي «٦» رجل من العرب يدخلون معكم، وقريظة تدخل معكم. فبلغ الخبر كعب بن أسد «٧» صاحب عهد بني قريظة، فقال، لا ينقض «٨» العهد رجل من بني قريظة وأنا حي. فأرسل حيي بن أخطب إلى رسول الله ﷺ وكان من سادات بني النضير: إنا لا

стр. 231

نفارق ديارنا فاصنع ما بدا لك! فكبر رسول الله ﷺ والمسلمون وقال: حاربت «١» يهود. ثم زحف إليهم رسول الله ﷺ يحمل لواءه علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، حتى أتاهم فحاصرهم «٢» خمسة عشر يوما، وقطع نخلهم وحرقها، وكان الذي حرق نخلهم وقطعها عبد الله بن سلام وعبد الرحمن بن كعب أبو ليلى الحراني من أهل بدر، فقطع أبو ليلى العجوة، وقطع ابن سلام اللون، فقال رسول الله ﷺ : «لم قطعتهم العجوة» ؟ قال أبو ليلى: يا رسول الله! كانت العجوة أحرق لهم وأغيظ، فنزل ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها «٣» الآية، فاللينة ألوان النخل، والقائمة على أصولها العجوة، فنادوا: يا محمد! قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما لك وقطع النخل وتحريقها. ثم تربصت اليهود نصرة عبد الله بن أبي إياهم، فلما لم يجىء وقذف الله في قلوبهم الرعب صالحوا رسول الله ﷺ على أن يحقن لهم دماءهم وله الأموال، وينجلون من ديارهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم. فاحتملوا ما استقلت به الإبل، حتى أن كان الرجل منهم يهدم بيته فيضع بابه على ظهر بعيره فينطلق به، وخرجوا إلى خيبر وذلك قوله يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ «٤» الآية. ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: «٥» يامين بن عمير بن كعب «٥» ، وأبو سعد «٦» بن وهب، أسلما على «٧» أموالهما، فأحرزاها «٧» ؛ فقسم رسول الله ﷺ

стр. 232

غنائمهم على المهاجرين، فأنزل الله سورة الحشر إلى آخرها. ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، ثم بعث رسول الله ﷺ «١» أبا سلمة بن عبد الأسد «١» إلى ماء لبني أسد، فقتل عروة بن مسعود الأنصاري وغنم نعما وشاء، ورجع إلى المدينة «٢» . ومات عبد الله بن عثمان بن عفان وهو ابن ست سنين، فصلى عليه رسول الله ﷺ ، ونزل في حفرته عثمان بن عفان. ثم ولد الحسين «٣» بن علي بن أبي طالب لليالي خلون من شعبان. ثم كانت بدر الموعد وذلك أن أبا سفيان لما انصرف من أحد قال لرسول «٤» الله ﷺ : موعدك بدر الموسم، وكان بدر موضع سوق لهم في الجاهلية، يجتمعون إليها في كل سنة ثمانية أيام، فلما قرب الميعاد جهز «٥» رسول الله ﷺ لغزوة الموعد. وكان نعيم بن مسعود الأشجعي «٦» قد اعتمر وقدم على قريش «٧» فقالوا: يا نعيم! من أين وجهك؟ قال: من يثرب، قالوا: هل رأيت لمحمد حركة؟ قال: نعم

стр. 233

تركته على هيئة الخروج ليغزوكم- وذلك قبل أن يسلم نعيم، فقال له [أبو] سفيان: يا نعيم! إن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام غيداق «١» ترعى» فيه [الإبل] «٣» الشجر ونشرب «٤» اللبن، وقد جاء أوان موعد محمد، فالحق بالمدينة فثبطهم وأخبرهم أننا في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا «٥» حتى يأتي «٥» الخلف منهم «٦» ، ولك عشر فرائض أضعها لك على يد سهيل بن عمرو! فجاء «٧» نعيم سهيلا «٧» فقال: يا أبا يزيد! تضمن «٨» لي هذه الفرائض وانطلق إلى محمد فأثبطه؟ فقال: نعم. فخرج نعيم حتى أتى المدينة، فوجد الناس يتجهزون «٩» فجلس يتجسس «٩» لهم ويقول: هذا ليس برأيي قدموا عليكم في عقر دوركم وأصابوكم فتخرجون إليهم، ليس هذا برأيي، ألم يجرح «١٠» محمد بنفسه «١١» ! ألم يقتل عامة أصحابه! فثبط الناس عن الخروج حتى بلغ رسول الله ﷺ ، قال: «والذي نفسي بيده! لو لم يخرج معي أحد خرجت «١٢» وحدي» . ثم خرج رسول الله ﷺ والمسلمون في شهر رمضان «١٣» ، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، ومع المسلمين تجارات كثيرة، حتى وافوا بدر الموعد

стр. 234

فأصابوا بها سوقا عظيما، وربحوا لدرهم درهما، ولم يلقوا عدوا «١» . ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة. ثم تزوج رسول الله ﷺ بأم سلمة بنت «٢» أبي أمية في شوال، ودخل بها في ذلك الشهر، وكانت قبله تحت أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي. ثم رجم رسول الله ﷺ يهوديا ويهودية تحاكما إليه وكانا محصنين. وأمر رسول الله ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود وقال: إني لا آمن «٣» أن يبدلوا كتابي! فتعلم زيد بن ثابت ذلك في خمسة عشر يوما. ثم كانت سرية الخزرج إلى سلام «٤» بن أبي الحقيق وذلك أنه «٥» كان مما صنع الله به لرسوله ﷺ أن هذين الحيين من الأنصار الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله ﷺ تصاول الفحلين، لا تصنع الأوس شيئا فيه عن رسول الله ﷺ غناء إلا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله ﷺ في الإسلام! قال: فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها، وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأس مثل ذلك «٥» ، فلما أصابت الأوس كعب بن الأشرف قالت الخزرج: من رجل في العداوة لرسول الله ﷺ ككعب بن الأشرف «٦» ،

стр. 235

فذكروا سلام بن أبي الحقيق «١» بخيبر، فاستأذنوا رسول الله ﷺ في قتله، فأذن لهم ونهاهم عن قتل النساء والولدان. فخرج «٢» عبد الله بن عتيك وعبد الله «٣» بن أنيس ومسعود بن سنان وأبو قتادة بن ربعي بن «٤» بلدمة بن سلمة «٤» وخزاعي بن أسود «٥» حليف «٦» لهم من أسلم، حتى «٧» قدموا خيبر فدخلوا على سلام بن أبي الحقيق داره ليلا، ولم يبق في الدار بيت إلا أغلقوه، ثم صعدوا في درجة إلى علية له فضربوا عليه بابه، فخرجت امرأته وقالت: من أنتم؟ قالوا: نفر من العرب أردنا «٨» الميرة، فقالت: هو ذاك «٩» في البيت، فدخلوا عليه وغلّقوا الباب عليهم، فما دلهم عليه إلا بياضه في ظلمة البيت وكان أبيض وكأنه قبطي «١٠» ، فابتدروه بأسيافهم، وتحامل عليه عبد الله بن أنيس فوضع سيفه في بطنه «١١» ، وهتفت «١٢» امرأته، وخرجوا. وكان عبد الله ابن عتيك أمير القوم وكان في بصره شيء، فسقط من الدرجة «١٣» فوثئت يده وثأ «١٣» شديدا. فلما قدموا على رسول الله ﷺ وأخبروه، واختلفوا في قتله وادعى كل واحد منهم أنه قتله، فقال رسول الله ﷺ : هاتوا سيوفكم، فأعطوه، فنظر فقال: سيف

стр. 236

عبد الله بن أنيس هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام. السنة الخامسة من الهجرة حدثنا محمد بن أحمد بن أبي «١» عون الدماتي ثنا عمار بن الحسن الهمداني ثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود» بن لبيد عن ابن عباس حدثني سلمان الفارسي «٣» من فيه قال: كنت رجلا مجوسيا «٤» من أهل جيّ «٥» من أهل أصبهان، وكان أبي «٦» دهقان [قريته] «٧» ، وكنت أحب الخلق «٨» إليه، فما زال به حبه إياي حتى حبسني في البيت كما تحبس الجارية، وكنت قد اجتهدت في المجوسية حتى كنت «٩» قطن النار الذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة «٩» ، وكانت لأبي ضيعة فيها بعض العمل «١٠» ، «١١» بني أبي «١١» بنيانا له «١٢» في داره «١٢» ، فدعاني فقال: أي بني! «١٣» إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب إليها فاطلعها، وأمرني فيها ببعض ما يريد، ثم قال لي: ولا تحتبس عني، فإنك إن احتبست عني «١٣» كنت أهم عندي مما أنا فيه «١٤» ، فخرجت فمررت

стр. 237

بكنيسة النصارى وهم يصلون فيها، فسمعت أصواتهم «١» ودخلت عليهم أنظر ما يصنعون، فو الله! ما زلت قاعدا عندهم وأعجبني دينهم وما رأيت من صلاتهم، وأخذ بقلبي فأحببتهم حبا لم أحبه شيئا قط، وكنت لا أخرج قبل ذلك ولا أدري ما أمر الناس، فقلت في نفسي: هذا والله خير من ديننا، فو الله! ما برحت حتى غربت الشمس، وتركت حاجة أبي التي «٢» أرسلني إليها وما رجعت إليه، ثم بعث في الطلب «٣» يلتمس لي، فلم يجد «٣» حيث أرسلني، فبعث رسله فبغوني بكل مكان حتى جئته عشيا، وقد قلت للنصارى حين رأيت ما أعجبني من هيئتهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام؛ فلما أتيت أبي فقال: أي بني! أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك أن لا تحتبس علي؟ فقلت: بلى، وإني «٤» مررت على كنيسة النصارى فأعجبني ما رأيت من أمرهم وحسن صلاتهم، ورأيت دينهم خيرا «٥» ، قال: كلا يا بني! إن ذلك الدين لا خير فيه، دينك ودين آبائك خير منه، فقلت: كلا [والله إنه لخير من ديننا! قال] «٦» فخافني أن أذهب من عنده فكلبني «٧» ثم حبسني، فأرسلت «٨» إلى النصارى وأخبرتهم أني قد رضيت أمرهم، وقلت: إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم أذهب معهم. فقدم عليهم ركب من الشام فأخبروني بهم «٩» فأرسلوا إليّ، فأرسلت إليهم

стр. 238

إذا أرادوا الرجعة فأخبروني، فلما أرادوا الخروج جئتهم فانطلقت معهم، فلما قدمت الشام سألت عن عالمهم «١» ، فقالوا: صاحب الكنيسة أسقفهم، فدخلت عليه فأخبرته خبري وقلت له: إني أحب أن أكون معك في كنيستك أخدمك وأصلي معك وأتعلم منك، فإني قد رغبت في دينك، قال: أقم! فمكثت معه في الكنيسة أتفقه في النصرانية، وكان رجل سوء فاجر في دينه، يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليه الأموال اكتنزها لنفسه، وكنت أبغضه لما أرى من فجوره، وقد جمع سبع قلال «٢» دنانير ودراهم، ثم إنه مات؛ فاجتمعت النصارى ليدفنوه، فقلت لهم: تعلمون أن صاحبكم هذا رجل سوء، كان يأمركم بالصدقة فإذا جئتموه بها اكتنزها «٣» لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا «٤» ، قالوا: وما علامة ذلك؟ قلت: أدلكم على كنزه؟ قالوا: أنت وذاك، فدللتهم عليه، فأخرجوا قلالا مملوءة ذهبا وورقا، قال: فلما رأوها قالوا: والله لا نغيبه «٥» أبدا! فصلبوه على خشبة «٦» ورجموه بالحجارة، وجاءوا برجل فجعلوه مكانه، قال: فيقول «٧» سلمان: يا ابن أخي! ما «٨» رأيت رجلا لا يصلي الخمس أرى أنه أفضل منه زهادة «٩» في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب [ليلا ولا نهارا] «١٠» منه اجتهادا في العبادة، قال سلمان: فأقمت معه وأحببته حبا ما علمت أني أحببت شيئا كان قبله، فكنت معه أخدمه وأصلي معه

стр. 239

في الكنيسة حتى حضرته الوفاة، قلت: يا فلان! إني قد كنت معك وما أحببت حبك شيئا قط فإلى «١» من توصي [بي] «٢» ؟ «٣» ومن ذا الذي تأمرني، متبع أمرك ومصدق حديثك «٣» ؟ قال: أي بني! ما أعلم أحدا على مثل ما نحن عليه إلا رجلا بالموصل يقال له فلان، فإني وإنه «٤» كنا على أمر واحد في الرأي والدين، وهو رجل صالح، وستجد عنده بعض ما كنت ترى مني، فأما الناس قد بدلوا وهلكوا. فلما توفي لحقت بصاحب الموصل فأخبرته خبري، فقال: أقم! فكنت معه في كنيسته فوجدته كما قال صاحبي رجلا صالحا، فكنت معه ما شاء الله، فلما حضرته الوفاة قلت: يا فلان! إن فلانا أوصاني إليك «٥» حين حضرته الوفاة «٥» ، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصي [بي] «٢» ؟ «٣» وإلى من تأمرني «٣» ؟ قال: أي بني! ما أعلم أحدا على أمرنا إلا رجلا بنصيبين يقال له فلان فالحق به. فلما توفي لحقت بصاحب نصيبين وأخبرته خبري، وأقمت عنده فوجدته على مثل ما كان عليه صاحباه، فمثكت معه ما شاء الله، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: إن فلانا أوصاني إلى فلان صاحب الموصل ثم أوصاني صاحب الموصل إليك، فإلى من توصي [بي] بعدك «٦» ؟ قال أبي بني! ما أعلم أحدا على مثل ما نحن عليه إلا رجلا «٧» بعمورية في أرض الروم، فإنك واجد عنده بعض ما تريد، فإن استطعت أن تلحق به فالحق به. فلما توفي لحقت بصاحب عمورية وأخبرته خبري، فقال: أقم «٨» ، فأقمت عنده فوجدته على مثل ما كان عليه

стр. 240

أصحابه وأثاب «١» لي شيئا حتى اتخذت «٢» بقرات وغنيمة، ثم حضرته الوفاة، فقلت له: إن فلانا أوصاني إلى فلان صاحب الموصل، ثم أوصاني صاحب الموصل إلى فلان صاحب نصيبين، ثم أوصاني صاحب نصيبين إليك، فإلى من توصي بي «٣» ؟ قال: يا بني! ما أعلمه أصبح «٤» في هذه الأرض أحد على ما كنا عليه، لكنك قد أظلك خروج نبي «٥» يخرج بأرض العرب، يبعث بدين إبراهيم الحنفية، يكون منها مهاجره وقراره إلى أرض يكون بها النخل بين حرتين- نعتها بكذا وكذا، بظهره خاتم النبوة بين كتفيه، إذا رأيته عرفته، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، ثم مات. فمر بي ركب من كلب فسألتهم من هم؟ فقالوا: من العرب، فسألتهم من بلادهم، فأخبروني عنها، فقلت لهم: أعطيكم بقري وغنمي «٦» هذا على أن تحملوني حتى تقدموا أرضكم، «٧» قالوا: نعم، فأعطيتهم إياها وحملوني معهم، حتى إذا جاءوا بي «٧» وادي القرى [ظلموني] «٨» فباعوني برجل من اليهود. فأقمت ورأيت بها النخل ورجوت أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي «٩» ، حتى قدم رجل من يهود بني قريظة فابتاعني من ذلك اليهودي، ثم خرج بي حتى قدم المدينة، فو الله! ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي وأيقنت أنه البلد؛ فمكثت بها أعمل له في ماله في بني قريظة حتى بعث محمد «١٠» وخفي عليّ أمره وأنا في رقي مشغول، حتى قدم

стр. 241

المدينة مهاجرا فنزل في قباء في بني عمرو بن عوف، فو الله! «١» إني لفي رأس نخلة أعمل لصاحبي فيها «١» وصاحبي تحتي جالس إذ أقبل ابن عم له من اليهود فقال: يا فلان! قاتل الله بني قيلة «٢» ! إنهم «٣» آنفا لمجتمعون «٤» يقبلون على رجل بقباء قدم من مكة يزعمون أنه نبي؛ فو الله! ما هو إلا أن قالها له أخذتني رعدة من النخلة «٥» ، حتى ظننت أني سقطت «٦» على صاحبي، فنزلت سريعا فقلت: أي سيدي! ما الذي تقول؟ فغضب «٧» مما رأى فيّ «٨» ورفع يده فضر بني بها ضربة «٩» شديدة، ثم قال: ما لك ولهذا! أقبل على عملك، قلت: لا شيء، «١٠» سمعت منك شيئا فأردت أن أعلمه «١٠» ، فسكت عنه ثم أقبلت على عملي. فلما أمسيت جمعت ما كان عندي حتى أتيت رسول الله ﷺ وهو بقباء، فدخلت عليه ومعه نفر من أصحابه، فقلت: بلغني أنك رجل صالح وأن معك أصحابا لك أهل حاجة وغربة، وقد كان عندي شيء وضعته للصدقة من طعام يسير فجئتكم به وهو ذا- فقربت «١١» إليه، فقال رسول الله ﷺ [لأصحابه] «١٢» : كلوا، وأمسك يده وأبي أن يأكل؛ فقلت في نفسي: هذه واحدة من صفة فلان، ثم رجعت؛ فتحول رسول الله ﷺ إلى المدينة، فجمعت

стр. 242

شيئا ثم جئته فسلمت عليه فقلت: هذا شيء كان لي وأحببت أن أكرمك وهو هدية أهديها لك كرامة ليست بصدقة، فإني رأيتك لا تأكل الصدقة، فأمر رسول الله ﷺ أصحابه فأكلوا وأكل معهم؛ فقلت في نفسي: هاتان اثنتان، ثم رجعت فمكثت شيئا ثم جئته وهو ببقيع الغرقد «١» ، مشى مع جنازة وحوله أصحابه، وعليه شملتان «٢» مرتديا بواحدة ومتزرا بالأخرى، فسلمت «٣» عليه، ثم تحولت حتى قمت وراءه لأنظر في ظهره، فعرف رسول الله ﷺ إني إنما أريد [أن] أنظر وأثبته «٤» ، فقال بردائه فألقاه عن ظهره، فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه كما وصفه لي صاحبي، فأكببت على رسول الله ﷺ أقبّل موضع الخاتم من ظهره وأبكي، فقال: «تحول عني» ، فتحولت عنه فجلست بين يديه وقصصت عليه قصتي وشأني وحديثي، فأعجب رسول الله ﷺ وأحب أن يسمع ذلك أصحابه، ثم أسلمت ومكثت مملوكا حتى مضى شأن بدر وشأن أحد، وشغلني الرق فلم أشهد مجامع النبي ﷺ . ثم قال لي رسول الله ﷺ : «كاتب نفسك» ، فسألت صاحبي الكتابة، فلم أزل حتى كاتبني على أن أفي «٥» له ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية ورق- وتلك أربعة آلاف؛ فقال رسول الله ﷺ [لأصحابه] «٦» : «أعينوا أخاكم بالنخل» ، فأعانني الرجل بقدر ما عنده، منهم من يعطيني العشرين والثلاثين والعشرة والخمس والست والسبع «٧» والثمان والأربع والثلاث حتى جمعتها «٨» ، فقال لي رسول الله ﷺ : «اذهب فإذا

стр. 243

أردت أن تضعها «١» فأتني حتى أكون «١» أنا أضعها لك بيدي، «٢» فقمت في تفقيرها «٢» وأعانني أصحابه «٣» حتى فرغنا من شربها «٤» ، وجاء أصحابي كل رجل بما أعانني من النخل فوضعته، ثم جئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فخرج فجعلنا نحمل إليه النخل فيضعها بيده «٥» ، فما مات منها ودية؛ وبقيت الدراهم «٦» ثم قال رسول الله ﷺ : «يا سلمان! إذا سمعت بشيء قد جاءني [فأتني] «٧» أغنيك بمثل ما بقي من مكاتبتك «٨» ، فبينا رسول الله ﷺ ذات يوم في أصحابه إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب أصابها في بعض المغازي «٩» ، فقال رسول الله ﷺ : « [خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان» ! قال قلت: و] «١٠» أين تقع هذه مما عليّ من المال؟ قال: إن الله سيؤديها «١١» عنك، فو الذي نفسي بيده! لقد وزنت لهم أربعين أوقية «١٢» حقهم جميعا. وعتق سلمان وغزا مع رسول الله ﷺ الخندق وما كان بعده من المغازي. قال: في أول هذه السنة كان فك سلمان من الرق «١٣» وأداؤه بما «١٤» كوتب عليه.

стр. 244

ثم كانت غزوة ذات الرقاع في المحرم «١» خرج رسول الله ﷺ واستخلف على المدينة عثمان «٢» بن عفان يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، حتى نزل نخلا «٣» ، فلقي بها جمعا من غطفان «٤» فتقارب الناس «٤» ولم يكن بينهم حرب إلا أن الناس قد خاف بعضهم من بعض، حتى صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف، وإنما سميت هذه الغزاة غزاة «٥» ذات الرقاع لأن الخيل كان فيها سواد وبياض فسميت الغزوة بتلك الخيل «٦» . ثم انصرف رسول الله ﷺ والمسلمون، فبينا جابر إذ أبطأ عليه جمله فقال لحقه رسول الله ﷺ فقال: «يا جابر» ! قال: نعم، قال: «ما شأنك» ؟ قال: أبطأ علي جملي، فحجنه رسول الله ﷺ بمحجنه وقال: «اركب» ، فقال جابر: ولقد رأيتني أكفه عن رسول الله ﷺ ، فقال: «يا جابر! تزوجت» ؟ قلت: نعم، قال: «بكرا أم ثيبا» ؟ قلت: بل ثيبا، قال: «أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك» ؟ قلت: إن لي أخوات فأحببت أن أتزوج بمن يجمعهن ويمشطهن وتقوم «٧» عليهن، قال: «أما! إنك قادم

стр. 245

فإذا قدمت فالكيس الكيس» ! ثم قال: «أتبيع جملك» ؟ فقلت: نعم، فاشتراه منه بأوقية، ثم قدم المدينة ﷺ ، قال جابر: فوجدته عند باب المسجد فقال: «الآن قدمت» ؟ قلت: نعم، قال: «فدع جملك وادخل المسجد فصل ركعتين» ، فدخلت فصليت ركعتين، ثم أمر بلالا أن يزن «١» لي أوقية، فوزن لي فأرجح في الميزان، فانطلقت حتى إذا وليت فقال: «ادعوا لي «٢» جابرا» ، قلت: الآن يرد علي الجمل، وليس شيء أبغض إلي منه، قال: «خذ جملك ولك ثمنه» «٣» .

стр. 246

ثم كانت غزوة دومة الجندل «١» وذلك أن رسول الله ﷺ بلغه أن جمعا تجمعوا بها، فغزاهم رسول الله ﷺ حتى بلغ دومة الجندل فلم ير كيدا، واستخلف على «٢» المدينة سباع «٣» بن عرفطة «٣» الغفاري، ثم رجع إلى المدينة. وتوفيت أم سعد بن عبادة وسعد مع رسول الله ﷺ بدومة الجندل، فلما رجع جاء رسول الله ﷺ قبرها وصلى عليها «٤» ، فقال سعد: يا رسول الله! إن أمي أفتلتت نفسها ولم توص أفأقضي «٥» عنها؟ قال: «نعم» . وكسف القمر في جمادى الآخرة، فجعلت اليهود يرمونه بالشهب ويضربون بالطاس ويقولون: سحر القمر، فصلى رسول الله ﷺ صلاة الكسوف. وبلغ رسول الله ﷺ أن قريشا أصابتهم شدة حتى أكلوا الرمة، فبعث رسول الله ﷺ بشيء من الذهب إليهم مع عمرو بن أمية وسلمة بن أسلم بن حريش. ثم قدم على رسول الله ﷺ وفد من مزينة، وهو أول وفد قدم عليه في رجب وفيهم بلال بن الحارث المزني في رجال من مزينة، فقال لهم رسول الله ﷺ : «أنتم مهاجرون أينما كنتم» ! فرجعوا إلى بلادهم.

стр. 247

ثم قدم بعدهم ضمام «١» بن ثعلبة، بعثه بنو سعد بن بكر فقال «٢» : يا محمد! أتانا رسولك فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: «صدق» ، قال: فمن خلق السماء؟ قال: «الله» ، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: «الله» ، قال: فمن نصب هذه «٣» الجبال؟ قال: «الله» ، قال: فمن جعل فيها هذه «٤» المنافع؟ قال: «الله» ؛ آلله «٥» تعالى أرسلك؟ قال: «نعم» «٦» ، قال: فبالذي خلق السماوات «٧» والأرض ونصب «٨» الجبال وجعل فيها هذه المنافع «٩» هو الله الذي «٩» أرسلك؟ قال: «نعم» ؛ قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في «١٠» يومنا وليلتنا «١٠» ، قال: «صدق» ، قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم» ؛ «١١» قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا «١٢» ، قال: «صدق» ، قال: فبالذي أرسلك آلله

стр. 248

أمرك بهذا؟ قال: نعم، «١» قال: «٢» فو الله الذي «٢» بعثك بالحق! لا أزيدن عليهن «٣» ولا أنقص منهن شيئا «٣» ، فلما قفا «٤» قال النبي ﷺ : «لئن صدق ليدخلن الجنة» ! فأسلم ضمام ورجع إلى قومه بالإسلام. ثم غزا رسول الله ﷺ غزوة المريسيع في شعبان «٥» ، قصد بني المصطلق من خزاعة على «٦» ماء لهم «٦» قريب من الفرع «٧» ، فقتل منهم رجالهم وسباهم «٨» ، وكان فيمن سبى جويرة بنت «٩» الحارث ابن أبي ضرار، تزوجها رسول الله ﷺ ، وجعل صداقها أربعين أسيرا من قومها. في هذه الغزوة سقط عقد عائشة، فأقام رسول الله ﷺ بالناس على التماسه

стр. 249

وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فنزلت آية التيمم، فقال أسيد «١» بن حضير «٢» : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر! فبعثوا العير التي كانت عليه، فوجدوا العقد تحته. وبعث رسول الله ﷺ أبا نملة «٣» الطائي بشيرا إلى المدينة بفتح المريسيع. ثم غزا رسول الله ﷺ غزوة الخندق «٤» وكان من شأنها أن النبي ﷺ لما أجلى بني النضير خرج نفر من اليهود فيهم «٥» حي «٦» بن أخطب النضري وهوذة «٧» بن قيس الوائلي «٨» وكنانة بن الربيع «٨» النضري «٩» في نفر من بني النضير وبني وائل وحزبوا الأحزاب حتى قدموا على قريش مكة «١٠» ودعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ وقالوا: إنا سنكون معكم [عليه] «١١» حتى نستأصله ومن معه، فقالت لهم قريش: يا معشر اليهود! إنكم أهل الكتاب والعلم بما «١٢» أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، «١٣» أفديننا «١٣» خير أم دينه؟ قالوا: بل

стр. 250

دينكم، وأنتم أولى بالحق منه؛ فلما قالوا ذلك لقريش نشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ وأجمعوا «١» لذلك واتعدوا «٢» [له] «٣» ، ثم خرجوا حتى جاءوا غطفان من «٤» قيس [عيلان] «٣» ، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وأخبروهم أن قريشا قد تابعوهم «٥» على ذلك وأجمعوا «٦» معهم على ذلك. وخرجت قريش [و] «٣» قائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت «٧» ، غطفان [و] «٣» قائدها عيينة ابن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري «٨» ، وكان قائد أشجع مسعود «٩» بن رخيلة. فلما سمع رسول الله ﷺ بأمرهم استشار المسلمين «١٠» ، فأشار عليه سلمان بضرب الخندق على المدينة، وهي أول غزوة غزاها سلمان مع رسول الله ﷺ فخندق على المدينة فيما بين المذاد «١١» إلى ناحية راتج «١٢» .
следующие страницы →