← Сира

Сира · id 9898

السيرة النبوية وأخبار الخلفاء من الثقات لابن حبان

ابن حبان

Полный текст (598 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وجل إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ «١» وقال ﷺ : «لن يدخل «٢» النار أحد «٣» شهد بدرا والحديبية» . ثم انصرف رسول الله ﷺ حتى إذ كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق نزلت عليه سورة الفتح إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً- إلى آخر السورة «٤» ، فما فتح في الإسلام فتح «٥» أعظم من نزول هذه السورة. ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة وكانت الهدنة «٦» وضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا واستفاضوا «٧» ، ولا يكلم أحد بالإسلام يعقل عنه» إلا دخل فيه، حتى دخل فيه في تلك السنة «٩» من المسلمين قريبا مما كان قبل

стр. 282

ذلك. وفي هذه العمرة أصاب كعب بن عجرة «١» أذى في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق ويذبح شاة ويصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستة مساكين، لكل مسكين مدين. وأهدى «٢» الصعب بن جثامة «٢» إلى رسول الله ﷺ رجل حمار وحش «٣» فرده وقال: «لم نرده ولكنا حرم» . وفي هذه العمرة صلى بهم رسول الله ﷺ الصبح في إثر «٤» سماء في الحديبية، فلما انصرف أقبل عليهم بوجهه فقال: أتدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «يقول: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» «٥» .

стр. 283

وفي هذه العمرة أصاب الناس عطش شديد فحبسوا، فوضع رسول الله ﷺ يده في الركوة، فثار الماء مثل العيون، فتوضئوا منها ورووا. ثم غزا رسول الله ﷺ غزوة ذي قرد «١» خرج «٢» سلمة بن الأكوع ومعه غلام له يقال له رباح مع الإبل، «٣» فلما كان بغلس أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله ﷺ وقتل راعيها «٣» وجعل ينظر «٤» في أناس معه في خيل، فقال سلمة لرباح: اركب هذا الفرس واخبر رسول الله ﷺ أنه قد أغير على سرحه، ثم قام سلمة على تل وجعل وجهه قبل المدينة ثم نادى ثلاث مرات- وكان صيتا: يا صباحاه! ثم أتبع القوم ومعه سيفه ونبله، فجعل يرميهم «٥» وذلك حين كثر الشجر، فإذا كرّ عليه الفارس جلس له في أصل شجرة ثم رماه، ولا «٦» يظفر بفارس إلا عقر فرسه، فجعل يرمي ويقول:

стр. 284

أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضّع وإذا كان [كثر] «١» الشجر رشقهم بالنبل، فإذا تضايقت الشجرة «٢» علا الجبل ورماهم بالحجارة، فما زال ذلك دأبه ودأبهم ويرتجز حتى ما بقى من ظهر النبي ﷺ إلا استنقذه من أيديهم وخلفه وراء ظهره، ثم لم يزل يرميهم حتى طرحوا أكثر من ثلاثين بردة «٣» يستخفون بها، فكلما ألقوا شيئا جمع عليه سلمة، فلما اشتد الضحى أتاهم عيينة بن حصن بن بدر الفزاري ممدّا «٤» لهم وهم في ثنية ضيقة في علوة الجبل فقال لهم: ما هذا الذي أرى؟ قالوا: لقد لقينا من هذا- يعنون سلمة، ما فارقنا منذ سحر حتى الآن، وأخذ كل شيء من أيدينا وخلفه وراءه، فقال عيينة: لولا أن هذا يرى وراءه طلبا لقد ترككم! فليقم إليه نفر منكم، فقام إليه نفر منهم أربعة وصعدوا في الجبل فقال لهم سلمة: أتعرفوني؟ قال: ومن أنت؟ قال: ابن الأكوع! والذي كرم وجه محمد ﷺ ! لا يطلبني «٥» رجل منكم فيدركني ولا أطلبه فيفوتني، فبينا سلمة يخاطبهم إذ نظر فرأى أصحاب رسول الله ﷺ لحقوا يتخللون الشجر وإذا أولهم الأخرم «٦» الأسدي وعلى أثره أبو قتادة وعلى أثره المقداد «٧» الكندي «٨» ، فولى المشركون «٩» مدبرين «١٠» ، فنزل سلمة من الجبل وقال: يا أخرم!

стр. 285

احذر القوم، فإني لا آمن أن يقتطعوك «١» فاتئد «٢» حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه، قال «٣» : يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة، ثم «٤» أرخى عنان فرسه ولحق بعبد الرحمن ابن عيينة ويعطف عليه عبد الرحمن واختلف بينهما طعنتان فقتله عبد الرحمن وتحوّل عبد الرحمن على فرس الأخرم، فلحق أبو قتادة بعبد الرحمن واختلف بينهما طعنتان فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة، وتحول أبو قتادة على فرس الأخرم، ثم خرج سلمة «٥» يعدو في أثر القوم حتى ما يرى من غبار أصحاب النبي ﷺ شيئا فلم يقرب «٦» غيبوبة الشمس، وقرب المشركون من شعب فيه ماء يقال له: ذو قرد «٧» ، فأرادوا أن يشربوا منه فالتفتوا فأبصروا سلمة وراءهم فعطفوا عن الماء وشدوا في الثنية وغربت الشمس، فلحق سلمة رجل «٨» منهم فرماه بسهم، وقال: خذها: وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع «٩»

стр. 286

قال «١» : يا ثكل أمياه! أكوع بكرة؟ قلت: نعم أي عدو نفسه «٢» ! وكان الذي رماه بكرة وأتبعه سهما آخر فأثبت فيه سهمين وخلفوا فرسين فجاء بهما يسوقهما، ورسول الله ﷺ على الماء الذي «٣» خلفهم عند ذي قرد «٣» وإذا بلال «٤» قد نحر جزورا مما خلفه بسهمه وهو يشوي لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها، فقال سلمة: يا رسول الله! خلني فأنتخب «٥» من أصحابك مائة رجل، وأتبع الكفار حتى لا يبقى منهم مخبر «٦» إلا قتلته، قال: «أكنت فاعلا ذلك» ؟ قال: نعم والذي أكرم وجهك! فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، فجاء رجل من غطفان فقال «٧» : مر المشركون على فلان الغطفاني فنحر لهم جزورا، ثم خرجوا هرابا؛ فلما أصبح رسول الله ﷺ انصرف إلى المدينة وجعل يقول: «خير فرساننا اليوم أبو قتادة! وخير رجالتنا «٨» سلمة» ! فأعطى سلمة ذلك اليوم سهم الراجل والفارس جميعا. ثم إن رسول الله ﷺ أردفه وراءه على العضباء فلما كان بينهم وبين المدينة قريب «٩» وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق فجعل ينادي: هل من مسابق «١٠» !

стр. 287

ألا رجل يسابق «١» إلى المدينة! فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي خلني فلأ سابق الرجل! قال: «إن شئت» : قلت، «٢» اذهب إليك «٢» . فطفر عن راحلته وثنيت رجلي فطفرت عن الناقة، ثم إني ربطت عليه شرفا أو شرفين يعني استبقيت نفسي ثم عدوت حتى لحقته فأصكه «٣» بين كتفيه بيدي وقلت: سبقت والله! حتى قدمنا المدينة. ثم توفيت أم رومان «٤» امرأة أبي بكر الصديق أم عبد الرحمن وعائشة في ذي الحجة. السنة السابعة من الهجرة أخبرنا محمد بن حسن بن قتيبة نا ابن أبي السري ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس حدثني أبو سفيان بن حرب من فيه إلى فيّ قال: انطلقت في المدة التي كانت بيننا وبين رسول الله ﷺ ، فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب رسول الله ﷺ إلى هرقل، جاء به دحية الكلبي فدفعه إلى عظيم بصرى [فدفعه عظيم بصرى] «٥» إلى هرقل، [قال] : هل هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قالوا: نعم، فدعيت في نفر من قريش، فدخلنا على هرقل، فأجلسنا بين يديه فأجلسوا أصحابي خلفي، ثم دعا بترجمانه فقال: قل لهم: إني سائل هذا الرجل عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني فكذبوه، قال أبو سفيان «٦» : والله! لولا مخافة أن يؤثروا عني كذبا لكذبته؛ ثم قال لترجمانه: سله

стр. 288

كيف حسبه «١» فيكم؟ قلت: هو فينا ذو حسب، قال: فهل كان [من] «٢» آبائه من ملك؟ فقلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: من يتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قال: قلت: بل ضعفاؤهم، قال: فهل يزيدون أم ينقصون؟ قال: قلت: بل يزيدون، قال: فهل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا، قال: فهل قاتلتموه؟ قال: قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: يكون الحرب بيننا وبينه سجالا، يصيب منا ونصيب منه «٣» ؛ قال: فهل يغدر؟ قال: قلت: لا، ونحن منه في مدة «٤» لا ندري ما هو صانع فيها! قال: والله فما أمكنني من كلمة أدخل «٥» فيها شيئا غير هذه «٦» ! قال: فهل قال هذا القول «٧» أحد «٨» قبله؟ قال: قلت: لا. ثم قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه فيكم «٩» قلت: إنه «٩» ذو حسب «١٠» ، وكذلك [الرسل] «١١»

стр. 289

تبعث في أحساب «١» قومها؛ وسألتك: هل كان «٢» في آبائه ملك «٢» ؟ فزعمت «٣» أن لا، فقلت: إن «٤» كان «٢» في آبائه ملك «٢» قلت: رجل يطلب ملك آبائه «٥» ؛ وسألتك عن أتباعه ضعفاء الناس أم أشرافهم قلت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل «٦» ؛ وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت «٣» أن لا، فقد عرفت «٧» أنه لم يكن ليدع «٨» الكذب على الناس «٩» فيذهب فيكذب «٩» على الله؛ وسألتك «١٠» : هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطه له؟ فزعمت «١١» أن لا، فكذلك «١٢» الإيمان «١٣» إذا خالط «١٣» بشاشته القلوب؛ وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت «١١» أنهم يزيدون، وكذلك [أمر] «١٤» الإيمان حتى يتم؛ وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قاتلتموه، فزعمت أن الحرب بينكم

стр. 290

وبينه سجال «١» تنالون منه وينال منكم، وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم «٢» العاقبة؛ وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت «٣» أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر؛ وسألتك: هل قال هذا القول قبله أحد؟ فزعمت «٣» أن لا، فقلت: لو كان قال هذا القول أحد قبله لقلت «٤» : رجل يأتم «٥» بقول قيل قبله، ثم «٦» سألتك بما «٦» يأمركم؟ قلت: بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف، قال: إن يكن «٧» ما تقول «٨» فيه فإنه نبي «٨» . وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم، ولو «٩» أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت «١٠» لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، «١١» وليبلغن ملكه ما تحت قدمي «١١» . فقال: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه فإذا فيه «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد «١٢» رسول الله- ﷺ «١٢» - إلى هرقل ملك «١٣» الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد! فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت «١٤» فإن عليك إثم «١٥» الأريسين «١٦» قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا-

стр. 291

إلى قوله: بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» «١» . فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط «٢» وأمر بنا فأخرجنا، فما زلت موقنا بأمر رسول الله ﷺ «٣» سيظهر حتى أدخل الله عليّ الإسلام. قال: في أول هذه السنة كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك وبعث إليهم بالرسل يدعوهم إلى الله، فقيل: إنهم لا يقرأون كتابا إلا بخاتم، فاتخذ رسول الله ﷺ خاتما من فضة نقش فيه «محمد رسول الله» ليختم به الصحف، فكان يلبسه تارة في يمينه وتارة في يساره. فبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى بكتاب فأمره «٤» أن يدفعه إلى عظيم البحرين ليدفعه عظيم البحرين إلى كسرى. وبعث دحية «٥» بن خليفة الكلبي إلى قيصر وهو هرقل ملك الروم وأمره أن يدفع الكتاب إلى عظيم بصرى [فدفعه عظيم بصرى] «٦» إلى هرقل. وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية. وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى «٧» أصحم بن أبحر «٧» النجاشي، وبعث شجاع بن وهب الأسدي «٨» إلى [المنذر بن] «٩» الحارث

стр. 292

ابن أبي شمر الغساني صاحب دمشق «١» . وبعث عامر بن لؤي إلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة. فأما كسرى فمزق كتاب رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ لما بلغه ذلك: «مزق الله ملكه، إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده» . وأما قيصر فسأل أبا «٢» سفيان عما سأل ثم قرأ كتاب رسول الله ﷺ ثم خلا بدحية الكلبي وقال: إني لأعلم أن صاحبكم نبي مرسل، وأنه الذي كنا ننتظره ونجده في كتابنا، ولكن أخاف الروم على نفسي ولولا ذاك لاتبعته، ولكن اذهب إلى ضغاطر «٣» الأسقف فاذكر له أمر صاحبكم وانظر ماذا يقول، فجاء دحية وأخبره مما جاء به من رسول الله ﷺ إلى هرقل وبما يدعو إليه، فقال ضغاطر «٤» : صاحبك والله نبي مرسل! نعرفه بصفته ونجده في كتابنا باسمه، ثم دخل فألقى ثيابا كانت عليه سوداء ولبس ثيابا بيضا ثم أخذ عصاه وخرج على الروم وهم في الكنيسة فقال للروم: إنه قد أتانا كتاب من أحمد يدعو فيه إلى الله، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا «٥» عبده ورسوله، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وضربوه حتى قتلوه، فرجع دحية إلى هرقل وأخبره الخبر، قال: قلت لك «٦» : إنا نخافهم على أنفسنا فضغاطر كان والله [أعظم] «٧» عندهم وأجوز قولا مني.

стр. 293

وأما النجاشي «١» فكان «٢» كتابه «من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم «٣» ملك الحبشة، سلم أنت، فأني أحمد إليك الله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن «٤» العزيز الجبار المتكبر «٤» ، وأشهد أن عيسى «٥» روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول «٦» الطيبة الحصينة «٧» فحملت بعيسى، فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله «٨» ، وقد بعثت «٩» إليك ابن عمي جعفرا «١٠» ومعه نفر «١١» من المسلمين، فدع «١٢» التجبر فإني أدعوك «١٣» إلى الله «١٤» وقد «١٥» بلغت ونصحت «١٦» فاقبل نصيحتي «١٦» والسلام على من اتبع الهدى» فقرأ النجاشي الكتاب وكتب جوابه إلى رسول الله ﷺ «بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله «١٧» ﷺ «١٧» ، من النجاشي «١٨» الأصحم بن أبحر «١٨» ، سلام عليك يا

стр. 294

نبي الله ورحمة الله وبركاته [من الله] «١» الذي لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام، أما بعد فقد بلغني «٢» كتابك يا رسول الله فيما «٣» ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والأرض أن عيسى لا «٤» يزيد على ما [ذكرت ثفروقا، إنه كما] «١» قلت، ولقد «٥» عرفنا ما بعثت «٦» به إلينا، وقد قربنا «٧» ابن عمك وأصحابه، وأشهد «٨» أنك رسول الله «٩» ﷺ «٩» صادقا مصدقا، وقد [بايعتك و] «١» بايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وبعثت إليك بابني «١٠» أرها بن الأصحم «١٠» ، فإني لا أملك إلا نفسي، وإن شئت [أن] «١» آتيك «١١» يا رسول الله فعلت «١٢» ، فإني أشهد أن ما تقوله «١٣» حق- والسلام عليك يا رسول الله! فخرج ابنه في ستين نفسا من الحبشة «١٤» في سفينة البحر، فلما توسطوا ولججوا «١٥» أصابتهم شدة وغرقوا كلهم «١٦» . وأما المقوقس فأهدى [إلى] رسول الله ﷺ أربع جوار فيهن مارية القبطية أم

стр. 295

إبراهيم ابن رسول الله ﷺ وكذلك سائر الملوك أهدى إليه الهدايا فقبلها رسول الله ﷺ ، كان يقبل الهدية ويثيب عليها. ثم كانت غزوة خيبر خرج رسول الله ﷺ في بقية المحرم «١» إلى خيبر، واستعمل «٢» على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري وقدم عينا له ليجيئه بالخبر، وأخرج من نسائه أم سلمة، وخرج على الأموال بجيشه «٣» فلا يمر بمال إلا أخذه ويقتل من فيه و [يفتتحها] «٤» حصنا حصنا، فأول ما أصاب منها حصن ناعم «٥» ثم حصن الصعب بن معاذ «٦» ثم حصن القموص «٧» فلما [افتتح] «٨» رسول الله ﷺ «٩» أتى حصنهم الوطيح والسلالم «٩» وكان رسول الله ﷺ إذا «١٠» أصبح قوما أو غزا «١٠» لم يغر عليهم «١١» حتى يصبح فإن سمع أذانا أمسك، وإن لم يسمع أذانا أغار، فلما أصبح رسول الله ﷺ استقبلهم عمال خيبر بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا النبي ﷺ

стр. 296

والجيش قالوا: محمد والله والخميس! وأدبروا هرابا، فقال رسول الله ﷺ : «الله أكبر الله أكبر! خربت خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» ! فخرج مرحب اليهودي من الحصن يرتجز «١» ويطلب البراز، فقال رسول الله ﷺ : «من لهذا» ؟ «٢» فقال محمد بن مسلمة «٢» : أنا يا رسول الله «٣» ! فلما دنا أحدهما من صاحبه بادر مرحب بالسيف، فاتقاه «٤» محمد بن مسلمة بدرقته، فوقع سيفه فيها وعضّت به الدرقة فأمسكت «٥» ، فضربه محمد بن مسلمة فقتله، ثم بعث رسول الله ﷺ رجلا «٦» يقاتل فمر ورجع ولم يكن فتحا «٧» ، ثم بعث آخر يقاتل فمر ورجع ولم

стр. 297

يكن فتحا، وحمى الحرب بينهم وتقاعسوا «١» ، فقال النبي ﷺ : «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله! ويحبه الله ورسوله! «٢» «٣» يفتح الله على يديه، ليس بفرار، فلما أصبح دعا عليا «٣» وهو أرمد، فتفل في عينيه «٤» فبرأ، ثم قال: خذ هذه الراية واقبض بها حتى يفتح الله عليك» «٤» ، فخرج عليّ يهرول والمسلمون خلفه حتى ركز رايته في رضم «٥» من حجارة، فاطلع عليه يهودي من رأس الحصن وقال: من أنت؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى! فلم يزل عليّ يقاتل حتى سقط ترسه من يده، ثم تناول بابا صغيرا كان عند الحصن فاترس به، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده، فلما

стр. 298

أيقن اليهود بالهلكة «١» سألوا رسول الله ﷺ أن يحقن «٢» دماءهم «٣» وأن يسيرهم، ففعل رسول الله ﷺ ذلك «٤» ، فنزلوا على ذلك وقالوا: يا محمد! إنا نحن أرباب الأموال ونحن أعلم بها منكم «٥» فعاملناها، فعاملهم «٦» رسول الله ﷺ الخيبر على النصف «٧» . فلما فعل ذلك أهل خيبر سمع بذلك أهل فدك، بعث إليهم رسول الله ﷺ محيصة «٨» بن مسعود، فنزلوا على ما نزلت عليه اليهود بخيبر على أن يسيرهم «٩» ويحقن دماءهم، فعاملهم «١٠» رسول الله ﷺ على مثل معاملة «١١» أهل خيبر «١٢» ، فكانت فدك لرسول الله ﷺ خالصة، وذلك أنه لم يوجف «١٣» عليها بخيل ولا ركاب، وقسم رسول الله ﷺ خيبر على ألف وثمانمائة سهم، وكان الرجال بها ألف «١٤»

стр. 299

وأربعمائة والفرس مائتي فرس، فقسم للفارس ثلاثة أسهم: سهمين لفرسه وسهما له، وللرّجل «١» سهما، فكان للأفراس أربعمائة ولركابها، «٢» ولرجالهم «٢» ألف وأربعمائة سهم، وكان سهم رسول الله ﷺ مع عاصم بن عدي؛ ثم أطعم رسول الله ﷺ رجالا مشوا بين رسول الله ﷺ وبين أهل فدك في الصلح، وأعطى محيّصة ابن مسعود ثلاثين وسقا من شعير وثلاثين وسقا من تمر، وقسم «٣» سهم ذوي «٣» القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب؛ فكانت قسمة خيبر على ما وصفنا. وكانت صفية «٤» بنت حيي بن أخطب في السبي، أخرجوها من حصن القموص «٥» ، فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه. وسئل رسول الله ﷺ عن آنية المشركين، فقال: اغسلوها وكلوا فيها وأطعموا، وأطعم رسول الله ﷺ تسعا «٦» من نسائه اللاتي توفي وهن عنده تسعمائة وسق تمر ومن القمح مائة وثمانين وسقا. فلما فرغوا من الغنائم وقسمها أكل المسلمون لحوم الحمر الأهلية [فأمر مناديا فنادى في الناس: إن الله ورسوله ينهيانكم] «٧» عن المتعة، وأمر بالقدور أن تكفأ، ثم قام رسول الله ﷺ

стр. 300

فيهم خطيبا فقال: «لا يحل لا مرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره- يعني إتيان الحبائل من السبايا، ولا يحل لا مرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة «١» ثيبا من السبي «١» حتى يستبرئها، ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر [أن] «٢» يبيع مغنما «٣» حتى يقسم، ولا يحل لا مرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من غنيمة المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيها؛ ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده» ؛ ثم اطمأن الناس. وأهدت «٤» زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم لرسول الله ﷺ شاة مصلية وأكثرت فيها من السم، فلما وضعته بين يدي رسول الله ﷺ قال: «إن هذا «٥» العظم يخبرني «٦» أنه مسموم» ! ثم دعاها «٧» فاعترفت، فقال: «ما حملك على ذلك» ؟ فقالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت: إن كان ملكا استرحت منه، وإن كان نبيا فسيخبر؛ فتجاوز عنها رسول الله ﷺ ، وكان بشر بن البراء بن معرور يأكل مع رسول الله ﷺ فأكل منها قطعة وكان ذلك سبب موته. وقتل من المسلمين بخيبر ربيعة بن أكثم بن سخبرة «٨» وثقف بن عمرو بن سميط «٩» ورفاعة بن مسروح

стр. 301

وعبد الله بن الهبيب «١» ومسعود بن «٢» قيس بن خلدة ومحمود بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة وأبو الضياح «٣» بن ثابت بن النعمان بن أمية «٤» ومبشر بن عبد المنذر بن الزنبر «٥» بن [زيد بن] «٦» أمية بن سفيان بن الحارث والحارث بن حاطب وعروة بن مرة بن سراقة، و «٧» أوس بن القائد «٨» وأنيف بن حبيب «٩» وثابت ابن أثلة «١٠» وعمارة بن عقبة بن حارثة بن غفار وبشر بن البراء بن معرور، وكان سبب موته أكله من الشاة المسمومة. وعند فراغ المسلمين من خيبر قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة فقال النبي ﷺ : «والله! ما أدري بأي الأمرين أنا أشد فرحا بفتح خيبر أو قدوم جعفر» ! ثم قام إليه فقبّل ما بين عينيه. فلما فرغ رسول الله ﷺ سار إلى وادي القرى، فحاصر أهله ليالي «١١» ومع رسول الله ﷺ غلام له أهداه رفاعة بن زيد الجذامي «١٢» ، فبينا هو يضع رحل رسول الله ﷺ إذ أتاه سهم غرب فقتله، فقال المسلمون: هنيئا له الجنة! فقال رسول الله ﷺ : «كلا والذي نفسي بيده! إن شملته الآن تحترق «١٣» عليه في النار،

стр. 302

وكان غلّها من فيء المسلمين» ، فسمعها رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أصبت شراكين لنعلين لي «١» ! وقال رسول الله ﷺ : «يبدلك الله مثلها في النار» . ثم استأذن رسول الله ﷺ الحجاج بن علاط السلمي «٢» وقال: يا رسول الله! إن «٣» لنا مالا بمكة فأذن لي «٣» ، فأذن له، فقال: يا رسول الله! وأن أقول «٤» ؟ قال: فقل، «٥» قدم الحجاج بمكة وإذا قريش بثنية البيضاء «٥» يستمعون الأخبار «٦» ، وقد بلغهم أن رسول الله ﷺ قد سار إلى خيبر، وقد كانوا عرفوا أنها «٧» أكثر أرض «٧» الحجاز «٨» ريفا ومنعة «٨» ورجالا «٩» ، فلما رأوه «١٠» قالوا: يا «١١» حجاج! أخبرنا «١١» فإنه قد بلغنا أن القاطع سار إلى خيبر، فقال الحجاج: عندي من الخبر ما يسركم! قالوا: ما هي يا حجاج «١٢» ؟ فقال هزم هزيمة لم تسمعوا «١٣» بمثلها قط «١٤» وأسر محمدا أسرا «١٥» ،

стр. 303

فقالوا: لن «١» نقتله حتى نبعث به إلى مكة فيقتلونه «٢» بين أظهرهم بمن كان قتل «٣» من رجالهم؛ فقاموا «٤» وصاحوا بمكة: جاءكم الخبر وهذا محمد إنما تنتظرون «٥» أن يقدم به عليكم «٦» ، فقال الحجاج: أعينوني على «٧» مالي بمكة [و] «٨» على غرمائي. فإني «٩» أقدم خيبر فأصيب من فيء «١٠» محمد وأصحابه قبل أن يسبقني «١١» التجار «١٢» . فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبر أقبل حتى وقف على جنب الحجاج بن علاط «١٣» ، قال: يا حجاج! ما هذا الخبر الذي جئتنا به؟ قال: وهل عندك حفظا لما «١٤» وضعت عندك؟ قال: نعم، قال: استأخر عني حتى ألقاك على خلاء «١٥» فإني في جمع مالي كما ترى، فانصرف، حتى [إذا] «١٦» فرغ الحجاج من جمع «١٧»

стр. 304

ماله «١» وأراد الخروج لقي العباس فقال: احفظ عليّ حديثي «٢» فإني أخشى الطلب «٣» ، قال، افعل، قال: والله! إني تركت ابن أخيك عروسا على ابنة ملكهم صفية بنت حيي، ولقد افتتح خيبر «٤» فصارت له ولأصحابه، قال: ما تقول يا حجاج! قال: أي والله! فاكتم «٥» عليّ ثلاثا «٥» ، ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي فرقا [من] «٦» أن أغلب عليه فإذا مضى «٧» ثلاث «٨» فأظهر أمرك فإن الأمر والله على ما تحب! ثم خرج الحجاج بماله، فلما كان اليوم الثالث من خروجه لبس العباس حلة وتخلق وأخذ عصاه ثم خرج حتى طاف بالكعبة، فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل! هذا والله التجلد لحر المصيبة! قال، كلا و «٩» الذي حلفتم به! لقد افتتح محمد خيبر وأصبح «١٠» عروسا على ابنة ملكهم وأحرز «١١» أموالهم وما فيها «١٢» ، قالوا: من جاء «١٣» بهذا الخبر؟ قال: الرجل الذي جاءكم بما جاءكم به ولقد دخل عليكم وأخذ «١٤» ما له وانطلق «١٥» فلحق برسول الله ﷺ ليصحبه ويكون «١٥» معه؛ [قالوا: يا لعباد الله] «٦» انفلت عدو الله، والله «١٦» لو علمنا لكان لنا وله

стр. 305

شأن «١» ! فلم يلبثوا أن جاءهم الخبر بذلك. وكان رسول الله ﷺ في رجوعه من خيبر إلى المدينة نزل بعض المنازل ثم قال: من يكلؤنا «٢» الليلة؟ فقال بلال: أنا يا رسول الله! فنزل رسول الله ﷺ بالناس وناموا، وقام بلال يصلي فصلى ما شاء الله أن يصلي ثم استند إلى بعيره «٣» واستقبل الفجر يرمقه، فغلبته عيناه فنام فلم يوقظهم إلا حر «٤» الشمس، وكان رسول الله ﷺ أول أصحابه هبّا «٥» فقال: «ماذا صنعت يا بلال» ! فقال: يا رسول الله! أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، قال: «صدقت» ، ثم اقتاد رسول الله ﷺ بعيره غير كثير ثم أناخ فتوضأ وتوضأ الناس معه، ثم أمر بلالا فأقام الصلاة فصلى بالناس، فلما سلم أقبل على الناس فقال: «إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا «٦» ذكر تموها فإن الله يقول: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي «٧» . ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة و «٨» أبو هريرة أسلم وقدم المدينة والنبي ﷺ بخيبر وعليها سباع بن عرفطة الغفاري فصلى مع سباع الغداة في مسجد رسول الله ﷺ فسمعه يقرأ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا «٩» - الآية. وكان عمرو بن أمية الضمري خطب أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى النجاشي لرسول الله ﷺ وهم بأرض الحبشة حيث حمل كتاب النبي ﷺ ، فزوجها النجاشي من رسول الله ﷺ على مهر

стр. 306

أربعمائة من عنده، وكان الذي زوجها خالد بن سعيد بن العاص وبعثها النجاشي مع من بقي المسلمين بأرض الحبشة إلى المدينة في سفينتين، فلما بلغوا الجار «١» ركبوا الظهر حتى قدموا على رسول الله ﷺ عند انصرافه من خيبر «٢» . ورد رسول الله ﷺ ابنته «٣» على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول. وقدم عمرو بن العاص زائرا لرسول الله ﷺ ومسلما عليه من عند النجاشي وكان قد أسلم بأرض الحبشة ومعه عثمان بن طلحة العبدري «٤» وخالد بن الوليد بن المغبرة. ثم بعث رسول الله ﷺ بشير بن سعد «٥» سرية إلى بني مرّة في ثلاثين رجلا

стр. 307

فقتلوا ورجع وحده إلى المدينة. ثم بعث رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق سرية إلى نجد ومعه سلمة بن الأكوع. وبعث ﷺ غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح في رمضان في مائة وثلاثين رجلا فأغاروا عليهم واستاقوا النعم والشاء «١» «٢» وجاءوا بها «٢» إلى المدينة، ونذروا لخروج «٣» العدو خلفهم، فجاء السيل وحال الوادي بينهم وبين المسلمين، ورجعوا إلى المدينة بالغنائم. ثم بعث رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب سرية في ثلاثين رجلا إلى أرض هوزان «٤» فخرج، «٥» معه بدليل «٥» من بني هلال، فكانوا يسيرون بالليل ويكمنون بالنهار حتى «٦» ملكوا هوازن ونذر القوم «٦» وهربوا، ولم يلق عمر كيدا ثم رجع. ثم بعث رسول الله ﷺ بشير بن سعد إلى جناب «٧» في شوال معه حسيل بن نويرة «٨» فأصابوا نعما «٩» ، وانهزم جمع عيينة بن حصن إلى المدينة «١٠» .

стр. 308

ثم أراد رسول الله ﷺ أن يعتمر في ذي القعدة عمرة القضاء «١» لما فاتهم من العام الأول من عمرة الحديبية وعزم «٢» أن ينكح ميمونة فبعث أبا رافع ورجلا من الأنصار من المدينة إلى ميمونة ليخطبها له ثم أحرم وساق سبعين بدنة في سبعمائة رجل، واستعمل على المدينة «٣» ناجية بن جندب الأسلمي «٣» ، وتحدثت قريش أن محمدا وأصحابه في عسر وجهد وحاجة، فقدم ﷺ مكة وعبد الله بن رواحة أخذ بخطام ناقته [يقول] «٤» : خلوا بني «٥» الكفار عن سبيله ... خلوا فكل «٦» الخير في رسوله يا رب إني مؤمن بقيله «٧» ... أعرف حق الله في قبوله نحن قتلناكم على تأويله ... كما قتلناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله «٨» واصطفت «٩» قريش عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه، فلما دخل

стр. 309

رسول الله ﷺ المسجد اضطبع «١» بردائه وأخرج عضده اليمنى وقال: «رحم الله امرأ أراهم «٢» اليوم من نفسه قوة» ! ثم استلم الركن فخب ثلاثا ومشى أربعا، وخب المسلمون معه، واستلم الركن، وهرول بين الصفا والمروة ليرى المشركون، أن به قوة، ثم حلق ونحر البدن، فكانت البدنة عن عشرة. وأقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاثا، وتزوج ميمونة بها وهي حل وهو حرام «٣» ، فأتاه حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس بن عبد ود في نفر من قريش قد وكلته بإخراج رسول الله ﷺ من مكة وقالوا: إنه قد انقضى أجلك فاخرج عنا «٤» ! فخرج رسول الله ﷺ من مكة بالمسلمين وخلف أبا رافع مولاه على ميمونة حتى أتاه بها بسرف «٥» فبنى بها وهما حلالان ثم رجع إلى المدينة «٦» . ثم بعث «٧» ﷺ بعد رجوعه من مكة بخمسين رجلا «٨» ابن «٩» أبي العوجاء السلمي في سرية إلى بني سليم «١٠» فلقيهم بنو «١١» سليم على حرة فأصيب أصحابه، ونجا هو بنفسه فقدم المدينة «١٢» .

стр. 310

السنة الثامنة من الهجرة حدثنا أحمد بن علي بن المثنى التميمي بالموصل ثنا عبد الواحد بن غياث ثنا حماد بن سلمة عن قتادة وثابت وحميد عن أنس قال: غلا «١» السعر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! سعّر لنا، فقال: «إن الله هو القابض والباسط المسعر «٢» الرزاق، وإني أرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في نفس ولا مال» . قال: في أول هذه السنة غلا «١» السعر على المسلمين فأتوا النبي ﷺ يسعر لهم، فكره رسول الله ﷺ ذلك ثم قال: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا» ؛ ثم قال: «لا يسوم الرجل على سوم أخيه. ولا يبيع حاضر لباد، دعو الناس يرزق بعضهم من بعض» . ثم طلق رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة، فقعدت له على طريقه بين المغرب والعشاء ثم قالت: يا رسول الله! ارجعني، فو الله ما بي حب الرجال! لكني أحب أن أحشر في أزواجك ويومي لعائشة! فردها رسول الله ﷺ . ثم توفيت زينب بنت رسول الله، غسلتها سودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أبي أمية زوجتا رسول الله ﷺ . ثم بعث رسول الله ﷺ غالب بن عبد الله الليثي سرية إلى بني ليث في بضعة

стр. 311

عشر رجلا «١» ، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وساق نعمهم ومواشيهم إلى المدينة. ثم بعث رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى جيفر وعبّاد «٢» ابني الجلندي «٣» بعمان «٤» ، فصدقا بالنبي ﷺ وأقرا بما جاء به، وصدق عمرو بن العاص أموالهم، وأخذ الجزية من المجوس. ثم صالح رسول الله ﷺ المنذر بن ساوى «٥» العبدي «٦» وكتب إليه كتابا مع العلاء بن الحضرمي «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المنذر ابن ساوى «٥» ، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن كتابك جاءني ورسلك، وأنه من صلى صلاتنا «٧» واستقبل قبلتنا فإنه مسلم، له ما للمسلم «٨» وعليه ما على المسلم «٩» ، ومن أبى فعليه الجزية. فصالحهم «١٠» العلاء ابن الحضرمي [على] «١١» أن على المجوس «١٢» الجزية، لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم» . ثم بعث رسول الله ﷺ كعب بن عمير «١٣» الغفاري سرية في خمسة عشر رجلا

стр. 312

حتى انتهى إلى ذات أطلاح «١» من ناحية الشام قريبا من مغار «٢» وكانوا من قضاعة، فوجد بها جمعا كثيرا فدعاهم «٣» إلى الإسلام، فأبوا أن يجيبوا وقتلوا أصحاب كعب جميعا، ونجا هو بنفسه حتى قدم المدينة «٤» . ثم بعث رسول الله ﷺ شجاع بن وهب سرية إلى بني عامر قبل نجد في أربعة وعشرين رجلا فأغار عليهم، فجاءوا نعما وشاء، فكانت سهمانهم «٥» اثني عشر «٦» بعيرا، ونفلهم النبي ﷺ بعيرا بعيرا. ثم بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى مؤتة» ناحية الشام، فأوصاه بمن معه من المسلمين خيرا وقال: «إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، وإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس» ، وتجهز الناس معه فخرج معه قريبا من ثلاثة آلاف من المسلمين ومضى حتى نزل معان «٨» من أرض الشام، فبلغهم أن هرقل قد نزل مآب «٩» من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم «١٠» ، فأقام المسلمون بمعان ليلتين ينظرون في أمرهم، فشجّع الناس عبد الله بن رواحة

стр. 313

وقال: يا قوم! والله إن التي تكرهون هي «١» التي خرجتم من أجلها- الشهادة! ولا نقاتل «٢» الناس بعدد ولا قوة، إنما نقاتلهم بهذا الدين [الذي] «٣» أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي «٤» إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة؛ فقال [الناس: قد والله] «٣» صدق ابن رواحة! ثم رحلوا، فلما كانوا بالقرب من بلقاء «٥» لقيهم «٦» جموع هرقل في الروم «٧» ، فلما دنا العدو انحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فتعبأ لهم المسلمون وجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلا [من الأنصار] «٨» من بني سعد بن هريم يقال له عبادة «٩» ابن مالك، ثم التقى الناس فاقتتلوا قتالا شديدا فقاتل «١٠» زيد بن حارثة «١٠» براية رسول الله ﷺ حتى قتل، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى «١١» ألحمه القتال فاقتحم عن فرسه الشقراء وعرقبها وقاتل حتى قتل وفيه اثنتان وسبعون ما بين ضربة بالسيف وطعنة بالرمح، ثم أخذ عبد الله بن رواحة الراية وتقدم بها وهو على فرسه فقاتل حتى قتل وأخذ الراية ثابت بن أقرم «١٢» وقال: يا معشر المسلمين! اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما «١٣» أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد،

стр. 314

فأخذ خالد الراية ودافع «١» القوم وحاشى بهم «٢» ثم انصرف بالناس فنعى رسول الله ﷺ الناس جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة قبل أن يجيء خبرهم، ثم قال ﷺ : «اصنعوا لآل جعفر طعاما، فإنه قد جاءهم ما يشغلهم» ؛ وقدم خالد بن الوليد بالمسلمين فتلقاهم «٣» رسول الله ﷺ والمسلمون «٤» والصبيان «٥» يحثون على الجيش التراب ويقولون: أفررتم «٦» في سبيل الله! ورسول الله ﷺ يقول: «ليسوا «٧» بالفرارين «٨» ولكنهم الكرارون» «٩» . ثم بعث «١٠» رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل وهم قضاعة، وكانت أم العاص بن وائل قضاعية «١١» فأراد رسول الله ﷺ أن يتألفهم بذلك «١٢» فخرج في سراة «١٢» المهاجرين والأنصار، ثم استمد «١٣» رسول الله ﷺ بأبي عبيدة ابن الجراح على المهاجرين والأنصار فيهم «١٤» أبو بكر وعمر فلما اجتمعوا واختلف

стр. 315

أبو عبيدة وعمرو بن العاص في الإمامة، فقال المهاجرون: أنت أمير أصحابك وأبو عبيدة أميرنا، فأبى عمرو بن العاص وقال: أنتم لي مدد، فقال أبو عبيدة: إن رسول الله ﷺ قال لي: إذا قمت على أصحابك فتطاوعا «١» ؛ وإنك إن عصيتني لأطيعنك، فأطاعه أبو عبيدة بن الجراح وكانوا يصلون خلف عمرو بن العاص؛ وفيها صلى بهم وهو جنب. فلما قدموا على رسول الله أخبره الخبر، فقال عمرو: لقيت من البرد شدة وإني لو اغتسلت خشيت الموت! فضحك رسول الله ﷺ ، قال عمرو: يا رسول الله ﷺ ! قال الله وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» - الآية. وفي هذا الشهر كتب رسول الله ﷺ إلى خزاعة بن بديل وبشر وسروات بني عمرو يدعوهم إلى الله ويعرض عليهم الإسلام. ثم بعث رسول الله ﷺ أبا قتادة «٣» سرية إلى غطفان في ستة عشر رجلا، فبيتوهم وأصابوا نعما وشياه ورجعوا إلى المدينة. ثم بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار قبل جهينة «٤» وزودهم «٥» جراب تمر، فأصابهم جوع شديد وكان أبو

стр. 316

عبيدة يعطيهم حفنة حفنة، ثم أعطاهم تمرة تمرة، ثم ضرب لهم البحر بدابة «١» يقال لها العنبر فأكلوا منها شهرا، ثم أخذ أبو عبيدة ضلعا «٢» فنصبه فمر راكب البعير تحته؛ فلما رجعوا إلى رسول الله ﷺ أخبروه فقال: «هو رزق رزقتموه من الله، هل عندكم منه شيء» ؟ وسمى هذا الجيش جيش الخبط «٣» وذلك أنهم جاعوا فكانوا يأكلون الخبط «٤» حتى صارت أشداقهم كأشداق الإبل. ثم استشار عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ «٥» أن لي «٥» أرضا بخيبر لم أصب مالا قط هو أنفس «٦» عندي منه فما تأمرني؟ قال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها» ، فحبس عمر أصلها وتصدق بها- ولا تباع ولا توهب ولا تورث- في الفقراء والغرباء، وما بقي أنفق في سبيل [الله] وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف وأن يعطي طريفا «٧» عنه غير متمول فيه. ثم إن بكر بن عبد مناة بن كنانة خرجت على خزاعة وهم على ماء لهم بأسفل مكة فقاتلوا، فلما «٨» بلغ رسول الله ﷺ ذلك قال للمسلمين: «كأنكم بأبي سفيان قد قدم لتجديد العهد بيننا» ! وكان بديل بن ورقاء بالمدينة فخرج إلى مكة

стр. 317

راجعا، فلما بلغ «١» عسفان لقيه أبو سفيان وكانت قريش قد بعثه إلى رسول الله ﷺ لتجديد العهد، فقال له أبو سفيان: من أين أقبلت يا بديل؟ قال: سرت إلى خزاعة، قال: جزت بمحمد؟ قال: لا، ثم خرج أبو سفيان حتى قدم المدينة فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته «٢» عنه، فقال: يا بنيتي «٣» ! ما أدري أرغبت بهذا «٤» الفراش عني أم رغبت بي عنه؟ قالت: هذا «٥» فراش رسول الله «٦» ﷺ «٦» وأنت رجل مشرك نجس! فلم أحب أن تجلس على فراش «٧» ﷺ «٧» ، ثم «٨» خرج أبو سفيان حتى أتى النبي ﷺ فكلمه فلم يرد عليه شيئا، فذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم «٩» رسول الله ﷺ ، فقال: ما أنا بفاعل، ثم خرج حتى أتى عمر فكلمه فقال عمر: أنا أشفع لكم إلى رسول الله ﷺ ! والله لو لم أجد إلا الذرّ لجاهدتكم بهم «١٠» ! ثم خرج أبو سفيان حتى دخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمة بنت رسول الله ﷺ وعندها الحسن ابنها «١١» يدبّ فقال: يا علي! إنك أمس القوم بي رحما وأقربهم منى قرابة وقد جئت في حاجة فلا أرجعن كما

стр. 318

جئت «١» ، اشفع لي «٢» إلى رسول الله ﷺ ، قال: ويحك يا أبا سفيان! لقد «٣» عزم رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه؛ فالتفت إلى فاطمة فقال: هل لك أن تأمري «٤» ابنك «٥» هذا «٦» أن يجير «٦» بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر، قالت: ما بلغ «٧» ذلك ابني «٧» أن يجير بين الناس «٨» ، قال: يا أبا الحسن! إني أرى الأمور قد اشتدت عليّ، «٩» ما تنصح لي «٩» ؟ قال: والله! ما أعلم شيئا يغني ١» عنك «١١» ولكن قم «١٣» فأجر بين الناس و «١٢» الحق بأرضك «١٣» ، قال: و «١٤» ترى ذلك يغني «١٥» عني شيئا؟ قال: والله «١٦» ما أدري «١٧» ! فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس! إني قد أجرت بين الناس- ثم خرج «١٨» . فلما قدم على قريش مكة «١٩»

стр. 319

قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلمته، قال «١» : فو الله ما رد علي بشيء «٢» ! ثم [جئت] «٣» ابن أبي قحافة «٤» فلم أجد فيه «٥» خيرا، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أعدى «٦» العدو «٧» ، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم، وقد أشار علي برأي «٨» صنعته، فو الله! ما أدري هل يغنيني «٩» شيئا أم لا! قالوا: وبماذا أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت؛ قالوا: فهل أجاز محمد ذلك؟ قال: لا، قالوا: ويحك! والله إن زاد «١٠» علي بن أبي طالب على أن لعب بك! والله ما يغني عنك «١١» ما فعلت «١٢» !. ثم عزم رسول الله ﷺ على المسير إلى مكة وأمرهم بالجد والتهيؤ «١٣» وقال: «اللهم! خذ «١٤» العيون والأخبار «١٤» عن قريش» «١٥» ، «١٦» فلما صح ذلك منه ومن المسلمين «١٦» كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبر بالذي قد أجمع عليه

стр. 320

رسول الله ﷺ ثم أعطاه امرأة «١» من مزينة «٢» وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه «٣» قرونها ثم خرجت «٤» ، وأخبر الله رسوله ﷺ بما فعل حاطب، فبعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وقال: أدركا امرأة «٥» من مزينة «٥» قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش يحذرهم ما «٦» قدمنا عليه «٦» ، فخرجا حتى أدركاها بالحليفة» فاستنزلا «٨» والتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا، فقال لها علي: إني أحلف بالله أن رسول الله ﷺ [ما كذب ولا كذبنا] «٩» «١٠» إما أن تخرجي الكتاب وإلا نكشفنك «١٠» فلما رأت الجد «١١» قالت: أعرض عني، فأعرض عنها علي، فحلت قرون رأسها واستخرجت الكتاب «١١» فدفعته «١٢» إليه، فجاء به «١٣» رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله ﷺ حاطبا فقال: «يا حاطب! ما حملك على هذا» ؟ قال. يا «١٤» رسول الله! والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت «١٥» ولا بدلت ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة وكان لي
следующие страницы →