← История

История · id 9899

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

عبد الشافى محمد عبد اللطيف

Полный текст (404 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

دائما نستخدم لفظ الروم الذي استخدمه القرآن الكريم للتعبير عما يسميه المؤرخون الدولة الرومانية الشرقية. تلك الدولة التي كانت تمثل أوربا كلها في تلك الأزمان، فبعد التجارب التي مر بها المسلمون مع الروم قبيل غزوة تبوك، والتي وضحت لهم أنهم لن يتركوا الإسلام يشق طريقه إلى العالم في أمن وسلام- كان واضحا أن الصدام العسكري معهم أمر لا مفر منه طال الزمن أم قصر، وعلى كل حال لم يطل الزمن كثيرا على بداية هذا الصدام، فبعد ما يقرب من ثلاثة أعوام بعد تبوك بدأ هذا الصدام في عهد الصديق ﵁، وفي عهد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، طرد الروم نهائيّا من الشام ومصر، ولم تنس أوربا مطلقا وطوال تاريخها وحتى الآن هذا الذي حدث في عهد الخلفاء الراشدين، واعتبرت أن هزيمة الروم أمام المسلمين هزيمة لها كلها، ولم تكن الحروب الصليبية- بعد ما يقرب من خمسة قرون من هذا التاريخ- والتي عبأت فيها أوربا كل قواها لغزو الشرق الإسلامي، لم تكن هذه الحروب إلا رد فعل أوربا للانتقام من المسلمين وهزيمتهم كما هزموا هم الروم قبل قرون. وإذا كانت الحروب الصليبية قد حققت أهدافها في البداية لأسباب تتعلق بالعالم الإسلامي نفسه، وما كان عليه من الضعف والتفكك. إلا أن الصليبيين طردوا في النهاية- بعد وجود استمر قرنين كاملين من نهاية القرن الحادي عشر حتى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي- إلا أن عداء أوربا للإسلام والمسلمين لم ينته بانتهاء العدوان الصليبي على الشرق الإسلامي، بل إن أوربا عادت من الشرق الإسلامي مهزومة وخائبة، لتشن حربا صليبية أخرى ضد الوجود الإسلامي في أسبانيا، وصبت كل أحقادها وثاراتها على المسلمين هناك، وأجبرت بعضهم على التنصر، ومن رفض التنصر قتل. وأبيد بسبب ذلك ملايين المسلمين في شراسة لم يعرف لها التاريخ مثيلا، ومن استطاع الهرب من المسلمين والنجاة من وحشية الصليبيين الأوربيين وعبر المضيق إلى شمال أفريقيا، لاحقه الأسبان والبرتغاليون، وبدأت أوربا عمليتها في تطويق العالم الإسلامي من الخلف في بداية عهد الاستعمار الأوربي الحديث للعالم. ووصل الأسبان والبرتغاليون إلى شواطئ شبه الجزيرة العربية وتبعهم الإنجليز والفرنسيون، كل هذا بمباركة الكنيسة الكاثوليكية في روما بزعامة البابا، وإن الذي يدرس رسائل البابوات المتعاقبة، لرواد السطو الاستعماري الأوربي من الأسبان والبرتغاليين وغيرهم على الشرق الإسلامي، من يدرس هذه الرسائل يجدها تفيض بالحقد على الإسلام والمسلمين، فهي تنص في صراحة أن البابا يوصي

стр. 107

بل يأمر جنود المسيح بإبادة المسلمين أينما وحيثما كانوا؛ فالسطو الاستعماري الأوربي على الشرق الإسلامي الذي بدأ من عهد الكشوف الجغرافية كان بتأييد الكنيسة والبابا. ألست معي في أن العلاقات بين أوربا والإسلام بدأت في مؤتة وتبوك ولا زالت مستمرة؟ عداء وحقد من جانب أوربا على الإسلام والمسلمين وعلى كل ما يمت إلى الإسلام بصلة، ألم تقرأ أن الجنرال اللنبي- القائد الإنجليزي- قال عند ما دخل فلسطين في أثناء الحرب العالمية الأولى: «الآن انتهت الحروب الصليبية» . وأن زميله الجنرال الفرنساوي غورو عند ما دخل دمشق زار قبر صلاح الدين الأيوبي ﵀ وقال متشفيا: «ها قد عدنا يا صلاح الدين» هل يقرأ المسلمون تاريخهم جيدا؟ وهل يعرفون عدوهم من صديقهم؟ ليتهم يفعلون. هذا ولم تقف نتائج غزوة تبوك عند هذا، لم تقف عند لفت النبي ﷺ نظر المسلمين لفتا قويّا إلى عدو من أعدائهم الرئيسيين، بل هو عدوهم الرئيسي ولم تقف عند حد تمهيد الطريق الرئيسي الذي سوف يسلكونه في مواجهتهم للعالم، حاملين راية دينهم، بل إنها كانت ذات أثر عظيم في حياة المسلمين أنفسهم ونزلت من أجلها سورة القرآن الكريم، وهي سورة التوبة. تلك السورة التي حددت بشكل قاطع وأخير العلاقات بين الأمة الإسلامية وسائر الأمم في الأرض سواء من المشركين أو من أهل الكتب السماوية. «كما تضمنت تصنيف المجتمع المسلم ذاته، وتحديد قيمه ومقاماته، وأوضاع كل طائفة، وكل طبقة من طبقاته ووصف واقع هذا المجتمع بجملته وواقع كل طائفة منه وصفا دقيقا مصورا بليغا» «١» . فكما كان في هذا المجتمع المسلم، الصفوة من المسلمين الذين باعوا أرواحهم لله، وجاهدوا مع رسول الله ﷺ بأموالهم وأنفسهم. وقال الله تعالى عنهم: لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ٨٨، ٨٩] . كان هناك طائفة من المسلمين، الذين وإن لم يشك في إيمانهم، لكن قعدت بهم عزيمتهم عن الجهاد في سبيل الله، فأنبهم الله على هذا القعود، وحثهم على الجهاد في سبيله، وناداهم بوصف الإيمان، ليثير هممهم وعزائمهم. فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ

стр. 108

أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة: ٣٨، ٣٩] . إلى جانب هؤلاء الذين قعدوا عن الجهاد وهم قادرون عليه، كان هناك بعض الصفوة الذين تاقت أنفسهم للجهاد وعز عليهم أن يجاهد الرسول والذين معه، ولا يشتركون في الجهاد، ولكنهم لا يجدون ما يحملون عليه فذهبوا إلى الرسول يستعينونه على الجهاد فاعتذر لهم بأنه لا يجد ما يعينهم به، هؤلاء هم الذين قال الله عنهم: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٢] . إلى جانب هذه النوعيات من المسلمين الذين وضحت السورة مواقفهم ومواقعهم، وأعطت لكل ذي حق حقه؛ كان المجتمع المسلم- عند غزوة تبوك- زاخرا بمجموعات من المنافقين، الذين كانوا يتسترون تحت إظهار الإسلام، ولكن نياتهم تنطوي على الحقد عليه، وكانوا يظنون أن أمرهم يخفى على الله ورسوله، فكشفتهم السورة، وفضحت مواقفهم. لذلك كان من الأسماء التي عرفت بها سورة التوبة اسم الفاضحة «١» . من هؤلاء المنافقين من اعتذر لرسول الله عن الجهاد بأعذار كاذبة، فضحها الله تعالى ولم يقبلها، وقال عنهم: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة: ٩٤] . ومن المنافقين من لم يكتف بالقعود عن الجهاد والتخلف عن رسول الله، بل أخذ يثبط الآخرين عن الجهاد، ويحرضهم على القعود والتخلف ويحببه إليهم ويبث الأكاذيب والأراجيف في صفوف المسلمين. وهؤلاء الذين قال الله تعالى عنهم: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة: ٨١] . وهكذا كما حددت سورة التوبة علاقات الأمة المسلمة بغيرها من الأمم تحديدا نهائيّا، حددت وبينت موقف وموقع كل مجموعة من المجموعات التي تنتسب إلى الإسلام، حتى يكون رسول الله على بينة من أمر الأمة على اختلاف اتجاهاتها ونواياها.

стр. 109

ولما كانت سورة التوبة- التي نزلت بمناسبة غزوة تبوك- هي آخر سور القرآن نزولا- كما يرى بعض المفسرين- ولما بينت وحددت العلاقات بين المسلمين وأهل الكتاب، كذلك حددت تحديدا نهائيّا العلاقات بين المجتمع المسلم والمشركين عامة في شبه جزيرة العرب وأعلنت في مطلعها البراءة منهم ومن عهودهم، وأجلتهم أربعة أشهر، يختارون خلالها لأنفسهم، إما أن يدخلوا في دين الله، وإما أن يقاتلوا، وهذا هو الشكل النهائي للعلاقات معهم. وهذا الحكم خاص بمشركي العرب؛ فليس أمامهم سوى خيار من اثنين: إما الإسلام، وإما القتال. ألست معي إذن في أن غزوة تبوك، ونزول سورة التوبة بسببها وما تضمنته من أحكام نهائية في علاقات المسلمين بغيرهم كانت ذات أثر كبير في علاقاتهم مع الروم ومع المشركين ومع غيرهم من أمم الأرض، كما كانت ذات أثر في حياة الأمة الإسلامية ذاتها؟ هذا اجتهاد شخصي ووجهة نظر ذاتية، فإن كان صوابا فالفضل والمنة لله تعالى، وإن كان خطأ فحسب المرء أن يجتهد وهو على كل حال مكفول الأجر عند من لا يضيع عنده شيء. والحمد لله أولا وأخيرا، وبه التوفيق ومنه السداد.

стр. 110

بحوث في السّيرة النّبويّة والتّاريخ الإسلاميّ قراءة ورؤية جديدة [البحث الخامس] الإدارة في عهد النبي ﷺ

стр. 111

الإدارة في عهد النبي ﷺ * المقصود بالإدارة هنا: إدارة الدولة، أو بمعنى آخر جهاز الحكم الذي كان رسول الله ﷺ يدير الدولة الإسلامية من خلاله؛ لأن الإدارة بمفهومها الحديث المعقد وتنوع أجهزتها واختصاصاتها هي من مستحدثات العصور الحديثة، وهي كعلم له قواعده وأصوله المقررة لم تعرف تقريبا على نطاق واسع في العالم إلا بعد قيام الثورة الصناعية في أوربا في القرن الثامن عشر، تلك الثورة التي أحدثت تحولا هائلا وخطيرا في الإنتاج الصناعي، بل وفي تاريخ العالم كله، وعلاقات دوله وشعوبه. وكان من الطبيعي أن تؤدي الثورة الصناعية إلى قيام الشركات والمؤسسات الصناعية الضخمة التي أصبحت تضم أعدادا هائلة من العاملين، سواء في الإنتاج أو تسويقه، وكان من الطبيعي أن يؤدي هذا الواقع الجديد في ميدان الإنتاج الصناعي إلى ضرورة التفكير في كيفية إدارة هذه المؤسسات العملاقة إدارة تضمن انتظام العمل في مختلف جوانبه، وهنا بدأت تظهر نواة علوم الإدارة الحديثة وقواعدها، وبدأت تنشأ المؤسسات العلمية لتعليم «أصول الإدارة» . أما في العصور الوسطى- التي ظهر فيها الإسلام- فلم يكن فيها شيء من هذا، فلم تكن هناك مؤسسات صناعية كبرى، ولم يكن هناك معاهد لتعليم الإدارة، وإنما كانت الإدارة في ذلك الوقت موهبة شخصية أكثر منها علم، فكانت في جملتها إدارة حكومية. وكان رجال الإدارة البارزون يكتسبون الخبرة الإدارية في المجال العملي في ميادين العمل المختلفة. إذن فالإدارة التي نحن بصدد الحديث عنها هي إدارة الدولة الإسلامية التي أسسها رسول الله ﷺ في المدينة المنورة بعد الهجرة. * طبيعة الدعوة الإسلامية: ولما كانت الدولة الإسلامية قد قامت على أساس الرسالة الإسلامية فينبغي أن نقول كلمة عن طبيعة الدعوة الإسلامية؛ لأن ذلك يعيننا على فهم طبيعة الدولة الإسلامية، وفهم أهدافها العليا. فالرسالة الإسلامية من حيث طبيعتها رسالة عالمية، أي: لم تأت لفريق دون فريق

стр. 112

ولا لأمة دون أمة من الناس، ولا لمكان دون مكان، ولا لزمان دون زمان؛ بل هي عالمية الزمان والمكان وموجهة للجنس البشري كله. وتلك الطبيعة تحددها نصوص القرآن الكريم بشكل قاطع في نصوص قطعية الدلالة. منها قول الله تعالى- مخاطبا النبي ﷺ : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ: ٢٨] ، ومنها قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان: ١] ، ومنها قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف: ١٥٨] ، ومنها قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [التكوير ٢٧- ٢٩] ، ومنها قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] إلى غير ذلك من الآيات التي توضح أن رسالة الإسلام موجهة إلى الجنس البشري كله. كما أن رسول الله ﷺ عند ما أمر بالجهر بالدعوة طبقا لأمر الله له بقوله: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر ٩٤] جمع وجوه قريش وزعماءها وأعلن لهم رسالته، وكان مما قاله لهم: «إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة» . والرسالة الإسلامية من هذه الناحية تختلف عن الرسالات السماوية التي سبقتها، فتلك الرسالات كانت محدودة الزمان والمكان والبيئة، بمعنى أن كل رسول كان يرسل إلى قوم معينين في زمان معين أيضا، لذلك نجد أكثر من رسول متزامنين ومتجاورين كذلك، كما هو الحال بالنسبة لإبراهيم ولوط- عليهما الصلاة والسلام- فقد كان إبراهيم في فلسطين ولوط في الأردن. والقرآن الكريم في إخباره لنا بتلك الرسالات وضح لنا طبيعتها فيقول عن نوح ﵇: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ [نوح: ١] ، وعن إبراهيم ﵇: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ [الشعراء: ٦٩، ٧٠] ، وعن هود ﵇: وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ [الأعراف: ٦٥] ، وعن صالح ﵇: وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: ٧٢] وعن موسى ﵇: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ [الصف: ٥] ، وعن عيسى ﵇ وهو آخر الأنبياء قبل بعثة محمد ﵊: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦] ، وهكذا لا نجد رسالة سماوية وجهت إلى الجنس البشري عامة سوى رسالة الإسلام.

стр. 113

وغني عن البيان أن هذا لا يقلل من شأن الرسل السابقين- حاشا لله- ولا من شأن رسالاتهم؛ لأن طبيعة رسالاتهم وضع اقتضاه تطور الجنس البشري وتدرجه العقلي، وكل منهم أدي دوره وكان لبنة صالحة في بناء صرح عقيدة التوحيد، فلما نضجت البشرية واكتمل رشدها وأصبحت مهيئة لتقبل وفهم رسالة عالمية في مبادئها وأهدافها؛ جاءت هذه الرسالة على يد خاتم الأنبياء محمد- ﵊، الذي صور موقع رسالته من رسالات السماء أدق تصوير فيما يرويه البخاري عنه حيث قال: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟» قال: «فأنا اللبنة» «١» . ولا يظن أحد أن معنى عالمية الإسلام أنه يجب على المسلمين أن يحملوا سلاحهم لفرض الإسلام على الناس بالقوة- كما يدعي أعداء الإسلام- فهذا أمر غير وارد بنصوص القرآن الكريم: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢٥٦] والمتأمل لنصوص القرآن الكريم يعلم أنها توضح أن حمل الناس على اعتناق دين واحد أمر يكاد يكون مستحيلا؛ يقول الله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩] ، ويقول تعالى: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: ١٠٣] إذا فهمنا هذا أدركنا أن معنى عالمية الإسلام أنه دين يلائم كل الناس من كل جنس ولون وأنه دين مفتوح لكل البشر وطريق الدخول إليه كلمة يقولها الإنسان فيصبح بعدها مسلما له كل الحقوق وعليه كل الوجبات مثل بقية المسلمين مهما كان جنسه أو لونه تلك الكلمة هي: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» فهو ليس دين الصفوة المختارة كما يدعي اليهود ولكنه دين كل الناس، وسبيل دعوة الناس إليه في الظروف العادية حددها القرآن الكريم للنبي ﷺ في قوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥] . هذا عن طبيعة الرسالة الإسلامية، فماذا عن طبيعة الدولة الإسلامية؟

стр. 114

* قيام الدولة الإسلامية في عهد الرسول ﷺ : كما امتازت الرسالة الإسلامية عن غيرها من الرسالات بأنها عالمية- كما وضحنا- امتازت كذلك بأنها دين ودولة، أي: إنها عقيدة دينية تنبثق منها شريعة يقوم على هذه الشريعة نظام اجتماعي كامل، يحقق- لو طبق تطبيقا سليما- سعادة البشر في الدنيا والآخرة. ونصوص القرآن واضحة وقطعية الدلالة في ذلك المجال أيضا. فكما حمل القرآن الكريم النبي ﷺ مسؤولية تبليغ الرسالة للناس طبقا لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧] ؛ فقد حمله كذلك مسؤولية الحكم بين المسلمين طبقا لمبادئ وأصول هذه الرسالة. يقول الله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ [المائدة: ٤٩] ، ويقول: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً [النساء: ١٠٥] ، ويقول: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء: ٦٥] ، أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠] ، هذه النصوص القاطعة الواضحة لا نظن أنها تحتاج إلى كثير من الشرح والنقاش لنفهم منها أن الرسول ﷺ كان مأمورا بأن يكون حاكما للمسلمين وأن المسلمين لا يكونون مسلمين حقّا إلا إذا ارتضوه حاكما لهم، إن الإسلام كما هو عقيدة وعبادة فهو نظام حكم، ما دام الإسلام نظام حكم فلا بد من أن توضح الوسائل اللازمة لتطبيقه في واقع الحياة. ودراسة عهد الرسول ﷺ في المدينة ستوضح لنا أنه ﷺ قد أرسى قواعد الدولة المنظمة كأحسن ما يكون التنظيم، والحكومة التي ألفها الرسول ﷺ لإدارة هذه الدولة كانت ملائمة لعصره، ووافية بحاجيات المجتمع الذي كان يحكمه. ولا يصح أن نلتمس في ولايات هذا العصر ومصطلحاته مماثلا أو مشابها لما كان في عهد الرسول. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الحسبة في الإسلام: «وكان رسول الله ﷺ في مدينته النبوية يتولى جميع ما يتعلق بولاة الأمور، يولي في

стр. 115

الأماكن البعيدة ... ويؤمر على السرايا، ويبعث على الأموال الزكوية السعاة فيأخذونها ممن هي عليه ويدفعونها إلى مستحقيها.. وكان يستوفي الحساب على العمال يحاسبهم على المستخرج والمصروف» «١» . بل إن الذي يتأمل المصادر القديمة الموثوق بها ويدقق في النصوص يتضح له أن التفكير في أمر الحكم والدولة والنظام السياسي كان موجودا عند الرسول إلى جانب الدعوة الدينية منذ البداية ووقت أن كان في مكة، فقد ذكر الطبري- أن مشيخة قريش وسرواتهم دخلوا على أبي طالب فقالوا له: أنت كبيرنا وسيدنا فانصفنا من ابن أخيك فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه. قال: فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي هؤلاء مشيخة قومك وسرواتهم وقد سألوك النصف أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك. قال: «أي عم، أولا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها؟» قال: وإلام تدعوهم؟ قال: «ادعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم» . قال: فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي وأبيك؟ لنعطينكها وعشرا أمثالها. قال: «تقول: لا إله إلا الله» . قال: فنفروا وقالوا: سلنا غير هذه، فقال: «لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي ما سألتكم غيرها» . قال: فغضبوا وقاموا من عنده غضابا» «٢» . ومما يسترعي الانتباه أن بعض العرب قد فطن إلى ما نفرت منه قريش، وقدر أن هذه الرسالة سوف تتمخض عن دولة. فقد روى ابن إسحاق عن ابن شهاب الزهري أن النبي ﷺ عند ما كان يعرض نفسه على القبائل العربية عله يجد نصيرا يؤمن به. «أتى- النبي ﷺ بني عامر بن صعصعة، فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم يقال له: بحيرة بن فراس: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : «الأمر لله يضعه حيث يشاء» فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك» «٣» . وذكر ابن إسحاق قصة قدوم عدي بن حاتم الطائي على رسول الله ﷺ فأكرمه النبي ﷺ وأجلسه على وسادته وجلس هو على الأرض. ثم قال: «لعلك يا عدي إنما يمنعك

стр. 116

من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم- أي من فقر المسلمين- فو الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فو الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم ... » «١» . على أية حال فهم النبي ﷺ رسالته، وأن إنشاء دولة على أساسها أمر أصيل فيها، فما أن هاجر من مكة إلى المدينة حتى شرع على الفور في تأسيس الدولة لتحمي الدعوة وتنظم المجتمع. وقد يقول قائل: لماذا لم يبدأ منذ البداية في تأسيس الدولة في مكة؟ والرد على ذلك: أن ذلك لم يكن ممكنا في مكة؛ لأن الوضع لم يكن مهيئا، فمكة قد ناصبت الرسالة وصاحبها العداء منذ البداية بل سدت في وجهه كل الطرق ليبلغها، لغيرهم من الناس، فلم يكن ممكنا ولا منطقيّا الحديث عن قيام الدولة في مكة، أما في المدينة فأصبح الوضع مختلفا تماما والمناخ غير المناخ والناس غير الناس. فأهل المدينة أبدوا استعدادهم- بمحض إرادتهم- لقبول الرسالة والإيمان بها والدفاع عنها وعن صاحبها مهما كان الثمن. لذلك لم يضيّع الرسول ﷺ وقتا في المدينة، بل بدأ على الفور في وضع لبنات الكيان الجديد، وخطا في ذلك خطوات عملية منها: أولا: بناء المسجد النبوي في المدينة «٢» الذي لم يكن فقط مسجدا للصلاة؛ بل كان مركزا للدعوة ومقرّا للحكم، وليس في هذه العبارة غرابة أو مبالغة، فكما كان الرسول ﷺ يتلقى الوحي فيه ويبلغه للناس ويشرح ويفسر ويعلم أصول الرسالة، كان كذلك يقضي ويحكم، وفيه يعلم الصحابة- رضوان الله عليهم- أمور الدين وأمور الدنيا ويدربهم على فنون الحكم والقيادة والإدارة، ويعدهم للدور الخطير الذي سيقومون به في الدولة وفي تاريخ العالم. ومن المسجد كان النبي ﷺ يعقد

стр. 117

ألوية الحروب للقادة، ويبعث منه رسله وسفراءه لملوك وأمراء العالم، ويستقبل الوفود. باختصار فقد كان المسجد مقرّا لنشر الدعوة ومركزا لإدارة الدولة. ثانيا: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وقد لا يتصور البعض أن هذه كانت خطوة هامة في إقامة كيان الدولة الإسلامية، فالمهاجرون والأنصار هم نواة المجتمع الجديد فتوثيق العلاقات بينهم أمر ضروري، خصوصا وأن الأساس الذي قامت عليه المؤاخاة أساس جديد لم يألفه العرب أو يعرفوه من قبل بل هو من ثمرات الرسالة الإسلامية، فقد قامت المؤاخاة على أساس العقيدة، والعقيدة وحدها، وهذا مؤشر في غاية الأهمية إلى أن الأمة التي يريد الإسلام إنشاءها لن يعترف فيها بأية رابطة تقوم على العصبية أو العنصرية القومية أو الجنسية، فالرابطة الوحيدة التي يقيم لها الإسلام وزنا هي رابطة العقيدة: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠] وقد ضرب النبي ﷺ مثلا عمليّا على ذلك، حين آخى بين عمه حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة مولاه «١» ، وهذا كله جديد في بيئة تقدس الأحساب والأنساب وتؤمن بالعصبية. ثالثا: معاهدة المدينة، أو الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ بينه وبين اليهود. فبعد أن آخى الرسول ﷺ بين المهاجرين والأنصار، واطمأن إلى موقفهم وسلامة جبهتهم التفت إلى المدينة ككل، فأراد أن يضع لها نظاما أو أساسا ثابتا يحدد العلاقات والحقوق والواجبات بين سكانها جميعا، مسلمين وغير مسلمين، فقد كان يقيم في المدينة اليهود، فما وضعهم في الدولة الجديدة، فاليهود قبل الهجرة كانوا يتقاسمون الزعامة في المدينة مع الأوس والخزرج، بل أحيانا كانوا يتغلبون عليهم، والآن فالوضع قد اختلف، بل تغيّر تغيّرا كاملا، فالأوس والخزرج قد آمنوا بالله ورسوله، وأسلموا زمامهم للنبي ﷺ أما اليهود فلم يؤمنوا ولم يقبلوا الرسالة، بل فضلوا البقاء على دينهم، فلا بد من تحديد موقفهم في الدولة الجديدة بشكل واضح وبنصوص صريحة يرجع إليها عند الضرورة؛ فكانت معاهدة المدينة التي تعطينا دليلا آخر على عالمية الإسلام كرسالة وعالميته كدولة، وطبيعته التنظيمية. فقد نظمت تلك المعاهدة كافة الحقوق والواجبات والالتزامات بين سكان المدينة جميعا، المقيمين فيها من قبل والمهاجرين الوافدين إليها، واعتبرتهم جميعا سواء في

стр. 118

الاعتبار الإنساني والحقوق القانونية، فهم جميعا مواطنون وإن اختلفت عقيدتهم. وهاك أبرز النقاط التي وردت في هذه المعاهدة كما رواها ابن إسحاق «بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد النبي ﷺ بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس» وهذا إعلان صريح للأساس العقدي للدولة الجديدة، وباب الولوج إليها هو الإيمان بالله ويستوي في الانتماء إليها أهل مكة وأهل يثرب وغيرهم ممن تابع وجاهد ... على هذا الأساس تمارس الدولة سيادتها وسلطتها العليا في الداخل والخارج. وجاء فيها، وهو في غاية الأهمية: «وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم ... وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف» ... إلخ وعددت سائر المجموعات اليهودية في المدينة ثم أضافت: «وإنه لا يخرج أحد منهم إلا بإذن محمد» . هذا ليس تقييدا لحريتهم، وإنما هو إجراء وقائي اقتضته ظروف نشأة الدولة؛ خوفا من عمليات التجسس ونقل المعلومات إلى الأعداء وخلافه. وعلى كل حال؛ فليس من هدفنا في هذا الموضوع الإطالة في شرح نصوص المعاهدة، فهذا موضوع آخر، وإنما يعنينا منها هنا أنها كانت خطوة هامة وأساسية في إعلان ميلاد دولة الإسلام بقيادة النبي ﷺ باعتراف جميع أطرافها، ومنهم اليهود، ذلك بنص صريح هو: «وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله ، وإلى محمد رسول الله ﷺ ، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره» «١» . والخلاصة فإن هذه الوثيقة السياسية كانت فتحا جديدا في الحياة السياسية- كما يقول الدكتور هيكل- «٢» فقد قررت حرية العقيدة وحرية الرأي وحرية المدينة وحرية الحياة والمال. كما حددت أعداء الدولة بصراحة فمنعت إجارة قريش ومن نصرها. بهذا الشكل، وبهذه الخطوات العملية، وبناء المسجد، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ومعاهدة المدينة؛ قامت الدولة الإسلامية في المدينة.

стр. 119

ومن الجدير بالذكر أن المسلمين عند ما فكروا في بدء التاريخ الإسلامي في عهد عمر بن الخطاب اختاروا الهجرة من بين المقترحات الآخرى، هذا يدل على أنهم نظروا إلى بدء قيام الدولة الإسلامية «١» أو تمام الدين والدولة في الدعوة الإسلامية ولقد كان اختيار الهجرة للتقويم اختيارا موفقا؛ فهي في الحق استهلال لتاريخ جديد وإعلان لقيام دولة جديدة، ولو اختير مولد الرسول- مثلا لهذا التقويم- كما حدث بالنسبة لميلاد المسيح ﵇ في التقويم الميلادي، لما كان في الاستهلال بالمولد غير دلالة عاطفية فحسب، في حين أننا نجد في الهجرة وما ترتب عليها من نتائج تشخيصا إيجابيّا أقوى دلالة؛ لأنه يبرز الكيان الفكري والعملي للدعوة الإسلامية في صورة حية واقعية ملموسة ومحسوسة، والهجرة من هذه الوجهة أقوى دلالة من بدء الدعوة ونزول الوحي أيضا؛ فإن الدعوة قد بدأت بين الأقربين ثم أخذ نطاقها يتسع على مراحل، في حين أن الهجرة كانت حدثا هامّا قامت على أثرها دولة شعرت بها بلاد العرب من بعد «٢» . كانت الهجرة إذن هي التي هيأت الظروف لقيام الدولة الإسلامية التي قامت عالمية منذ البداية «٣» ؛ عالمية في وثائق تأسيسها، وفي أصولها ومبادئها، وكذلك في عناصر تركيبها السكاني؛ فكما ضمت العرب من قريش ويثرب واليهود ضمت سلمان الفارسي وصهيبا الرومي وبلالا الحبشي «٤» ، ولعل هؤلاء كانوا رموزا لأممهم وشعوبهم التي سيدخل معظمها ضمن دولة الإسلام بعد سنوات قلائل. وقد أعفى الإسلام في بناء دولته- الكبرى- على روابط العنصرية والقومية فأهدرها؛ توسعا في ربط الإنسانية، وأهدر الإخاء القبلي والإقليمي، وأقام مقامه الإخاء البشري «٥» .

стр. 120

* أول رئيس للدولة الإسلامية: قامت الدولة الإسلامية بشكل علمي، وكان أول رئيس لها- بطبيعة الحال- هو رسول الله ﷺ كما نصت على ذلك معاهدة المدينة «١» ، وقد باشر رسول الله ﷺ هذه المهمة طوال حياته «فأقام الحدود. ونفذ القضاء، وقضى في الحقوق المدنية والجنائية، وجبى المال من مواضعه الشرعية، ووزعه على مستحقيه وفي مرافقه القانونية، وعقد المعاهدات وأعلن الحرب، وعقد الصلح، وكان في جميع ذلك مؤيدا من الله تعالى، فإذا نزلت الحادثة بالأمة ولم يرد فيها وحي من الله اجتهد فيه ﷺ وشاور أصحابه من شهد منهم من أهل العلم والرأي وكانوا تارة يجمعون على رأي فيعمل به، وتارة يختلفون فيعمل برأي بعضهم، ويترك رأي البعض الآخر مجتهدا في ترجيح رأي على رأي» «٢» . والوقائع التي اجتهد فيها الرسول ﷺ وشاور أصحابه كثيرة، كما حدث في غزوة بدر وأحد والأحزاب، وأكثر من ذلك كان يشاور أصحابه فيمن يصلح للإمارة، كما حدث عند ما شاور أبا بكر ﵁ في تولية أمير على الطائف بعد إسلام ثقيف، فأشار عليه أبو بكر بتولية عثمان بن أبي العاصي، وقال له: «يا رسول الله إني رأيت هذا الغلام فيهم من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن. فعمل رسول الله ﷺ بمشورة أبي بكر وولاه» «٣» . ولما كان رسول الله ﷺ هو الرئيس الأعلى الذي يحكم الدولة الإسلامية التي تضم المسلمين واليهود، فقد كان يحكم بين المسلمين فيما بينهم، وقضاء رسول الله ﷺ وأحكامه بين المسلمين في الحدود وغيرها أكثر من أن يأتي عليها الحصر، ولمن شاء أن يرجع إلى كتب الحديث والفقه، ففيها تفاصيل كثيرة عن القضايا التي قضى فيها رسول الله ﷺ وقد جمع ابن القيم في كتابه «زاد المعاد» أقضية رسول الله في الجزء الثالث والرابع، فليرجع إليه كذلك من شاء. وكان يقضي ﷺ بين المسلمين واليهود، ومن صور قضائه بينهم ما يرويه مسلم في صحيحه، عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج: أن عبد الله بن سهل بن زيد

стр. 121

ومحيصة بن مسعود بن زيد خرجا حتى إذا كانا بخيبر تفرقا في بعض ما هنالك، ثم إذا محيصة يجد عبد الله مقتولا، فدفنه، ثم أقبل على رسول الله ﷺ وهو وحويصة ابن مسعود وعبد الرحمن بن سهل ... فذكروا لرسول الله ﷺ مقتل عبد الله بن سهل فقال لهم: «أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون صاحبكم، أو قاتلكم؟» ، قالوا: كيف نحلف ولم نشهد؟ قال: «فتبرؤكم يهود بخمسين يمينا» ، قالوا: كيف نقبل إيمان قوم كفار؟ فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ عقله «١» . أي: دفع لهم ديته. كذلك كان يقضي ﷺ بين اليهود أنفسهم، ومن صور قضائه بينهم ما ثبت في الصحيحين أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلا وامرأة زنيا، فقال رسول الله ﷺ : «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» قالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأمروا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد أن فيها الرجم، فأمر بهما ﷺ فرجما «٢» . وكانت في بعض الأحيان ترفع إلى رسول الله ﷺ قضايا قضى فيها بعض الولاة أو القضاة ولم يعجب الناس حكمهم، فقد ذكر الإمام أحمد والبزار وغيرهما أن قوما احتفروا بئرا باليمن، فسقط فيها رجل فتعلق باخر والثاني بالثالث والرابع فسقطوا جميعا فماتوا، فارتفع أولياؤهم إلى علي بن أبي طالب ﵁، فقال: اجمعوا من حفر البئر من الناس، فقضى للأول بربع الدية؛ لأنه هلك فوقه ثلاثة، والثاني بثلثها؛ لأنه هلك فوقه اثنان، والثالث بنصفها؛ لأنه هلك فوقه واحد، وللرابع بالدية تامة، فأتوا رسول الله ﷺ العام القابل، فقصوا عليه القصة، فقال: «هو ما قضى بينكم» «٣» . * هيئة الحكومة النبوية: كان الرسول ﷺ يقوم بمهمة الحكم إلى جانب قيامه بتبليغ وأعباء الرسالة، لذلك كان لا بد أن يكون هناك من يعاونه في أمر الحكم؛ لأن مشاكل الدولة- في دور تأسيسها- كثيرة، وقضايا الناس ومصالحهم لا تقف عند حد، فاقتضت

стр. 122

الظروف أن يستعين الرسول ﷺ في إدارة الدولة بأصحابه الذين كانوا كلهم مجندين لخدمة الدعوة والدولة، وقد تشكلت منهم هيئة حكومته، قد اختص بعضهم بملازمة الرسول حتى أطلق عليهم اسم الوزراء، فقد صرح ابن العربي في سراج المريدين والأحكام بتحسين حديث فيه أن أبا بكر وعمر وزراء النبي ﷺ من أهل الأرض. وفي القوانين لابن جزي في حق عمر: وكان هو وأبو بكر وزيرين لرسول الله ﷺ في حياته، ولا شك أن حالها مع رسول الله ﷺ لا يعطي إلا ذلك، وبما وصلاه من هذه الرتبة، استخلفهما المسلمون بعده. وأخرج الحاكم في المستدرك قال: كان أبو بكر من النبي ﷺ مكان الوزير، فكان يشاوره في أموره كلها. ويروى عنه ﷺ قوله: «وزيري من أهل الأرض أبو بكر وعمر» «١» . وكان بعض العرب الذين يعرفون شيئا عن نظام الحكم عند الفرس والروم يطلقون على أبي بكر وعمر وصف وزيري محمد. * صاحب السر: وكان حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله ﷺ ؛ فقد صرح الخطيب في تاريخ بغداد أن حذيفة بن اليمان كان صاحبى رسول الله ﷺ ووقع تسميته بذلك في سنن النسائي في قصة ذهاب علقمة إلى الشام ولقائه في دمشق لأبي الدرداء «٢» ، فإن أبا الدرداء قال: أليس فيكم صاحب سر رسول الله ﷺ الذي لا يعلمه غيره، وقال ابن الأثير في أسد الغابة: حذيفة صاحب سر رسول الله ﷺ في المنافقين، لم يعلمهم أحد إلا حذيفة أعلمه بهم رسول الله ﷺ «٣» . * صاحب الشرطة: وكان قيس بن سعد بن عبادة صاحب شرطته- أي أمير الشرطة- فقد روى البخاري عن أنس بن مالك قال: «إن قيس بن سعد كان بين يدي النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير» «٤» .

стр. 123

* حراس الرسول ﷺ : وكان للنبي ﷺ حراس، منهم «سعد بن زيد الأنصاري، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وسعد بن معاذ، ومحمد بن مسلمة، وأبو أيوب الأنصاري، وبلال، وزكوان بن عبد قيس، وعباس بن بشير» «١» . * حراس المدينة أو شرطة المدينة: ومنهم من كان يقوم على حراسة المدينة ليلا، مثل «سعد بن أبي وقاص، وبديل ابن ورقاء، وأوس بن ثابت، وأوس بن عرابة، ورافع بن خديج «٢» » . * المنفذون للحدود بين يدي الرسول ﷺ : ومنهم من كان يقوم بتنفيذ أحكام الحدود بين يديه ﷺ من قتل ورجم وجلد وقطع يد إلخ مثل «علي بن أبي طالب ومحمد بن مسلمة والزبير بن العوام وعاصم بن ثابت وبلال» «٣» وهذه رتبة من أشرف الرتب؛ لأنها تتعلق بأشرف الأشياء وهي الأبدان. وكان يوجد في المدينة سجن للرجال وآخر للنساء ممن يرتكبون جرائم تستحق السجن وهذا في الأمور التي لا توجب الحد «٤» ، وأحيانا كان يوضع فيها من ينتظر تنفيذ الحكم. * حجّاب الرسول ﷺ : وكان للنبي ﷺ حجّاب يقفون على بابه ليستأذنوا للناس في الدخول عليه، منهم «أنس بن مالك ورباح الأسود- مولاه- وأبو أنسة- مولاه- وعبد الله بن زغب الإيادي» «٥» وقد جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: «جاء

стр. 124

أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ فوجد الناس جلسوا ببابه ولم يؤذن لهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له» «١» وهذا الحديث صريح الدلالة في أنه كان للرسول ﷺ حجّاب يستأذنون للناس في الدخول عليه. * حاملوا خاتم الرسول ﷺ : وكان للرسول ﷺ خاتما اتخذه لختم الرسائل للملوك والأمراء؛ لأنه لما عزم على إرسال كتبه إليهم بعد عودته من صلح الحديبية وكتب لهرقل قالوا: يا رسول الله إن الأعاجم لا تقبل الرسائل إلا أن تكون مختومة؛ فاتخذ خاتما من فضة نقشه: «محمد رسول الله» لختم الرسائل، وكان حنظلة بن الربيع بن صيفي والحارث بن عوف المري حاملي خاتم رسول الله ﷺ إذا غاب أحدهما ناب عنه الآخر، وظل خلفاء الرسول ﷺ يستعملون هذا الخاتم في ختم الرسائل حتى سقط من يد الخليفة عثمان بن عفان في بئر أريس، والقصة مشهورة. وكان هناك من يقوم باستقبال الوفود والاستئذان لها على الرسول ﷺ وتعليمهم كيف يحيونه وكيف يتحدثون إليه- وهو ما يطلق عليه الآن بنظام البروتوكول- وقد عنون صاحب كتاب «نظام الحكومة النبوية» لهذا الموضوع بقوله: فصل «في الرجل يعلم الوفد كيف يحيون المصطفى ﷺ » وكان أشهر من يقوم بهذه المهمة هو أبو بكر الصديق ﵁ فقد ذكر ابن إسحاق قصة قدوم وفد ثقيف على النبي ﷺ في رمضان (سنة ٩ هـ) . فعند وصولهم إلى المدينة التقوا بالمغيرة بن شبعة- وهو ثقفي مثلهم- فأخبر المغيرة أبا بكر ﵁ بقدومهم، فدخل أبو بكر على الرسول وأعلمه بأمرهم واستأذن لهم، وخرج إليهم وعلمهم كيف يحيون رسول الله ﷺ «٢» . * بيت الضيافة: وكان في المدينة بيت للضيافة، كانت تنزل فيه الوفود القادمة على الرسول ﷺ وكان هناك من يقوم على خدمتهم وإطعامهم. وكان من هؤلاء بلال وثوبان موالي رسول الله وكانت الدار التي اتخذت للضيافة منزلا لامرأة من الأنصار اسمها رملة بنت الحارث ويبدو أنها كانت واسعة؛ لأن ابن إسحاق ذكر أن رسول الله ﷺ

стр. 125

حبس فيها بني قريظة قبل قتلهم وكانوا أكثر من ستمائة رجل بأسرهم «١» . * مراقبة الأسواق: ومن الأمور المهمة التي كان يعنى بها رسول الله ﷺ مراقبة الأسواق. والإشراف على حركة البيع والشراء وكل ما يتعلق بالأمور التجارية، لضمان سلامة المعاملات وليحصل كل إنسان على ما يحتاج دون أن يتعرض لغش أو تدليس، وقد ذكر صاحب السيرة الحلبية أن رسول الله ﷺ ولى عمر بن الخطاب على سوق المدينة، وتولية عمر على هذا العمل يدل على جسامته وأهميته. ثم وبعد فتح مكة (سنة ٨ هـ) ولى رسول الله ﷺ سعيد بن العاص على سوقها «٢» للإشراف على الحركة التجارية. ولما كان النبي ﷺ قد ولى عتاب بن أسيد على مكة بعد فتحها، فتولية سعيد بن العاص أمر السوق، يدل على أنه بجانب الولاية العامة كانت هناك ولايات نوعية متخصصة بناحية محددة يتولاها آخرون. فبجانب الوالي كان هناك القاضي وجامع الصدقات، أي: المختص بالشؤون المالية، ولأهمية الأسواق والحركة التجارية في حياة الناس، فقد كان الرسول ﷺ يقوم أحيانا بمراقبة سوق المدينة بنفسه، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ مر على صبرة طعام- أي: قمح- فأدخل يده فيها فنالت بللا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» فقال: أصابته السماء يا رسول الله- أي: أصابه المطر- قال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس منا» «٣» . وهذا النوع من الإدارة الإسلامية في عهد الرسول ﷺ أصبح أساسا لما عرف بعد ذلك بنظام الحسبة، أو بولاية الحسبة والذي يتولاها كان يعرف بالمحتسب. * جهاز جمع المعلومات «المخابرات» : وكان للنبي ﷺ جهاز دقيق لجمع المعلومات عن الأعداء- وهو ما يقابل جهاز المخابرات فى الدول الحديثة- وممن كان يقوم بهذه المهمة بسبسة بن عمرو الجهني الذي كلفه رسول الله ﷺ بأن يذهب إلى بدر لجمع المعلومات عن قريش قبيل

стр. 126

المعركة، وكذلك طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد اللذان أرسلهما رسول الله ﷺ إلى طريق الشام يتحسسان الأخبار عن قافلة أبي سفيان.. ومنهم حذيفة بن اليمان الذي قام بجمع المعلومات عن الأحزاب في غزوة الخندق. وبسر بن سفيان الخزاعي الذي كان مختصّا بجمع المعلومات عن قريش. وعبد الله بن أبي حدرد الأسلمي الذي أمد الرسول بالمعلومات عن عزم هوازن على مهاجمته في حنين ثم قام بنفس الدور العباس بن عبد المطلب، فقد كان عين رسول الله ﷺ على أهل مكة يمده بكل تحركاتهم هذه، وهو الذي أخبره بمسيرهم في غزوة أحد، وكذلك في غزوة الأحزاب، مما مكن الرسول ﷺ من حفر الخندق قبل وصولهم إلى المدينة، وكان المسلمون يتقوون به في مكة، وكان يحب أن يقدم على رسول الله ﷺ فكتب إليه رسول الله: «إن مقامك بمكة خير» ، فلذلك قال رسول الله ﷺ في بدر: «من لقي منكم العباس فلا يقتله فإنما أخرج كرها» «١» . وهكذا كان هذا الجهاز خطيرا وفعالا ويرصد تحركات أعداء الدعوة والدولة على جميع الجبهات، وقد أمد هذا الجهاز النبي ﷺ بالمعلومات عن تحركات الروم في الشمال؛ مما كان سببا فى غزوة تبوك. * كتّاب الرسول ﷺ : كان للنبي ﷺ جهاز كبير من الكتاب، وصل عددهم إلى أكثر من أربعين كاتبا، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، والزبير بن العوام، وخالد وإبان ابنا سعيد بن العاص، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن الأرقم، وثابت بن قيس بن شماس، وحنظلة ابن أبي عامر الأسدي، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، ومعيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، والمغيرة بن شعبة، وخالد بن الوليد، والعلاء بن الحضرمي، وعمرو بن العاص، وجهم بن أبي الصلت، وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة، وغيرهم «٢» . وكان بعض هؤلاء الكتاب يكتبون الوحي لرسول الله ﷺ وبعضهم يكتب في

стр. 127

الشؤون العامة للدولة، إما إضافة إلى كتابته الوحي، أو اختصارا على الكتابة في الأمور الآخرى. فكان علي بن أبي طالب ﵁ من المختصين بكتابة العهود وعقود الصلح، وهو الذي كتب وثيقة صلح الحديبية. وكان معيقيب بن أبي فاطمة، وكعب بن عمرو بن زيد الأنصاري يكتبان المغانم، وكان يقال للأخير: صاحب المغانم. وحذيفة بن اليمان كان يكتب خرص تمر الحجاز. والعلاء بن عتبة وعبد الله بن الأرقم يكتبان بين الناس في قبائلهم ومياههم، وفي دور الأنصار بين الرجال والنساء. وكان عبد الله بن الأرقم يجيب الملوك عن رسول الله. والزبير بن العوام وجهم بن أبي الصلت يكتبان أموال الصدقات والمغيرة بن شعبة يكتب المداينات والمعاملات. وكان زيد بن ثابت الأنصاري- إضافة إلى كتابة الوحي- مترجم رسول الله؛ لأنه كان يعرف عددا من اللغات منها الفارسية والعبرية «١» . * جهاز الإعلام: وكذلك كان لرسول الله ﷺ عدد من الشعراء والخطباء الذين يدافعون عنه وعن دعوته ودولته ضد من كانوا يهاجمونه من شعراء مكة وغيرها كعبد الله بن الزبعرى الذي كان يهاجم الرسول ودعوته بقصائد قاسية فكان شعراء الرسول ﷺ يتصدون للرد عليه، ومن شعراء الرسول البارزين: حسان بن ثابت الأنصاري، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، ومن خطبائه: ثابت بن قيس «٢» . ومما هو معروف أن الشعر والخطابة كانا وسيلة الإعلام الرئيسية في ذلك الوقت. هذا بإيجاز هو الجهاز الحكومي الذي كان يعاون الرسول ﷺ في إدارة الدولة

стр. 128

ونحيل من يريد الاستزادة عن هذا- بالإضافة إلى كتب الحديث والفقه والسير والمغازي والتاريخ والأدب- إلى كتابين رئيسيين: الكتاب الأول: كتاب تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله ﷺ من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية، لأبي الحسن الخزاعي المتوفى (سنة ٧٨٩ هـ) . والذي طبعه المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة (سنة ١٩٨٠ م) . والكتاب الثاني: هو نظام الحكومة النبوية المسمى بالتراتيب الإدارية، لكاتب مغربي هو الشيخ عبد الحي الكتاني، والكتاب مطبوع في دار الكتاب العربي في بيروت بلبنان بدون تاريخ. * خلفاء الرسول على المدينة أثناء غيابه عنها في غزو أو غيره: عند ما كان الرسول ﷺ يكون موجودا في المدينة فهو المشرف الأعلى على الأمور كلها وهو الذي يوزع الأعمال على الصحابة- رضوان الله عليهم- كل في مجاله. وعند ما كان يغيب عنها ولو ليوم واحد، فإنه كان ينيب أحد أصحابه عنه ليتولى إدارة الأمور حتى يرجع، ففي غزوة أحد التي دارت معاركها بالقرب من المدينة فإنه عهد بأمر المدينة لابن أم مكتوم. وباستعراض الأسماء التي كان الرسول ﷺ يعهد إليها بأمر المدينة أثناء غيابه نجد أنه قلما كان يولي النيابة عنه لشخص واحد أكثر من مرة، ونستنتج من ذلك أنه ربما كان يقصد أن يتيح الفرصة لأكثر من شخص للتدريب والممارسة العملية في مباشرة الحكم والإدارة ليكون هناك العدد الكافي للاضطلاع بحكم الولايات فيما بعد عند اتساع الدولة وهو أمر لم يطل انتظاره. فمثلا عند خروج الرسول ﷺ في غزوة الأبواء- ودان- في ربيع الأول (سنة ٢ هـ) استخلف على المدينة سعد بن عبادة «١» . وفي غزوة بواط في نفس الشهر استخلف سعد بن معاذ «٢» . وفي خروجه لمطاردة كرز بن جابر الفهري في نفس الشهر استخلف زيد بن حارثة «٣» . وفي غزوة ذات العشيرة استخلف أبا سلمة بن عبد الأسد «٤» .

стр. 129

وفي غزوة بدر الكبرى من رمضان (سنة ٢ هـ) . استخلف أبا لبابة بشير بن عبد المنذر «١» . وفي غزوة خيبر استخلف سباع بن عرفطة الغفاري «٢» . وفي فتح مكة استخلف أبا رهم حصين بن خلف الغفاري «٣» . وفي غزوة تبوك استخلف محمد بن مسلمة الأنصاري. * اتساع نفوذ الدولة الإسلامية: بعد أن أقام الرسول ﷺ الدولة الإسلامية في المدينة- على النحو الذي بيناه- بقي نفوذها مقصورا- تقريبا- على المدينة وما حولها، وإن تجاوز ذلك فبعقد محالفات وصداقات مع بعض القبائل القاطنة على الطريق بين مكة والمدينة، وذلك لجذب هذه القبائل إلى صفه، أو على الأقل تحييدها في الصراع بينه وبين قريش، التي كانت عدوه الرئيسي، والتي وجه إليها كل نشاطه العسكري في تلك الفترة ليجبرها على التخلي عن عداوتها للإسلام، ويمثل ذلك النوع من المحالفات، تلك المحالفة التي عقدها رسول الله ﷺ مع بني ضمرة، الذين كانوا من أهم القبائل القاطنة في تلك الجهة. وبالنظر إلى الكتاب الذي كتبه لهم رسول الله «٤» نجد أنه ينص على تأمينهم على أنفسهم وأموالهم وأن لهم النصرة على من رامهم إلا أن يحاربوا في دين الله، وأن النبي ﷺ إذا دعاهم لنصرته أجابوه، فهي إذن معاهدة دفاع مشترك بينهم وبين الرسول ﷺ ويوضح لنا هذا الكتاب أو هذه المعاهدة، أن النبي ﷺ نجح في أن يجذب إلى صفه القبائل التي كانت في الأصل صديقة لقريش وتمدها بالمعلومات عن تحركات المسلمين. ويوضح لنا كذلك امتداد نفوذ النبي ﷺ وسلطانه، فكونه يضمن لبني ضمرة تأمين أنفسهم وأموالهم يدل على أنه أصبح الأقوى نفوذا وأن قوته معترف بها. وظل النبي ﷺ يعمل في هذا الاتجاه، يقاوم قريشا ويتصدى لها، وفي نفس الوقت يعمل جاهدا في نشر الدعوة وتوسيع نطاق نفوذ الدولة لحماية الدعوة، ولكن

стр. 130

التقدم في هذا الاتجاه ظل بطيئا إلى عام الحديبية. فقد كانت الحديبية نقطة تحول كبرى في تاريخ الدعوة والدولة معا، فبعد الحديبية انفتح الطريق أمام انتشار الدعوة وامتداد الدولة وذلك بفضل بعد نظر الرسول ﷺ ومهارته السياسية الفائقة ففي شهر ذي القعدة من العام السادس الهجري أعلن الرسول عن عزمه للخروج معتمرا مسالما لا محاربا، وخرج بالفعل في ألف وأربعمائة من أصحابه، ولعله أراد أن يختبر نوايا قريش فلعلها راجعت موقفها من الدعوة- خصوصا بعد الهزائم العسكرية التي منيت بها- وتفتح معه صفحة جديدة، فها هو يمد يده إليها فماذا هي صانعة، وصل الرسول ﷺ إلى الحديبية بالقرب من مكة وواتته الأخبار بعزم قريش على منعه من دخوله مكة، واتصلت بينه وبينهم المفاوضات- التي لا نريد أن نقف عندها طويلا الآن- وانتهت إلى ما عرف بصلح الحديبية، والذي كان من أهم بنوده وأعظمها أثرا على مستقبل الدعوة والدولة ذلك البند الذي نص على هدنة أو فترة سلام بين الفريقين مدتها عشرة أعوام. وقبل الرسول هذه المعاهدة- رغم المعارضة الشديدة من بعض أصحابه- واستثمرها بنجاح فائق ظهر أثره، واضحا بعد فترة وجيزة. ذلك أنه ما إن استقر في المدينة بعد عودته من الحديبية حتى شرع في تنفيذ خطة واسعة النطاق لتبليغ الدعوة إلى جميع مناطق شبه الجزيرة العربية وإلى الدول الأجنبية المجاورة. ففي شهر المحرم من العام السابع الهجري أرسل ستة سفراء دفعة واحدة، إلى كسرى فارس وهرقل- إمبراطور الروم- والمقوقس في مصر، ونجاشي الحبشة، وأمير غسان بالشام، وزعيم بني حنيفة في اليمامة «١» . * اليمن أول إقليم عربي يدخل تحت سيادة الدولة الإسلامية: والذي يهمنا من أمر هذه الرسائل الآن، هو أمر رسالته إلى كسرى فارس؛ فقد كانت هذه الرسالة وما ترتب عليها من رد فعل مفتاح إسلام أهل اليمن، ودخولهم

стр. 131

ضمن نفوذ الدولة الإسلامية. والذي حمل رسالة النبي ﷺ إلى كسرى أبرويز بن هرمز، هو عبد الله بن حذافة السهمي، فلما أوصل إليه الرسالة، وقرئت عليه استبد به الغضب والغرور وقال: يكتب إليّ وهو عبدي- يقصد النبي ﷺ وطرد عبد الله بن حذافة- مبعوث النبي ﷺ من المدائن، ثم أرسل كتابا إلى باذان- عامله على اليمن- أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به «١» . فامتثل باذان لأمر سيده، وأرسل قائدين من قواده هما خرخسرو وبابويه ومعهما عدد من الجنود، وقال لبابويه: ائت بلد هذا الرجل وكلمه وائتني بخبره فخرجا حتى قدما على رسول الله ﷺ فكلمه بابويه فقال: إن شاهنشاه- ملك الملوك كسرى- قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثني إليك لتنطلق معي، فإن فعلت كتب فيك إلى ملك الملوك ينفعك ويكفه عنك، وإن أبيت، فهو من قد علمت، فهو مهلك، ومهلك قومك، ومخرب بلادك، فقال لهما رسول الله ﷺ : «ارجعا حتى تأتياني غدا» وأتى رسول الله الخبر من السماء وأن الله سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله، فدعاهما فأخبرهما، فقالا له: هل تدري ما تقول؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا، أفنكتب هذا عنك ونخبر الملك؟ قال: «نعم، أخبراه ذلك عني، وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى ... وقولا له: إن أسلمت أعطيت ما تحت يديك وملكتك على قومك من الأبناء» «٢» . أوصل رسولا باذان رسالة النبي ﷺ إليه ثم جاءته الأخبار من فارس تصدق ما أخبر به النبي ﷺ ، فلم يلبث باذان أن أراد الله به خيرا وشرح صدره للإسلام، وأرسل إلى النبي ﷺ وفدا برئاسة فيرزز الديلمي بإعلان إسلامه وإسلام الأبناء من أهل اليمن «٣» . وأقره النبي ﷺ على حكم المناطق التي كان يتولاها تحت الإدارة الفارسية، والتي يبدو أنها كانت قاصرة على منطقة صنعاء وما حولها؛ لأن النبي ﷺ ولى ولاة آخرين على بقية مناطق اليمن التي تتابع دخولها في الإسلام، وكانت سياسة النبي ﷺ أن يولي على كل قوم زعيما منهم. وكيفما كان الأمر فإن باذان كان

стр. 132

أول ملوك العجم الذين أسلموا وولاه النبي ﷺ الحكم باسم الإسلام «١» ، وهذا أبلغ دليل على عالمية الإسلام وسماحته وارتفاعه فوق القوميات والعصبيات فرجل أعجمي وأجنبي عن البلاد يسلم فلا مانع إطلاقا من أن يحكم تحت راية الإسلام. ومن ولاة اليمن معاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري، وعلي بن أبي طالب، وعمرو بن حزم الأنصاري، ومر تنظيم حكم اليمن وتقسيم مناطقه بمراحل حيث أصبح بعد حجة الوداع على النحو التالي: ١- مخلاف صنعاء وعليه شهر بن باذان. ٢- مخلاف حضر موت وعليه زياد بن لبيد البياضي. ٣- مخلاف الجند- عاصمة حمير- وعليه معاذ بن جبل وكان له الإشراف على بقية المخاليف وتجمع عنده الأموال ليرسلها إلى الرسول ﷺ في المدينة. ٤- مخلاف تهامة وعليه الطاهر بن أبي هالة «٢» . * ولاية مكة: رأينا في الصفحات السابقة كيف وصلت الدعوة الإسلامية إلى اليمن، وأصبحت جزآ من الدولة الإسلامية، يحكمها ولاة من قبل النبي ﷺ وتوافد عليها الصحابة قضاة ومعلمين. وفي العام الثامن الهجري وفي شهر رمضان توجه النبي ﷺ إلى مكة ففتحها، ويقول الطبري: إن النبي ﷺ ترك فيها أبا بكر ﵁ ليدبر الأوضاع بعد الفتح ويعلم الناس، ثم تولى ولاية مكة عتاب بن أسيد وظل واليا عليها حتى وفاة الرسول ﷺ «٣» ، وفرض الرسول ﷺ لعتاب درهما واحدا في اليوم كراتب، وكان عتاب يقول: أجاع الله كبد من جاع على درهم فقد رزقني رسول الله درهما كل يوم فليست لي حاجة إلى أحد، وهذا الراتب من أول ما وضع من الرواتب للعمال «٤» .

стр. 133

وهكذا أسلمت مكة- بعد مقاومتها العتيدة للإسلام- وأصبحت ولاية إسلامية وقد سبقت الإشارة إلى أن النبي ﷺ عين سعيد بن العاص لمراقبة سوقها بعد الفتح. * ولاية الطائف: في شهر رمضان من العام التاسع الهجري قدوم ثقيف إلى رسول الله ﷺ بعد عودته من تبوك، وذلك بعد ما يقرب من عام من حصار الطائف وفكه عنها، وأعلنوا إسلامهم فلما أسلموا كتب لهم رسول الله ﷺ كتابا، وأمّر عليهم عثمان ابن أبي العاص، بعد أن شاور فيه أبا بكر ﵁ فقال له أبو بكر: إني قد رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن. * إسلام البحرين: بعد فتح مكة أرسل النبي ﷺ العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي أمير البحرين وكتب إليه كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، فأسلم ورد على رسول الله بكتاب، جاء فيه: «أما بعد يا رسول الله فإني قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه ودخل فيه ومنهم من كرهه، وفي أرضي مجوس ويهود فأحدث إلى في ذلك أمرك. فرد عليه النبي ﷺ بكتاب جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوي. سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله «١» ، أما بعد: فإني أذكرك الله فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، فإنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرا، وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية» «٢» . بهذا الشكل دخل أهل البحرين الإسلام وأبقى الرسول ﷺ أميرهم المنذر بن ساوي يحكمهم نيابة عنه، وبقي العلاء بن الحضرمي معه قاضيا ومعلما وجامعا للصدقات.

стр. 134

* إسلام اهل عمان: ثم أرسل رسول الله ﷺ عمرو بن العاص إلى جيفر وعبد- أو عباد- ابني الجلندي ملكي عمان، يدعوهما للإسلام، وأرسل إليهما معه كتابا هذا نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعباد ابني الجلندي، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيّا ويحق القول على الكافرين. وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام، فإن ملككما زائل عنكما، وخيلي تحل بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما» «١» . أوصل عمرو بن العاص كتاب النبي إليهما وبعد مناقشات طويلة استطاع إقناعهما فأسلما وأسلم قومهما بإسلامهما، وبقيا يحكمان بلدهما وبقي عمرو بن العاص ليجمع الصدقات ويحكم، ويقضي بين الناس، وقال عنهما: «وصدقا النبي ﷺ وخليا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم وكانا عونا لي على من خالفني» «٢» . وهكذا في فترة وجيزة بعد صلح الحديبية، انتشرت الدعوة الإسلامية، وامتد نفوذ الدولة من اليمن إلى عمان والبحرين بالإضافة إلى مكة والطائف وأصبح على كل هذه المناطق ولاة من قبل الرسول ﷺ وإلى جانبهم قضاة ومعلمون وجباة. وبعد عودة رسول الله ﷺ من غزوة تبوك في رمضان من السنة التاسعة للهجرة أقبلت عليه الوفود من سائر أنحاء الجزيرة العربية «٣» معلنة إسلامها وبيعتها، وقبولها الدخول تحت سيادة الدولة، وكان الرسول ﷺ يعين عليهم الأمراء والقضاء وجامعي الصدقات «٤» . بحيث يمكننا القول: إن الجزيرة العربية بأسرها انتظمتها وحدة دينية وسياسية تحت زعامة النبي ﷺ لأول مرة في تاريخها. وبوفاة النبي ﷺ انتهت مهمته كرسول وانقطع الوحي؛ لأنه خاتم الأنبياء،

стр. 135

وبقيت مهمته كرئيس للدولة الإسلامية، وكان لا بد لهذه المهمة من يشغلها، وقد أعطى الصحابة- رضوان الله عليهم- هذه القضية ما تستحقه من اهتمام وبرهنوا على إحساس عميق بالمسؤولية فحسموا أمر من يخلف النبي ﷺ في زعامة الدولة، في نفس اليوم الذي توفي فيه- على أرجح الروايات- وبويع أبو بكر الصديق خليفة وزعيما للأمة، بما يشبه الإجماع، وكان تعليق أحد الصحابة على هذه البيعة المباركة بهذه السرعة- وهو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل- قال: «لقد كرهنا أن نبيت ليلة واحدة بعد وفاة نبينا بدون إمام» . وبعد؛ فهذه لمحة موجزة عن دولة الإسلام وإدارتها وجهاز حكمها في عهد رسول الله ولمن يريد المزيد من التفصيلات عن الموضوع فليرجع إلى المصادر التي تحدثت عن نظام الحكم في الإسلام قديما وحديثا، وهي أكثر من أن يأتي عليها الحصر، فمن المصادر القديمة: كتاب «الأحكام السلطانية» لأبي يعلى، وكتاب «الأحكام السلطانية» للماوردي، «والفخري في الآداب السلطانية» لابن طباطبا، «والوزراء والكتاب» للجهشياري، «ومقدمة ابن خالدون» ، وكتاب «تخريج الدلالات السمعية» لأبي الحسن الخزاعي- وقد سبقت الإشارة إليه- وكتابا «السياسة الشرعية» و «الحسبة في الإسلام» لابن تيمية. ومن الكتب الحديثة: «كتاب الحكومة النبوية» لعبد الحي الكتابي الذي سبقت الإشارة إليه أيضا، وكتاب «نظام الحكم في الشريعة والتاريخ» لظافر القاسمي، وكتاب «نظام الحكم في الإسلام» للشيخ صادق عرجون، وكتاب «دولة الإسلام والعالم» للدكتور محمد حميد الله الحيدر آبادي، ترجمة الدكتور فتحي عثمان، وكتاب «دولة الفكرة التي أقامها رسول الله عقب الهجرة» للدكتور محمد فتحي عثمان، وكتاب «النظم الإسلامية» للدكتور صبحي الصالح، وكتاب «النظم الإسلامية» للدكتورين حسن إبراهيم حسن وعلى إبراهيم حسن، وكتاب «النظم الإسلامية» للدكتور إبراهيم أحمد العدوي، وكتاب «الدين والدولة من توجيه القرآن» للدكتور محمد البهي ... إلخ.

стр. 136

بحوث في السّيرة النّبويّة والتّاريخ الإسلاميّ قراءة ورؤية جديدة [البحث لسادس] دولة الإسلام وعلاقاتها الدولية في عهد النبي ﷺ

стр. 137

دولة الإسلام وعلاقاتها الدولية في عهد النبي ﷺ إلى عالمنا المعاصر، ذلك العالم المضطرب، المتوتر الأعصاب، المكدود الذهن الذي تسوده الحروب والقلاقل والفقر في كثير من أجزائه. إلى هذا العالم الذي يحاول الأقوياء فيه السيطرة على الضعفاء وإذلالهم وتسخيرهم لمصالحهم، بل أكثر من هذا؛ فإن هؤلاء السادة الأقوياء الأغنياء بدلا من أن يعملوا على استقرار العلاقات بين الدول صغيرها وكبيرها على قاعدة المساواة والعدل، راحوا يشعلون الحروب بين الدول الصغيرة الفقيرة، ويحرضونها على بعضها، ليضمنوا بسط سيطرتهم عليها من ناحية، ومن ناحية ثانية ليروجوا لتجارة السلاح الذي يصنعونه، حتى تمتلئ خزائنهم بالمال الحرام، الذي يأتي من أقوات الشعوب المقهورة، والتي هي في حاجة إلى طعام وليس إلى سلاح، والأمثلة كثيرة وماثلة أمام أعيننا. إلى هذا العالم الذي يسود علاقاته الدولية المكر والخداع والنفاق والغدر، بسبب غياب الوازع الديني والأخلاقي عن ضمائر ساسته وزعمائه الكبار، الذين يقررون مصائره، والذين لا يتورعون عن أن يدوسوا بأقدامهم كل عهد وميثاق قطعوه على أنفسهم، إذا كان ذلك يعود عليهم بمصلحة مادية؛ لأنهم تركوا الدين وشرائع الله وراء ظهورهم. إلى هذا العالم المضطرب المكدود أهدي هذا البحث «دولة الإسلام وعلاقاتها الدولية في عهد النبي ﷺ » ليعرف هذا العالم كيف قامت العلاقات الدولية في الإسلام على أسس متينة من السلام والمساواة والعدل وصيانة العهود والمواثيق. وكيف رعت وصانت هذه العلاقات حقوق الإنسان وكرامة الإنسان من حيث هو إنسان، واستهدفت حياة يسودها الحب والتعاون من أجل خير الجميع وسعادة الجميع. لعل الناس يهتدون، ويعودون إلى تحكيم شريعة الله في سلوكهم وعلاقاتهم وكل شؤون حياتهم إذا كانوا يريدون الخلاص مما هم فيه من بلاء وشقاء، وأن يعم بينهم الحب والتعاون والإخاء. وقد تناول البحث الموضوعات الآتية: قيام دولة الإسلام في عهد النبي ﷺ الإسلام دين عالمي- السلام أساس العلاقات الدولية في الإسلام- الحرب المشروعة في الإسلام- آدب الحرب في الإسلام- مبادئ القانون الدولي في الإسلام- الإسلام

стр. 138

يحترم مبعوثي الأعداء وحاملي رسائلهم- معاهدة الحديبية في ميزان العلاقات الدولية- الإسلام والعالم- خاتمة البحث. هذا وبالله التوفيق. * قيام دولة الإسلام: * في عهد النبي: الإسلام دين ودولة؛ أو بمعنى آخر الإسلام عقيدة إلهية تنبثق منها شريعة، يقوم على مبادئ هذه الشريعة نظام اجتماعي كامل وفاضل، يحقق سعادة البشر جميعا في الدنيا والآخرة. تلك حقيقة لا ينكرها إلا مكابر يجهل حقيقة الإسلام، أو متعصب أعمى التعصب- ضد الإسلام- بصره وبصيرته. فالتاريخ قد عرفنا برجال جاؤوا برسالات سماوية، ورجال بنوا أمما، ورجال آخرين أسّسوا دولا. لكن التاريخ لم يحدثنا عن رجل واحد جاء برسالة من عند الله، ثم بنى أمة، ثم أسس دولة، سوى النبي العربي محمد بن عبد الله ﷺ ، فقد كان محمد رسولا من عند الله للبشرية كلها؛ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ: ٢٨] . وهو مكلف بتبليغ رسالته للناس؛ يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧] والقرآن الكريم كما حمّل النبي ﵊ مسؤولية تبليغ الرسالة، فقد حمّله كذلك مسؤولية الحكم بين المسلمين، طبقا لمبادئ هذه الرسالة؛ إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ [النساء: ١٠٥] ، وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ... [المائدة: ٤٩] . وصفة الإيمان تنتفي عن المؤمنين إذا لم يحكموا الرسول في أمورهم؛ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء: ٦٥] . وبناء على هذا يمكننا أن نقول: إن مهمة تأسيس دولة إسلامية يقوم نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي على أسس شريعة الإسلام، هي مهمة أساسية من مهمات الرسول- ﵊ وقد اضطلع بهذه المهمة، فأسس الدولة الإسلامية- في المدينة المنورة بعد الهجرة مباشرة- وكان هو- ﵊ قائد المسلمين وإمامهم، ينفذ الشريعة بينهم، ويرعى مصالحهم ويحدد لهم علاقاتهم فيما بينهم. ويحدد لهم علاقاتهم بغيرهم من الأمم الآخرى على أسس ومبادئ

стр. 139

ثابتة، والمبادئ التي تقوم على أساس علاقات الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم هي مبادئ عالمية؛ ذلك بأن طابع الدولة الإسلامية له ما للدعوة الإسلامية من اعتبار إنساني عام حدّده مصدر الرسالة الإسلامية وهو القرآن الكريم في قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف: ١٥٨] ؛ فالدعوة الإسلامية للناس جميعا. ولذلك ففكرة الدولة في الإسلام هي فكرة عالمية، ومبادئ علاقاتها الدولية هي مبادئ عالمية كذلك «١» . وينبغي أن نشير هنا إلى أن هذه هي أول مرة في تاريخ الأديان تقوم دولة ذات صبغة عالمية في مبادئها وأهدافها على أساس عقيدة وشريعة سماوية «٢» . وهذه ميزة امتاز بها الإسلام، وهي ميزة ناشئة عن طبيعته كدين، وناشئة أيضا عن ظروف نشأته التاريخية، وفي كلا الأمرين يختلف الإسلام عن المسيحية مثلا. فالمسيحية- من حيث طبيعتها كدين- تعتبر رسالة إصلاحية، وجاءت لإصلاح الديانة اليهودية، وتخليصها من البدع والخرافات والأساطير التي أضافها إليها اليهود، والتي أحالتها طقوسا جامدة، لا حياة فيها ولا روح، فاليهود حرّفوا الكلم عن مواضعه كما سجّل عليهم القرآن الكريم هذا العبث: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ [المائدة: ١٣] . من أجل ذلك جاء السيد المسيح ﵇ برسالته ليصحح الديانة اليهودية، ويعيد لها صفاءها الأول، كما جاء بها موسى ﵇ وليهدي خراف بني إسرائيل الضالة. وروي عنه قوله: «ما جئت لأنقض الناموس، بل لأصححه» . أما طبيعة الإسلام كدين فلم تكن كذلك؛ فلم يأت الإسلام لإجراء تصحيح جزئي في ديانة سابقة، وإنما جاء الإسلام لهدم كل انحراف عقدي أو أخلاقي أو سلوكي، سواء في شبه الجزيرة العربية، أو في أي مكان آخر من العالم يصل إليه، وليقيم عقيدة عالمية للبشرية كلها؛ هي عقيدة التوحيد الخالص لله وحده ، وعبادته دون سواه، ومعها شريعة خاتمة لكل الشرائع، وشاملة لكل شؤون الدنيا والآخرة.

стр. 140

وهناك فارق آخر بين الإسلام والمسيحية من حيث النشأة التاريخية لكل منهما فالمسيحية كما هو معروف، نشأت في فلسطين، حيث ولد السيد المسيح ﵇، وفلسطين يومئذ مستعمرة رومانية، والدولة الرومانية كانت في تلك الأزمان دولة كبيرة وعتيدة. دولة لها نظامها الاجتماعي الخاص بها، ولها قوانينها الراسخة، والتي كانت مبعث فخرها- لا تزال القوانين الرومانية تعتبر ينبوعا لمعظم القوانين في أوربا- فلم تكن الدولة الرومانية لتسمح للسيد المسيح ﵇ أن ينازعها سلطانها، وأن يقيم في ولاية من ولاياتها دولة ومجتمعا يخالف نظامها وقوانينها. ولقد أدرك السيد المسيح نفسه هذا الوضع فلم يحاول أن يقحم نفسه ورسالته في هذا الميدان، ولم يسع لإقامة دولة مسيحية على أساس الديانة المسيحية، ونقلت الكتب المتداولة في أيدي المسيحيين الآن عنه قوله: «دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر» «١» . ويعني هذا أن المسيحية قصرت جهودها على العمل في ميدان الروح والوجدان، وقد نجحت المسيحية في رسالتها الروحية، قبل أن ينحرف بها أتباعها- كما انحرف اليهود من قبل بديانتهم- ويحمّلوها ما ليس من طبيعتها، وما فوق طاقتها، وهذا موضوع طويل وليس مكانه في هذا البحث. وإنما كل ما نريد أن نوضحه أن النشأة التاريخية للإسلام تختلف عن النشأة التاريخية للمسيحية، وأن هذا كان له تأثير كبير على نشأة الدولة الإسلامية ذاتها. فالإسلام نشأ في إقليم الحجاز في شبه الجزيرة العربية، حيث ولد محمد ﷺ ، وتلقّى رسالته، وهذه المنطقة التي ولد فيها النبي ﷺ ، ونشأ فيها الإسلام، كانت مستقلة تماما عن أي نفوذ أجنبي، فلا سلطان عليها لا لملك ولا لإمبراطور، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فلم تكن بالمنطقة نظم أو قوانين كتلك التي كانت سائدة في فلسطين- المستعمرة الرومانية- عند نشأة المسيحية. وكانت تلك فرصة طيبة للإسلام لكي يقيم المجتمع والدولة والنظام الذي يريده، على أساس الشريعة التي أنزلها الله على رسوله محمد ﷺ ، دون تدخل من أية قوة خارجية أو إعاقة من أي نظام أو قانون داخلي، ولم يكن مضطرّا لقصر عمله على ميدان الروح والوجدان «٢» ؛ بل عمل في ميدان الروح والوجدان، وعمل في واقع الحياة وفي كل ميدان من ميادينها الفسيحة. وكان من حيث طبيعته العالمية، ومن حيث نشأته التاريخية مهيئا لإقامة دولة إسلامية ذات

стр. 141

صبغة عالمية. ولقد قامت الدولة الإسلامية بعد هجرة الرسول ﷺ من مكة إلى يثرب- المدينة المنورة بعد الهجرة- مباشرة، فمنذ اللحظة الأولى بدأ الرسول ﷺ في المدينة في إرساء دعائم دولة الإسلام وصياغة المجتمع الإسلامي وقد خطا ﷺ في هذا المجال خطوات عملية وسريعة من أهمها: أولا: بناء المسجد النبوي في المدينة «١» ، وكان هذا هو أول عمل قام به النبي ﷺ بعد الهجرة. وقد عمل في بنائه بنفسه مع أصحابه، وحول المسجد أقيمت مساكن الرسول ﷺ . وكان بناء المسجد النبوي بسيطا بساطة تعبر عن بساطة الإسلام نفسه وعزوفه عن البذخ والترف. ولكن هذا المسجد البسيط العظيم قام بالدور الرئيسي في حياة الإسلام والدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي. فلم يقتصر مسجد الرسول على إقامة الصلوات فيه، وإنما أصبح مركز النشاط الإسلامي كله، فهو مهبط الوحي، يتلقاه النبي فيه ويبلغه للناس، وفيه كان النبي ﷺ يعلم الصحابة- رضوان الله عليهم- أمور الدين والدنيا ويدربهم على فنون الحكم والقيادة والإدارة، ويعدّهم للدور العظيم الذي ينتظرهم لقيادة العالم، ونشر الدين، وحماية العقيدة، وبناء دولة الإسلام وتطويرها على أساس شريعة الله. وكان المسجد مركز حكومة النبي ﷺ ، فيه يقضي ويحكم بين الناس في المنازعات، وفيه يعقد الألوية والرايات لقواد حملاته العسكرية، ويعقد عهود الولاية للعمال على المناطق التي تدخل في تبعية الدولة الإسلامية. وفيه كان يستقبل الوفود الأجنبية، ومنه يرسل مبعوثيه كذلك، وحاملي رسائله إلى الأمراء والملوك والأباطرة المعاصرين، وفيه كان ﷺ يناقش مشاكل المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية مع أصحابه بروح المعلم العظيم والقائد العظيم. وباختصار شديد ففي هذا المسجد البسيط اتخذت أعظم القرارات التي غيرت وجه التاريخ، وبدلت مصائر العالم، ومنه خرجت شعلة النور التي أضاءت جنبات الأرض، فلا غرو إذن إذا اعتبرنا بناء مسجد المدينة من أهم ركائز قيام الدولة الإسلامية. ثانيا: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار. تلك المؤاخاة التي قامت على أساس العقيدة الإسلامية، والتي ربطت بينهم بهذا الرباط الوثيق، وجعلتهم أمة متميزة بخصائصها الإسلامية، وكانت في نفس الوقت دليلا عمليّا واضحا على طبيعة

стр. 142

الإسلام العالمية. ذلك الدين الذي لا يقيم أي وزن لآية رابطة تقوم على العصبية القبلية أو القومية أو الجنسية، فالرابطة الوحيدة التي يعترف بها الإسلام هي رابطة العقيدة؛ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ... [الحجرات: ١٠] . فهي الرابطة التي تحقق المساواة الكاملة بين البشر. ولقد ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة العملية على ذلك، فقد آخى بين عمه حمزة بن عبد المطلب ﵁ ومولاه زيد بن حارثة ﵁ «١» ، وبهذه المؤاخاة أصبح المسلمون أمة واحدة، متميزة بخصائصها الدينية في مواجهة المجموعات الآخرى في المدينة، ومنهم اليهود. ثالثا: معاهدة المدينة. فبعد أن نظم الرسول ﷺ العلاقات بين المسلمين على النحو السابق، كان لا بد من تنظيم العلاقات بين المسلمين وبين بقية سكان المدينة، ولا بد من تحديد الحقوق والواجبات لكل طرف؛ حتى يعرف كل إنسان ما له وما عليه، وهنا يقدم لنا الرسول ﷺ أنموذجا آخر، على عالمية الإسلام وشمول مبادئه، وطبيعته التنظيمية، ذلك الأنموذج الذي تمثل في المعاهدة التي عقدها الرسول مع اليهود وغيرهم من سكان المدينة، تلك المعاهدة التي تعتبر أدق وأوفى المعاهدات في التاريخ، والتي أصبحت الأساس الدستوري لقيام الدولة الإسلامية في المدينة بقيادة النبي ﷺ ، باعتراف جميع الأطراف التي اشتركت فيها ووقعت عليها. ولقد نظمت معاهدة المدينة كافة الحقوق والواجبات والالتزامات بين سكان المدينة جميعا، باعتبارهم مواطنين في الدولة الجديدة، مع اختلاف العقيدة، حيث اعتبرت المعاهدة اليهود طرفا فيها، واعتبرتهم مواطنين في المدينة، ومع ذلك ضمنت لهم حرية عقائدهم وشعائر دينهم، والمحافظة على ممتلكاتهم، وعلى كل حال لا نريد أن نطيل في شرح تفاصيل معاهدة المدينة في هذا البحث، وإنما يهمنا منها أمر واحد، وهو أنها كانت إعلانا بميلاد دولة الإسلام بقيادة النبي ﷺ ، وباعتراف جميع أطرافها بما فيهم اليهود، وقد جاء هذا الاعتراف في نص صريح في المعاهدة. «وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله ، وإلى محمد رسول الله ﷺ ... » «٢» . بهذا الشكل تم إعلان قيام

стр. 143

دولة الإسلام بالمدينة. وكانت بداية باهرة، ففي تلك المدينة الصغيرة قامت الحكومة الإسلامية، التي أرست دعائم الحق والعدل والمساواة بين البشر جميعا. وبعد أن وضع النبي ﷺ أسس الإسلام في المدينة المنورة، استمر يؤدي المهمتين الأساسيتين اللتين اضطلع بهما: الأولى: مهمة تلقي الوحي وتبليغه للناس. والثانية: تطبيق الشريعة وتنفيذ أحكامها، وقيادة الأمة الإسلامية ورعاية مصالحها ورسم مستقبلها وعلاقاتها الخارجية. ولما التحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى، كان معنى هذا انتهاء المهمة الأولى. أما المهمة الثانية، وهي قيادة الأمة الإسلامية؛ فقد أصبحت شاغرة، وكان لا بد من شغلها، ولقد أدرك أصحاب النبي ﷺ ضرورة أن يختاروا- وعلى وجه السرعة- من يخلف النبي في قيادة الأمة، في ذلك الظرف العصيب الذي أعقب وفاة النبي ﷺ ، وبدا اهتمامهم بهذه القضية من إعطائهم إياها الأولوية على كل شيء سواها، حتى على دفن جسد النبي الطاهر- ﵊ وكرهوا أن يبيتوا ليلة واحدة بدون إمام «١» . وكان هذا يمثل قمة الإحساس بالمسؤولية من جانب الصحابة- رضوان الله عليهم- والذي يتابع مناقشاتهم الجادة التي جرت في سقيفة بني ساعدة «٢» يدرك مدى فهمهم العميق لطبيعة دينهم التنظيمية، وإخلاصهم النيّة في محاولة اختيار أفضلهم وأرجحهم عقلا لتولي هذا المنصب الخطير، منصب خلافة النبي في قيادة الأمة الإسلامية، ويعجب ببعد نظرهم، وحسمهم للأمور؛ إذ لم ينته اليوم الأول على وفاة النبي ﷺ حتى كان الله قد وفقهم إلى اختيار أبي بكر الصديق ﵁ لتولي منصب الخلافة. فكان خير خلف لخير سلف، قاد الأمة بتجرد ومهارة فائقة في معالجة مشاكلها الداخلية والخارجية. ثم أسلم الراية لابن الخطاب العظيم، الذي تابع المسيرة الخالدة. وقفز بالدولة قفزة هائلة في جميع الميادين، ودلل على القدرة العقلية العربية على القيادة والتنظيم السياسي والإداري، وأخذت دولة الإسلام تتطور حتى أصبحت أعظم دولة

стр. 144

في عالم العصور الوسطى؛ لأنها أسست على أرقى المبادئ الأخلاقية والمثل العليا، وناهيك بدولة تقوم على أساس عقيدة وشريعة إلهية. * الإسلام دين عالمي: الإسلام هو خاتمة رسالات الله إلى البشرية كلها، فليس بعد القرآن الكريم كتاب سماوي، وليس بعد محمد ﷺ رسول؛ يقول تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ ... [الأحزاب: ٤٠] . ولقد صور النبي ﷺ موقع رسالة الإسلام من رسالات السماء على الوجه الآتي: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلّا وضعت هذه اللبنة؟» قال: «فأنا اللبنة» «١» . والإسلام هو دين الله الحق؛ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران: ١٩] . وهو الدين الذي هتفت به ألسنة الأنبياء جميعا- عليهم الصلاة والسلام- من لدن نوح إلى عيسى ابن مريم؛ فنوح قال: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: ٧٢] ، وإبراهيم ﵇ يقول: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [البقرة: ١٣١] ، ويعقوب يوصي بنيه قائلا: يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٢] ، ويوسف يناجي ربه قائلا: أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف: ١٠١] ، وموسى يقول لقومه: يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [يونس: ٨٤] ، والحواريون يجيبون المسيح قائلين: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٥٢] . وهكذا، فما من نبي إلا ولهج لسانه بكلمة الإسلام الخالدة؛ لأن مهمتهم واحدة وأساس دعوتهم واحد؛ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ... [الشورى: ١٣] . وإذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا كانت رسالات الأنبياء السابقين محدودة الزمان والمكان والبيئة، وكانت رسالة خاتمهم محمد- ﵊ عامة لكل الجنس البشري في كل زمان ومكان؟ أما كون رسالات الأنبياء السابقين كانت محدودة الزمان والمكان والبيئة؛ فهذه حقيقة تاريخية. فنوح وهود وصالح وإبراهيم

стр. 145

وموسى ﵈ كان كل منهم مرسلا إلى قومه فقط، بنص القرآن الكريم «١» . وأما كون رسالة محمد- ﵊ عامة لكل الجنس البشري؛ فهذه أيضا حقيقة بنص القرآن الكريم بقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] ، وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ: ٢٨] ، قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف: ١٥٨] . أما الإجابة عن السؤال المتقدم ذكره؛ فإننا نقول: إن ذلك شيء طبيعي، اقتضته طبيعة التطور البشري، منذ أن خلق الله البشر حتى بعثة محمد ﷺ . ولتقريب الموضوع إلى الأذهان فإنه لا مانع من أن نشبه البشرية بطفل أخذ ينمو ويكبر، ويمر بالمراحل التي لا بد أن يمر بها، حتى ينضج ويكتمل نموه الجسدي والعقلي، وإذا جاز لنا ذلك، فلا مانع أيضا من أن نشبه الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- بأطباء «٢» مع احتفاظنا للأنبياء جميعا- عليهم الصلاة والسلام- بمقامهم السامي أخذ كل واحد منهم يصف للبشرية- التي شبهناها بالطفل في نموه- الغذاء الذي يناسب كل مرحلة من مراحل نموها، حتى جاء خاتم الأنبياء محمد- ﵊ وقد نضجت البشرية، واكتمل عقلها وأصبحت مستعدة لتقبل رسالة عالمية، تصلح مبادئها وتشريعاتها أساسا لحياة فاضلة لكل البشرية في الدنيا، وتضمن سعادتها في الآخرة، دون تفرقة بين جنس وجنس، أو بين أمة وأمة، بل مساواة مطلقة، في الحقوق والواجبات، ولا تفاضل بين إنسان وآخر إلا على أساس التقوى والعمل الصالح، يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ ... [الحجرات: ١٣] . وتؤكد أعمال الرسول وأقواله معنى المساواة التامة بين الناس جميعا، ولم يكتف الإسلام في هذه الناحية- كشأنه دائما في كل تشريعاته ومبادئه- بوضع القواعد النظرية فقط، وإنما طبق هذه المبادئ تطبيقا عمليّا في واقع الحياة بصورة مثالية، لم يسبق لها مثيل في تاريخ العالم، فلقد كان هناك رجال حول الرسول ﷺ ، وكانوا موضع حبه وتكريمه، مع أنهم لم يكونوا عربا، بل كان بعضهم في الأصل رقيقا، فسلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، كانت منزلتهم عند الرسول لا تقل عن منزلة كبار الصحابة من أشراف
следующие страницы →