← История

История · id 9899

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

عبد الشافى محمد عبد اللطيف

Полный текст (404 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ابن عوف، وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي عبيدة بن الجراح، وحمزة بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب- ﵃ جميعا- وغيرهم من السابقين، مع إسلام هذه الشخصيات ذات المكانة الرفيعة في مكة، وذات الحسب والنسب في قريش، ومع اعتزاز الإسلام بهذه الشخصيات- خصوصا حمزة وعمر- مع كل ذلك ففي خلال ثلاثة عشر عاما في مكة- قبل الهجرة- لم يزد عدد المسلمين عن بضع عشرات من المسلمين، ضيّق عليهم مشركو قريش غاية الضيق، وآذوهم أشد الإيذاء. ولما هاجر المسلمون إلى المدينة، وأصبحوا آمنين على أنفسهم ودعوتهم، ووجدوا في الأنصار من أهل المدينة عونا وساعدا، وكرما وإيثارا، مع كل هذا ظلّت حركة الدخول في الإسلام محدودة؛ لأن العرب لا يزالون ينتظرون ويتربّصون موقف قريش من الإسلام. ففي معركة بدر الكبرى- مثلا وهي أول معركة عسكرية بين المسلمين وقريش، والتي كانت في رمضان من السنة الثانية للهجرة، كان عدد جند الله الذين قادهم رسول الله ﷺ في هذه المعركة أكثر قليلا من الثلاثمائة- «١» وهم معظم المسلمين عندئذ. وفي الحديبية- في ذي القعدة (سنة ٦ للهجرة) - كان عدد الذين ساروا خلف الرسول ﷺ لزيارة البيت، والذين بايعوه تحت الشجرة- عندما تأزّم الموقف بينهم وبين قريش- كان عدد هؤلاء المسلمين (١٤٠٠) حسب رواية أغلب المؤرخين «٢» . يعني نحن الآن في العام العشرين من عمر الدعوة الإسلامية، وهذا هو عدد المسلمين. فانظر ماذا حدث بعد صلح الحديبية مع قريش؟ تضاعف عدد المسلمين عدة مرات في أقل من عامين، فقد كان عدد جيش النبي ﷺ الذي دخل به مكة عام الفتح في رمضان من السنة الثامنة عشرة آلاف مسلم «٣» . فما السر في زيادة عدد المسلمين هذه الزيادة الكبيرة في هذه المدة القصيرة؟ السّرّ يكمن في موقف قريش فقد هادنت قريش الإسلام، وصالحها رسول الله ﷺ ووضعت الحرب معها

стр. 72

أوزارها عشر سنين- طبقا لمعاهدة الحديبية- وذلك بعد أن أحرجتها سياسة النبي ﷺ السلمية أمام العرب، فاضطرت إلى تغيير موقفها راغمة، وتسامع العرب في شبه الجزيرة بأمر صلح الحديبية، وعلموا أن قريشا بدأت تلين كانت نتيجة ذلك ازدياد عدد الداخلين في الإسلام من العرب، هذه الزيادة التي ظهر أثرها في فتح مكة- عندما نقضت قريش صلح الحديبية- وسار النبي ﷺ أمام المسلمين- عشرة آلاف- ليؤدبها ويعلّمها الالتزام بالعهود والمعاهدات. فلما فتحت مكة، وأسلمت قريش، علم العرب جميعا بدخول النبي ﷺ مكة ظافرا منتصرا، وعلموا أن قريشا أسلمت بعد أن عفا عنها النبي وتجاوز عن سيئاتها معه. ماذا كانت النتيجة؟ جاءت وفود العرب من جميع أنحاء شبه الجزيرة معلنة إسلامها؛ حتى سمّي العام التالي لفتح مكة- العام التاسع الهجري-: عام الوفود، وقد ظهر الأثر الملموس لهذه النتيجة في عدد الجيش الذي سار خلف النبي ﷺ في العام التاسع في غزوة تبوك، فقد بلغ عدد هذا الجيش ثلاثين ألفا من المسلمين «١» . أرأيت كيف كان موقف قريش من الدعوة الإسلامية مهمّا لنجاح هذه الدعوة وانسيابها في شبه الجزيرة العربية وخارجها؟ أرأيت كيف كانت قريش عقبة رئيسية في طريق الدعوة الإسلامية؟ ولعلك تعلم أن النبي ﷺ بعد أن عاد من الحديبية وبعد أن أمن جانب قريش من ناحية الجنوب، قصد توّا إلى خيبر ليصفي الحساب مع هذا الوكر من أوكار الخيانة والغدر التي كانت طابع اليهود، فقد أصبحت خيبر مركزا للتامر على الإسلام «٢» بعد أن لجأ إليها فلول المطرودين من المدينة من بني قينقاع وبني النضير. وفتح الله خيبر لرسوله ﷺ ثم بعد ذلك توجّه رسول الله بدعوته إلى العالم ممثلا في ملوكه وزعمائه، فكانت رسائله إلى كسرى فارس، وقيصر الروم، ونجاشي الحبشة، ومقوقس مصر، وغيرهم من الزعماء والأمراء «٣» . كل هذا النشاط، سواء القضاء على نفوذ اليهود في خيبر وما جاورها من مستعمرات اليهود- في فدك وتيماء ووادي القرى- أو التوجه بالدعوة الإسلامية إلى النطاق

стр. 73

العالمي، ممثلا في الرسائل التي حملها مبعوثو النبي ﷺ إلى زعماء العالم، كل ذلك لم يكن ممكنا قبل إخضاع قريش وتقييد حركتها ضد الإسلام، ورغم أنها ظنّت- بل ظنّ بعض المسلمين- أنها خرجت كاسبة من معاهدة الحديبية، ولكن في واقع الأمر كان صلح الحديبية انتصارا رائعا لدبلوماسية الرسول ﷺ وسياسته الحكيمة وبعد نظره، وقد دلّت كل وقائع التاريخ بعد ذلك على نجاح هذه السياسة النبوية، وصدق الله العظيم الذي سمى هذا الصلح: فَتْحاً مُبِيناً [الفتح: ١] . هل تعجب- بعد أن علمت ورأيت كل ذلك- من أن الرسول ﷺ قد أعطى كل هذه الأهمية لقريش، وكرّس معظم جهوده لمعالجة العلاقات معها؟ حتى علاقاته بالقبائل الآخرى التي كانت تقطن المناطق الساحلية على الطريق بين مكة والمدينة- خزاعة وجهينة وغفار وضمرة وبنو مدلج وغيرهم- والتي حالفها ووادعها وعاهدها، كانت جزآ رئيسيّا من سياسته ﷺ ضد قريش ومن خطته في محاصرتها، وتضييق الخناق عليها، وأخذ طريق تجارتها لإجبارها على التخلي عن معاداتها للدعوة الإسلامية. ودراسة خطة النبي ﷺ في تلك الفترة تجاه قريش بالذات، تعتبر ذات أهمية كبيرة لدارس سيرة الرسول، وخط سير الدعوة الإسلامية، ومراحلها الرئيسية، وما تتميز به من حركية تلائم كل مرحلة، ففي مكة كانت الدعوة إلى الله بالحجة والإقناع والصبر على الأذى في سبيل الله. وفي المدينة- بعد الهجرة وقبل بدر- كانت مرحلة الاستعداد والاستكشاف والدراسة، والتلويح بالقوة أحيانا- لإعلام خصوم الدعوة الإسلامية- وقريش بالذات- أن القوة لم تكن أمرا مستبعدا عند الضرورة. فخير لها من الآن أن تذعن لله ولرسوله. ولما لم تفهم قريش، أو لم تحاول أن تفهم؛ أو قل: لم ترد أن تفهم، كانت الحرب الصريحة- منذ بدر- لتحطيم قوى البغي والعدوان والطغيان وتطهير الطريق أمام الدعوة منها، وفي كل المراحل لم تتوقف الدعوة بالحجة والإقناع؛ لأن هذا هو الأساس والقاعدة، أما الحرب فكانت الاستثناء؛ يلجأ إليه عند الضرورة، وهي لرد العدوان؛ وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة ١٩٠] . * النشاط العسكري الإسلامي قبل بدر: ظلّ النبي ﷺ أكثر من ستة شهور في المدينة بعد الهجرة قبل أن يقوم بأي نشاط عسكري، ورأيت أنه كان مشغولا في تلك الفترة بتأسيس الدولة الإسلامية وترتيب

стр. 74

أوضاع المسلمين في موطنهم الجديد، ولكنه مع ذلك لم يغافل أمر تدريب المسلمين على فنون القتال، وحثهم على تعلم الرّمي، وأثر عنه ﷺ أنه قال: «ألا إنّ القوة الرّمي» قالها ثلاثا. وأول عمل عسكري قام به النبي ﷺ كانت السّريّة التي عقد لواءها لعمّه حمزة ابن عبد المطلب ﵁ وكان ذلك في شهر رمضان من العام الأول الهجري على رأس سبعة أشهر من مهاجره- ﵊ وكان اللواء أبيض، وحمله أبو مرثد كنّاز بن الحصين الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب، وبعثه رسول الله في ثلاثين رجلا من المهاجرين «وخرج حمزة يعترض لعير قريش قد جاءت من الشام تريد مكة، وفيها أبو جهل بن هشام، في ثلاثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر؛ يعني ساحله، من ناحية العيص، فالتقوا حتى اصطفوا للقتال، فمشى مجديّ بن عمرو الجهيني، وكان حليفا للفريقين جميعا إلى هؤلاء مرة وهؤلاء مرة، حتى حجز بينهم ولم يقتتلوا، فتوجه أبو جهل وأصحابه إلى مكة، وانصرف حمزة بن عبد المطلب في أصحابه إلى المدينة» «١» . هذه رواية ابن سعد في الطبقات عن أول لواء عقده رسول الله وأول حملة عسكرية أرسلها لتناوش قريشا وتعترض طريق تجارتها. أما ابن إسحاق فيقدّم سريّة عبيدة بن الحارث في السياق على سريّة حمزة، ولكنه يتبع ذلك بقوله: «وبعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله ﷺ لأحد من المسلمين؛ وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معا فشبّه ذلك على الناس» «٢» . وكيفما كان الأمر، وسواء أكانت سرية حمزة أولا أم سرية عبيدة؛ فقد تتابعت السرايا والغزوات- قبل بدر- لتصل إلى أربع سرايا، وأربع غزوات قادها النبي ﷺ بنفسه، فبالإضافة إلى سريتي حمزة وعبيدة، كانت هناك سرية سعد بن أبي وقاص، في ذي القعدة من العام الأول الهجري، ثم سريّة عبد الله بن جحش في رجب من العام الثاني الهجري، وسنرجئ الحديث عن سريّة عبد الله بن جحش؛ لأنها تستحق كلمة خاصة، لما تدل عليه من تطور في العلاقات بين قريش والمسلمين، ولما ترتب عليها من نتائج جعلت الصدام العسكري بين المسلمين وقريش أصبح وشيكا ومحتما. إلى جانب هذه السرايا التي كان النبي ﷺ يرسل على رأسها أحد أصحابه، فقد

стр. 75

قاد بنفسه أربع غزوات، وأولى هذه الغزوات هي غزوة الأبواء في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مهاجره. «وحمل لواءها حمزة بن عبد المطلب وكان لواء أبيض، واستخلف على المدينة سعد بن عبادة، وخرج في المهاجرين ليس فيهم أنصاري حتى بلغ الأبواء يعترض لعير قريش فلم يلق كيدا، وهي غزوة ودّان، وكلاهما قد ورد، وبينهما ستة أميال، وهي أول غزوة غزاها بنفسه. وفي هذه الغزوة وادع مخشيّ بن عمر الضّمري، وكان سيّدهم في زمانه، على ألا يغزو بني ضمرة ولا يغزوه، ولا يكثّروا عليه جمعا، ولا يعينوا عدوّا، وكتب بينه وبينهم كتابا. وضمرة من بني كنانة. ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة» «١» . «ثم غزا رسول الله ﷺ بواط في ربيع الأول، من السنة الثانية للهجرة، وخرج في مائتين من أصحابه، يعترض لعير قريش فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة رجل من قريش وألفان وخمسمائة بعير، فبلغ بواط، وهي جبال من جبال جهينة من ناحية رضوى، وهي قريب من ذي خشب، مما يلي طريق الشام، وبين بواط والمدينة نحوا من أربعة برد فلم يلق رسول الله كيدا فرجع إلى المدينة. وفي الشهر نفسه خرج رسول الله ﷺ يطلب كرز بن جابر الفهريّ، الذي كان أغار على سرح المدينة، فطلبه رسول الله ﷺ حتى بلغ سفوان من ناحية بدر، وفاته كرز ابن جابر فعاد ﷺ إلى المدينة. وهذه الغزوة يطلق عليها بعض المؤرخين غزوة بدر الأولى. أما آخر غزوة غزاها رسول الله ﷺ بنفسه قبل معركة بدر- فكانت غزوة ذي العشيرة في جمادى الآخرة من السنة الثانية للهجرة. خرج في مائتين من أصحابه يعترض لعير قريش حين أبدأت إلى الشام، وقد جاءه الخبر بفصولها من مكة فيها أموال قريش، فبلغ ذا العشيرة، وهي لبني مدلج بناحية ينبع، وبين ينبع والمدينة تسعة برد، فوجد العير التي خرج لها قد مضت قبل ذلك بأيام، وهي العير التي خرج لها أيضا يريدها حين رجعت من الشام فساحلت البحر، وبلغ قريشا خبرها فخرجوا يمنعونها، فلقوا رسول الله ﷺ ببدر فواقعهم وقتل منهم من قتل ... وفي

стр. 76

هذه الغزوة وادع بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا «١» . * أهداف السرايا والغزوات الأولى: يبدو لدارس سيرة الرسول ﷺ وأسلوبه في التعامل مع قريش في هذه المرحلة، أنه كان يتوخّى من هذه الغزوات والسرايا تحقيق أهداف كثيرة منها: أوّلا: تدريب المسلمين عمليّا على الطرق والمسالك والأماكن التي ستصبح- مستقبلا- ميادين فعلية للقتال، وساحات للمعارك الحاسمة مع أعداء الله من قريش وغيرها. فالرسول ﷺ من خبرته الطويلة في التعامل مع قريش أدرك أنها لن تذعن إلا لقوة قاهرة تعيدها إلى صوابها وتزيحها من طريق الدعوة. ثانيا: هذه الجهات والأماكن التي اتجهت إليها هذه الغزوات والسرايا الأولى تقع كلها على طريق القوافل الذي تسلكه قريش في طريقها إلى الشام، ولقريش صداقات وعلاقات ودية مع أغلب القبائل المقيمة في هذه الجهات، وهذه القبائل تعرف الكثير من أخبار قريش وتحركاتها، وقوة الحراسة التي تحرس عيرها، فإذا نجح النبي ﷺ في كسب ودّ هذه القبائل، وأقام معها علاقات صداقة فسوف يفوز بمعلومات دقيقة عن خطط قريش، وبالفعل حققت تلك الغزوات والسرايا نتائج طيبة في هذا السبيل، وتمكّن النبي ﷺ من إقامة علاقات ودّية بل وعقد محالفات دفاعية مع بعض القبائل، كانت لها دلالات عميقة على بعد نظر النبي ﷺ في تخطيطه لمستقبل الدعوة الإسلامية. وإليك أنموذجا من هذه المحالفات، الكتاب الذي كتبه النبي ﷺ لبني ضمرة بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وأنّ لهم النّصرة على من رامهم، إلا أن يحاربوا في دين الله ... وأن النبي ﷺ إذا دعاهم لنصرته أجابوه، عليهم بذلك ذمّة الله وذمّة رسوله «٢» . فأنت ترى من نص هذه المعاهدة أن النبي ﷺ لم ينجح فقط في تحييد هذه القبائل، والتي كانت في الأصل صديقة لقريش، بل ذهب إلى أكثر من ذلك، فنجح في عقد معاهدات دفاعية معها، وسوف يكون لهذا أثر كبير في مستقبل العلاقات مع قريش. وهذه المعاهدة

стр. 77

تدلنا على شيء عظيم آخر، وهو أن كلمة المسلمين أصبحت نافذة في هذه الجهات وأن قوتهم أصبحت ظاهرة، وأصبحت القبائل في هذه النواحي تخشى قوة المسلمين وتخطب ودّهم، فبنو ضمرة وهم من القبائل المهيمنة على طريق القوافل، يبسط عليهم النبي ﷺ حمايته ويضمن لهم الأمان على أموالهم وأنفسهم. والذي يمنح الأمان هو الأقوى، الذي يستطيع أن يخيف ويؤمّن أيضا. فهذا كله يدلّنا على المدى الكبير الذي وصلت إليه قوة المسلمين في تلك الفترة. ثالثا: من الأهداف الرئيسية كذلك لتلك الغزوات والسرايا- في هذه المرحلة- تضييق الخناق على قريش، وضرب حصار اقتصادي صارم عليها، بقطع طريق تجارتها إلى الشام، فالتجارة هي مصدر حياة قريش، وأساس قوتها وازدهارها وسيادتها، وبدون التجارة لن تقوم لها قائمة، فحرمانها من نشاطها التجاري هو الموت بعينه، وهو أمر لن تحتمله قريش، ولا جدال في أن النبي ﷺ لم يكن يهدف أن يهلك قريشا ويدمّر حياتها، وإنما كان يقصد أن يلقّنها درسا قاسيا، وأن يذيقها طعم الكأس التي جرّعتها المسلمين في مكة، ألم تحاصرهم قريش اقتصاديّا؟ ألم تصادر أموالهم وديارهم؟ فعليها أن تدفع الثمن الآن، فإذا استطاع النبي ﷺ والمسلمون أن يحصلوا على شيء من أموال قريش، فهذا جزء مما أجبرتهم قريش على تركه في مكة، وما اغتصبته منهم اغتصابا، فتصدّي المسلمين لقوافل التجارة ومحاولة الحصول عليها هو أمر مشروع وعادل، ولا يماري في ذلك إلا جاهل مكابر، عدو للإسلام حاقد عليه. وقد حققت هذه التحركات العسكرية هدفا آخر نفسيّا، فقد زرعت الخوف والفزع في قلوب قريش، ولا أدل على ذلك من الأعداد الهائلة من الرجال الذين كانوا يقومون على حراسة القوافل في ذهابها وإيابها إلى الشام ومنه، فقد رأيت أن القافلة التي كان على رأسها أبو جهل بن هشام- والتي اعترض لها حمزة بن عبد المطلب- كان يرافقها ثلاثمائة من الحراس وهو أمر لم يكن مألوفا قبل الآن في حراسة القوافل التجارية. إذا فقد «استطاع المسلمون أن يبقوا قريشا على حذر؛ فحراس القوافل وقادتها يتوقّعون لقاء المسلمين في كل لحظة، يخافونهم إذا انبلج الصبح واقترب الليل، كل غبار يتطاير من وراء الأفق يظنون فيه الظنون، وكل همس في الليل يقدرون أن وراءه الموت، وهذا الاستعداد الدائم للحرب يثير الأعصاب، وهو

стр. 78

أشد إجهادا من القتال، وكان في هذا كسب معنوي للمسلمين» «١» . وقد نجحت سياسة الحصار الاقتصادي ضد قريش، واضطرتها إلى تغيير طريقها المعتاد، وأن تتنكّب طرقا أخرى وعرة عبر الصحراء حينا وعلى ساحل البحر حينا آخر، وفوق ما في هذا من خسارة جسيمة لقريش فهو شيء لم تألفه ولم تتعود عليه، وهو يحط من هيبتها بين العرب ويزري بمكانتها. والأخطر من ذلك أن النبي ﷺ لم يدعها تنعم بهذه الطرق البديلة التي ظنّتها بعيدة عن متناول المسلمين، فقد لاحقها المسلمون في كل طريق سلكته مما يدل على أن ضرب حصار اقتصادي صارم عليها كان هدفا رئيسيّا من أهداف السياسة النبوية فبعد بدر تجنّبت قريش المرور في الطريق الذي يمر بالمدينة؛ لئلا تصطدم بالمسلمين، فسلكت طريقا آخر- يمر عبر نجد إلى العراق- متجشمة بذلك متاعب كبيرة، وكانت تظن أنها أصبحت في أمان من تصدّي المسلمين لها، ولكن كانت مفاجأتها كبيرة، عندما وجدت المسلمين لها بالمرصاد. فقد علم رسول الله ﷺ أن صفوان ابن أمية بن خلف خرج على رأس قافلة فيها أموال كثيرة، سالكا نجد إلى العراق. فأرسل رسول الله ﷺ زيد بن حارثة رضى الله عنه على رأس مائة من الصحابة فاعترضوا طريق القافلة وأصابوها جميعها، وأفلت منهم صفوان ومن معه من أعيان القوم، وقدم زيد بالعير على رسول الله ﷺ ، فخمّسها فبلغ الخمس عشرين ألف درهم، وقسّم الرسول ما بقي على أهل السرية «٢» . أمر سرية زيد هذه يخرج عن نطاق بحثنا؛ لأنها حدثث بعد بدر، لكني ذكرتها لدلالتها على سياسة الحصار الاقتصادي الذي ضربه الرسول ﷺ على قريش وستقدم لنا سرية عبد الله بن جحش دليلا آخر على هذه السياسة النبوية الحكيمة. * سرية عبد الله بن جحش: سرية عبد الله بن جحش رضى الله عنه هي آخر الحملات الصغيرة التي كان يجردها النبي قبل معركة بدر الكبرى، وقد وعدنا أن نخص هذه السرية بكلمة خاصة مفصلة؛ لما ترتب عليها من نتائج، ولطبيعتها أيضا. ونحن قد رأينا أن معظم الغزوات التي قادها النبي ﷺ بنفسه والسرايا التي أرسل أحد أصحابه- كانت وجهتها الطريق

стр. 79

الساحلي بين مكة والمدينة؛ بهدف تهديد الطريق التجاري الرئيسي الذي تمر منه تجارة قريش. أمّا سريّة عبد الله بن جحش، فقد شذّت عن هذه القاعدة، فقد أمرت هذه السرية باستطلاع أخبار قريش من مكان قريب جدّا من مكة- وادي نخلة بين مكة والطائف- وهو اتجاه جديد في سياسة الحصار ضد قريش، فها هو الخطر أصبح قريبا منها، وفي عقر دارها. وقد أمّر رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش على اثني عشر في رواية ابن سعد وعلى ثمانية في رواية ابن إسحاق، وهي التي نثبتها هنا يقول ابن إسحاق: وبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي في رجب مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحدا ... فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فيه فإذا فيه: «إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصّد بها قريشا وتعلّم لنا من أخبارهم» فلما نظر عبد الله في الكتاب قال: سمعا وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ ، فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلّف عنه منهم أحد، وسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له: بحران- أضلّ سعد بن أبي وقّاص وعتبة وابن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقيانه، فتخلّفا عليه في طلبه. ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة فمرّت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش فيها عمرو بن الحضرمي ... وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل المخزوميان، والحكم بن كيسان، مولى هشام بن الغيرة، فلمّا رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريبا منهم، فأشرف لهم عكّاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا وقالوا: عمّار لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلنّ الحرم فليمتنعنّ منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنّهم في الشهر الحرام، فتردّد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم وأجمعلوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي

стр. 80

عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبد الله، فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله ﷺ فلما رآهم- قال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا، فلما قال ذلك رسول الله ﷺ سقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنّفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدّم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال ... فلمّا أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله ﷺ : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا [البقرة: ٢١٧] . فلما نزل القرآن بهذا من الأمر فرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشّفق- الخوف- قبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، فقال رسول الله ﷺ : «لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا- يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان- فإنّا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم» فقدم سعد وعتبة، ففداهما رسول الله ﷺ منهم، فأما الحكم بن كيسان فأسلم، فحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرا «١» . هذا ملخص رواية ابن إسحاق عن سريّة عبد الله بن جحش رضى الله عنه التي كانت في نهاية رجب من السنة الثانية من الهجرة. وهذه السرية كانت على جانب عظيم من الأهمية بالنسبة لعلاقات المسلمين وقريش في هذه الفترة. وقد ترتبت عليها نتائج كبيرة، وكشفت للمسلمين عن أشياء- ربما كانت خافية عنهم- وعلى رأس ذلك موقف اليهود، الذين كشفوا عن نواياهم الخبيثة في التحريض والتحريش على الحرب بين المسلمين وقريش. ولذلك أخذوا يردّدون: «عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو عمرت الحرب، والحضرميّ حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله وقدت الحرب» يعني أرادوا أن يشعلوها حربا على المسلمين، ولكن عليهم وعلى

стр. 81

جميع أعداء الله من المشركين ستدور الدوائر. وسينصر الله نبيه ويعز دينه وجنده، ويهزم الأحزاب وحده. وسرية عبد الله بن جحش كانت حملة استطلاع، وجمع معلومات، ورصد أخبار عن قريش، ولم تكن حملة قتال أو تصدّ لعير قريش؛ إذ لا يعقل أن يرسل النبي ﷺ ثمانية أو حتى اثنى عشر- حسب رواية ابن سعد- من أصحابه ليقاتلوا قريشا في عقر دارها، ولو كان النبي ﷺ يريدهم أن يقاتلوا لكان حجم الحملة أكبر من هذا بكثير؛ فالهدف إذا هو جمع المعلومات، وعندئذ كلما كان العدد أقل كانت الفرصة أكبر في تحقيق الهدف؛ لأن القدرة على الاستخفاء- وهو من لوازم جمع المعلومات والاستطلاع- تكون أكبر. والدليل على أنها ليست حملة قتال قول النبي ﷺ عند عودتهم: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» والقتال إذن جاء اجتهادا من قائد الحملة ورفاقه. فقائد الحملة وهو عبد الله بن جحش لما رأى عير قريش وعليها تجارة وتوشك أن تدخل حرم مكة لعلّه ذكر ما صنع المشركون بهم حيث طردوهم من ديارهم وصادروا أموالهم، لعله ذكر ذلك فثارت في نفسه روح الثأر والانتقام من قريش وإذلالها في عقر دارها، أليس أخذ أبو سفيان بن حرب دار عبد الله بن جحش في مكة وباعها؟ إذن القتال حدث نتيجة اجتهاد شخصي من قائد الحملة، لا بأمر من الرسول ﷺ فأوامر الرسول كانت صريحة واضحة «إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصّد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم» «١» ؛ فليس في الأوامر ذكر للقتال أو التعرض لقوافل قريش. ولكن المستشرقين مولعون بتشويه التاريخ الإسلامي، وتلفيق الروايات وتفسيرها تفسيرا خاصّا ليصلوا إلى ما يريدون من معلومات ليرتبوا عليها النتائج التي تعجبهم وتتفق مع مخططاتهم العدائية للإسلام؛ فها هو منتجومري وات- صاحب كتاب محمد في المدينة- يحاول أن يوحي لقارئه، وهو قارئ غربي أوربي معلوماته عن الإسلام وتاريخه ضئيلة إن لم تكن معدومة، ولذلك فإن هذا القارئ معذور إذا وقع فريسة للمعلومات الخاطئة التي يقدمها من يسمّون أنفسهم مستشرقين عن الإسلام- يحاول منتجومري أن يوحي لقارئه الغربي بأن المسلمين كانوا قطاع طرق، ويفسّر بعض الكلمات تفسيرا غربيا وكأنه يعرف أسرار اللغة العربية وما تدل عليه مفرداتها

стр. 82

أكثر من أهلها، فيقول: «كان الشيء الأساسي في أوامر محمد المختومة إلى عبد الله بن جحش، أن يذهب إلى نخلة، وينصب كمينا لقافلة قرشية، والشيء الثاني أن يرفع تقريرا لمحمد، وهذه إضافة لاحقة تحاول أن تجعل كلمة- ترصّدوا- بمعنى «راقبوا» بدلا من «ينصب كمينا» وهكذا ترفع المسؤولية عن محمد بسبب أي معركة دموية، ومما لا شك فيه أن محمدا أمر بالقيام بهذه المهمة، مع علمه بأنها ربما تؤدي إلى سقوط القتلى من رجاله أو من رجال أعدائه» «١» . هذا كلام منتجومري وات. ونحن بادئ ذي بدء لا نعتبر التعرض لقوافل قريش من قبل المسلمين تهمة ندفعها، بل إن هذا حقهم، وهو العدل بعينه قصاصا من قريش التي صادرت أموالهم وديارهم وحرياتهم، وقد خرج النبي ﷺ بنفسه يعترض لعير قريش أكثر من مرة كما رأيت، كذلك أمر أصحابه بالتعرض لها فليس في ذلك عيب، بل هو واجب عليهم؛ فالمسلم مطالب برفع الظلم أينما وكيفما كان، ومن باب أولى فعلى المسلم الحقّ أن يحارب الظلم الواقع عليه هو نفسه. ولكن الذي نلاحظه أن هذا المستشرق يحاول أن يفهم اللغة العربية بطريقة تغاير ما تدل عليه مفرداتها، وبغير الطريقة التي يفهمها بها أهلها. فكلمة- ترصّدوا- يفهمها الخواجة بمعنى «ينصب كمينا» لا أدري كيف؟ ويجد من نفسه الجرأة على القول: إن هذه إضافة لاحقة تحاول أن تجعل كلمة ترصّدوا بمعنى «راقبوا» بدلا من «ينصب كمينا» وهكذا ترفع المسؤولية عن محمد ... إلخ. ولم يقل لنا الأستاذ- وات-: متى أضيفت هذه الإضافة؟ وممّن كان النبي ﷺ يخشى المساءلة؟ أمن المشركين أم من هذا المستشرق الذي جاء في آخر الزمان يفسر تاريخ الإسلام على هواه؟ ويمضي هذا المستشرق في ترهاته فيقول: «ومما لا شك فيه أن محمدا أمر بالقيام بهذه المهمة، مع علمه بأنها ربما تؤدي إلى سقوط القتلى من رجاله أو من رجال أعدائه» الرسول ﷺ وهو الصادق المعصوم- يقول لأصحابه: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» والأستاذ- وات- يحاول أن يوحي كما لو أن في الأمر خديعة أو تغرير بالمسلمين، وتهرب من جانب النبي- حاشا لله- من المسؤولية. وهذا بهتان عظيم، وافتراء على الحقيقة، وليّ للنصوص وتحريف

стр. 83

لمعناها. هذا هو فهم المستشرقين للتاريخ الإسلامي، وتدخلاتهم لتفسير النصوص وتقديمها لقارئهم الغربي مشوهة محرّفة، وقد نجحوا في إقامة حائط كبير بين القارئ الغربي وبين حقيقة الإسلام، ولو كان لدى هؤلاء المؤرخين الأوربيين قدر من النزاهة وحرية التفكير- كما يزعمون ويدعون- لاختلف موقف القارئ العادي في أوربا من الإسلام عنه اليوم، فليس سرّا أن القارئ الأوربي الآن يميل إلى تصديق أية أخبار مشوهة عن الإسلام؛ لأن المفكرين الغربيين- الذين أجرموا في حق القارئ الغربي نفسه- يقدمون له الإسلام كدين للخرافات والأساطير، طبعا نحن نقول هذا الكلام؛ لأنه ينطبق على الغالبية المطلقة من المستشرقين، الذين يعجزون عن فهم اللغة العربية التي يقرؤون بها تاريخ الإسلام، فيفسرون النصوص بالطريقة التي تعجبهم، وهذا لا يمنع أن هناك قلة من المستشرقين تحاول الإنصاف ولكل قاعدة شواذ. لعلي أطلت الوقوف عند كلام منتجومري وات، ولكن العذر أن الإنسان يشعر بالأسف الشديد عندما يقرأ لهؤلاء الناس، أقول: إلى متى ندع- نحن المسلمين- أمر ديننا لهؤلاء يمرحون فيه ويصولون ويجولون؟ ولماذا لا يتصدى علماء الإسلام للكتابة في تاريخ الإسلام بلغات أجنبية ليقدموا الإسلام للقارئ الأجنبي كما هو لا كما يريده المستشرقون وإذا عجزنا عن هذا، فهل نعجز عن تناول هذه المؤلفات- ومعظمها مترجم في لغتنا العربية- بالنقد والتفنيد وتبيان ما فيها من أباطيل؟!. على كلّ دعنا الآن من هذا كله ونعود لعبد الله بن جحش رضى الله عنه لنؤكد القول بأن سريته كانت سرية معلومات، لا سرية قتال أو تعرض لقوافل، وقد أحيط أمرها بسرّية تامة- حسب الطاقة- كالشأن دائما في مثل هذه المهمات. فالأوامر أعطيت لقائد الحملة مختومة ليظل أمرها سرّا بينه وبين الرسول ﷺ وبين من كتب الكتاب من كتاب الرسول ﷺ ثم سلوك الحملة لطريق يتجه نحو الشرق- نحو نجد- وكان هدفها الجنوب، وكان القصد من ذلك أن تبتعد عن عيون قريش وجواسيسها، الذين لا شك في وجودهم، وقد تعودت قريش أن تقابل المسلمين في الشمال والغرب ولم تتصور أن يأتوها من الشرق، كل هذا أدعى إلى أن تنجح الحملة في مهمتها، وتعود إلى المدينة سالمة. قلنا: إن قائد الحملة اجتهد في الموضوع مخالفا بذلك تعليمات الرسول ﷺ واستولى على القافلة وقتل أحد رجالها- عمرو بن الحضرمي- وأسر اثنان- عثمان بن

стр. 84

عبد الله والحكم بن كيسان- ولما كان هذا كله حدث في آخر شهر رجب، ولما كان الرسول ﷺ لم يأمرهم بالقتال، فقد أوقف التصرف في القضية كلها حتى يحسم الله تعالى الموقف بوحي من عنده. لم يطل الانتظار، فقد نزل قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [البقرة: ٢١٧] . وكانت قريش قد حاولت أن تستغل الحادثة في الإساءة إلى سمعة النبي ﷺ بين العرب- الذين يعظمون الأشهر الحرم- ولكن الله تعالى يرد عليهم بما معناه أن القتال في الشهر الحرام كبير، ولكن من الذي يتساءل عن الحرمات وعن الأشهر الحرم وعما يحل فيها ويحرم؟ قريش التي انتهكت كل الحرمات، وأخرجت المسلمين من الحرم وهم أهله، وصدوهم عن المسجد الحرام، وعن سبيل الله وكل ذلك أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام، كذلك فتنة المسلم عن دينه، ومحاولة إعادته إلى الكفر أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا [البقرة: ٢١٧] أي: لن يكفوا عن محاولاتهم لفتنة المسلمين عن دينهم فهم كما يقول ابن إسحاق: «مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين» . فلما حسم القرآن الكريم الموقف على هذا النحو، ورفع الحرج عن المسلمين الذين قاموا بهذا العمل، واعتبر عملهم أمرا مشروعا لا جناح عليهم فيه، تصرف الرسول ﷺ في الغنائم فخمسها- خمس لله وللرسول إلخ- والأربعة الأخماس لأصحاب السرية، وانتهى الموقف. ولكن من الممكن أن نعتبر أن سرية عبد الله بن حجش كانت مقدمة لغزوة بدر الكبرى، التي سماها الله فرقانا؛ لأنها فرقت بين عهدين وتاريخين وفرقت بين الحق والباطل، ووجهت تاريخ الإنسانية كلها وجهة جديدة، ألم يستغل أبو جهل- عليه لعنة الله- مقتل عمرو بن الحضرمي في تحريض قريش على القتال في بدر فمن المعروف أن روح الكف عن القتال كادت تسري في زعماء قريش، وكادوا يرجعون إلى مكة دون قتال، إذ إن القتال أصبح لا مبرر له- وقد نجت عيرهم- من وجهة نظر بعضهم، وقصة عتبة بن ربيعة وتحريضه الناس على الرجوع إلى مكة دون قتال قصة معروفة ومشهورة، حتى يروى أن الرسول ﷺ قال: «إن يكن عند القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر» يقصد عتبة بن ربيعة، فقد كان يركب جملا أحمر. ولكن دعوة عتبة بن ربيعة ذهبت أدراج الرياح تحت صيحات دعاة الحرب من أمثال أبي جهل- لعنة الله- فقد بعث إلى عامر بن

стр. 85

الحضرمي، وأثار فيه جذوة الثأر لمقتل أخيه- عمرو بن الخضرمي- «فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف ثم صرخ: وا عمراه!! وا عمراه!! فحميت الحرب وحقب أمر الناس «١» واستوسقوا على ما هم عليه من الشر، فأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة» «٢» وهكذا استغلت هذه الحادثة في إشعال أول معركة بين المسلمين والمشركين، وهي معركة بدر الكبرى. وخلاصة القول: إن سرية عبد الله بن جحش كانت نهاية مرحلة، هي المرحلة التي بدأت مع الهجرة، وهي مرحلة الدراسة والاستعداد والتدريب على القتال، وجمع المعلومات والأخبار عن قريش، واستطلاع الطرق والمسالك التي تسلكها، وإقامة محالفات وصداقات مع القبائل ذات الشأن في منطقة الساحل التي تطرقها قريش، لإحكام حلقة الحصار عليها، لإجبارها على الإذعان والتسليم. وكما رأينا فقد كان الطابع العام للسياسة النبوية تجاه قريش في هذه المرحلة التلويح بالقوة، وإفهامها أنها ليست مستبعدة عند اللزوم، فلما جاءت سرية عبد الله ابن جحش آذنت بنهاية المرحلة السابقة وبداية مرحلة جديدة، هي مرحلة الحرب الصريحة المكشوفة مع قريش التي بدأت ببدر الكبرى، ولم تنته حتى أذعنت قريش، ودخل رسول الله مكة ظافرا منتصرا في رمضان من العام الثامن للهجرة.

стр. 86

بحوث في السّيرة النّبويّة والتّاريخ الاسلاميّ قراءة ورؤية جديدة [البحث الرابع] العلاقات بين المسلمين والروم في ضوء غزوة تبوك

стр. 87

العلاقات بين المسلمين والروم في ضوء غزوة تبوك * تمهيد: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين، وبعد؛ عندما ظهر الإسلام في مطلع القرن السابع الميلادي، كان هناك دولتان كبيرتان تقتسمان الزعامة على العالم المعروف يومئذ، وهما دولتا الفرس والروم. فقد كان الروم يبسطون سلطانهم على الشام ومصر- منذ قرون عديدة- وبذلك يطوقون شبه الجزيرة العربية- مهد الإسلام- من الشمال والشمال الغربي، وكان الفرس يبسطون سلطانهم على اليمن والعراق، وبذلك يطوقون شبه الجزيرة العربية من الجنوب والشرق. وقد ظهر الإسلام في الوقت الذي كانت الحرب فيه مشتعلة بين الفرس والروم فالعداء بن الدولتين قديم ومزمن. وفي أثناء هذا الصراع الأخير بينهما تغلب الفرس على الروم في البداية، وقهروهم واكتسحوا أهم وأغنى ولاياتهم في الشرق، وهي الشام ومصر، ووصلوا في زحفهم إلى مدينة الإسكندرية عام ٦١٩ م «١» . وقد ألحق الفرس بالروم إهانة كبيرة عندما استولوا على فلسطين- مهد المسيحية- ونقلوا الصليب المقدس إلى بلادهم- كان كل ذلك يجري «إبّان احتدام الجدل حول العقيدة بين المسلمين السابقين إلى الإسلام في مكة والمشركين، ولما كان الروم في ذلك الوقت أهل كتاب، دينهم النصرانية وكان الفرس غير موحدين دينهم المجوسية فقد وجه المشركون من أهل مكة في الحادث فرصة لاستعلاء عقيدة الشرك على عقيدة التوحيد، وفألا حسنا لانتصار ملة الكفر على ملة الإيمان» «٢» . ومعنى هذا أن العرب في شبه الجزيرة العربية، والمسلمين والمشركين على السواء كانوا على علم بما يدور حولهم بين الدولتين الكبيرتين. وكان المشركون فرحين بانتصار الفرس على الروم، وفي نفس الوقت كان المسلمون يحبون أن ينتصر الروم على الفرس، ودخل المسلمون في نقاش وجدل حول هذه القضية، ولمن تكون

стр. 88

الغلبة في النهاية. فحسم القرآن الكريم الأمر في سورة من سوره المكيّة التي سميت باسم سورة الروم فقال تعالى: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الروم: ١- ٥] . جاءت هذه الآيات الكريمة «تبشر بغلبة أهل الكتاب من الروم في بضع سنين غلبة يفرح لها المؤمنون الذين يودون انتصار ملة الإيمان من كل دين» «١» . وقد تحقق ما تنبأ به القرآن الكريم، وكان حتما أن يتحقق ما أنبأ به العليم الخبير فمع بداية العقد الثالث من القرن السابع الميلادي، بدأ تيار الحرب يتجه ليسير لصالح الروم، وأحرزوا انتصارات كبيرة على الفرس، وطردوهم من مصر والشام، في أقل من ست سنوات (٦٢٢- ٦٢٧ م) ولا حقوهم في بلادهم ذاتها «وفتحت معركة نينوي (سنة ٦٢٧ م) في العراق، التي اندحر فيها الفرس الطريق أمام البيزنطيين- الروم- للزحف على بلاد فارس «٢» » . وهنا نلاحظ وجود توافق أو اتفاق بين أحداث تاريخية كبيرة فهل كان هذا التوافق مجرد مصادفات؛ أو أنه يسير وفق قوانين كونية وتدبير خفي لا يعمله إلا علام الغيوب وحده ؟!!. فقد بعث النبي محمد ﷺ (سنة ٦١٠ م) . وهي نفس السنة التي اعتلى فيها هرقل عرش الإمبراطورية البيزنطية، وأخذ يهيئ الدولة لحرب الفرس وبدأ هجومه عليهم (عام ٦٢٢ م) وهو نفس العام الذي هاجر فيه النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، وتمكن هرقل من هزيمة الفرس- كما أسلفنا- ووقّع معهم (سنة ٦٢٨ م) معاهدة صلح استعاد بمقتضاها كل المناطق التي استولوا عليها، ثم استرد الصليب المقدس «٣» وعاد هرقل من جولته مع الفرس منتصرا، قاصدا بيت المقدس ليرد الصليب المقدس إلى مكانه، ويحج إلى القدس شكرا لله على انتصاره على الفرس. وهنا جاءته رسالة من النبي محمد ﷺ ، يدعوه فيها إلى الإسلام، وكان ذلك بعد

стр. 89

صلح الحديبية الذي كان في نهاية العام السادس الهجري. فهل توافق كل هذه الحوادث الكبيرة والخطيرة، والتي غيرت مجرى التاريخ العالمي كله، وأثرت في مصير البشرية، ووجهته وجهة جديدة، هل كان هذا التوافق مجرد مصادفات، أو أن في الأمر تدبيرا إلهيّا يريده الله ولا ندرك نحن أبعاده؟ ... الله وحده هو الذي يعلم حقيقة ذلك. على كل حال كان من حسن الحظ- كما أسلفنا- أن الإسلام ظهر وقوي واشتد عوده ومضى على ظهوره ما يقرب من عشرين عاما، قبل أن يتنبه الفرس والروم كلاهما لخطورة ما حدث، ولم يقدروا أبعاده، ولم يستطيعوا أن يفهموا أن دينا جديدا قد نزل، وأن دولة جديدة قامت على أساس هذا الدين. وأن العرب- الذين كانوا يحتقرونهم بالأمس- سوف يخرجون من جزيرتهم تحت راية هذا الدين. وسوف يدعونهم للدخول في دينهم، فإن أجابوا فهم إخوانهم؛ لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن رفضوا وقاوموا الدين وصدوا الناس عنه؛ فسوف يحاربونهم ويقهرونهم جميعا، وينتزعون منهم سيادة العالم، وسوف يخلصون الشعوب من نير حكمهم واستغلالهم، ويوجهون مصيرها وجهة صالحة نافعة، ويخرجونها من ضلالات الوثنية والشرك بالله إلى توحيده توحيدا خالصا من كل شائبة، وسوف يقيمون العلاقات الإنسانية على أسس فاضلة ومثل عليا. فلما بدأ الفرس والروم جميعا. يدركون أن الإسلام خطر على سلطانهم، وأرادوا مقاومته كان الوقت متأخرا جدّا بالنسبة لهم. ففي خلال هذه السنوات التي انشغل فيها الفرس بالروم والروم بالفرس، استطاع النبي ﷺ أن ينشر الإسلام في شبه الجزيرة العربية. وأن يؤسس دولة الإسلام الفتية. وأن يخرج بالإسلام من شبه الجزيرة العربية إلى العالم، فالإسلام لم يأت للعرب وحدهم، وإنما لكل الجنس البشري، وهنا بدأت العلاقات بين المسلمين والروم. * المسلمون قبل اتصالهم بالروم: في الفترة المكية من حياة الإسلام، كان النبي ﷺ مشغولا بأمر قريش ودعوتها إلى الإسلام، ومقاومتها للإسلام. فلم يكن ممكنا ولا منطقيّا أن يخاطب العالم الخارجي ويدعوه للإسلام، قبل أن يسلم أهل مكة وهم أهله وعشيرته الأقربون. ولم يحدث اتصال- في تلك الفترة- بأمم أخرى غير العرب، سوى ذلك الاتصال

стр. 90

الذي حدث مع الحبشة عند هجرة المسلمين إليها في العام الخامس من البعثة النبوية «١» . كذلك في السنين الأولى بعد الهجرة، لم تتهيأ الفرصة أمام النبي ﷺ للاتصال بالعالم الخارجي؛ لأنه كان أمامه مهمات شاقة كان لا بد أن ينجزها قبل أن يخاطب العالم، ليبلغ رسالته للناس جميعا. كان أمامه أمر بناء الدولة الإسلامية وإرساء دعائمها، وكانت أمامه قريش، التي لا زالت مصرة على مقاومة الدعوة وصد الناس عنها. والحقيقة أن موقف قريش من الإسلام كان في غاية الخطورة؛ لأن بقية العرب كانوا يتربصون بإسلامهم أمر قريش؛ لأن قريشا كانوا أئمة العرب وأهل البيت الحرام، وقادة العرب لا ينكرون ذلك. ولذلك كان النبي ﷺ يعطي لأمر قريش الأولوية على سواه. «فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودوخها الإسلام، عرفت العرب أنهم لا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا عداوته، فدخلوا في دين الله ... » «٢» . وكان أمام النبي ﷺ مشكلة اليهود، وتامرهم على الإسلام والمسلمين، وكيدهم لهم. وقصة اليهود مع الإسلام منذ ظهورة قصة طويلة، فمنذ هاجر النبي ﷺ من مكة إلى المدينة بدأت فصول هذه القصة التي لم تنته بين الإسلام واليهود حتى الآن. وعند هجرة الرسول ﷺ إلى المدينة عاهد اليهود واعتبرهم مواطنين في دولة الإسلام، وضمن لهم حرية عقيدتهم وشعائرهم الدينية وأحسن معاملتهم «٣» . ولكنهم لم يحسنوا هذه المعاملة؛ لما جبلوا عليه من لؤم الطبع والمكر والخيانة؛ فهم شر الدواب الذين ينقضون عهدهم في كل مرة، ولا يرعون عهدا ولا وعدا. فبعد الانتصار الرائع للرسول ﷺ على قريش في غزوة بدر الكبرى، في رمضان من السنة الثانية للهجرة، تحركت أحقاد يهود بني قينقاع وحزنوا على هزيمة قريش، وأظهروا استياءهم لانتصار المسلمين، وأخذوا يتحرشون بهم، ولم يراعوا ما بينهم وبين المسلمين من عهود، فنقضوها ونكثوا بها، فأجلاهم النبي ﷺ عن المدينة «٤» .

стр. 91

ثم جاء دور بني النضير بعد غزوة أحد في العام الهجري الثالث، وتامرهم لقتل النبي ﷺ ، مما جعل طردهم من المدينة أمرا ضروريّا؛ جزاء هذا المكر الخبيث، وتخليص عاصمة الإسلام من هذا الميكروب اللعين «١» . ولكن بني النضير لم يتعظوا بما حل بهم، فقد استمروا في التامر ضد الرسول والمسلمين، ولعبوا دورا خطيرا في تأليب قريش وحلفائها لمهاجمة المدينة فيما عرف بغزوة الأحزاب في نهاية العام الخامس للهجرة، كما تولى زعيمهم حيىّ بن أخطب أمر تأليب بني قريظة وحملهم على نقض عهودهم مع النبي ﷺ ، والانضمام إلى قريش والأحزاب في محاولة استئصال المسلمين، وأوقعهم في ارتكاب الخيانة العظمى ضد الدولة الإسلامية في وقت الحرب. الأمر الذي جعل لزاما على النبي ﷺ أن يعاقبهم العقاب العادل، فلم يكد الأحزاب يرجعون خائبين، حيث ردهم الله تعالى بغيظهم لم ينالوا خيرا، حتى تحرك الرسول بسرعة وحاصر يهود بني قريظة وقضى عليهم «٢» . ولكن دسائس اليهود وأحقادهم لم تنته بطرد بني قينقاع وبني النضير من المدينة، واستئصال بني قريظة، بل استمروا في التامر من خيبر «٣» وغيرها من المستعمرات اليهودية في شمال المدينة، الأمر الذي كان يشكل عقبة كبيرة في طريق انطلاق الدعوة الإسلامية، وكان وجود اليهود في خيبر وما جاورها من واحات يهودية في شمال المدينة بينها وبين الشام، يعد خطرا على الدعوة الإسلامية التي لا بد أن تسلك هذا الطريق لتخرج إلى العالم. ولذلك لم يكد الرسول ﷺ يعود من الحديبية في نهاية العام السادس للهجرة حتى تحرك لحصار اليهود في خيبر، والقضاء على أخطر وكر من أوكار الخيانة والغدر ضد الإسلام في شبه الجزيرة العربية. داهم الرسول ﷺ اليهود في خيبر، وصاح الصيحة التي زلزلت الأرض تحت أقدامهم: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» «٤» بدأت المعارك في خيبر شرسة، ولكن تحت ضربات جند الله القوية، أخذت حصون خيبر المنيعة تتساقط في أيدي المسلمين بما فيها ومن فيها، وأذعنوا واستسلموا وطلبوا الصلح، هنا يقدم لنا

стр. 92

النبي ﷺ مثلا رائعا في العفو والتسامح والإنسانية، فقد كان قادرا على إبادتهم نهائيّا ومحوهم من الوجود. ولكنه لم يأت ليدمر ويبيد الناس، وإنما جاء هاديا ورحمة للعالمين، ومعلما للدنيا كلها. ولم يكن ليهدف إلا لإزالة العقبات من أمام الدعوة الإسلامية حتى تشق طريقها للناس في حرية وأمان. فقبل مصالحتهم وأبقاهم في أرضهم وديارهم، ولم يصنع أحد قبل النبي ﷺ ، ولا بعده مثل هذا الصنيع مع عدو ماكر خبيث، فلو أن أي قائد آخر وقف مثل هذا الموقف، لما كنا ننتظر منه سوى القضاء عليهم قضاء تامّا، ولكنه الرحمة المهداة للبشرية كلها. انتهى أمر اليهود في خيبر على هذا النحو، كما انتهى أمر اليهود الآخرين في المستعمرات اليهودية القريبة الآخرى في فدك وتيماء ووادي القرى على نحو مشابه وخضعوا لمثل ما خضع له يهود خيبر «١» ، ولكنهم دائما تحت المراقبة الحذرة من جانب المسلمين. * اتصال المسلمين بالروم: في بداية العام السابع للهجرة، بدأت تتهيأ للرسول ﷺ الفرصة للخروج بالدعوة الإسلامية خارج شبه الجزيرة العربية. فبمعاهدة الحديبية أمن جانب قريش، وبفتح خيبر أخضع اليهود لسلطانه، ولم يعد يخشاهم، وفكر في الدعوة والعالم.. فقام بإيفاد مبعوثيه إلى معظم زعماء العالم المعروف يومئذ، يحملون رسائله التي يعرض عليهم فيها الإسلام، والدخول في دين الله الحق. فأرسل إلى كسرى فارس، وإمبراطور الروم، ونجاشي الحبشة، وإلى المقوقس في مصر، وإلى أمراء العرب في شمال وجنوب وشرق شبه الجزيرة العربية «٢» . والذي يهمنا هنا ونحن بصدد العلاقات بين المسلمين والروم هو أمر رسالته إلى هرقل- إمبراطور الروم- تلك الرسالة التي تعتبر أول اتصال رسمي بين الإسلام والعالم المسيحي، وأن هذه الرسالة وما ترتب عليها من آثار أو أعقبها من نتائج أثرت ولا تزال تؤثر في تاريخ العالم. فإن الروم الذين كانوا يمثلون العالم المسيحي يومئذ، لم

стр. 93

يقبلوا الإسلام كدين جاء خاتما للأديان السماوية، وعامّا للبشرية كلها. بل قاوموه وحاولوا إبادته، وهو لما يزل وليدا بعد. إن موقف الروم هذا بعد وصول رسالة النبي ﷺ إلى هرقل. جعل الرسول ﷺ يعطي لجبهة الحدود بين شبه الجزيرة العربية وبين الشام- التي كانت تحت حكم الروم- الأولوية على ما عداها. ويهتم بأمرها غاية الاهتمام. والواقع أن الرسول ﷺ لم يكن غافلا عن الجهة الشمالية فهي منفذ أساسي يسلكها الإسلام إلى العالم ولا بد من تأمين هذا الطريق وإزالة كل عقبة تعترض سير الدعوة الإسلامية وكشف ما يكنه الناس في هذه الجهات للإسلام. فإذا هداهم الله وقبلوا الدين وآمنوا به. فهذا ما يريده الرسول، وما جاء من أجله وإذا قاوموه ورفضوه وصرفوا الناس عنه، فلا بد من أن يجبرهم على إخلاء السبيل أمامه، ولذلك نرى الرسول ﷺ يقوم بنفسه بغزو دومة الجندل «١» في مطلع العام الخامس الهجري «٢» . ودومة الجندل واحة كبيرة من الواحات الواقعة على الحدود ما بين الحجاز والشام. وسبب هذه الغزوة أن أهل دومة الجندل كانوا يغيرون على القوافل التجارية التي كانت تسلك هذا الطريق إلى الشام. ولكنهم لما علموا بمسير الرسول ﷺ تولاهم الفزع وهربوا، وغنم الرسول إبلهم وأغنامهم وعاد إلى المدينة. وتوالت سرايا الرسول ﷺ إلى هذه الجهات الشمالية، لفرض هيبة الإسلام، وإرهاب أعداء الله، وإنذارهم بأن يخلوا بين الدعوة الإسلامية وبين الناس. فكانت سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى في رجب سنة ست من الهجرة «٣» . ثم سرية عبد الرحمن بن عوف في شعبان من نفس السنة إلى دومة الجندل. يقول ابن سعد: «فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان رأسهم وكان نصرانيّا، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام على إعطاء الجزية» «٤» . فأنت ترى أن عين الرسول ﷺ كانت مفتوحة على هذه الجهة، يراقب كل التحركات فيها، كما فتح عليها عيون أصحابه، ولفتهم إلى خطورتها، ولقد

стр. 94

جاءت الأحداث بعد هذا مصدقة لنظرة الرسول ﷺ . فبعد سنوات قليلة سوف يسلك المسلمون هذا الطريق لقهر الروم- أصحاب السلطان عليها- في خلافة الصديق ﵁ فلا بد أن تكون هذه المناطق خالصة لهم، ولا بد أن يهزوا نفوذ الروم ويقضوا على هيبتهم فيها. نعود إلى قصة رسالة النبي ﷺ إلى هرقل. وصلت رسالة النبي ﷺ إلى هرقل- إمبراطور الروم- حملها له دحية بن خليفة الكلبي وكان نصها: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد؛ فأني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين «١» . وقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» . فماذا كان ردّ هرقل على هذه الرسالة التي جاءته من نبيّ الإسلام، يدعوه فيها وقومه إلى دين الله الحق، دعوة سلمية بالحكمة والموعظة الحسنة، خالية من أي تهديد بالحرب، أو استخدام القوة؟ تذكر بعض مصادرنا التاريخية أن هرقل استقبل رسالة النبي ﷺ استقبالا حسنا، بل مال إلى الإسلام، ولكنه لما عرض ذلك على رجال الدين المسيحي رفضوا وعارضوه بقوة «٢» ، فردّ على النبي ﷺ ردّا مهذبا واعتذر عن عدم قبول الإسلام؛ بسبب موقف رجال الدين المسيحي الذين لم يكن في استطاعته إغضابهم. وبعض مصادرنا التاريخية الآخرى لا تشير إلى رد هرقل على رسالة النبي ﷺ . ونستطيع أن نقول: إن تطور العلاقات بين المسلمين والروم بعد وصول رسالة النبي إلى هرقل يدل على أن الروم قد أخذوا جانب عداء الإسلام ومقاومته. والذي يبدو لنا أن هرقل لم يحفل كثيرا برسالة النبي ولم يقدر خطورتها، فهو كان عائدا- عندما تسلم الرسالة- من حربه مع الفرس، تلك الحرب التي أشرنا إليها والتي انتصر فيها على فارس انتصارا ساحقا؛ لذلك لم يكن يتصور أن ما يحدث في

стр. 95

شبه الجزيرة العربية يمكن أن يشكل خطورة على إمبراطوريته المترامية الأطراف. وعلى كل حال فمنذ بداية العام السابع الهجري بدأت العلاقات بين المسلمين والروم تتطور متصاعدة على طريق المواجهة العسكرية، فبدأ الروم بتأليب القبائل وتحريضها، إلى الاشتراك معها في غزوة مؤتة في حرب المسلمين وبهذا يكون الروم قد أعلنوا الحرب على الإسلام والمسلمين. * المقدمات التي أدّت إلى غزوة مؤتة: أشرنا فيما سبق إلى أن النبي ﷺ ، بدأ يعطي عناية بالغة إلى جبهة حدود الدولة الإسلامية مع الشام- حيث يسيطر الروم- منذ بداية العام الخامس الهجري، حيث غزا بنفسه دومة الجندل، ثم أغزى زيد بن حارثة وادي القرى ثم أغزى عبد الرحمن ابن عوف دومة الجندل ثانية، وذلك لإظهار هيبة الإسلام في هذه الجهات ثم لإنذار القبائل العربية فيها، بأن التعرض للمسلمين بأي أمر لن يمر دون عقاب. ولكن يبدو أن هذه القبائل لم تفهم، أو لم ترد أن تفهم ذلك فدأبت على الاعتداء على المسلمين وبصفة خاصة على قوافل التجار المسلمين التي تمر بهم، ولم يسلم منهم حتى رسل النبي ﷺ ، فبينما كان دحية بن خليفة الكلبي عائدا من عند هرقل- بعد أن سلمه رسالة النبي- تعرض له بعض من قبائل جذام، وأغاروا عليه، وأخذوا كل شيء معه «١» . ثم بلغت هذه الاعتداآت قمتها في هذا العمل الغادر الدنيء وهو قتل الحارث بن عمير الأزدي، مبعوث النبي ﷺ إلى أمير بصرى، وإليك رواية ابن سعد عن هذا الحادث: «بعث رسول الله ﷺ الحارث بن عمير إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، فقتله، ولم يقتل لرسول الله ﷺ ، رسول غيره، فاشتد ذلك عليه- أي: على النبي- وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف، وهم ثلاثة آلاف.. وأوصاهم رسول الله ﷺ بأن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا، وإلا استعانوا بالله وقاتلوهم.. فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم، وقام فيهم شرحبيل بن عمرو، فجمع أكثر من مائة ألف وقدم الطلائع أمامه، وقد نزل المسلمون معان من أرض الشام، وبلغ الناس أن هرقل قد نزل ماب من أرض البلقاء

стр. 96

في مائة ألف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام» «١» . الأمر إذن ليس أمر اعتداآت عفوية متفرقة، على الإسلام والمسلمين، وإنما هو أخطر من ذلك بكثير، هو تحالف ضخم بين القبائل العربية وبين الروم ضد دولة الإسلام الوليدة، وضد الدعوة الإسلامية والتصدي لها ومقاومتها، وهو ما لم يمكن السكوت عليه من جانب المسلمين ولذلك كانت مؤتة وكان ما تلاها من أحداث وتطورات بين المسلمين والروم. * تدخل الروم في مؤتة إعلان حرب على الإسلام: لما وقعت حادثة اغتيال مبعوث النبي ﷺ ، الحارث بن عمير الأزدي، كان لا بد من عقاب من قام بهذا العمل الغادر؛ لأن دماء الرسل والسفراء والمبعوثين مصانه في كل عرف وفي كل زمان ومكان، فإذا اعتدى أحد على مبعوث من مبعوثي النبي بهذا الشكل الدنيء؛ فإن هذا يعتبر إهانة بالغة للإسلام والمسلمين، وإذا لم يرد المسلمون على هذا العدوان؛ فإن هذا في أقل تقدير سيطمع فيهم أعداءهم ويجرئهم على تكرار هذا الفعل مرات عديدة، خصوصا في هذه المناطق التي لا غنى للمسلمين عن المرور فيها، دعاة أو تجارا أو مجاهدين أو مبعوثين لذلك كان الرد والعقاب أمرا مشروعا، فندب النبي ﷺ المسلمين للقيام بهذه المهمة وأمرهم أن يقصدوا إلى المكان الذي استشهد فيه الحارث بن عمير رضى الله عنه وقبل القتال أمرهم النبي أن يدعوا الناس إلى الإسلام فإن أجابوا، فعندئذ يكونون قد اعتذروا عن فعلتهم وكفروا عن ذنبهم، فلا داعي لقتالهم. أما إذا رفضوا الإسلام، فإنهم بهذا يؤكدون إصرارهم على عدائهم للإسلام ومقاومته، وعندئذ كانت أوامر الرسول ﷺ لجنوده بأن يستعينوا الله عليهم ويقاتلوهم. وكانت المهمة على هذا النحو محدودة تحديدا دقيقا. فهي مهمة تأديبية. لتأديب شرحبيل بن عمرو الغساني ومن ظاهره على هذه الجريمة، ولم يرد فيها ذكر للروم إطلاقا، بل ربما لم يرد في ذهن النبي ﷺ أن الروم سوف يتصدون للمسلمين بهذه الأعداد الهائلة. فنحن نعرف من حذر النبي وحيطته أنه لو فكر في الروم وتصور أن يدخلوا مع المسلمين في حرب لاستعد لذلك استعدادا أكبر ولكانت الحملة على نطاق واسع، فالروم دولة قوية وإمكانياتها هائلة،

стр. 97

وهي قد انتصرت على دولة ندّ لها وهي دولة الفرس التي كانت تنازعها زعامة العالم المعروف حينئذ، فلو قدر النبي أن المسلمين سوف يضطرون لحرب الروم لأمدهم بإمدادات أكبر. على كل حال توجهت حملة مؤتة إلى وجهتها وعلى رأسها القواد الثلاثة الذين عينهم النبي ﷺ ، وهم زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، فلما وصلت الحملة وعلم قوادها أن الروم جمعوا جموعهم لحربهم «أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإمّا أن يأمرنا بأمره فنمضي له فشجع الناس عبد الله بن رواحة» «١» . أي: إن المسلمين قدروا خطورة الموقف وتدارسوه، ولولا غلبة حماسة عبد الله ابن رواحة عليهم لربما اختلف الموقف واختلفت النتيجة. أو لو أرسلوا إلى النبي لكان من الممكن أن يمدهم بالرجال، أو يرى رأيا فيه نجاحهم وانتصارهم، ولكن قدر الله وما شاء فعل. سرت كلمات عبد الله بن رواحة في روح الجند وحمستهم للقتال خصوصا عندما قال: «يا قوم والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون؛ الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة، ولا نقاتلهم إلا بهذا الدين، فانطلقوا فما هي إلا إحدى الحسنيين، فقال الناس: صدق والله، وساروا» . بدأت حرب عاتية شرسة بين جيشين ليس بينهما أدنى تكافؤ، فماذا يصنع ثلاثة آلاف في مواجهة مائتي ألف من الروم والعرب الذين ينضوون تحت سلطانهم، وقاتل جند الله- كما هو العهد بهم- قتالا مجيدا، واستشهد قوادهم الثلاثة على التوالي، ثم آلت القيادة إلى عبقري الحرب، سيف الله خالد بن الوليد رضى الله عنه الذي نظر إلى الموقف نظرة ثاقبة، وقدر بفطرته العسكرية، وحرصه على المسلمين أن الاستمرار في الحرب أمر خطر قد يؤدي ببقية المسلمين، ورأى أن الحكمة تتطلب منه أن ينقذ المسلمين من الهلاك فوضع خطته البارعة للانسحاب وانسحب بمن بقي من المسلمين وعاد إلى المدينة حيث استقبلهم الناس مظهرين استياءهم من موقفهم، وعيروهم وقالوا لهم: «يافرار فررتم في سبيل الله» وكان تقدير الناس أنهم فروا من المعركة ولم

стр. 98

يكن هذا صحيحا، فالفرار لم يكن من خلق المسلمين الصادقين أبدا ولن يكون. ولكن الرسول ﷺ قدر موقفهم ورفع معنوياتهم وقال: «ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله» . وهكذا أصبح جليّا أن الروم قد أعلنوها حربا شعواء على الإسلام ودولته. ولكن المسلمين سوف يلقنونهم درسا قاسيا، وسوف يرغمون هرقل على أن يغادر الشام وإلى الأبد. وقلبه يقطر دما وهو يقول: «وداعا يا سوريا وداعا لا لقاء بعده» . * من مؤتة إلى تبوك: رأينا ما قد صنع الروم بالمسلمين في مؤتة، حيث حاولوا استئصالهم، لولا لطف الله، الذي ألهم خالد بن الوليد بخطة الانسحاب. وقلنا لك: إن تدخل الروم في مؤتة على هذا الشكل يعتبر إعلان حرب من جانبهم على الإسلام والمسلمين. وما داموا قد أعلنوا الحرب على الإسلام والمسلمين، فإن جهادهم ورد عدوانهم أصبح واجبا على المسلمين وقيادتهم. وقد فتحت مؤتة عيون المسلمين أكثر فأكثر على خطر الروم. وكان الرسول ﷺ دائم الرصد لأخبارهم وكل تحركاتهم، وكان ينتظر الفرصة المناسبة لتأديبهم ولينسيهم وساوس الشيطان. ولم يكن مناسبا أن يغزو النبي ﷺ الروم قبل أن تذعن قريش للإسلام، صحيح أن بين النبي وبين قريش هدنة بسبب صلح الحديبية، ولكن لا يدرى ماذا تصنع قريش إذا علمت أن الرسول ﷺ انشغل في حرب مع الروم؟ فقد تنتهز الفرصة وتنقض على المدينة، وعندئذ يقع المسلمون بين عدوّين خطيرين. لذلك آثر النبي أن يؤجل الاشتباك مع الروم والذي- أصبح واجبا محتما- إلى ما بعد تصفية الحساب مع قريش. خصوصا وأن قريشا عندما علمت بهزيمة المسلمين في مؤتة أمام الروم، فرحت جدّا، وظنت أن في ذلك القضاء على المسلمين، فما دام الروم قد وجهوا أنظارهم إلى المسلمين، ورصدوا لهم هذه الأعداد الهائلة، فإنهم سوف يريحونها من الإسلام هكذا ظنت قريش وهكذا فكرت، ولكن خاب تفكيرها وساء ظنها: حمل هذا التفكير السقيم وهذا الظن السيئ قريشا على نقض معاهدة الحديبية- التي أشرنا إليها- استخفافا بأمر المسلمين بعد مؤتة، ولتعيد الأمور كما كانت عليه قبل عهد الحديبية «١» ، ولم تكن تدري أن ذلك سوف يؤدي إلى أن تفتح مكة أبوابها للنبي ﷺ .

стр. 99

كان من بنود صلح الحديبية أن من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده فليدخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه. فدخلت قبيلة خزاعة في عهد النبي، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، فلما كانت مؤتة، وخيّل إلى قريش أن المسلمين قد قضي عليهم، فلما اعتدت بنو بكر على خزاعة- وهم حلفاء النبي- نصرتهم قريش ولم تراع صلح الحديبية، وبهذا تكون قد نقضت المعاهدة نقضا صريحا. ولم يكن النبي ﷺ ليقبل من قريش هذا العبث بالعهود، خصوصا في هذا الجو النفسي الذي شاع بعد مؤتة. والنبي من ناحيته وفيّ لقريش تماما بكل التزاماته نحوها، وطبقا لما نص عليه صلح الحديبية، حتى أنه لم ينصر بعض المسلمين الذين كانت تعذبهم قريش؛ لأنه التزم بذلك، وأكبر مثل على ذلك، قصة أبي جندل بن سهيل بن عمرو قصة أبي بصير. ومع ذلك تنقض قريش العهد بهذه البساطة، أليس ذلك استخفافا بالمسلمين؟! لذلك عزم النبي ﷺ على غزو قريش، وتلقينها درسا في احترام العهود. ولم تقو قريش على مواجهة النبي، ففتحت مكة أبوابها وأذعنت قريش لأمر الله ورسوله. وضرب الرسول لهم أروع الأمثلة في العفو والتسامح، فنسي ما صنعوه معه طوال عشرين عاما. فلما دخل البيت العتيق، وقريش كلها في قبضته، قال لهم: «ماذا تظنون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» «١» . فتحت مكة في العشرين من رمضان في العام الثامن الهجري، وأسلمت قريش وبعد أسبوعين من فتح مكة، علم النبي في أثنائها أن هوازن تعد العدة للهجوم على المسلمين، فقرر أن يباغتهم قبل أن يباغتوه فحدثت موقعة حنين وهزمت هوازن وحلفاؤها من ثقيف ثم حاصر النبي الطائف لإخضاع ثقيف التي تحصنت فيها، ولكن الرسول ﷺ رفع الحصار عن الطائف؛ لأنه كان على يقين أنه بعد فتح مكة وإسلام قريش، فلن تقو أية قبيلة عربية على حربه، وأن ثقيف آتية إليه طال الزمن أو قصر، ولقد استشار النبي نوفل بن معاوية الدئلي في المقام على حصار ثقيف فقال له: «يا رسول الله ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك فأذّن بالرحيل» «٢» .

стр. 100

وبعد أن قسم النبي غنائم حنين على أصحابه عاد إلى المدينة مظفرا في شهر ذي الحجة ليتابع الموقف في الشمال مع الروم، وهنا جاءته الأخبار بأن الروم يستعدون للهجوم على ديار الإسلام، فكانت غزوة تبوك في رجب من العام التاسع للهجرة. * الأسباب المباشرة لغزوة تبوك: السبب المباشر لغزوة تبوك يرويه ابن سعد في الطبقات على النحو التالي فيقول: «بلغ رسول الله ﷺ أن الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معه لخم وجذام وعاملة وغسان وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء، فندب رسول الله ﷺ الناس إلى الخروج، وأعلمهم المكان الذي يريد ليتأهبوا لذلك، وبعث إلى مكة وإلى قبائل العرب يستنفرهم وذلك في حر شديد» «١» . كان النبي إذن يرصد كل تحركات الروم وحلفائهم من العرب في هذه الجبهة الخطرة من جبهات العداء للإسلام، فجاءته الأرصاد بأن الروم بدؤوا يتحركون ضد المسلمين، فأعلن عن غزوهم؛ لأنه ما كان ممكنا أن ينتظر حتى يهاجموه في المدينة. هذا هو السبب المباشر لغزوة تبوك. أما الأسباب الحقيقية الكامنة فهي أن الروم منذ أعلنوا الحرب على المسلمين في مؤتة صراحة، وحاولوا إبادتهم، فإنهم فتحوا بأنفسهم باب الحرب بينهم وبين المسلمين، وكان قتالهم واجبا على المسلمين لرد العدوان، والدفاع عن العقيدة والنفس؛ لأن الله يأمرهم بذلك فيقول تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: ١٩٠] . فحتى لو لم يتحركوا تحركا مباشرا لوجب قتالهم؛ لأنهم بدؤوا بتحريض العرب ضد الإسلام. ثم حاربوهم صراحة في مؤتة، وهذا إصرار منهم على مقاومة الإسلام والعدوان على المسلمين. وجاء الإذن الصريح بقتالهم في السورة التي صاحبت غزوة تبوك، وهي سورة التوبة. «وهذه السورة من أواخر ما نزل من القرآن- إن لم تكن هي آخر ما نزل من القرآن- ومن ثم تضمنت أحكاما نهائية في العلاقات بين الأمة المسلمة وسائر الأمم في الأرض..» «٢» .

стр. 101

وأزالت كل حرج عن المسلمين في علاقتهم مع كل الأمم، خصوصا مع أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى. ونحن الآن في العام التاسع الهجري، وأوشك النبي ﷺ أن يودع الأمة الوداع الأخير، وأن يلتحق بالرفيق الأعلى، فلا بد أن يوضح لأمته معالم طريق المستقبل، وأن يرسم لهم أسلوب عملهم في نشر عقيدتهم، والدفاع عنها ضد أعدائها. لذلك جاءت هذه الآيات لتحدد الشكل النهائي والحاسم في علاقات المسلمين بأهل الكتاب، والروم من أهل الكتاب؛ لأنهم مسيحيون، أو يزعمون أنهم على دين المسيح. فقال تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [التوبة: ٢٩] . وقد بينت الآية بيانا واضحا لماذا يقاتل المسلمون أهل الكتاب: أولا: لأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. ثانيا: لأنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله. ثالثا: لأنهم لا يدينون دين الحق. هذا إذن الحكم النهائي الذي يحدد العلاقات بين المسلمين وأهل الكتاب- يهود نصارى- «والتعديل البارز في هذه الأحكام الجديدة هو الأمر بقتال أهل الكتاب المنحرفين عن دين الله حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فلم تعد تقبل منهم عهود موادعة ومهادنة إلا على هذا الأساس، أساس إعطاء الجزية، وفي هذه الحالة تقرر لهم حقوق الذمي المعاهد، ويقوم السلام بينهم وبين المسلمين، فأما إذا هم اقتنعوا بالإسلام عقيدة فاعتنقوه فهم من المسلمين. إنهم لا يكرهون على اعتناق الإسلام عقيدة، فالقاعدة الإسلامية المحكمة هي: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة: ٢٥٦] ولكنهم لا يتركون على دينهم إلا إذا أعطوا الجزية، وقام بينهم وبين المجتمع المسلم عهد على هذا الأساس، هذا التعديل الأخير في قواعد التعامل بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب لا يفهم على طبيعته إلا بالفقه المستنير لطبيعة العلاقات الحتمية بين منهج الله ومناهج الجاهلية من ناحية، ثم لطبيعة المنهج الحركي للإسلام من الناحية الآخرى. وطبيعة العلاقات الحتمية بين منهج الله ومناهج الجاهلية هي عدم إمكان التعايش إلا في ظل أوضاع خاصة وشروط خاصة، قاعدتها ألا تقوم في وجه الإعلان العام الذي يتضمنه الإسلام لتحرير الإنسان بعبادة الله وحده والخروج من

стр. 102

عبادة البشر للبشر أية عقبات مادية من قوة الدولة ومن نظام الحكم» «١» . في ضوء هذا التحديد النهائي لشكل العلاقات بين المسلمين وأهل الكتاب وفي ضوء ما علمناه من تحركات الروم- وهم يزعمون بأنهم مسيحيون- ضد الإسلام ينبغي أن ننظر إلى تحرك النبي ﷺ لغزوهم في تبوك، ثم ينبغي أن ننظر أيضا إلى تطور العلاقات بين المسلمين وبينهم بعد عهد الرسول؛ «في عهد الخلفاء الراشدين، وما تلاه من عهود» . أصبح الروم عقبة في طريق الإسلام، رفضوه دينا وعقيدة، وقاوموه ليصدوا الناس عنه؛ فوجب قتالهم حتى يعطوا الجزية، فإذا أعطوا الجزية، فهذا يعتبر دليلا على الاستسلام والخضوع وإلقاء السلاح وعندئذ يكف عنهم المسلمون. في ضوء هذا كله، وبعد وصول الأخبار إلى النبي ﷺ بتحرك الروم ضد الإسلام والمسلمين، بدأ العدة لمواجهتهم فيما سماه المؤرخون المسلمون بغزوة تبوك «٢» . وقد اختلف الإعداد لهذه الغزوة كما اختلف الأسلوب فيها عما سبقها من غزوات. ففي الغزوات السابقة كان الرسول ﷺ إذا أراد غزو جهة ما ورّى بغيرها ليباغت أعداءه ويأخذهم على غرة، هذا ما يعبر عنه العسكريون المعاصرون بأسلوب الإخفاء والمفاجأة. أما في غزوة تبوك فإنه أعلن عن وجهته في صراحة لخطورة العدو وبعد الشقة وهذا ما يقوله كبار المؤرخين المسلمين عن الأسلوب النبوي الكريم. يروي الطبري في تاريخه فيقول: «وكان الرسول ﷺ قلما يخرج في غزوة إلا كنّى عنها، وأخبر أنه يريد غير الذي يصمد له إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بيّنها للناس؛ لبعد الشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد له؛ ليتأهب الناس لذلك أهبته، وأمر الناس بالجهاز وأخبرهم أنه يريد الروم» «٣» . إذن هذه غزوة لها خطرها وشأنها في مستقبل الإسلام والمسلمين، لذلك لا بد أن يسير إليها المسلمون وهم على بينة من أمرهم. استنفر النبي ﷺ المسلمين وأمرهم

стр. 103

بالتأهب، وحث أهل اليسار على المساعدة في تجهيز الجيش، فأسرع الصحابة الأجلاء إلى تلبية طلب الرسول ﷺ ، وظهر إيثارهم للدعوة والعقيدة على كل شيء سواها، وأنهم على استعداد للتضحية من أجل الدعوة لا بأنفسهم فحسب، ولكن بأموالهم أيضا، وكانوا بحق هم الذين اشترى الله تعالى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. أنفق أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ﵃ جميعا، وأنفق غيرهم، وكان أعظمهم نفقة عثمان بن عفان ﵁ «١» . فسر النبي بذلك ودعا لهم جميعا بخير، كما خص عثمان بدعاء لسخائه الكبير. وتسارع أهل الصدق والدين والإخلاص كل يقدم ما يقدر عليه، وتجمع تحت قيادة النبي ﷺ أكبر جيش يتجمع له منذ بدأ جهاده العظيم من أجل العقيدة ونشر الدين كان عدد الجيش حوالي ثلاثين ألفا. وصل النبي ﷺ تبوك بعد رحلة شاقة وعسيرة فالمسافة طويلة- بين المدينة المنورة وتبوك حوالي سبعمائة كيلومتر- والطريق صعب، ولكن كل شيء في سبيل الله يهون، ومتى كان تحقيق الأهداف النبيلة أمرا سهلا؟ وهل هناك شيء أنبل وأعظم من إرساء دعائم عقيدة التوحيد، ونشر العدل والرحمة بين بني البشر؟. وصل النبي ﷺ إلى تبوك ليجد الروم قد انسحبوا إلى داخل الشام، ولم يجرؤوا لا هم ولا حلفاؤهم من العرب على لقاء النبي ﷺ «٢» ؛ لما أصابهم من الخوف والفزع من نتائج الصدام العسكري مع جيش يقوده أعظم القواد محمد بن عبد الله ﵊. فماذا كان موقف النبي من هذا الجيش المنسحب الفار من الميدان؟ هذا الجيش الذي حارب المسلمين بضراوة قبل عام واحد في مؤتة، وكاد يستأصلهم لولا عناية الله الذي ألهم خالد بن الوليد بوضع خطة لانسحابهم إلى المدينة. هذا الجيش الذي يفر أمام الرسول، هو نفسه الجيش الذي كان يقوده هرقل بنفسه وانتصر به على الفرس انتصاره الحاسم قبل سنتين اثنتين. ولكنها هيبة النبوة التي أفزعت هذا الجيش وألقت الرعب في قلوب جنوده. لو أن أي قائد آخر كان في موقف النبي ﷺ ، ماذا كان سيصنع؟ لا بد أنه كان سينتهز هذه الفرصة، ويلاحق جيش عدوه المنسحب ويقضي عليه. ولكن

стр. 104

النبي ﷺ ، المبعوث رحمة للعالمين، لم يكن يهدف إلى الحرب من أجل الحرب ولم يكن القتال في حد ذاته هدفا من أهدافه، وإنما هو وسيلة لإزالة العقبات من أمام الدعوة الإسلامية، فإذا انسحب الروم من ميدان المعركة؛ فلا داعي إذن لملاحقتهم وتتبعهم، وإن عادوا عدنا، وعلى الباغي تدور الدوائر. * ماذا صنع النبي في تبوك ؟ بعد أن انسحب الروم من أمام النبي ﷺ ، عسكر بجيشه في تبوك بضع عشرة ليلة، فماذا صنع في هذه الأيام القصيرة التي قضاها هناك؟ لقد انسحبت الروم تهيبا من لقاء الرسول. فيجب أن يقضي على نفوذهم أيضا، وأن يزيل ما بقي لهم من هيبة عند سكان هذه المنطقة. وهم أهل أيلة وأذرح والجرباء ودومة الجندل «١» . ولكن كيف؟ سكان هذه الواحات كانوا يخضعون للروم بصورة أو بأخرى، وينفذون سياستهم، والروم قد انسحبوا من الميدان، وهذه الواحات ستكون على أكبر قدر من الأهمية بالنسبة للمسلمين في صدامهم القادم والأكيد مع الروم، فسوف تكون هذه المناطق ممرات لجحافل المسلمين، ويجب أن يؤمنوا هذا الطريق ويخضعوه لسلطانهم، ويقضوا على كل أثر لسلطان الروم على هذه المناطق. الروم قد انسحبوا من الميدان، ولو كان الرسول ﷺ يهدف إلى فرض الإسلام على الناس بقوة السلاح كما يزعم أعداء الإسلام، لما كان أسهل من ذلك بالنسبة لهذه المجموعات الصغيرة والضعيفة من سكان أيلة وأذرح والجرباء ودومة الجندل؛ لأنهم لم يكن في مقدورهم أن يرفضوا أو يقاوموا بعد أن انسحب أكبر جيش على وجه الأرض في ذلك الوقت أمام المسلمين. ولكن فرض الإسلام بالقوة أمر غير وارد؛ لأنه لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة: ٢٥٦] لذلك لما جاء وفد أيلة وعلى رأسه يحنّة بن رؤبة «٢» إلى النبي ﷺ يبدون استعدادهم لقبول شروطه رحب بهم، وأفهمهم أنهم إن لم يقبلوا الإسلام عقيدة فلن يكرهوا على ذلك، بل من حقهم أن يظلوا على

стр. 105

عقيدتهم بشرط أن يدفعوا الجزية كدليل على الخضوع وعدم المقاومة للإسلام: فقبلوا ووافقوا على دفع الجزية، وعاهدهم النبي ﷺ ، وأمنهم على عقائدهم وأرواحهم وممتلكاتهم، وهذا هو نص المعاهدة التي أعطاها لأهل أيلة: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذه أمنة من الله، ومحمد رسول الله، ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله، وذمة محمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر» «١» . وحذا أهل أذرح والجرباء حذو أهل أيلة، فعاملهم النبي ﷺ نفس المعاملة وكتب أمان مماثلة لأمان أهل أيلة «٢» . أما دومة الجندل، فاستسلم أميرها أكيدر بن الملك الكندي بعد غارة خاطفة شنها عليه خالد بن الوليد، وقدم به على النبي ﷺ «فحقن دمه وصالحه على الجزية وخلى سبيله» «٣» . رتب النبي ﷺ إذن أوضاع منطقة الحدود الشمالية الغربية لشبه الجزيرة العربية. ومهد الطريق الذي سوف يسلكه المسلمون في خلافة الصديق لقهر الروم، وطردهم نهائيّا وإلى الأبد من المنطقة. وبسط عليها هيبة الإسلام، ومكن لنفوذ المسلمين فيها، كما أجهز على هيبة الروم عند سكان المنطقة، وعاد إلى المدينة بجيشه العظيم تحفّه رعاية الله وتحرسه عنايته، ليواصل مسيرته من أجل تثبيت دعائم الإسلام. * نتائج غزوة تبوك: لقد كانت غزوة تبوك ذات أثر كبير في حياة الأمة الإسلامية ومستقبلها، ولم تكن نتائجها محدودة بزمانها ومكانها، بل لا نبالغ إذا قلنا: إن غزوة تبوك التي حدثت في شهر رجب من العام التاسع الهجري، كانت نقطة البداية في علاقات الأمة الإسلامية بأوربا المسيحية تلك العلاقات التي لا زالت قائمة ومستمرة في صور متعددة، فمن تتبّع مقدماتها وسيرها وما وصلت إليه، نستطيع أن نقول: إن النبي ﷺ أراد منها أن يحدد للأمة الإسلامية عدوّا رئيسيّا من أعدائها، وهم الروم، ونحن

стр. 106

دائما نستخدم لفظ الروم الذي استخدمه القرآن الكريم للتعبير عما يسميه المؤرخون الدولة الرومانية الشرقية. تلك الدولة التي كانت تمثل أوربا كلها في تلك الأزمان، فبعد التجارب التي مر بها المسلمون مع الروم قبيل غزوة تبوك، والتي وضحت لهم أنهم لن يتركوا الإسلام يشق طريقه إلى العالم في أمن وسلام- كان واضحا أن الصدام العسكري معهم أمر لا مفر منه طال الزمن أم قصر، وعلى كل حال لم يطل الزمن كثيرا على بداية هذا الصدام، فبعد ما يقرب من ثلاثة أعوام بعد تبوك بدأ هذا الصدام في عهد الصديق ﵁، وفي عهد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، طرد الروم نهائيّا من الشام ومصر، ولم تنس أوربا مطلقا وطوال تاريخها وحتى الآن هذا الذي حدث في عهد الخلفاء الراشدين، واعتبرت أن هزيمة الروم أمام المسلمين هزيمة لها كلها، ولم تكن الحروب الصليبية- بعد ما يقرب من خمسة قرون من هذا التاريخ- والتي عبأت فيها أوربا كل قواها لغزو الشرق الإسلامي، لم تكن هذه الحروب إلا رد فعل أوربا للانتقام من المسلمين وهزيمتهم كما هزموا هم الروم قبل قرون. وإذا كانت الحروب الصليبية قد حققت أهدافها في البداية لأسباب تتعلق بالعالم الإسلامي نفسه، وما كان عليه من الضعف والتفكك. إلا أن الصليبيين طردوا في النهاية- بعد وجود استمر قرنين كاملين من نهاية القرن الحادي عشر حتى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي- إلا أن عداء أوربا للإسلام والمسلمين لم ينته بانتهاء العدوان الصليبي على الشرق الإسلامي، بل إن أوربا عادت من الشرق الإسلامي مهزومة وخائبة، لتشن حربا صليبية أخرى ضد الوجود الإسلامي في أسبانيا، وصبت كل أحقادها وثاراتها على المسلمين هناك، وأجبرت بعضهم على التنصر، ومن رفض التنصر قتل. وأبيد بسبب ذلك ملايين المسلمين في شراسة لم يعرف لها التاريخ مثيلا، ومن استطاع الهرب من المسلمين والنجاة من وحشية الصليبيين الأوربيين وعبر المضيق إلى شمال أفريقيا، لاحقه الأسبان والبرتغاليون، وبدأت أوربا عمليتها في تطويق العالم الإسلامي من الخلف في بداية عهد الاستعمار الأوربي الحديث للعالم. ووصل الأسبان والبرتغاليون إلى شواطئ شبه الجزيرة العربية وتبعهم الإنجليز والفرنسيون، كل هذا بمباركة الكنيسة الكاثوليكية في روما بزعامة البابا، وإن الذي يدرس رسائل البابوات المتعاقبة، لرواد السطو الاستعماري الأوربي من الأسبان والبرتغاليين وغيرهم على الشرق الإسلامي، من يدرس هذه الرسائل يجدها تفيض بالحقد على الإسلام والمسلمين، فهي تنص في صراحة أن البابا يوصي

стр. 107

بل يأمر جنود المسيح بإبادة المسلمين أينما وحيثما كانوا؛ فالسطو الاستعماري الأوربي على الشرق الإسلامي الذي بدأ من عهد الكشوف الجغرافية كان بتأييد الكنيسة والبابا. ألست معي في أن العلاقات بين أوربا والإسلام بدأت في مؤتة وتبوك ولا زالت مستمرة؟ عداء وحقد من جانب أوربا على الإسلام والمسلمين وعلى كل ما يمت إلى الإسلام بصلة، ألم تقرأ أن الجنرال اللنبي- القائد الإنجليزي- قال عند ما دخل فلسطين في أثناء الحرب العالمية الأولى: «الآن انتهت الحروب الصليبية» . وأن زميله الجنرال الفرنساوي غورو عند ما دخل دمشق زار قبر صلاح الدين الأيوبي ﵀ وقال متشفيا: «ها قد عدنا يا صلاح الدين» هل يقرأ المسلمون تاريخهم جيدا؟ وهل يعرفون عدوهم من صديقهم؟ ليتهم يفعلون. هذا ولم تقف نتائج غزوة تبوك عند هذا، لم تقف عند لفت النبي ﷺ نظر المسلمين لفتا قويّا إلى عدو من أعدائهم الرئيسيين، بل هو عدوهم الرئيسي ولم تقف عند حد تمهيد الطريق الرئيسي الذي سوف يسلكونه في مواجهتهم للعالم، حاملين راية دينهم، بل إنها كانت ذات أثر عظيم في حياة المسلمين أنفسهم ونزلت من أجلها سورة القرآن الكريم، وهي سورة التوبة. تلك السورة التي حددت بشكل قاطع وأخير العلاقات بين الأمة الإسلامية وسائر الأمم في الأرض سواء من المشركين أو من أهل الكتب السماوية. «كما تضمنت تصنيف المجتمع المسلم ذاته، وتحديد قيمه ومقاماته، وأوضاع كل طائفة، وكل طبقة من طبقاته ووصف واقع هذا المجتمع بجملته وواقع كل طائفة منه وصفا دقيقا مصورا بليغا» «١» . فكما كان في هذا المجتمع المسلم، الصفوة من المسلمين الذين باعوا أرواحهم لله، وجاهدوا مع رسول الله ﷺ بأموالهم وأنفسهم. وقال الله تعالى عنهم: لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ٨٨، ٨٩] . كان هناك طائفة من المسلمين، الذين وإن لم يشك في إيمانهم، لكن قعدت بهم عزيمتهم عن الجهاد في سبيل الله، فأنبهم الله على هذا القعود، وحثهم على الجهاد في سبيله، وناداهم بوصف الإيمان، ليثير هممهم وعزائمهم. فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ

стр. 108

أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التوبة: ٣٨، ٣٩] . إلى جانب هؤلاء الذين قعدوا عن الجهاد وهم قادرون عليه، كان هناك بعض الصفوة الذين تاقت أنفسهم للجهاد وعز عليهم أن يجاهد الرسول والذين معه، ولا يشتركون في الجهاد، ولكنهم لا يجدون ما يحملون عليه فذهبوا إلى الرسول يستعينونه على الجهاد فاعتذر لهم بأنه لا يجد ما يعينهم به، هؤلاء هم الذين قال الله عنهم: وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩٢] . إلى جانب هذه النوعيات من المسلمين الذين وضحت السورة مواقفهم ومواقعهم، وأعطت لكل ذي حق حقه؛ كان المجتمع المسلم- عند غزوة تبوك- زاخرا بمجموعات من المنافقين، الذين كانوا يتسترون تحت إظهار الإسلام، ولكن نياتهم تنطوي على الحقد عليه، وكانوا يظنون أن أمرهم يخفى على الله ورسوله، فكشفتهم السورة، وفضحت مواقفهم. لذلك كان من الأسماء التي عرفت بها سورة التوبة اسم الفاضحة «١» . من هؤلاء المنافقين من اعتذر لرسول الله عن الجهاد بأعذار كاذبة، فضحها الله تعالى ولم يقبلها، وقال عنهم: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة: ٩٤] . ومن المنافقين من لم يكتف بالقعود عن الجهاد والتخلف عن رسول الله، بل أخذ يثبط الآخرين عن الجهاد، ويحرضهم على القعود والتخلف ويحببه إليهم ويبث الأكاذيب والأراجيف في صفوف المسلمين. وهؤلاء الذين قال الله تعالى عنهم: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ [التوبة: ٨١] . وهكذا كما حددت سورة التوبة علاقات الأمة المسلمة بغيرها من الأمم تحديدا نهائيّا، حددت وبينت موقف وموقع كل مجموعة من المجموعات التي تنتسب إلى الإسلام، حتى يكون رسول الله على بينة من أمر الأمة على اختلاف اتجاهاتها ونواياها.

стр. 109

ولما كانت سورة التوبة- التي نزلت بمناسبة غزوة تبوك- هي آخر سور القرآن نزولا- كما يرى بعض المفسرين- ولما بينت وحددت العلاقات بين المسلمين وأهل الكتاب، كذلك حددت تحديدا نهائيّا العلاقات بين المجتمع المسلم والمشركين عامة في شبه جزيرة العرب وأعلنت في مطلعها البراءة منهم ومن عهودهم، وأجلتهم أربعة أشهر، يختارون خلالها لأنفسهم، إما أن يدخلوا في دين الله، وإما أن يقاتلوا، وهذا هو الشكل النهائي للعلاقات معهم. وهذا الحكم خاص بمشركي العرب؛ فليس أمامهم سوى خيار من اثنين: إما الإسلام، وإما القتال. ألست معي إذن في أن غزوة تبوك، ونزول سورة التوبة بسببها وما تضمنته من أحكام نهائية في علاقات المسلمين بغيرهم كانت ذات أثر كبير في علاقاتهم مع الروم ومع المشركين ومع غيرهم من أمم الأرض، كما كانت ذات أثر في حياة الأمة الإسلامية ذاتها؟ هذا اجتهاد شخصي ووجهة نظر ذاتية، فإن كان صوابا فالفضل والمنة لله تعالى، وإن كان خطأ فحسب المرء أن يجتهد وهو على كل حال مكفول الأجر عند من لا يضيع عنده شيء. والحمد لله أولا وأخيرا، وبه التوفيق ومنه السداد.

стр. 110

بحوث في السّيرة النّبويّة والتّاريخ الإسلاميّ قراءة ورؤية جديدة [البحث الخامس] الإدارة في عهد النبي ﷺ
следующие страницы →