← История

История · id 9899

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

عبد الشافى محمد عبد اللطيف

Полный текст (404 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

صبغة عالمية. ولقد قامت الدولة الإسلامية بعد هجرة الرسول ﷺ من مكة إلى يثرب- المدينة المنورة بعد الهجرة- مباشرة، فمنذ اللحظة الأولى بدأ الرسول ﷺ في المدينة في إرساء دعائم دولة الإسلام وصياغة المجتمع الإسلامي وقد خطا ﷺ في هذا المجال خطوات عملية وسريعة من أهمها: أولا: بناء المسجد النبوي في المدينة «١» ، وكان هذا هو أول عمل قام به النبي ﷺ بعد الهجرة. وقد عمل في بنائه بنفسه مع أصحابه، وحول المسجد أقيمت مساكن الرسول ﷺ . وكان بناء المسجد النبوي بسيطا بساطة تعبر عن بساطة الإسلام نفسه وعزوفه عن البذخ والترف. ولكن هذا المسجد البسيط العظيم قام بالدور الرئيسي في حياة الإسلام والدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي. فلم يقتصر مسجد الرسول على إقامة الصلوات فيه، وإنما أصبح مركز النشاط الإسلامي كله، فهو مهبط الوحي، يتلقاه النبي فيه ويبلغه للناس، وفيه كان النبي ﷺ يعلم الصحابة- رضوان الله عليهم- أمور الدين والدنيا ويدربهم على فنون الحكم والقيادة والإدارة، ويعدّهم للدور العظيم الذي ينتظرهم لقيادة العالم، ونشر الدين، وحماية العقيدة، وبناء دولة الإسلام وتطويرها على أساس شريعة الله. وكان المسجد مركز حكومة النبي ﷺ ، فيه يقضي ويحكم بين الناس في المنازعات، وفيه يعقد الألوية والرايات لقواد حملاته العسكرية، ويعقد عهود الولاية للعمال على المناطق التي تدخل في تبعية الدولة الإسلامية. وفيه كان يستقبل الوفود الأجنبية، ومنه يرسل مبعوثيه كذلك، وحاملي رسائله إلى الأمراء والملوك والأباطرة المعاصرين، وفيه كان ﷺ يناقش مشاكل المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية مع أصحابه بروح المعلم العظيم والقائد العظيم. وباختصار شديد ففي هذا المسجد البسيط اتخذت أعظم القرارات التي غيرت وجه التاريخ، وبدلت مصائر العالم، ومنه خرجت شعلة النور التي أضاءت جنبات الأرض، فلا غرو إذن إذا اعتبرنا بناء مسجد المدينة من أهم ركائز قيام الدولة الإسلامية. ثانيا: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار. تلك المؤاخاة التي قامت على أساس العقيدة الإسلامية، والتي ربطت بينهم بهذا الرباط الوثيق، وجعلتهم أمة متميزة بخصائصها الإسلامية، وكانت في نفس الوقت دليلا عمليّا واضحا على طبيعة

стр. 142

الإسلام العالمية. ذلك الدين الذي لا يقيم أي وزن لآية رابطة تقوم على العصبية القبلية أو القومية أو الجنسية، فالرابطة الوحيدة التي يعترف بها الإسلام هي رابطة العقيدة؛ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ... [الحجرات: ١٠] . فهي الرابطة التي تحقق المساواة الكاملة بين البشر. ولقد ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة العملية على ذلك، فقد آخى بين عمه حمزة بن عبد المطلب ﵁ ومولاه زيد بن حارثة ﵁ «١» ، وبهذه المؤاخاة أصبح المسلمون أمة واحدة، متميزة بخصائصها الدينية في مواجهة المجموعات الآخرى في المدينة، ومنهم اليهود. ثالثا: معاهدة المدينة. فبعد أن نظم الرسول ﷺ العلاقات بين المسلمين على النحو السابق، كان لا بد من تنظيم العلاقات بين المسلمين وبين بقية سكان المدينة، ولا بد من تحديد الحقوق والواجبات لكل طرف؛ حتى يعرف كل إنسان ما له وما عليه، وهنا يقدم لنا الرسول ﷺ أنموذجا آخر، على عالمية الإسلام وشمول مبادئه، وطبيعته التنظيمية، ذلك الأنموذج الذي تمثل في المعاهدة التي عقدها الرسول مع اليهود وغيرهم من سكان المدينة، تلك المعاهدة التي تعتبر أدق وأوفى المعاهدات في التاريخ، والتي أصبحت الأساس الدستوري لقيام الدولة الإسلامية في المدينة بقيادة النبي ﷺ ، باعتراف جميع الأطراف التي اشتركت فيها ووقعت عليها. ولقد نظمت معاهدة المدينة كافة الحقوق والواجبات والالتزامات بين سكان المدينة جميعا، باعتبارهم مواطنين في الدولة الجديدة، مع اختلاف العقيدة، حيث اعتبرت المعاهدة اليهود طرفا فيها، واعتبرتهم مواطنين في المدينة، ومع ذلك ضمنت لهم حرية عقائدهم وشعائر دينهم، والمحافظة على ممتلكاتهم، وعلى كل حال لا نريد أن نطيل في شرح تفاصيل معاهدة المدينة في هذا البحث، وإنما يهمنا منها أمر واحد، وهو أنها كانت إعلانا بميلاد دولة الإسلام بقيادة النبي ﷺ ، وباعتراف جميع أطرافها بما فيهم اليهود، وقد جاء هذا الاعتراف في نص صريح في المعاهدة. «وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله ، وإلى محمد رسول الله ﷺ ... » «٢» . بهذا الشكل تم إعلان قيام

стр. 143

دولة الإسلام بالمدينة. وكانت بداية باهرة، ففي تلك المدينة الصغيرة قامت الحكومة الإسلامية، التي أرست دعائم الحق والعدل والمساواة بين البشر جميعا. وبعد أن وضع النبي ﷺ أسس الإسلام في المدينة المنورة، استمر يؤدي المهمتين الأساسيتين اللتين اضطلع بهما: الأولى: مهمة تلقي الوحي وتبليغه للناس. والثانية: تطبيق الشريعة وتنفيذ أحكامها، وقيادة الأمة الإسلامية ورعاية مصالحها ورسم مستقبلها وعلاقاتها الخارجية. ولما التحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى، كان معنى هذا انتهاء المهمة الأولى. أما المهمة الثانية، وهي قيادة الأمة الإسلامية؛ فقد أصبحت شاغرة، وكان لا بد من شغلها، ولقد أدرك أصحاب النبي ﷺ ضرورة أن يختاروا- وعلى وجه السرعة- من يخلف النبي في قيادة الأمة، في ذلك الظرف العصيب الذي أعقب وفاة النبي ﷺ ، وبدا اهتمامهم بهذه القضية من إعطائهم إياها الأولوية على كل شيء سواها، حتى على دفن جسد النبي الطاهر- ﵊ وكرهوا أن يبيتوا ليلة واحدة بدون إمام «١» . وكان هذا يمثل قمة الإحساس بالمسؤولية من جانب الصحابة- رضوان الله عليهم- والذي يتابع مناقشاتهم الجادة التي جرت في سقيفة بني ساعدة «٢» يدرك مدى فهمهم العميق لطبيعة دينهم التنظيمية، وإخلاصهم النيّة في محاولة اختيار أفضلهم وأرجحهم عقلا لتولي هذا المنصب الخطير، منصب خلافة النبي في قيادة الأمة الإسلامية، ويعجب ببعد نظرهم، وحسمهم للأمور؛ إذ لم ينته اليوم الأول على وفاة النبي ﷺ حتى كان الله قد وفقهم إلى اختيار أبي بكر الصديق ﵁ لتولي منصب الخلافة. فكان خير خلف لخير سلف، قاد الأمة بتجرد ومهارة فائقة في معالجة مشاكلها الداخلية والخارجية. ثم أسلم الراية لابن الخطاب العظيم، الذي تابع المسيرة الخالدة. وقفز بالدولة قفزة هائلة في جميع الميادين، ودلل على القدرة العقلية العربية على القيادة والتنظيم السياسي والإداري، وأخذت دولة الإسلام تتطور حتى أصبحت أعظم دولة

стр. 144

في عالم العصور الوسطى؛ لأنها أسست على أرقى المبادئ الأخلاقية والمثل العليا، وناهيك بدولة تقوم على أساس عقيدة وشريعة إلهية. * الإسلام دين عالمي: الإسلام هو خاتمة رسالات الله إلى البشرية كلها، فليس بعد القرآن الكريم كتاب سماوي، وليس بعد محمد ﷺ رسول؛ يقول تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ ... [الأحزاب: ٤٠] . ولقد صور النبي ﷺ موقع رسالة الإسلام من رسالات السماء على الوجه الآتي: «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلّا وضعت هذه اللبنة؟» قال: «فأنا اللبنة» «١» . والإسلام هو دين الله الحق؛ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران: ١٩] . وهو الدين الذي هتفت به ألسنة الأنبياء جميعا- عليهم الصلاة والسلام- من لدن نوح إلى عيسى ابن مريم؛ فنوح قال: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: ٧٢] ، وإبراهيم ﵇ يقول: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [البقرة: ١٣١] ، ويعقوب يوصي بنيه قائلا: يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٢] ، ويوسف يناجي ربه قائلا: أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف: ١٠١] ، وموسى يقول لقومه: يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [يونس: ٨٤] ، والحواريون يجيبون المسيح قائلين: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٥٢] . وهكذا، فما من نبي إلا ولهج لسانه بكلمة الإسلام الخالدة؛ لأن مهمتهم واحدة وأساس دعوتهم واحد؛ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ... [الشورى: ١٣] . وإذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا كانت رسالات الأنبياء السابقين محدودة الزمان والمكان والبيئة، وكانت رسالة خاتمهم محمد- ﵊ عامة لكل الجنس البشري في كل زمان ومكان؟ أما كون رسالات الأنبياء السابقين كانت محدودة الزمان والمكان والبيئة؛ فهذه حقيقة تاريخية. فنوح وهود وصالح وإبراهيم

стр. 145

وموسى ﵈ كان كل منهم مرسلا إلى قومه فقط، بنص القرآن الكريم «١» . وأما كون رسالة محمد- ﵊ عامة لكل الجنس البشري؛ فهذه أيضا حقيقة بنص القرآن الكريم بقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] ، وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ: ٢٨] ، قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف: ١٥٨] . أما الإجابة عن السؤال المتقدم ذكره؛ فإننا نقول: إن ذلك شيء طبيعي، اقتضته طبيعة التطور البشري، منذ أن خلق الله البشر حتى بعثة محمد ﷺ . ولتقريب الموضوع إلى الأذهان فإنه لا مانع من أن نشبه البشرية بطفل أخذ ينمو ويكبر، ويمر بالمراحل التي لا بد أن يمر بها، حتى ينضج ويكتمل نموه الجسدي والعقلي، وإذا جاز لنا ذلك، فلا مانع أيضا من أن نشبه الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- بأطباء «٢» مع احتفاظنا للأنبياء جميعا- عليهم الصلاة والسلام- بمقامهم السامي أخذ كل واحد منهم يصف للبشرية- التي شبهناها بالطفل في نموه- الغذاء الذي يناسب كل مرحلة من مراحل نموها، حتى جاء خاتم الأنبياء محمد- ﵊ وقد نضجت البشرية، واكتمل عقلها وأصبحت مستعدة لتقبل رسالة عالمية، تصلح مبادئها وتشريعاتها أساسا لحياة فاضلة لكل البشرية في الدنيا، وتضمن سعادتها في الآخرة، دون تفرقة بين جنس وجنس، أو بين أمة وأمة، بل مساواة مطلقة، في الحقوق والواجبات، ولا تفاضل بين إنسان وآخر إلا على أساس التقوى والعمل الصالح، يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ ... [الحجرات: ١٣] . وتؤكد أعمال الرسول وأقواله معنى المساواة التامة بين الناس جميعا، ولم يكتف الإسلام في هذه الناحية- كشأنه دائما في كل تشريعاته ومبادئه- بوضع القواعد النظرية فقط، وإنما طبق هذه المبادئ تطبيقا عمليّا في واقع الحياة بصورة مثالية، لم يسبق لها مثيل في تاريخ العالم، فلقد كان هناك رجال حول الرسول ﷺ ، وكانوا موضع حبه وتكريمه، مع أنهم لم يكونوا عربا، بل كان بعضهم في الأصل رقيقا، فسلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، كانت منزلتهم عند الرسول لا تقل عن منزلة كبار الصحابة من أشراف

стр. 146

العرب، ناهيك عن حبه لمولاه زيد بن حارثة وابنه أسامة الذي كان معروفا بحبّ رسول الله وابن حبّه. لهذا لا يقلل من شأن الأنبياء السابقين- عليهم الصلاة والسلام- أن تكون رسالاتهم محدودة؛ لأن هذا وضع اقتضاه تطور البشرية، وكل منهم أدى دوره، وكان لبنة في صرح بناء عقيدة التوحيد، حتى جاء الوقت الملائم لوضع اللبنة الأخيرة، فكانت رسالة محمد- ﵊ وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال آخر- وهو سؤال قديم متجدد- هو: إذا كانت رسالة محمد ﷺ عالمية لكل الجنس البشري، فما هو السبيل لحمل الناس كافة على اعتناق هذه الرسالة والإيمان بها؟ والإجابة على السؤال نجدها في القرآن الكريم، حيث حدد لصاحب الرسالة- ﵊ الأسلوب الذي ينبغي عليه أن يتبعه في الدعوة إلى دينه، حيث يقول: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. [النحل: ١٢٥] . وينبه القرآن الكريم النبي ﷺ إلى عدم اللجوء إلى القوة لإكراه أحد على اعتناق الإسلام، وذلك في نص صريح: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ.. [البقر: ٢٥٦] . ويلفت القرآن الكريم نظر النبي إلى أن حمل الناس كافة على اعتناق دين واحد قد يكون أمرا صعبا إن لم يكن مستحيلا، فيقول تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩] ، ويقول: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يونس: ١٠٤] . وقد يتبادر إلى بعض الأذهان أن هاهنا تناقضا؛ إذ بينما نقول: إن رسالة الإسلام عالمية، نعترف بأن حمل الناس كافة على اعتناق دين واحد هو أمر صعب، كما تشير الآيات السابقة، ولكن بشيء من الإمعان والبعد عن الجدل العقيم والتعصب، نجد ألا تناقض هناك على الإطلاق؛ لأن معنى عالمية الإسلام- كما نفهمها نحن المسلمين- أن رسالة الإسلام مفتوحة لكل البشر دون أية قيود، أو عوائق، وليست ديانة مغلقة، أو مقصورة على فئة بعينها كما يدعي اليهود أن ديانتهم خاصة بهم وحدهم، خصهم الله بها دون سائر البشر. أما نحن المسلمين فلا ندعي ذلك، بل نؤمن- ويشرفنا- أن رسالتنا عالمية، وديننا شامل ومفتوح أمام جميع الناس، من كل جنس ولون، فكل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فهو مسلم له كل الحقوق وعليه كل الواجبات التي على المسلمين.

стр. 147

هذا هو ببساطة معنى عالمية الإسلام، كما نفهمها نحن المسلمين، وواجبنا أن ندعو الناس إلى اعتناق ديننا؛ لأنه دين الله الحق، وسبيلنا إلى ذلك هو الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، كما علمنا القرآن الكريم، ورسولنا العظيم، ولسنا نرى أن السبيل إلى ذلك هو القوة والسيف، كما يزعم أعداء الإسلام من المستشرقين وغيرهم. وسوف نرجئ مناقشة مزاعم المستشرقين وغيرهم من أعداء الإسلام، وشبهاتهم التي أثاروها حول انتشار الإسلام بالقوة إلى نهاية البحث، بعد أن نوضح موقف الإسلام- دولة وشريعة- من قضايا السلام والحرب، والقانون الدولي وغير ذلك من الموضوعات التي سيتناولها البحث، فعندئذ قد تكون الصورة أوضح ويكون القارئ الكريم قد أخذ فكرة أشمل عن الموضوع. * السلام أساس العلاقات الدولية في الإسلام: السلام والإسلام مشتقان من مادة واحدة، والسلام اسم من أسماء الحق ، والجنة اسمها دار السلام، وتحية الملائكة للمؤمنين في الجنة حين يلقونهم هي السلام، وتحية أهل الجنة في الجنة هي السلام، وتحية المسلم للمسلم حين يتلاقيان هي السلام، والسلام والإسلام يلتقيان في توفير الأمن والطمأنينة والسكينة للنفوس المؤمنة. والإسلام دين الرحمة والعدل والسلام، ورسول الإسلام هو رسول الرحمة والسلام، أرسله ربه رحمة للعالمين، وجعله بالمؤمنين رؤوفا رحيما. لذلك كان طبيعيّا أن ينادي الإسلام بالسلام، وكان طبيعيّا كذلك أن ينطلق في صياغة علاقاته الدولية مع الأمم الآخرى من مبدأ السلام. ونقصد بالعلاقات الدولية في دولة الإسلام في عهد النبي ﷺ تلك العلاقات التي نشأت بين الأمة الإسلامية وبين أية مجموعة أخرى غير مسلمة، أنّى كان موقعها وموقفها. ولذلك تعتبر علاقات النبي ﷺ مع قريش- قبل فتح مكة- من هذا الباب؛ لأن قريشا كانت حينئذ مشركة ومعادية للإسلام، شنت عليه حربا شعواء استمرت ما يقرب من عشرين عاما. والأسس التي قامت عليها علاقات النبي ﷺ مع قريش- قبل فتح مكة- هي تقريبا نفس الأسس التي قامت عليها علاقات المسلمين الدولية مع الفرس والروم وغيرهم. وكانت علاقة المسلمين الدولية بغيرهم تقوم على تقديم السلام من جانب المسلمين واعتباره الأصل في العلاقات الدولية، واعتبار الحرب ضرورة لا يلجأ إليها إلا عند مقتضياتها، ويجب حصرها في نطاق هذه

стр. 148

المقتضيات وحدها. وسنبين مقتضيات الحرب في الإسلام في صفحات تالية في هذا البحث إن شاء الله. وآيات القرآن الكريم قاطعة الدلالة على أن الأصل في علاقات المسلمين بغيرهم من الأمم هو السلام، وكذلك أقوال الرسول ﷺ وأعماله وسيرته. فمن الآيات الكريمة الدالة على ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة: ٢٠٨] ، فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [النساء: ٩٦] ، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا [النساء: ٩٤] ، وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [الأنفال: ٦١] ، لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: ٨] . هذه الآيات تعود بالحرب إذا نشبت إلى الأصل الطبيعي في العلاقات وهو السلم، ولو كان الأمر على العكس لما دعي المسلمون إلى التزام جانب السلام إن جنح إليه غيرهم، وأظهروا حسن نواياهم، ولو لم يكن منهم إيمان بالإسلام، وحينئذ فعلى المسلمين قبول السلم بكل ضروبه وأشكاله. وعلى هذا النحو كانت أقوال النبي ﷺ وأفعاله وسيرته في الحروب والمسالمات، فظل الرسول ﷺ يدعو إلى دين الله في مكة ثلاث عشرة سنة حتى يتقرر الأصل في السلام، واستأنف الدعوة السلمية في المدينة، ولولا تجدد بعض المشاكل والمنازعات، ولولا بغي المشركين لاستمرت السلم. وقد قال ﷺ فيما روى البخاري ومسلم: «أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية ... » «١» فالرسول ينهى عن الرغبة في الحرب وتمنيها حتى مع العدو، ويسأل الله أن يديم نعمة السلم «٢» . وهكذا يتضح لنا- بما لا يدع مجالا للشك- أن القاعدة في العلاقات الدولية في دولة الإسلام هي السلم، وأن الحرب هي الاستثناء، وسنقدم- بإذن الله- في ثنايا هذا البحث الأدلة العملية على هذا الموقف الأصيل للإسلام في ميدان علاقاته الدولية.

стр. 149

* الحرب المشروعة في الإسلام: بيّنّا في الصفحات السابقة أن السلام هو الأصل والقاعدة في علاقات الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم، وأن الحرب هي الاستثناء، أو هي الضرورة التي لا يلجأ إليها إلا عند مقتضياتها المشروعة، كما يجب حصرها في نطاق هذه المقتضيات دون التوسع فيها، فالحرب في حد ذاتها ليست غاية؛ إنما هي وسيلة لتحقيق أسمى الغايات وهو السلام، ونريد الآن أن نبيّن مقتضيات الحرب المشروعة في الإسلام. فالإسلام بما أنه عقيدة عالمية، ورسالة إلهية تحمل الخير والسعادة لكل البشر على وجه الأرض؛ فقد كان من المتوقع أن يقاومه ويصد الناس عنه أشرار الأرض وطغاتها. فالتاريخ يدلنا على أنه لم تسلم دعوة دينية من مقاومة الأشرار والطغاة لها، ووقوفهم بكل قوة في طريقها. وقد واجه الإسلام هذا الموقف، فقد وقفت قريش بكل جبروتها وطغيانها موقف العداء السافر للإسلام ورسول الإسلام، وظل الرسول ﷺ ثلاث عشرة سنة في مكة وهو يحاول جهده وبكل وسيلة أن يثني قريشا عن طريق الإسلام فلم تستجب، وأخيرا تامرت على حياته وأجبرته وأصحابه على أن يهاجروا من مكة إلى يثرب- المدينة المنورة- وكان هذا غاية الظلم والاضطهاد من جانب قريش، ولم تكتف بهذا بل استمرت في أساليبها الاستفزازية للمسلمين في مهاجرهم الجديد؛ لذلك لم يكن أمام المسلمين إلا أن يواجهوا القوة بالقوة؛ لأن الدعوة بالحسنى هنا لا تجدي وليس هذا مكانها، فما دام الطغاة قد صموا آذانهم عن سماع الحق فلا بد من معاملتهم بأسلوب آخر يضع حدّا لغطرستهم وجبروتهم والواقع أن الإسلام كان يتوقع هذا الموقف من قريش وغيرها، وكان يتوقع أنه قد يضطر لاستخدام القوة لإزالة العقبات من طريقه، إلا أنه مع كل هذا ظل دائما ينظر إلى الحرب على أنها ضرورة، ولم يبحها إلا عند مقتضياتها المشروعة. ومقتضيات الحرب أو مسوغاتها المشروعة في نظر الإسلام لا تخرج عن واحدة من ثلاث حالات «١» . الحالة الأولى: الدفاع عن النفس ، كما تصورها الآية الكريمة: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ

стр. 150

يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: ١٩٠] ، والدفاع عن النفس عمل مشروع، أقرته كافة الشرائع السماوية، كما كفلته القوانين الوضعية. الحالة الثانية: الدفاع عن المظلومين ، وهذا واجب على المسلمين، كما يفهم من هذه الآية الكريمة: وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها [النساء: ٧٥] ، وهذا عمل إنساني في الدرجة الأولى. فنصرة المظلومين هدف أساسي من أهداف الإسلام. الحالة الثالثة: الدفاع عن حرية نشر العقيدة ، وهذا هو واجب أصحاب العقيدة، كما تحثهم عليه الآية الكريمة: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال: ٣٩] ، ونقول: الدفاع عن حرية نشر العقيدة، لا لنشر العقيدة؛ لأن العقيدة في حد ذاتها لا تحتاج إلى القوة لنشرها إذا خلت الطريق أمامها من العوائق، وإذا ابتعد الطغاة عنها وتركوها تشق طريقها إلى قلوب خلق الله في حرية وأمان. هذه هي الحالات التي يسوغ فيها الإسلام الحرب، ويعتبرها عملا مشروعا. والله لم يأذن للمسلمين بالقتال إلا بعد أن تعرضوا للظلم أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج: ٣٩، ٤٠] والتعبير في الآية الكريمة بالفعل المضارع يُقاتَلُونَ- مبنيّا للمجهول- ذو دلالة كبيرة مقصودة، فهو يدل على أن المسلمين تعرضوا فعلا للظلم وعندئذ كان لا بد من رفع الظلم عنهم ولا سبيل إلى ذلك أمام طغيان أعدائهم إلا حمل السلاح لرد العدوان. وحتى وهم في حالة الدفاع عن النفس فإن القرآن الكريم يذكرهم بألا ينسوا أن القاعدة الأساسية في علاقاتهم بالآخرين هي السلام، وإذا اضطروا للحرب فيجب حصرها في نطاق دواعيها فقط، أي: لرد العدوان دون زيادة من جانبهم، أو محاولة لتوسيع نطاقها. وفي كل الحالات يجب عليهم مراعاة تقوى الله : الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [البقرة: ١٩٤] . وفوق هذا فإن الله الذي يعلم دخائل النفوس البشرية- ينبه المسلمين إلى ناحية هامة؛ وهي ناحية شعورية نفسية، فقد يضايقهم تصرف شاذ وظالم من

стр. 151

أعدائهم، وقد يحملهم هذا الشعور على التفكير في العدوان على هؤلاء الأعداء، وعندئذ يطالبهم الله تعالى بضبط النفس وكفها عن العدوان: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ [المائدة: ٢] . هل هناك ما هو أروع من هذا السلوك في تنفير المسلمين من الحرب، ودعوتهم إلى كظم غيظهم وحصر الحرب في أضيق نطاق. وحتى في حالة الحرب فإن القائد المسلم مدعو من الله إلى تفاديها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فإذا لاحت أمامه فرصة ولو ضئيلة لتحاشي الحرب، وتحقيق السلام- ولو بشيء من التضحية- فيجب عليه ألا يدع هذه الفرصة تفلت من يده. وهذا هو موقف الرسول ﷺ عام الحديبية- كما سنبين فيما بعد- يعتبر أوضح برهان على نظرة الإسلام إلى الحرب. فإذا أبدى العدو أيّ ميل إلى السلام؛ فعلى القائد المسلم أن يستجيب: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [الأنفال: ٦٢] . ومجيء هذه الآية الكريمة مباشرة بعد الآية التي تدعو المسلمين إلى الاستعداد العسكري القوي المؤثر الذي يرهب الأعداء، وهي قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال: ٦٠] ؛ يدل على أن الاستعداد العسكري لا يعني بالضرورة الحرب، بل قد تؤتي القوة ثمرتها دون أن تستخدم، أو قد يرهبها العدو ويلقي سلاحه ويجنح إلى السلام، ويكفي الله المؤمنين شر القتال. هذا هو موقف الإسلام من الحرب، فهي ضرورة ويجب أن تقف عند مقتضياتها المشروعة، ويجب أن تبتعد عن أساليب التدمير، وهذا يدعونا إلى معرفة آداب الحرب في الإسلام . * آداب الحرب في الإسلام: ما نقصده باداب الحرب في الإسلام هو: مجموعة القواعد والمبادئ والتقاليد العسكرية التي أرساها الإسلام وطبقها النبي ﷺ ، وكانت نصائحه ووصاياه دائما لقواد حملاته الحربية تدور في نطاقها، وهي تقاليد ومبادئ إنسانية في أهدافها، الغرض منها تخفيف ويلات الحرب على المقاتلين أنفسهم، فيحتم الإسلام على المسلمين الاعتناء بجرحى أعدائهم ومداواتهم وإطعامهم، ويحرم بطبيعة الحال الإجهاز عليهم أو إيذائهم بأي شكل من الأشكال. كما يطلب الإسلام من المسلمين تجنيب المدنيين شرور الحرب وأخطارها. فالإسلام مع اعترافه بالحرب

стр. 152

الدفاعية، واعتبارها حربا مشروعة. إلا أنه ميز تمييزا واضحا بين المقاتلين وغير المقاتلين. فواجب الجيش المسلم الاتجاه بقوته لتحطيم مقاومة المقاتلين فعلا في ميدان القتال. أما من لم يباشر القتال بنفسه من الأعداء فليس لنا أن نقتله أو نتعرض له. وتعاليم النبي ﷺ واضحة في هذا الشأن؛ «فالأطفال والشيوخ والنساء والمرضى والمعتوهون، بل حتى الفلاحون في حرثهم، والرهبان في معابدهم، كل أولئك معصومون بحصانة القانون من أخطار الحرب» «١» . وبلغ السموّ الإسلامي إلى درجة أن الإسلام لا يحرص على تجنيب المدنيين من الأعداء ويلات الحرب فحسب؛ بل حرص على تجنيبهم مجرد الألم النفسي. فلقد مر بلال مؤذن الرسول ﷺ بامرأتين من نساء اليهود يوم خيبر على عدد من قتلى قومهما، فتألمتا لذلك، فلما علم النبي ﷺ بما صنع بلال وبّخه على ذلك وقال له: «أنزعت منك الرحمة يا بلال حين تمر بامرأتين على قتلى رجالهما» «٢» . والإسلام لا يحرص على سلامة أرواح غير المقاتلين من الأعداء فحسب، بل يوصي المقاتلين المسلمين بعدم التعرض للأهداف المدنية، وينهاهم عن التدمير والهدم والتحريق؛ لأن الإسلام جاء ليا بني الحياة ويعمرها، ولم يجيء ليهدم ويدمر. وحتى وهو في ميدان القتال لا ينسى أبدا تلك الأهداف النبيلة، وها هي ذي وصية أبي بكر الصديق ﵁ ليزيد بن أبي سفيان، وهو متوجه إلى ميدان القتال: « ... إنك ستلقى أقواما زعموا أنهم قد فرغوا أنفسهم لله في الصوامع فذرهم وما فرغوا أنفسهم له ... ولا تقتلن مولودا، ولا امرأة، ولا شيخا كبيرا، ولا تعقرن شجرا بدا ثمره ولا تحرقن نخلا، ولا تقطعن كرما، ولا تذبحن بقرة ولا ما سوى ذلك من المواشي إلا لأكل» «٣» . ومن تعليمات النبي ﷺ المتكررة، والتي أخذت صفة التواتر لقواده العسكريين، الالتزام بالنظام وحسن السلوك، وعدم اللجوء إلى أساليب السلب والنهب- التي كانت عادة الجيوش الغازية في تلك الأزمان بل في كل زمان- وعدم التمثيل بجثث القتلى، ولقد كان النبي نفسه- ﵊ مضرب المثل في الالتزام بهذه المبادئ والآداب العسكرية، وفي المسلك الإنساني في ميادين القتال. روى

стр. 153

أبو ثعلبة الخشني ﵁ قال: إن ناسا من اليهود يوم خيبر جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ، بعد تمام العهود. فقالوا: إن حظائر لنا وقع فيها أصحابك فأخذوا منها بقلا أو ثوما، فأمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف ﵁ فنادى في الناس: إن رسول الله يقول: «لا أحلّ لكم شيئا من أموال المعاهدين إلا بحق» «١» . ولم تقف مثالية الإسلام ورسوله عند هذا الحد في آداب الحرب، بل وصلت إلى أن المسلمين كانوا إذا غنموا غنائم من الأعداء وكان فيها شيء له أهمية خاصة لهم، وطلبوه ردّه المسلمون عليهم. وقد صنع ذلك رسول الله ﷺ مع يهود خيبر، فقد كان من بين ما غنم المسلمون حين غزوا خيبر عدة صحائف من التوراة، وقد طلب اليهود من النبي أن يسلمهم إياها، فأمر ﷺ بتسليمها لهم. «ولم يصنع صنيع الرومان حين فتحوا أورشليم وأحرقوا الكتب المقدسة وداسوها بأرجلهم، ولا هو صنع صنيع النصارى في حروب اضطهاد اليهود في الأندلس حين أحرقوا كذلك صحف التوارة» «٢» . ليس هذا فحسب، بل إن الإسلام حرص على حماية أرواح الأسرى من الأعداء ولم يبح حتى استرقاقهم- خلافا لما يظن بعض الناس «٣» - وإنما أباح التشريع الإسلامي للقائد المسلم أن يتصرف في أسرى الأعداء بأحد طريقين، إما أن يمن عليهم بالحرية دون مقابل، وإما أن يقبل منهم الفدية ممثلة في مال يدفعونه أو عمل يؤدونه للمسلمين. وذلك كما صنع الرسول ﷺ مع أسرى المشركين في بدر، فمن كان له مال أخذ منه الفداء مالا، ومن لم يكن له ماله كلفه بأداء عمل مثل تعليم عدد من أولاد المسلمين القراءة والكتابة. صحيح أن الله تعالى عاتب نبيّه على فداء أسرى بدر كما جاء في سورة الأنفال في قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [الأنفال: ٦٧] ؛ لأن الموقف كان يومئذ يقتضي قتل أسرى المشركين لكسر شوكتهم، وإزاحتهم من أمام الدعوة الإسلامية. أما بعد أن

стр. 154

قوي الإسلام وأصبحت كلمة الله هي العليا، فلم يعد هناك مبرر لقتل الأسرى في الأحوال العادية. وذلك كما يفهم من آية سورة محمد وهي قوله تعالى: حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً [محمد: ٤] فبيّنت أن الإمام مخير في الأسرى بين المن عليهم بالحرية دون مقابل، وبين الفداء بعمل أو مال، أو مبادلة أسير مسلم من الأعداء، ولم تشر الآية إلى إباحة قتل الأسرى أو استرقاقهم. وبلغت رحمة المسلمين بأسرى الأعداء أنهم كانوا إذا وقعت في أيديهم أسرة بكاملها لا يفرقون بين أفرادها. بل يجمعونهم ليعيشوا معا. أين هذا السلوك الإنساني في معاملة أسرى الحرب، من المصير المؤلم الذي يلاقيه أسرى الحروب في العصر الحديث الذي يدعى أهله أنهم متحضرون؟! وأين آداب الحرب في الإسلام من هذه الأعمال الهمجية التي صاحبت الحروب الاستعمارية الأوربية؟ تلك الأعمال التي كانت تأتي على الأخضر واليابس، ولا تفرق بين هدف عسكري وآخر مدني، ولم ينج من ويلاتها شيخ كبير ولا طفل صغير ولا امرأة، ولا زالت بشائع الحرب العالمية الثانية ماثلة أمام أعيننا باثارها التدميرية، خصوصا في هيروشيما ونجازاكي. ولكن تلك حروب استعمارية دفع إليها الحقد والتنافس والصراع بين الدول الأوربية على تقسيم المستعمرات ومناطق النفوذ، والاستيلاء على المواد الخام والأسواق، وامتصاص دماء الشعوب. أما الحرب المشروعة من وجهة نظر الإسلام فهي بريئة من كل تلك الشرور؛ لأنها حرب لها هدف إنساني، فلا يمكن أن تعمل على إبادة الإنسانية؛ لأن الإسلام ضد الحرب التي تشن بهدف التوسع والاستغلال والحصول على مناطق النفوذ ... إلخ. ونختم هذا الموضوع بالآية الكريمة التالية: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣] . ومعناها واضح، وهو أن الذين يعملون من أجل الاستعلاء في الأرض ليس لهم نصيب في الآخرة. * مبادئ القانون الدولي في الإسلام: مبادئ القانون الدولي العام، هي تلك القواعد والمبادئ والتقاليد التي تنظم علاقات الدول في حالتي السلم والحرب. وتأتي تلك المبادئ إما نتيجة لمعاهدات واتفاقيات دولية، أو نتيجة عرف دولي تعارفت عليه دول العالم، أو بناء على أقوال

стр. 155

واجتهادات ونظريات فقهاء القانون الدولي في العالم. وعلماء التشريع وفقهاء القانون في الغرب يعتقدون أن مبادئ القانون الدولي العام بهذه المثابة من الأفكار الحديثة، التي ابتدعتها أوربا في العصور الأخيرة. ونحن نوافق هؤلاء العلماء على اعتقادهم هذا. «ويلوح لنا أنه غير قابل للمناقشة والجدل ما دمنا نبعد بموضوعه عن محيط التاريخ الإسلامي فالنظام الدولي في الحقيقة لم يكن معروفا خارج هذا المحيط» «١» ؛ لأن الإسلام كان سبّاقا في وضع تشريع قانون دولي عام، تقوم على أساسه علاقات الأمم والشعوب، ولم يكن الإسلام معنيّا بوضع مبادئ لقانون دولي عام من الناحية النظرية فحسب، وإنما طبق هذه المبادئ تطبيقا عمليّا، وراعاها مراعاة كاملة في علاقاته الدولية مع الأمم الآخرى. أما القانون الدولي العام الذي يفاخر به فقهاء الغرب، فإنه كان في معظم الأحيان حبرا على ورق، ولم يحقق المساواة بين الشعوب في الحقوق والواجبات؛ لأن منطلقه لم يكن أخلاقيّا من ناحية، ومن ناحية ثانية فهو تشريع وضعي ناقص لا يفي بحاجات الإنسان، ومن ناحية ثالثة فكثيرون من واضعيه من فقهاء الغرب كانت تغلب عليهم النظرة العنصرية. «ألم يقل استيورات ميل: باستحالة تطبيق القانون على الشعوب الهمجية؟ أو لم يحدّد لوريمير على وجه الأرض مناطق ثلاثا تخضع كل منها لقانون مختلف؟ فالعالم المتمدن يجب أن يتمتع في نظره بحقوق سياسية كاملة، والعالم نصف المتمدن يكفي أن يتمتع بحقوق سياسية جزئية، بينما الشعوب غير المتحضرة ليس لها إلا حقوق عرفية لا تحمل إلزاما قانونيّا، وجاء ميثاق عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى فأقر هذا التقسيم وأكسبه سلطة القانون» «٢» وجلس الحلفاء المنتصرون في هذه الحرب حول موائد المفاوضات في مؤتمرات الصلح، ليقرروا مصير العالم بعد الحرب- حسب زعمهم- ولكنهم في الواقع جلسوا ليقسموا العالم فيما بينهم إلى مناطق نفوذ، ولما كان أسلوب الاستعمار العسكري القديم لم يعد مقبولا بعد الحرب، راح الحلفاء يبتدعون فكرة جديدة لبسط نفوذهم على الشعوب الضعيفة؛ وهي فكرة الانتداب والحماية، وكان هذا خداعا دوليّا ليس له نظير، فلقد ناقض الحلفاء أنفسهم، وضربوا بشعاراتهم التي رفعوها أثناء الحرب- عن إعطاء الشعوب

стр. 156

حق تقرير مصيرها، كما جاء في مبادئ ويلسون الأربعة عشر الشهيرة- عرض الحائط، وكانت بدعة الانتداب والحماية أسوأ من الاستعمار القديم، فالشعوب التي وضعت تحت الانتداب والحماية لم تشعر أنها تخلصت من الاستعمار، بل إن بعض الشعوب ضاع استقلالها وكل حقوقها. والمثل الصارخ على ذلك هو شعب فلسطين العربي، فقد وضعت فلسطين العربية تحت الانتداب البريطاني، وكانت مهمة بريطانيا التي حددها صك الانتداب- الذي أقرته عصبة الأمم- أن تدرب شعب فلسطين العربي على شؤون الحكم والسياسة والإدارة، ثم ترد إليه بلده ليحكمها بنفسه، فماذا حدث؟ مارست بريطانيا أثناء انتدابها على فلسطين أبشع أنواع الاستعمار، ولما آن لها لترحل سلمت فلسطين لعصابات الصهاينة الذين جمعتهم من شتات الأرض. هذا هو فهم أوربا لمبادئ القانون الدولي العام. ثم دارت الأيام وأشعلت أوربا نار الحرب العالمية الثانية، وبعدها تشكلت الجمعية العامة للأمم المتحدة. فماذا صنعت وماذا أضافت من حلول لمشاكل العالم؟ «أليس روح التفريق وعدم المساواة لا يزال مسيطرا على عقول السادة الذين يتحكمون في مصير الإنسانية» «١» . إذا كانت هذه هي نظرة علماء أوربا وسياستها إلى القانون الدولي العام وحقوق الشعوب، فماذا ننتظر من شعوب أوربا نفسها؟ التي لا زالت روح الاستعلاء والغرور تسيطر على عقول أبنائها وتجعلهم ينظرون إلى الشعوب الآخرى خارج القارة الأوربية على أنها أقل منهم في كل شيء. ولذلك لا نبالغ إذا قلنا: إن كل من يريد أن يظفر بتشريع دولي ذي صبغة عالمية حقيقية وإنسانية، يصون حقوق جميع الشعوب على قدم المساواة، فلن يجد هذا التشريع خارج دائرة التشريع الإسلامي في مجال العلاقات الدولية. فالإسلام لا يعرف التفرقة بين الشعوب، فليس هناك- من وجهة نظر الإسلام- شعوب متحضرة وأخرى غير متحضرة أو ناقصة التحضر، بل جميع الناس سواسية كأسنان المشط كلهم لآدم وآدم من تراب، وأكرمهم عند الله أتقاهم: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣] . هذه هي نظرة الإسلام للأمم والشعوب، ولم يحدثنا التاريخ أن الإسلام كان يعتبر أن شعبا من الشعوب التي دخلت في حكمة محمية من المحميات، أو مستعمرة من المستعمرات، أو أن القانون الإسلامي كان يفرق بين إنسان وإنسان،

стр. 157

بل إن التاريخ يحدثنا أن الشعوب التي انضوت تحت الحكم الإسلامي نعمت بنوع من الحرية والعدل والتسامح لم تعرفه طوال تاريخها، وهذه شهادة مؤرخ أوربي لا يمكن أن يتهم بأنه متحيز للإسلام، يقول توماس آرنولد: «أما ولايات الدولة البيزنطية التي سرعان ما استولى عليها المسلمون ببسالتهم فقد وجدت أنها تنعم بحالة من التسامح لم تعرفها طوال قرون كثيرة ... فقد سمح لهم أن يؤدوا شعائر دينهم دون أن يتعرض لهم أحد» «١» . نظرة الإسلام إذن إلى العلاقات الدولية نظرة إنسانية عالمية، لحمتها المساواة وسداها السلام والعدل. ذكرنا آنفا أن من الأسس التي تقوم عليها مبادئ القانون الدولي العام؛ المعاهدات والاتفاقيات التي تحدد العلاقات بين الدول في حالتي السلم والحرب. وأهم من المعاهدات والمواثيق نفسها الوفاء بها ورعايتها، والالتزام بحدودها؛ لأن معظم الكوارث التي حلّت بالعالم لم تأت في الواقع من ناحية غياب العهود والمواثيق التي تنظم علاقات الدول، ولكن أتت من ناحية نكث ساسة الدول وزعمائها بالمعاهدات ونقضها والتنكر لها إذا تعارضت مع مصالحهم الذاتية «٢» . وهنا يبرز لنا الإسلام سامقا وشامخا في رعايته لعهوده ومواثيقه، وحرصه على الوفاء بها حرصا لم يسبق له مثيل في أي تشريع آخر، مهما كان في الوفاء بالعهد من أضرار مادية أو معنوية تعود على المسلمين؛ ذلك لأن الوفاء بالعهد والميثاق، في مجال العلاقات الدولية من وجهة نظر الإسلام ليس مبدأ أخلاقيّا فحسب، بل هو واجب ديني، أي: عبادة يتقرب بها إلى الله ، ويثاب المسلم على فعله، ويعاقب على تركه؛ فالعهد الذي يرتبط به المسلم مع غيره لا يرتبط به مع الناس فحسب، بل هو مسؤول عنه أمام الله، والله كفيل المسلم، وشهيد على عهوده ومواثيقه والتزاماته تجاه الآخرين. ولقد شدد القرآن الكريم تشديدا بالغا على مبدأ الوفاء بالعهد، وآيات القرآن الكريم التي تشير إلى ذلك أكثر من أن تحصى هنا وعند ما يقول الله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا [الإسراء: ٣٤] فهو ينبه المسلمين إلى ضرورة الوفاء بالعهد على إطلاقه أيّا كان ومع أيّ كان، وفي جميع الأحوال والظروف. فإذا ارتبط المسلم بعهد وألزم نفسه

стр. 158

به فليس له أن ينقضه بأي حال؛ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ [النحل: ٩١] . وقد عظم الله تعالى الوفاء بالعهد، وجعل المؤمنين به هم وحدهم أصحاب العقول؛ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ [الرعد: ١٩، ٢٠] . أما الذين ينقضون عهودهم ولا يحترمونها، فهم- في نظر الإسلام- منبوذون من ساحة الإنسانية: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ [الأنفال: ٥٥- ٥٦] . وليست هناك حالة تبيح للمسلم نقض العهد من طرف واحد، حتى ولو كان في الاستمرار في الوفاء به ضرر محقق يلحق المسلمين. وهل هناك ضرر أعظم من أن تتعرض فئة مسلمة لعدوان دولة أجنبية فتطلب من الدولة الإسلامية أن تعينها وتنصرها، ولكن الدولة الإسلامية لا تستطيع أن تفعل ذلك، إذا كانت قد ارتبطت مع هذه الدولة الأجنبية بعهد سابق، فنقض العهد في هذه الحالة محظور بتاتا على المسلمين، بنص القرآن الكريم: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ [الأنفال: ٧٢] . وهاك مثلا عمليّا، قد يوضح ما سبق: كان من شروط صلح الحديبية الذي تم بين النبي ﷺ وقريش أن من جاء إلى النبي من مسلمي قريش عليه أن يرده عليهم. وأثناء توقيع الصلح جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ ، يطلب حمايته من ظلم قريش، ولكن أباه- الذي كان ممثل قريش في أمر الصلح- احتج على ذلك، وقال: إن العهد تم ويجب الوفاء به، فماذا كان موقف النبي ﷺ ، وماذا قال لأبي جندل، وهو يصيح بأعلي صوته: يا معشر المسلمين أؤرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟! قال له الرسول ﷺ : «يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم» «١» . يا لله! فهل عرف تاريخ البشرية وفاء بالعهد مثل هذا الوفاء. مسلمون مستضعفون «٢» ، يتعرضون لظلم الأعداء

стр. 159

ويستغيثون برسول الإسلام نفسه، ولكنه ﷺ يعتذر لهم، لالتزامه مع الأعداء بعهد ولا يصح في دينه نقض العهد. ولم يكن حرص النبي ﷺ على وفاء المسلمين بعهودهم بأقل من حرصه على الوفاء بعهوده الشخصية وإليك الحادثة الآتية: عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: وما منعني أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل، قال: فأخذنا كفار قريش، قالوا: إنكم تريدون محمدا، فقلنا: ما نريده، ما نريد إلّا المدينة، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفنّ إلى المدينة ولا نقاتلنّ معه، فأتينا رسول الله ﷺ ، فأخبرناه الخبر. فقال: «انصرفا، نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم» «١» . «ثم يمضي الإسلام في طريقه العلوي، مع الشرف والكرامة والأخلاق، فلا يبيح الغدر حتى وهو يخشى خيانة الآخرين، فلا بد أن يعلنهم بالعداوة، ويجاهرهم بالحرب، وينبذ إليهم عهدهم في وضح النهار، ولا يبيتهم بالغدر وهم منه على أمان؛ وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ [الأنفال: ٥٨] «٢» . أما إذا التزم الأعداء بالعهد مع المسلمين فيجب على المسلمين الالتزام بالعهد وإتمامه إلى مداه: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة: ٤] . وهكذا وهكذا، صور وأمثلة كثيرة لوفاء الإسلام والمسلمين بالعهد، وفي مقدمتهم معلم الإنسانية ورسول الرحمة والسلام ﵊. * الإسلام يحترم مبعوثي الأعداء وحاملي رسائلهم: هناك ناحية أخرى مهمة، في مجال العلاقات الدولية، أولاها الإسلام عنايته، وكان للمسلمين فيها تقليد إنساني؛ تلك هي ناحية احترام المبعوثين السياسيين وحاملي رسائل الأعداء. إذ من المسلم به أن تبادل الرسل والرسائل أمر لا بد منه في أية علاقات دولية. وغني عن القول أن وجود بعثات سياسية دائمة تقيم بصفة مستمرة لكل دولة لدى الدول الآخرى أمر لم يكن معروفا في العلاقات الدولية في الزمان الذي نتحدث عنه. فذلك أمر لم تعرفه العلاقات الدولية إلا في القرون

стр. 160

الأخيرة، وعلى أكثر تقدير منذ القرن السابع عشر الميلادي. أما تبادل الرسل وحاملي الرسائل فكان يتم في الزمن الذي نتحدث عنه، بل بعده بكثير، في المناسبات، وعند ما تكون هناك ضرورة. وقد مارس النبي ﷺ ، هذا اللون من العلاقات الدولية بنوعية؛ أي: إنه ﷺ أرسل من عنده رسلا كثيرين، وفي مناسبات عديدة، إلى عدد من ملوك وأمراء العالم، كما استقبل في مسجده في المدينة، العديد من الرسل والمبعوثين وحاملي الرسائل. فكيف كان يعاملهم؟ وقائع التاريخ تدلنا على أن النبي ﷺ ، كان يعامل رسل الأعداء والأصدقاء على حد سواء معاملة واحدة، وهي الاحترام والتكريم، والذي يهمنا هنا هو معاملة النبي لرسل الأعداء بصفة خاصة؛ لأن هذا أوقع في تصوير موقف الإسلام من هذه الناحية المهمة من نواحي العلاقات الدولية. كان الرسول ﷺ يستقبل رسل الأعداء برحابة صدر، ويستمع إليهم في اهتمام، ثم يمنحهم الأمن على أرواحهم، ويعطيهم الحصانة التي تخولهم حق العودة إلى أوطانهم سالمين ومتى شاؤوا، مهما كانت خطورة الرسائل التي يحملونها. وإليك بعض الأمثلة العملية على ذلك ومنها؛ معاملة الرسول ﷺ لرسولي كسرى أبرويز الثاني ملك الفرس. فقد أرسل- بعد صلح الحديبية- عددا من الرسائل إلى ملوك ورؤساء وأمراء العالم المعاصرين، يدعوهم إلى الإسلام- كما سيرد ذكره قريبا- وكان من بين هذه الرسائل رسالة إلى كسرى، ومع أن الرسالة كانت عبارة عن دعوة سلمية للدخول في الإسلام، وفي أسلوب مهذب رفيع، خالية من العنف أو التهديد بالحرب، إلا أن كسرى عند ما قرئت عليه الرسالة استشاط غضبا، وأخذته العزة بالإثم، ومزّق الرسالة، ولم يكتف بهذا، بل أرسل إلى باذان- عامله على اليمن التي كانت تحت سلطان الفرس آنذاك- يأمره أن يرسل إلى هذا العربي- يقصد النبي ﷺ من يقبض عليه، ويحضره مقيدا في السلاسل، ليمثل أمام كسرى، ليعاقبه على جرأته في مخاطبته بهذا الشكل، إذ كيف يجرؤ ويتطاول إلى هذا المقام، ويخاطب ملك الملوك. وأذعن باذان لأوامر سيده وأرسل إلى النبي ﷺ رسولين من عنده ليبلغه بقرار كسرى الغريب الذي يدل على الغرور والغطرسة وعماء البصيرة. وحضر الرسولان وأفضيا إلى النبي ﷺ بمضمون مهمتهما. فماذا حدث؟ وماذا كان موقف النبي من مبعوثين جاآه

стр. 161

مأمورين بالقبض عليه، وأخذه بالقوة ليحاكم أمام سيدهم؟ هل اعتقلهما أو أمر بقتلهما؟ أبدا، لم يحدث شيء من هذا، وإنما رد عليهما ردّا جميلا، وفي هدوء أخبرهما أن ملكهم هذا المتجبر قد هلك، وعلى يد ابنه بالذات حيث ثار عليه وقتله، وكلفهما بأن يحملا منه رسالة إلى باذان يدعوه فيها إلى الإسلام، فإن هو قبل وأسلم، فإن النبي ﷺ سيقره على عمله كحاكم لليمن باسم الإسلام، وقد شرح الله صدر باذان للإسلام فأسلم وأصبح يحكم اليمن باسم النبي ﷺ . أرأيت كيف عامل النبي مبعوثي عدوه وعدو الله كسرى. فأعطاهما الأمان ولم يمسهما بسوء. وإليك مثلا آخر، يعتبر من أروع الأمثلة على ذلك. وهو صنيع النبي ﷺ مع مبعوثي مسيلمة الكذاب، اللذين جاآه يحملان إليه مزاعم مسيلمة بأنه أشرك معه في الرسالة. فمع خطورة القضية التي جاآه من أجلها، ومع شذوذ مطلبهما إلا أن النبي ﷺ لم يمسهما بسوء؛ لأنهما رسولان. وكان رسولا مسيلمة إلى النبي ﷺ ، هما ابن النواجة، وابن آثال، وكان معهما رسالة من مسيلمة إلى النبي ﷺ ، نصها كالآتي: «من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك. أما بعد؛ فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم لا يعدلون» «١» فلما سمع الرسول ﷺ نص الرسالة قال: «فما تقولان أنتما؟» قالا: نقول كما قال. قال النبي ﷺ : «أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» «٢» . ثم كتب إلى مسيلمة رسالة هذا نصها: «من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى. أما بعد؛ فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» «٣» هذه هي معاملة النبي ﷺ لمبعوثي الأعداء وحاملي رسائلهم؛ احترام وصيانة وأمن لأرواحهم، مهما كان من خطورة الموقف الذي يتباحثون من أجله، ومهما بدا منهم من الوقاحة والبذاءة. بل أكثر من ذلك؛ فإن الرسول ﷺ كان في كثير من الأحيان يتبسط مع الرسل والمبعوثين، ويهداهم بعض الهدايا، ويخلع عليهم بعض الخلع، وهذا من فرط سماحته وكرمه ﷺ .

стр. 162

* معاهدة الحديبية في ميزان العلاقات الدولية: تقف معاهدة الحديبية التي وقّعت بين النبي ﷺ وبين قريش، دليلا شامخا على ميل المسلمين إلى السلام، وعلى أن السلام هو الأصل في علاقات المسلمين بالآخرين. فما هي قصة هذه المعاهدة؟ منذ بدء الدعوة الإسلامية وقريش تعادي النبي ﷺ عداء سافرا ووحشيّا، استمر ما يقرب من عشرين عاما، وبعد ست سنوات من الهجرة قضاها النبي وأصحابه في جهاد مستمر، ضد المشركين من العرب تارة، وضد اليهود ومؤامراتهم وخياناتهم تارة أخرى، وفي أثناء ذلك كان الإسلام يزداد منعة وانتشارا وقوة، مما جعل النبي ﷺ يفكر أنه ربما تكون قريش قد اقتنعت بخطئها وعجزها عن مقاومة الإسلام، فقرر أن يعطيها فرصة إما لتدخل فيما دخل الناس فيه وتعتنق الإسلام، وإما أن تكف عن حربه ومقاومته وعن صد الناس عنه فأعلن ﷺ في ذي القعدة من العام السادس الهجري عن عزمه على زيارة مكة هو وأصحابه، زيارة سليمة لتأدية شعائر العمرة، وهي تجربة لقريش، فإن هي خلت بينه وبين زيارة البيت الحرام، فقد يكون ذلك مؤشرا طيبا لتراجعها، ولبداية علاقات سلمية معها، وعندئذ يمكن أن يتفرغ النبي ﷺ لتبليغ دعوته خارج شبه الجزيرة العربية. ودعا القبائل العربية المجاورة للمدينة، والتي لا تزال على شركها لتشاركه وأصحابه زيارة البيت الحرام، ليدلل أكثر وأكثر على رغبته في السلام. ومن ناحية أخرى حرص النبي على أن يأخذ معه أكبر عدد من المسلمين؛ لأن احتمال أن تضطره قريش إلى الدخول معها في معركة كان احتمالا واردا، فهو يعرف غدرها وغرورها، فخرج من المدينة ومعه نحو ألف وأربعمائة من أصحابه مقدمين الهدي أمامهم، كدليل على أنهم جاؤوا معتمرين حاجين، ولم يجيؤوا مقاتلين «١» . وما أن علمت قريش بعزم النبي ﷺ ، حتى أعلنت عن موقفها العدائي، وهو منع النبي من دخول مكة، مهما كلفها ذلك، واستنفرت جيشا كبيرا جعلت على قيادته خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل. وكان هذا موقفا ظالما مصرّا على العداء والحرب. فكيف تمنع قريش النبي ﷺ وأصحابه من زيارة البيت الحرام،

стр. 163

الذي هو مباح للعرب جميعا، ولكن النبي ﷺ كان مصرّا على تنفيذ خطة السلام التي التزمها منذ خروجه من المدينة، فقرر ألا يعطيها فرصة لاستفزازه والدخول معها في معركة ما استطاع إلى ذلك سبيلا. فما أن سمع بموقفها حتى قال: «يا ويح قريش! لقد أهلكتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإلم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة» وليتحاشى الاحتكاك بجيش قريش سلك طريقا صعبا، تجشم فيه هو وأصحابه متاعب كبيرة حتي وصلوا إلى الحديبية. وليدلل على صدق نواياه فقد أطلق سراح مجموعة من جيش قريش، وقعت أسرى في أيدي المسلمين، حينما حاولوا الإغارة على معسكر النبي. ولكن كل ذلك لم يجد أمام نزعة قريش العدوانية. حتى بعد أن عادت إليها كل وفودها التي أرسلتها إلى النبي، مؤكدة لها أنه ما جاء مقاتلا بل زائرا للبيت يسوق الهدي أمامه. ولكنها أصرت على موقفها، وعلّلت ذلك بعلة سخيفة؛ وهي خوفها من ضياع هيبتها وسمعتها أمام العرب. ولكن كل هذا لم يثن عزم النبي ﷺ عن المضي في شوط السلام إلى نهايته وعبر عن ذلك بقوله: «والله لا تدعوني قريش إلى خطة يسألون بها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها» وأرسل إلى قريش عثمان بن عفان ﵁، ليفاوضها، وطالت إقامة عثمان في مكة أكثر مما ينبغي، حتى أشيع أنه قتل، وعندئذ كان لا بد من أن يتغير الموقف، فإذا كانت قريش قد غدرت برجل مسلم مسالم في الشهر الحرام فإن النبي ﷺ لن يترك مكانه حتى يلقنهم درسا كالذي أخذوه في بدر. وكان المسلمون قد امتلأت قلوبهم غيظا من صلف قريش وغرورها. فأسرعوا إلى النبي ﷺ يبايعونه على بذل أرواحهم في سبيل الله ولإعلاء كلمته. وكان موقفهم رائعا باركته السماء وزكاه الحق ﵎ في القرآن الكريم: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً [الفتح: ١٨] والحق أن القتال كان أحب يومئذ للمسلمين لا لأنهم يهوون القتال لذاته، ولكن لرد عدوان قريش، التي لم تكتف بطردهم من ديارهم، بل وتصرّ على حرمانهم من زيارة البيت، ولكن النبي ﷺ لم يفقد الأمل في الوصول إلى خطة سلام. فما أن تبيّن أن خبر اغتيال عثمان غير صحيح، حتى عاد إلى أسلوب المفاوضات من جديد، واتصلت المباحثات بين الفريقين. وانتدبت قريش سهيل بن عمرو ليفاوض النبي باسمها، ولكن على أساس شروط

стр. 164

قاسية. ونظر النبي ﷺ ببصيرته الملهمة إلى الموقف من جميع جوانبه. ورأى أن مسؤوليته كقائد للمسلمين تفرض عليه أن يحقن دماءهم ما وجد إلى ذلك سبيلا. وعظمة هذا الموقف أنه لم يكن موقف الضعيف الذي يذعن لعدوه استسلاما لمطالبه، ولكنه كان موقف القوي الذي يبحث عن السلام. وقبل شروط قريش، ووقعت معاهدة الحديبية وكان أهم شروطها كالآتي: أولا: وضع الحرب بين الفريقين لمدة عشر سنين. ثانيا: أن يرجع النبي وأصحابه عامهم هذا دون أن يدخلوا مكة، فإذا كان العام القادم دخلوها لمدة ثلاثة أيام بدون سلاح إلا السيوف في قرابها. ثالثا: من أراد من القبائل العربية أن يدخل في حلف النبي وعهده دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في حلف قريش وعهدها دخل فيه. رابعا: من أتى النبي من قريش من غير إذن وليه رده عليهم، أما من جاء قريشا من عند النبي فلا يردونه عليه. وكان هذا الشرط الأخير أقسى ما في المعاهدة على قلوب المسلمين، واعتبروه مذلة لهم، حتى أن بعضهم- مثل عمر الخطاب ﵁ لم يستطع أن يكتم معارضته. ولكن النبي ﷺ هدّأهم، وأظهر من الصبر وسعة الأفق ما لم يسبق له مثيل أمام غرور ممثل قريش، الذي أصر على حذف «بسم الله الرحمن الرحيم» من صدر المعاهدة، وعلى أن يكتب اسم النبي مجردا من صفة النبوة، وقبل النبي ﷺ كل ذلك، وهي تضحيات جسيمة. ولكن تحقيق السلام يستحق التضحيات الجسام. ولقد أظهرت الظروف فيما بعد أن كل الذي تألم له المسلمون كان في مصلحتهم وكانت المكاسب التي حصل عليها الإسلام نتيجة صلح الحديبية أروع من أية مكاسب تأتي نتيجة أية معركة عسكرية. وذلك بفضل بعد نظر القائد العظيم- ﵊ ولقد كانت الحديبية بداية الفتح الأعظم ونزلت بعدها سورة الفتح تبشر المسلمين بالفتح المبين، ولم يكد يمضي عامان على صلح الحديبية، حتى تضاعف عدد المسلمين عدة مرات. فعدد المسلمين الذين شهدوا الحديبية كان ألفا وأربعمائة، أما الذين ساروا خلف النبي لفتح مكة (سنة ٨ هـ) فكانوا عشرة آلاف مسلم كما أن الإسلام خلال هذين العامين استطاع أن يخرج إلى النطاق العالمي.

стр. 165

وانقلبت مكاسب قريش- أو التي ظنتها مكاسب- خسارة كبرى عليها ومكسبا رائعا للإسلام. وبصفة خاصة الشرط الأخير من شروط المعاهدة الذي اعتبرته قريش مكسبا ضخما، ولكنها هي نفسها التي طلبت من النبي تنازلها عن هذا الشرط. فقد جاء أحد مسلمي مكة وهو أبو بصير إلى النبي بعد الحديبية، وطلبت قريش- رده إليها طبقا لشروط المعاهدة، فرده إليهم صاحب الوفاء النادر بالعهد. وقال لأبي بصير: «اصبر واحتسب، وسوف يجعل الله لك ولمن معك فرجا ومخرجا» ولكن أبا بصير استطاع الإفلات من مندوبي قريش، ولجأ إلى ساحل البحر الأحمر، والتف حوله نحو سبعين من مسلمي مكة الفارّين من ظلم قريش. وصمموا على الانتقام من قريش، وقطعوا عليها طريق تجارتها إلى الشام، مما جعلها تتوسل إلى النبي ﷺ أن يضم هؤلاء المسلمين إليه، وأنها تنازلت عن الشرط الخاص بهم في المعاهدة. هذه هي معاهدة الحديبية، ألست معي في أنها دليل قاطع على أن السلم هو هدف المسلمين الأسمى، وأنه أصل العلاقات الدولية في دولة الإسلام؟ * الإسلام والعالم: عرفنا فيما سبق أن الإسلام دين عالمي، وعرفنا معنى هذه العالمية، وعرفنا أن رسول الإسلام ﷺ مكلف بتبليغ رسالته إلى الناس كافة. وعرفنا ما هو الأسلوب الذي حدّده القرآن الكريم للنبي في مجال الدعوة إلى دينه في الأحوال الطبيعية ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل: ١٢٥] . وكان النبي ﷺ ينتظر الفرصة المواتية ليخرج بالدعوة الإسلامية من نطاق الجزيرة العربية إلى النطاق العالمي. وقد جاءت هذه الفرصة بعد صلح الحديبية- الآنف ذكره- فنتيجة لهذا الصلح، أصبح النبي ﷺ آمنا من ناحية قريش، أقوى أعدائه، كما أنه تخلص من خطر اليهود ومكرهم وكيدهم، بفتح خيبر. وعلى الجملة؛ فمع بداية العام السابع الهجري ساد شبه الجزيرة العربية جو من الهدوء النسبي مكن النبي ﷺ من توجيه دعوته الخالدة إلى أكبر عدد ممكن من ملوك وزعماء العالم المعاصرين. فأعد عددا من جلة صحابته- رضوان الله عليهم- وحملهم رسائل إلى هرقل- عاهل الروم- وكسرى- عاهل الفرس- والنجاشي- عاهل الحبشة- والمقوقس- حاكم مصر- كما أرسل إلى عدد من أمراء العرب في شبه الجزيرة العربية، مثل أمراء البحرين وعمان واليمن، بالإضافة إلى أمراء الغساسنة

стр. 166

بالشام «١» . ولا نستطيع في هذا البحث أن نناقش كل رسالة على حدة- بطبيعة الحال- ويكفي أن نلقي الضوء على بعض رسائل النبي ﷺ إلى الملوك خارج شبه الجزيرة العربية. فهذه الرسائل تعتبر نقطة تحول كبيرة في تاريخ ومستقبل الإسلام، ونقطة البداية في علاقات الإسلام بالعالم، وعلى أساس هذه الرسائل، وعلى ضوء ردود الفعل عنها عند من أرسلت إليهم من الملوك، تشكلت علاقات المسلمين الدولية مع الأمم الآخرى. وسوف نكتفي هنا- لضيق المكان- بذكر واحدة من هذه الرسائل، كأنموذج لها جميعا. وهي كافية لإلقاء الضوء على موضوعنا الأساسي في هذا البحث، وهو علاقات المسلمين الدولية، وسنعرف من خلال ملابسات الرسالة ونتائجها أن السلام كان هو أصل العلاقات الدولية في الإسلام. ونلفت النظر إلى أن الرسائل كلها متشابهة تقريبا في صياغتها ومضمونها والرسالة التي نقدمها هنا هي رسالة النبي ﷺ إلى هرقل- إمبراطور الروم- ونصها كما جاء في أوثق المصادر الإسلامية كالآتي: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد؛ فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيّين «٢» . قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «٣» . هذا هو نص رسالة النبي ﷺ إلى هرقل. وهي كما ترى دعوة سلمية إلى الإسلام من رسول الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة ولم يرد في الرسالة أي تهديد بالحرب أو استخدام القوة لإجبار الآخرين على اعتناق الإسلام، لا تصريحا ولا تلميحا؛ بل بدأت الرسالة بالسلام، ومن منطلق السلام الذي هو القاعدة الأساسية لعلاقات الإسلام بالأمم الآخرى. إلا إذا رفض الطرف الآخر السلام، وأصر على موقف عدائي. فعندئذ يصبح للإسلام موقف آخر يتناسب مع مواقف الآخرين. فماذا كان رد هرقل وغيره على رسائل النبي ﷺ ؟ وما هي النتائج التي ترتبت على هذه الردود؟

стр. 167

بالنسبة لهرقل؛ تفيد مصادرنا الإسلامية أنه رد على الرسالة ردّا جميلا «١» . بل وتذهب بعض المصادر إلى أنه مال إلى الإسلام، إلا أن الروم لم يطاوعوه على ذلك، مما جعله يعتذر للنبي ﷺ عن عدم قبول الإسلام، بسبب موقف رجال الدين المسيحي، أما غالبية مصادرنا الإسلامية فلا تشير مطلقا إلى رد هرقل. وتطور العلاقات بين المسلمين والروم في آخر حياة النبي ﷺ ، وفي عهد الخلفاء الراشدين يجعلنا نميل إلى ما أخذت به غالبية المصادر، وهو عدم ورود ردّ من هرقل إلى النبي. فهرقل عند ما وصلته رسالة النبي كان عائدا لتوّه من حربه مع الفرس تلك الحرب التي انتصر فيها عليهم انتصارا ساحقا، ويبدو أنه كان عائدا معتدّا بنفسه وبما حققه من إعادة الصليب الأكبر إلى بيت المقدس، ومن رده الاعتبار إلى بيزنطة التي كان الفرس قد مرغوا أنفها في التراب، يبدو أن هرقل كان مزهوّا بهذا كله. فلما جاءته رسالة النبي ﷺ وكان بالشام وقتها كما تذكر بعض المصادر- وهو على هذه الحالة لم يهتم بها ولم يرد عليها. ودلّت تصرفاته وسلوكه في الفترة التالية لوصول الرسالة على أنه في البداية- ربما- لم يقدر خطورة الرسالة ولا صاحبها ولا الدعوة التي دعاه إليها. فلما تنبه إلى خطورة الموقف، وأدرك أن الإسلام قد أصبح قوة ضخمة، وتصور أنه أصبح خطرا على ملكه، وأراد أن يقاومه كان الوقت متأخرا جدّا. فلم يعد في مقدور أحد- كائنا من كان- أن ينال من الإسلام أو يوقف زحفه. والسؤال هنا هو: إذا كانت رسالة النبي ﷺ إلى هرقل سلمية، وخالية من التهديد بالحرب، لا حالا ولا مستقبلا؛ حيث لم يقل النبي ﷺ لهرقل: إذا لم تسلم أقاتلك أو سأقاتلك- إذا كان الأمر كذلك فمن المسؤول إذن عن الحروب التي نشبت بين المسلمين والروم سواء في حياة الرسول أو بعد وفاته؟ المسؤولية هنا- وبدون تعصب أو تحيز- تقع كاملة على هرقل والروم معه؛ فهم الذين بدؤوا بالعدوان ضد المسلمين؛ إليك الوقائع الآتية: في العام الثامن للهجرة أرسل النبي ﷺ ، سرية مؤتة- الشهيرة- والتي كانت مكونة من ثلاثة آلاف جندي مسلم- لتأديب القبائل العربية القاطنة في مناطق التخوم بين بلاد العرب والشام، على جرائم وحماقات ارتكبوها في حق المسلمين،

стр. 168

ولم يكن ممكنا السكوت عليها، بل كان لا بد من إشعارهم بهيبة الإسلام وأنه لا يستباح حماه. فقد قتل في هذه المناطق خمسة عشر رجلا من الصحابة كانوا يدعون إلى الإسلام، كما قتل الحارث بن عمير، مبعوث النبي ﷺ إلى أمير بصرى الخاضع لسلطان الروم، وكانت هذه كلها جرائم خطيرة استوجبت العقاب «١» . مما جعل النبي يجهز سرية مؤتة لتحقيق هذا الهدف، فماذا حدث؟ لقد توجهت الحملة إلى وجهتها، لأداء مهمتها المحدودة، وعلى رأسها قواد ثلاثة عقد لهم النبي بالتتابع، وهم زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن راوحة. وما أن وصلت السريّة إلى مناطق الحدود- وفي حسبانها أنها ستواجه بعض القبائل العربية- حتي وجدت أن هرقل قد حشد لها عشرات الألوف من جند الروم. وفوجئ قواد الحملة المسلمون بهذا الموقف الذي لم يكن في الحسبان، وعقدوا مجلسا حربيّا لتدارس الموقف على ضوء هذا الواقع، وبرزت عدة اقتراحات؛ منها أن يعودوا إلى المدينة ليخبروا النبي ﷺ ليقرر ما يراه ومنها أن يعسكروا في موقعهم، ويطلبوا من الرسول مددا. وأخيرا تحدث أحد قواد الحملة وهو عبد الله بن رواحة، فقال: «يا قوم؛ نحن لا نقاتل بقوة ولا بكثرة، ولكن بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، وما نريد إلا إحدى الحسنيين، الظهور أو الشهادة» سرت كلمات ابن رواحة في نفوس المسلمين وارتفعت روحهم المعنوية وصمموا على القتال. ودارت المعركة- قرب مؤتة- بين الثلاثة آلاف مسلم وبين قوات الروم الضخمة ومن يدور في فلكها من القبائل العربية، وبطبيعة الحال لم تكن القوتان متكافئتين، وكانت معركة ضارية استشهد فيها عدد من جند الله وقوادهم الثلاثة. وهنا كان من الضروري تغيير خطة المسلمين لمواجهة هذا الموقف الخطير. وتسلم القيادة عبقري الحرب- سيف الله- خالد بن الوليد، الذي قدر الموقف العسكري تقديرا دقيقا يدل على بعد نظره العسكري واعتقد أن واجبه كقائد للمسلمين يحتم عليه أن يضع خطة للانسحاب، وقد نجح ابن الوليد نجاحا باهرا في إنقاذ من بقي من جيش المسلمين وهذا الموضوع وحده يحتاج إلى بحث خاص، والمهم هنا هو العبرة والدرس الذي استفاده المسلمون من موقعة مؤتة، فأكثر ما كان يتميز به أسلافنا العظام أنهم كانوا يستفيدون من كل موقف، ولا يتركون حادثة تمر دون أن يكون لهم عندها وقفة

стр. 169

طويلة يتأملون فيها سير الأحداث ونتائجها، يضعون خططهم مستقبلا على ضوء ذلك كله- ليتنا نقرأ تاريخهم جيدا ونتعلم منهم- كان الدرس الذي خرج به المسلمون من مؤتة هو أن الروم هم عدوهم الرئيسي في هذه الجهات. وأنهم قد أعلنوا عليهم الحرب، ولن يتركوهم يدعون إلى دينهم في سلام وأمان وحرية، بل ربما يهاجمون الإسلام في بلاد العرب نفسها. هذه واحدة. ثم ماذا بعد؟ مضى العام الثامن للهجرة، وضمّد المسلمون جراحهم، وقدر النبي ﷺ ظروفهم فواساهم وعزّاهم ورفع روحهم المعنوية وطمأنهم وبشرهم. وجاء العام التاسع للهجرة، وعندئذ تجمعت لدى النبي ﷺ أخبار أن الروم- لم يكتفوا بما حدث في مؤتة- قد حشدوا قواتهم على الحدود الشمالية لمهاجمة المسلمين في عقر دارهم، وكان الوقت عسيرا وقاسيا، ولكن الموقف خطير للغاية ولا يحتمل الأنتظار، وعلى الفور وبمسؤولية القائد العظيم استطاع النبي ﷺ أن يجمع ثلاثين ألفا من المسلمين، وكان هذا أكبر جيش يقوده النبي في حياته، وقد سمي جيش العسرة؛ لأن الوقت كان عصيبا حقّا، ولكن مهما تكن الصعوبات، فإذا كان الروم قد غرهم غرورهم وينوون فعلا استباحة حمى الإسلام، فإن الرسول ﷺ لا بد أن يلقنهم درسا لن ينسوه أبدا وسينسيهم وساوس الشيطان. وصلت جحافل المسلمين بقيادة الرسول ﷺ إلى تبوك «١» . وأخذ القائد العظيم يرتب قواته، ويدرس الموقف، ويبث عيونه ليأتوه بالأخبار حتى تكون كل خطواته مدروسة بعناية تامة، وتجمعت لديه معلومات بأن جيش الروم قد انسحب من الميدان، لتخوفه من نتائج الصدام العسكري مع المسلمين. فماذا كان موقف النبي ﷺ من هذا الجيش المنسحب الفار من الميدان؟ هذا الجيش الذي حارب المسلمين بضراوة قبل عام واحد في مؤتة، وكاد يستأصلهم لولا عناية الله، الذي ألهم خالد بن الوليد بوضع خطة لانسحابهم إلى المدينة، لو أن أي قائد آخر كان في موقف النبي ﷺ ماذا كان سيصنع. لا بد أنه كان سينتهز هذه الفرصة ويلاحق جيش عدوه المنسحب ويقضي عليه. ولكن النبي ﷺ لم يفعل هذا. ومرة أخرى يقدم لنا الدليل تلو الدليل على أن الإسلام دين السلام، وليس دين حرب وسفك دماء- كما يدعي أعداء الإسلام- إذ لو كان الإسلام دين حرب، ولو كان رسول الإسلام متعطشا للدماء، ولو كان

стр. 170

من منهجه أن يحمل الناس على اعتناق دينه بالقوة؛ لما كان أسهل عليه من هذا الموقف بالذات؛ لأن الجيش الفار من الميدان- وهو جيش هرقل- لن يصمد طويلا أمام جيش المسلمين، بل إن هزيمته ستكون محققة. ولكن الرسول ﷺ اعتبر انسحاب جيوش الروم من ميدان المعركة كافيا كدليل على ميلهم إلى السلام- وإن كان انسحابهم خوفا من الهزيمة- لذلك لم يلاحقهم، ولم يرم إلى القضاء عليهم؛ لأن هذا ليس هدفه. أليس هذا دليلا كافيا على أن أصل العلاقات الدولية في الإسلام هو السلام؟!. وإليك دليلا آخر على أنه ليس من أهداف الإسلام إجبار الآخرين على اعتناقه بالقوة؛ فبعد أن علم الرسول بانسحاب الروم إلى داخل الشام، وقرر عدم ملاحقتهم، عسكر في منطقة تبوك عدة أيام عقد خلالها عدة معاهدات، مع عدد من أمراء المنطقة، ورؤساء المجموعات الصغيرة فيها، الذين لم يبدؤوا المسلمين بالعداء، أمنهم هم وأتباعهم على عقائدهم وأرواحهم وأموالهم. وهاك نموذجا على ذلك وهو عهد الأمان الذي أعطاه النبي ﷺ ليحنّة بن رؤبة صاحب أيلة، نصه كالآتي: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذه أمنة من الله، ومحمد رسول الله، ليحنة ابن رؤبة، وأهل أيلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة محمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام، أهل اليمن، وأهل البحر؛ فمن أحدث منهم حدثا، فإنه لا يحول ماله دون نفسه وإنه طيب لمن أخذه من الناس وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر» «١» قل لي بربك: هل الذي يصنع هذا الصنيع، مع هذه المجموعات الصغيرة الضعيفة، ويعطيها الأمان والحرية، ويبسط عليها حمايته؛ يقال عنه: إنه متعطش للدماء؟! وهل كان صعبا على النبي وهو يقود هذا الجيش الضخم، والذي خرج ليواجه به أكبر جيوش العالم وقتئذ- وهو جيش الروم- الذي انسحب من الميدان جبنا وهلعا، هل كان صعبا عليه أن يجبر يحنّة وأهل أيلة وأمثالهم على اعتناق الإسلام، لو كان ذلك هدفه؟! وهل كان في مقدورهم أن يقاوموا أو يمتنعوا؟ لكنها دعاوى الزور والبهتان من أعداء الإسلام الذين لا يبرحون أن يرددوا تلك التفاهات، ويدعون أن الإسلام دين حرب انتشر بالسيف. فالنبي ﷺ لم يقاتل أهل أيلة، ولم يهددهم أو يرهبهم، بل أمنهم على

стр. 171

عقائدهم وأرواحهم وممتلكاتهم، وأكثر من ذلك تبسط في معاملة صاحب أيلة وأهداه «رداء من نسج اليمن، وأحاطه بكل صنوف الرعاية» «١» . بعد أن رتب النبي ﷺ أوضاع منطقة الحدود الشمالية الغربية لشبه الجزيرة العربية في ضوء تحركات الروم وسياستهم، عاد إلى المدينة بجيشه العظيم. ولم تمر حوداث تبوك بدون فائدة، ولكن استخلص المسلمون منها دروسا مفيدة، أفادتهم كثيرا في مستقبلهم، وفتحت عيونهم أكثر وأكثر على مكامن الخطر الذي ينتظرهم في مسيرتهم المقدسة. وتيقنوا أن الروم على حدودهم الشمالية هم أخطر أعدائهم وأعداء دينهم. فلا بد من الاستعداد لمواجهة الموقف واحتمالاته. وصدقت توقعات المسلمين. حين أخذت علاقاتهم مع الروم- الذين أعلنوها حربا سافرة على الإسلام والمسلمين- تتطور على طريق المواجهة العسكرية، حتى وضع الخلفاء الراشدون حدّا لغرور الروم وصلفهم، وأنزلوا هذا الجالس على عرش بيزنطة من عليائه، وطردوه من الشام إلى غير رجعة. فغادرها وقلبه يقطر دما، ولسانه يقول: «سلاما عليك يا سوريا سلاما لا لقاء بعده ونعم البلد أنت للعدو» هذا عن العلاقات بين المسلمين والروم. أيلام المسلمون أن حملوا السلاح دفاعا عن أنفسهم أمام عدوان الروم؟!. فماذا عن العلاقات بين المسلمين والدولة الكبرى الآخرى في عالم يومئذ؛ وهي الإمبراطورية الفارسية؟ الواقع أن كسرى فارس كان أكثر غرورا وغطرسة من هرقل. فعندما وصلته رسالة النبي ﷺ ؛ استشاط غضبا ومزق الرسالة، بل أكثر من ذلك طلب أن يقبضوا له على النبي ليحاكمه- وقد سبقت الإشارة إلى تلك الحادثة- ولما علم النبي بذلك الموقف المغرور من كسرى دعا عليه قائلا: «مزق الله ملكه» وقد استجاب الله دعاء رسوله، فقد قامت ثورة ضد كسرى، والمدهش أن ابنه هو الذي ثار عليه وقتله، ولكن موقف الفرس لم يتغير تجاه الإسلام نتيجة موت كسرى أبرويز الثاني الذي كان موقفه بمثابة إعلان الحرب على الإسلام. وكما أخذ الروم موقف العداء من المسلمين، وحشدوا قواتهم على الحدود لتهديد المسلمين، وحرضوا القبائل العربية المنضوية تحت نفوذهم ضد المسلمين، فقد أخذ الفرس الموقف على الحدود الشرقية، وظهر ذلك واضحا في أثناء حروب الردة في خلافة أبي بكر ﵁. وكما تطورت العلاقات مع الروم، تطورت كذلك مع الفرس على

стр. 172

طريق المواجهة، إلى أن وضع الخلفاء الراشدون حدّا لغطرسة أكاسرة الفرس، وأزالوا سلطانهم من الوجود. ورفعوا راية الإسلام على كل بلاد فارس، وخلصوا البلاد والعباد من ظلم الأكاسرة، وجعلوا شعوب المنطقة تنعم بالحرية والعدل والمساواة في ظل الإسلام ولأول مرة في تاريخها. مرة أخرى: هل يلام المسلمون إذا حملوا السلاح للدفاع عن حرية نشر عقيدتهم وعن أنفسهم وأرضهم أمام عدوان الفرس؟ ولم يكن المسلمون راغبين في حرب الفرس ولكنهم أجبروا على ذلك. ولقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قوله: «وددت لو أن بيننا وبين الفرس جبلا من نار لا يصلون إلينا ولا نصل إليهم» . وبعد؛ فإذا كان هناك من لا يزال يتشكك في أن الفرس والروم هم الذين أجبروا المسلمين على اللجوء إلى القوة لحسم الموقف؛ فإننا نسأله هذا السؤال: لماذا لم يحارب المسلمون الحبشة كما حاربوا الروم والفرس، مع أن إمبراطور الحبشة تلقى رسالة من النبي مماثلة للرسائل التي أرسلت إلى هرقل وكسرى. فلو كان المسلمون يهدفون إلى إدخال الناس في دينهم بالقوة، لكان حرب الحبشة أسهل عليهم بكثير من حرب الفرس والروم؛ لأن الحبشة لم تكن لديها قوة الفرس والروم. وعبور قوات من بلاد العرب إلى الحبشة لم يكن صعبا، فقد سبق للأحباش أنفسهم أن عبروا البحر بقواتهم وغزو اليمن، بل وصلت قواتهم إلى مشارف مكة نفسها في عام الفيل المشهور الذي ولد فيه النبي ﷺ ، كما أنّ المسلمين عبروا البحر إلى الحبشة مرتين في هجرتهم إليها قبل الهجرة إلى المدينة. نجيب نحن على السؤال المتقدم، فنقول: إن المسلمين لم يحاربوا الحبشة؛ لأن الحبشة لم تعلن عليهم الحرب، ولم تعتد عليهم أو تبدأهم بعدوان. بل بالعكس كان للحبشة وملكها موقف إنساني عظيم من المسلمين عندما هاجروا إليها بناء على تعليمات النبي ﷺ . وقد مدح النبي الحبشة وسماها بلاد صدق. ومدح ملكها وقال عنه: «إنه ملك عادل لا يظلم أحد عنده» وقد كان ملك الحبشة عند حسن ظن النبي به، فقد آوى المسلمين وأكرمهم، وظلوا في كنفه خمسة عشر عاما. وفوق ذلك فإن النجاشي رد على رسالة النبي إليه ردّا غاية في الأدب والتواضع لدرجة أن ذهب بعض المؤرخين المسلمين إلى أنه أسلم. ولكن حتى بصرف النظر عن قصة إسلامه. فقد كان موقفه وموقف بلاده من المسلمين وديّا، وحفظ المسلمون لهم جميلهم، وحافظوا على علاقات حسن الجوار معهم. ويروى أن

стр. 173

الرسول أوصى المسلمين بذلك وأنه قال: «اتركوا الأحباش ما تركوكم» «١» وهكذا لم يبدأ المسلمون الحبشة بالعداء ولم يغزوها، لأنها لم تعتد عليهم.

стр. 174

* خاتمة البحث: الموضوع الرئيسي الذي حاولنا معالجته في هذا البحث؛ هو العلاقات الدولية لدولة الإسلام في عهد النبي ﷺ . وقد رأينا أن تلك العلاقات كانت تقوم على أساس السلام مع الآخرين، كما تؤيد ذلك كل الأدلة والنصوص الموثوق بها، كما تؤيده وقائع التاريخ التي استشهدنا بها كثيرا في ثنايا البحث. وظهر لنا أن الإسلام لم يعمد إلى الحرب ليجبر الناس على اعتناقه، ولم يبدأ أحدا بعدوان قط. وعندما أباح الإسلام الحرب، أباحها للدفاع عن النفس، أو عن حرية نشر العقيدة، أو الدفاع عن المظلومين في الأرض. وحصر الإسلام الحرب في نطاق هذه الضرورات وحدها، ونفر من التوسع فيها؛ لأن الحرب ليست هدفا وإنما هي وسيلة لتحقيق هدف وهو إقامة السلام على الأرض، وتحقيق المساواة الكاملة بين بني البشر، ولتكون كلمة الله هي العليا، وشريعته هي الغالبة، وإذا سادت شريعة الله وحكمت تصرفات البشر، وقبلوها راضين، فلن يكون هناك مبرر للحرب على الإطلاق من وجهة نظر الإسلام. وبرغم وضوح الأدلة على أن السلام هو الأصل في العلاقات الدولية في الإسلام، وأن الحرب كانت استثناء دعت إليه الضرورة. إلا أن أعداء الإسلام والحاقدين عليه من المستشرقين وغيرهم، ما برحوا يروجون لفكرة سيطرت على عقولهم نتيجة لجهلهم لطبيعة الإسلام، ولمعنى كلمة الجهاد في الإسلام من ناحية ولتعصبهم ضد الإسلام كدين وحضارة من ناحية ثانية. هذه الفكرة هي أن الإسلام انتشر بالسيف، وأنه دين دموي، وأنه يدعو أتباعه دائما إلى حمل السلاح لإجبار الناس جميعا على اعتناقه بالقوة. وهذا هو نص كلام واحد من المستشرقين الذين يذهبون إلى هذا الرأي الخبيث؛ يقول كارل بروكلمان: «يتحتم على المسلم أن يعلن غير المسلمين بالعداوة حيث وجدهم؛ لأن محاربة غير المسلمين واجب ديني» «١» . ولا ندري من أين جاء بروكلمان بهذه الحتمية، ونصوص القرآن الكريم واضحة أمامنا في النهي عن عدم الإكراه في الدين- كما قدمنا- ولا يكون القتال واجبا دينيّا على المسلم، إلا في حالة الدفاع عن النفس أو حرية العقيدة أو عن المظلومين في الأرض. أما من لم يبدأ المسلمين بعداء فليسوا

стр. 175

مطالبين بقتاله، بل بالعكس مطالبون بالكف عنه؛ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [النساء: ٩٠] . ولكنه التعصب المقيت ضد الإسلام الذي دأب عليه المستشرقون، بقصد تشويه الإسلام، وتصويره بأنه دين يدعو إلى سفك الدماء. وهؤلاء المستشرقون لم يفهموا ظاهرة انتشار الإسلام على حقيقتها، ولم يفهموا أسبابها؛ التي من أولها وأهمها بساطة الإسلام نفسه وملاءمته لفطرة الإنسان. في كل زمان ومكان، ولما لم يفهموا ذلك، وأفزعهم الانتشار الهائل والسريع للإسلام في أرجاء العالم، راحوا يروجون أنه انتشر بالسيف، وليس أبعد عن الحقيقة والواقع من هذه الفكرة. فالإسلام- كما تدل وقائع التاريخ- كان ينتشر ويتضاعف معتنقوه أوقات السلم أكثر وأسرع مما كان ينتشر في أوقات الحرب. فمن المعروف تاريخيّا أن عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز (٩٩- ١٠١ هـ) كان عهد سلام؛ إذ توقفت فيه الحروب تقريبا وبأمر الخليفة نفسه، وكان من أول قراراته التي أصدرها قراره بفك الحصار الذي كان المسلمون قد ضربوه على مدينة القسطنطينية وأن يعود الجيش الإسلامي إلى الديار الإسلامية «١» . وكان عهده عهد حل كل المشكلات سواء الداخلية أو الخارجية بطريق سلمي. ومع ذلك فقد شهد هذا العهد القصير إقبالا على الإسلام بصورة لم يسبق لها مثيل «٢» ، واعتنقه الناس لبساطته وسمو مبادئه، خصوصا من أهل الكتاب، لدرجة أن بعض الولاة اشتكى للخليفة من أن إقبال الناس على اعتناق الإسلام قد أضر ببيت المال، لرفع الجزية عمن أسلموا. وطلب بعض الولاة من الخليفة أن تبقى الجزية مفروضة عليهم بعد إسلامهم. لكن الخليفة الصالح الذي كان يفهم روح الإسلام قال صائحا: قبح الله رأيكم، إن الله أرسل محمدا ﷺ هاديا ولم يبعثه جابيا. ثم ليخبرنا هؤلاء المستشرقون أي جيش إسلامي ذهب إلى جنوب شرقي آسيا لينشر الإسلام هناك؟ وكيف أصبحت أمة كأندونيسيا- التي يزيد عددها الآن عن عدد الأمة العربية تقريبا- مسلمة؟ إن الإسلام بدأ يدخل إلى أندونيسيا وغيرها من بلاد جنوب شرقي آسيا منذ القرن الثاني عشر الميلادي، أي في وقت كانت فيه القوة العسكرية الإسلامية قد زالت أو ضعفت ولم يصبح لها أي تأثير، وكان وصول الإسلام إلى هذه البلاد النائية عن طريق التجار الذين كانوا يتنقلون بين الموانئ

стр. 176

العربية وموانئ هذه البلاد كما يشهد بذلك بعض المؤرخين الأوربيين أنفسهم «١» . ثم ليخبرنا بروكلمان وأمثاله كيف وصل الإسلام إلى أفريقيا، حيث توجد دول أفريقية بكاملها أو بغالبية سكانها على الأقل مسلمة الآن مثل نيجيريا والسنغال وغيرها. ولندع باحثا أوربيّا آخر ليقول لنا: كيف وصل الإسلام إلى أفريقيا. يقول سبنسر ترمنجهام: «وأما في غرب أفريقيا فإن انتشار الإسلام يرجع في المقام الأول إلى التجارة والدعوة له بواسطة التجار الأفارقة» «٢» . هل تبقى بعد ذلك للتهم التي يزعمها ويلصقها بالإسلام أعداؤه أية قيمة؟ أما آن للباحثين الغربيين أن يكفوا عن مهاجمة الإسلام، وأن يحترموا عقولهم بل وأن يحترموا عقول قرائهم في هذا العصر الذي يزعمون أنه عصر حرية الفكر. أغلب الظن أن أغلب المستشرقين لم يستطيعوا التحرر من التعصب ضد الإسلام. وجريا على قاعدة أن لكل قاعدة شواذ، فلم نعدم بعض المنصفين من الغربيين الذين فاهوا بالحقيقة وأعلنوها. ونختم هذه الخاتمة بكلمة لواحد من هؤلاء الغربيين المنصفين. وهي كلمة لها قيمتها في هذا المجال؛ لأنها صادرة عن باحث لا يمكن أن يكون متحيزا للإسلام أو متحمسا لترويج مبادئه والدعوة له. ولكنها الحقيقة ظهرت له ناصعة، فأجبرته على أن يعلنها. يقول توماس آرنولد: «وإذا نظرنا إلى التسامح الذي امتد على هذا النحو إلى رعايا المسلمين من المسيحيين في صدر الحكم الإسلامي ظهر أن الفكرة التي شاعت بأن السيف كان العامل في تحويل الناس إلى الإسلام بعيدة عن التصديق» «٣» . وإذا كنا استشهدنا أكثر من مرة بكلام آرنولد وغيره من الغربيين المنصفين فليس ذلك لأن الأدلة في تراثنا قليلة أو غير كافية على صدق رأينا؛ ولكن لئلا ننسى من يقول كلمة حق في حقنا، وليعرفوا أننا لسنا متعصبين مثلهم؛ لأن ديننا هو دين التسامح وعرفان الجميل. وبعد؛ فهذه لمحة عن دولة الإسلام وعلاقاتها الدولية في عهد النبي ﷺ . أرجو أن أكون قد وفقت في عرضها. فإن صح هذا فالحمد لله أولا وأخيرا، وإن تكن

стр. 177

الآخرى فبحسب الإنسان أن يحاول وأن يجتهد وعلى الله التوفيق وبه المعونة، والكمال لله وحده. هذا ولا يزال الموضوع محتاجا إلى أبحاث كثيرة تستقصي جوانبه المتعددة، ندعو الله تعالى أن يوفق أهل العلم للقيام بها، وعلى الله قصد السبيل.

стр. 178

بحوث في السّيرة النّبويّة والتّاريخ الإسلاميّ قراءة ورؤية جديدة [البحث السابع] قراءة تاريخية جديدة في موقف عمر بن الخطاب ﵁ من الفتوحات الإسلامية

стр. 179

قراءة تاريخية جديدة لموقف عمر بن الخطاب ﵁ من الفتوحات الإسلامية في شهر نوفمبر (١٩٩٣ م) عقد اتحاد المؤرخين العرب ندوة في مقره بمدينة نصر عن الحضارة الإسلامية وعالم البحار، وفي أثناء إلقاء البحوث والمناقشات تطرق الحديث إلى إنشاء الأسطول الحربي الإسلامي، ومعارضة عمر بن الخطاب في البداية بشدة لهذا الموضوع، عند ما عرض عليه والي الشام- معاوية بن أبي سفيان- الأمر طالبا الإذن منه في إنشاء قوة بحرية إسلامية تدافع عن سواحل المسلمين في الشام ومصر ضد هجمات الأسطول البيزنطي، خاصة من قاعدته القريبة من شواطئ الشام في جزيرة قبرص التي قال عنها معاوية: إن الناس في حمص يسمعون نباح كلابها وصياح دجاجها «١» . وجاء رفض الخليفة عمر بدافع حرصه على سلامة المسلمين وعدم الزج بهم في ميدان خطر كهذا قبل أن يستعدوا له تمام الاستعداد؛ إذ كانت له تجربتان سابقتان في التعامل مع البحر، كلاهما لم تنجح وسنعود إلى الحديث عنهما قريبا. ولكن الذي نريد أن نوضحه هنا- والذي كان دافعنا إلى كتابة هذا البحث- أن أحد أساتذة التاريخ علق على موقف عمر من إنشاء أسطول إسلامي ورفضه الحاسم، قائلا: إن عمر بن الخطاب كان يجهل أمر البحر ولا يعرف شيئا عنه؛ لأنه رجل نشأ في الصحراء وكان يخاف من ركوب البحر ولذلك استشار عمرو بن العاص في هذه المسألة، وطلب منه أن يصف له البحر، فجاء وصف عمرو بن العاص للبحر مؤكدا لمخاوف عمر بن الخطاب، فقد كتب إليه قائلا: «يا أمير المؤمنين، إني رأيت خلقا عظيما يركبه خلق صغير، ليس إلا السماء والماء، وإنما هم كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق» «٢» . عند ذلك صمم عمر بعد أن قرأ هذا الوصف على الرفض. فكيف يجهل عمر بن الخطاب البحر وأحواله، وهو الذي أمر بحفر قناة تصل النيل بالبحر الأحمر، لتسير فيها السفن محملة بالميرة إلى أهل الحجاز، فقد كتب إلى عمرو بن العاص: «إن الله فتح على المسلمين مصر، وهي كثيرة الخير والطعام، وقد ألقي في روعي- لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين والتوسعة عليهم- أن أحفر

стр. 180

خليجا من نيلها حتي يسيل في البحر فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة، فإن حمله على الظهر يبعد، ولا نبلغ معه ما نريد، فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا في ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم.. انطلق يا عمرو بعزيمة مني حتى تجد في ذلك، ولا يأتي عليك الحول حتى تفرغ منه، إن شاء الله «١» . هذا هو عمر بن الخطاب يأمر بحفر قناة لوصل النيل بالبحر الأحمر سميت خليج أمير المؤمنين لتسهيل عملية النقل والتجارة بين مصر والجزيرة العربية، فهو لا يجهل البحر ولكن هناك فرقا بين استخدام البحر للتجارة وبين الحروب البحرية ومخاطرها على المسلمين، والتي كان عمر يخشاها عليهم، عند ما سمعت هذا الكلام أحسست بالدهشة، بل بالانزعاج الشديد؛ إذ كيف يوصف عمر بن الخطاب، من أحد أساتذة التاريخ، وبهذه «البساطة» بأنه يجهل أمر البحر؛ لأنه نشأ في الصحراء. أو ليست هذه الصحراء شبه جزيرة تحيط بها المياه من ثلاث جهات: البحر الأحمر من الغرب، والخليج من الشرق، وبحر العرب من الجنوب، وقد تبين لي من خلال المناقشات أنه ليس عمر بن الخطاب الذي يجهل أمر البحر، وإنما بعض أساتذة التاريخ- مع الأسف الشديد- هم الذين يجهلون تاريخ عمر بن الخطاب وأسلوبه في إدارة الدولة الإسلامية بصفة عامة، وإدارة دفة الفتوحات الإسلامية بصفة خاصة، ويجهلون أن قرارات عمر بن الخطاب لم تكن ارتجالية، بل كانت مبنية على أسس موضوعية، وبعد استشارة كبار الصحابة، وفي هذه النقطة بالذات له مبرراته القوية، كما سنشرح فيما بعد. فإذا كان هناك من يستحق أن يوصم بالجهل فهو من يصف عمر بن الخطاب بالجهل، ولكي نعرف موقف عمر بن الخطاب من الفتوحات بصفة عامة، ومن إنشاء أسطول بحري إسلامي يغزو المسلمون به في البحار بصفة خاصة، ينبغي أن نلم ببعض النقاط: أولا: إن حركة الفتوحات الإسلامية تعد واحدة من الأحداث العالمية الكبرى في التاريخ البشري، بل هي أخطر وأعظم حركة فتوحات في كل ذلك التاريخ، وذلك لما أحدثته من تغييرات وتأثيرات عميقة، على رقعة واسعة من الأرض امتدت على طول وعرض قارات العالم القديم: آسيا وأفريقيا وأوربا.
следующие страницы →