العربية وموانئ هذه البلاد كما يشهد بذلك بعض المؤرخين الأوربيين أنفسهم «١» .
ثم ليخبرنا بروكلمان وأمثاله كيف وصل الإسلام إلى أفريقيا، حيث توجد دول أفريقية بكاملها أو بغالبية سكانها على الأقل مسلمة الآن مثل نيجيريا والسنغال وغيرها. ولندع باحثا أوربيّا آخر ليقول لنا: كيف وصل الإسلام إلى أفريقيا. يقول سبنسر ترمنجهام: «وأما في غرب أفريقيا فإن انتشار الإسلام يرجع في المقام الأول إلى التجارة والدعوة له بواسطة التجار الأفارقة» «٢» .
هل تبقى بعد ذلك للتهم التي يزعمها ويلصقها بالإسلام أعداؤه أية قيمة؟ أما آن للباحثين الغربيين أن يكفوا عن مهاجمة الإسلام، وأن يحترموا عقولهم بل وأن يحترموا عقول قرائهم في هذا العصر الذي يزعمون أنه عصر حرية الفكر.
أغلب الظن أن أغلب المستشرقين لم يستطيعوا التحرر من التعصب ضد الإسلام.
وجريا على قاعدة أن لكل قاعدة شواذ، فلم نعدم بعض المنصفين من الغربيين الذين فاهوا بالحقيقة وأعلنوها. ونختم هذه الخاتمة بكلمة لواحد من هؤلاء الغربيين المنصفين. وهي كلمة لها قيمتها في هذا المجال؛ لأنها صادرة عن باحث لا يمكن أن يكون متحيزا للإسلام أو متحمسا لترويج مبادئه والدعوة له. ولكنها الحقيقة ظهرت له ناصعة، فأجبرته على أن يعلنها. يقول توماس آرنولد: «وإذا نظرنا إلى التسامح الذي امتد على هذا النحو إلى رعايا المسلمين من المسيحيين في صدر الحكم الإسلامي ظهر أن الفكرة التي شاعت بأن السيف كان العامل في تحويل الناس إلى الإسلام بعيدة عن التصديق» «٣» .
وإذا كنا استشهدنا أكثر من مرة بكلام آرنولد وغيره من الغربيين المنصفين فليس ذلك لأن الأدلة في تراثنا قليلة أو غير كافية على صدق رأينا؛ ولكن لئلا ننسى من يقول كلمة حق في حقنا، وليعرفوا أننا لسنا متعصبين مثلهم؛ لأن ديننا هو دين التسامح وعرفان الجميل.
وبعد؛ فهذه لمحة عن دولة الإسلام وعلاقاتها الدولية في عهد النبي ﷺ . أرجو أن أكون قد وفقت في عرضها. فإن صح هذا فالحمد لله أولا وأخيرا، وإن تكن
стр. 177
الآخرى فبحسب الإنسان أن يحاول وأن يجتهد وعلى الله التوفيق وبه المعونة، والكمال لله وحده.
هذا ولا يزال الموضوع محتاجا إلى أبحاث كثيرة تستقصي جوانبه المتعددة، ندعو الله تعالى أن يوفق أهل العلم للقيام بها، وعلى الله قصد السبيل.
стр. 178
بحوث في السّيرة النّبويّة والتّاريخ الإسلاميّ قراءة ورؤية جديدة
[البحث السابع] قراءة تاريخية جديدة في موقف عمر بن الخطاب ﵁ من الفتوحات الإسلامية
стр. 179
قراءة تاريخية جديدة لموقف عمر بن الخطاب ﵁ من الفتوحات الإسلامية في شهر نوفمبر (١٩٩٣ م) عقد اتحاد المؤرخين العرب ندوة في مقره بمدينة نصر عن الحضارة الإسلامية وعالم البحار، وفي أثناء إلقاء البحوث والمناقشات تطرق الحديث إلى إنشاء الأسطول الحربي الإسلامي، ومعارضة عمر بن الخطاب في البداية بشدة لهذا الموضوع، عند ما عرض عليه والي الشام- معاوية بن أبي سفيان- الأمر طالبا الإذن منه في إنشاء قوة بحرية إسلامية تدافع عن سواحل المسلمين في الشام ومصر ضد هجمات الأسطول البيزنطي، خاصة من قاعدته القريبة من شواطئ الشام في جزيرة قبرص التي قال عنها معاوية: إن الناس في حمص يسمعون نباح كلابها وصياح دجاجها «١» .
وجاء رفض الخليفة عمر بدافع حرصه على سلامة المسلمين وعدم الزج بهم في ميدان خطر كهذا قبل أن يستعدوا له تمام الاستعداد؛ إذ كانت له تجربتان سابقتان في التعامل مع البحر، كلاهما لم تنجح وسنعود إلى الحديث عنهما قريبا.
ولكن الذي نريد أن نوضحه هنا- والذي كان دافعنا إلى كتابة هذا البحث- أن أحد أساتذة التاريخ علق على موقف عمر من إنشاء أسطول إسلامي ورفضه الحاسم، قائلا: إن عمر بن الخطاب كان يجهل أمر البحر ولا يعرف شيئا عنه؛ لأنه رجل نشأ في الصحراء وكان يخاف من ركوب البحر ولذلك استشار عمرو بن العاص في هذه المسألة، وطلب منه أن يصف له البحر، فجاء وصف عمرو بن العاص للبحر مؤكدا لمخاوف عمر بن الخطاب، فقد كتب إليه قائلا: «يا أمير المؤمنين، إني رأيت خلقا عظيما يركبه خلق صغير، ليس إلا السماء والماء، وإنما هم كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق» «٢» .
عند ذلك صمم عمر بعد أن قرأ هذا الوصف على الرفض.
فكيف يجهل عمر بن الخطاب البحر وأحواله، وهو الذي أمر بحفر قناة تصل النيل بالبحر الأحمر، لتسير فيها السفن محملة بالميرة إلى أهل الحجاز، فقد كتب إلى عمرو بن العاص: «إن الله فتح على المسلمين مصر، وهي كثيرة الخير والطعام، وقد ألقي في روعي- لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين والتوسعة عليهم- أن أحفر
стр. 180
خليجا من نيلها حتي يسيل في البحر فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة، فإن حمله على الظهر يبعد، ولا نبلغ معه ما نريد، فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا في ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم.. انطلق يا عمرو بعزيمة مني حتى تجد في ذلك، ولا يأتي عليك الحول حتى تفرغ منه، إن شاء الله «١» .
هذا هو عمر بن الخطاب يأمر بحفر قناة لوصل النيل بالبحر الأحمر سميت خليج أمير المؤمنين لتسهيل عملية النقل والتجارة بين مصر والجزيرة العربية، فهو لا يجهل البحر ولكن هناك فرقا بين استخدام البحر للتجارة وبين الحروب البحرية ومخاطرها على المسلمين، والتي كان عمر يخشاها عليهم، عند ما سمعت هذا الكلام أحسست بالدهشة، بل بالانزعاج الشديد؛ إذ كيف يوصف عمر بن الخطاب، من أحد أساتذة التاريخ، وبهذه «البساطة» بأنه يجهل أمر البحر؛ لأنه نشأ في الصحراء.
أو ليست هذه الصحراء شبه جزيرة تحيط بها المياه من ثلاث جهات: البحر الأحمر من الغرب، والخليج من الشرق، وبحر العرب من الجنوب، وقد تبين لي من خلال المناقشات أنه ليس عمر بن الخطاب الذي يجهل أمر البحر، وإنما بعض أساتذة التاريخ- مع الأسف الشديد- هم الذين يجهلون تاريخ عمر بن الخطاب وأسلوبه في إدارة الدولة الإسلامية بصفة عامة، وإدارة دفة الفتوحات الإسلامية بصفة خاصة، ويجهلون أن قرارات عمر بن الخطاب لم تكن ارتجالية، بل كانت مبنية على أسس موضوعية، وبعد استشارة كبار الصحابة، وفي هذه النقطة بالذات له مبرراته القوية، كما سنشرح فيما بعد.
فإذا كان هناك من يستحق أن يوصم بالجهل فهو من يصف عمر بن الخطاب بالجهل، ولكي نعرف موقف عمر بن الخطاب من الفتوحات بصفة عامة، ومن إنشاء أسطول بحري إسلامي يغزو المسلمون به في البحار بصفة خاصة، ينبغي أن نلم ببعض النقاط:
أولا: إن حركة الفتوحات الإسلامية تعد واحدة من الأحداث العالمية الكبرى في التاريخ البشري، بل هي أخطر وأعظم حركة فتوحات في كل ذلك التاريخ، وذلك لما أحدثته من تغييرات وتأثيرات عميقة، على رقعة واسعة من الأرض امتدت على طول وعرض قارات العالم القديم: آسيا وأفريقيا وأوربا.
стр. 181
وقد شملت تلك التأثيرات الأحوال الدينية والسياسية واللغوية والفكرية والثقافية والاجتماعية، وهي لا تزال مستمرة وفي زيادة مطردة.
ومن هذه الناحية- ناحية التأثيرات العميقة والمستمرة في العالم- فإن الفتوحات الإسلامية إذا قورنت بحركات فتوحات عسكرية سابقة عليها، كفتوحات الإسكندر الأكبر المقدوني، التي سبقتها بنحو ألف سنة، أو جاءت بعدها، كغزوات المغول التي تلتها بستة قرون تقريبا، فإن هذه المقارنة تظهر عظمة الفتوحات الإسلامية.
أما فتوحات الإسكندر وإمبراطوريته التي شادها في الشرق، فلم يكد يختفي من الحياة حتى تمزقت أوصال تلك الإمبراطورية وأخذت تضمحل شيئا فشيئا إلى أن أصبحت ذكرى من ذكريات التاريخ.
وأما غزوات المغول؛ فإنها في حد ذاتها تقدم أكبر وأقوى البراهين على عظمة الفتوحات الإسلامية وخلودها؛ لأن هذه الغزوة المغولية البربرية التي لم يعرف لها التاريخ مثيلا من قبل في وحشيتها وهمجيتها، والتي دمرت معظم العالم الإسلامي في الشرق بما كان له من حضارة زاهرة، ولم يوقف زحفها المدمر، ويحمي بقية العالم منها سوى الوقفة الباسلة والشجاعة التي وقفها الجيش المصري بقيادة السلطان قطز وقائده الظاهر بيبرس، حين ألحقوا بالمغول أول هزيمة ساحقة تحل بهم منذ ظهورهم في مطلع القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، وكانت تلك الملحمة الإسلامية الرائعة في عين جالوت في شهر رمضان المبارك (عام ٦٥٨ هـ- ١٢٦٠ م) هذه الغزوة المغولية البربرية كان يمكن أن ينساها التاريخ، أو يذكرها ككابوس عابر فظيع ألم بالإنسانية في مسيرتها الطويلة، ومضى إلى سبيله، كان يمكن أن يحدث ذلك لولا أن الله قد أدرك برحمته الواسعة هذه الجموع الهمجية وهداها، فأسلم أغلب المغول، وطواهم الإسلام تحت جناحه، وأظلهم بحضارته، وحولهم من قوة غاشمة مدمرة إلى قوة خيرة، ومن أعداء مهاجمين إلى أتباع مدافعين ومشاركين في صنع الحضارة الإسلامية وشادوا حضارة ارتبطت باسمهم في الهند وإيران وأفغانستان. وهذه الظاهرة المغولية عكست نظرية ابن خالدون، أو هي ربما الاستثناء الوحيد من تلك النظرية التي ذهب إليها؛ وهي أن المغلوب مولع دائما بتقليد الغالب، فالغالب- وهم المغول- هو الذي قلد المغلوب- وهو هنا المسلمين- بل لم يقلده فقط؛ إنما اعتنق دينه وخضع لسيادته، واستظل بحضارته وأسهم في إثرائها وهذه هي
стр. 182
عبقرية الإسلام الخالدة والباقية على الزمن.
فكل أرض وصلت إليها الفتوحات الإسلامية، انتشر فيها الإسلام واللغة العربية والثقافة الإسلامية، وشكلت العالم الإسلامي، ولم يتراجع الإسلام عن أية منطقة، سوى الأندلس، وعند ما تراجع الإسلام عن الأندلس، لأسباب ليس هنا مجال شرحها، عوض ذلك أضعاف أضعافها في مناطق أخرى في آسيا وأفريقيا، وبدون أية حروب أو معارك بل عن طريق الدعاة والتجار المسلمين.
ثانيا: إن هذه الحركة- الفتوحات الإسلامية- الكبيرة والخطيرة لم تدرس حتى الآن دراسة شاملة من الناحية العسكرية البحتة، مع أن المسلمين خاضوا معارك عسكرية كبيرة وحاسمة، ضد الدولتين العالميتين في ذلك الوقت- فارس والروم- فأجنادين واليرموك على جبهة الروم، والقادسية ونهاوند على الجبهة الفارسية، كانت من المعارك الخطيرة في التاريخ العسكري العالمي. وكانت معارك حاسمة في التاريخ البشري بدون شك، فالعالم الذي كان قبل تلك المعارك لم يعد هو العالم بعدها؛ بل تغير تغيرا جذريّا في كل شيء، بل معركة واحدة هي معركة نهاوند أزال انتصار المسلمين فيها إمبراطورية الفرس من الوجود، وقد سمى الطبري تلك المعركة فتح الفتوح، وقال عن الفرس بعدها: لم تقم لها قائمة، ولم تجتمع لهم كلمة «١» .
وكثير من القادة العسكريين المسلمين أمثال خالد بن الوليد، وسعد بن أبي وقاص، عمرو بن العاص، وأبي عبيدة بن الجراح، ويزيد بن أبي سفيان ومعاوية بن أبي سفيان، والنعمان بن مقرن ... وغيرهم برعوا في وضع الخطط العسكرية وفي تنفيذها ببراعة هائلة، وحققوا انتصارات مدوية، وأظهروا مواهب عسكرية فذة، وكان من حقهم أن يدرسوا وتدرس معاركهم وانتصاراتهم بأقلام كتاب عسكريين مسلمين، حتى تعرف الأجيال الحاضرة والقادمة الجهود الكبيرة التي بذلها هؤلاء القادة العظام، لتقدر جهادهم حق قدره حتى تمتلئ بالأمل ولا تفقد ثقتها في نفسها وفي أمتها، وتؤمن بأن الأمة التي أنجبت هؤلاء القادة الأفذاذ، لهي قادرة على إنجاب أمثالهم يردون لها اعتبارها وكرامتها التي ديست في التراب الآن من شذاذ الآفاق.
ولكن للأسف الشديد فإن تاريخ هؤلاء القادة الكبار، بل التاريخ العسكري
стр. 183
الإسلامي كله يعتبر حتى الآن غير معروف بالقدر اللازم الكافي، فليس هناك مؤلف واحد شامل- فيما أعلم- عن التاريخ العسكري الإسلامي وضعه رجل حرب مسلم، وخبير عسكري متمرس، يكون قد قام بدراسة ميدانية كاملة لميادين الحروب التي خاضها المسلمون- خاصة في فتوحاتهم الأولى- واصفا أشهر المعارك على الأقل، وموازنا بين خطط وتكتيك وأداء القادة العسكريين المسلمين؛ وبين خطط أعدائهم الذين واجهوهم ومدى مطابقتها لقواعد وأصول ومبادئ الحرب ومن انتصر؟ وهل كان يستحق الانتصار؟ ومن هزم؟ وهل كان يستحق أن يهزم؟ ليس هناك مؤلف واحد شامل بهذه المثابة «١» . والكتاب الوحيد اليتيم، الذي يستحق صاحبه أسمى آيات الشكر والعرفان هو ذلك الكتاب الذي ألفه الجنرال الباكستاني أغا إبراهيم أكرم عن بطل أبطال الفتوحات الإسلامية- أو كما يسميه هو: «سيد الحروب» - خالد بن الوليد، وهو دراسة عسكرية بحتة عن الأعمال الحربية التي قام بها أو شارك فيها خالد بن الوليد، منذ غزوات أحد والخندق- حيث كان لا يزال مشركا- مرورا بأمجاده العسكرية منذ أسلم، بدا من غزوة مؤتة وانسحابه الرائع والمشرف بقواته سليمة. ذلك الانسحاب الذي سماه الرسول ﷺ فتحا.
وسمى خالدا سيف الله حين نعى القواد الثلاثة الذين استشهدوا في المعركة على التوالي، وهم زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة- ﵃ جميعا- بعد أن نعاهم الرسول في المدينة، قال: «ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله؛ خالد بن الوليد» «٢» .
ثم دوره في حروب الردة وقضائه عليها وفتوحاته الأولى في العراق وانتصاراته على جيوش الفرس ثم دوره الفذ ضد الروم في معارك الشام، خاصة معركة اليرموك
стр. 184
وطردهم منها إلى الأبد ولقد زار الخبير العسكري المسلم جميع المواقع التي حارب فيها خالد بن الوليد على الطبيعة «١» ، وكلفه ذلك جهودا ومتاعب كبيرة، حيث تعلم اللغة العربية حتى يستطيع قراءة المصادر العربية، وزار ست دول عربية هي: سوريا ولبنان والأردن والعراق والكويت والمملكة العربية السعودية (١٩٦٨- ١٩٦٩ م) .
ومشى على كل الأرض التي حارب عليها سيف الله خالد بن الوليد، ورسم (٢٩) خريطة عسكرية للمواقع، ودرس بشكل تفصيلي حركة الجيوش المتحاربة في ميادين القتال الحقيقية، ولقد أزالت تلك الدراسة العلمية القيامة كثيرا من الغموض الذي كان يكتنف الفتوحات الإسلامية، من حيث ترتيب المعارك ترتيبا تاريخيّا وحدد خط سير لرحلة خالد بن الوليد الخطرة من العراق إلى الشام يختلف عما ذهب إليه كثير من المؤرخين المسلمين، وهو الطريق الذي بدأ من الحيرة وانتهى بسوي مارّا بقراقر واستبعد أن يكون خالد قد مر بدومة الجندل في هذه الرحلة لأسباب فنية «٢» .
والرجل في الحقيقة لم يدع أنه حسم تلك المسألة نهائيّا، وإنما قال: إن هذا هو أقرب الحلول إلى المنطق وسير الحوادث.
أما المسألة التي حسمها فهي الموقع الذي دارت فيه معركة اليرموك، فقد قال:
إن ميدانها هو السهل الواقع شرقي نهر اليرموك وذلك لاعتبارات عسكرية.
والخلاصة أن هذا الكتاب هو أفضل كتاب تحدث عن الفتوحات الإسلامية التي تمت على يد سيف الله خالد بن الوليد ﵁، وهو طبعا لم يتناول كل الفتوحات، ويبقى المجال مفتوحا لمزيد من الدراسات العسكرية الجادة عن بقية قادة الفتوحات الإسلامية، وأمجادهم العسكرية، مثل قتيبة بن مسلم، وفتوحاته في بلاد ما وراء النهر- والتي تسمى الآن آسيا الوسطى الإسلامية- ومحمد بن القاسم الثقفي وفتوحاته في إقليم السند، وعقبة بن نافع وموسى بن نصير وطارق بن زياد وغيرهم من قادة الفتوحات الإسلامية في المغرب والأندلس.
ثالثا: إن الدارس للفتوحات الإسلامية في مصادرها الأصلية، وهي كتب
стр. 185
الفتوح، مثل «فتوح الشام» للواقدي، المتوفى (سنة ٢٠٧ هـ) . «وفتوح الشام» لمحمد بن عبد الله الأزدي، المتوفى (سنة ٢٣١ هـ) . «وفتوح مصر والمغرب والأندلس» لابن عبد الحكم المتوفى (٢٥٧ هـ) «وفتوح البلدان» للبلاذري المتوفى (سنة ٢٧٩ هـ) وكتاب «الفتوح» لابن أعثم الكوفي (سنة ٣٢٠) هـ وغيرها من كتب التاريخ العام، مثل «تاريخ الطبري» المتوفى (سنة ٣١٠ هـ) ، «والكامل» لابن الأثير المتوفى «سنة ٦٣٠ هـ» ، «والبداية والنهاية» لابن كثير المتوفى «سنة ٧٧٤ هـ» ، الدارس للفتوحات في هذه المؤلفات يخرج بانطباع مهم، وهو أن المسلمين عند ما اضطروا للصدام مع الفرس والروم في وقت واحد، في حروب طاحنة منذ مطلع خلافة أبي بكر الصديق ﵁، لم تكن لديهم نية مبيتة للاشتباك العسكري مع هذه الدول الكبيرة ذات الجيوش الجرارة، وإنما أجبرتهم تلك الدول على خوض المعارك ضدها إجبارا، بمحاولتها خنقهم والقضاء عليهم في داخل الجزيرة العربية نفسها وأيدي الفرس والروم في حروب الردة وتأليب العرب على دولة الخلافة لم تكن خافية، ومثال واحد يكفي للدلالة على ذلك؛ وهو حالة سجاح بنت الحارث اليربوعية التميمية، التي ادعت النبوة، وخرجت من العراق تقود جيشا لقتال المسلمين بلغ عدده أربعين ألف رجل، فيكف يعقل أن تستطيع سجاح فعل هذا وتخرج من بلد كان تحت السيطرة الفارسية دون أن يكون الفرس أنفسهم من وراء ذلك تأييدا وتشجيعا وتحريضا.
وهذا يدل دلالة قاطعة على أن الفرس والروم جميعا حاولوا القضاء على العرب بالعرب كما كانت تلك عادتهم من قبل، فلما لم تنجح تلك المحاولة دخلوا الميدان بشكل سافر، فكان لا بد من الصدام، ولم يكن في وسع المسلمين أن يسكتوا ويقفوا مكتوفي الأيدي، حتى يدهمهم الفرس والروم ويأخذوهم على غرة.
ولقد بدأت الصدامات الأولى مع الفرس في العراق، عند ما كان أحد القادة المسلمين وهو المثنى بن حارثة الشيباني يطارد المرتدين، فهذه المنطقة هي التي جاءت منها سجاح بنت الحارث، وحينما كان المثنى يحارب المرتدين تكالبت عليه الجيوش الفارسية، الأمر الذي جعله يستنجد بالخليفة أبي بكر الصديق، الذي أدرك خطورة الموقف، وعواقب تدخل الفرس في المعارك، فأرسل إلى العراق أعظم قادته العسكريين سيف الله خالد بن الوليد، الذي استطاع بمهارته العسكرية أن يفتح نصف العراق الجنوبي في بضعة شهور. أما الصدام مع الروم فقد بدأ عندما
стр. 186
استدرجوا خالد بن سعيد بن العاص الذي كان قد أمّره أبو بكر على أحد الجيوش أثناء حروب الردة، وأمره أن يعسكر في منطقة تيماء، شمال الحجاز، على طريق الشام، وقال له: لا تقاتل إلا إذا قوتلت، ولكن الروم استدرجوه، وغرروا به واشتبكوا معه، وتظاهروا بالتقهقر أمامه داخل الشام، ثم انقضوا عليه وأوقعوا بجيشه هزيمة منكرة. مما أغضب الخليفة عليه أشد الغضب ولم تكن هذه أول مرة يعتدي فيها الروم على المسلمين، فقد سبق أن اعتدوا على المسلمين في غزوة مؤتة وكادوا يهزمونهم لولا مهارة خالد بن الوليد الذي استطاع أن ينسحب انسحابا مشرفا بقواته، وهذه الاشتباكات الأولى مع الفرس والروم وإن خاضها المسلمون مضطرين وبدون تخطيط مسبق، إلا أنها كانت ذات فائدة كبيرة؛ فقد أظهرت النوايا العدوانية لكل من الفرس والروم ضد المسلمين وجعلت الخليفة يعد ويستعد في الوقت المناسب، لذلك يقول الطبري: إنه رغم غضب أبي بكر من خالد بن سعيد، إلا أنه اهتاج للشام وعناه أمره «١» .
وجهز للشام أربعة جيوش في وقت واحد، جيش تحت قيادة أبي عبيدة بن الجراح، ووجهته حمص في شمال الشام، والثاني تحت قيادة يزيد بن أبي سفيان ووجهته دمشق، في وسط الشام، والثالث تحت قيادة شرحبيل بن حسنة ووجهته الأردن، والرابع تحت قيادة عمرو بن العاص ووجهته فلسطين، وهكذا بدأت الحروب تدور مع الفرس والروم في وقت واحد وكانوا هم البادئين بالعدوان.
رابعا: إن حركة الفتوحات الإسلامية في سرعتها ونجاحها، الباهر ونتائجها العظيمة قد حيرت المؤرخين، خاصة المستشرقين فذهبوا في تفسيرها وتحليل دوافعها مذاهب شتى، وأرجعوا مجمل أسبابها إلى الجوع والقحط الذي دفع العرب إلى الخروج من شبه الجزيرة العربية وغزو البلاد التي غزوها، أي: إن السبب الرئيسي لتلك الفتوحات كان اقتصاديّا من وجهة نظرهم.
وليس هناك قول أبعد عن الحقيقة من هذا القول، لا لأننا نستبعد تماما العامل الاقتصادي؛ ولكن لأن الحقيقة أن هذا العامل كان عاملا ثانويّا، ومعظم الجنود والقادة الذين صنعوا تلك الأمجاد، لم يكونوا يفكرون في بطونهم، كما يدعي بعض المستشرقين، ومن لف لفهم من كتاب العرب، وإنما كانوا يدافعون عن عقيدتهم وعن حرية نشرها، أي: إنهم كانوا يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا،
стр. 187
وإذا جاءت الغنائم بعد ذلك فمرحبا بها وسهلا، والمؤرخون المسلمون أنفسهم لم ينكروا أن بعض الجنود كانت تحركهم دوافع اقتصادية فقد قال البلاذري لما استنفر أبو بكر العرب ودعاهم للاشتراك في الدفاع عن العقيدة ضد المعتدين- الفرس والروم- قال: «فتسارع الناس إليه من بين محتسب وطامع» «١» والعبارة أوضح من أن تحتاج إلى تفسير.
والخليفة العظيم رحب بالجميع، المحتسب؛ وهو الذي جاء مجاهدا في سبيل الله، والطامع الذي جاء يبغي الغنيمة، ولم يحظر على الطامعين الاشتراك في المعارك بل أكثر من هذا؛ فإن الخلفاء كانوا يتجاوبون مع هذه التطلعات من البعض إلى الأعمال الدنيوية، ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما فعله عمر بن الخطاب ﵁، مع قبيلة بجيلة، عند ما انتدبهم إلى الاشتراك في معركة القادسية في العراق، وهم كانوا يودون الذهاب إلى الشام، ولكن عمر قال لهم: بل العراق؛ لأن الشام في كفاية، ولما وجد منهم تباطؤا وعدهم بحافز مادي إضافي فوق نصيبهم الشرعي من الغنائم.
كما يقول البلاذري «وكانت بجيلة ربع الناس يوم القادسية» «٢» وكثير من القادة كانوا يحفزون جنودهم في المواقع ويحرضونهم على القتال بالحافز المادي، فقد قال خالد بن الوليد لجنوده في العراق: «ألا ترون إلى الطعام كرفغ التراب، وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إلى الله ولم يكن إلا المعاش؛ لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف، ونكون أولى به ونولي الجوع والإقلال من تولاه، ممن اثاقل عما أنتم عليه» «٣» .
بل أكثر من هذا كله، يروي أن الرسول ﷺ قد قال في غزوة حنين، وكان الموقف فيها صعبا وعصيبا-: «من قتل قتيلا فله سلبه» «٤» ؛ لتحريض المسلمين على القتال بحافز مادي.
فالحافز المادي إذن لم يكن مستبعدا، لكنه لم يكن الهدف الأول من الفتوحات، ولو كان الجوع هو السبب الأول الذي دفع العرب إلى هذه الفتوحات؛ لكان يكفيهم منطقة صغيرة من الشام، أو العراق؛ لأن عدد الذين قاموا بالفتوحات؛ كان بضع عشرات من الألوف، ولم يكونوا في حاجة إلى فتح كل تلك البلاد
стр. 188
لإشباع بطونهم كما يزعم أعداء الإسلام.
* موقف عمر بن الخطاب من الفتوحات
بعد توضيح هذه الملاحظات أو النقاط التي كانت ضرورية لبيان موقف الخليفة عمر بن الخطاب من الفتوحات، الذي دعانا إلى إعادة قراءته وتقديمه للناس ما أشرنا إليه في البداية؛ وهو اتهامه من بعض أساتذة التاريخ بالجهل بأمر البحر، والتردد في قرار الفتح.
كان عمر بن الخطاب أقرب الصحابة ﵃ جميعا إلى أبي بكر وأبرز المشاركين في القرار السياسي، وعلى علم تام بكل شيء من أمور الدولة وبأدق التفاصيل، وكان متفقا تماما مع أبي بكر في ضرورة حرب الروم حربا وقائية، أو القيام بالهجوم الذي هو أفضل وسائل الدفاع- كما يقول العسكريون في كل زمان ومكان- بل فكر فيها ربما قبل أن يفكر فيها الخليفة أبو بكر نفسه، أو في الوقت نفسه، فقد قال لأبي بكر عند ما دعاه للاشتراك في الاجتماع الذي قرر فيه غزو الشام: «والله ما استبقنا إلى شيء من الخير إلا سبقتنا إليه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قد والله أردت لقاءك لهذا الرأي الذي ذكرت، فما قضى الله أن يكون حتى ذكرته الآن، فقد أصبت أصاب الله بك سبل الرشاد» «١» . ولما آلت إليه الأمور بعد وفاة الصديق، كانت رحى الحرب دائرة، والجيوش الإسلامية مشتبكة في معارك كبيرة على الجبهتين الفارسية والرومية، فواجه الموقف بكل وعي وعزم وتصميم ورجولة فائقة قل نظيرها في التاريخ.
ومضى بالفتوحات إلى نهاية محددة أو فلنقل: إلى حدود جغرافية يمكن الدفاع عنها؛ ففي الشام واصلت الجيوش الإسلامية فتوحاتها إلى حدوده الشمالية حتى سلسلة جبال طوروس التي تفصله عن آسيا الصغرى، وغربا حتى سواحل البحر الأبيض المتوسط، وشرقا حتى حدوده مع العراق حيث التقت بقوات الفتح الإسلامي هناك، والحد الجنوبي للشام هو الجزيرة العربية، كما هو معروف.
وتم فتح مصر، بل تجاوزتها جيوش الفتح إلى طرابلس الغرب، وهنا كانت وقفة عمر الحاسمة بضرورة التوقف، والاكتفاء بفتح مصر «٢» ، التي كان فتحها ضرورة عسكرية لتأمين الفتوحات الإسلامية في الشام، ولم يكن ممكنا ولا مقبولا، لا من
стр. 189
الخليفة عمر نفسه، ولا من قائد فتح مصر عمرو بن العاص؛ تجاهل أهمية مصر العسكرية والوقف دونها، ولو حدث ذلك لانتقدهما العسكريون وخطؤوهما.
وفي العراق استقر الفاتح العظيم سعد بن أبي وقاص في المدائن عاصمة الأكاسرة من آل ساسان، بعد انتصاره الرائع عليهم في موقعة القادسية العظيمة، وهنا تصور عمر ﵁ أن الخطر قد زال عن الدولة الإسلامية، باندحار جيوش الفرس والروم، ومن ثم فليس هناك داع للاستمرار في المعارك؛ فهذه البلاد التي فتحت بتلك السرعة، وإن انتزعت من الفرس والروم؛ فهي ليست بلادهم، فهي أرض عربية، ومعظم سكانها عرب، والفرس غرباء على العراق ومحتلون له، والروم غرباء على الشام ومحتلون له أيضا، ومشاعر السكان لم تكن ودية في العراق للفرس ولا في الشام للروم؛ لأسباب كثيرة.
وفي ضوء ذلك يمكن أن نفسر ونفهم مقولة الإمبراطور هرقل اليائسة وهو يغادر أنطاكيا بعد انكسار جيوشه وهزيمتها الساحقة؛ خاصة في معركة اليرموك الخالدة فقد قال- والألم يعتصر قلبه على جهوده الضائعة التي بذلها في استرداد هذه البلاد من الفرس قبل سنوات قليلة-: «عليك يا سوريا السلام؛ ونعم البلد هذا للعدو» «١» .
هذه رواية البلاذري لمقولة هرقل.
أما بتلر فقد ذكرها بصيغة أخرى في كتابه «فتح العرب لمصر» ؛ نقلا عن المصادر البيزنطية، ولكنها تؤدي ذات المعنى؛ يقول بتلر: وعرف الإمبراطور أن بقاءه بالشام قد أصبح لا غناء فيه فرحل عنها- أنطاكيا- إلى القسطنطينية في البحر، في شهر سبتمبر (سنة ٦٣٦ م) ، وقال إذ هو راحل: «وداعا يا بلاد الشام؛ وداعا ما أطول أمده» «٢» ويقول بتلر معلقا على مقولة هرقل: «وكأننا بها تحمل ما كان يدور في نفسه من أن مجده الغابر ونصره الباهر قد انتهيا بعد الخذلان والعار، وأنه إذ يقولها ليودع عزه وبطولته» «٣» . فلماذا قال هرقل هذه المقولة اليائسة التي تعبر عن فقدان الأمل نهائيّا في استرداد بلاد الشام من أيدي المسلمين؛ مع أن هذه البلاد ذاتها كان الفرس قد استولوا عليها؛ ثم استردها منهم هو نفسه منذ سنوات قليلة (٦٢٢- ٦٢٨ م) ؟ ليس هناك من تفسير معقول ومقبول لذلك
стр. 190
سوى أن العاهل البيزنطي الكبير قد أدرك أن صلة القرابة بين العرب القاطنين في الشام من قبل، والعرب الفاتحين القادمين من الجزيرة العربية ستعمل عملها في استقرار الفتح الإسلامي في الشام، خاصة بعد أن يعرف عرب الشام ما يحمله لهم الإسلام من عزة وكرامة وبعد أن يتبينوا أن حركة الفتوحات الإسلامية قد حررتهم من السيطرة البيزنطية التي كانوا يبغضونها لأسباب كثيرة دينية وغير دينية، ومن ثم سيكون صعبا على الروم استرداد تلك البلاد.
وربما يكون هذا هو ما فهمه الخليفة عمر بن الخطاب نفسه، ورتب خططه المستقبلية على أساسه، فالمسلمون إذا عملوا على نشر الإسلام بين إخوانهم عرب الشام، ووضحوا لهم ما يحمله لهم من قيم العدل والحرية والمساواة فهنا يمكن أن تسهم قرابة الدم في استقرار للفتح والحكم الإسلامي، وعندئذ لن يحتاج المسلمون إلى فتوحات أو توسعات جديدة؛ لأن الإسلام ليس في حاجة إلى قوة عسكرية لينتشر، ولكنه دين ينتشر بقوة مبادئه وسماحته، فالقوة لا تستطيع أن تفرض الدين أبدا على القلوب والله تعالى يقول: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة: ٢٥٦] ولو كان استخدام القوة لنشر الإسلام واردا لكان في إمكان المسلمين- وقد انتصروا في كل المعارك انتصارات حاسمة- أن يجعلوا كل الشعوب المفتوحة مسلمة ولكن هذا لم يحدث، وإنما كل الذين أسلموا في تلك البلاد أسلموا طواعية، دون إجبار أو إكراه، ونتحدى أي مؤرخ أن يدلنا على حادثة واحدة أجبر فيها المسلمون أحدا على اعتناق الإسلام بالقوة.
ويعرف الناس جميعا أن الإسلام قد انتشر في بلاد بعيدة جدّا عن موطنه الأصلي مثل جنوب شرق آسيا، لا عن طريق القوة، فلم يذهب جندي واحد إلى بلد مثل أندونيسيا لينشر الإسلام فيها؛ بل انتشر الإسلام هناك عن طريق التجار المسلمين الذين كانوا يذهبون بتجارتهم ويتعاملون بالصدق والأمانة، ثم يؤدون فروض ربهم من صلاة وصيام، وكان الناس يسألونهم عما يفعلون، فيشرحون لهم حقائق ومبادئ وشرائع الإسلام فأقبل الناس على اعتناقه طواعية وتحولت أندونيسيا بكاملها إلى الإسلام، وعدد شعبها الآن يقترب من عدد الأمة العربية مجتمعة؛ قل ذلك عن بقية البلاد في جنوب شرق آسيا، وفي أفريقيا شرقا وغربا، ونحن هنا نريد مثلا لا استقصاء وحصرا؛ لعل الذين يدّعون أن الإسلام انتشر بالسيف يكفون عن ترديد تلك الفرية.
نعود إلى سياق الحديث السابق- بعد هذا الاستطراد الذي كان ضروريّا- فنلفت النظر إلى أن صلة القرابة بين عرب الجزيرة العربية الفاتحين، والعرب القاطنين
стр. 191
في كل من العراق والشام، لم تحدث تأثيرها في استقرار الفتوحات الإسلامية إلا بعد انتهاء المعارك، أما أثناء احتدامها فكانوا كلهم- تقريبا- مع الأعداء، فمن الواضح أن البيزنطيين لم يكونوا يقاتلون المسلمين بالجيش البيزنطي وحده، بل كان عدد كبير من العرب يقاتل معهم، فقد قاتلوا معهم في معارك وادي عربة، وفي أجنادين، ودمشق، بل يقول إدوارد جيبون: إن جيش الروم في اليرموك كان يتكون من مائة وأربعين ألفا، كان منهم ستون ألفا من العرب، بقيادة جبلة بن الأبهم «١» .
بل كانت تعليمات هرقل لجبلة أن يكون هو وقومه في المقدمة لمواجهة الجيوش الإسلامية، فقد قال له: كونوا في المقدمة فإن هلاك كل شيء بجنسه ولا يقطع الحديد إلا الحديد «٢» .
إذن كان عرب العراق عونا للفرس، وعرب الشام عونا للروم ضد المسلمين، بل يمكننا القول: إن عداء عرب الشام للإسلام والمسلمين منذ البداية كان من الأسباب المباشرة للصدام بين المسلمين والبيزنطيين.
ولذلك فليس صحيحا ما ذهب إليه بعض الكتاب، مثل فيليب حتى من أن عرب الشام كانوا عونا للعرب الفاتحين، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث قال:
إن الفتح الإسلامي كان حركة قومية، وأن الفوز فيه كان للقومية العربية لا للدين الإسلامي «٣» ، أرأيت شططا في القول أبعد من هذا؟ فهل كان المسلمون الفاتحون يفكرون في القومية العربية آنذاك؟ سبحانك ربي هذا بهتان عظيم، وكل هذه الأقوال هدفها تقليل الجهد الذي بذله المسلمون في الفتوحات الإسلامية. على كل حال ما يهمنا من شرح أوضاع العرب في الشام والعراق وموقفهم من الإسلام قبل وأثناء وبعد الفتوحات، هو أن نفهم موقف الخليفة عمر بن الخطاب من تلك الفتوحات الذي هو هدفنا من هذا البحث؛ لأن هذا الموقف في حد ذاته من أقوى الأدلة على أن الإسلام لم ينتشر بالسيف، وأن الحرب لم تكن هدفا من أهداف الإسلام والمسلمين؛ وإنما كان وسيلة ضرورية لإزالة العوائق والسدود التي أقامها الفرس والروم ضد الإسلام، فلو زالت تلك العوائق لم يعد هناك مبرر للحرب أبدا،
стр. 192
وهذا ما تصوره عمر بن الخطاب عند ما أصدر أوامره الحاسمة للقادة المسلمين بعدم مواصلة الحروب، فقد قال لسعد بن أبي وقاص- بعد انتصاره العظيم في معركة القادسية، واستقراره في المدائن عاصمة الفرس عند ما طلب الإذن بالاستمرار في الفتوحات-: «لوددت أن بين السواد وبين الجبل سدّا لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم، حسبنا من الريف السواد- أي: أرض العراق- إني آثرت سلامة المسلمين على الأنفال» «١» هذا موقف الخليفة في وضوح وحسم، رجل يعرف ما يريد ويقدر مسؤوليته عن سلامة المسلمين، التي هي عنده أفضل من الغنائم.
وفي هذا السياق كان رفضه الحاسم أيضا أن يستمر عمرو بن العاص في الفتوحات في الشمال الأفريقي، وكان قد وصل إلى طرابلس الغرب- كما أشرنا آنفا- وأمره بالعودة إلى مصر.
ثم كان رفضه الأشد حسما لطلب معاوية بن أبي سفيان وإلى الشام بالبدء في إنشاء أسطول لحماية شواطئ المسلمين في الشام ومصر من هجمات الأسطول البيزنطي؛ لأن الخليفة لم يكن يرى ضرورة لذلك في ذلك الوقت، ولم يقبل كل المبررات التي ساقها معاوية بشأن جزيرة قبرص وما كانت تمثله من تهديد خطير للمسلمين في الشام، وقال قولته الخالدة ردّا على مبررات معاوية: «والله لمسلم واحد أحب إليّ مما حوت الروم» «٢» . هذا هو الخليفة العظيم الذي يحرص على سلامة الرجال، ويخاف عليهم من الخطر فموقفه إذن موقف رجل يعلم ويدرك تماما خطورة هذه الأمور، ويرى من واجبه الحفاظ على سلامة الرجال، وليس جهلا منه بأمر البحر، فهو قد مر بتجربتين بشأن الغزو في البحر، كلتاها انتهت بكارثة بالنسبة للمسلمين، ولعل ذلك كان له أثر في موقفه من نزول المسلمين إلى البحر، فقد كان يرى أن الوقت لا زال مبكرا، والاستعدادات لم تكن كافية، وكان يريد أن يترك ذلك للمستقبل حيث يستعد المسلمون للنزول إلى هذا الميدان الخطير استعدادا جيدا.
أما التجربتان اللتان مر بهما المسلمون بشأن الغزو في البحر فقد كانت الأولى هي غزوة العلاء بن الحضرمي لفارس من جزيرة البحرين، وبدون علم الخليفة، وكان
стр. 193
ذلك (سنة ١٧ هـ) «١» ، فقد أراد العلاء بهذه المبادرة- ولا نريد أن نقول:
المغامرة- أن يسطر نصرا مثل انتصارات سعد بن أبي وقاص، فإذا كان سعد قد فتح المدائن عاصمة آل ساسان، فلماذا لا يفتح هو مدينة اصطخر، وهي ليست أقل من المدائن في الأهمية؟.
وعلى كل حال هذه منافسة شريفة بين الرجال ولا بأس بها، غير أن الخطورة فيما قام به العلاء أنه قام به دون علم أو إذن الخليفة، خاصة وأنه عرض المسلمين لكارثة، فقد مكر بهم الفرس وأحاطوا بهم بعد أن تركوهم ينزلون شواطئهم، وكادوا يفنونهم عن آخرهم لولا أن عمر بن الخطاب تدارك الأمر بسرعة وأنقذهم بنجدة سريعة من جند المسلمين الذين كانوا يرابطون في جنوب العراق، بقيادة عتبة ابن غزوان.
وكان جزاء العلاء بن الحضرمي على تلك المخالفة العزل من ولاية البحرين، وتكليفه بأثقل الأمور إليه- حسب تعبير ابن الأثير- وهو أن يعمل تحت قيادة سعد ابن أبي وقاص «٢» .
التجربة الثانية حدثت (سنة ٢٠ هـ) ، حيث كانت قوة من جيش الحبشة قد غزت سواحل اليمن من البحر؛ فأرسل عمر بن الخطاب حملة بحرية لتأديب الحبشة بقيادة علقمة بن مجزز المدلجي غير أن تلك الحملة هزمت وتحطمت مراكبهم، وأضيفت تجربة أخرى فاشلة إلى تجربة العلاء؛ لذلك الى عمر بن الخطاب على نفسه ألا يحمل أحدا في البحر أبدا «٣» .
ويبدو أن الحبشة- رغم العلاقات الطيبة التي كانت تربطها بالمسلمين منذ أيام الرسول ﷺ قد أصبحت ولأسباب لا نعرفها مصدر قلق للمسلمين؛ لدرجة أن الخلفاء الراشدين كانوا يحسبون حسابها في خططهم الحربية يروي البلاذري أنه عند ما قرر عمر بن الخطاب أن يخوض معركة نهاوند ضد الفرس، الذين نقضوا كل عهودهم ومواثيقهم مع المسلمين، وأجبروا الخليفة على تغيير موقفه السابق بشأن عدم الاستمرار في الفتوحات، وبعد أن استشار المسلمين في ذلك خاصة وأن التقارير أخذت تتوالى عليه من العراق بأن الفرس قد تجمعوا حول الإمبراطور يزدجرد الثالث،
стр. 194
وأنهم جمعوا جموعهم في نهاوند استعدادا للانقضاض على المسلمين في العراق؛ عندئذ أدرك عمر أن الانتظار قد يكون ضارّا جدّا بالمسلمين، وأن الجمود عند الموقف السابق قد يكون كارثة فقرر أن يكون زمام المبادرة بيده، ولم يتردد لحظة واحدة في مواجهة الفرس، وجهز لذلك جيشا كبيرا.
لأن جولة جديدة من القتال ضد الفرس أصبحت ضرورة عسكرية حتى يعودوا إلى صوابهم؛ فأخذ يستشير الصحابة فيما ينبغي عمله لمواجهة هذا الموقف الخطير، فأشاروا عليه بأن يغزو أهل الشام من شامهم وأهل اليمن من يمنهم؛ يعني يحرك قوات من الشام وأخرى من اليمن للاشتراك في معركة نهاوند، لكن الخليفة الحصيف الحذر قال: أخاف إن أخليت الشام من الجنود أن تعود الروم إليها، وإن أخليت اليمن من الجنود أخاف أن تغلب الحبشة على ما يليها منها «١» .
ولذلك حرك قوات من الكوفة والبصرة، وترك قوات الشام واليمن مرابطة حيث هي لحماية البلاد والعباد فهذه هي عظمة القيادة المسؤولة، المهم أن الحبشة أصبحت عامل ضغط خارجي ضد المسلمين، وكلما واتتهم الفرصة كانوا يغيرون على شواطئ اليمن والحجاز، فقد حدث ذلك منهم في عهد عمر، وعهد عثمان بن عفان الذي اضطر أن يشحن السواحل بالرجال والسلاح لصد هجمات الأحباش «٢» .
كانت هناك إذن أخطار خارجية تهدد الدولة الإسلامية، خاصة من جانب بيزنطة وكان على الخليفة العظيم أن يحسب لهذه الأخطار حسابها، ولذلك كانت وقفته الحاسمة من استمرار الفتوحات برّا وبحرا.
والنظر إلى البلاد المفتوحة ومشاكلها وإداراتها إدارة سليمة، ونشر الإسلام والتمكين له في البلاد عن طريق المعاملة الحسنة والإدارة الحسنة والقدوة الحسنة، فهذه هي مهمة المسلمين الأساسية، وهذا ما كان عمر بن الخطاب يهدف إلى تحقيقه من عدم استمرار الفتوحات، وكان يعرف يقينا أنه بعد أن ينجح المسلمون في تثبيت أقدامهم في البلاد المفتوحة ويضربون للناس المثل العملي على سمو الإسلام ومبادئه وعدله وما يحمل لهم من عزة وكرامة وحرية، فإن الناس عندئذ سوف يقبلون على الإسلام من تلقاء أنفسهم، فمن ذا الذي يرفض العدل والحرية والمساواة
стр. 195
والعزة والكرامة؟!.
فعمر بن الخطاب عند ما عارض قادته في الاستمرار في الفتوحات كان يتصرف كرجل دولة مسؤول، يعرف تماما ماذا يريد وماذا يقدر عليه، ولم يكن مرتجلا لسياسته ولا مترددا- حاشا لله- كما تظهره بعض الروايات المتهاوية، مثل رواية استشارته لعمرو بن العاص عن البحر والسؤال عن أحواله، ومثل تردده في فتح مصر من البداية، والقصة الضعيفة التي تقول: إنه أرسل لعمرو بن العاص رسالة، وقال له فيها: إذا وصلك كتابي هذا قبل أن تدخل أرض مصر فارجع ولا تدخلها وإن وصلك وقد دخلت فلا ترجع. وأن عمرو وصله الكتاب قبل أن يصل إلى حدود مصر، ولكنه لرغبته القوية في فتح مصر لم يفتح الكتاب إلا بعد أن تجاوز العريش ودخل في أرض مصر. وأشهد على ذلك لئلا يعاقبه الخليفة على مخالفة أوامره.
هذه الرواية وأمثالها تدخل في باب الحكايات؛ لأن فتح مصر ليس أمرا سهلا حتى يؤخذ بهذه البساطة، بل عملا كبيرا وكان ضرورة عسكرية لتأمين الفتوحات في الشام. وترك مصر في أيدي الروم وقد انسحب إليها بقايا الجيش البيزنطي المنهزم في فلسطين يكون خطرا على المسلمين. ولو لم يفتحوا مصر لكانوا قد ارتكبوا خطأ كبيرا؛ وهم أعقل وأحصف من أن يقعوا في مثل هذا الخطأ الجسيم.
ولذلك فتح مصر تم باتفاق تام بين الخليفة عمر بن الخطاب وقائده العبقري عمرو ابن العاص، بل إن ابن عبد الحكم يروي عن الليث بعد سعد أن عمر بن الخطاب هو الذي أمر عمرو بن العاص بالتوجه إلى مصر لفتحها، وكتب له: «أن اندب الناس إلى السير معك إلى مصر؛ فمن خف معك فسر به» «١» .
وهذه الرواية تتفق مع تفكير عمر بن الخطاب ورؤيته للفتوحات؛ وتتفق أيضا مع سير الأحداث ويقبلها العقل، أما الرواية التي أشرنا إليها منذ قليل؛ فيجب رفضها تماما. وإذا كان علماء الحديث لا يقبلون الحديث الذي يخالف متنه مقررات الشريعة الإسلامية ومقاصدها العليا؛ فنحن بالقياس نرفض روايات التاريخ التي لا تتفق مع العقل والمنطق وسياق الحوادث والنظرة الكلية للأمور.
ملاحظة أخيرة نسجلها ونحن في ختام هذا البحث؛ هي أننا نلفت نظر كل من يتحدث أو يكتب عن عمر بن الخطاب ﵁؛ أن يأخذ في الاعتبار الظروف التي
стр. 196
كان يعيشها الرجل؛ ففي الوقت الذي كان يصارع دولتين كبيرتين؛ بل أكبر دول عصرهما؛ وهما فارس والروم؛ وقد وفقه الله إلى القضاء على أولاهما ووضع حدّا لغطرستها وعتوها وجبروتها على العباد، وحجم الثانية وأخذ منها أعز مستعمراتها في الشرق وأغناها الشام ومصر، وأشرف باقتدار على الحروب، ولم يستطع أي باحث أن يخطئه في قرار من قراراته الكثيرة، وفي الوقت نفسه كان يكمل بناء وتأسيس الدولة الإسلامية العظيمة، التي أرساها الرسول ﷺ وتابعه في تأسيسها الصديق ﵁، ويرسي دعائم مؤسساتها السياسية والإدارية، حتى تركها أقوى وأعظم دولة في عالمها كل ذلك في عشر سنين من عمر الزمن.
لقد كان عمر عبقريّا لم يفر فري أحد؛ كما أخبر بذلك الصادق المعصوم ﷺ ومن يريد أن يعرف عبقرية عمر السياسية والإدارية فليرجع إلى السفر الضخم القيم الذي ألفه الأستاذ الدكتور/ سليمان الطهاوي عن عمر بن الخطاب. وعنوانه «عمر ابن الخطاب وأصول السياسة والإدارة الحديثة- دراسة مقارنة» «١» .
стр. 197
بحوث في السّيرة النّبويّة والتّاريخ الإسلاميّ قراءة ورؤية جديدة
[البحث الثامن] دور المصريين في إنشاء البحرية الإسلامية من كتاب «مصر والإسلام»
стр. 198
دور المصريين في إنشاء البحرية الإسلامية من كتاب مصر والإسلام
* تمهيد:
عند ما خطا عمرو بن العاص خطواته الأولى على أرض مصر فاتحا في نهاية (عام ١٨ هـ/ ٦٣٩ م) كانت مصر آنذاك مستعمرة بيزنطية، وكان الاستعمار البيزنطي لمصر هو الحلقة الأخيرة من سلسلة الاستعمار الأجنبي لها، الذي دام نحو اثني عشر قرنا من الزمان؛ فقد احتلها الفرس في أواخر القرن السادس قبل الميلاد، ودام احتلالهم لها زهاء قرنين؛ أي: إلى الثلث الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد، حيث غزاها الإسكندر المقدوني في (سنة ٣٣٢ قبل الميلاد) إلى (سنة ٣٠ قبل الميلاد) ، وبعد وفاة الإسكندر حكمها البطالمة من (سنة ٣٢٢ قبل الميلاد) ، ثم خلفهم الرومان ثم البيزنطيون إلى أن جاء عمرو بن العاص وفتحها وخلصها من ظلم البيزنطيين وجبروتهم.
ولا يتسع المقام هنا للحديث عن مظالم الحكم الروماني البيزنطي لمصر، وسيجد القارئ الكثير من الحديث عن هذا الحكم ومساوئه في غير هذا البحث من هذا الكتاب التذكاري الذي ينشره المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمناسبة مرور أربعة عشر قرنا على الفتح الإسلامي لمصر.
فعمرو بن العاص إذن قد خلّص مصر وحرّر أهلها من حكم بيزنطي بغيض كانوا هم يكرهونه أشد الكره، ولذلك رحّبوا بالفتح الإسلامي لبلادهم، كما تؤكد ذلك المصادر والمراجع قديمها وحديثها «١» ، ونظروا إلى العرب الفاتحين على أنهم محررون لهم، وهذا هو الذي جعل مهمة عمرو بن العاص سهلة إلى حد كبير؛ لأن معاركه في مصر وعلى أرضها لم تكن مع شعب مصر ذاته، وإنما مع قوة احتلال بيزنطي مكروه إلى أبعد حدود الكره من ذلك الشعب، وكان عمرو بن العاص يعرف ذلك حق المعرفة، ولذلك جاء إلى مصر على رأس قوة صغيرة نسبيّا- أربعة آلاف جندي في البداية، ثم تزايد العدد إلى أن وصل إلى اثني عشر ألفا-
стр. 199
قابل بهذا الجيش الصغير جيوش البيزنطيين التي كانت مرابطة في مصر وقوامها مائة ألف جندي «١» . عدا الفلول التي انهزمت في الشام ولجأت إلى مصر، وانتصر على كل هذه الأعداد الكبيرة؛ لأنها فقدت روح القتال، وهبطت معنوياتها إلى الحضيض، ولم تستطع الصمود في أية معركة أمام الجيش الإسلامي، بدا من حصار الفرما وسقوطها، ومرورا بمعارك بلبيس وأم دنين وعين شمس، وحصن بابليون، ثم معاركه في الدلتا حتى فتح الإسكندرية (سنة ٢١ هـ/ ٦٤٢ م) واستغرق هذا الفتح نحو ثلاث سنوات «٢» .
وكان أسهل فتح حققه العرب في بلد من البلاد، بسبب ترحيب المصريين بهم ومساعدتهم لهم، وقد كانوا عند حسن ظن المصريين بهم، فأحسنوا معاملتهم واحترموا عقيدتهم، ووفروا لهم حرية الدين التي افتقدوها في العهد البيزنطي، وأعادوا لهم رأس كنيستهم؛ البطريرك بنيامين، الذي كان مطاردا ومحكوما عليه بالإعدام من السلطات البيزنطية، لكن عمرو بن العاص لم يعده إلى كنيسته معززا مكرّما فقط؛ وإنما جعله من أقرب المقربين إليه، بل مستشاره في شؤون مصر الإدارية والمالية.
كيف نشأت فكرة فتح مصر في ذهن عمرو بن العاص، وما هي البواعث والدوافع الدينية والسياسية والعسكرية والاقتصادية التي جعلته يقتنع بضرورة فتحها وضمها للدولة الإسلامية وطرد البيزنطيين منها، وكيف نجح في إقناع الخليفة عمر بن الخطاب بفكرته حتى وافقه عليها، وكيف كانت وقائع ذلك الفتح العظيم ونتائجه؟ كل ذلك تجيب عنه أبحاث أخرى في هذا الكتاب.
أما هذا البحث فقد خصص لموضوع محدد؛ وهو دور المصريين في إنشاء البحرية الإسلامية وبناء الأساطيل الحربية، لا لمصر وحدها، بل لبلاد الشام وبلاد المغرب العربي الإسلامي؛ لأن مصر أصبحت منذ الفتح الإسلامي هي حصن الإسلام ورباطه في جناحه الغربي، أي حارسة أرضه والذائدة عن حياضه؛ وهذا أمر قد أخبر عنه النبي ﷺ قبل الفتح بسنوات؛ فقد قال عمر بن الخطاب ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر؛ فاتخذوا فيها جندا كثيفا. فذلك
стр. 200
الجند خير أجناد الأرض» فقال أبو بكر: ولم يا رسول الله؟ قال: «لأنهم وأزواجهم في رباط إلى اليوم القيامة» «١» .
فكلما ألمّ بالإسلام خطر داهم كانت مصر هي المنقذ، قد تكرر ذلك كثيرا، فمصر هي التي تصدّت للصليبيين، وضربتهم ضربتها القاضية في حطين، على أرض فلسطين، على أيدي البطل العظيم؛ صلاح الدين الأيوبي (سنة ٥٨٣ هـ/ ١١٨٧ م) «٢» ثم تابع حكام مصر بعده، سواء من أسرته أو من المماليك محاصرة الصليبيين ومطاردتهم، حتى طهّروا منهم أرض المشرق الإسلامي في نهاية المطاف.
ومصر هي التي تصدّت للهجمة المغولية المتوحشة، التي داهمت العالم الإسلامي من المشرق، واكتسحته اكتساحا، وأحدثت فيه من المجازر الوحشية ما لم يعرفه العالم قبل ذلك قط، وأعملت التخريب والتدمير في مدنه العامرة، بدا من سمرقند وبخارى إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية، وبعدها مدن الشام العامرة، ولم يستطع أحد أن يوقف هذا السيل الوحشي المدمر إلا جيش مصر، في عين جالوت، على أرض فلسطين أيضا بقيادة السلطان قطز والقائد الفذ الظاهر بيبرس (سنة ٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) «٣» .
ومصر هي التي تصدّت وتتصدّى للهجمة الصهيونية المعاصرة، المدعومة بكل جبروت أمريكا وأوروبا العسكري والسياسي، ورغم ذلك فقد قطع جيش مصر البطل الذراع الصهيونية وقهر جيشها الذي قيل عنه: إنه لا يقهر. فمصر إذا بموقعها الاستراتيجي الفريد، ورصيدها الحضاري العظيم، وشعبها الحي المكافح والمتسامح في نفس الوقت، مصر بهذا كله لها دور ومكانة لا تستطيع أبدا أن تتخلى عن هذا الدور في الدفاع عن الإسلام؛ لأن هذا هو ما عناه الرسول ﷺ عند ما أوصى أصحابه أن يتخذوا فيها جندا كثيفا بعد الفتح، ليرابط فيها حارسا للإسلام ومدافعا عنه ضد كل من يحاول الاعتداء على مشرقه أو مغربه، وقول الرسول هذا عن مصر يدل على أنه كان واثقا كل الثقة من ذلك الفتح قبل وقوعه بسنوات؛ حتى المقوقس نفسه الذي كان يحكم مصر، والذي كتب إليه النبي ﷺ كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، مع أنه لم يسلم وضنّ بملكه، وهذا تعبيره هو نفسه، حيث قال لحاطب بن أبي بلتعة-
стр. 201
حامل رسالة النبي إليه، وبعد أن ذكر أشياء من صفات النبي ﷺ : «القبط لا يطاوعوني في اتباعه، ولا أحب أن تعلم بمحاورتي إياك، وأنا أضن بملكي أن أفارقه، وسيظهر على البلاد، وينزل بساحتنا هذه أصحابه من بعده، حتى تظهر على من ههنا، فارجع إلى صاحبك. فقد أمرت له بهدايا وجاريتين؛ أختين، وبغلة من مراكبي ... إلخ» «١» .
فالمقوقس يعترف بصريح العبارة أن فتح المسلمين لمصر أمر محتم ولا مناص منه، والمسألة مسألة وقت، لا أكثر، ومع ذلك رفض الإسلام ضنّا بملكه الدنيوي، وهذا هو ما علق به النبي ﷺ على موقفه هذا عندما عاد إليه سفيره حاطب بن أبي بلتعة وقصّ عليه القصة، فقد قال: «ضنّ الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه» «٢» .
وخلاصة القول في فتح العرب لمصر أنهم حرّروا شعبها من استعباد البيزنطيين وظلمهم، وعمّروا البلاد بعد أن خرّبها البيزنطيون، حتى الكنائس والأديرة التي دمروها أصلحها الفاتح العظيم؛ عمرو بن العاص، ومنح المصريين الذين بقوا على نصرانيتهم حرية دينية لم يعرفوها طوال تاريخهم المسيحي كله «٣» .
* بداية التفكير في إنشاء قوة بحرية إسلامية:
أول من أدرك ضرورة امتلاك المسلمين قوة بحرية تحمي شواطئهم في مصر والشام، ضد هجمات الأساطيل البيزنطية هو أمير الشام؛ معاوية بن أبي سفيان «٤» . والذي جعل معاوية يدرك هذا ويفكر فيه تجربته العملية أثناء فتح سواحل الشام، ومدنه الحصينة التي لم تكن مجرد موانئ بحرية، بل كانت ترسانات حربية بيزنطية، من طرسوس شمالا حتى غزة جنوبا، فقد عانى معاوية عناء شديدا في فتح تلك الموانى، التي كانت تأتيها الإمدادت تباعا من القسطنطينية، وغيرها من جزر البحر الأبيض المتوسط؛ التي كانت كلها تحت حكم البيزنطيين- العدو الأول والأخطر للمسلمين آنذاك- ولما أتم معاوية فتح مدن سواحل الشام كلها أدرك ببصيرة عسكرية نافذة، ووعي سياسي كبير أنه بدون أن يمتلك المسلمون قوة بحرية فعالة تحمي تلك الشواطئ
стр. 202
من هجمات الأساطيل البيزنطية التي كانت تسيطر سيطرة كاملة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، الذي كان يدعى بحر الروم، بدون امتلاك المسلمين قوة بحرية فإن كل الجهود التي بذلوها في فتح الشام وشواطئه قد تذهب أدراج الرياح.
* معارضة عمر بن الخطاب لمشروع معاوية:
اقتنع معاوية- ومعه كل الحق- بفكرته، وعرضها على الخليفة عمر بن الخطاب وشرح له أهميتها، وجسّم له الخطر البيزنطي تجسيما مخيفا، وقال له عن جزيرة قبرص بالذات- والتي كانت قاعدة بحرية بيزنطية متقدمة في مواجهة شواطئ الشام-: «يا أمير المؤمنين إن أهل حمص يسمعون نباح كلابها وصياح دجاجها» «١» .
معنى هذا أنها قريبة جدّا من شواطئنا وتستطيع الأساطيل البيزنطية أن تهاجمنا في أي وقت، وفي أسرع وقت، وتفعل بنا ما تشاء.
ولكن على الرغم من كل هذا فقد رفض عمر الفكرة رفضا قاطعا، ولم يتزحزح عن موقفه قط، وربما مما زاده إصرارا على الرفض ما جاء من عمرو بن العاص في وصف البحر، عند ما استطلع رأيه في الأمر، كما تروي مصادر التاريخ «٢» فقد جاء وصف عمرو بن العاص للبحر مخيفا ومفزعا فزاد من مخاوف عمر بن الخطاب على المسلمين من أهوال البحر وأخطاره، لذلك رد على معاوية بقوله: «والذي بعث محمدا بالحق لا أحمل فيه مسلما أبدا، وتالله لمسلم واحد أحب إليّ مما حوته الروم، فإياك أن تعرض لي وقد تقدمت إليك» «٣» .
استقر رأي عمر بن الخطاب على رفض مشروع معاوية رفضا قاطعا؛ ولا يظنّن أحد أنه لم يكن مدركا للخطر الذي كان يدركه معاوية، بل كان يحكمه حرصه الشديد على أرواح المسلمين وسلامتهم، ومسؤوليته عنهم التي تحتم عليه أن يجنبهم أهوال البحر وأخطاره، لذلك كان قوله لمعاوية: «لمسلم واحد أحب إليّ مما حوته الروم» ثم أمر آخر كان عمر مقتنعا به في قرارة نفسه؛ وهو أن العرب كانوا يومئذ يفتقرون إلى الخبرة البحرية الكافية التي تمكنهم من بناء أساطيل بحرية يستطيعون بها منازلة الأساطيل البيزنطية العتيدة ذات الخبرة البحرية الطويلة، فالوقت من وجهة نظر عمر لم يحن بعد لنزول المسلمين إلى البحر محاربين، وسيأتي- في المستقبل لا
стр. 203
محالة- الوقت الذي تتوفر لهم فيه الخبرة وعندها فلا مانع. وعمر بن الخطاب كان في إصراره على رفض مشروع معاوية مدفوعا بتجربتين فاشلتين للمسلمين في الغزو في البحر، وهذا الفشل في كلتا التجربتين قوّى عنده يقينه بأن الوقت لا زال مبكرا على نزول المسلمين البحر.
* التجربة الأولى:
تلك التي قام بها العلاء بن الحضرمي، الذي كان عاملا لعمر بن الخطاب على البحرين، حين غزا فارس من البحر بقوة بحرية دون إذن من عمر بن الخطاب، وتقدم إلى مدينة اصطخر- برسو بوليس- وأراد أن يحقق نصرا فذّا يكون له دويّ، ينافس به سعد بن أبي وقاص، بطل القادسية، وفاتح العراق؛ ولكنه تعرض لكارثة، فقد حاصره الفرس، بعد أن نزل إلى البر، وقطعوا عليه خط الرجعة، وكاد يهلك هو ومن معه من الجنود، ولم تنقذه إلا قوة سريعة جاءته من العراق بقيادة عتبة بن غزوان، بأمر من عمر بن الخطاب، لما علم بما صنعه العلاء وما عرض نفسه وجنوده من البلاء «١» ، ولم يفلت العلاء من عقاب عمر بن الخطاب على تسرعه وتعريضه المسلمين لهذا الخطر فقد عزله من إمارة البحرين، وكلفه بأثقل الأمور عليه حسب تعبير ابن الأثير «٢» ؛ حيث جعله تحت قيادة سعد بن أبي وقاص.
كانت هذه التجربة ماثلة في ذهن عمر بن الخطاب، عند ما عرض عليه معاوية مشروعه، ولذلك كان مما قاله له: «فإياك أن تعرض لي- أي تفاتحني في الأمر مرة أخرى- وقد تقدمت إليك، وقد علمت ما لقي العلاء، ولم أتقدم إليه في مثل ذلك» «٣» .
* التجربة الفاشلة الثانية:
إنه في (سنة ٢٠ هـ/ ٦٤٠ م) هاجمت قوة بحرية من الحبشة شواطئ اليمن والحجاز، فأرسل عمر بن الخطاب حملة بحرية لتأديبهم بقيادة علقمة بن مجزز، إلا أن هذه الحملة منيت بخسارة فادحة، وغرقت السفن كلها «٤» . فبسبب هذه الكوارث المتتابعة كان تصميم عمر بن الخطاب على عدم خوض غمار البحار في ذلك الوقت المبكر.
стр. 204
* معاوية ينجح في أخذ موافقة عثمان بن عفان:
ظل عمر بن الخطاب ثابتا على موقفه المعارض بشدة للبدء في بناء أسطول بحري عسكري إسلامي إلى أن لقي ربه؛ ﵁، وظل معاوية ثابتا على رأيه في ضرورة البدء فورا في إنشاء هذا الأسطول.
فلما توفي عمر وآلت الخلافة إلى عثمان بن عفّان في نهاية (سنة ٢٣ هـ) جدّد معاوية مطالبته بالبدء في إنشاء الأسطول، وفاتح عثمان في الأمر، لكن عثمان لم يستجب له بسهولة، بل قال له: «قد شهدت ما رد عليك به عمر ﵀، حين استأمرته في غزو البحر» «١» أي: إن عثمان كان يعرف رأي عمر في القضية، وهو ليس أقل من عمر حرصا عل سلامة المسلمين.
غير أن معاوية لم ييأس؛ بل واصل إلحاحه على عثمان حتى ظفر منه بالموافقة المشروطة في نهاية المطاف، وهي أن يستعد للأمر استعدادا جيدا، وألا يكره أحدا من المسلمين على الغزو في البحر، وأن يكون هو نفسه على رأس الغزاة، ومعه امرأته، فقد قال له: «فإن ركبت البحر ومعك امرأتك، فاركبه مأذونا لك، وإلا فلا» «٢» وهذا الشرط الذي أكد عليه الخليفة عثمان بن عفان، وهو أن يأخذ معاوية امرأته معه عند ما يغزو في البحر كان يقصد منه أنه إذا أخذ معه امرأته فإنه سوف يستبسل في القتال، حفاظا على عرضه.
وهذه عادة عربية قديمة، فقد كان اصطحابهم لزوجاتهم في القتال بمثابة دافع إضافي للاستبسال في القتال؛ وذلك من شدة حرص العربي على عرضه، فإذا أدرك أن عرضه معرض للخطر فإنه عندئذ يفضل الموت على الحياة.
على كل حال ظفر معاوية أخيرا بموافقة الخليفة على البدء في إنشاء أسطول إسلامي. فبدأ على الفور، وفي غضون سنوات قليلة ظهر الأسطول الإسلامي، وأصبح للمسلمين قوة بحرية هائلة، حققت أمجادا وانتصارات باهرة.
* الارتباط الأمني بين مصر والشام:
إذا كانت الدعوة إلى بناء قوة بحرية إسلامية جاءت من معاوية بن أبي سفيان، أمير الشام إلا أن الدور الأهم في بناء تلك القوة اضطلعت به مصر، ومعاوية نفسه
стр. 205
كان يعرف أنه بدون التعاون بين الشام ومصر؛ فلن يكتب لمشروعه أن يرى النور ويصبح حقيقة واقعة، والشام ومصر آنئذ أجزاء من الدولة الإسلامية، والتعاون بينهما لن تكون أمامه عوائق. لا سيما في ظل حكم أميرين من طراز معاوية أمير الشام، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، أمير مصر، وكانت نتيجة ذلك التعاون عظيمة وباهرة، فقد نشأت قوة بحرية إسلامية هائلة، أثبتت وجودها بسرعة فائقة، وحققت انتصارات باهرة على البيزنطيين، وانتزعت منهم جزيرة قبرص (سنة ٣٣ هـ) «١» وحققت عليهم انتصارا حاسما في موقعة ذات الصواري (سنة ٣٤ هـ) . وأخذ الأسطول الإسلامي ينتزع السيادة على البحر الأبيض المتوسط من البيزنطيين، ونجح في ذلك حتى غدا ذلك البحر بحرا إسلاميّا لعدة قرون تالية.
وقصة التعاون بين الشام ومصر تؤكد الارتباط القوي بين أمن مصر وأمن الشام، فأية قوة تمتلك مصر لا تكون آمنة إذا كانت الشام في يد قوة معادية، وهذه حقيقة اكتشفها الفراعنة منذ وقت مبكر، وأول من أدركها الفرعون تحتمس الثالث عند ما طارد الحيثيين وانتصر عليهم في معركة مجدو (سنة ١٤٧٩ م) ، فإنه رفع العلم المصري عند شط الفرات في أقصى شمال شرق الشام، وقال هذه حدود مصر الشرقية «٢» .
وكذلك الحال بالنسبة للشام، لن تكون آمنة إذا كانت مصر في يد قوة معادية، وليس سرّا أن عمرو بن العاص عند ما فكر في فتح مصر كان يرمي من وراء ذلك إلى تأمين الوجود الإسلامي في الشام، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.
وطوال مراحل التاريخ الإسلامي أدرك حكام المسلمين ضرورة الوحدة بين الشام ومصر. فعند ما حدث الخلاف بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان- أمير الشام- كان أول ما فكر فيه هذا الأخير هو ضم مصر إلى دولته. وكان نجاحه في ذلك مفتاح نجاحه في الوصول إلى الخلافة، وبناء دولة أموية أصبح لها في التاريخ الإسلامي شأن كبير، وكذلك الحال عند ما تعرضت الدولة الأموية للزوال بعد وفاة يزيد بن معاوية (سنة ٦٤ هـ) وكادت تضيع، وعندئذ ظهر مروان بن الحكم بن
стр. 206
أبي العاص، واستطاع أن يلم شمل الأمويين من جديد، فبايعوه بالخلافة، واستهل عهده بالإنتصار على أنصار عبد الله بن الزبير في معركة مرج راهط الشهيرة «١» ، واستطاع استعادة الشام، كان أول ما فكر فيه بعد ذلك هو ضم مصر إلى الشام، انطلاقا من فهم استراتيجي سليم، وهو أنه إذا نجح في ضم مصر إلى الشام فلن تستطيع قوة أن تقف في طريقه وهذا ما حدث بالضبط، فبعد أن نجح في استرداد مصر من عبد الله بن الزبير، كان ذلك مفتاح نجاح خليفته وابنه عبد الملك في دحر قوات عبد الله بن الزبير، بل دحر كل خصومه في العراق وبلاد فارس والحجاز، وإعادة توحيد الدولة الإسلامية (سنة ٧٣ هـ) . حتى وصفه المؤرخون بأنه المؤسس الثاني للدولة الأموية.
وهكذا أخذت هذه التجارب تؤكد أن التحام الشام ومصر في دولة واحدة يجعلها قوة كبيرة ذات تأثير خطير على مجريات الأمور في الشرق كله. فصلاح الدين الأيوبي نجح في الانتصار على الصليبيين في حطين وما بعدها؛ لأنه تمكن من توحيد مصر والشام تحت حكمه، وكان بدوره مدركا لأهمية ذلك، ولم يبدأ عمله ضد الصليبيين إلا بعد أن تمكن من ضم الشام إلى دولته، وعلى خطاه سار المماليك في مقاومة الصليبيين والمغول، وانتصروا عليهم، وطهروا أرض الإسلام منهم.
وأعداء الأمة العربية والإسلامية يدركون ذلك جيدا فعندما قامت الوحدة بين مصر وسوريا في (٢٢ فبراير سنة ١٩٥٨ م) فيما عرف بالجمهورية العربية المتحدة؛ وعندئذ أدركت القوى الاستعمارية الغربية أن الخطر أصبح وشيكا على صنيعتهم إسرائيل التي زرعوها في بلادنا وخططوا لبقائها. وقالوا: إن إسرائيل أصبحت بين كسارة البندق؛ سوريا من الشمال ومصر من الجنوب. لذلك لم يهدأ لكل القوى المعادية للعروبة والإسلام بال إلا بعد أن تمكنوا بكل الوسائل من فصل سوريا عن مصر في (٢٨ سبتمبر سنة ١٩٦١ م) .
هذه هي عبر التاريخ ودروسه عن الارتباط الأمني الوثيق بين الشام ومصر.
فالبيزنطيون أنفسهم كانوا مدركين لأهمية الارتباط بين الشام ومصر، وهما تحت حكمهم، خاصة في الشؤون البحرية «فكان التقسيم الإداري للدولة البيزنطية قبل ظهور الإسلام يجمع بين الشام ومصر في العمليات البحرية، ويقضي بتعبئة أساطيلهما معا لإخضاع العناصر التي تشق عصا الطاعة على السلطات البيزنطية، في
стр. 207
أي بلد من البلاد التابعة لها في حوض البحر الأبيض المتوسط، وفضلا عن ذلك ربطت العوامل الطبيعية بين مصر والشام في الشؤون البحرية، وجعلت كلّا منهما لا تستغني عن الآخرى.. ولكن في ظل الإسلام انتظمت العلاقات بينهما على أساس التعاون لما فيه نصرة الإسلام، ولا سيما أمام عدوهم المشترك من البيزنطيين» «١» .
* دور الصناعة في مصر وأثرها في إنشاء الأساطيل الإسلامية
كانت مصر مركزا من مراكز صناعة السفن الحربية أثناء الحكم البيزنطي لها، ولأهلها خبرة طويلة في هذا الميدان، ومن المراكز الهامة: دار الصناعة في الإسكندرية ودمياط ورشيد وتنيس والقلزم- السويس- ودار الصناعة اسم للمكان المعد لإنشاء السفن، والعرب هم أول من استعمل هذه التسمية، وعنهم أخذها الأوربيون بعد اتصالهم بهم في الأندلس، وأثناء الحروب الصليبية في الشرق. فأطلق الإيطاليون على دار الصناعة اسم DARSENA ,ARSENALE: وأطلق عليها الأسبان ARSENAL.
هذه الدور المخصصة لصناعة السفن، والتي كانت منتشرة في مصر على شواطئ البحرين- الأحمر والأبيض المتوسط- هي التي اضطلعت بمهمة بناء الأساطيل البحرية الإسلامية، لا في مصر وحدها؛ بل في مصر والشام وبلاد المغرب، وكانت هذه الدور تمثل كنزا ثمينا للعرب المسلمين وهم بصدد بناء قوة بحرية تنازل الأساطيل البيزنطية العتيدة في البحر الأبيض المتوسط. وقد عوضت الخبرات المصرية في هذا الميدان ما كان يفتقر إليه العرب في مطلع عهدهم. فالعرب وإن كانوا يفتقرون إلى الخبرة اللازمة لبناء السفن الحربية فإنهم كانوا يمتلكون الشجاعة والواقعية للاعتراف بذلك، وفي الوقت نفسه كان لديهم الاستعداد للتعلم من الآخرين كل ما هم في حاجة إليه.
وقد تعلموا من أبناء البلاد المفتوحة كثيرا من الأشياء التي لم يكونوا يجيدونها، وأبناء البلاد المفتوحة أنفسهم أقبلوا على خدمة العرب الفاتحين بكل ما أوتوا من قوة نتيجة لسياسة التسامح والعدل وإطلاق الحريات، وبصفة خاصة الحرية الدينية التي نعموا بها تحت الحكم العربي.
يقول ابن خالدون في هذا الصدد: «فلما استقر الملك للعرب وشمخ سلطانهم، وصارت أمم البحر خولا لهم «٢» ، وتحت أيديهم، وتقرّب كل ذي صنعة إليهم بمبلغ
стр. 208
صناعته، واستخدموا من النواتية في حاجاتهم البحرية أمما، وتكررت ممارستهم البحر وثقافته، واستخدموا بصراء بها، فتاقت نفوسهم إلى الجهاد فيه، وأنشؤوا فيه السفن والشواني، وشحنوا الأساطيل بالرجال والسلاح، وأمطوها العساكر المقاتلة لمن وراء البحر من أمم الكفر، واختصوا بذلك من ممالكهم وثغورهم ما كان أقرب إلى هذا البحر وعلى حافته» «١» .
كانت مصر أول بلد استفاد العرب الفاتحون من خبرته في بناء أساطيلهم البحرية «٢» ولم يدخر أبناء مصر- من أسلم منهم ومن بقي على مسيحيته- وسعا في تقديم خبرتهم للعرب الفاتحين، وفي التفاني في خدمتهم لما رأوه منهم من تسامح وحسن معاملة.
* دار الصناعة في الإسكندرية:
كانت الإسكندرية عاصمة مصر منذ أنشأها الإسكندر الأكبر المقدوني (سنة ٣٣٢ ق. م) إلى الفتح الإسلامي لمصر. وكانت من أكبر دور صناعة السفن لا الحربية فقط، بل التجارية أيضا؛ لأنها كانت من أكبر أسواق العالم، وأكثر ثغوره ازدحاما وحركة في تجارة القمح والكتان والورق والزجاج، وغير ذلك من منتجات البلاد الزراعية والصناعية. وكان تصدير هذه المنتجات يحتاج إلى أسطول من المراكب التجارية لنقلها إلى شتى موانئ البحرين الأحمر والأبيض المتوسط. وإلى جانب المراكب التجارية كانت مصر تصنع السفن الحربية للدولة البيزنطية، التي كان بعضها يسع ألف رجل، وهي السفن التي كانت تشبه ما يطلق عليه البوارج في العصر الحاضر، وهناك سفن كان حجمها أصغر، تسع الواحدة منها مائة رجل، ويمكن تسمية ذلك النوع الصغير بالطرادات «٣» .
كان من الطبيعي وقد انعقد عزم العرب على بناء أساطيلهم البحرية أن يهتموا بالقائم من دور الصناعة، وبصفة خاصة في مصر، وكان من الطبيعي أن تكون مدينة الإسكندرية من أوائل المدن البحرية التي يولونها عنايتهم، خصوصا وأنها معرضة أكثر من غيرها لهجمات الأساطيل البيزنطية، فالبيزنطيون لم يرفعوا عيونهم
стр. 209
عنها منذ أن فتحها العرب، ولم يفقدوا الأمل في استعادتها منهم، كما نجحوا في استعادتها من الفرس من قبل. ومما زاد من عناية العرب الفاتحين بالإسكندرية تعرضها لهجوم بحري بيزنطي خطير بعد فتحها، مما يدل على إصرار البيزنطيين على استردادها. ففي سنة (٢٥ هـ/ ٦٤٥ م) هاجم أسطول بيزنطي ضخم مدينة الإسكندرية واستطاع أن يستولي عليها بمساعدة من بقي فيها من الروم، الذين أبقاهم المسلمون ومنحوهم الحرية والأمان، ولكنهم لم يحفطوا هذا كله، بل غدروا وتعاونوا مع الأسطول البيزنطي، وسهلوا له الاستيلاء على الإسكندرية، ولم يقنع قائد الأسطول البيزنطي مانويل بالاستيلاء على الإسكندرية، بل سار بقواته جنوبا إلى حصن بابليون لاستعادة مصر كلها. الأمر الذي جعل الخليفة عثمان بن عفان يعهد إلى عمرو بن العاص- فاتح مصر والذي كان قد طلب إعفاءه من ولايتها- بمهمة طرد الروم منها ثانية.
ولم يتردد القائد الكبير والفاتح العظيم في القيام بواجبه، وقد نجح في طرد الروم من مصر كلها مرة أخرى وإلى الأبد «١» .
هذه الحادثة قوت عزيمة المسلمين وأقنعتهم بضرورة الإسراع في بناء قوتهم البحرية الذاتية، وأكدت أن معاوية بن أبي سفيان كان على حق، وكان رجلا بعيد النظر حين فكّر في بناء الأساطيل البحرية الإسلامية، وإصراره على تنفيذ مشروعه، مهما كانت العقبات والمعارضات.
كانت الإسكندرية إذن من أوائل الموانئ المصرية التي أحيا فيها العرب الفاتحون صناعة بناء السفن، ولم تصبح مركزا من أهم مراكز صناعة السفن الحربية فحسب، بل أصبحت قاعدة لانطلاق الأساطيل المصرية في العصر الإسلامي لغزو بلاد الروم نفسها. ولم تكن تمد الأسطول المصري وحده بالسفن اللازمة، بل كانت تبني فيها السفن اللازمة للأسطول الشامي، بناء على طلب معاوية بن أبي سفيان «٢» الذي أصبح خليفة منذ سنة (٤١ هـ/ ٦٦٠ م) وأصبح صاحب القرار، وليس في حاجة إلى استئذان أحد، ومن هنا كانت انطلاقة المسلمين البحرية.
ويتضح من أوراق البردي العربية، والتي اكتشفت بالصدفة في كوم شقاو- أفروديتو- من أعمال محافظة أسيوط، يتضح من هذه الأوراق أن الإسكندرية
стр. 210
أصبحت مركزا هامّا لصناعة السفن بعد الفتح الإسلامي بسنوات قلائل، وأن الأساطيل كانت تخرج منها للغزو، ففي إحدى البرديات يطلب والي مصر قرة بن شريك (٩٠- ٩٦ هـ/ ٧٠٨- ٧١٤ م) من باسيليوس، حاكم كوم شقاو إرسال الزبد من أجل المقاتلين بالأسطول الهجومي المصري إلى تيودور الجسال الذي كان يقود الأسطول في الإسكندرية، وكان مسيحيّا على ما هو ظاهر من اسمه.
وتحتوي بردية أخرى على طلب عاجل، يطلب فيه الوالي ملاحين وعمالا مهرة للعمل في أسطول الإسكندرية.
إضافة إلى المعلومات الوفيرة التي زودتنا بها برديات كوم شقاو عن دار صناعة السفن بالإسكندرية، فإننا نجد حشدا كذلك من المعلومات عن الموضوع نفسه في كتب الجغرافيين والمؤرخين والرحالة المسلمين، فقد تحدث هؤلاء بإطناب- أحيانا- عن الإسكندرية ودار صناعتها ومكانتها الكبيرة في نشاط الأساطيل الإسلامية، وتزويدها بكل ما تحتاج.
كما تحدثوا عن منارتها- إحدى عجائب الدنيا- التي كانت لا تزال موجودة عند الفتح الإسلامي، واستمرت بعده تؤدي رسالتها في خدمة الأغراض البحرية، كما وصفوا مرآتها التي كانت تعلوها، وقالوا: إنها كانت تستخدم في رؤية العدو من بعد إذا قدم من بلاد الروم، وفي خطط المقريزي «١» كثير من هذه المعلومات.
وقد ذكر الرحالة الفارسي ناصر خسرو- الذي زار الإسكندرية في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر فيما بين سنتي (٤٣٩- ٤٤٢ هـ/ ١٠٤٧- ١٠٥٠ م) - أن منارة الإسكندرية كانت لا تزال موجودة تؤدي رسالتها عند زيارته للإسكندرية، ومن قوله في ذلك الشأن: وفي الإسكندرية منارة كانت قائمة وأنا هناك، وقد كان فوقها مرآة محرقة، فلما جاءت سفينة رومية من القسطنطينية أصابتها نار من هذه الحرّاقة فأحرقتها «٢» .
وتتجلى أهمية قاعدة الإسكندرية في أن لها ميناءين عظيمين، يتسع كل منهما لعدد كبير من السفن، فضلا عن هدوء المياه في هذين الميناءين، بسبب وقوع جزيرة تدعى جزيرة فاروس شمالي الإسكندرية، وتمتد إلى حوالي ثلاثة أميال،
стр. 211
بحيث تقلّل من تلاطم أمواج البحر على الشاطئ، وقد اتصلت تلك الجزيرة بمدينة الإسكندرية منذ نشأتها بجسر عظيم أتاح لها مرسى آمنا للسفن حين تعصف الأنواء بمياه البحر «١» .
ومنذ أتم العرب فتح مصر أصبحت الإسكندرية موضع اهتمامهم، وأقاموا فيها أكبر قاعدة بحرية على الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط.
* دور صناعة السفن في رشيد ودمياط وتنيس:
رشيد مدينة مصرية قديمة تقع على مصب النيل الغربي وهو الفرع المعروف باسمها؛ فرع رشيد، والذي يلتقي فيه النيل بالبحر الأبيض المتوسط، وعن طريقه تصل السفن القادمة من البحر إلى النيل والعكس، وبعد الفتح الإسلامي لمصر أصبحت رشيد أحد المراكز البحرية المهمة، وكان يديرها موظف مسيحي، كما كان الحال في الإسكندرية.
وتمدنا أوراق البردي العربية بمعلومات وفيرة عن دار صناعة السفن في رشيد، وعن دورها في الجهاد البحري، وتشير إحدى البرديات إلى الإمدادات المطلوبة للمقاتلين على السفن، وتوضح أثمان السلع المرسلة إلى حاكمها المسيحي بافنتوثيوس
PAPHNTUTHISandcamelikeAnd Z٢z.
أما دمياط فتقع على مصب الفرع الشرقي للنيل والمنسوب إليها، وأوراق البردي حافلة بالمعلومات عن دار صناعة السفن إليها في العصر الإسلامي، وتشير إحدى تلك البرديات إلى كمية الإمدادات والمواد التموينية من الدقيق والخبز والبقول والزيت والخل والملح، اللازمة لعشرين بحّارا من العاملين بالأسطول الهجومي للشرق، والمرابط في دمياط «٣» .
وقد اهتم الخلفاء المسلمون بدمياط ودار صناعتها اهتماما كبيرا، وأولوها عناية فائقة؛ لأنها كانت معرضة دائما لهجمات الأساطيل البيزنطية.
يقول المقريزي عن دمياط «٤» : «إنها ظلت بيد المسلمين منذ الفتح الأول على يد عمرو بن العاص، إلى أن نزل عليها الروم سنة تسعين من الهجرة، فأسروا خالد
стр. 212
أصبحت مركزا هامّا لصناعة السفن بعد الفتح الإسلامي بسنوات قلائل، وأن الأساطيل كانت تخرج منها للغزو، ففي إحدى البرديات يطلب والي مصر قرة بن شريك (٩٠- ٩٦ هـ/ ٧٠٨- ٧١٤ م) من باسيليوس، حاكم كوم شقاو إرسال الزبد من أجل المقاتلين بالأسطول الهجومي المصري إلى تيودور الجسال الذي كان يقود الأسطول في الإسكندرية، وكان مسيحيّا على ما هو ظاهر من اسمه.
وتحتوي بردية أخرى على طلب عاجل، يطلب فيه الوالي ملاحين وعمالا مهرة للعمل في أسطول الإسكندرية.
إضافة إلى المعلومات الوفيرة التي زودتنا بها برديات كوم شقاو عن دار صناعة السفن بالإسكندرية، فإننا نجد حشدا كذلك من المعلومات عن الموضوع نفسه في كتب الجغرافيين والمؤرخين والرحالة المسلمين، فقد تحدث هؤلاء بإطناب- أحيانا- عن الإسكندرية ودار صناعتها ومكانتها الكبيرة في نشاط الأساطيل الإسلامية، وتزويدها بكل ما تحتاج.
كما تحدثوا عن منارتها- إحدى عجائب الدنيا- التي كانت لا تزال موجودة عند الفتح الإسلامي، واستمرت بعده تؤدي رسالتها في خدمة الأغراض البحرية، كما وصفوا مرآتها التي كانت تعلوها، وقالوا: إنها كانت تستخدم في رؤية العدو من بعد إذا قدم من بلاد الروم، وفي خطط المقريزي «١» كثير من هذه المعلومات.
وقد ذكر الرحالة الفارسي ناصر خسرو- الذي زار الإسكندرية في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر فيما بين سنتي (٤٣٩- ٤٤٢ هـ/ ١٠٤٧- ١٠٥٠ م) - أن منارة الإسكندرية كانت لا تزال موجودة تؤدي رسالتها عند زيارته للإسكندرية، ومن قوله في ذلك الشأن: وفي الإسكندرية منارة كانت قائمة وأنا هناك، وقد كان فوقها مرآة محرقة، فلما جاءت سفينة رومية من القسطنطينية أصابتها نار من هذه الحرّاقة فأحرقتها «٢» .
وتتجلى أهمية قاعدة الإسكندرية في أن لها ميناءين عظيمين، يتسع كل منهما لعدد كبير من السفن، فضلا عن هدوء المياه في هذين الميناءين، بسبب وقوع جزيرة تدعى جزيرة فاروس شمالي الإسكندرية، وتمتد إلى حوالي ثلاثة أميال،
стр. 213
بحيث تقلّل من تلاطم أمواج البحر على الشاطئ، وقد اتصلت تلك الجزيرة بمدينة الإسكندرية منذ نشأتها بجسر عظيم أتاح لها مرسى آمنا للسفن حين تعصف الأنواء بمياه البحر «١» .
ومنذ أتم العرب فتح مصر أصبحت الإسكندرية موضع اهتمامهم، وأقاموا فيها أكبر قاعدة بحرية على الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط.
* دور صناعة السفن في رشيد ودمياط وتنيس:
رشيد مدينة مصرية قديمة تقع على مصب النيل الغربي وهو الفرع المعروف باسمها؛ فرع رشيد، والذي يلتقي فيه النيل بالبحر الأبيض المتوسط، وعن طريقه تصل السفن القادمة من البحر إلى النيل والعكس، وبعد الفتح الإسلامي لمصر أصبحت رشيد أحد المراكز البحرية المهمة، وكان يديرها موظف مسيحي، كما كان الحال في الإسكندرية.
وتمدنا أوراق البردي العربية بمعلومات وفيرة عن دار صناعة السفن في رشيد، وعن دورها في الجهاد البحري، وتشير إحدى البرديات إلى الإمدادات المطلوبة للمقاتلين على السفن، وتوضح أثمان السلع المرسلة إلى حاكمها المسيحي بافنتوثيوس
.z٢Z dnAekilemacdnaSIHTUTNHPAP
أما دمياط فتقع على مصب الفرع الشرقي للنيل والمنسوب إليها، وأوراق البردي حافلة بالمعلومات عن دار صناعة السفن إليها في العصر الإسلامي، وتشير إحدى تلك البرديات إلى كمية الإمدادات والمواد التموينية من الدقيق والخبز والبقول والزيت والخل والملح، اللازمة لعشرين بحّارا من العاملين بالأسطول الهجومي للشرق، والمرابط في دمياط «٣» .
وقد اهتم الخلفاء المسلمون بدمياط ودار صناعتها اهتماما كبيرا، وأولوها عناية فائقة؛ لأنها كانت معرضة دائما لهجمات الأساطيل البيزنطية.
يقول المقريزي عن دمياط «٤» : «إنها ظلت بيد المسلمين منذ الفتح الأول على يد عمرو بن العاص، إلى أن نزل عليها الروم سنة تسعين من الهجرة، فأسروا خالد
стр. 214
ابن كيسان، وكان على البحر- أي: قائد الأسطول- هناك وسيروه إلى ملك الروم، فأنفذه إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك من أجل الهدنة التي كانت بينه وبين الروم، فلما كانت خلافة هشام بن عبد الملك (١٠٥- ١٢٥ هـ/ ٧٢٣- ٧٤٢ م) نزل الروم دمياط في ثلاثمائة وستين مركبا، فقتلوا وسبوا، وذلك في سنة إحدى وعشرين ومائة» .
ثم يوالي المقريزي حديثه، فيقول: «وكانت الفتنة بين الأخوين؛ محمد الأمين وعبد الله المأمون، وكانت الفتن بأرض مصر، فطمع الروم في البلاد، ونزلوا دمياط، في أعوام بضع ومائتين، ثم لما كانت خلافة أمير المؤمنين، المتوكل على الله (٢٣٢- ٢٤٧ هـ/ ٨٤٦- ٨٦١ م) وأمير مصر يومئذ عنبسة بن إسحاق، نزل الروم دمياط يوم عرفة؛ سنة ثمان وثلاثين ومائتين، فملكوها وما فيها، وقتلوا بها جمعا كثيرا من المسلمين، وسبوا النساء والأطفال وأهل الذمة، فنفر إليهم عنبسة بن إسحاق، يوم النحر في جيشه، ونفر كثير من الناس إليهم، فلم يدركوهم، ومضى الروم إلى تنيس، فأمر المتوكل ببناء حصن دمياط.. ثم يوالي المقريزي حديثه عن هجمات الروم المتوالية في السنوات التالية، مما جعل ولاة الأمر، سواء الخلفاء العباسيون وولاة مصر في عهودهم، أو حتى حكام مصر في عهود الاستقلال مثل الطولونيين والإخشيديين- يوالون الاهتمام بدمياط وتحصينها، يقول المقريزي:
«وكان بدمياط دار لصناعة السفن يديرها أهل الخبرة في هذا الفن» «١» .
أما تنيس فيقول عنها ياقوت الحموي «٢» : جزيرة في بحر مصر، قريبة من البر، ما بين الفرما ودمياط، والفرما في شرقيها.. ويقول: «إنها كانت أجمل من دمياط.. ولما فتحت مصر في سنة عشرين من الهجرة كانت تنيس حينئذ خصاصا من القصب، وكان بها الروم، وقاتلوا أصحاب عمرو بن العاص، وقتل بها جماعة من المسلمين، وقبورهم معروفة بقبور الشهداء، عند الرمل فوق مسجد غازي، وكان بتنيس ميناء يسمى أشتوم، يستقبل السفن القادمة من سوريا والمغرب، ويذكر الرحالة الفارسي ناصر خسرو أن ألف سفينة كانت ترسو هناك. ويذكر ابن حوقل أنها كانت من أهم الجزر التي اعتمدت كلية على السفن في اتصالاتها، وقد دهش لبراعة الملاحة البحرية فيها «٣» .
стр. 215
* دار صناعة السفن بالقلزم- السويس -:
كانت القلزم التي تقع على الطرف الشمالي للبحر الأحمر دارا لصناعة السفن منذ العصر الفرعوني، واستمرت تؤدي هذا الدور بعد الفتح الإسلامي، بل ازدادت أهميتها؛ نظرا لأنها تمثل حلقة وصل بين البحر الأبيض المتوسط والبحار الشرقية.
خصوصا بعد أن أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بحفر الخليج الذي نسب إليه، لربط النيل بالبحر الأحمر؛ لتسهيل حركة السفر والتجارة بين مصر والمدينة المنورة عاصمة الخلافة الإسلامية في ذلك الوقت «١» . وقد ازدهرت صناعة السفن الحربية في القلزم- السويس- بعد الفتح الإسلامي- وأيضا هنا تمدنا أوراق البردي العربية بمعلومات وفيرة عن ازدهار دار صناعتها، وذلك من خلال المراسلات التي دارت بين أمير مصر قرة بن شريك (٩٠- ٩٦ هـ/ ٧٠٨- ٧١٤ م) وبين حاكم إقليم كوم شقاو، وهو مسيحي يسمى باسل، أو باسيليوس، في هذه المراسلات التي سجلتها مجموعة أوراق بردي كوم شقاو يطلب الأمير من حاكم الإقليم توفير العمال المهرة للعمل في بناء السفن في ميناء القلزم، وكذلك يطلب منه الأموال المفروضة على ذلك الإقليم لتحقيق نفس الغرض، وهكذا يتضح من الإشارات العديدة التي وردت في تلك البرديات أن القلزم كانت مركزا بحريّا هامّا تحت إدارة موظف عربي يدعى محمد بن أبي جيلية، وبعض البرديات تحتوي على قوائم بالأشياء المطلوبة من إقليم كوم شقاو، من نقود وبحارة لسفن الأسطول بالقلزم.
* دار صناعة السفن بجزيرة الروضة:
تقع جزيرة الروضة في وسط النيل، غربي حصن بابليون، وأحيانا يطلق عليها الجزيرة فقط، لشهرتها إذا سمع المتكلم اسم الجزيرة عرف أنها هي، وأحيانا كانت تضاف إلى مصر. وتذكر مصادر التاريخ «٢» أن دار صناعتها أنشئت في عهد والي مصر مسلمة بن مخلد الأنصاري (٤٧- ٦٢ هـ/ ٦٦٧- ٦٨١ م) من قبل الخليفة معاوية بن أبي سفيان.
وقد بدأ العمل في دار صناعتها سنة (٥٤ هـ/ ٦٧٤ م) «٣» أي في السنة التالية