← История

История · id 9899

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

عبد الشافى محمد عبد اللطيف

Полный текст (404 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بحيث تقلّل من تلاطم أمواج البحر على الشاطئ، وقد اتصلت تلك الجزيرة بمدينة الإسكندرية منذ نشأتها بجسر عظيم أتاح لها مرسى آمنا للسفن حين تعصف الأنواء بمياه البحر «١» . ومنذ أتم العرب فتح مصر أصبحت الإسكندرية موضع اهتمامهم، وأقاموا فيها أكبر قاعدة بحرية على الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط. * دور صناعة السفن في رشيد ودمياط وتنيس: رشيد مدينة مصرية قديمة تقع على مصب النيل الغربي وهو الفرع المعروف باسمها؛ فرع رشيد، والذي يلتقي فيه النيل بالبحر الأبيض المتوسط، وعن طريقه تصل السفن القادمة من البحر إلى النيل والعكس، وبعد الفتح الإسلامي لمصر أصبحت رشيد أحد المراكز البحرية المهمة، وكان يديرها موظف مسيحي، كما كان الحال في الإسكندرية. وتمدنا أوراق البردي العربية بمعلومات وفيرة عن دار صناعة السفن في رشيد، وعن دورها في الجهاد البحري، وتشير إحدى البرديات إلى الإمدادات المطلوبة للمقاتلين على السفن، وتوضح أثمان السلع المرسلة إلى حاكمها المسيحي بافنتوثيوس PAPHNTUTHISandcamelikeAnd Z٢z. أما دمياط فتقع على مصب الفرع الشرقي للنيل والمنسوب إليها، وأوراق البردي حافلة بالمعلومات عن دار صناعة السفن إليها في العصر الإسلامي، وتشير إحدى تلك البرديات إلى كمية الإمدادات والمواد التموينية من الدقيق والخبز والبقول والزيت والخل والملح، اللازمة لعشرين بحّارا من العاملين بالأسطول الهجومي للشرق، والمرابط في دمياط «٣» . وقد اهتم الخلفاء المسلمون بدمياط ودار صناعتها اهتماما كبيرا، وأولوها عناية فائقة؛ لأنها كانت معرضة دائما لهجمات الأساطيل البيزنطية. يقول المقريزي عن دمياط «٤» : «إنها ظلت بيد المسلمين منذ الفتح الأول على يد عمرو بن العاص، إلى أن نزل عليها الروم سنة تسعين من الهجرة، فأسروا خالد

стр. 212

أصبحت مركزا هامّا لصناعة السفن بعد الفتح الإسلامي بسنوات قلائل، وأن الأساطيل كانت تخرج منها للغزو، ففي إحدى البرديات يطلب والي مصر قرة بن شريك (٩٠- ٩٦ هـ/ ٧٠٨- ٧١٤ م) من باسيليوس، حاكم كوم شقاو إرسال الزبد من أجل المقاتلين بالأسطول الهجومي المصري إلى تيودور الجسال الذي كان يقود الأسطول في الإسكندرية، وكان مسيحيّا على ما هو ظاهر من اسمه. وتحتوي بردية أخرى على طلب عاجل، يطلب فيه الوالي ملاحين وعمالا مهرة للعمل في أسطول الإسكندرية. إضافة إلى المعلومات الوفيرة التي زودتنا بها برديات كوم شقاو عن دار صناعة السفن بالإسكندرية، فإننا نجد حشدا كذلك من المعلومات عن الموضوع نفسه في كتب الجغرافيين والمؤرخين والرحالة المسلمين، فقد تحدث هؤلاء بإطناب- أحيانا- عن الإسكندرية ودار صناعتها ومكانتها الكبيرة في نشاط الأساطيل الإسلامية، وتزويدها بكل ما تحتاج. كما تحدثوا عن منارتها- إحدى عجائب الدنيا- التي كانت لا تزال موجودة عند الفتح الإسلامي، واستمرت بعده تؤدي رسالتها في خدمة الأغراض البحرية، كما وصفوا مرآتها التي كانت تعلوها، وقالوا: إنها كانت تستخدم في رؤية العدو من بعد إذا قدم من بلاد الروم، وفي خطط المقريزي «١» كثير من هذه المعلومات. وقد ذكر الرحالة الفارسي ناصر خسرو- الذي زار الإسكندرية في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر فيما بين سنتي (٤٣٩- ٤٤٢ هـ/ ١٠٤٧- ١٠٥٠ م) - أن منارة الإسكندرية كانت لا تزال موجودة تؤدي رسالتها عند زيارته للإسكندرية، ومن قوله في ذلك الشأن: وفي الإسكندرية منارة كانت قائمة وأنا هناك، وقد كان فوقها مرآة محرقة، فلما جاءت سفينة رومية من القسطنطينية أصابتها نار من هذه الحرّاقة فأحرقتها «٢» . وتتجلى أهمية قاعدة الإسكندرية في أن لها ميناءين عظيمين، يتسع كل منهما لعدد كبير من السفن، فضلا عن هدوء المياه في هذين الميناءين، بسبب وقوع جزيرة تدعى جزيرة فاروس شمالي الإسكندرية، وتمتد إلى حوالي ثلاثة أميال،

стр. 213

بحيث تقلّل من تلاطم أمواج البحر على الشاطئ، وقد اتصلت تلك الجزيرة بمدينة الإسكندرية منذ نشأتها بجسر عظيم أتاح لها مرسى آمنا للسفن حين تعصف الأنواء بمياه البحر «١» . ومنذ أتم العرب فتح مصر أصبحت الإسكندرية موضع اهتمامهم، وأقاموا فيها أكبر قاعدة بحرية على الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط. * دور صناعة السفن في رشيد ودمياط وتنيس: رشيد مدينة مصرية قديمة تقع على مصب النيل الغربي وهو الفرع المعروف باسمها؛ فرع رشيد، والذي يلتقي فيه النيل بالبحر الأبيض المتوسط، وعن طريقه تصل السفن القادمة من البحر إلى النيل والعكس، وبعد الفتح الإسلامي لمصر أصبحت رشيد أحد المراكز البحرية المهمة، وكان يديرها موظف مسيحي، كما كان الحال في الإسكندرية. وتمدنا أوراق البردي العربية بمعلومات وفيرة عن دار صناعة السفن في رشيد، وعن دورها في الجهاد البحري، وتشير إحدى البرديات إلى الإمدادات المطلوبة للمقاتلين على السفن، وتوضح أثمان السلع المرسلة إلى حاكمها المسيحي بافنتوثيوس .z٢Z dnAekilemacdnaSIHTUTNHPAP أما دمياط فتقع على مصب الفرع الشرقي للنيل والمنسوب إليها، وأوراق البردي حافلة بالمعلومات عن دار صناعة السفن إليها في العصر الإسلامي، وتشير إحدى تلك البرديات إلى كمية الإمدادات والمواد التموينية من الدقيق والخبز والبقول والزيت والخل والملح، اللازمة لعشرين بحّارا من العاملين بالأسطول الهجومي للشرق، والمرابط في دمياط «٣» . وقد اهتم الخلفاء المسلمون بدمياط ودار صناعتها اهتماما كبيرا، وأولوها عناية فائقة؛ لأنها كانت معرضة دائما لهجمات الأساطيل البيزنطية. يقول المقريزي عن دمياط «٤» : «إنها ظلت بيد المسلمين منذ الفتح الأول على يد عمرو بن العاص، إلى أن نزل عليها الروم سنة تسعين من الهجرة، فأسروا خالد

стр. 214

ابن كيسان، وكان على البحر- أي: قائد الأسطول- هناك وسيروه إلى ملك الروم، فأنفذه إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك من أجل الهدنة التي كانت بينه وبين الروم، فلما كانت خلافة هشام بن عبد الملك (١٠٥- ١٢٥ هـ/ ٧٢٣- ٧٤٢ م) نزل الروم دمياط في ثلاثمائة وستين مركبا، فقتلوا وسبوا، وذلك في سنة إحدى وعشرين ومائة» . ثم يوالي المقريزي حديثه، فيقول: «وكانت الفتنة بين الأخوين؛ محمد الأمين وعبد الله المأمون، وكانت الفتن بأرض مصر، فطمع الروم في البلاد، ونزلوا دمياط، في أعوام بضع ومائتين، ثم لما كانت خلافة أمير المؤمنين، المتوكل على الله (٢٣٢- ٢٤٧ هـ/ ٨٤٦- ٨٦١ م) وأمير مصر يومئذ عنبسة بن إسحاق، نزل الروم دمياط يوم عرفة؛ سنة ثمان وثلاثين ومائتين، فملكوها وما فيها، وقتلوا بها جمعا كثيرا من المسلمين، وسبوا النساء والأطفال وأهل الذمة، فنفر إليهم عنبسة بن إسحاق، يوم النحر في جيشه، ونفر كثير من الناس إليهم، فلم يدركوهم، ومضى الروم إلى تنيس، فأمر المتوكل ببناء حصن دمياط.. ثم يوالي المقريزي حديثه عن هجمات الروم المتوالية في السنوات التالية، مما جعل ولاة الأمر، سواء الخلفاء العباسيون وولاة مصر في عهودهم، أو حتى حكام مصر في عهود الاستقلال مثل الطولونيين والإخشيديين- يوالون الاهتمام بدمياط وتحصينها، يقول المقريزي: «وكان بدمياط دار لصناعة السفن يديرها أهل الخبرة في هذا الفن» «١» . أما تنيس فيقول عنها ياقوت الحموي «٢» : جزيرة في بحر مصر، قريبة من البر، ما بين الفرما ودمياط، والفرما في شرقيها.. ويقول: «إنها كانت أجمل من دمياط.. ولما فتحت مصر في سنة عشرين من الهجرة كانت تنيس حينئذ خصاصا من القصب، وكان بها الروم، وقاتلوا أصحاب عمرو بن العاص، وقتل بها جماعة من المسلمين، وقبورهم معروفة بقبور الشهداء، عند الرمل فوق مسجد غازي، وكان بتنيس ميناء يسمى أشتوم، يستقبل السفن القادمة من سوريا والمغرب، ويذكر الرحالة الفارسي ناصر خسرو أن ألف سفينة كانت ترسو هناك. ويذكر ابن حوقل أنها كانت من أهم الجزر التي اعتمدت كلية على السفن في اتصالاتها، وقد دهش لبراعة الملاحة البحرية فيها «٣» .

стр. 215

* دار صناعة السفن بالقلزم- السويس -: كانت القلزم التي تقع على الطرف الشمالي للبحر الأحمر دارا لصناعة السفن منذ العصر الفرعوني، واستمرت تؤدي هذا الدور بعد الفتح الإسلامي، بل ازدادت أهميتها؛ نظرا لأنها تمثل حلقة وصل بين البحر الأبيض المتوسط والبحار الشرقية. خصوصا بعد أن أمر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بحفر الخليج الذي نسب إليه، لربط النيل بالبحر الأحمر؛ لتسهيل حركة السفر والتجارة بين مصر والمدينة المنورة عاصمة الخلافة الإسلامية في ذلك الوقت «١» . وقد ازدهرت صناعة السفن الحربية في القلزم- السويس- بعد الفتح الإسلامي- وأيضا هنا تمدنا أوراق البردي العربية بمعلومات وفيرة عن ازدهار دار صناعتها، وذلك من خلال المراسلات التي دارت بين أمير مصر قرة بن شريك (٩٠- ٩٦ هـ/ ٧٠٨- ٧١٤ م) وبين حاكم إقليم كوم شقاو، وهو مسيحي يسمى باسل، أو باسيليوس، في هذه المراسلات التي سجلتها مجموعة أوراق بردي كوم شقاو يطلب الأمير من حاكم الإقليم توفير العمال المهرة للعمل في بناء السفن في ميناء القلزم، وكذلك يطلب منه الأموال المفروضة على ذلك الإقليم لتحقيق نفس الغرض، وهكذا يتضح من الإشارات العديدة التي وردت في تلك البرديات أن القلزم كانت مركزا بحريّا هامّا تحت إدارة موظف عربي يدعى محمد بن أبي جيلية، وبعض البرديات تحتوي على قوائم بالأشياء المطلوبة من إقليم كوم شقاو، من نقود وبحارة لسفن الأسطول بالقلزم. * دار صناعة السفن بجزيرة الروضة: تقع جزيرة الروضة في وسط النيل، غربي حصن بابليون، وأحيانا يطلق عليها الجزيرة فقط، لشهرتها إذا سمع المتكلم اسم الجزيرة عرف أنها هي، وأحيانا كانت تضاف إلى مصر. وتذكر مصادر التاريخ «٢» أن دار صناعتها أنشئت في عهد والي مصر مسلمة بن مخلد الأنصاري (٤٧- ٦٢ هـ/ ٦٦٧- ٦٨١ م) من قبل الخليفة معاوية بن أبي سفيان. وقد بدأ العمل في دار صناعتها سنة (٥٤ هـ/ ٦٧٤ م) «٣» أي في السنة التالية

стр. 216

لإغارة قام بها الروم على مدينة البرلس. وإنشاء دار لصناعة السفن في جزيرة الروضة عدا الدور التي سبق الحديث عنها في الإسكندرية ورشيد ودمياط وتنيس والقلزم مما يدل على الحاجة إلى مزيد من السفن اللازمة للأسطول البحري الإسلامي، وبصفة خاصة في مصر؛ لأن ذلك التاريخ يواكب بعث حركة الفتوحات في شمال أفريقيا، وهي مناطق ساحلية وحاجتها إلى سفن لنقل الخيول والمعدات حاجة ماسة وكذلك لحماية تلك الشواطئ من هجمات الروم، وكان إنتاج دار صناعة السفن بالجزيرة ذا أهمية كبيرة؛ لأنها كانت تنتج أنواعا كبيرة، مثل الشواني، ولم تكن جزيرة الروضة مجرد دار لصناعة السفن وإنما كانت قاعدة بحرية عسكرية، أي فيها قوات بحرية مستعدة للقتال إذا دعا داعي الجهاد، ويصف المقريزي اهتمام الأمراء بأمر دار صناعة جزيرة الروضة، والقوات المرابطة فيها، فيقول: «وجعلت الأرزاق لغزاة البحر كما هي لغزاة البر، وانتدب الأمراء لها الرماة، فاجتهد الناس بمصر في تعليم أولادهم الرماية، وجميع أنواع المحاربة، وانتخب له القادة العارفون بمحاربة العدو، وكان لا ينزل في رجال الأسطول غشيم ولا جاهل بأمور الحرب؛ هذا وللناس إذ ذاك رغبة في جهاد أعداء الله وإقامة دينه، لا جرم أن كان لخدام الأسطول حرمة ومكانة، ولكل واحد من الناس رغبة في أن يعد من جملتهم، فيسعى بالوسائل حتى يستقر فيه، وكان من غزو الأسطول بلاد العدو ما قد شحنت به كتب التاريخ «١» . وتمدنا برديات كوم شقاو بمعلومات إضافية عن طلب والي مصر، قرة بن شريك من حاكم كوم شقاو إمداد دار الصناعة بالجزيرة بالعمال المهرة في صناعة السفن، فتشير إحدى البرديات إلى أوامر بتصنيع مسامير وطلب حدادين ونجارين وقلافين، لإصلاح وبناء وتنظيف السفن، وتشير بردية أخرى إلى طلب أخشاب وسلاسل نحاسية وحبال ووسائد ووبر- شعر- وأقمشة مطلوبة من أجل بناء السفن، كل هذا يدل على اتساع نطاق العمل في جزيرة الروضة، فهي دار لصناعة السفن وصيانتها، وهي ثكنات عسكرية بحرية مقاتلة، كما أنها كانت قلعة قوية لوجود حصن بابليون شرقيها، وكانت تقوم بحماية الملاحة النهرية في النيل «٢» . هذه المعلومات المهمة التي أمدتنا بها برديات كوم شقاو، التي اكتشفت

стр. 217

بالصدفة، وحديثها كله عن كوم شقاو وحده، والذي يبدو أنه كان من الأقاليم المشهورة في كل ما يتعلق بصناعة السفن، من تجارة وعمال مهرة، وأدوات صناعة من الأخشاب إلى المسامير والحبال.. إلخ. ولم يكن هو الإقليم الوحيد بطبيعة الحال، لكن حظه كان أحسن من غيره لاكتشاف بردياته، التي ألقت الضوء على ما كان يقدمه لصناعة السفن، وربما تكشف لنا الأيام عن أوراق بردي أخرى في أماكن أخرى تلقي الضوء على مناطق عديدة غير كوم شقاو كانت تمد الأساطيل بحاجتها من العمال المهرة وأدوات الصناعة، فتعدد الأساطيل، وتعدد دور الصناعة وتباعدها يقتضي الكثير من المراكز التي تمدها بحاجياتها من العمال والأدوات. فقبل أن ينتهي القرن الهجري الأول كان المسلمون قد امتلكوا ثلاثة أساطيل بحرية كبرى: الأسطول الشامي، والأسطول المغربي- وسيأتي الحديث عنهما وشيكا- والأسطول المصري، وهو أكبرها وأكثرها أهمية، كما كان أمير البحرية المصرية هو القائد العام لجميع هذه الأساطيل «١» ، وكثيرا ما اشترك الأسطولان الشامي والمصري في عمليات عسكرية واحدة، كما حدث في غزو جزيرة قبرص سنة (٢٨ هـ/ ٦٤٨ م) . وفي غزوة ذات الصواري الشهيرة سنة (٣٤ هـ/ ٦٥٤ م) وكان قائدها العام، الذي قاد القوات المشتركة من الأسطولين الشامي والمصري، هو أمير مصر عبد الله بن سعد بن أبي السرح «٢» ، وعلاوة على هذه الأساطيل الثلاثة الكبرى كانت هناك قوة بحرية أصغر حجما في البحر الأحمر لحراسته، وكانت تحت قيادة قائد الأسطول المصري، والجهد الأكبر والفضل الأول في بناء كل الأساطيل يرجع إلى أهل مصر. * المصريون يبنون أساطيل الشام: ذكرنا من قبل أن أول من أدرك حاجة المسلمين إلى امتلاك قوة بحرية لحماية شواطئ المسلمين في الشام ومصر، للارتباط الأمني الوثيق بين الإقليمين، ودعا إلى ذلك بقوة وإصرار، هو أمير الشام، معاوية بن أبي سفيان، غير أن دعوته اصطدمت بمعارضة قوية ممن بيده القرار، وهو الخليفة عمر بن الخطاب، ولكن على الرغم من

стр. 218

ذلك فإن معاوية لم ييأس، بل انتظر إلى أن لقي عمر بن الخطاب ربه، ففاتح الخليفة الثالث عثمان بن عفان، الذي عارض هو بدوره متأثرا بمعارضة عمر بن الخطاب، إلا أن معاوية نجح في النهاية بإقناعه وظفر بموافقته وبدأ على الفور في إنشاء قوة بحرية هائلة ظهر أثرها واضحا بعد سنوات قلائل من البداية، في غزوة جزيرة قبرص والاستيلاء عليها وفي الانتصار على أساطيل الروم، في أول وأكبر معركة بحرية دارت بينهم وبين المسلمين على شواطئ مصر الغربية، وهي معركة ذات الصواري، التي غيرت تاريخ البحر المتوسط، وجعلته بحر المسلمين، وكان قائد المعركة هو أمير مصر عبد الله بن سعد بن أبي السرح- كما مر ذكره. ومعاوية عند ما نهض بهذا المشروع العظيم، الذي يرجع الفضل إليه وحده في قيامه كان يعوّل في المقام الأول على أهل مصر، وعلى دور صناعة السفن في مصر، ولم يجد أية صعوبة في تعاون المصريين معه؛ لأن الشام ومصر كانتا ولايتين من ولايات الدولة الإسلامية الواحدة من ناحية، ومن ناحية ثانية فقد كان التفاهم قائما على أفضل ما يكون بينه وبين والي مصر، عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وكان كلا الرجلين يدرك تمام الإدراك أهمية الارتباط الأمني الوثيق بين الشام ومصر. ولم يقتصر دور المصريين على إمداد الأسطول الشامي بالسفن التي يحتاجها، والتي يتم تصنيعها على أرض مصر، وفي دور صناعتها، بل إن العمال المهرة المصريين ذهبوا إلى هناك إلى الموانئ الشامية التي أنشأها معاوية الذي أصبح أمير المؤمنين، والقرار بيده وحده، فقد أمر بإنشاء دار صناعة في عكا على أثر غارة بيزنطية ضخمة على شواطئ الشام سنة (٤٩ هـ/ ٦٦٩ م) . وتدل أوراق البردي المصرية، على أن العمال المصريين قد أسهموا إسهاما كبيرا في بناء السفن في ميناء عكا، وكانوا أيضا من إقليم كوم شقاو «١» الذي مر ذكره كثيرا، ولقد توسع معاوية في صناعة السفن في الموانئ السورية، مثل صور وصيدا واللاذقية وطرطوس، اعتمادا على الأيدي المصرية العاملة في هذا الميدان؛ لأنه كان يفكر في مشروع كبير يحتاج إلى أعداد هائلة من السفن الحربية ذات الأحجام المختلفة، ذلك المشروع الذي كان معاوية يفكر فيه هو غزوة مدينة القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية، العدو الأول والأكبر والأخطر للمسلمين في ذلك الوقت، فقد كان معاوية

стр. 219

يريد الاستيلاء على هذه المدينة العتيدة، وكان على قناعة تامة أنه إذا استطاع الاستيلاء عليها فإن الدولة البيزنطية نفسها سوف تسقط وتنتهي، لأن العواصم للدول بمثابة مركز الأعصاب للإنسان، ولقد كان متأثرا في ذلك بما حدث للدولة الفارسية، فعند ما نجح المسلمون في الإستيلاء على عاصمتها المدائن، انهارت مقاومة الفرس بعدها، وفتح المسلمون كل بلادهم وزالت الدولة الفارسية العتيدة والتي كانت تنافس الروم في زعامة العالم يومئذ، ولم يعد لها وجود. لذلك كرس معاوية جهوده وحشد أساطيله، وغزا عاصمة القياصرة أكثر من مرة سنة (٤٩- ٥٠ هـ/ ٦٦٩- ٦٧٠ م) . ومرة أخرى استمر غزوه وحصاره لها نحو سبع سنوات «١» (٥٤- ٦٠ هـ/ ٦٧٤- ٦٨٠ م) ، وقد اشترك الأسطول المصري مع الأسطول الشامي في هذا الغزو بعدد هائل من المراكب، نحو ثلاثمائة مركب من المراكب الكبيرة، المزودة بالات القذف التي تتكون من المجانيق وآلات رمي الحجارة «٢» . وهكذا أدى التعاون الوثيق بين مصر والشام في ميدان بناء الأساطيل البحرية إلى بروز قوة بحرية، لم تنجح في حماية شواطئهما من هجمات الروم فحسب، بل أصبحت خطرا على عاصمتهم- القسطنطينية- نفسها، وإذا كان معاوية لم ينجح في فتح القسطنطينية لأسباب كثيرة يطول شرحها، فإنه قد ينجح في جعل الدولة البيزنطية العتيدة تقف موقف الدفاع عن كيانها وعن عاصمتها، كما أن نظرية معاوية كانت سليمة تماما، فإن ما قدره وجعله هدفه قد تحقق بعده بنحو ثمانية قرون، فعندما نجح السلطان العثماني محمد الفاتح في فتح القسطنطينية والاستيلاء عليها سنة (٨٥٧ هـ/ ١٤٥٣ م) سقطت الدولة البيزنطية على الفور وانتهت من الوجود، وأصبحت عاصمة القياصرة عاصمة للدولة العثمانية. * دور المصريين في إنشاء أسطول المغرب العربي: تأخر فتح المغرب العربي وأخذ وقتا طويلا، حيث استغرق نحو سبعين عاما من الزمان، وأسباب ذلك كثيرة «٣» ؛ منها انشغال الدولة الإسلامية بالفتن والحروب

стр. 220

الأهلية، أثناء الفتنة الأولى التي اندلعت بين المسلمين منذ منتصف خلافة عثمان بن عفان نحو سنة (٣٠ هـ) . والتي تفاقمت وراح ضحيتها الخليفة نفسه، ثم استمرت لتستغرق كل عهد علي بن أبي طالب (٣٦- ٤٠ هـ) ، والذي خاض مع خصومه معركتين مشؤومتين: في الجمل سنة (٣٦ هـ) ، وصفين سنة (٣٧ هـ) ، راح ضحيتهما عشرات الألوف من المسلمين، وفي النهاية فقد الخليفة عليّ نفسه حياته على يد أحد متطرفي الخوارج- عبد الرحمن بن ملجم- ولما اجتمع شمل الأمة على خليفة واحد؛ هو معاوية بن أبي سفيان سنة (٤١ هـ) ، السنة التي سماها المؤرخون: عام الجماعة. وبعد أن تمكن معاوية من الأمر بدأ يستأنف الفتوحات في شمال إفريقيا خاصة، للقضاء على الوجود البيزنطي فيه قضاء تاما، وقد حقق بعض النجاح في ذلك، خصوصا عند ما عهد بقيادة الفتوحات في هذه الجبهة لقائد من كبار القادة الفاتحين؛ عقبة بن نافع، الذي أسس مدينة القيروان (٥٠- ٥٥ هـ) لتكون قاعدة ثابتة للمجاهدين ينطلقون منها ثم يعودون إليها، لأنه رأي أن خطوط إمداداتهم من مصر كانت طويلة. وتوالى على المنطقة عدد من القادة العظام بعد عقبة؛ مثل أبي المهاجر دينار (٥٥- ٦٢ هـ) ، ثم عقبة ثانية (٦٢- ٦٣ هـ) ، ثم زهير بن قيس البلوي (٦٣- ٦٩ هـ) وفي هذه الأثناء داهمت المسلمين الفتنة الثانية التي اندلعت بعد موت الخليفة يزيد بن معاوية سنة (٦٤ هـ) والتي استمرت نحو عشر سنين، ولم تنته إلا بقضاء عبد الملك ابن مروان على أكبر وأخطر خصومه السياسيين، عبد الله بن الزبير سنة (٧٣ هـ) . وأعاد عبد الملك الوحدة إلى الدولة الإسلامية، وسمى المؤرخون هذا العام بعام الجماعة الثاني. عندئذ بدأ عبد الملك في إعادة الحياة إلى حركة الفتوحات الإسلامية في شمال إفريقيا، وعهد بالأمر إلى قائد عظيم، من سلالة الغساسنة وهو حسان بن النعمان «١» ،

стр. 221

الذي لقب بالشيخ الأمين، وقد استطاع حسان فتح معظم الشمال الإفريقي في غضون نحو عشر سنوات (٧٤- ٨٥ هـ/ ٦٩٣- ٧٠٤ م) وعمل على تنظيم البلاد ووضع الأسس الإدارية لها، وأسس مدينة جديدة، هي مدينة تونس، وأحس بحاجته إلى أسطول بحري مستقل يواجه به هجمات الأساطيل البيزنطية بدلا من الاعتماد على الأساطيل المصرية المرابطة في قاعدتي برقة والإسكندرية لطول المسافة ونحن نعرف أن برقة منذ فتحها عمرو بن العاص سنة (٢١ هـ/ ٦٤١ م) أصبحت هي القاعدة الحصينة التي تلجأ إليها القوات الإسلامية العاملة في شمال إفريقيا عند الضرورة، وكانت عندئذ تحت إدارة والي مصر، وظلت كذلك إلى قيام الدولة الفاطمية في تونس سنة (٢٩٦ هـ/ ٩٠٩ م) فيكون من الطبيعي أن تكون فيها قاعدة بحرية تعتمد اعتمادا كليّا على دور صناعة السفن في مصر؛ لأن كثيرا من الغزوات التي انطلقت لغزو جزر البحر الأبيض المتوسط كانت تنطلق منها. ثم رأى حسان بن النعمان إنشاء قاعدة بحرية خاصة بشمال إفريقيا، فأنشأ قاعدة تونس البحرية بعد أن دمر مدينة قرطاجنة التي كانت عاصمة شمال إفريقيا تحت الحكم البيزنطي، وطرد البيزنطيين نهائيّا من كل الشمال الإفريقي. ولقد كان الرجل بعيد النظر، ويتمتع برؤية استراتيجية عظيمة، وإحساس بالمسؤولية كبير، فقد أيقن أن الاحتفاظ بالانتصارات التي حققها على البيزنطيين والبربر معا، في المغربين الأدنى والأوسط- تونس والجزائر الحاليتان- يتطلب إنشاء قاعدة بحرية حصينة، ودار صناعة لصناعة السفن ومستلزماتها، وأن الآوان قد حان ليعتمد شمال إفريقيا على قواعده وأساطيله الخاصة في الدفاع عن نفسه لطول خطوط مواصلاته مع القواعد التي كان يعتمد عليها في الإسكندرية وبرقة. ولعل حسان بن النعمان، وهو قائد ذو بصيرة عسكرية ورؤية سياسية واضحة، كان يستشرف المستقبل، ويرى بعين المؤمن وحدسه ما تم على يد خليفته في قيادة الفتوحات في المغرب؛ القائد العظيم موسى بن نصير، وقائده الفذ العبقري طارق ابن زياد، ومن جاء بعدهما، من فتح الأندلس، والجزائر الغربية في البحر الأبيض المتوسط. وأن ذلك كله لن يتم إلا إذا كان للمسلمين قوة بحرية فعالة في غرب البحر الأبيض المتوسط. عند ما فكر حسان بن النعمان في إقامة صرح عسكري بحري إسلامي للجناح الغربي من الدولة الإسلامية، كان يعلم أنه بدون الخبرات

стр. 222

المصرية فلن تقوم لمشروعه قائمة، وكان على يقين في الوقت نفسه أن هذه الخبرات ستكون في متناول يده؛ لأن الهدف الذي يسعى لتحقيقه يهم الدولة الإسلامية التي كان يحكمها آنئذ خليفة من فحول الخلفاء وأفذاذهم على مدى التاريخ الإسلامي كله؛ وهو عبد الملك بن مروان، الذي لم يتردد في تلبية كل ما طلبه حسان بن النعمان لإقامة ترسانة بحرية عظيمة في تونس. ولإحساس حسان بأهمية الأمر فقد أرسل أربعين رجلا من أشراف العرب إلى الخليفة يشرحون له حقائق الموقف، وأهمية المشروع الذي ينوي حسان القيام به، ومدى حاجته إلى المهندسين والعمال المصريين لبدء العمل. وبعد أن سمع عبد الملك بن مروان من وفد حسان أصدر تعليماته على الفور إلى أخيه عبد العزيز بن مروان أمير مصر بأن يوجه دون إبطاء ألف رجل من المهندسين والبحارة والعمال المهرة المصريين بأسرهم للعمل في دار الصناعة في تونس، وتحت إدارة أميرها حسان بن النعمان، وكانت تعليمات الخليفة لأخيه الأمير أن يوفر لكل هؤلاء كل ما يحتاجون إليه في عملهم وفي معاشهم وأن يحسن عونهم، وهذا العدد- ألف رجل بأسرهم- هو أكبر عدد نقرأ أنه خرج من مصر إلى مثل هذا العمل في مكان آخر «١» . وكتب عبد الملك بن مروان إلى حسان بن النعمان بأن يحسن استقبالهم ومعاملتهم، وأن يوفر لهم الراحة الكافية، ليتفرغوا تفرغا كاملا لعملهم وإتقانه على أحسن وجه. وأن تكون دار الصناعة المزمع إقامتها قوة وعدة للمسلمين إلى آخر الدهر، وأن يصنع بها المراكب للجهاد ضد الروم في البر والبحر؛ لإشغالهم عن مهاجمة القيروان وغيرها من شواطئ المسلمين. وقد أحسن حسان بن النعمان استقبال المصريين، ووفر لهم كل ما يلزمهم لعملهم ومعاشهم. وبعد أن ترك حسان بن النعمان الميدان لغيره، ليواصل مسيرته في الإعمار وتنظيم البلاد، وتقوية دفاعاتها، واصل خلفاؤه رعايتهم وعنايتهم بدار الصناعة في تونس، وإمدادها بكل ما تحتاج من عمال وبحارة، حتى أصبحت مركزا بحريّا مهمّا على

стр. 223

الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط، حمته من هجمات الأساطيل البيزنطية وليس هذا فحسب، بل أصبحت قاعدة انطلقت منها الغزوات البحرية الإسلامية، التي غزت معظم جزر البحر الأبيض المتوسط الغربي. وكانت قمة الانتصارات فتح جزيرة صقلية بدا من سنة (٢١٢ هـ/ ٨٢٧ م) ، حيث انطلقت الأساطيل من تونس بقيادة الفقيه المشهور أسد بن الفرات. كل هذا لم يكن ممكنا بدون أبناء مصر من المهندسين والعمال المهرة، الذين بذلوا علمهم وخبرتهم بكل إخلاص في بناء الأساطيل الإسلامية في المشرق والمغرب. والخلاصة: إن العرب بعد أن أتموا فتح الشام تقدموا لفتح مصر؛ وكان ذلك ضرورة لتأمين فتوحاتهم ووجودهم في الشام، وأنهم عندما فتحوها لم ينتزعوها من أهلها، بل الحقيقة أنهم أعادوها إلى أهلها من قبضة الروم، وحرروهم من الظلم والاستعباد، وكان المصريون الذين عاصروا الفتح يعلمون ذلك حق العلم، ولذلك كان تعاونهم مع الفاتحين وتقديم المساعدات لهم من أهم أسباب سرعة الفتح وسهولته، وأن تعاون المصريين مع العرب الفاتحين ضد الروم من الأمور التي أخبر بها النبي ﷺ عندما كان أمر فتح مصر في علم الغيب؛ فقد أخرج الطبراني في الكبير، وأبو نعيم في دلائل النبوة، بسند صحيح، عن أم سلمة، أن رسول الله ﷺ ، أوصى عند وفاته، فقال: «الله الله في قبط مصر، فإنكم ستظهرون عليهم، ويكونون لكم عدة وأعوانا في سبيل الله» «١» وفي رواية أخرى: «استوصوا بالقبط خيرا، فإنكم ستجدونهم نعم الأعوان على قتال عدوكم» «٢» . ولقد كان المسلمون عند حسن ظن المصريين بهم، فقد عاملوهم أكرم وأحسن معاملة، ومنحوهم حرية لم ينعموا بها من قبل، وبصفة خاصة حرية العقيدة، فلم يجبروهم على اعتناق الإسلام، ولو كان الإجبار على اعتناق الإسلام واردا لما بقي مسيحي واحد على أرض مصر؛ ويجب أن يعرف الناس أن الفتح الإسلامي شرف لكل أبناء مصر؛ لأن من أسلم منهم أسلم بحريته، ومن بقي مسيحيّا بقي معززا مكرما، مصونة كل حقوقه. ولم يتدخل المسلمون في شؤون عقيدتهم قط، وقد أشرنا من قبل إلى عودة

стр. 224

البطريرك بنيامين من منفاه إلى كرسي كنيسته بأمر الفاتح العظيم عمرو بن العاص، الذي أصبح صديقا حميما لرأس الكنيسة المصرية، وكان يستشيره في كل شؤون مصر المالية والإدارية. كما قام العرب الفاتحون بحركة إعمار واسعة النطاق على كل أرض مصر، لتعمير ما خربته الحروب الكثيرة التي دارت بين الفرس والروم على أرض مصر، وما خربه الروم أنفسهم انتقاما من أهل مصر، المخالفين لهم في المذهب الديني، حتى الكنائس والأديرة نالتها يد التعمير، كما أدرك المسلمون قيمة وصايا الرسول ﷺ بأهل مصر، وشهادته لهم بأنهم «خير أجناد الأرض؛ لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة» ؛ فاتخذوا في مصر جندا كثيفا، وجيشا كبيرا مرابطا دفاعا عن أرض الإسلام في مشرقه ومغربه. ودفاع مصر عن الإسلام عقيدة وأرضا وحضارة، حقيقة لا ينكرها إلا جاحد أعمى التعصب بصره وبصيرته. ولقد استثمر المسلمون كل إمكانات مصر وخبرة أهلها في بناء السفن وأقبل المصريون على العمل في العديد من دور صناعة السفن التي سبق الحديث عنها في القلزم والإسكندرية ورشيد ودمياط وتنيس وجزيرة الروضة، كما لم يترددوا في العمل في موانئ الشام وموانئ المغرب، بكل عزم وإخلاص، لحسن الرعاية وجميل المعاملة التي كانوا يلقونها من الأمراء المسلمين، وقد كان من المسيحيين أنفسهم قادة لبعض هذه القواعد العسكرية، كما سبقت الإشارة. وكانت النتيجة بروز بحرية إسلامية قوية غاية في القوة، وانتشرت الأساطيل البحرية الإسلامية في شرق وجنوب وغرب البحر الأبيض المتوسط، ولم تصبح الأساطيل الإسلامية ندّا للأساطيل البيزنطية فحسب. بل تفوقت عليها وانتزعت منها السيادة على البحر الأبيض المتوسط، ويعد المؤرخون معركة ذات الصواري، التي دارت بين الأساطيل الإسلامية بقيادة أمير مصر عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وعلى شواطئ مصر الغربية سنة (٣٤ هـ/ ٦٥٥ م) وبين الأساطيل البيزنطية بقيادة الإمبراطور قنسطانز الثاني- يعدون هذه المعركة فاصلة في التاريخ البحري في مطلع العصور الوسطى؛ فقد قررت مصير البحر الأبيض المتوسط لمصلحة المسلمين، ولعدة قرون قادمة «١» ، فالنصر العظيم الذي حققه الأسطول الإسلامي الناشئ على

стр. 225

الأساطيل البيزنطية العتيدة. كان مفاجأة مذهلة للإمبراطور البيزنطي، الذي لم يكن يساوره أي شك في انتصار أساطيله، ومن ثم العودة إلى استرداد مصر والشام من المسلمين، ولكن الهزيمة القاسية التي لحقت به، جعلته يقلع نهائيّا عن فكرة استرداد مصر والشام، والتسليم بالأمر الواقع؛ ولذلك عاد من الهزيمة لا ليستقر في عاصمته العتيدة- القسطنطينية بل ذهب إلى جزيرة صقلية المواجهة لإفريقية- تونس- عله ينجح في حماية شمال إفريقيا، بعد أن فقد الأمل في العودة إلى مصر والشام، ولكن حتى هذا الأمل ضاع من الإمبراطور التعس الذي لقي مصرعه في تلك الجزيرة اغتيالا، ثم تابع المسلمون فتح الشمال الإفريقي كله، وأخرجوا الروم منه أذلاء، كما أخرجوهم من الشام ومصر. وانطلقت الأساطيل الإسلامية تمخر عباب البحر الأبيض المتوسط، وتفتح جزره في الشرق والجنوب والغرب محققة السيادة الإسلامية على ذلك البحر. ولا نبالغ إذا قلنا: إن كل ذلك لم يكن ممكنا بدون فتح مصر، وتعاون أهلها مع الفاتحين المسلمين، وتقديم خبرتهم في بناء الأساطيل الإسلامية.

стр. 226

بحوث في السّيرة النّبويّة والتّاريخ الإسلاميّ قراءة ورؤية جديدة الفتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر وانتشار الإسلام هناك

стр. 227

[البحث التاسع] الفتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر وانتشار الإسلام هناك * تمهيد: الحديث عن الفتح الإسلامي لبلاد ما وراء النهر يقتضي الإلمام- ولو بإيجاز شديد- بفكرة عامة عن طبيعة الفتح الإسلامي- وبفتح إيران- بلاد فارس- بصفة خاصة؛ لأن كتائب الفتح الإسلامي التي انطلقت لفتح بلاد ما وراء النهر، قد انطلقت من إقليم خراسان- شمال شرق إيران- الذي أصبح القاعدة الرئيسية لفتح ما وراء النهر، ولعب في فتحها الدور الذي لعبته البصرة والكوفة في فتح إيران، والدور الذي لعبته مصر في فتح المغرب العربي، والدور الذي لعبه المغرب العربي في فتح الأندلس، والفتوحات الإسلامية الكبرى، التي تمت في القرن الهجري الأول- والتي امتدت من شبه جزيرة أيبريا- الأندلس- في الغرب، إلى حدود الصين في الشرق، ومن بحر قزوين في الشمال إلى المحيط الهندي في الجنوب- هذه الفتوحات تمت على مرحلتين رئيسيتين، كل مرحلة استمرت نحو عشر سنوات، الأولى بدأت عام (١٢ هـ) في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، واستمرت طوال خلافة عمر بن الخطاب (١٣- ٢٣ هـ) ﵁، وخلال هذه الفترة، فتحت العراق وكل بلاد فارس والشام ومصر، بل تجاوزت الفتوحات حدود مصر غربا ووصلت إلى حدود تونس الحالية في عهد عثمان بن عفان ﵁، والمرحلة الثانية، هي فترة خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان (من سنة ٨٦ إلى سنة ٩٦ هـ) ، وفيها استكمل المسلمون فتح شمال إفريقيا حتى المحيط الأطلسي، ثم عبروا مضيق جبل طارق وفتحوا الأندلس، وفي المشرق فتحوا أقاليم ما وراء النهر- وهو موضوع بحثنا- ثم فتحوا إقليم السند- وهو الإقليم الشمالي الغربي من شبه القارة الهندية. والمتأمل لحركة الفتوحات الإسلامية هذه، منذ انطلاقتها الأولى- خارج شبه الجزيرة العربية- في عهد الصديق ﵁، وعبر تطوراتها وتصاعد موجاتها وحتى بلغت قمتها في عهد الوليد بن عبد الملك يلاحظ- إن كان منصفا- أنه لم يكن للمسلمين خطة أو برنامج معد سلفا للفتح خارج شبه جزيرة العرب، والصدام عسكريّا مع الآخرين؛ لأن غاية المسلمين الأولى، بل واجبهم الأساسي هو نشر الإسلام، وهذا لا يتطلب أعمالا حربية لأن الإيمان مقره القلوب، والقلوب

стр. 228

لا يستطيع أحد أن يفرض عليها شيئا بالقوة. وكل ما كان يطلبه المسلمون من الآخرين- خاصة جيرانهم الفرس والروم- أن يفسحوا لهم الطريق، ليدعوا الناس إلى دينهم- بدن عوائق وموانع- بالحكمة والموعظة الحسنة كما أمرهم ربهم، ولكن الفرس والروم أبوا ذلك، وحملوا المسلمين حملا على حمل السيف واللجوء إلى القوة لإزاحتهم من طريق الدعوة، فالحروب الإسلامية لم تكن لنشر الإسلام وإنما كانت لتحقيق الحرية لنشر الإسلام، ولو كانت الحروب لنشر الإسلام، وحمل الناس على اعتناقه بالقوة؛ لما بقي فرد واحد غير مسلم في كل بقاع الأرض التي وصلتها الجيوش الإسلامية، ولكن هذا لم يحدث وبقي أناس كثيرون غير مسلمين- وإلى الآن- في تلك البلاد وهذا دليل على أن الحروب لم تكن لنشر الإسلام وإنما لحماية الدعوة من الطغاة المتجبرين. والذي يتأمل سياسة الرسول ﷺ في هذا المجال يجدها قائمة على تأمين شبه الجزيرة العربية، قاعدة الإسلام ومرتكزه ومنطقه- من أي عدوان خارجي- انظر على سبيل المثال أهداف غزوة مؤتة وتبوك وبعث أسامة بن زيد- ثم دعوة الناس خارج شبه جزيرة العرب إلى الإسلام بالحسنى والكلمة الطيبة، وتمثل ذلك في الرسائل التي أرسلها- صلوات الله وسلامه عليه- إلى الملوك والأباطرة والأمراء ومنهم كسرى أيزويز الثاني- ملك الفرس- وكانت كلها رسائل سلمية ولم ترد فيها كلمة واحدة عن الحرب أو التهديد بها. * المسلمون والفرس: تجمع المصادر على أن كسرى أيزويز الثاني مزّق رسالة النبي- علوّا واستكبارا- بل طلب من باذان نائبه على حكم اليمن أن يقبض له على النبي ليقتله، عقابا له على جرأته، ومخاطبة ملك الملوك ودعوته إلى الإيمان بالله ورسوله، والنبي لم يزد عند سماعه بذلك على أن قال: «مزّق الله ملكه» «١» . لا يشك عاقل في أن هذا الموقف من جانب ملك فارس عدائي للغاية، وسوف يتطور ويتصاعد العداء أكثر وأكثر، وتجلى ذلك في موقف الفرس من حروب الردة، وتحريضهم للقبائل العربية الخاضعة لنفوذهم في منطقة الخليج على الردة والتمرد على

стр. 229

حكومة الخلافة في المدينة المنورة، مما أدى إلى الاشتباك العسكري بين المجاهدين المسلمين الذين كانوا يلاحقون المرتدين على ساحل الخليج العربي شمالا بقيادة المثنى ابن حارثة الشيباني، وبين الفرس؛ ذلك الاشتباك الذي تطور ليصبح صداما شاملا لم يتوقف إلا بعد فتح إيران كلها وإدخالها تحت السيادة الإسلامية، ولا يستطيع منصف أن يلوم المسلمين على ذلك، فلم يكونوا البادئين بالعدوان، فبعد الاشتباكات الأولى أدرك المثنى أن الفرس ألقوا بكل ثقلهم في المعارك- دون أن يكونوا مقصودين، فلم يكن يدور بفكر المثنى أن يحارب دولة كبيرة كفارس- بما معه من قوات صغيرة- فطلب مددا من المدينة لصدّ عدوانهم، وأدرك الخليفة الأول، أبو بكر الصديق ﵁ ببصيرته النافذة- دقة الموقف، فدفع إلى الجبهة بأعظم وأمهر قواده خالد بن الوليد، ليلقن الفرس درسا لم يلقنهم إياه أحد من قبل، وفي شهور قليلة من عام (١٢ هـ) فتح القائد المظفر نصف العراق الجنوبي وسحق ما به من قوات الفرس سحقا، واستقر في الحيرة عاصمة المناذرة، بناء على تعليمات الخليفة، وانتظارا لأوامره، وبعد قليل تطورت الأمور على الجبهة الغربية- بين المسلمين والروم- مما اضطر الخليفة أن يأمر خالدا بالتحرك ببعض القوات العاملة معه في العراق إلى الشام لكسر شوكة الروم، ولينسيهم وساوس الشيطان- على حد قول أبي بكر الصديق- فجاء خالد وحطم جيش الروم تحطيما- كما هو معروف- في معركة اليرموك سنة (١٣ هـ) وبضربة واحدة فتح الطريق أمام المسلمين لفتح الشام ومصر وما تلاها غربا مما لا مجال لذكره هنا، فهدفنا هنا الحديث عن فتح فارس الذي مهّد لفتح بلاد ما وراء النهر. بعد تحرك خالد من العراق إلى الشام، ومعاركه الخالدة هناك، كان أبو بكر قد توفي سنة (١٣ هـ) وتولى الخلافة الفاروق عمر بن الخطاب فرمى الجبهة الفارسية ببطل آخر من أبطال الفتح الإسلامي العظماء، الأسد في عرينه- سعد بن أبي وقاص- الذي وصل إلى القادسية وأرسل وفدا إلى بلاط فارس في المدائن يعرض عليهم الإسلام وإذا أبوا فالجزية، وإذا أبوا فالقتال لإزاحتهم من طريق الدعوة ولكنهم أبوا إلا القتال، فكان لهم ما أرادوا، واشتبك الجيشان في القادسية وانتصر جند الله انتصارا عظيما، وهزم الجيش الفارسي هزيمة منكرة «١» وسقط قائده رستم- أعظم قادة الفرس- صريعا في المعركة، وتابع الفاتح الكبير بطل القادسية سعد بن

стр. 230

أبي وقاص زحفه إلى المدائن- عاصمة الأكاسرة- فدخلها يقود جحافل النصر في مشهد مهيب ونادر من مشاهد التاريخ، فها هو سعد بن أبي وقاص- أحد أبناء الصحراء- يدخل القصر الأبيض فاتحا ويجلس في نفس الإيوان الذي مزّق فيه كسرى أبروز الثاني رسالة النبي ﷺ علوّا واستكبارا وقد حقق الله دعوة النبي فمزّق ملكه. صلى سعد صلاة الشكر لله على هذا الفتح المبين في إيوان كسرى، وتلا قول الله تعالى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (٢٨) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ [الدخان: ٢٥- ٢٩] . أما آخر الأكاسرة الفرس، بل آخر كسرى في التاريخ، وهو يزدجرد الثالث فقد فرّ مذعورا كالفأر- وقد كان قبل شهور فقط يزأر كالأسد- تاركا عاصمة ملكه في قبضة الفاتحين المسلمين. وأما سعد فقد أرسل بشائر النصر والغنائم إلى عمر بن الخطاب في المدينة المنورة، وطلب منه أن يأذن له بمواصلة فتح بلاد فارس ولكن عمر رفض، وقال لسعد: «لوددت أن بين السواد وبين الجبل سدّا لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم، حسبنا من الريف السواد، إني آثرت سلامة المسلمين على الأنفال» «١» هذا الموقف من الخليفة يدل بوضوح على أن المسلمين ليسوا دعاة حرب، ولم يكن من خططهم نشر الإسلام بالقوة أو الاستيلاء على بلاد الناس بحد السيف والذي يتأمل كلام عمر وتصرفاته يستطيع أن يخرج بانطباع أن الخليفة قد تكونت في ذهنه فكرة محددة، وهي أن يقف بالفتوحات عند حدود العراق والشام، وأن يحاول تنظيم تلك المناطق ويطبق فيها منهج الإسلام والعدل والحرية بكل معانيها، ليدرك الناس أن المسلمين ما جاؤوا ليستولوا على بلادهم، بل جاؤوا ليخلصوهم من الظلم والاستعباد، وإذا تحقق ذلك فإن الناس في البلاد الآخرى المجاورة سوف يأتون من تلقاء أنفسهم، فمن ذا الذي يرفض العدل والمساواة والحرية؟ هذا ما استقر عليه رأي عمر بعد القادسية، ولعله توقع أن الفرس بعد الهزائم المريرة المتلاحقة التي منوا بها على أيدي المسلمين سوف يكفّون عن الحرب ويتركون المسلمين وشأنهم، خصوصا وأن المناطق التي فتحها المسلمون إلى الآن- وهي العراق- مناطق عربية وسكانها عرب، والفرس كانوا أجانب مستعمرين. ولكن ما توقعه عمر بن الخطاب لم يحدث بل حدث عكسه تماما، فقد دأب الفرس- خاصة أهل الأهواز- على التمرد ونقض المعاهدات التي منحها لهم المسلمون، وضمنوا لهم بمقتضاها حرية

стр. 231

عقائدهم والمحافظة على أرواحهم وأحوالهم، كما تجمعت لدى عمر أخبار ومعلومات وفيرة عن اجتماع الفرس حول يزدجرد الثالث في نهاوند «١» وهم يعدون العدة لمهاجمة المسلمين، فلم يكن أمام عمر من بد سوى أخذ زمام المبادرة فأرسل إلى نهاوند جيشا بقيادة النعمان بن مقرن الذي مزّق جيش الفرس تمزيقا في معركة سماها المؤرخون فتح الفتوح «٢» . وقال عنها الطبري: «لم تقم للفرس بعدها قائمة ولم تجتمع لهم كلمة» . فر يزدجرد الثالث بعد اندحار جيشه في نهاوند، وأمر عمر ابن الخطاب الجيوش الإسلامية بالانسياح في بلاد فارس فاستسلمت جميعها دون مقاومة تذكر؛ لأن روح الفرس المعنوية قد تدهورت ووصلت إلى الحضيض، وفي خلال عام واحد وهو العام الأخير من خلافة عمر بن الخطاب كانت كل مملكة آل ساسان في قبضة المسلمين، وتحت سيادتهم. * ردة الفرس بعد وفاة عمر بن الخطاب: في نهاية عام (٢٣) اغتالت يد مجوسي غادر وحاقد- وهو أبو لؤلؤة فيروز- أعدل الحكام عمر بن الخطاب ﵁، فهدأت حركة الفتوحات على كل الجبهات تقريبا. بل إن بعض البلاد التي لم تكن قد فهمت طبيعة الإسلام، وما يحمله لها من خير وعزة وكرامة- قد حاولت التمرد والردة والثورة على الحكم الإسلامي، وكانت بلاد فارس في طليعة البلاد التي عمتها حركات الارتداد والثورة، وحدث فيها ما يشبه حركة الردة بعد وفاة الرسول ﷺ ، فقد ظن الفرس أن غياب عمر- لا تنس أن الذي اغتال عمر رجل فارسي- وهو المحرك الرئيسي للفتوحات قد يوفر لهم فرصة لطرد المسلمين من بلادهم، ولكن حساباتهم كانت خاطئة- كالعادة- فإذا كان عمر هو المحرك الرئيسي للفتوحات- ولا ينكر دوره وفضله- فإن من شغل مكان القيادة في الأمة الإسلامية- وهو عثمان بن عفّان ﵁ أثبت أنه على مستوى المسؤولية، فلم يفرط في الإنجاز العظيم الذي حققه عمر، وكلف ولاته على البصرة- أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عامر- وعلى الكوفة- سعد بن أبي وقاص والوليد بن عقبة- على التتابع بالتصدي لحركات التمرد الفارسي وقمعها، وقد قام هؤلاء الرجال بالمهمة خير قيام، وتمّ إخضاع جميع الأقاليم مرة

стр. 232

أخرى، ثم حدثت الفتنة بين المسلمين في الشطر الثاني من خلافة عثمان (٣٠- ٣٥ هـ) واستمرت طوال خلافة علي بن أبي طالب ﵁ (٣٥- ٤٠ هـ) فألقت بظلالها القاتمة على حركة الفتوحات، وكان قصارى جهد عليّ ﵁ أن يحافظ على الفتوحات التي تمت وقد نجح في ذلك- رغم الظروف الصعبة التي كان يكابدها داخليّا- ولم يترك المسلمون شبرا من الأرض التي فتحوها. * سياسة معاوية بن أبي سفيان ﵄ تجاه البلاد المفتوحة: بعد اغتيال علي بن أبي طالب ﵁ على يد شقي من أشقياء الخوارج- هو عبد الرحمن بن ملجم- في رمضان سنة (٤٠ هـ) ، وصلح الحسن بن علي مع معاوية استتب الأمر للأخير وأصبح خليفة للمسلمين بما يشبه الإجماع سنة (٤١ هـ) وهو العام الذي سماه المسلمون عام الجماعة، وقد استبشروا خيرا بخلافة معاوية وبانتهاء فترة الفتن والحروب الأهلية، وكان معاوية يتمتع بصفات كثيرة من صفات رجال الدولة الكبار من الحلم وبعد النظر والدهاء والكرم وسعة الأفق، وقد التف المسلمون حوله وطالت خلافته (٤١- ٦٠ هـ) وكان ينتظر منه أن يستأنف حركة الفتوحات الإسلامية ولكنه لم يفعل، أو بمعنى أصح لم يشهد عهده فتوحات على نطاق واسع، وانتهج سياسة أخرى دلت الأيام وحوادث التاريخ على أنها كانت سياسة حكيمة، كانت تلك السياسة تقوم على تثبيت الفتوحات الإسلامية، وتهيئة البلاد المفتوحة لقبول الإسلام عقيدة وشريعة فقد أدرك معاوية يثاقب نظره أن البلاد التي فتحت في عهد الخلفاء الراشدين قد فتحت بسرعة فائقة، وأن الشعوب لم تتعرف على الإسلام بعد، ومن حقها أن تأخذ فرصتها للتعرف عليه، ومن واجب المسلمين أن يقوموا بمهمة تعريف هذه الشعوب بالإسلام، وشرح تعاليمه ومبادئه وأهدافه، وأن المسلمين ليسوا مستعمرين كالفرس والروم، وإنما جاؤوا ومعهم رسالة توحيد خالصة، تفيض عدلا ورحمة وبرّا بالناس، وقد نهض معاوية ﵁ بهذه المهمة الجليلة وقام بها خير قام، وتدعيما لهذه السياسة وتحقيقا لأهدافها فقد أصدر تعليماته للولاة بتهجير الأسر العربية وإسكانها في البلاد المفتوحة- خاصة بلاد فارس- حتى يكون اختلاط العرب المسلمين أصحاب الرسالة وأكثر الناس فهما لها ومسؤولية عن نشرها سبيلا إلى ازدياد معرفة الفرس بالإسلام فنقل زياد بن أبي سفيان- والي العراق (٤٥- ٥٣ هـ) - خمسين ألف أسرة عربية بعيالهم من

стр. 233

البصرة والكوفة إلى خراسان «١» ، كان لهم أكبر الأثر في إقبال الفرس على الإسلام في حرية تامة ودون إكراه «٢» . لم تتغير سياسة معاوية طوال العهد الأموي، وأثمرات ثمارا طيبة وتحولت غالبية الشعب الفارسي إلى الإسلام، بل إن إقبال الفرس على اعتناق الإسلام بكثرة هائلة خلق للولاة الأمويين مشكلة مالية، فقد تناقصت الجزية بإعفاء المسلمين الجدد منها- كما تقضي بذلك تعاليم الإسلام- هنا وقع الولاة في خطأ فاحش حيث أداهم حرصهم على جباية الأموال إلى إبقاء الجزية على المسلمين الجدد، وهو الأمر الذي بقي إلى أن ألغاه عمر بن عبد العزيز (٩٩- ١٠١ هـ) فأمر برفع الجزية عن المسلمين الجدد، وصاح في الولاة صحيته المشهورة قائلا: «قبّح الله رأيكم، إن الله بعث محمدا ﷺ هاديا ولم يبعثه جابيا» «٣» . المهم أن معاوية آثر نشر الإسلام والتمكين له في البلاد المفتوحة- خاصة بلاد فارس- على فتح مزيد من الأرض، ولقد أثبتت الأيام ووقائع التاريخ صحة وسلامة تلك السياسة وأصبحت بلاد فارس كلها إسلامية، وستقوم بدور رئيسي ورائد في فتح بلاد ما رواء النهر. * بلاد ما وراء النهر قبيل الفتح الإسلامي: بلاد ما وراء النهر؛ تعبير أطلقه الجغرافيون والمؤرخون المسلمون على المنطقة المحصورة بين نهري، جيحون- آموداريا- في الجنوب، وسيحون- سرداريا- في الشمال، وتقع تلك البلاد في شمال شرق الدولة الفارسية القديمة، وسكانها من العنصر التركي الذي انحدر إليها من الشرق منذ القرن السادس الميلادي وكونوا لهم عدة ممالك مستقلة فيها. وأهم مصدر حديث يمدنا بمعلومات قيمة عن سكان ما وراء النهر، هو دراسة المؤرخ الروسي الأستاذ/ بارتولد المتخصص في تاريخ الترك في آسيا الوسطى، والذي اعتمد بدوره على آثار أرخون، التي يعتبرها أهم مصدر في الكشف عن ظهور الترك في آسيا الوسطى، يقول عنها: «ومن الآثار التي تهم صاحب الدراسات التركية، وتهم المؤرخ أيضا آثار أرخون، وهي تخلد أقدم ذكر للسان التركي، وقد اكتشفت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، وهي أهم

стр. 234

آثار تركية أنشأها الترك أنفسهم عن تاريخهم، فأصحاب هذه الآثار قد سموا أنفسهم لأول مرة في التاريخ بالترك. وهم قوم قد ظهروا في القرن السادس الميلادي واستولوا في زمن قصير على مساحات من حدود الصين إلى حدود إيران وبيزنطية» «١» . وقد ذهب الأستاذ بارتولد إلى أن سكان ما وراء النهر من أصل تركي وليسوا خليطا من الأتراك والإيرانيين كما يرى الدكتور شكري فيصل «٢» . ومن الكتب الحديثة ذات القيامة أيضا في دراسة هذه المنطقة وسكانها وفتحها وانتشار الإسلام فيها كتاب الأستاذ الدكتور/ حسن أحمد محمود، أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة القاهرة وعنوانه: «الإسلام في آسيا الوسطى، بين الفتحين العربي والتركي» هذا بالإضافة إلى المصادر القديمة تاريخية وجغرافية وكتب الرحلات.. إلخ. ويرى الأستاذ بارتولد أن سكان ما وراء النهر وإن كانوا قد تأثروا بالثقافة الإيرانية لتفوقها الحضاري، إلا أن الدولة الساسانية لم تستطع أن تفرض نفوذها السياسي عليهم؛ لانشغالها الدائم بصراعها مع الدولة البيزنطية «٣» ، وكان هذا الوضع مفيدا لسكان ما وراء النهر؛ حيث مكنهم من إقامة عدة ممالك مستقلة في الفترة السابقة على الفتح الإسلامي، وكانت تلك الممالك كالآتي: ١- مملكة طخارستان، وكانت أهم تلك الممالك وتقع على جانبي نهر جيحون وعاصمتها مدينة بلخ، التي نسب إليها نهر جيحون، حيث كان يطلق عليه نهر بلخ «٤» . ٢- مملكة الختل، وهي أول مملكة وراء نهر جيحون، وقصبتها مدينة هلبك «٥» . ٣- مملكة صغانيان، وهي ولاية عظيمة وقصبتها صغانيان أيضا «٦» . ٤- مملكة الصغد، وقصبتها مدينة سمرقند، ويقال: هما صغدان، صغد سمرقند، وصغد بخارى «٧» .

стр. 235

٥- مملكة خوارزم، وقصبتها مدينة الجرحانية «١» . هذه هي أقاليم ما وراء النهر التي فتحها المسلمون في عهد الخليفة الأموي الوليد ابن عبد الملك بن مروان (٨٦- ٩٦ هـ) بقيادة البطل الفاتح قتيبة بن مسلم الباهلي إضافة إلى عدة أقاليم شرقي نهر سيحون، وهي فرعانة والشاش وأشروسنة، ولقد مضى قتيبة في فتوحاته حتى وصل إلى منطقة كاشغر ملامسا الصين فكيف كانت الأوضاع السياسية والاجتماعية لهذه البلاد عند ما فتحها المسلمون؟ تفيد الدراسات الحديثة لهذه المنطقة ومن أهمها كتاب «تاريخ بخارى» للباحث المجري أرمينيوس فامبري، وكتاب «تاريخ الترك في آسيا الوسطى» لبارتولد- الذي سبقت الإشارة إليه- وكذلك كتاب الدكتور حسن أحمد محمود «الإسلام في آسيا الوسطى» ، تفيد هذه الدراسات أن تلك البلاد لم تكن مستقرة سياسيّا وكانت المنازعات بينها تكاد تكون مستمرة وقد شكل هذا الوضع خطرا على الوجود الإسلامي في خراسان، وينبغي ألا ننسى أن سكان بلاد ما وراء النهر كانوا قد عبروا نهر جيحون لمقاتلة المسلمين مع يزدجرد الثالث كسرى فارس، قبل مقتله سنة (٣١ هـ) في خلافة عثمان بن عفان ﵁ «٢» . وهذا يعني أن لهم ماضيا عدائيّا تجاه الإسلام والمسلمين الذين قرروا وضع حد لهذه الفوضى الضاربة في هذه البلاد، وضمها للدولة الإسلامية قبل أن يستفحل خطرها، خاصة وأن هذه الممالك التركية كانت المنازعات بينها مستمرة وعلاقاتها مضطربة، ويكفي أن نشير هنا إلى تلخيص الأستاذ جب في كتابه «غزوات العرب في آسيا الوسطى» للوضع السياسي في هذه المنطقة، حيث يقول: كانت الولايات في هذه المنطقة تعترف بالخان سيدا لها، وتدفع له الجزية، وكانت إمارة صغديان مقسمة إلى ولايات صغيرة مستقلة تقوم بينها معاهدات مرنة، وكان أقوى ما يصل بينها من رباط إنما هو تجارة الحرير مع الصين، وأهم مراكزها سمرقند، وبيكند وكش، وكانت سمرقند أوفرها حظّا من النجاح في عالم التجارة، ومنها كانت ترسل البعوث التجارية إلى بلاد الصين، أما المشتغلون بالزراعة فكانوا كلهم من الجنس الآري، وقد ارتبطت الولايات فيما بينهما- عدا ذلك- برباط ثان؛ وهو سيادة أسرة معينة فيها على جميع الأسر الآخرى، ولكنه لم يكن رباطا وثيقا وكل

стр. 236

شيء في هذه الأوضاع الاجتماعية والتفكك السياسي في حياة هذه الولايات كان في صالح الفتح العربي «١» . * المراحل التمهيدية لفتح بلاد ما وراء النهر: المرحلة الحاسمة لفتح أقاليم ما وراء النهر جاءت على يد الفاتح البطل قتيبة بن مسلم الباهلي، ففي غضون عشر سنوات (٨٦- ٩٦ هـ) بسط السيادة الإسلامية على كل البلاد «٢» ، ويمكن أن يقال: إن قتيبة كان رجلا حسن الحظ، حيث قدّر له أن يجني ثمار مراحل طويلة من الغزوات التي طرقت بلاد ما وراء النهر عبر عشرات السنين وثمار أعمال رجال وقادة عظاماء سبقوه إلى هذه البلاد ودوّخوها وعبّدوا له الطريق فمنذ خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵁ (٤١- ٦٠ هـ) بدأ المسلمون يجتازون نهر جيحون منطلقين من خراسان، ولم يكن ينقطع غزوهم وعبورهم النهر، الذي أخذ يتكرر كل عام تقريبا بقصد التعرف على البلاد وطرقها وطبيعتها ومناخها وسكانها والتجرؤ عليها، ويمكننا القول: إن هذا الاجتياز وذلك الغزو كان عملا من أعمال الاستطلاع وجمع المعلومات، وشغل البلاد بالدفاع عن نفسها أكثر منه فتحا منظما بقصد الاستقرار؛ لأن الفتح المنظم كان يتطلّب ظروفا لم تكن متوفرة للدولة الإسلامية في تلك الفترة، فمن ناحية عاشت الدولة الإسلامية مرحلة من الفتن والحروب الأهلية منذ مطلع خلافة يزيد بن معاوية (٦٠- ٦٤ هـ) وحتى قرب نهاية خلافة عبد الملك بن مروان (٦٥- ٨٦ هـ) . ومن ناحية ثانية لم يكن ممكنا الإقدام على تنفيد مشروع كبير كفتح بلاد ما وراء النهر قبل أن تستقيم للمسلمين الأمور في خراسان وطخارستان، التي لم يستقر أمرها إلا على يدي قتيبة بن مسلم. فالفتور الذي كان يصيب المسلمين في خراسان، والخلافات القبلية التي كانت تعصف بهم وعصيانهم للأمراء وقسوة الأمراء عليهم، كل ذلك كان شديد الأثر في حركة الفتح في بلاد ما وراء النهر، وهو أثر سلبي بطبيعة الحال. وإذا توفر لخراسان ولاة أكفاء لهم من الحزم والعزم والتصميم ما يضبط البلاد

стр. 237

ويشيع الاستقرار- كما كان زياد وابنه عبيد الله- فإن ذلك كان كفيلا بأن يتيح للحملات على بلاد ما وراء النهر مجالات من السعة والتقدم «١» . ولدينا طائفة من الروايات التاريخية، كما جاء في فتوح البلدان للبلاذري «٢» حول الذين عبروا النهر- جيحون- عبد الله بن عامر، والحكم بن عمرو الغفاري، الذي كان أول من عبر النهر، وسعيد بن عثمان بن عفان «٣» ، وكان أول من قطعه، وسلم بن زياد، وكانت امرأته أول عربية عبر بها النهر، هذه الروايات قد يبدو فيها التناقض؛ لأن كل واحد من أبطالها قيل عنه: إنه الأول في عبور نهر جيحون وبالتأمل يمكن أن يزول التناقض، إذا تصورنا أنه لا مانع من أن يكون كل واحد منهم عبر من جبهة غير الجبهة التي عبر منها الآخرون، وعلى هذا يكون كل واحد هو الأول في العبور من الجبهة التي عبر منها، وسواء أصح هذا التصور أم لا؛ فإن الحقيقة التي تستخلص من كل تلك الروايات واحدة لا تتغير، وهي أن خطوات المسلمين الأولى إلى بلاد ما وراء النهر كانت خطوات تمهيدية. ولعل زياد بن أبي سفيان أول من فطن إلى أن فتح ما وراء النهر لا يمكن قبل استقرار الأوضاع في خراسان «٤» ، فأقدم على خطوة مهمة كانت بعيدة المدى والمرمى في حياة خراسان، حيث نقل خمسين ألف أسرة عربية من البصرة والكوفة وأسكنها خراسان «٥» . ومن الطبيعي أن يكون زياد قد تشاور في هذا مع الخليفة معاوية بن أبي سفيان؛ لأنه من غير المعقول أن يقدم على عمل كبير كهذا دون علم الخليفة، وهكذا يمكننا أن نقول في ثقة: إن أسس فتح بلاد ما وراء النهر قد بدأها زياد وتابعها بعده ابنه عبيد الله، الذي وفق في عبور نهر جيحون ودخول بخارى، وبعد أن أخضع مدينة بيكند الغنية ومركز التجارة «٦» ومنها سار إلى بخارى محملا بالغنائم يسير في ركابه أربعة آلاف أسير «٧» وكان ذلك سنة (٥٣ هـ) . وقد استنجدت الملكة خاتون ملكة بخارى بجيرانها الترك الذين حاولوا إنقاذ المدينة، ولما

стр. 238

لم يكن عبيد الله عازما هذه المرة على الاستقرار فقد قبل أن يأخذ الجزية من الملكة- ألف ألف درهم- والتي دفعتها طائعة إنقاذا لبلادها «١» . وعاد إلى مرو. ولكن الحملات لم تنقطع أبدا على بلاد ما وراء النهر فقد واصل خلفه سعيد بن عثمان بن عفان حملاته على بخارى «٢» وغيرها من بلاد ما وراء النهر، ثم تصاعدت الحملات على يد المهلب بن أبي صفرة، والي خراسان من قبل الحجاج الثقفي (٧٨- ٨٣ هـ) . ثم على يدي ولديه يزيد بن المهلب والمفضّل (٨٣- ٨٥) وقد بدأ المهلب غزواته في بلاد ما وراء النهر سنة (٨٠ هـ) ، حيث يقول ابن الأثير: وفي هذه السنة قطع المهلب نهر بلخ، ونزل على كشّ وأقام بها سنتين «٣» ولما توفي المهلب سنة (٨٣ هـ) خلفه ابنه يزيد على ولاية خراسان، فواصل غزو ما وراء النهر ثم واصل أخوه المفضل الغزو أيضا إلى أن عزله الحجاج بدوره وأسند ولاية خراسان إلى الرجل الذي شاءت له الأقدار أن يخطو الخطوة الحاسمة في فتح بلاد ما وراء النهر وأن يرتبط فتح هذه البلاد باسمه، ذلك الرجل هو قتيبة بن مسلم الباهلي، الذي استثمر جهود كل القادة الكبار الذين سبقوه، وحرثوا له البلاد، ومهدوا له الطريق ابتداء من عبد الله بن عامر، ومرورا بزياد بن أبي سفيان وابنه عبيد الله، وسعيد بن عثمان بن عفان، والمهلب بن أبي صفرة وأولاده. * فتوحات قتيبة بن مسلم فيما وراء النهر: ولي قتيبة خراسان من قبل الحجاج بن يوسف الثقفي- والي العراق والمشرق كله- وكان ذلك سنة (٨٥ هـ) على الأرجح، بعد عزل المفضّل بن المهلب. وكان اختيار الحجاج لقتيبة لولاية خراسان اختيارا موفقا وجاء في موعده فقد كان الرجل من الأبطال الشجعان، ذوي الحزم والدهاء والغناء، ويعتبر بحق من كبار القادة الفاتحين الذين أنجبتهم الأمة العربية وعرفهم التاريخ الإسلامي. ففي خلال نحو عشر سنوات (٨٦- ٩٦) فتح أقاليم شاسعة في آسيا الوسطى، وهدى الله على يديه خلقا كثيرا، فأسلموا ودانوا لله «٤» . وقد شرف الله تعالى قتيبة بحمل راية الفتوحات الإسلامية في بلاد ما وراء النهر في وقت ملائم تماما، فقد استفاد من جهود كل من سبقوه، وكان يعتمد- بعد

стр. 239

الله تعالى- على والي العراق العظيم الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي اختاره لهذه المهمة الجليلة، ووضع ثقته فيه، ولم يقصر في إمداده بالرجال والعتاد والرأي والمشورة، كما كان من حسن حظ قتيبة أن ولايته على خراسان واضطلاعه بقيادة الفتوحات في بلاد ما وراء النهر قد جاءت في وقت ملائم تماما، حيث كانت الدولة الأموية تغلبت على جميع مناوئيها، واستقرت أمورها واستردت عافيتها، في خلافة الوليد بن عبد الملك (٨٦- ٩٦ هـ) فاجتمعت لقتيبة شجاعة القائد وإقدامه وعزم الوالي وتصميمه، وقوة الدولة واستقرارها، فكانت أمجاده وأعماله الرائعة في ما وراء النهر. ولقد برهن قتيبة بن مسلم على أنه لم يكن قائدا عسكريّا فذّا وفاتحا عظيما فحسب، بل أنه كان رجل إدارة وتنظيم وسياسة من الطراز الأول وأنه كان يعرف طبيعة المهمة التي أو كلت إليه، كما أنه كان يعرف كل شيء عن خراسان- القاعدة التي ستنطلق منها الغزوات- والتي كانت رياح الخلافات والعصبيات العربية قد هبّت عليها؛ من جراء التنافس على الولاية والمناصب الآخرى بين أبناء القبائل العربية- خاصة اليمن وقيس- فكان على قتيبة- قبل أن يمضي إلى تنفيذ مشروعه الكبير لفتح ما وراء النهر- أن ينسي العرب خلافاتهم ويجعلهم يرتفعون فوق العصبيات، ويذكّرهم برسالتهم السامية التي أكرمهم الله بها وشرفهم بحملها، وأن يعدهم نفسيّا لاستئناف الجهاد في سبيل الله. فما أن وصل خراسان حتى اجتمع برؤساء القبائل وأعيان الناس، وخطب فيهم خطبة بليغة، كان لها أبلغ الأثر في جمع الكلمة والتوجه للجهاد في سبيل الله بدلا من ضياع الوقت والجهد في المنازعات والخلافات القبلية التي لا طائل من ورائها. وكان مما قاله قتيبة في خطبته تلك، مخاطبا زعماء القبائل: «إن الله أحلكم هذا المحل ليعز بكم دينه، ويذبّ بكم عن الحرمات، ويزيد بكم المال استفاضة، والعدو وقما- أي: ذلّا- ووعد نبيه ﷺ النصر بحديث صادق وكتاب ناطق، فقال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٢] ، ووعد المجاهدين في سبيله أحسن الثواب وأعظم الذخر عنده، فقال تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا

стр. 240

كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [التوبة: ١٢٠- ١٢١] ثم أخبر عمن يقتل في سبيل الله أنه حي مرزوق، فقال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران: ١٦٩] ؛ فتنجزوا موعود ربكم، ووطنوا أنفسكم على أقصى أثر وأمضى ألم، وإياكم والهوينى» «١» . بهذه الخطبة البليغة ذكر قتيبة العرب برسالتهم ومسؤوليتهم عنها وأهاب بهم أن يوطنوا أنفسهم على تحمل المشقات في سبيل الله، كما فعل أسلافهم من قبل، حتى يفوزوا مثلهم بسعادة الدنيا والآخرة. وكما نجح قتيبة في توحيد صفوف العرب في خراسان تحت راية الجهاد في سبيل الله، فقد نجح في كسب ثقة الخراسانيين وودّهم، حيث قرّبهم إليه وأسند إليهم الوظائف الإدارية، وضمن بذلك تعاونهم معه، وكان كل ذلك مقدمة ضرورية وسليمة لتحقيق هدفه الكبير، وهو فتح بلاد ما وراء النهر. * خطوات الفتح ومراحله: استغرق فتح بلاد ما وراء النهر نحو عشر سنوات (٨٦- ٩٦ هـ) ومر عبر أربع مراحل رئيسية؛ نوجزها فيما يلي: المرحلة الأولى: استغرقت عاما واحدا تقريبا (٨٦- ٨٧ ه ـ) ، وفيه أخضع قتيبة إقليم طخارستان، ذلك الإقليم الكبير الذي يقع على ضفتي نهر جيحون، والذي يبدو أن أوضاعه لم تستقر تماما للمسلمين طوال السنين الماضية، منذ فتحه الأحنف بن قيس في خلافة عثمان بن عفان ﵁ «٢» . فكان على قتيبة أن يخضع ذلك الإقليم للسيادة الإسلامية قبل عبور النهر وفيما يروي البلاذري والطبري «٣» فإن قتيبة بعد أن استتبت له الأمور في خراسان استخلف عليها إياس بن عبد الله بن عمر، وسار هو على رأس قواته إلى طخارستان، فلما بلغ الطالقان تلقاه دهاقون بلخ وعظاماؤها، فساروا معه، فلما

стр. 241

قطع النهر تلقاه تيش الأعور ملك الصغانيان بهدايا ومفتاح من ذهب فدعاه إلى بلاده، وأتى ملك كفتان بهدايا وأموال، ودعاه- أيضا- إلى بلاده، فمضى مع تيش إلى الصغانيان فسلمه بلاده، ثم جاء غستاسبان ملك أخرون وشومان، وهما من طخارستان، فصالحه على فدية أدّاها إليه فقبلها قتيبة ورضي ثم انصرف إلى مرو، واستخلف على الجند أخاه صالح بن مسلم. يفهم من رواية الطبري والبلاذري كليهما أنه أصبح لقتيبة هيبة عظيمة في تلك البلاد وأن طخارستان خضعت له دون قتال، وأن ملوك وأمراء بلاد ما وراء النهر هرعوا إليه يقدمون الهدايا وفروض الطاعة ويدعونه إلى بلادهم ويسلمونها إليه، ولكن الطبري نفسه يروي رواية أخرى- وإن كانت بصيغة المبني للمجهول- يفهم منها أن قتيبة لقي حربا، فهو يقول: «وقيل: إن قتيبة أقام قبل أن يقطع النهر في هذه السنة- (٨٦ هـ) - على بلخ؛ لأن بعضها كان منتقضا عليه فحارب أهلها، ثم إن أهل بلخ صالحوا من غد اليوم الذي حاربهم فيه قتيبة» «١» ، وعلى كل حال لا يبدو الخلاف كبيرا بين الروايتين؛ لأن أهل بلخ لم يكونوا ملحّين في حربهم قتيبة، بدليل أنهم صالحوه من غد اليوم الذي حاربوا فيه، والنتيجة أن طخارستان خضعت طوعا، أو صلحا بعد قتال يسير، وأن قتيبة اطمأن إلى أوضاعها، وبدأ يتأهب لبدأ جهاده الكبير فيما وراء النهر. المرحلة الثانية (٨٧- ٩٠ ه ـ) : بدأ قتيبة أولى خطواته لفتح ما وراء النهر سنة (٨٧ هـ) «٢» ، فعبر النهر واتجه إلى مدينة بيكند- وهي أدنى مدائن بخارى إلى النهر- والتي كان المسلمون قد غزوها مرارا كثيرة- قبل قتيبة- فلما نزل بغفوتهم- على حد تعبير الطبري- استنصروا الصغد، واستنجدوا من حولهم، فأتوهم في جمع كثير وأخذوا بالطريق، فلم ينفذ لقتيبة رسول، ولم يصل إليه رسول، ولم يجر له خبر شهرين، وأبطأ خبره على الحجاج، فأشفق الحجاج على الجند، فأمر الناس بالدعاء لهم في المساجد، وكتب بذلك إلى الأمصار، وهم يقتتلون كل يوم، فكانت بين الناس مشاولة- القتال بالرماح- ثم تزاحفوا والتقوا، وأخذت السيوف مأخذها وأنزل الله على المسلمين الصبر فقاتلوهم حتى زالت الشمس، ثم منح الله المسلمين أكتافهم فانهزموا يريدون المدينة، واتبعهم المسلمون فشغلوهم عن الدخول، فتفرقوا وركبهم المسلمون قتلا

стр. 242

وأسرا كيف شاؤوا، واعتصم من دخل المدينة بالمدينة- وهو قليل- فوضع قتيبة الفعلة في أصلها ليهدمها، فسألوه الصلح فصالحهم واستعمل عليها رجلا من بني قتيبة «١» . هذا هو تلخيص الطبري لمعركة الاستيلاء على مدينة بيكند، التي لم يلبث أهلها أن نقضوا الصلح، وقتيبة منهم على خمسة فراسخ، مما اضطره أن يرجع إليهم وأن يقتل من كان بها، وأن يغنم غنائم كثيرة، قوي بها أمر المسلمين واشتروا السلاح والخيل وتنافسوا في حسن الهيئة- على حد تعبير الطبري- «٢» ثم عاد قتيبة إلى مرو ليستريح ليبدأ مرحلة جديدة من جهاده، فواصل حملاته على إقليم بخارى، ففي سنة (٨٨ هـ) ترك أخاه بشارا على مرو، وعبر هو النهر ففتح نو مشكت ودامثنة- من أعمال بخارى- صلحا، بناء على طلب ورغبة أهلها «٣» . ولكنهم لم يكونوا صادقين في طلب الصلح، بل كانت قلوبهم تنطوي على الخديعة والمكر، فقد فاجؤوا قتيبة بتجمع هائل من الأمم المجاورة- فرغانة والصغد- يقوده ابن أخت ملك الصين، مما يدل على أن الأمم في تلك البلاد قد تداعت وتحالفت على المسلمين وأن الصين قد ألقت بثقلها في المعركة لكن الله نصر جنده- على حد تعبير الطبري- «٤» . وفي العام التالي (٨٩ هـ) استأنف قتيبة غزوه، الذي كان يقوم به في فصل الصيف- لقسوة الشتاء في تلك البلاد- وهذه السنة قصد بخارى، بناء على تعليمات وأوامر من الحجاج، فلقيه في طريقه جمع من أهل كش ونسف فظفر بهم، ومضى إلى بخارى فتصدى له ملكها- وردان خداه- فلم يستطع الاستيلاء عليها، فرجع إلى مرو، وكتب إلى الحجاج بخبره، فطلب منه أن يصورها له، فبعث إليه بصورتها، فنصحه وأمره وعرّفه الموضع الذي يأتيها منه، فسار إليها ثانية سنة (٩٠ هـ) ، وفتحها بعد معركة انتصر فيها على جمع كبير من الصغد والترك الذين كان ملكها قد استعان بهم، وبهذا توج قتيبة أعماله في هذه المرحلة بفتح بخاري التي سيكون لها في تاريخ الإسلام والمسلمين شأن عظيم. المرحلة الثالثة (٩٠- ٩٣ ه ـ) : في هذه المرحلة التي استغرقت ثلاث سنوات كسابقتها استطاع قتيبة أن يبسط

стр. 243

السيادة الإسلامية على كل ما وراء نهر جيحون، وتوج ذلك بفتح مدينة سمرقند أعظم مدائن الإقليم، وكان طرخون ملك الصغد قد أرسل إلى قتيبة بعد انتصاره في معركة بخارى سنة (٩٠ هـ) يطلب الصلح فأجابه وصالحه ورجع إلى مرو «١» . لكن الملك نقض الصلح- الذي كان هو الداعي إليه- وامتنع عن دفع الجزية التي كان قد التزم بها، مما جعل قتيبة يغضب، ويقرر أن يضع حدّا لهذا العبث، وأن يلقّن هذا الملك الغادر درسا لن ينساه وليكون عبرة لغيره، فجهّز أخاه عبد الرحمن بن مسلم في عشرين ألف مقاتل وسيره أمامه، ثم تبعه هو في أهل خوارزم وبخارى، وضرب الحصار على المدينة وقال: «إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» ؛ تيمّنا بقول النبي ﷺ عند ما حاصر خيبر. فلما رأى أهل سمرقند عزمه على فتح المدينة بالقوة كتبوا إلى ملوك الشاش وفرغانة يستغيثون بهم، وقالوا لهم محرضين: إن العرب إذا ظفروا بنا عادوا عليكم بمثل ما أتونا به، فانظروا لأنفسكم «٢» ، فاستجاب هؤلاء الملوك، واختاروا عددا من أهل النجدة والبأس من أبناء المرازبة والأساورة والأبطال، ووضعوا إليهم خطة لمفاجأة معسكر المسلمين- أثناء انشغالهم بحصار سمرقند- ولكن قتيبة لم يكن بالقائد الذي يؤخذ على غرة، ولم يغب عن فكره حدوث مثل هذه المفاجات، فعلم بخبر هذا التجمع، وفاجأهم قبل أن يفاجئوه، بفرقة من جيشه بقيادة أخيه صالح ابن مسلم، فهزمهم وبدد شملهم وقتلهم ولم يفلت منهم إلا الشريد «٣» ، وغنم المسلمون أمتعتهم وأسلحتهم، وتدهورت معنويات الصغد بعد أن رأوا هزيمة أهل فرغانة والشاش، وهذا النصر قوى من عزيمة المسلمين ورفع معنوياتهم، وقرر قتيبة تشديد الحصار على سمرقند، ونصب عليها المنجنيق، وأحدث بها ثلمة وصاح كالأسد الهصور: حتى متى يا سمرقند يعشش فيك الشيطان؟ إني والله لئن أصبحت لأحاولن من أهلك أقصى غاية، فلما أصبح أمر الناس بالجد في القتال، فقاتلوهم واشتد القتال، ولما رأى أهلها أن هزيمتهم أصبحت حتمية طلبوا الصلح، فصالحهم قتيبة على ألفي ألف مثقال ومائتي ألف كل عام، وأن يعطوه تلك السنة ثلاثين ألف رأس، وأن يخلوا المدينة فلا يكون لهم فيها مقاتل، فيدخلها ويا بني فيها

стр. 244

مسجدا يخطب ويخرج «١» ، وبالفعل دخل المدينة وحطم ما بها من أصنام ولم يعبأ بتخويفه منها، حيث قال له أحدهم: لا تتعرض لهذه الأصنام فإن بها أصناما من أحرقها أهلكته، فقال: أنا أحرقها بيدي. فأمر بإشعال النار، وكبر ثم أحرقها، فوجدوا من بقايا مسامير الذهب خمسين ألف مثقال «٢» . وهكذا بسط قتيبة السيادة الإسلامية على كل أقاليم ما وراء النهر ثم عاد إلى مرو ليستريح ويريح جنده استعدادا لجولته الأخيرة التي سيفتتح فيها المناطق السيحونية. المرحلة الرابعة (٩٣- ٩٦ ه ـ) : رأينا في الصفحات السابقة اشتراك أهل فرغانة والشاش في حرب المسلمين إلى جانب الصغد الذين حرضوهم على المسلمين وخوفوهم منهم وقالوا لهم: إن العرب إن هزمونا عادوا عليكم واستولوا على بلادكم، الأمر الذي جعل من الحتم على قائد حصيف مثل قتيبة ألا ينتظر حتى يهاهجموه، فقرر أن يكون زمام المبادرة بيده دائما، ففي سنة (٩٤ هـ) عبر نهر سيحون ولأول مرة، ومعه قوات هائلة منها أربعة وعشرون ألفا من أهل بخارى وكش وخوارزم، فوجه قسما منهم إلى الشاش وتوجه هو على القسم الآخر إلى فرغانة «٣» ، فخاض معركة شرسة حول مدينة خجندة ويبدو أن نتيجة المعركة لم تكن حاسمة؛ لأن قتيبة توجه إلى كاشان قبل أن يحسم أمر خجندة، وهناك أتاه جنوده الذين كان أرسلهم إلى الشاش، ومن الواضح أنه لقي مقاومة عنيفة من الترك مما جعله يطلب مددا من الحجاج الذي لم يتوان عن إمداده بقوات من العراق، بل أمر محمد بن القاسم الثقفي أن يوجه إليه أيضا مددا من السند فاحتياج قتيبة إلى إمدادات من العراق والسند فوق ما معه من قوات كبيرة يعكس المقاومة الشرسة التي لقيها في أقاليم سيحون، وأنه كقائد عسكري ممتاز لم يشأ أن يخوض معهم المعارك الحاسمة إلا بعد أن يضمن التفوق عليهم حتى يتحقق له النصر «٤» ، وقد نجحت خطط قتيبة وفتح أقاليم الشاش وفرغانة سنة (٩٥ هـ) ، ومن حسن حظ قتيبة، بل من حسن حظ الإسلام أن تمكن قتيبة من تحقيق هذا الإنجاز الهائل ومكّن لدين الله في تلك البلاد، قبيل موت الحجاج، الذي توفي في

стр. 245

هذه السنة- سنة (٩٥ هـ) - وقد أثر موت الحجاج في قتيبة تأثيرا كبيرا، فهو الذي كان يقف خلفه يشد من أزره بكل عزم وتصميم وأهم من هذا كله الثقة الكبيرة بين الرجلين والتي هي من أهم عوامل النجاح، يقول الكرديزي: «وحينما سمع قتيبة بموت الحجاج اغتم غمّا شديدا» «١» . ولقد حزن قتيبة حزنا عميقا على موت قائده الكبير الحجاج، وتمثّل بهذين البيتين من الشعر؛ فقال: لعمري لنعم الفتى من آل جعفر ... بحوران أمسى أعلقته الحبائل فإن تحي لا أملل حياتي وإن تمت ... فما في حياة بعد موتك طائل * موقف الخليفة الوليد من قتيبة: بعد أن أتم قتيبة فتح أقاليم الشاش وفرغانة عاد إلى مرو- عاصمة خراسان- وقد ترك هناك حاميات لحفظ النظام، وانتظر ما تأتي به الأيام بعد موت الحجاج، ولقد كان الخليفة الوليد بن عبد الملك يعرف طبيعة العلاقة بين الحجاج وقتيبة، ويعرف قدر الرجلين، وأن الثقة المتبادلة بينهما والتعاون كانت له ثمار طيبة وكان في مصلحة الإسلام والمسلمين، بل مصلحة الدولة، وإذا كان الحجّاج قد مات فليحاول الخليفة الاحتفاظ بقتيبة ليواصل جهاده وجهوده في خدمة الإسلام ولذلك كتب له يزكيه ويشجعه «٢» ، وكان مما قال له: «قد عرف أمير المؤمنين بلاءك وجدك في جهاد أعداء المسلمين، وأمير المؤمنين رافعك، وصانع بك الذي يجب لك، فأتم مغازيك وانتظر ثواب ربك، ولا تغيّب عن أمير المؤمنين كتبك، كأني انظر إلى بلادك والثغر الذي أنت فيه» «٣» . أحدثت هذه الرسالة أثرا طيبا في نفس قتيبة، وأعطته دفعة قوية من العزم والتصميم، فعاوده نشاطه ورغبته في الغزو والجهاد فخرج من مرو ليواصل فتوحاته، حيث وصل إلى كاشغر، التي يقول عنها الطبري: إنها أدنى مدائن الصين ويلخص الطبري أعمال قتيبة في هذه المرحلة الأخيرة من مراحل جهاده في سبيل الله فيقول: «وأوغل قتيبة حتى قرب من الصين، فكتب إليه ملك الصين أن ابعث رجلا من

стр. 246

أشراف من معكم يخبرنا عنكم، ونسائله عن دينكم» «١» . اختار قتيبة عشرة- وقيل: اثني عشر- من خيرة رجاله، برئاسة هبيرة بن المشمرج الكلابي، وأرسلهم إلى ملك الصين، ويقص الطبري خبر تلك السفارة الإسلامية إلى بلاط ملك الصين في حديث طويل، ونكتفي منه بما انتهى إليه الحوار، حيث قال ملك الصين للوفد المسلم في أسلوب تغلب عليه نبرة التهديد: انصرفوا إلى صاحبكم، فقولوا له: ينصرف عن بلادنا، فإني قد عرفت حرصه وقلة أصحابه، وإلا بعثت عليكم من يهلككم ويهلكه فرد عليه رئيس الوفد، في شجاعة وعزة المؤمن: أيها الملك كيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون، وكيف يكون حريصا من خلّف الدنيا وراءه قادرا عليها وغزاك في بلادك، وأما تخويفك إيانا فإن لنا آجالا إذا حضرت وأكرمها الله بالقتل فلسنا نكرههه ولا نخافه «٢» . أعادت هذه المقالة ملك الصين إلى صوابه، وأيقن أنه أمام قوم لا يجدي معهم التهديد ولا الوعيد، فاعتدل في كلامه، وقال لهبيرة في نبرة جديدة غير نبرة التعالي الأولى: فما الذي يرضي صاحبكم؟ قال هبيرة: إنه حلف ألا ينصرف عن بلادكم حتى يطأ أرضكم ويختم ملوككم، ويعطى- أي: يأخذ منكم- الجزية. قال الملك: فإنا نخرجه من يمينه، فنبعث إليه ترابا من أرضنا فيطؤه، ونبعث ببعض أبنائنا فيختمهم، ونبعث إليه بجزية يرضاها، ثم دعا بصحاف من ذهب وملأها ترابا، وبعث بحرير وذهب وأربعة غلمان من أبناء الملوك، ثم أجاز الوفد جوائز حسنة، فعادوا إلى قتيبة، فرضي وقبل الجزية وختم الغلمان، ووطئ التراب «٣» . اكتفى قتيبة بهذا من ملك الصين، ويبدو أن الذي حمله على التساهل وقبول الحل الوسط الذي عرضه الملك ما حدث في داخل الدولة الإسلامية فقد توفي الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة (٩٦ هـ) ، ولم تكن علاقة قتيبة على ما يرام مع الخليفة الجديد سليمان بن عبد الملك «٤» (٩٦- ٩٩ هـ) لذلك لم ير أنه من المناسب أن يتوغل فاتحا في بلاد الصين وهو لا يحس بالأمان من ورائه. وعلى كل حال حسب هذا الرجل العظيم والفاتح الكبير أنه في غضون عشر

стр. 247

سنوات فتح بلادا شاسعة فيما وراء النهر، ثم عبر نهر سيحون وفتح الشاش وفرغانة وأشر وسنة وكاشغر، كما أرهب ملك الصين وحمله على دفع الجزية. وسيبقى اسم قتيبة بن مسلم الباهلي من الأسماء المضيئة في التاريخ الإسلامي، فقد أضاف للعالم الإسلامي إضافة رائعة، ووجه مدنا كبخارى وسمرقند وغيرها لتكون مراكز مشرقة للحضارة الإسلامية في وسط آسيا. * بلاد ما وراء النهر بعد قتيبة: توقفت فتوحات قتيبة عند مقاطعة كاشغر، ملامسا بذلك حدود الصين، ولم تسمح التطورات التي حدثت في الدولة الأموية بعد موت الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة (٩٦ هـ) باستمرار الفتوحات؛ لأن الفاتح البطل نفسه قتيبة قد قتل «١» في حركة شغب وسوء فهم من الجند- لا مجال لتفسيرها- هنا ولكن الدولة الأموية وإن كانت لم تواصل حركة الفتوحات إلا أنها لم تفرط في الإنجازات التي حققها قتيبة في تلك البلاد، بل كرست جهودها فيما تبقى لها من أيام في تثبيت الفتوحات والسيادة الإسلامية، وتهيئة البلاد لقبول الإسلام عقيدة وفكرا وثقافة، وقد اقتدى خلفاء بني أمية في هذا المجال- خاصة سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك- بعمل معاوية بن أبي سفيان ﵁ في بلاد فارس- وقد أشرنا إلى ذلك من قبل- وكما نجحت سياسة معاوية وتحولت إيران بشكل تدريجي وسريع إلى الإسلام، بل أصبحت بلاد فارس من أول المدافعين عن الإسلام، وأصبحت قاعدة الانطلاقة الكبرى التي قادها في بلاد ما وراء النهر. فقد نجحت كذلك جهود الأمويين الأواخر- رغم ما صادف دولتهم من مشكلات كبيرة- كان أخطرها الدعوة العباسية- أقول رغم ذلك نجح الأمويون في معركة تثبيت الفتوحات في بلاد ما وراء النهر، والتمكين للنفوذ الإسلامي، وتهيئة البلاد لقبول الإسلام عقيدة وفكرا وثقافة وسلوكا، وأصبحت بلاد ما وراء النهر بدورها مدافعة بحماس عن الإسلام وعاملة على نشره بين الأتراك الشرقيين ولم تكن تلك المهمة سهلة؛ بل كانت أصعب من مهمة الفتح ذاتها، وكانت بعيدة الأثر في تاريخ الإسلام بصفة عامة، وتاريخ أواسط آسيا بصفة خاصة ولقد أخلصت بلاد ما وراء النهر للإسلام كل الإخلاص وغدت جزآ من أهم أجزائه، غيرة عليه

стр. 248

وتمسكا به، فمنذ أن أدخل قتيبة بن مسلم الباهلي الإسلام في هذه البلاد، وهو صامد وثابت كالجبل الأشم، رغم المحن والخطوب الهائلة التي تعرض لها عبر تاريخه الطويل هناك، والتي كان آخرها محنة السيطرة الشيوعية- والتي استمرت نحو ثلاثة أرباع القرن- والتي بذلت كل جهودها وأساليبها الوحشية والهمجية في القمع والتنكيل بالمسلمين لزعزعة الإسلام، وهز مكانته بل محوه من البلاد ولكنها- بحمد الله وفضله- فشلت، وذهبت الشيوعية إلى سلة قمامة التاريخ، وبقي الإسلام وسيبقى بإذن الله تعالى إلى قيام الساعة وصدق الله العظيم حيث يقول: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد: ١٧] . ولقد عبر أحد علماء المسلمين من تلك البلاد- والذي حضر احتفال مصر بليلة القدر ويوم الدعاة في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة (١٤١٢ هـ) - عن فرحتهم بزوال الكابوس الشيوعي بقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: ٣٤] . نعود إلى جهود الأمويين التي بذلوها للتمكين للإسلام في تلك البلاد- والتي لم تأخذ حقها من الدراسة والتنويه حتى الآن- فقد واجهوا الموقف بكل تعقيداته ومشاكله برجولة وإقدام، ولعل تذكّر طبيعة تلك البلاد وما كانت عليه أحوالها السياسية والاجتماعية يرينا إلى أي مدى كان الموقف صعبا، ولقد قاومت تلك البلاد الفاتحين المسلمين بضراوة، وكانت تلك المقاومة نابعة من عدم فهمهم لطبيعة الإسلام وما يحمله لهم من خير وسعادة وعزة وكرامة. ولكنهم بعد أن عرفوا قيمة الإسلام وأهدافه غيروا موقفهم من العداء الشديد إلى الحماس الشديد للإسلام، ومن خير ما يصور هذا التغيير ما يقرره المؤرخ والمستشرق المجري أرمينيوس فامبري في كتابه «تاريخ بخارى» ؛ حيث يقول: «إن بخارى التي قاومت العرب في البداية مقاومة عنيفة، قد فتحت لهم أبوابها لتستقبلهم ومعهم تعاليم نبيهم، تلك التعاليم التي قوبلت في البداية بمعارضة شديدة، ثم أقبل القوم من بعد عليها في غيرة شديدة، حتى لترى الإسلام- الذي أخذ شأنه اليوم يضعف في جبهات آسيا الآخرى- وقد غدا في بخارى اليوم- (١٨٧٣ م) - على الصورة التي كان عليها أيام الخلفاء الراشدين» «١» . هذه شهادة مؤرخ باحث أوربي على التحول الهائل الذي أحدثه الإسلام في بلاد

стр. 249

ما وراء النهر، والذي لم يسبق له مثيل في تاريخها، بل ولا في تاريخ غيرها، فلم يحدث أن غيرت أمم بأكملها عقائدها وتحولت إلى دين جديد كما تحول سكان ما وراء النهر، تاركين عقائدهم القديمة، وقد تم ذلك التحول بحرية كاملة ويؤيد الباحث الروسي بارتولد ما يراه فامبري حيث يقول عن الموضوع: «ولكن الانضمام إلى عالم الإسلام المتمدين لم يكن ممكنا لهؤلاء البدو إلا إذا دخلوا في الإسلام من حيث هو دين، ومن العوامل التي ساعدت على انتشار الإسلام بين الترك، خاصة امتاز بها الإسلام على سائر الأديان العالمية، فعلى الرغم من أن أتباع البوذية وأتباع المسيحية أكثر عددا من المسلمين، فإن الإسلام دين عالمي بمعنى الكلمة، أي: إنه ليس مقصورا على جنس أو قومية، ولئن كانت بعض الديانات قد بذّت الإسلام في هذه الناحية فإن توفيقها كان مؤقتا، ولم تستطع الحصول على نتائج دائمة كالتي أحرزها الإسلام، فالديانة المانوية مثلا كانت في وقت ما دينا عالميّا وكان أتباعها متشرين في أماكن تمتد من جنوب فرنسا إلى الصين، ولكن هذه الخاصية لم تمنع المانوية من الاضمحلال الكامل، وقد بدأت البوذية نشاطها في الغرب فانتشرت هنالك، ولكنها في نهاية الأمر ظلت دينا للشعوب المتحضرة في شرق آسيا فقط. ثم يمضي بارتولد في سوق الأدلة والأمثلة على تفوق الإسلام على كل الأديان فيقول: وفي التاريخ أمثلة كثيرة كثيرة لأمم بوذية ومسيحية، تركت ديانتها ودخلت في الإسلام، ولكننا لا نجد أمة إسلامية واحدة تخلّت عن دينها ودخلت في البوذية أو المسيحية «١» . على كل حال واجه الأمويون الأواخر مشاكل جمّة في بلاد ما وراء النهر، كان أبرزها طموحات الأمراء الأتراك الذين أبقاهم الأمويون يحكمون بلادهم تحت السيادة الإسلامية، وكان معظم هؤلاء تربطهم بالدولة الأموية معاهدات نظمت العلاقات بين الطرفين، وبصفة خاصة التعاون العسكري والمالي، ولكن هؤلاء الأمراء كانوا يحاولون القفز فوق تلك المعاهدات مستغلين فترات الضعف والاضطراب التي كانت تمر بها الدولة الأموية في آخر أيامها التي امتلأت بحوادث الصراع بين الأمراء الأتراك الثائرين والعمال الأمويين، ومن أمثلة ذلك ثورة أمير فرغانة- بعد وفاة قتيبة- ومحاولة استرداد نفوذه القديم وثورات بخارى وسمرقند، لكن الدولة الأموية لم تتهاون في مواجهة تلك الثورات وقمعها، ونجحت في إخضاع أغلب الأمراء، الذين بدؤوا يدخلون في الإسلام خاصة في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز- الذي دعاهم

стр. 250

للدخول في الإسلام- وبعده، وبدؤوا يتأقلمون مع الوضع الجديد ويتالفون مع العرب «١» ، بل بدؤوا يدافعون عن الإسلام بحماس ضد الأتراك الشرقيين، الذين توالت إغارتهم على بلاد ما وراء النهر حتى أخذوا يشكلون خطرا على الدولة الأموية التي تصدّت لذلك الخطر بجراءة وجسارة، وقام الولاة الأمويون مثل الجراح ابن عبد الله الحكمي، وعبد الله بن معمر اليشكري، الذي تابع الغزو في الجزء الشمالي الشرقي من البلاد ونسب إليه أنه هم بغزو الصين نفسها. وظلت الدولة الأموية والأتراك الشرقيين في صراع يتبادلون النصر والهزيمة حتى تغلبت كفة الدولة الأموية على يد الوالي الشجاع أسد بن عبد الله القسري (١١٧- ١٢١ هـ) ونصر بن سيار (١٢١- ١٢٩ هـ) الذي حظي بمكانة في تاريخ الجهاد الإسلامي في تلك البلاد لا تقل عن مكانة قتيبة بن مسلم، فهو الذي حمى بلاد ما وراء النهر من خطر الأتراك الشرقيين «٢» . وخلاصة القول: أن فتح بلاد ما وراء النهر وتثبيت ذلك الفتح وتهيئتها لقبول الإسلام، عقيدة وفكرا وثقافة وسلوكا يعتبر من أهم منجزات العصر الأموي. * العباسيون وبلاد ما وراء النهر: ظل الأمويون يخوضون معارك تثبيت الفتوحات الإسلامية فيما وراء النهر، وحمايتها من خطر الأتراك الشرقيين إلى آخر أيامهم، فلما سقطت دولتهم سنة (١٣٢ هـ) وقامت الدولة العباسية واصلت- تلك الأخيرة- السياسية نفسها بل إن العباسيين واجهوا خطرا جديدا، وهو الخطر الصيني، فقد رنت الصين إلى السيطرة لا على الأتراك الشرقيين فحسب، بل على بلاد ما وراء النهر ذاتها، ولم تكن الأطماع الصينية تقف عند حد السيطرة السياسية، وإنما كانت ترمي إلى الاستيلاء على طرق التجارة التي تعبرها القوافل من الشرق الأقصى إلى بلاد ما وراء النهر ثم إلى موانئ البحرين الأسود والأبيض المتوسط ثم إلى أوربا، وهذه المطامع الصينية جعلت الصدام مع الدولة العباسية أمرا محتما. وبالفعل التقى الجيشان الصيني والعباسي في معركة طالاس سنة (١٣٤ هـ/ ٧٥٢ م) والتي انتصر فيها الجيش العباسي انتصارا عظيما، كان أعظم الانتصارات
следующие страницы →