← История

История · id 9899

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

عبد الشافى محمد عبد اللطيف

Полный текст (404 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أشراف من معكم يخبرنا عنكم، ونسائله عن دينكم» «١» . اختار قتيبة عشرة- وقيل: اثني عشر- من خيرة رجاله، برئاسة هبيرة بن المشمرج الكلابي، وأرسلهم إلى ملك الصين، ويقص الطبري خبر تلك السفارة الإسلامية إلى بلاط ملك الصين في حديث طويل، ونكتفي منه بما انتهى إليه الحوار، حيث قال ملك الصين للوفد المسلم في أسلوب تغلب عليه نبرة التهديد: انصرفوا إلى صاحبكم، فقولوا له: ينصرف عن بلادنا، فإني قد عرفت حرصه وقلة أصحابه، وإلا بعثت عليكم من يهلككم ويهلكه فرد عليه رئيس الوفد، في شجاعة وعزة المؤمن: أيها الملك كيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون، وكيف يكون حريصا من خلّف الدنيا وراءه قادرا عليها وغزاك في بلادك، وأما تخويفك إيانا فإن لنا آجالا إذا حضرت وأكرمها الله بالقتل فلسنا نكرههه ولا نخافه «٢» . أعادت هذه المقالة ملك الصين إلى صوابه، وأيقن أنه أمام قوم لا يجدي معهم التهديد ولا الوعيد، فاعتدل في كلامه، وقال لهبيرة في نبرة جديدة غير نبرة التعالي الأولى: فما الذي يرضي صاحبكم؟ قال هبيرة: إنه حلف ألا ينصرف عن بلادكم حتى يطأ أرضكم ويختم ملوككم، ويعطى- أي: يأخذ منكم- الجزية. قال الملك: فإنا نخرجه من يمينه، فنبعث إليه ترابا من أرضنا فيطؤه، ونبعث ببعض أبنائنا فيختمهم، ونبعث إليه بجزية يرضاها، ثم دعا بصحاف من ذهب وملأها ترابا، وبعث بحرير وذهب وأربعة غلمان من أبناء الملوك، ثم أجاز الوفد جوائز حسنة، فعادوا إلى قتيبة، فرضي وقبل الجزية وختم الغلمان، ووطئ التراب «٣» . اكتفى قتيبة بهذا من ملك الصين، ويبدو أن الذي حمله على التساهل وقبول الحل الوسط الذي عرضه الملك ما حدث في داخل الدولة الإسلامية فقد توفي الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة (٩٦ هـ) ، ولم تكن علاقة قتيبة على ما يرام مع الخليفة الجديد سليمان بن عبد الملك «٤» (٩٦- ٩٩ هـ) لذلك لم ير أنه من المناسب أن يتوغل فاتحا في بلاد الصين وهو لا يحس بالأمان من ورائه. وعلى كل حال حسب هذا الرجل العظيم والفاتح الكبير أنه في غضون عشر

стр. 247

سنوات فتح بلادا شاسعة فيما وراء النهر، ثم عبر نهر سيحون وفتح الشاش وفرغانة وأشر وسنة وكاشغر، كما أرهب ملك الصين وحمله على دفع الجزية. وسيبقى اسم قتيبة بن مسلم الباهلي من الأسماء المضيئة في التاريخ الإسلامي، فقد أضاف للعالم الإسلامي إضافة رائعة، ووجه مدنا كبخارى وسمرقند وغيرها لتكون مراكز مشرقة للحضارة الإسلامية في وسط آسيا. * بلاد ما وراء النهر بعد قتيبة: توقفت فتوحات قتيبة عند مقاطعة كاشغر، ملامسا بذلك حدود الصين، ولم تسمح التطورات التي حدثت في الدولة الأموية بعد موت الخليفة الوليد بن عبد الملك سنة (٩٦ هـ) باستمرار الفتوحات؛ لأن الفاتح البطل نفسه قتيبة قد قتل «١» في حركة شغب وسوء فهم من الجند- لا مجال لتفسيرها- هنا ولكن الدولة الأموية وإن كانت لم تواصل حركة الفتوحات إلا أنها لم تفرط في الإنجازات التي حققها قتيبة في تلك البلاد، بل كرست جهودها فيما تبقى لها من أيام في تثبيت الفتوحات والسيادة الإسلامية، وتهيئة البلاد لقبول الإسلام عقيدة وفكرا وثقافة، وقد اقتدى خلفاء بني أمية في هذا المجال- خاصة سليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك- بعمل معاوية بن أبي سفيان ﵁ في بلاد فارس- وقد أشرنا إلى ذلك من قبل- وكما نجحت سياسة معاوية وتحولت إيران بشكل تدريجي وسريع إلى الإسلام، بل أصبحت بلاد فارس من أول المدافعين عن الإسلام، وأصبحت قاعدة الانطلاقة الكبرى التي قادها في بلاد ما وراء النهر. فقد نجحت كذلك جهود الأمويين الأواخر- رغم ما صادف دولتهم من مشكلات كبيرة- كان أخطرها الدعوة العباسية- أقول رغم ذلك نجح الأمويون في معركة تثبيت الفتوحات في بلاد ما وراء النهر، والتمكين للنفوذ الإسلامي، وتهيئة البلاد لقبول الإسلام عقيدة وفكرا وثقافة وسلوكا، وأصبحت بلاد ما وراء النهر بدورها مدافعة بحماس عن الإسلام وعاملة على نشره بين الأتراك الشرقيين ولم تكن تلك المهمة سهلة؛ بل كانت أصعب من مهمة الفتح ذاتها، وكانت بعيدة الأثر في تاريخ الإسلام بصفة عامة، وتاريخ أواسط آسيا بصفة خاصة ولقد أخلصت بلاد ما وراء النهر للإسلام كل الإخلاص وغدت جزآ من أهم أجزائه، غيرة عليه

стр. 248

وتمسكا به، فمنذ أن أدخل قتيبة بن مسلم الباهلي الإسلام في هذه البلاد، وهو صامد وثابت كالجبل الأشم، رغم المحن والخطوب الهائلة التي تعرض لها عبر تاريخه الطويل هناك، والتي كان آخرها محنة السيطرة الشيوعية- والتي استمرت نحو ثلاثة أرباع القرن- والتي بذلت كل جهودها وأساليبها الوحشية والهمجية في القمع والتنكيل بالمسلمين لزعزعة الإسلام، وهز مكانته بل محوه من البلاد ولكنها- بحمد الله وفضله- فشلت، وذهبت الشيوعية إلى سلة قمامة التاريخ، وبقي الإسلام وسيبقى بإذن الله تعالى إلى قيام الساعة وصدق الله العظيم حيث يقول: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد: ١٧] . ولقد عبر أحد علماء المسلمين من تلك البلاد- والذي حضر احتفال مصر بليلة القدر ويوم الدعاة في ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان سنة (١٤١٢ هـ) - عن فرحتهم بزوال الكابوس الشيوعي بقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: ٣٤] . نعود إلى جهود الأمويين التي بذلوها للتمكين للإسلام في تلك البلاد- والتي لم تأخذ حقها من الدراسة والتنويه حتى الآن- فقد واجهوا الموقف بكل تعقيداته ومشاكله برجولة وإقدام، ولعل تذكّر طبيعة تلك البلاد وما كانت عليه أحوالها السياسية والاجتماعية يرينا إلى أي مدى كان الموقف صعبا، ولقد قاومت تلك البلاد الفاتحين المسلمين بضراوة، وكانت تلك المقاومة نابعة من عدم فهمهم لطبيعة الإسلام وما يحمله لهم من خير وسعادة وعزة وكرامة. ولكنهم بعد أن عرفوا قيمة الإسلام وأهدافه غيروا موقفهم من العداء الشديد إلى الحماس الشديد للإسلام، ومن خير ما يصور هذا التغيير ما يقرره المؤرخ والمستشرق المجري أرمينيوس فامبري في كتابه «تاريخ بخارى» ؛ حيث يقول: «إن بخارى التي قاومت العرب في البداية مقاومة عنيفة، قد فتحت لهم أبوابها لتستقبلهم ومعهم تعاليم نبيهم، تلك التعاليم التي قوبلت في البداية بمعارضة شديدة، ثم أقبل القوم من بعد عليها في غيرة شديدة، حتى لترى الإسلام- الذي أخذ شأنه اليوم يضعف في جبهات آسيا الآخرى- وقد غدا في بخارى اليوم- (١٨٧٣ م) - على الصورة التي كان عليها أيام الخلفاء الراشدين» «١» . هذه شهادة مؤرخ باحث أوربي على التحول الهائل الذي أحدثه الإسلام في بلاد

стр. 249

ما وراء النهر، والذي لم يسبق له مثيل في تاريخها، بل ولا في تاريخ غيرها، فلم يحدث أن غيرت أمم بأكملها عقائدها وتحولت إلى دين جديد كما تحول سكان ما وراء النهر، تاركين عقائدهم القديمة، وقد تم ذلك التحول بحرية كاملة ويؤيد الباحث الروسي بارتولد ما يراه فامبري حيث يقول عن الموضوع: «ولكن الانضمام إلى عالم الإسلام المتمدين لم يكن ممكنا لهؤلاء البدو إلا إذا دخلوا في الإسلام من حيث هو دين، ومن العوامل التي ساعدت على انتشار الإسلام بين الترك، خاصة امتاز بها الإسلام على سائر الأديان العالمية، فعلى الرغم من أن أتباع البوذية وأتباع المسيحية أكثر عددا من المسلمين، فإن الإسلام دين عالمي بمعنى الكلمة، أي: إنه ليس مقصورا على جنس أو قومية، ولئن كانت بعض الديانات قد بذّت الإسلام في هذه الناحية فإن توفيقها كان مؤقتا، ولم تستطع الحصول على نتائج دائمة كالتي أحرزها الإسلام، فالديانة المانوية مثلا كانت في وقت ما دينا عالميّا وكان أتباعها متشرين في أماكن تمتد من جنوب فرنسا إلى الصين، ولكن هذه الخاصية لم تمنع المانوية من الاضمحلال الكامل، وقد بدأت البوذية نشاطها في الغرب فانتشرت هنالك، ولكنها في نهاية الأمر ظلت دينا للشعوب المتحضرة في شرق آسيا فقط. ثم يمضي بارتولد في سوق الأدلة والأمثلة على تفوق الإسلام على كل الأديان فيقول: وفي التاريخ أمثلة كثيرة كثيرة لأمم بوذية ومسيحية، تركت ديانتها ودخلت في الإسلام، ولكننا لا نجد أمة إسلامية واحدة تخلّت عن دينها ودخلت في البوذية أو المسيحية «١» . على كل حال واجه الأمويون الأواخر مشاكل جمّة في بلاد ما وراء النهر، كان أبرزها طموحات الأمراء الأتراك الذين أبقاهم الأمويون يحكمون بلادهم تحت السيادة الإسلامية، وكان معظم هؤلاء تربطهم بالدولة الأموية معاهدات نظمت العلاقات بين الطرفين، وبصفة خاصة التعاون العسكري والمالي، ولكن هؤلاء الأمراء كانوا يحاولون القفز فوق تلك المعاهدات مستغلين فترات الضعف والاضطراب التي كانت تمر بها الدولة الأموية في آخر أيامها التي امتلأت بحوادث الصراع بين الأمراء الأتراك الثائرين والعمال الأمويين، ومن أمثلة ذلك ثورة أمير فرغانة- بعد وفاة قتيبة- ومحاولة استرداد نفوذه القديم وثورات بخارى وسمرقند، لكن الدولة الأموية لم تتهاون في مواجهة تلك الثورات وقمعها، ونجحت في إخضاع أغلب الأمراء، الذين بدؤوا يدخلون في الإسلام خاصة في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز- الذي دعاهم

стр. 250

للدخول في الإسلام- وبعده، وبدؤوا يتأقلمون مع الوضع الجديد ويتالفون مع العرب «١» ، بل بدؤوا يدافعون عن الإسلام بحماس ضد الأتراك الشرقيين، الذين توالت إغارتهم على بلاد ما وراء النهر حتى أخذوا يشكلون خطرا على الدولة الأموية التي تصدّت لذلك الخطر بجراءة وجسارة، وقام الولاة الأمويون مثل الجراح ابن عبد الله الحكمي، وعبد الله بن معمر اليشكري، الذي تابع الغزو في الجزء الشمالي الشرقي من البلاد ونسب إليه أنه هم بغزو الصين نفسها. وظلت الدولة الأموية والأتراك الشرقيين في صراع يتبادلون النصر والهزيمة حتى تغلبت كفة الدولة الأموية على يد الوالي الشجاع أسد بن عبد الله القسري (١١٧- ١٢١ هـ) ونصر بن سيار (١٢١- ١٢٩ هـ) الذي حظي بمكانة في تاريخ الجهاد الإسلامي في تلك البلاد لا تقل عن مكانة قتيبة بن مسلم، فهو الذي حمى بلاد ما وراء النهر من خطر الأتراك الشرقيين «٢» . وخلاصة القول: أن فتح بلاد ما وراء النهر وتثبيت ذلك الفتح وتهيئتها لقبول الإسلام، عقيدة وفكرا وثقافة وسلوكا يعتبر من أهم منجزات العصر الأموي. * العباسيون وبلاد ما وراء النهر: ظل الأمويون يخوضون معارك تثبيت الفتوحات الإسلامية فيما وراء النهر، وحمايتها من خطر الأتراك الشرقيين إلى آخر أيامهم، فلما سقطت دولتهم سنة (١٣٢ هـ) وقامت الدولة العباسية واصلت- تلك الأخيرة- السياسية نفسها بل إن العباسيين واجهوا خطرا جديدا، وهو الخطر الصيني، فقد رنت الصين إلى السيطرة لا على الأتراك الشرقيين فحسب، بل على بلاد ما وراء النهر ذاتها، ولم تكن الأطماع الصينية تقف عند حد السيطرة السياسية، وإنما كانت ترمي إلى الاستيلاء على طرق التجارة التي تعبرها القوافل من الشرق الأقصى إلى بلاد ما وراء النهر ثم إلى موانئ البحرين الأسود والأبيض المتوسط ثم إلى أوربا، وهذه المطامع الصينية جعلت الصدام مع الدولة العباسية أمرا محتما. وبالفعل التقى الجيشان الصيني والعباسي في معركة طالاس سنة (١٣٤ هـ/ ٧٥٢ م) والتي انتصر فيها الجيش العباسي انتصارا عظيما، كان أعظم الانتصارات

стр. 251

العربية في وسط آسيا «١» وبعد هزيمتهم تراجع الصينيون، بل كان أثر الهزيمة شديدا عليهم إلى درجة أنهم تقاعسوا عن نصرة أمير أشرو سنة عند ما استغاث بهم ضد المسلمين، وكان هذا يعني أن العباسيين قد نجحوا في إبعاد الصين عن المعركة، وبات على الأتراك الشرقيين أن يواجهوا العرب معتمدين على أنفسهم وكان هذا فوق طاقتهم؛ لأن العباسيين أولوا المنطقة عناية كبيرة، وواصلوا جهودهم في صد العدوان إلى أن زال خطر الأتراك الشرقيين، وانتشر الأمن على الحدود، وارتفع شأن الحكومة الإسلامية في عيون الناس، مما مكّن للإسلام أن يمضي قدما في طريق الانتشار والنجاح، وقد واكبت السياسة العباسية هذا التطور، وشجعت الأتراك على اعتناق الإسلام بالإكثار من استخدامهم في الإدارة بل في الجيش نفسه، والحق أن العباسيين اقتدوا في ذلك بالأمويين، الذين سبق أن استخدموا غير المسلمين في الجيش، فجاء العباسيون وتوسعوا في هذا المجال، فقد أنشأ الفضل بن يحيى البرمكي- في عهد هارون الرشيد- فرقة كبيرة في خراسان من الأتراك الغربيين، بلغ عدد أفرادها خمسين ألف مقاتل بعث منهم عشرين ألفا إلى بغداد، وأطلق عليهم اسم الفرقة العباسية واشترك في قوات علي بن عبسي رجال من الصغد، وكان جيش طاهر بن الحسين يضم سبعمائة من الخوارزمية، والجديد في الأمر هنا هو استخدام الجنود الأتراك في بغداد نفسها. كما استن الخليفة المأمون (١٩٨- ٢١٨ هـ) سنّة جديدة، حيث دعا كثيرين من زعماء الأتراك إلى الدخول في خدمته في بغداد ومنحهم الصلات والعطايا، وألحق كثيرا من فرسانهم بالحرس الخليفي «٢» . وفي عهد الخليفة المعتصم (٢١٨- ٢٧٧ هـ) وضح أن الإسلام قد تمكن في بلاد ما وراء النهر، ورسخت أقدامه، حتى أن الأتراك الغربيين أنفسهم قد أصبحوا مادة الجهاد في سبيل الله، والدفاع عن الإسلام ونشره بين الأتراك الشرقيين، يقول البلاذري: «والمعتصم بالله جل شهود عسكره من جند أهل ما وراء النهر، من الصغد والفراغنة وأهل الشاش وغيرهم، وحضر ملوكهم ببابه، وغلب الإسلام على ما هناك، وصار أهل تلك البلاد يغزون من وراءهم من الترك ففتح مواضع لم يصل إليها أحد من قبله» «٣» .

стр. 252

وهكذا مضى العباسيون قدما في تنفيذ السياسة التي رسمها الأمويون لأسلمة بلاد ما وراء النهر، وحققوا نجاحات هائلة، وسارت الثقافة الإسلامية في ركاب الإسلام، وتوطدت أركانها بين أهل البلاد ولم تعد ثقافة الوافدين، وبدأ أهل البلاد يتعلمون اللغة العربية، وإذا كانت المراكز الثقافية فيما وراء النهر- خاصة في بخارى وسمرقند- لم تبرز وتحدد معالمها إلا في عهد الطاهر بين (٢٠٥- ٢٥٩ هـ/ ٨٢٠- ٨٧٣ م) والسامانيين (٢٦١- ٣٨٩ هـ/ ٨٧٤- ٩٩٩ م) إلا أن الخطوات الأولى التي أدت إلى ذلك التطور قد بدأت في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي. ومن أراد أن يعرف الجهود التي بذلها أهل ما وراء النهر وإسهاماتهم في الثقافة الإسلامية ويقدر كل ذلك حق قدره فما عليه إلا أن يرجع إلى كتب طبقات العلماء، مثل طبقات الأطباء، والحفاظ، والفقهاء، والمفسرين، والمحدثين، والنحاة، واللغويين، والشعراء ... إلخ ومما لا شك فيه أن بروز علماء كبار من أهل تلك البلاد من أمثال الإمام البخاري- لا على مستوى بلاد ما وراء النهر فحسب، بل على مستوى العالم الإسلامي- لم يتم بين عشية وضحاها بل لا بد أن يكون هذا الجيل من العلماء مسبوقا بأجيال كثيرة مهدت له الطريق «١» . * انتشار الإسلام في بلاد ما وراء النهر: تمهيد: قبل الحديث عن انتشار الإسلام في بلاد ما وراء النهر، يجدر بنا أن نقول كلمة موجزة عن طبيعة الدعوة الإسلامية والعوامل التي مكنت للإسلام من الانتشار والقبول في جميع الأقطار التي فتحت بصفة عامة، وفي بلاد ما وراء النهر بصفة خاصة. أما عن طبيعة الدعوة الإسلامية وماهيتها فهي طبيعة عالمية، والدين الإسلامي دين عالمي بمعنى الكلمة «٢» ؛ فقد جاءت الرسالة الإسلامية للجنس البشري كله، وليس لشعب دون شعب، ولا لأمة دون أمة، وهذه الحقيقة نصت عليها آي الذكر الحكيم في وضوح مثل قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [سبأ: ٢٨] ، وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] ، وقوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [الأعراف: ١٥٨] ، إلى غير ذلك من الآيات

стр. 253

القرآنية الكريمة التي تقرر عالمية الإسلام، وأنه الرسالة الخاتمة لرسالات السماء، فليس بعد القرآن الكريم كتاب سماوي، وليس بعد محمد رسول؛ ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠] . ومن أحاديث الرسول ﷺ التي تقرر تلك الحقيقة قوله: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: ما أجمل هذه البيت لولا هذه اللبنة. فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين» «١» . بناء على تلك النصوص الكريمة يتبين لنا أن طبيعة الرسالة الإسلامية تختلف عن طبيعة الرسالات السماوية التي سبقتها، فتلك الرسالات كانت محدودة الزمان ومحدودة المكان ومحدودة البيئة البشرية، لذلك نجد أكثر من رسول متعاصرين ومتجاورين، كما كان الحال بالنسبة لإبراهيم ولوط ﵉، وهذا بطبيعة الحال لا يقلل من شأن الرسالات السابقة- حاشا لله- لأن محدوديتها أمر اقتضاه تطور الجنس البشري في مدارج الكمال العقلي، وكل رسالة جاءت في موعدها، وكل رسول أدى دوره وكان لبنة صالحة في صرح عقيدة التوحيد إلى أن جاء الوقت الملائم وأصبحت البشرية مستعدة لقبول الرسالة العالمية الخاتمة فكانت رسالة الإسلام على يد خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله. وقد يتبادر إلى بعض الأذهان أن معنى عالمية الإسلام أنه يجب أن يكون كل الناس مسلمين، وأنه يجب على المسلمين حمل السيف دائما لإجبار الناس على اعتناق الإسلام. وهذا ليس مقصودا، بل معنى عالمية الإسلام- بكل بساطة ووضوح- أنه دين مفتوح لكل البشر، من جميع الأجناس، دون قيود أو حدود، وليس دينا خاصّا بشعب مختار، وأنه دين الفطرة الذي يلائم كل الناس، في كل زمان ومكان ليسره وسهولته فأي إنسان يريد أن يكون مسلما، فليس مطلوبا منه إلا أن يقول: أشهد ألا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله، وبعدها يصبح مسلما له حقوق المسلمين وعليه واجباتهم. ومن ناحية أخرى فإن حمل الناس جميعا على اعتناق دين واحد أمر لم يحدث

стр. 254

في الواقع في كل التاريخ البشري، بل إن نصوص القرآن الكريم تبين لنا في جلاء أن حمل الناس جميعا على اعتناق دين واحد أمر صعب بل يكاد يكون مستحيلا. انظر على سبيل المثال إلى قوله تعالى لنبيه- ﵊: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩] ، وقوله تعالى: وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: ١٠٣] ، وقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: ١١٨، ١١٩] . فمعنى عالمية الإسلام إذا أنه دين مفتوح لكل البشر وملائم لفطر كل الناس، والدعوة إليه لا تكون بالسيف- كما يدعي خصومه- بل بالحكمة والموعظة الحسنة كما يقول الله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة: ٢٥٦] ، ولا يستطيع أي إنسان أن يدلنا على مثل واحد أجبر المسلمون فيه أحدا على اعتناق الإسلام بالقوة في أي زمن وعلى أية أرض. وإنما الثابت تاريخيّا والذي يؤكده الباحثون الغربيون «١» - قبل المسلمين- أن الذين اعتنقوا الإسلام في كل زمان وفي كل أرض، اعتنقوه عن قناعة وحرية مطلقة، ولو كانت القوة هي وسيلة الإسلام للانتشار لما بقي إنسان واحد في كل البلاد المفتوحة على دين غير دين الإسلام. وهناك مجموعة من العوامل شجعت الناس على اعتناق الإسلام، إضافة إلى طبيعته العالمية نوجزها فيما يلي: ١- المعاملة السمحة الكريمة التي عامل بها الفاتحون المسلمون أبناء البلاد المفتوحة، واحترام آدميتهم وكرامتهم، ولقد تجلت تلك المعاملة لا في نصوص المعاهدات التي نظمت العلاقات بين المسلمين الفاتحين وبين أبناء البلاد المفتوحة الذين فضلوا البقاء على أديانهم فحسب، بل في الوفاء من جانب المسلمين بتلك المعاهدات والالتزام بها بأمانة وشرف. فلم يحمل الظفر والنصر المسلمين على البطر والتكبر والتجبر على أبناء البلاد المفتوحة وإهانتهم وإذلالهم، بل بالعكس كانوا كرماء معهم- حتى مع الذين

стр. 255

قاوموهم بعنف- فبعد إلقاء السلاح، كان التسامح هو طابع السلوك الإسلامي العام مع المغلوبين، ونتحدى أن يكون التاريخ البشري قد سجل في صفحاته حالة واحدة تفوق فيها غير المسلمين من الغالبين على المسلمين، وكانوا أكثر تسامحا منهم، بل حتى ساووهم في التسامح والإنسانية مع المغلوبين الذين أصبحوا تحت السيادة الإسلامية، ووفاء المسلمين بالمعاهدات- نصّا وروحا- أصبح من الحقائق التاريخية التي لا يجادل فيه باحث منصف لدرجة أنه لما خالف أحد القادة الفاتحين هذه القاعدة وشذ عليها، سجل التاريخ الإسلامي تلك الحالة الوحيدة، وأزال خليفة المسلمين تلك المخالفة؛ والحالة هي حالة قتيبة بن مسلم، عند ما دخل سمرقند على شروط معينة، ولكنه لما دخلها لم يف بالشروط، فلما جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز (٩٩- ١٠١ هـ) رفع إليه أهل سمرقند شكواهم، وقالوا: إن قتيبة دخل مدينتهم على وعد بالخروج منها، ولكنه لم يف بوعده، أي: غدر بهم، فكتب الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى عامله على بلاد ما وراء النهر أن ينصب لهم قاضيا ينظر في شكواهم، فإن قضى بإخراج المسلمين من المدينة أخرجوا منها، فأقام لهم الوالي القاضي حاضر بن جميع، الذي نظر في القضية، ورأى أن الحق مع أهل سمرقند- المغلوبين- فحكم بإخراج المسلمين من المدينة على أن ينابذوهم على سواء، ولكن أهل سمرقند- وقد أذهلهم هذا السلوك الإسلامي الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ البشري- كرهوا الحرب وأقروا المسلمين على الإقامة في مدينتهم «١» . هذا هو الإسلام، وذلك هو سلوك المسلمين وهذا المثل الوحيد- الذي خالف فيه قتيبة ما اتفق عليه مع أهل سمرقند- وسط كل تلك الحروب المتواصلة والأحداث المتلاحقة، وكثرة الانتقاض ونكث العهود من أهل تلك البلاد، يدل على أن المبدأ الأصيل هو التزام المسلمين بالوفاء بالعهود، وأن السلطة الإسلامية العليا- الخلافة- كانت ساهرة على حفظ وصيانة المعاهدات، وتصحيح أي خطأ قد يحدث من أي عامل في أي مكان. فعلى سبيل المثال عند ما أخطأ بعض العمال- لما تزايد إقبال الناس على اعتناق الإسلام، وأدى ذلك إلى تناقص الجزية- وظلوا يأخذون الجزية من المسلمين الجدد، مؤثرين الجباية على الهداية، مخالفين بذلك قواعد الإسلام، وعندئذ لم يحتمل ضمير

стр. 256

الأمة الإسلامية هذا الخطأ الجسيم، المخالف لمبادئ الإسلام التي تمنع أخذ الجزية من المسلم «١» وسخط المسلمون العرب- قبل غيرهم- على هؤلاء العمال الذين ارتكبوا هذا الخطأ، ورفعوا الأمر إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز، الذي غضب غضبا شديدا على هؤلاء العمال وأمرهم على الفور برفع الجزية عمن يسلم، وصاح صيحته المشهورة «قبّح الله رأيكم، فإن الله قد بعث محمدا هاديا ولم يبعثه جابيا» «٢» . والأمثلة في هذا المجال كثيرة، وخلاصة القول: أن معاملة المسلمين الكريمة وسماحتهم مع أبناء البلاد المفتوحة كانت من أهم عوامل جذبهم إلى الإسلام. ٢- العامل الثاني الذي كان له أثر كبير في انتشار الإسلام في البلاد المفتوحة هو إشراك أبناء البلاد في إدارة بلادهم، فالفاتحون المسلمون لم يصنعوا صنيع الحكومات السابقة عليهم، ويحرموا أبناء البلاد من إدارة بلادهم. فالمسلمون لم يحتفظوا إلا بعدد قليل جدّا من المناصب، مثل الإمارة وقيادة الجيش والقضاء- وكان ذلك ضروريّا- وما عدا ذلك من الوظائف فقد كان متاحا لأبناء البلاد المفتوحة الذين بقوا على أديانهم، ووصل عدد كبير منهم إلى أعلى المناصب الإدارية التي كانوا محرومين منها في عهود ما قبل الحكم الإسلامي، وكانت حكومة الخلافة الإسلامية تضع ثقتها في أهل الأمانة منهم دون أية حساسية. ويكفي أن نقدم على ذلك مثلا واحدا من العصر الأموي، حيث بقي ديوان الخراج المركزي في دمشق عاصمة الخلافة- وهو أهم دواوين الدولة- تحت رئاسة أسرة مسيحية، وهي أسرة سرجون بن منصور الرومي، طوال عهود الخلفاء: معاوية ابن أبي سفيان وابنه يزيد، ومروان بن الحكم وابنه عبد الملك، وكان ديوان خراج العراق في الفترة ذاتها تحت رئاسة رجل فارسي، هو زادان فروخ «٣» ، ولم يكن سرجون بن منصور- وهو مسيحي- رئيسا لديوان لخراج عاصمة الخلافة فقط، وإنما كان مستشارا سياسيّا للخليفة معاوية بن أبي سفيان «٤» . وقد توسع الأمويون في استخدام أبناء البلاد المفتوحة في الإدارة مما أشعرهم بالأمان والاطمئنان إلى الحكم الإسلامي وجعلهم يقبلون على اعتناق الإسلام بملء

стр. 257

إرادتهم الحرة. عرفنا فيما سبق من صفحات هذا البحث أن بلاد ما وراء النهر قد فتحت في نهاية القرن الهجري الأول، في خلافه الوليد بن عبد الملك (٨٦- ٩٦ هـ) وأن ما تبقى من عهد الدولة الأموية بعد ذلك- سقطت سنة (١٣٢ هـ) - كان جهودا متواصلة لتثبيت الفتوحات وتأمين بلاد ما وراء النهر من غارات الأتراك الشرقيين. وعلى الرغم من أن أقاليم ما وراء النهر فتحت متأخرة، بل كانت من آخر الفتوحات الإسلامية في العصر الأموي، وعلى الرغم من مقاومة أهلها مقاومة عنيفة، إلا أن أهل تلك البلاد سرعان ما بدؤوا يفكرون في الإسلام؛ دين الفاتحين، وسرعان ما أدركوا أنه دعوة خالصة لتوحيد الله ، وأنه دين سمح عادل رحيم، من مبادئه الأصيلة المساواة بين الناس جميعا، وأنه دين العزة والكرامة ومن الطبيعي أن يكونوا قد قارنوا- ولو داخل نفوسهم- بين الإسلام وبين الأديان الوثنية التي كانت تنتشر بينهم، فجاءت المقارنة في صالح الإسلام، خاصة عند ما رأوا الفاتحين يحطمون الأصنام بأيديهم ويحتقرونها. عندئذ زالت عنهم الغشاوة التي كانت تغطي عقولهم، وأدركوا أن تلك الأصنام لا تنفع ولا تضر ولا تسمع ولا تبصر، وأنه من السخف عبادتها، فأمام أعينهم أحرق قتيبة بن مسلم الأصنام في سمرقند ولم يصبه أي أذى مما كانوا يخوفونه منه، كان لتلك الحادثة أثر كبير في إقبال الناس على الإسلام «١» ، فإن قتيبة عند ما سار بعدها لفتح إقليم الشاش خلف نهر سيحون كان جيشه يضم عشرين ألفا من أهل بخارى وكش ونسف وهؤلاء كانوا قد قاوموا المسلمين في البداية مقاومة عنيفة ولكنهم سرعان ما حدث التحول الخطير في حياتهم حيث هداهم الله إلى الإسلام فأصبحوا من جنده المخلصين المدافعين عنه بحماس. ومرة أخرى نستشهد بكلام المؤرخ المجري فامبري حيث يقول: «ولقد غزا المسلمون بخارى ثلاث مرات من قبل ونشروا دينهم بها ولكن أهلها كانوا يرتدون إلى عقيدتهم القديمة عقب رحيل الغزاة عنهم في كل مرة وها هي تفتح أبوابها للمرة الرابعة لتستقبل الفاتحين ومعهم تعاليم نبيهم، تلك التعاليم التي قوبلت أول الأمر بمعارضة شديدة، ثم أقبل القوم من بعد ذلك عليها في غيرة شديدة، حتى لترى

стр. 258

الإسلام- الذي أخذ شأنه اليوم يضعف في جهات آسيا الآخرى- وقد غدا في بخارى اليوم (١٨٧٣ م) على الصورة التي كانت عليها أيام الخلفاء الراشدين» «١» بل إن لدينا من الشواهد ما يحملنا على الاعتقاد بأن كثيرين من أبناء ما وراء النهر قد اعتنقوا الإسلام في وقت مبكر، وحتى قبل استقرار الفتوحات في بلادهم، ففي الغزوات التمهيدية التي كانت تتوالى قبل فتوحات قتيبة كان الغزاة المسلمون يعودون إلى خراسان ومعهم أعداد كبيرة من أسرى بلاد ما وراء النهر، وكانوا يقسمونهم فيما بينهم وكانوا يعايشونهم ويعاملونهم معاملة حسنة فعملت تلك المعاملة عملها في جذب كثير منهم إلى الإسلام، ففي غزوة واحدة عاد عبيد الله بن زياد بأعداد كبيرة من أسرى بخارى قد بلغ عددهم أربعة آلاف أسير، وقدم بهم البصرة، وفرض لهم العطاء «٢» . كل الشواهد إذن تدل على أن خطى الإسلام قد اطردت في بلاد ما وراء النهر وأخذت تترسخ مع خطوات الفتح الأولى، وكان الفاتحون المسلمون يشجعون الناس على اعتناق الإسلام بالقدوة والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وتلك هي مهمة الفاتحين الأولى التي كانوا يعطونها الاعتبار الأول، فما من مدينة فتحها قتيبة بن مسلم إلا بنى فيها المساجد وترك فيها الدعاة ينشرون الإسلام ويفقهون الناس فيه «٣» . وأقبل الناس على اعتناق الإسلام على نطاق واسع ولا أدل ذلك من مشكلة الجزية التي برزت على السطح كنتيجة من نتائج زيادة المقبلين على الإسلام من أبناء البلاد المفتوحة، حيث أبقى عمال بني أمية الجزية على المسلمين الجدد الذين تزايد عددهم وأدى إلى تناقص الجزية ونضوب الأموال، وهو الأمر الذي أزعج المسلمين العرب وأثار سخطهم على العمال ورفعوا الأمر إلى عمر بن عبد العزيز الذي أمر على الفور برفع الجزية عن كل من يسلم من أبناء البلاد المفتوحة كما ذكرنا من قبل، ولقد أدت سياسة عمر بن عبد العزيز، في رفع الجزية عن المسلمين- وهي السياسة السليمة التي يقررها الإسلام- أدت إلى زيادة انتشار الإسلام، خاصة وأن سمعة عمر الطيبة قد ذاعت وانتشرت في كل البلاد، ولم تقتصر سياسة عمر على رفع الجزية عن المسلمين الجدد بل إنه أوقف الحروب، بعد أن رأى أنها اتسعت أكثر من اللازم- بل كان يريد سحب الجيوش الإسلامية من بعض البلاد ومنها بلاد ما وراء

стр. 259

النهر، وبدلا من إرسال الجيوش والجنود إلى البلاد المفتوحة أخذ يرسل الدعاة ينشرون الإسلام ويعلمون الناس أصوله وقواعده وأرسل إلى الملوك والأمراء رسائل يدعوهم فيها إلى الإسلام وقد استجاب كثيرون منهم «١» . والحق أن عهد عمر بن عبد العزيز القصير (٩٩- ١٠١ هـ) قد شهد- لعدله وسمعته الطيبة- إقبالا على الإسلام في كل البلاد المفتوحة، ومنها بلاد ما وراء النهر ولقد سبق أن ذكرنا موقفه من أهل سمرقند الذين شكوا إليه غدر قتيبة وكيف أنصفهم؛ مما كان له أكبر الأثر عليهم وزاد من إقبالهم على الإسلام. ولقد استمرت السياسة الأموية بعد عمر بن عبد العزيز، في الدعوة إلى الإسلام في بلاد ما وراء النهر، فقد عهد الخليفة هشام بن عبد الملك (١٠٥- ١٢٥ هـ) بولاية خراسان إلى أشرس بن عبد الله السلمي، الذي سماه الناس: الكامل؛ لفضله وصلاحه «٢» . ويقول عنه الطبري: فلما استقر في خراسان عزم على توجيه الدعاة إلى ما وراء النهر يدعون الناس إلى الإسلام، فقال لخاصته: أبغوني رجلا له ورع وفضل أوجهه إلى من وراء النهر فيدعوهم إلى الإسلام، فأشاروا عليه بأبي الصيداء، صالح بن طريف «٣» . فاستدعاه وعرض عليه القيام بتلك المهمة، ولكن أبا الصيداء اشترط على الوالي ألا تؤخذ الجزية ممن يسلم فقبل الوالي هذا الشرط، فقال أبو الصيداء لأصحابه: «فإني أخرج فإن لم يف العمال أعنتموني عليهم، قالوا: نعم» «٤» . يفهم من كلام الرجل الصالح أبي الصيداء، وتشدده، واشتراطه على الوالي بصراحة رفع الجزية عمن يسلمون، يفهم من هذا أن الولاة الأمويين بعد عمر بن عبد العزيز قد عادوا إلى سياستهم الخاطئة والضارة معا، وهي أخذ الجزية ممن كانوا يسلمون. على كل حال ذهب أبو الصيداء إلى بلاد ما وراء النهر، وأخذ يدعو أهل سمرقند وما حولها إلى الإسلام- وكان شرطه الذي اشترطه على الوالي، وهو رفع الجزية عمن يسلمون قد ذاع أمره- فسارع الناس إلى الإسلام «٥» ، وأثمرات دعوته لدرجة اصطدامها مرة أخرى بمشكلة الجزية، فقد هال العمال كثرة إقبال الناس على

стр. 260

اعتناق الإسلام وتناقص الجزية، فعادوا- لقصر نظرهم وجهلهم وتفضيل الجباية على الهداية- إلى السياسة القديمة الخاطئة وفرضوا الجزية على المسلمين الجدد، وهو الأمر الذي لم يقبله الداعية الكبير أبو الصيداء ولم يحتمله ضميره، ويبدو أن الرجل كان يتوقع حدوث مثل هذا، بدليل أنه اشترط على الوالي أشرس بن عبد الله صراحة رفع الجزية عن من يسلمون، ولقد ساءه نكوص الوالي عن شرطه واستجابته لحجة العمال الذين تذرعوا بتناقص الأموال والإضرار ببيت المال نتيجة لرفع الجزية عن المسلمين الجدد. ودليل آخر على توقع أبي الصيداء حدوث مثل هذا أنه كان قال لعدد من أصدقائه المخلصين لدينهم عند ما عرض عليه الوالي أشرس بن عبد الله القيام بمهمة الدعوة إلى الإسلام في بلاد ما وراء النهر، قال لهم: «فإني أخرج فإن لم يف العمال أعنتموني عليهم، قالوا: نعم» «١» الآن جاء أوان وفائهم- بعد أن نكص الوالي وعماله- فاجتمع بهم أبو الصيداء وتعاهدوا على مقاومة إجراآت العمال ولو بالقوة، وقوّت حركة أبي الصيداء وحماسه وغيرته على الدين هو وأصدقاؤه، من عزم مسلمي ما وراء النهر، فلم يرضخوا لإجراآت العمال، وأبوا دفع الجزية بعد أن أكرمهم الله تعالى بالإسلام، واستمروا في إصرارهم على عدم دفعها إلى أن جاء نصر بن سيار واليا على خراسان في أواخر عهد هشام بن عبد الملك «٢» سنة (١٢٠ هـ) واستمر إلى قيام الثورة العباسية سنة (١٢٩ هـ) فصحت عزيمته على تصحيح الأمر، وعبر بنفسه إلى بلاد ما وراء النهر وأعلن في حشد كبير رفع الجزية عمن أسلموا، وكان لذلك أثر طيب للغاية عند الناس وأسرعوا إلى اعتناق الإسلام، ويقول الطبري: «فما كانت الجمعة التالية- يعني الجمعة التالية للتي أعلن فيها قراره- حتى أتاه ثلاثون ألف مسلم كانوا يؤدون الجزية عن رؤوسهم» «٣» وهذا العدد الهائل من المسلمين ظلوا يدفعون الجزية ولم يرجعوا عن دينهم، وهذا يدل على رسوخ الإسلام في قلوبهم، ولنا أن نتوقع أن أعدادا كبيرة تكون قد أقبلت على الإسلام بعد قرار الوالي نصر بن سيار. وخلاصة القول: أن حركة انتشار الإسلام في بلاد ما وراء النهر قد اتسع نطاقها

стр. 261

ومضت في طريقها بثبات وخطى حثيثة رغم المعوقات التي كانت تأتي للأسف غالبا من جانب بعض الولاة الذين كانوا يعنون بالجباية أكثر من الهداية، والأمر الجدير بالملاحظة والتنويه، والذي يسعد الباحث المسلم أن الضمير الجمعي للمسلمين هناك لم يستسلم لإجراآت الولاة وقاومها بقوة وأجبرهم على مراجعة أنفسهم وتصحيح الخطأ، وهذا شيء جميل، فالإسلام هو الذي علّم الناس كيف يدافعون عن حقوقهم. ويبدو لي أن استياء مسلمي ما وراء النهر من دفع الجزية ليس راجعا إلى كونها عبئا ماليّا، ولكن لإحساسهم بالمهانة من دفعها وهم مسلمون، وبعد أن علمهم فقهاء المسلمون أنه لا جزية على مسلم. * العباسيون وانتشار الإسلام فيما وراء النهر: رأينا فيما سبق من هذا البحث أن العباسيين- منذ قامت دولتهم سنة (١٣٢ هـ) - واصلوا سياسة الدولة الأموية في تثبيت الفتوحات فيما وراء النهر، بل التصدي لخطر الأتراك الشرقيين، ثم لخطر الصين عند ما ظهر، ومعنى هذا أن تغيير الحكومة الإسلامية، وانتقال الخلافة من الأسرة الأموية إلى الأسرة العباسية لم يغير من السياسة العامة للدولة الإسلامية، وهي تثبيت الفتوحات وعدم التفريط في أي إنجاز تحقق في البلاد المفتوحة وتهيئتها لقبول الإسلام عقيدة وفكرا وثقافة وسلوكا، في حرية تامة. ومن الجدير بالذكر والتنويه أن العباسيين مضوا خطوات أبعد مما فعل الأمويون أنفسهم في تحقيق الأهداف الإسلامية العليا- وليس هذا اتهاما للأمويين بالتقصير وإنما تطور الظروف ساعد العباسيين وكان مواتيا لهم أكثر- أي: إنهم لم يقفوا عند مجرد مواصلة جهود الأمويين في الحفاظ على الفتوحات الإسلامية في بلاد ما وراء النهر، وإخضاع الأتراك الشرقيين للسيادة، والتصدي للخطر الصيني وإيقافه عند حده، بل مضوا بحركة انتشار الإسلام قدما إلى الأمام، وأعطوا بلاد ما وراء النهر عناية كبيرة ولم ينسوا أنها أسهمت بنصيب كبير في قيام دولتهم، وكانت تربة صالحة لنمو بذور دعوتهم، ولم يكن ذلك ممكنا لو لم تكن أقدام الإسلام قد رسخت في تلك البلاد منذ العصر الأموي، فالدعوة العباسية رفعت شعارات إسلامية وقامت على مرتكزات إسلامية من أهمها شعار المساواة بين المسلمين، من العرب وغيرهم، وهذا كان شعارا جذابا لأهل خراسان وما وراء النهر الذين كانوا يحسون أنهم يعاملون معاملة أقل من معاملة المسلمين من العرب.

стр. 262

ووجد أهل البلاد المتطلعون إلى مزيد من النفوذ والسلطان في الدعوة الجديدة ما يحقق آمالهم واستطاع أبو مسلم- الخراساني- أن يجتذب الدهاقين والفلاحين إلى دعوته «١» ، وأن يعبئ الجماهير في خراسان وما وراء النهر تحت رايته- لحساب العباسيين- ونجح في ذلك نجاحا كبيرا وضرب الضربة الأولى في إسقاط الدولة الأموية. فلما قامت الدولة العباسية كان عليها أن تفي بوعودها وتحقق شعاراتها وتثبت أنها عند حسن ظن الناس، وإلا كان رد الفعل عنيفا وخطيرا. والحق أن العباسيين بذلوا جهودا كبيرة في هذا المجال، وحاولوا محاولات جادة لتحقيق الشعارات التي رفعوها، ومكافأة الذين ساعدوهم في إقامة دولتهم ومنهم أهالي ما وراء النهر، وكان من وسائل ذلك توسعهم في استخدامهم في الإدارة وفي الجيش، وقد وضحت هذه الظاهرة منذ عهد المأمون وازدادت بروزا في عهد المعتصم وقد سبقت الإشارة إلى ذلك. وكانت كل تلك الإجراآت تصب في مجرى تعميق الإسلام عقيدة وفكرا وثقافة وسلوكا في بلاد ما وراء النهر، وسيزداد الإسلام رسوخا في البلاد مع مضي السنين خاصة تحت حكم الأسر التي حظيت بنوع من الاستقلال عن الخلافة العباسية كالأسرة الطاهرية (٢٠٤- ٢٥٩ هـ) والأسرة السامانية (٢٦١- ٣٨٩ هـ) . والتي كان ظهورها في حد ذاته جزآ من السياسة العباسية ومكافأة الذين أخلصوا للخلافة ولم يتمردوا عليها، وكان ظهور هذه الأسر بالفعل دفعة قوية للإسلام في بلاد ما وراء النهر، فقد واصل الطاهريون السياسة التي وضع أسسها الأمويون، وعمقها العباسيون، وهي سياسة التمكين للإسلام في الداخل ودرء الأخطار الخارجية، بل يمكن القول: إن الطاهريين كانوا أكثر إدراكا للخطر الذي هدد البلاد من الأتراك الشرقيين «٢» . والذي مكن الطاهريين من القيام بدورهم الكبير في التمكين للإسلام في بلاد ما وراء النهر وفاؤهم للخلافة العباسية واحتفاظهم بعلاقات ودية قوية معها، فلم يبددوا طاقاتهم وطاقاتها في التمرد ومحاولة الاستقلال الكامل عنها- كما فعل الصفاريون مثلا- بل حافظوا على الود واحترام الخلفاء إلى آخر عهدهم، والخلافة

стр. 263

نفسها حفظت لهم ذلك الموقف ووقفت معهم في صراعهم مع الصفاريين «١» . وإذا كان الطاهريون قد قاموا بدور كبير ومهم في التمكين للإسلام والثقافة الإسلامية فيما وراء النهر، فإن السامانيين كان دورهم أكبر وأعظم أثرا فرغم أن كلا الأسرتين من أصل فارسي، إلا أن السامانيين كان دورهم فيما وراء النهر أعظم؛ لأن الطاهريين حكموا ما وراء النهر من خراسان، فقد كانت عاصمة دولتهم نيسابور، أما السامانيون فقد حكموا خراسان من وراء النهر فقد كانت عاصمتهم مدينة بخارى، لذلك كان من الطبيعي أن يكون اهتمامهم بما وراء النهر أعظم- لأنه مقر حكمهم ومركز دولتهم- ففي عهد السامانيين وضحت ثمار الجهود التي بذلها العرب في رفع مكانة الإسلام هناك طيلة قرنين من الزمان تقريبا، وأحرزت الحركة الإسلامية نجاحها المرجو، فثبت الإسلام في قلوب الأتراك الغربيين، بل أخذ ينتشر بين الأتراك الشرقيين، ودخلت الأمة التركية في الإسلام «٢» وقامت بدورها الكبير في عالم الإسلام. والحق أن الأمراء السامانيين لم يعملوا على تثبيت أركان الإسلام في بلاد ما وراء النهر فحسب، بل أولوا عنايتهم واهتمامهم للعلوم الإسلامية، فازدهرت الحضارة الإسلامية في عهدهم، وكانت عاصمتهم- بخارى- منارة من منارات العلم في العالم الإسلامي، وقد مدحهم الرحالة المسلمون الذين زاروا البلاد في عهدهم ومنهم المقدسي الذي قال عنهم: إنهم أحسن الملوك سيرة وإجلالا للعلم والعلماء، ولم تكن عنايتهم بالعلوم الدينية فقط، وإنما بالعلوم الطبيعية والأدبية، فنبغ في عهدهم الرودكي- أول شاعر غنائي فارسي- وفي عهد الأمير منصور بن نوح ترجم إلى الفارسية كتاب «تاريخ الأمم والملوك للطبري» ، من العلماء الذين لمعوا ونبغوا في عهدهم الفيلسوف والطبيب الشيخ الرئيس علي بن سينا. تحدثنا حتى الآن عن الجهود الرسمية- جهود الحكومات الإسلامية في نشر الإسلام في بلاد ما وراء النهر- ابتداء من الأمويين، ومرورا بالعباسيين، ثم الطاهريين والسامانيين، ولم نتحدث عن الجهود غير الرسمية، التي قام بها أفراد أو جماعات كعمل تطوعي لنشر الإسلام، مثل الصوفية، يقول بار تولد: «وكان

стр. 264

ظهور التبشير الفردي الإسلامي- سواء داخل العالم الإسلامي أو خارجه- مرتبطا بالتصوف الإسلامي فيحكى دائما في مناقب الصوفية أنهم استطاعوا إدخال كثيرين من الكفار في الإسلام وكان هؤلاء الصوفية يذهبون إلى الصحارى لإدخال الأتراك في الإسلام، وقد ظلوا حتى وقت قريب أكثر توفيقا من العلماء الذين درسوا في المدارس» «١» ويرى بارتولد أن توفيق الدعاة المسلمين ونجاحهم في نشر الإسلام بين الأتراك كان يعتمد على حقيقة راسخة وهي تفوق الإسلام على الديانات الآخرى من ناحية، فهو يقول: «ومن عوامل انتشار الإسلام بين الأتراك خاصة امتاز بها الإسلام على سائر الأديان العالمية، فعلى الرغم من أن أتباع البوذية وأتباع المسيحية أكثر عددا من المسلمين فإن الإسلام دين عالمي بمعنى الكلمة، أي ليس مقصورا على جنس أو مدينة، ولئن كانت بعض الديانات قد بذت الإسلام في هذه الناحية فإن توفيقها كان مؤقتا، ولم تستطع الحصول على نتائج دائمة كالإسلام» «٢» وكان توفيق الدعاة ونجاحهم في الدعوة إلى الإسلام يعتمد كذلك على تفوق العالم الإسلامي ماديّا ومعنويّا على كل البلاد المتمدينة «٣» ، من ناحية ثانية، إن تفوق العالم الإسلامي في كل مجالات الحياة جذب إليه أناسا آخرين، خارج بلاد ما وراء النهر، وأظن أن بلغار الفولجا يصلحون مثالا على ذلك، فقد اعتنقوا الإسلام طواعية، دون أن يصل إليهم سلطان المسلمين السياسي، ففي سنة (٩٢١ م) ، وفد على الخليفة المقتدر بالله العباسي في بغداد سفراء من البلغار، الذين اهتدوا إلى الإسلام، وطلبوا منه أن يرسل إليهم بعض العسكريين المتخصصين في بناء القلاع والاستحكامات، وكذلك بعض العلماء لتدريس الإسلام وكان بين البعثة التي أرسلها الخليفة ابن فضلان، الذي وصف الرحلة من بغداد إلى بلاد البلغار، ثم العودة إلى بغداد- فيما عرف برحلة ابن فضلان- مرورا ببلاد الخزر...... والظاهر أن ابن فضلان كان هو المكلف بتعليم البلغار تعاليم الإسلام «٤» . ويستنتج الأستاذ بارتولد من رحلة ابن فضلان هذه أن اتصال بلغار الفولجا بالعالم الإسلامي قد تم عن طريق الولايات الإسلامية التابعة للخوارزميين والسامانيين؛ لأن

стр. 265

الرحلة انطلقت من بغداد إلى حوض الفولجا مارة ببخارى وخوارزم، ولو لم تكن صلة البلغار بهذه الولايات الإسلامية قديمة؛ لكان الأولى أن تسلك الرحلة الطريق الأقصر إلى حوض الفولجا، وهو الطريق الذي يمر عبر قافقاسيا «١» . هذا يدل بوضوح على رسوخ الإسلام في بلاد ما وراء النهر، وأنه أفاض على ما حولها من بلاد بطريق سهل وفي حرية تامة لعالمية الإسلام من ناحية، وتفوق العالم الإسلامي ماديّا ومعنويّا من ناحية ثانية. ومن الجهود غير الرسمية التي تستحق التنويه في نشر الإسلام بين الترك، جهود التجار المسلمين الذين كانوا يجوبون الطرق التجارية التي تخترق تلك البلاد، إلى جانب تجارتهم كانوا يقومون بدور الدعاة إلى الله تعالى «٢» ، وكانوا لبساطتهم في الدعوة ولغتهم السهلة وصدقهم وأمانتهم وحسن معاملتهم للناس أكثر تأثيرا من الدعاة الرسميين في جذبهم للإسلام، ومما يسر للتجار المسلمين مهمتهم تلك العلاقات الطيبة التي قامت بين الدولة الأموية وإمبراطورية الصين، فقد ذكر توماس آرنولد «٣» نقلا عن المصادر الصينية أن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك أرسل في (١٠٨ هـ/ ٧٢٦ م) سفيرا اسمه سليمان، إلى إمبراطور الصين هزوان كنج، ومع أن آرنولد لم يحدثنا عن طبيعة هذه السفارة ولا عن مهمتها، إلا أنها تدل على حسن العلاقة بين الدولة الأموية وإمبراطورية الصين- وسبق أن ذكرنا ما حدث من اتصال بين الفريقين أثناء فتوحات قتيبة ووصوله إلى كاشغر وسفارته إلى ملك الصين- تلك العلاقة التي تطورت إلى أفضل مع العباسيين- بعد الصدام الذي حدث بين الفريقين في معركة طالاس، التي سبقت الإشارة إليها سنة (٧٥٢ م) . فيذكر آرنولد أن إمبراطور الصين سوتسونج- وهو ابن الإمبراطور السابق- قد استغاث بالخليفة العباسي أبي جعفر المنصور ضد ثورة قامت عليه سنة (١٣٩ هـ/ ٧٥٦ م) فأغاثه المنصور بفرقة من الجيش الإسلامي، التي لم تعد إلى بلادها بعد القضاء على الثورة، بل بقي الجنود المسلمون في الصين وتزوجوا وعاشوا هناك «٤» ، والذي نقصده من الحديث عن حسن العلاقات بين المسلمين والصين أن الطرق التجارية

стр. 266

أصبحت آمنة للتجار المسلمين يجوبونها مطمئنين يمارسون التجارة والدعوة إلى الإسلام في الوقت نفسه. وخلاصه القول- في هذا البحث المتواضع- أن الإسلام منذ أن أدخله قتيبة بن مسلم الباهلي إلى بلاد ما وراء النهر- في نهاية القرن الأول الهجري- وهو يشق طريقة في ثبات وثقة، ويزداد رسوخا يوما بعد يوم بين السكان وأصبحت تلك البلاد العزيزة جزآ رئيسيّا من العالم الإسلامي تأثرت به وبتاريخه وأثرت فيه تأثيرا عظيما، وازدهرت فيها الثقافة الإسلامية، وخرجت للعالم الإسلامي عددا كبيرا من الفقهاء والمفسرين والمحدثين والمؤرخين والأطباء والفلاسفة، وأصبحت مدن كبخارى وسمرقند من أعظم وأشهر المراكز الحضارية في العالم الإسلامي. ولا أدل على رسوخ الإسلام في تلك البلاد من صموده وتمسك الناس به على مدى القرون الماضية، رغم المحن والخطوب الهائلة التي مرت بها، والتي كان آخرها محنة وقوعها تحت براثن الحكم الشيوعي الملحد، منذ بداية هذا القرن، ذلك الحكم الذي مارس كل الأساليب الوحشية والهمجية للقضاء على الإسلام ومحوه من تلك البلاد، ولكنه فشل فشلا ذريعا- كما فشلت كل المحاولات السابقة- وأخيرا أذن الله تعالى بانقشاع الغمة وزوال المحنة فاندحرت الشيوعية وخرت صريعة بالسكتة القلبية، وأذهب الله تعالى عن بلاد ما وراء النهر الحزن والغم والهم وعادت بلادهم إلى حظيرة العالم الإسلامي لتستأنف دورها الحضاري العظيم وصدق الله العظيم الذي تكفل بحفظ دينه حيث يقول تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] ، والذي تكفل بإزهاق الباطل وإحقاق الحق، ووعد وعده الحق بنصر المؤمنين فقال تعالى: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧] .

стр. 267

بحوث في السّيرة النّبويّة والتّاريخ الإسلاميّ قراءة ورؤية جديدة [البحث العاشر] تبادل الوفود والهدايا بين خلفاء المسلمين والأباطرة البيزنطيين

стр. 268

تبادل الوفود والهدايا بين خلفاء المسلمين والأباطرة البيزنطيين «١» * مقدمة: ما أحوج عالمنا المعاصر، الذي يموج بالفتن والاضطرابات والحروب الإقليمية، والذي تنتشر المجاعات والأوبئة في كثير من أجزائه، خاصة فيما يسمى بالعالم الثالث، بل وبعض ما كان يسمى بالعالم الثاني، ما أحوج هذا العالم إلى أن تسوده روح الأخوة الإنسانية والتسامح، ونبذ التعصب، وإلى أن تشيع فيه روح الإيثار بدل الأثرة والأنانية، وأن يحل مشكلاته بالحوار والتفاهم، بدل الحروب المدمرة، التي تستنزف موارده، خاصة في الدول الفقيرة، وأن تخصص نفقات تلك الحروب لإطعام الجائعين، الذين يقتلهم الجوع، وعلاج المرضى الذين تفتك بهم الأوبئة والأمراض، وكل أولئك وهؤلاء يعدون بمئات الملايين من البشر. وليس هناك ما يمكن أن يسهم إسهاما إيجابيّا في تحقيق تلك الغايات الإنسانية النبيلة سوى مبادئ الأديان السماوية السمحة، التي تحض على الأخوة الإنسانية، وتقوية الروابط بين الإنسان وأخيه الإنسان، من حيث هو إنسان، بصرف النظر عن دينه ولغته وجنسه. فلا شك أن بين الأديان السماوية- اليهودية والمسيحية والإسلام- قدرا مشتركا من الأصول المتفق عليها فيما يتعلق بكرامة الإنسان من حيث هو إنسان، أقصد أصول الأديان ونصوصها المقدسة، لا التفسيرات التي تجنح إلى التعصب والتمييز العنصري والديني وبث الفرقة بين أبناء آدم. وليس أنجع في تحقيق كل ذلك من الندوات واللقاآت التي تجمع بين أبناء تلك الديانات، وإجراء حوار أخوي إنساني متسامح، وبعث الصفحات المشرقة في تاريخ علاقاتهم، لتنمية روح التسامح والأخوة الإنسانية، والتغاضي عما حدث في الماضي البعيد من حروب وصراعات، والتخلص من نزعة الثأر والانتقام، فالتسامح هو أعظم ما أهدته الأديان السماوية للبشرية.

стр. 269

وإسهاما مني في هذه الندوة الطيبة التي تعقد في رحاب جامعة فلورنسا بإيطاليا، بالاشتراك مع جامعة الأزهر بمصر، فإني أتقدم بهذا البحث المتواضع عن زاوية من زوايا العلاقات المتنوعة بين المسلمين والبيزنطيين، زاوية لم تسلط عليها الأضواء بشكل كاف حتى الآن، وهي زاوية تبادل الوفود والهدايا بين خلفاء المسلمين والأباطرة البيزنطيين، فإن دراسة هذه الزاوية من زوايا علاقات الدولتين الكبيرتين، قد تكشف لنا عن أشياء لم تكن معروفة من قبل، وعن أن تلك العلاقات لم تكن دائما عدائية تسودها الحروب والمنازعات، بل عرفت تلك العلاقات أوقات صفاء كثيرة وحسن حوار، وجنوحا إلى السلام والتعايش السلمي، وتبادل المنافع، في شتى الميادين، العلمية والتجارية، بل والعمرانية، وليتنا على الجانبين- الإسلامي والغربي- في هذا العصر نعنى ببعث تلك الصفحات المشرقة في العلاقات الإسلامية البيزنطية، لنمحو من الأذهان فكرة أن العداء كان الطابع العام والدائم لتلك العلاقات الإسلامية البيزنطية، وحتى نهيئ للأجيال المعاصرة واللاحقة الأجواء الثقافية والنفسية للعيش معا على كوكب واحد بروح إنسانية متسامحة. * العلاقات الإسلامية البيزنطية في عهد النبي والخلفاء الراشدين: بدأت تلك العلاقات بشكل رسمي منذ أرسل الرسول ﷺ رسالة إلى الإمبراطور هرقل، في مطلع العام السابع الهجري (٦٢٨ م) ، يدعوه إلى الإسلام، وكانت دعوة سلمية؛ لا تتضمن أية إشارة إلى استخدام القوة لإجباره- هو أو غيره- على اعتناق الإسلام؛ لأن القرآن الكريم واضح في هذه القضية، ونصوصه صريحة في عدم إكراه الناس على الدخول في الإسلام، يقول الله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [البقرة: ٢٥٦] وكان نص الرسالة كما ورد في أوثق المصادر الإسلامية على النحو التالي: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين «١» . قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» «٢» .

стр. 270

وهذه الرسالة من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى تعليق، إنما يكفي أن نقول: إن الإسلام قد أقام علاقات المسلمين بغيرهم- وبصفة خاصة أهل الكتاب- اليهود والنصارى- على أسس وقواعد ثابتة يمكن تلخيصها فيما يأتي: ١- أن الأصل في علاقات المسلمين بغيرهم من الأمم هو السلام، وأن الحرب هي الاستثناء الذي لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى. فالإسلام دين السلام، واسمه نفسه مشتق من السلام، بل إن الإسلام ينظر إلى الحرب على أنها من إغواء الشيطان، ولذلك يدعو المسلمين جميعا إلى تجنبها والدخول في السلام، بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة: ٢٠٨] كما يأمر الإسلام المسلمين بالجنوح إلى السلام إذا جنح الأعداء، بقول الله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [الأنفال: ٦١] ، وحتى في أثناء الحرب إذا كف العدو عن القتال فيجب أن يكف عنه المسلمون فورا، ويقول تعالى: فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا [النساء: ٩٠] . والنصوص في هذا الباب في القرآن والسنة لا حصر لها. ٢- الأصل الثاني الذي تقوم عليه علاقات المسلمين بغيرهم؛ هو النظر إلى الناس جميعا على أنهم أمة واحدة، ومن أب واحد وأم واحدة، دون تفرقة على أساس الجنس أو اللون أو اللغة، وقد صرح القرآن الكريم بهذه الوحدة الإنسانية في أصل الخلقة في كثير من آياته منها قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣] وكذلك صرحت السنة النبوية بذلك في أحاديث تفوق الحصر. ٣- الأصل أو الأساس الثالث الذي أقام عليه الإسلام علاقات المسلمين بغيرهم، هو الوفاء بالعهود والمواثيق التي تنظم تلك العلاقات، وهذه قضية أكد عليها الإسلام تأكيدا شديدا، ولم يبح للمسلمين تحت أي ظرف من الظروف نقض معاهداتهم مع غيرهم أو نكثهم بها، حتى ولو لحقهم ضرر من التمسك بها؛ لأن أي ضرر- مهما كان- أخف من نقض العهد وما يترتب عليه من فقدان الثقة بين الأمم والشعوب؛ لأن معظم الحروب والكوارث التي تحدث بين الدول والأمم والشعوب لا تحدث لعدم وجود معاهدات- فما أكثر المعاهدات- ولكن تأتي من

стр. 271

عدم احترامها ونقضها عند أول فرصة يتصور القوي أنه قادر على فرض إرادته على الضعيف، أما الإسلام فلا يفعل ذلك أبدا؛ لأن العهد الذي يرتبط به المسلم مع غيره لا يرتبط به مع البشر فقط، إنما مع خالقه ، فهو مسؤول عنه أمام الله، والله كفيله على ذلك وشهيد، يقول تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا [النحل: ٩١] فالالتزام بالعهد من وجهة نظر الإسلام في مجال العلاقات الدولية ليس مبدأ أخلاقيّا فحسب، إنما هو واجب ديني يلتزم به المسلم حتى لو أصابه من جراء ذلك الضرر، وهل هناك ضرر أكبر من أن تتعرض فئة مسلمة لعدوان دولة أجنبية، فتطلب تلك الفئة من الدولة الإسلامية أن تعينها وتنصرها، ولكن الدولة الإسلامية لا تستطيع أن تفعل ذلك، لا لشيء إلا أنها قد ارتبطت مع تلك الدولة الأجنبية بعهد سابق، ويقول الله تعالى: وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ [الأنفال: ٧٢] . لا نريد أن نسترسل في إيراد النصوص فهي كثيرة في هذا الباب، والواقع العملي في عهد الرسول وخلفائه يؤكد ذلك ويدعمه. ومع ذلك فقد بدأت الحروب على نطاق واسع- بعد وفاة الرسول- بين المسلمين والبيزنطيين، واستطاع المسلمون أن يفتحوا الشام ومصر، وبدأت جيوشهم التوغل في شمال أفريقيا، فما السبب في ذلك؟ الأمر المؤكد أن الإمبراطور هرقل لم يقبل دعوة النبي ﷺ للدخول في الإسلام، والأمر المؤكد كذلك أن النبي لم يتخذ أي إجراء كرد فعل لرفض هرقل الدخول في الإسلام، هو وقومه. والشيء المؤكد- مرة ثالثة- أن البيزنطيين اعتدوا على المسلمين فيما عرف بغزوة مؤتة سنة (٨ هـ/ ٦٢٩ م) اعتداء سافرا دون مبرر وقد عدّ هذا العدوان بمثابة إعلان حرب على الإسلام والمسلمين، وهذا هو السبب الرئيسي في نشوب الحرب بين الفريقين؛ لأن عدوان الروم تكرر كثيرا بعد ذلك، بل حاولوا الاعتداء على المسلمين داخل شبه الجزيرة العربية، مما جعل الرسول ﷺ يغزوهم بنفسه فيما عرف بغزوة تبوك سنة (٩ هـ/ ٦٣٠ م) ولما انسحبوا أمامه هاربين إلى داخل الشام لم يلاحقهم لإلحاق الهزيمة بهم. بل بقي في تبوك ولم يتجاوز حدود شبه جزيرة العرب، ولم يدخل

стр. 272

الشام، ليبرهن لهم على أنه لا يريد حربهم أبدا. بل كل ما يريده منهم أن يتركوا المسلمين يدعون إلى دينهم في حرية وأمان، ولكنهم لم يكونوا مستعدين نفسيّا لذلك، فهم كانوا منتصرين على الفرس آنذاك، وكانوا يعدون أنفسهم أسياد العالم، بعد أن قضوا على قوة منافسهم الوحيد على تلك السيادة، ولذلك تكرر اعتداؤهم على المسلمين في مطلع خلافة أبي بكر الصديق، بل قضوا على جيش بكامله من جيوش المسلمين التي كانت تقاتل المرتدين، بقيادة خالد بن سعيد بن العاص، ومن هنا بدأت الحرب، ولم تتوقف إلا عند جبال طوروس في شمال الشام، واستمرت الجيوش الإسلامية في فتح مصر وشمال أفريقيا، والقصة كلها معروفة، ولقد رأيت أن أنوه بتلك البداية للعلاقات الإسلامية البيزنطية، لنعرف موقف كل طرف ودوره ومسؤوليته، ورأيت أن هذا قد يكون مفيدا ونحن نحاول الكشف عن الجوانب المضيئة في تلك العلاقات، لنستفيد من تجارب التاريخ، بخيرها وشرها وحلوها ومرها. * العلاقات الإسلامية البيزنطية في العهدين الأموي والعباسي: استمرت الحروب متقطعة بين المسلمين والبيزنطيين بعد عصر الخلفاء الراشدين، لكن مع نهاية العصر الأموي وبداية العصر العباسي بدا واضحا أن الطرفين كليهما قد اقتنعا بأنه من الأفضل لهما ترتيب علاقاتهما على أساس الاحترام المتبادل ورعاية حقوق كل منهما لدى الآخر، ذلك أن تجارب الماضي قد علمتهم أن التعايش السلمي وتبادل المنافع أفضل كثيرا من الحروب وسفك الدماء. والدليل على ذلك أن العلاقات بين أكبر دولتين في ذلك الزمان قد زخرت بكل أنواع النشاط الدبلوماسي الذي لا يقل عما تراعيه الدول في علاقاتها في وقتنا الحاضر، ومما يجدر التنويه عنه أن المسلمين والبيزنطيين قد أرسوا في تلك العصور الوسطى كثيرا من الأسس والقواعد والتقاليد الدبلوماسية الحقة في العلاقات الدولية، وتمثل ذلك في طريقة عقد معاهدات الصلح، وتبادل الوفود والمراسلات والهدايا، والبعثات العلمية، وحتى المجاملات كان لها مكان بارز في تاريخ العلاقات بين الدولتين، فكثيرا ما وصلت بعثات دبلوماسية ووفود من عاصمة إحدى الدولتين إلى عاصمة الدولة الآخرى للتهنئة بحدث كبير، كتولية خليفة أو إمبراطور، على سبيل المثال، كما كانت الدولتان تتعاونان في مجال المشاريع العمرانية، والتأثيرات المتبادلة

стр. 273

في هذا المجال تملأ المصادر التاريخية، الإسلامية والبيزنطية على السواء. * تبادل الوفود لعقد معاهدات الصلح: من المعروف أنه في تلك العصور التي نتحدث عنها لم يكن هناك تمثيل دبلوماسي دائم بين الدول، أي لم تكن هناك بعثات دبلوماسية لها مقرات دائمة- سفارات أو قنصليات- وإنما كانت الدول تتبادل الوفود والبعثات عند الحاجة، وكذلك كان الحال بين الدولتين الإسلامية والبيزنطية فقد قامت علاقاتهما على أسس راسخة، وتقاليد ثابتة، من حيث اختيار السفراء والمبعوثين، من ذوي الثقافة العالية والكفاءة واللباقة وقوة الشخصية والقدرة على التأثير، إلى جانب الفطنة والذكاء وقوة الحافظة، ومن حيث نظام استقبالهم على قدر مكانتهم في بلدهم- وتسهيل مهماتهم- ورعاية حقوقهم، وتوفير الحصانة لهم وضمان عودتهم إلى بلادهم سالمين «١» . وكانت المهمات الرئيسية لتبادل الوفود والبعثات الرسمية بين الدولتين- الإسلامية والبيزنطية- التفاوض من أجل عقد معاهدات الصلح أو تبادل الأسرى، وكانت تأتي بعثات من كلا الجانبين إلى الآخر لمجرد المجاملة. ولقد عرف تاريخ العلاقات الإسلامية البيزنطية تبادل الوفود منذ وقت مبكر، فقد عرفنا أن الرسول ﷺ قد أرسل وفدا يحمل رسالته إلى هرقل وكان رئيس ذلك الوفد الصحابي الجليل دحية بن خليفة الكلبي والمصادر وتتحدث عن أكثر من رسالة من النبي إلى هرقل، كما أن الطبري يحدثنا عن وفد أرسله عمر بن الخطاب ﵁ إلى الإمبراطور هرقل وكان يحمل بعض الهدايا «٢» لكن أول معاهدة صلح تحدثنا عنها المصادر تلك التي أبرمها معهم معاوية بن أبي سفيان ﵄ سنة (٦٠ هـ/ ٦٨٠ م) ، في آخر سنة من حياته، وكانت مدتها ثلاثين عاما «٣» ؛ الأمر الذي يدل على الرغبة في استمرار السلام، فالدولتان اللتان تعقدان معاهدة صلح مداها ثلاثون عاما لا يمكن أن تكونا راغبتين في الحرب.

стр. 274

وكما يدل على اهتمام الدولة البيزنطية بأمر تلك المعاهدة أنها اختارت لرياسة الوفد الذي أرسلته إلى عاصمة الخلافة الأموية- دمشق- للتفاوض بشأنها رجلا من أشهر الدبلوماسيين في البلاط البيزنطي، ويدعى يوحنا، الذي كان شخصية مرموقة حظيت بالاحترام والتقدير في البلاط الأموي، فقد حضر إلى دمشق ولقي الخليفة معاوية، وفاوضه في عدة جلسات، وحضرها كبار أبناء البيت الأموي، وكبار رجال الدولة، وقد أبدى رئيس الوفد البيزنطي من حسن التخاطب واللباقة واللياقة والإجلال للخلافة الأموية- ما أكسبه احترام الخليفة معاوية نفسه، وجعله ينجح في عقد المعاهدة المنوه عنها آنفا «١» . ومما يدل على جو العلاقات بين الدولتين في ذلك الوقت وما كان يسوده من ميل إلى السلام أنهما حكمتا جزيرة قبرص حكما مشتركا، يقول ابن حوقل: «كانت قبرص بينهم نصف للمسلمين، ونصف للنصرانية، وكان للمسلمين فيها أمير وحاكم» «٢» . وفي عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (٦٥- ٨٩ هـ/ ٦٨٥- ٧٠٥ م) نقض الروم معاهدتهم مع معاوية، فجددها عبد الملك «٣» مما يدل على الرغبة في استمرار حالة السلام بين الدولتين. ولقد بلغت العلاقات الإسلامية البيزنطية أفضل حالاتها في العصر الأموي، في خلافة عمر بن عبد العزيز (٩٩- ١٠١ هـ/ ٧٠٧- ٧٢٠ م) ، ومعاصره الإمبراطور ليون الإيسوري (٧١٧- ٧٤١ م) . فالخليفة عمر كان رجلا صالحا يكره الحرب والعنف بطبعه، فأوقف الحروب على الحدود الإسلامية البيزنطية، بل أمر برفع الحصار الذي كان يفرضه الجيش الإسلامي على القسطنطينية- عاصمة الدولة البيزنطية- وأمر بعودة ذلك الجيش إلى الشام، واهتم بأمر الأسرى المسلمين الذين كانوا في أيدي البيزنطيين، فأرسل إلى القسطنطينية وفدا من أجل التفاوض لافتدائهم، وعودتهم إلى بلادهم. ولقد كان الاحترام والإعجاب متبادلين بين الخليفة والإمبراطور على المستوى الشخصي، فقد روى مؤلف سيرة عمر بن عبد العزيز «٤» ، أنه عند ما مرض الخليفة

стр. 275

عمر، علم بذلك الإمبراطور ليون وأرسل إليه أحد أطباء القصر الإمبراطوري ليعالجه، ومما يدل على حسن العلاقات أن ذلك الطبيب كان قسيسا، أي من رجال الدين المسيحي، وقد وصل الطبيب القسيس فعلا إلى دمشق «١» . ويبدو أن العلاقات الودية بين عمر بن عبد العزيز والإمبراطور ليون قد شجعت الخليفة التقي الصالح على دعوة الإمبراطور إلى الإسلام حيث أرسل إليه وفدا يحمل رسالة بهذا الغرض. وبطبيعة الحال لم يقبل الإمبراطور دعوة الخليفة ونصيحته، ولكنها لم تؤثر سلبيّا على علاقاتهما، فقد استمرت ودية، على خير ما يرام، وظل الإمبراطور على إعجابه بالخليفة المسلم واحترامه إلى وفاته، فقد روى المسعودي، أن عمر بن عبد العزيز بعث وفدا إلى ملك الروم، في أمر من مصالح المسلمين وحق يدعوه إليه ... فتلقاهم بجميل، وأجابهم بأحسن الجواب، وانصرفوا عنه في ذلك اليوم، فلما كان في غداة غد غزاة أتاهم رسوله، فدخلوا عليه، فإذا هو قد نزل عن سريره ووضح التاج عن رأسه، وقد تغيرت صفاته التي شاهدوه عليها، كأنه في مصيبة، فقال: «هل تدرون لم دعوتكم؟ قالوا: لا، قال: إن صاحب مسلحتي التي تلي العرب جاء في كتابه في هذا الوقت إن ملك العرب، الرجل الصالح قد مات، فما ملكوا أنفسهم أن بكوا، فقال: لا تبكوا له، وابكوا لأنفسكم ما بدا لكم، فإنه خرج إلى خير مما خلف، قد كان يخاف أن يدع طاعة الله في الدنيا، فلم يكن الله ليجمع عليه مخافة الدنيا ومخافة الآخرة، ولقد بلغني من بره وفضله وصدقه، ما لو كان أحد بعد عيسى يحيي الموتى، لظننت أنه يحيي الموتى، ولقد كانت تأتيني أخباره ظاهرا وباطنا، فلا أجد أمره مع ربه إلا واحدا، بل باطنه أشد حين خلوته بطاعة مولاه، ولم أعجب لهذا الراهب الذي قد ترك الدنيا وعبد ربه على رأس صومعته، ولكني عجبت من هذا الذي صارت الدنيا تحت قدميه فزهد فيها، حتى صار مثل الراهب، إن أهل الخير لا يبقون مع أهل الشر إلا قليلا» «٢» . هذه أجمل صورة للعلاقات الإسلامية البيزنطية، تحمل أكثر من دلالة، ولها

стр. 276

أكثر من معنى. والواقع أن العلاقات استمرت بدون مشكلات كبيرة ولا اشتباكات خطيرة على الحدود إلى نهاية العصر الأموي (١٣٢- ٧٥٠ هـ) . فلما قامت الدولة العباسية تجددت الاشتباكات الحدودية، والذي بدأ هم البيزنطيون؛ ظنّا منهم أن الدولة العباسية غير قادرة على حماية الحدود الإسلامية لانشغالها بالتمكين لنفسها، ولكن ظنهم لم يكن في محله؛ فسرعان ما وجدوا الجيوش الإسلامية لهم بالمرصاد، مما جعلهم يجنحون إلى السلام من جديد، ومرة أخرى أقام المسلمون الدليل على رغبتهم في السلام، مع أنهم كانوا الأقوى في ذلك الوقت، وأول معاهدة سلام بين الدولتين في العصر العباسي تحدثنا عنها المصادر تلك التي عقدها معهم هارون ابن الخليفة المهدي في عهد أبيه (١٥٨- ١٦٩ هـ/ ٧٧٤- ٧٨٥ م) مع الإمبراطورة إيريني، والتي يقول عنها الطبري: «فجرت بينها وبين هارون بن المهدي الرسل والسفراء، في طلب الصلح والموادعة وإعطائه الفدية، فقبل ذلك منها هارون، وشرط عليها الوفاء بما أعطت وأن تقيم له الأدلاء والأسواق في طريقه، فأجابته إلى ما سأل ... ووجهت معه رسولا إلى المهدي، بما بذلت.... وكتبوا الهدنة إلى ثلاث سنوات وسلمت الأسارى» «١» . ولما تولى هارون الخلافة بعد أخيه الهادي، وتلقب بالرشيد (١٧٠- ١٩٣ هـ/ ٧٨٧- ٨٠٩ م) نقض إمبراطور الروم نقفور المعاهدة التي وقعتها سلفه، بل هدد الرشيد بالحرب إن لم يعد له الجزية التي أخذها منها، مما جعل الرشيد يغزوه بنفسه، ليثبت حالة السلم على الحدود، وهنا أدرك الإمبراطور خطأه، واعتذر وتعهد بدفع أكثر مما كانت الإمبراطورة إيريني، فعادت حالة السلام بين الدولتين وتقرر الصلح كما ذكر الطبري «٢» . والذي يستخلص من كل ذلك أن الدولة الإسلامية لم يكن من خططها غزو أراضي الدولة البيزنطية والاستيلاء عليها، بل كان هدفها المحافظة على حدودها، ومنع تغيير تلك الحدود لمصلحة البيزنطيين، ولو كان المسلمون يبغون الغزو لكان ذلك ممكنا على الأقل في عهد الرشيد؛ لأنهم كانوا الأقوى، وفي عهد الخليفة المأمون (١٩٨- ٢١٨ هـ/ ٨١٣- ٨٣٣ م) توترت العلاقات إلى حد ما بين

стр. 277

الدولتين، إلا أنهما سرعان ما عادتا إلى التفاوض وإجراء الصلح وحل المشكلات بالحوار والتفاهم. وتبودلت الوفود والرسائل بين المأمون ومعاصره الإمبراطور تيوفيلوس، وكان الأخير هو الذي بدأ برسالة إلى المأمون بطلب عقد مصالحة، إلا أنه خلط فيها بين اللين والشدة والود والتهديد، وهو أسلوب مألوف في المناورات السياسية بين الدول، قال تيوفيلوس في رسالته إلى المأمون: ... أما بعد فإن اجتماع المختلفين على حظهما أولى بهما في الرأي مما عاد عليهما بالضرر، ولست حريّا أن تدع لحظ يصل إلى غيرك حظّا تحوزه إلى نفسك، وفي علمك كاف عن أخبارك، وقد كنت كتبت إليك داعيا إلى المسألة، راغبا في فضيلة المهادنة، لتضع أوزار الحرب عنا، ونكون كل واحد منا لكل واحد وليّا وحزبا مع اتصال المرافق، والفسح في المتاجرة، وفك المستأسر، وأمن الطرق والبيضة، فإن أبيت فلا أدب لك في الخمر «١» ، ولا أزخرف لك في القول، فإني لخائض إليك غمارها، وآخذ عليك أسدادها، شانّ عليك خيلها ورجالها، وإن أفعل فبعد أن قدمت المعذرة، وأقمت بيني وبينك علم الحجة. والسلام «٢» . هذا هو نص رسالة الإمبراطور البيزنطي إلى الخليفة المأمون الذي رد عليها بقوله بعد المقدمة: «أما بعد، فقد وصلني كتابك فيما سألت من الهدنة، ودعوت إليه من الموادعة، وخلطت فيه من اللين والشدة، مما استعطفت به من شرح المتاجر واتصال المرافق، وفك الأسارى، ورفع القتل والقتال، فلولا ما رجعت إليه من أعمال التؤدة، والأخذ بالحظ في تقليب الفكرة، وإلا أعتقد الرأي في مستقبله إلا في استصلاح ما أوثره في معتقبه، لجعلت كتاب جوابك خيلا تحمل رجالا من أهل البأس والنجدة والبصيرة، ينازعونكم عن ثكلكم، ويتقربون إلى الله بدمائكم، ويستقلون في ذات الله ما نالهم من ألم شوكتكم، ثم أوصل إليهم من الأمداد، وأبلغ لهم كافيا من العدة والعتاد، هم أظمأ إلى موارد المنايا منكم إلى السلامة، من مخوف معرتهم عليكم، موعدهم إحدى الحسنيين، عاجل غلبة أو كريم منقلب، غير أني رأيت أن أتقدم إليك بالموعظة، التي يثبت الله بها عليك الحجة من الدعاء لك ولمن معك إلى الوحدانية، والشريعة الحنيفية، فإن أبيت ففدية توجب ذمة وتثبت نظرة، وإن تركت ذلك ففي يقين المعاينة لنعوتنا ما يغني عن الإبلاغ في القول، والإغراق في الصفة، والسلام على

стр. 278

من اتبع الهدى «١» . هاتان الرسالتان المتبادلتان بين الخليفة المأمون والإمبراطور تيوفيلوس من الوثائق المهمة في تاريخ العلاقات الإسلامية البيزنطية «٢» ؛ لأنهما تضمنتا كثيرا من العبارات التي تحض على المسالمة وتجنب الحروب، وتمهيد السبل لاتصال التجارة والمرافق، وفك الأسرى ... إلخ. وهذه العبارات لم تأت في الرسالتين جزافا، بل إن كلّا من العاهلين الكبيرين كان يعني ما يقول، مما يدل على الرغبة القوية في السلام- رغم ما في الرسالتين من نغمات التهديد- بل أكثر من ذلك فإننا لو تأملنا قول الإمبراطور للخليفة: «ونكون كل واحد لكل واحد وليّا وحزبا» لأدركنا أنه يهدف إلى أكثر من المسألة والتعاون، فهو يقترح التحالف والصداقة بين الدولتين، ولذلك ليس صائبا قول الأستاذ فازيليف «إن دعوة المأمون تيوفيلوس إلى الدخول في الإسلام لم تكن حرية أن تؤدي إلى سلام بين الملكين» «٣» ؛ لأن دعوة الخليفة المسلم للإمبراطور البيزنطي إلى الدخول في الإسلام لم تكن دعوة جبرية، وإنما تلك الدعوة إلى الإسلام أصبحت من التقاليد الإسلامية الراسخة، منذ أرسل الرسول ﷺ رسائله في العام السابع الهجري إلى ملوك ورؤساء وأمراء العالم يدعوهم فيها إلى الدخول في الإسلام، لذلك درج الخلفاء على هذه السنة النبوية في دعوة نظرائهم من الملوك للدخول في الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، ولذلك كانت عبارة المأمون إلى الإمبراطور هي: «غير أني رأيت أن أتقدم إليك بالموعظة التي يثبت الله بها عليك الحجة من الدعاء لك ولمن معك إلى الوحدانية والشريعة الحنيفية» فدعوة سلمية كهذه لم يكن لها أن تمنع قيام السلام بين دولتين راغبتين في السلام والتعايش السلمي وقد سبق أن ذكرنا أن الخليفة الأموي، عمر بن عبد العزيز أرسل رسالة مماثلة إلى معاصره، الإمبراطور البيزنطي ليون الثالث الإيسوري، يدعوه إلى الدخول في الإسلام، ولم يغضب الإمبراطور من تلك الرسالة- ولم يسلم طبعا- واستمرت العلاقات سلمية بل ودية بينهما، كما سبق وأن أشرنا.

стр. 279

على كل حال فإن سجل تاريخ العلاقات الإسلامية البيزنطية يزخر بأمثال تلك الرسائل التي كان الخلفاء والأباطرة يتبادلونها في شتى المناسبات، مما يدل على حيوية تلك العلاقات وتنوعها. * الوفود والبعثات العلمية: لا أظن أننا في حاجة هنا إلى تأكيد اهتمام الإسلام بالعلم بشتى فروعه وأنواعه، وحث المسلمين على تعلمه من أي إنسان وفي أي مكان، ومن مأثوراتنا الإسلامية في ذلك المجال- وهي كثيرة-: «اطلبوا العلم ولو في الصين» وهو قول أريد به حث المسلم على طلب العلم مهما كلفه ذلك من جهد، ومهما بعدت المسافات، ومن مأثوراتنا كذلك: «الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها ولا يضره من أي وعاء خرجت» ولقد كان النبي ﷺ يحث أصحابه على تعلم اللغات الأجنبية، مما يعدّ إشارة لها دلالة في توجيه المسلمين إلى الرحلة في طلب العلم غير المتيسر في بلادهم والبحث عنه في أي مكان، ومن ثم كانت الرحلة في طلب العلم من أبرز روافد الحضارة الإسلامية، ولقد شغف المسلمون بالعلم شغفا يدعو إلى الإعجاب، وبذلوا من أجله المال والوقت والجهد ومن حسن حظ المسلمين أنهم أصبحوا ورثة الحضارة العالمية التي خلفتها القرون والأجيال السابقة على ظهور الإسلام، حيث أصبحت كل مراكز تلك الحضارة المنتشرة في البلاد التي فتحها المسلمون؛ العراق وفارس والشام ومصر وشمال أفريقيا والأندلس وغيرها- أصبحت كل تلك المراكز في أيدي المسلمين. فصانوها وحفظوها وعربوها، أي ترجموها إلى لغتهم، واستفادوا منها استفادة عظيمة وأضافوا إليها من عبقريتهم وإبتكاراتهم ما جعل شعلة الحضارة العالمية متقدة وضاءة حتى تسلمتها منهم أوربا وصنعت الحضارة الحديثة. ولقد أقبل المسلمون على هذا التراث الحضاري منذ وقت مبكر، ففي العصر الأموي ترجمت عدة كتب في الطب والكيمياء، في عهد عمر بن عبد العزيز (٩٩- ١٠١ هـ/ ٧١٨- ٧٢٠ م) وهشام بن عبد الملك (١٠٥- ١٢٥ هـ/ ٧٢٣- ٧٤٣ م) . بل قبل ذلك كان الأمير الأموي خالد بن يزيد بن معاوية (ت نحو ٨٥ هـ) قد وهب حياته للعلم، وأغرم بترجمة كتب الكيمياء إلى اللغة العربية، ترجمها له أحد علماء مدرسة الإسكندرية، ولم يستنكف ذلك الأمير الأموي التلمذة على أيدي الأساتذة غير المسلمين، وما فعله خالد بن يزيد، وما حدث بعده في العصر الأموي كان

стр. 280

البداية؛ فلما قامت الدولة العباسية زاد الاهتمام بالعلوم غير الإسلامية بحكم التطور، وحدثت وثبة علمية من أعظم الوثبات في تاريخ الأمم والحضارات، فأنشأ الخليفة هارون الرشيد بيت الحكمة في بغداد، وهي أول أكاديمية علمية- فيما نظن- تعنى بالعلوم والترجمة، وقد حشد لها الرشيد ومن أتى بعده من الخلفاء جمعا من أعظم العلماء النابهين في ترجمة الكتب، وكان جلهم من السريان المسيحيين «١» ، وجد الخلفاء العباسيون في البحث عن المخطوطات الإغريقية في شتى العلوم في كل مكان استطاعوا الوصول إليه، ومن أجل هذا أوفدوا الوفود والبعثات العلمية إلى الدولة البيزنطية للحصول على الكتب وإحضارها إلى بيت الحكمة وترجمتها، ولم يكتفوا بما حصلوا عليه من المراكز العلمية التي أصبحت تحت أيديهم، بل دأب الخلفاء على إيفاد البعثات لطلب الكتب من الأباطرة البيزنطيين، فقد أرسل الخليفة أبو جعفر المنصور (١٣٦- ١٥٨ هـ/ ٧٥٨- ٧٧٤ م) إلى الإمبراطور البيزنطي يطلب كتبا يونانية، فأجابه الإمبراطور إلى طلبه وأرسل إليه كتبا كان منها كتاب إقليدس «أصول الهندسة» «٢» . ومن أهم البعثات العلمية التي ذهبت من بغداد إلى البلاد البيزنطية للبحث عن الكتب تلك التي رأسها قسطا بن لوقا، الذي يقول عنه القفطي: «قسطا بن لوقا فيلسوف شامي نصراني في أيام العباسيين، دخل بلاد الروم، وحصل من تصانيفهم الكثير، وعاد إلى الشام، واستدعي إلى بغداد ليترجم كتبا يستخرجها من لسان يونان إلى لسان العرب، وعاصر يعقوب الكندي، وكان قسطا متحققا بعلم العدد والهندسة والنجوم والمنطق والعلوم الطبيعية، ماهرا في صناعة الطب» «٣» . ولقد بلغت حركة البحث عن الكتب اليونانية وإيفاد البعثات إلى الدولة البيزنطية من أجل الحصول عليها أوجها في عهد الخليفة المأمون، الذي كان نسيج وحده في حب العلم والثقافة بعامة، والثقافة اليونانية بخاصة، وإذا كان المثل الشائع يقول: «الناس على دين ملوكهم» فلقد صدق هذا المثل على الخليفة المأمون حيث تأثر به الناس في تطلعه للعلم وسرت عدواه فيهم، أفرادا وجماعات، وانكبوا على العلم

стр. 281

يحصلونه ويدرسون مما أثمر حضارة إسلامية زاهرة، يقول صاعد الأندلسي: «ثم لمّا أفضت الخلافة إلى الخليفة السابع منهم- المأمون- تمم ما بدأه جده المنصور، فأقبل على طلب العلم في مواضعه، واستخرجه من معادنه، بفضل همته الشريفة، وقوة نفسه الفاضلة، فداخل ملوك الروم، وأتحفهم بالهدايا الخطيرة، وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلاسفة، فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسطوطاليس وأبقراط وجالينوس وإقليدس وبطليموس، وغيرهم من الفلاسفة، فاستخار لها مهرة التراجمة، وكلفهم إحكام ترجمتها، فترجمت له على غاية ما أمكن ثم حض الناس على قراءتها ورغبهم في تعلمها» «١» . وإذا كانت الأمم التي تريد أن تنهض في وقتنا الحاضر وتلحق بركب الدول المتقدمة وتسعى في الوصول إلى تحصيل العلم والمعرفة بشتى الطرق، ومنها إيفاد البعثات من أبنائها إلى الدول الأكثر تقدما لتحصيل العلم، ومنها أيضا دعوة كبار الأساتذة الأجانب لإلقاء المحاضرات والدروس على أبنائها كأساتذة دائمين أو زائرين في جامعاتها، فإن هذا هو ما فعله المسلمون بالضبط في بناء نهضتهم العلمية، فقد أرسلوا البعثات والوفود للتعلم وجمع الكتب، ثم استقدموا كبار الأساتذة للتدريس في بغداد. يقول ابن النديم في الفهرست: «إن المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات يسأل الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدخرة ببلد الروم، فأجاب ذلك بعد امتناع، فأخرج المأمون لذلك جماعة، منهم الحجاج بن مطر وابن البطريق وسلم صاحب بيت الحكمة، وغيرهم، فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا، فلما جاؤوا إليه أمرهم بنقله» «٢» أي: ترجمته إلى اللغة العربية. وتعددت وفود وبعثات المأمون إلى البلاد البيزنطية للبحث عن الكتب «٣» ومن أعظم الأمثلة الدالة على التعاون في المجال العلمي بين المسلمين والبيزنطيين. وعلى تطلع المسلمين إلى المعرفة ما فعله المأمون من أجل استقدام العلماء البيزنطيين إلى بغداد، وذلك مثل محاولته استقدام أشهر عالم فلك ورياضيات بيزنطي في عهده

стр. 282

هو المعروف بليون الفلكي الرومي، حيث دخل في مفاوضات مع الإمبراطور تيوفيلوس بهذا الشأن، ونجح في مسعاه، يقول الأستاذ فازيليف: «ونحن نعرف ما كان من مفاوضات متكررة دخل فيها الإمبراطور تيوفيلوس والمأمون أكثر من مرة، في أمير ليون العالم الرومي المهندس الفلكي، وكان هذا الخليفة المتنور يتوق إلى رؤية ليون ولو لوقت محدود، ليستفيد من علمه الواسع في الرياضيات ... ومن الشيق أن نلاحظ رغم هذه الحروب المتصلة أن علاقة العرب الشرقيين والروم فيما عدا الحرب لم تتميز قط بصفة الخصومة، بل كانت أقرب إلى التواد وقد نستطيع أن نتخذ دليلا على ذلك من حملة إفسوس العلمية التي عرضت لها آنفا، والتي كانت مختلطة رومية وعربية، ومن مثول ليون الفلكي الرومي في بلاط بغداد، والواقع أن بيزنطة كانت تحتفظ للعرب بمكان الصدارة بين جيرانها» «١» . لا يمكن في هذا البحث القصير أن نأتي على ذكر الوفود والبعثات التي تبادلها الخلفاء والأباطرة فهذا موضوع كبير ويحتاج إلى دراسات أكاديمية كثيرة. وإنما قصدنا من هذه النماذج التي قدمناها أن نبرهن للناس على أن علاقات المسلمين والبيزنطيين لم تكن عدائية قائمة على الحروب والصراع بل كانت حياة إنسانية بكل ما تعني هذه العبارة فيها العداء والخصام، وفيها الود والسلام وتبادل المنافع. وكان للمجاملات مكان واسع في علاقات الدولتين، حيث كانت تأتي الوفود من إحداهما إلى الآخرى للتهنئة بحدث سعيد، كتولية خليفة أو إمبراطور، فعندما تم بناء بغداد في عهد أبي جعفر المنصور أرسلت الدولة البيزنطية وفدا للتهنئة برئاسة أحد البطارقة، فاستقبل الوفد في بغداد استقبالا لائقا، أمر المنصور وزيره الربيع بن يونس أن يطوف بالوفد ربوع المدينة الجديدة ويشرح له معالمها «٢» والطريف أن البطريق كانت له عدة ملاحظات أبداها للخليفة الذي اهتم بها وعمل ببعضها «٣» . * التعاون بين الدولتين في المجالات العمرانية: لم تكن الدولة البيزنطية ترسل وفودها إلى عاصمة الخلافة الإسلامية للتهنئة بإنجاز

стр. 283

المشروعات العمرانية فحسب كما حدث بعد تمام بناء بغداد، وإنما كانت تشارك في تلك المشاريع بالخبرة الفنية ومواد البناء، بل بالأموال، مما يدل على حسن العلاقات والود المتبادل، ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما حدث في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك (٨٦- ٩٦ هـ/ ٧٠٥- ٧١٥ م) حيث عزم على تجديد المسجد النبوي في المدينة المنورة، وبناء المسجد الأموي بدمشق، وعندئذ طلب من إمبراطور الروم- كما يروي الطبري «١» - أن يعينه في ذلك، فبعث إليه مائة ألف مثقال ذهب، ومائة عامل، وأربعين حملا من الفسيفساء، فبعث الوليد كل ذلك إلى والي المدينة، ابن عمه عمر بن عبد العزيز، الذي أشرف على تجديد وتجميل المسجد النبوي. كذلك فعل الوليد عند بناء مسجد دمشق، فأمده الإمبراطور بالفنيين ومواد البناء والزخرفة والأموال، وهذه صورة مشرقة للتعاون بين الدولتين وقيمة هذا التعاون المعنوية تفوق قيمته المادية بكثير، فاشتراك المال البيزنطي، والعمال والخبرة الفنية البيزنطية في مشاريع عمرانية إسلامية عمل عظيم، وعند ما تكون هذه المشاريع دور عبادة، أي مساجد، تكون الدلالة أعظم على حسن العلاقات وما يسودها من تسامح بين أكبر دولتين في ذلك الزمان، إحداهما إسلامية والآخرى مسيحية. * تبادل الهدايا بين الخلفاء والأباطرة: تبادل الهدايا بين رؤساء الدول في المناسبات تقليد قديم، وقد عرفته الدولة الإسلامية منذ قيامها في عصر النبوة، وكان النبي ﷺ يهدي إلى الوفود التي تأتي إليه ويتقبل الهدايا من رؤساء الدول، فقد أهدى إليه المقوقس- حاكم مصر- كثيرا من الهدايا «٢» منها جاريتان، هما مارية القبطية التي تسرى بها النبي، وأنجب منها ابنه إبراهيم، وأختها سيرين، التي أهداها إلى شاعره حسان بن ثابت، وكان يحث أصحابه على التهادي فيما بينهم، ومن أقواله في ذلك: «تهادوا تحابوا فإن الهدية تفتح الباب المصمت، وتسل سخيمة القلب» ويروى أنه كان من آخر نصائحه لأصحابه قوله: «أجيزوا الوفد بمثل ما كنت أجيزهم به» يعني أعطوا الوفود التي تأتي إليكم هدايا كما كنت أفعل، وهذا التوجيه موجه لمن يلي الأمر بعده؛ أي: إلى

стр. 284

الخليفة رئيس الدولة. وقد درج الخلفاء على هذا التقليد وحافظوا عليه، بل من الطريف أن زوجات الخلفاء كن يبعثن الهدايا إلى زوجات الأباطرة، فقد روى الطبري «١» أن عمر بن الخطاب أرسل وفدا إلى القسطنطينية، إلى الإمبراطور هرقل، في أمر يخص العلاقات بين الدولتين، فبعثت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب التي كانت زوجا لعمر إلى زوجة الإمبراطور بعض الهدايا منها الطيب، وأشياء تخص النساء، سماها الطبري «أخفاش من أخفاش النساء» دسته إلى الوفد وأمرت بتسليمه إليها، فلما وصلت هدايا أم كلثوم إلى زوجة الإمبراطور فرحت بها، وجمعت زوجات كبار رجال الدولة، وأعطتهن منها وقالت لهن: أشرن علي في هدية جاءتني من بنت نبي العرب وزوجة أميرهم، فأشرن عليها أن تكون هديتها إلى أم كلثوم غالية وثمينة، فبعثت إليها بهدايا كثيرة، وكان فيها عقد فاخر، من الأحجار الكريمة، فلما عاد الوفد الإسلامي إلى عمر بن الخطاب، ورأى العقد سأل عنه، فأخبروه الخبر، فدعا الناس إلى صلاة جامعة في مسجد الرسول، وخاطبهم قائلا: «لا خير في أمر أبرم عن غير شورى من أموري، قولوا في هدية أهدتها أم كلثوم لامرأة ملك الروم، فأهدت لها امرأة ملك الروم. فقال قائلون: هو لها بالذي لها- يعني هدية بهدية- وليست امرأة الملك بذمة لك فتصانع، ولا تحت يدك فتتقيك، فقال: لكن الرسول رسول المسلمين، والبريد بريدهم ... فأمر برده- العقد- إلى بيت المال، ورد عليها- أم كلثوم- بقدر نفقتها» «٢» أي: إن عمر رأى أن الخيول التي حملت الهدايا ملك للدولة، والرجال الذين أوصلوها موظفين في الدولة، ولا ينبغي أن تستخدمهم زوجته في أغراض شخصية، ولذلك صادر العقد، ووضعه في بيت المال، وعوضها عن قيمة هداياها، التي كانت بسيطة يسيرة، ودلالة هذه القصة على نزاهة الخليفة وأهل بيته عن المال العام جلية ظاهرة، وهي أيضا دلالة على أن الإسلام يحبذ العلاقات الودية بين المسلمين وجيرانهم، ولا يمانع في تبادل الهدايا معهم. ومن الجدير بالذكر في هذه القصة أن الخليفة العظيم عمر بن الخطاب لم يتعرض إلى ما قامت به زوجته من الاتصال بزوجة الإمبراطور، وتبادل الهدايا معها- ولم

стр. 285

يعترض عليه- وإنما كانت تصرفه برد الهدايا الثمينة إلى بيت المال، لفرط حساسيته نحو المال العام. إن سجل العلاقات بين الدولتين الإسلامية والبيزنطية حافل بأخبار تبادل الهدايا بين الخلفاء والأباطرة، فلم يكن وفد يحضر من إحدى عاصمتي الدولتين إلى الآخري دون أن يحمل معه الهدايا والطرف التي تليق بشخص الخليفة إن كانت قادمة من القسطنطينية، وبشخص الإمبراطور إن كانت آتية من عاصمة الخلافة، وكان من التقاليد المتبعة أن الوفد عند ما يصل إلى الحدود يستقبل استقبالا لائقا من قبل وفد من البلد المضيف، ويكرمهم وبصحبهم إلى مقابلة الخليفة أو الإمبراطور إن كان ذلك ضروريّا، وقبل ذلك يلقنهم الآداب والتقاليد التي يجب أن تراعى عند مقابلة رئيس الدولة «١» . وليس بالوسع في هذا البحث استقصاء كل الأخبار المتعلقة بتبادل الهدايا بين الخلفاء والأباطرة، ولذلك نقتصر على ذكر نماذج منها تكفي للدلالة على حسن العلاقات بين الدولتين، وجنوحهما إلى السلام وحسن الجوار، على الرغم مما بينهما من خلافات. من تلك النماذج ما حدث بين الخليفة العباسي هارون الرشيد، ومعاصره الإمبراطور البيزنطي نقفور، اللذين بدأت علاقاتهما بداية سيئة وتبادلا الرسائل ذات اللهجة الشديدة، بل وصل الأمر إلى حد الاشتباك المسلح- على الحدود- كما سبقت الإشارة- لكنهما سرعان ما جنحا إلى السلم، ودخلت علاقاتهما في دور سلمي، وتبادلا الرسائل الودية ذات اللهجة الهادئة، كما تبادلا الهدايا، وأخذت الوفود تترى بينهما وكانت وفودا على مستوى عال، وكان من تلك الوفود وقد أتى من قبل الإمبراطور إلى الرشيد يحمل رسالة وبعض الطلبات الشخصية وقد لباها الرشيد كلها. يقول الطبري: «وكتب نقفور مع بطريقين من عظاماء بطارقته في جارية من سبي هرقلة «٢» كتابا، نسخته لعبد الله هارون أمير المؤمنين من نقفور ملك الروم، سلام عليكم، أما بعد: أيها الملك إن لي إليك حاجة لا تضرك في دينك ولا دنياك، هينة يسيرة؛ أن تهب لابني جارية من بنات أهل هرقلة، كنت قد
следующие страницы →