يحصلونه ويدرسون مما أثمر حضارة إسلامية زاهرة، يقول صاعد الأندلسي: «ثم لمّا أفضت الخلافة إلى الخليفة السابع منهم- المأمون- تمم ما بدأه جده المنصور، فأقبل على طلب العلم في مواضعه، واستخرجه من معادنه، بفضل همته الشريفة، وقوة نفسه الفاضلة، فداخل ملوك الروم، وأتحفهم بالهدايا الخطيرة، وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلاسفة، فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسطوطاليس وأبقراط وجالينوس وإقليدس وبطليموس، وغيرهم من الفلاسفة، فاستخار لها مهرة التراجمة، وكلفهم إحكام ترجمتها، فترجمت له على غاية ما أمكن ثم حض الناس على قراءتها ورغبهم في تعلمها» «١» .
وإذا كانت الأمم التي تريد أن تنهض في وقتنا الحاضر وتلحق بركب الدول المتقدمة وتسعى في الوصول إلى تحصيل العلم والمعرفة بشتى الطرق، ومنها إيفاد البعثات من أبنائها إلى الدول الأكثر تقدما لتحصيل العلم، ومنها أيضا دعوة كبار الأساتذة الأجانب لإلقاء المحاضرات والدروس على أبنائها كأساتذة دائمين أو زائرين في جامعاتها، فإن هذا هو ما فعله المسلمون بالضبط في بناء نهضتهم العلمية، فقد أرسلوا البعثات والوفود للتعلم وجمع الكتب، ثم استقدموا كبار الأساتذة للتدريس في بغداد.
يقول ابن النديم في الفهرست: «إن المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات يسأل الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدخرة ببلد الروم، فأجاب ذلك بعد امتناع، فأخرج المأمون لذلك جماعة، منهم الحجاج بن مطر وابن البطريق وسلم صاحب بيت الحكمة، وغيرهم، فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا، فلما جاؤوا إليه أمرهم بنقله» «٢» أي: ترجمته إلى اللغة العربية.
وتعددت وفود وبعثات المأمون إلى البلاد البيزنطية للبحث عن الكتب «٣» ومن أعظم الأمثلة الدالة على التعاون في المجال العلمي بين المسلمين والبيزنطيين. وعلى تطلع المسلمين إلى المعرفة ما فعله المأمون من أجل استقدام العلماء البيزنطيين إلى بغداد، وذلك مثل محاولته استقدام أشهر عالم فلك ورياضيات بيزنطي في عهده
стр. 282
هو المعروف بليون الفلكي الرومي، حيث دخل في مفاوضات مع الإمبراطور تيوفيلوس بهذا الشأن، ونجح في مسعاه، يقول الأستاذ فازيليف: «ونحن نعرف ما كان من مفاوضات متكررة دخل فيها الإمبراطور تيوفيلوس والمأمون أكثر من مرة، في أمير ليون العالم الرومي المهندس الفلكي، وكان هذا الخليفة المتنور يتوق إلى رؤية ليون ولو لوقت محدود، ليستفيد من علمه الواسع في الرياضيات ... ومن الشيق أن نلاحظ رغم هذه الحروب المتصلة أن علاقة العرب الشرقيين والروم فيما عدا الحرب لم تتميز قط بصفة الخصومة، بل كانت أقرب إلى التواد وقد نستطيع أن نتخذ دليلا على ذلك من حملة إفسوس العلمية التي عرضت لها آنفا، والتي كانت مختلطة رومية وعربية، ومن مثول ليون الفلكي الرومي في بلاط بغداد، والواقع أن بيزنطة كانت تحتفظ للعرب بمكان الصدارة بين جيرانها» «١» .
لا يمكن في هذا البحث القصير أن نأتي على ذكر الوفود والبعثات التي تبادلها الخلفاء والأباطرة فهذا موضوع كبير ويحتاج إلى دراسات أكاديمية كثيرة. وإنما قصدنا من هذه النماذج التي قدمناها أن نبرهن للناس على أن علاقات المسلمين والبيزنطيين لم تكن عدائية قائمة على الحروب والصراع بل كانت حياة إنسانية بكل ما تعني هذه العبارة فيها العداء والخصام، وفيها الود والسلام وتبادل المنافع.
وكان للمجاملات مكان واسع في علاقات الدولتين، حيث كانت تأتي الوفود من إحداهما إلى الآخرى للتهنئة بحدث سعيد، كتولية خليفة أو إمبراطور، فعندما تم بناء بغداد في عهد أبي جعفر المنصور أرسلت الدولة البيزنطية وفدا للتهنئة برئاسة أحد البطارقة، فاستقبل الوفد في بغداد استقبالا لائقا، أمر المنصور وزيره الربيع بن يونس أن يطوف بالوفد ربوع المدينة الجديدة ويشرح له معالمها «٢» والطريف أن البطريق كانت له عدة ملاحظات أبداها للخليفة الذي اهتم بها وعمل ببعضها «٣» .
* التعاون بين الدولتين في المجالات العمرانية:
لم تكن الدولة البيزنطية ترسل وفودها إلى عاصمة الخلافة الإسلامية للتهنئة بإنجاز
стр. 283
المشروعات العمرانية فحسب كما حدث بعد تمام بناء بغداد، وإنما كانت تشارك في تلك المشاريع بالخبرة الفنية ومواد البناء، بل بالأموال، مما يدل على حسن العلاقات والود المتبادل، ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما حدث في عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك (٨٦- ٩٦ هـ/ ٧٠٥- ٧١٥ م) حيث عزم على تجديد المسجد النبوي في المدينة المنورة، وبناء المسجد الأموي بدمشق، وعندئذ طلب من إمبراطور الروم- كما يروي الطبري «١» - أن يعينه في ذلك، فبعث إليه مائة ألف مثقال ذهب، ومائة عامل، وأربعين حملا من الفسيفساء، فبعث الوليد كل ذلك إلى والي المدينة، ابن عمه عمر بن عبد العزيز، الذي أشرف على تجديد وتجميل المسجد النبوي. كذلك فعل الوليد عند بناء مسجد دمشق، فأمده الإمبراطور بالفنيين ومواد البناء والزخرفة والأموال، وهذه صورة مشرقة للتعاون بين الدولتين وقيمة هذا التعاون المعنوية تفوق قيمته المادية بكثير، فاشتراك المال البيزنطي، والعمال والخبرة الفنية البيزنطية في مشاريع عمرانية إسلامية عمل عظيم، وعند ما تكون هذه المشاريع دور عبادة، أي مساجد، تكون الدلالة أعظم على حسن العلاقات وما يسودها من تسامح بين أكبر دولتين في ذلك الزمان، إحداهما إسلامية والآخرى مسيحية.
* تبادل الهدايا بين الخلفاء والأباطرة:
تبادل الهدايا بين رؤساء الدول في المناسبات تقليد قديم، وقد عرفته الدولة الإسلامية منذ قيامها في عصر النبوة، وكان النبي ﷺ يهدي إلى الوفود التي تأتي إليه ويتقبل الهدايا من رؤساء الدول، فقد أهدى إليه المقوقس- حاكم مصر- كثيرا من الهدايا «٢» منها جاريتان، هما مارية القبطية التي تسرى بها النبي، وأنجب منها ابنه إبراهيم، وأختها سيرين، التي أهداها إلى شاعره حسان بن ثابت، وكان يحث أصحابه على التهادي فيما بينهم، ومن أقواله في ذلك: «تهادوا تحابوا فإن الهدية تفتح الباب المصمت، وتسل سخيمة القلب» ويروى أنه كان من آخر نصائحه لأصحابه قوله: «أجيزوا الوفد بمثل ما كنت أجيزهم به» يعني أعطوا الوفود التي تأتي إليكم هدايا كما كنت أفعل، وهذا التوجيه موجه لمن يلي الأمر بعده؛ أي: إلى
стр. 284
الخليفة رئيس الدولة.
وقد درج الخلفاء على هذا التقليد وحافظوا عليه، بل من الطريف أن زوجات الخلفاء كن يبعثن الهدايا إلى زوجات الأباطرة، فقد روى الطبري «١» أن عمر بن الخطاب أرسل وفدا إلى القسطنطينية، إلى الإمبراطور هرقل، في أمر يخص العلاقات بين الدولتين، فبعثت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب التي كانت زوجا لعمر إلى زوجة الإمبراطور بعض الهدايا منها الطيب، وأشياء تخص النساء، سماها الطبري «أخفاش من أخفاش النساء» دسته إلى الوفد وأمرت بتسليمه إليها، فلما وصلت هدايا أم كلثوم إلى زوجة الإمبراطور فرحت بها، وجمعت زوجات كبار رجال الدولة، وأعطتهن منها وقالت لهن: أشرن علي في هدية جاءتني من بنت نبي العرب وزوجة أميرهم، فأشرن عليها أن تكون هديتها إلى أم كلثوم غالية وثمينة، فبعثت إليها بهدايا كثيرة، وكان فيها عقد فاخر، من الأحجار الكريمة، فلما عاد الوفد الإسلامي إلى عمر بن الخطاب، ورأى العقد سأل عنه، فأخبروه الخبر، فدعا الناس إلى صلاة جامعة في مسجد الرسول، وخاطبهم قائلا: «لا خير في أمر أبرم عن غير شورى من أموري، قولوا في هدية أهدتها أم كلثوم لامرأة ملك الروم، فأهدت لها امرأة ملك الروم. فقال قائلون: هو لها بالذي لها- يعني هدية بهدية- وليست امرأة الملك بذمة لك فتصانع، ولا تحت يدك فتتقيك، فقال: لكن الرسول رسول المسلمين، والبريد بريدهم ... فأمر برده- العقد- إلى بيت المال، ورد عليها- أم كلثوم- بقدر نفقتها» «٢» أي: إن عمر رأى أن الخيول التي حملت الهدايا ملك للدولة، والرجال الذين أوصلوها موظفين في الدولة، ولا ينبغي أن تستخدمهم زوجته في أغراض شخصية، ولذلك صادر العقد، ووضعه في بيت المال، وعوضها عن قيمة هداياها، التي كانت بسيطة يسيرة، ودلالة هذه القصة على نزاهة الخليفة وأهل بيته عن المال العام جلية ظاهرة، وهي أيضا دلالة على أن الإسلام يحبذ العلاقات الودية بين المسلمين وجيرانهم، ولا يمانع في تبادل الهدايا معهم.
ومن الجدير بالذكر في هذه القصة أن الخليفة العظيم عمر بن الخطاب لم يتعرض إلى ما قامت به زوجته من الاتصال بزوجة الإمبراطور، وتبادل الهدايا معها- ولم
стр. 285
يعترض عليه- وإنما كانت تصرفه برد الهدايا الثمينة إلى بيت المال، لفرط حساسيته نحو المال العام.
إن سجل العلاقات بين الدولتين الإسلامية والبيزنطية حافل بأخبار تبادل الهدايا بين الخلفاء والأباطرة، فلم يكن وفد يحضر من إحدى عاصمتي الدولتين إلى الآخري دون أن يحمل معه الهدايا والطرف التي تليق بشخص الخليفة إن كانت قادمة من القسطنطينية، وبشخص الإمبراطور إن كانت آتية من عاصمة الخلافة، وكان من التقاليد المتبعة أن الوفد عند ما يصل إلى الحدود يستقبل استقبالا لائقا من قبل وفد من البلد المضيف، ويكرمهم وبصحبهم إلى مقابلة الخليفة أو الإمبراطور إن كان ذلك ضروريّا، وقبل ذلك يلقنهم الآداب والتقاليد التي يجب أن تراعى عند مقابلة رئيس الدولة «١» .
وليس بالوسع في هذا البحث استقصاء كل الأخبار المتعلقة بتبادل الهدايا بين الخلفاء والأباطرة، ولذلك نقتصر على ذكر نماذج منها تكفي للدلالة على حسن العلاقات بين الدولتين، وجنوحهما إلى السلام وحسن الجوار، على الرغم مما بينهما من خلافات.
من تلك النماذج ما حدث بين الخليفة العباسي هارون الرشيد، ومعاصره الإمبراطور البيزنطي نقفور، اللذين بدأت علاقاتهما بداية سيئة وتبادلا الرسائل ذات اللهجة الشديدة، بل وصل الأمر إلى حد الاشتباك المسلح- على الحدود- كما سبقت الإشارة- لكنهما سرعان ما جنحا إلى السلم، ودخلت علاقاتهما في دور سلمي، وتبادلا الرسائل الودية ذات اللهجة الهادئة، كما تبادلا الهدايا، وأخذت الوفود تترى بينهما وكانت وفودا على مستوى عال، وكان من تلك الوفود وقد أتى من قبل الإمبراطور إلى الرشيد يحمل رسالة وبعض الطلبات الشخصية وقد لباها الرشيد كلها. يقول الطبري: «وكتب نقفور مع بطريقين من عظاماء بطارقته في جارية من سبي هرقلة «٢» كتابا، نسخته لعبد الله هارون أمير المؤمنين من نقفور ملك الروم، سلام عليكم، أما بعد: أيها الملك إن لي إليك حاجة لا تضرك في دينك ولا دنياك، هينة يسيرة؛ أن تهب لابني جارية من بنات أهل هرقلة، كنت قد
стр. 286
خطبتها على ابني، فإن رأيت أن تسعفني بحاجتي فعلت، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. واستهداه أيضا- أي: طلب منه- طيبا وسرداقا من سرداقاته فأمر الرشيد بطلب الجارية فأحضرت، وزينت وأجلست على سرير في مضربه الذي كان نازلا فيه، وبعث إليه بما سأل من العطور، وبعث إليه من التمور والأخبصة والزبيب والترياق. فسلّم ذلك كله إليه رسل الرشيد، فأعطاهم نقفور وقر دراهم إسلامية، على برذون كميت كان مبلغه خمسين ألف درهم، ومائة ثوب ديباج، ومائتي ثوب بزيون، واثني عشر بازيا، وأربعة كلاب من كلاب الصيد، وثلاثة براذين» «١» .
هذا أنموذج رائع على حسن العلاقات بين الخليفة والإمبراطور، فتبادل الرسائل الودية والهدايا والطرف بينهما، بعد التوتر الذي ساد علاقاتهما في البداية دليل ناصع على رغبة كل منهما في السلام، وفتح صفحة جديدة من العلاقات الودية وحسن الجوار، ومن اللافت للنظر أن:
١- رسالة الإمبراطور على الرغم من قصرها كانت ودية وقد بدأها بالسلام، وهذه تحية المسلمين بعضهم لبعض، وهذا أمر له دلالته، ولم يكتب اعتباطا، بل يستشف منه الاحترام والتقدير للخليفة.
٢- أن الخليفة استقبل الوفد الإمبراطوري استقبالا يليق بمقام مرسله، وأجاب كل طلباته، بل زاد عليها من التحف والطرف العربية.
٣- وزيادة في التكريم وإظهار الود نحو الإمبراطور، أمر هارون الرشيد بتزيين الجارية وجلوسها في جناحه الخاص الذي يجلس فيه قبل سفرها إلى خطيبها، ابن الإمبراطور، وهذه لفتة كريمة تستحق التنويه.
٤- وفوق هذا كله فإن هارون الرشيد لم يرسل الجارية والهدايا وطلبات الإمبراطور مع الوفد الذي حضر من القسطنطينية، وإنما تصرف تصرفا يليق بالملوك، فقد أرسل كل هذا مع وفد خاص من قبله.
٥- أن الوفد الإسلامي عند ما وصل إلى القسطنطينية استقبله الإمبراطور على الفور، وأظهر سروره بإجابة الخليفة لمطالبه وحملهم بالهدايا العظيمة التي مر ذكرها.
ومما يجدر ذكره في هذه المناسبة أن سجلات البروتوكول البيزنطي حافلة
стр. 287
بالمعلومات والأدلة على أن أباطرة بيزنطة كانوا يضعون الوفود الإسلامية ومبعوثي الخلفاء في مرتبة أعلى من جميع الوفود الأجنبية التي كانت تأتي لمقابلتهم «١» .
وهناك أنموذج آخر من نماذج حسن العلاقات بين الدولتين، وجنوح العاهلين الكبيرين إلى السلام، ونختم به هذا البحث، وذلك هو ما حدث بين الخليفة المأمون ابن الرشيد وبين الإمبراطور تيوفيلوس، فقد بدأت صفحة علاقاتهما عدائية، كما هو الحال بالنسبة للرشيد ونقفور، ولكن سرعان ما جنحا إلى السلام، وحسن الجوار، وقد سبق أن ذكرنا بعض الرسائل التي تبادلاها لتحقيق تلك الأهداف والآن نشير إلى وفد حضر من قبل الإمبراطور إلى بغداد محملا بالهدايا إلى الخليفة المأمون.
لقد كان الوفد رفيع المستوى، رأسه أحد رجال البلاط البيزنطيين البارزين ويدعى يوحنا، ومما يلفت النظر أنه قيل: إن من بين أسباب حضور ذلك الوفد إلى بغداد إعلام الخليفة المأمون بارتقاء تيوفيلوس عرش الإمبراطورية «٢» ، وهذا في حد ذاته دليل واضح على الميل إلى توطيد العلاقات بين أكبر حاكمين في العالم في زمانهما.
وقيل: إن من بين أهداف الوفد أنه كان مكلفا من الإمبراطور شخصيّا بالاطلاع على المنشات والقصور التي بناها العباسيون في بغداد، ورسم نماذج لها لبناء مثلها في القسطنطينية؛ لأن الإمبراطور نفسه كان معجبا بالحضارة الإسلامية بصفة عامة والفنون المعمارية الإسلامية بصفة خاصة، وقد قام المبعوث الإمبراطوري بهذه المهمة، يقول أكبر مؤرخي الإمبراطورية الرومانية جيبون: «وقد سمح اقتصاد الإمبراطور تيوفيلوس بحال أكثر حرية وسعة في الترف والبهاء الداخلي، وقدم سفير مقرّب، كان قد أدهش العباسيين بكبريائه وكرمه وقدم بعد عودته أنموذجا لقصر كان خليفة بغداد قد شيده حديثا على شواطئ نهر دجلة، فحوكي الأنموذج في التوّ، وزيد عليه» «٣» .
وهذا برهان على تأثير الحضارة الإسلامية في الحضارة البيزنطية في فنون العمارة بعد أن كان المسلمون هم الذين يأخذون نماذج من الفنون المعمارية البيزنطية ويتأثرون بها، ولا ضير من ذلك على أي من الحضارتين، فالأخذ والإعطاء، والتأثير والتأثر
стр. 288
من سمات الحضارات الإنسانية الحية.
ومن الطريف أيضا أنه قيل: إن المبعوث الإمبراطوري كان مكلفا من الإمبراطور شخصيّا بمهمة سرية في بغداد، وهي الاتصال بالقائد البيزنطي مانويل، الذي كان قد هرب إلى بغداد في وقت سابق ووعده بالعفو عنه إن عاد إلى القسطنطينية، ويبدو أن المبعوث الإمبراطوري قد نجح في تلك المهمة السرية، حيث عاد مانويل فعلا إلى بيزنطة هكذا كانت الوفود والبعثات لا تكف عن التردد بين أكبر عاصمتين لأكبر دولتين في العصور الوسطى، بغداد والقسطنطينية محملة بالهدايا والطرف من هنا وهناك، وفي ختام هذا البحث أرجو أن أكون قد وفقت في إلقاء بعض الضوء على صفحة من العلاقات بين المسلمين والبيزنطيين، لا زالت في حاجة إلى مواصلة البحث والتنقيب للعثور على المزيد من الاتصالات والمبادلات في الميادين السلمية بين الطرفين، لتزيل من الأذهان تلك الأفكار التي ترسبت فيها، بأن علاقات الدولتين كانت كلها حروبا وسفك دماء وتعصبا، ولا شك في أن إبراز تلك الجوانب الطيبة من العلاقات الودية وحسن الجوار والجنوح إلى التعايش السلمي، وجو التسامح الذي كان يسود في كثير من الأحيان، لا شك أن كل ذلك يسهم في صياغة علاقات حسنة بين الشرق الغرب في عصرنا الحاضر، نحن أحوج ما نكون إليها، فلا أحد يجني الخير من العداء والتعصب، بل الخير كل الخير للإنسانية كلها في التسامح وتبادل المنافع وإشاعة روح الود والتعاطف بين أبناء آدم، وهذه كلها أمور تحثنا عليها أدياننا السماوية.
كما لا يفوتني أن أقدم الشكر وافرا وجزيلا لجامعتي فلورنسا والأزهر على عقد هذه الندوة ونرجوهما المزيد.
وعلى الله قصد السبيل ومنه العون والتأييد.
стр. 289
بحوث في السّيرة النّبويّة والتّاريخ الإسلاميّ قراءة ورؤية جديدة
[البحث الحادي عشر] الأمويون ودورهم في نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس
стр. 290
الأمويون ودورهم في نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس
ملخص البحث
المعنون: «الأمويون ودورهم في نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى أسبانيا» الذي سيقدم إلى المؤتمر الدولي الذي تنظمه رابطة الجامعات الإسلامية بالتعاون مع معهد الفتح الإسلامي بدمشق وكلية الدراسات الأندلسية بغرناطة، والذي سيعقد في أسبانيا في صيف سنة (٢٠٠٣ م) تحت عنوان: «أثر الحضارة العربية الإسلامية في الغرب ودور أسبانيا في نقلها» .
قبل أن أقدم ملخصا لبحثي الذي سأتقدم به إلى ذلك المؤتمر أود أن أعبر عن إحساس بالسعادة الغامرة حين دعيت للإسهام في ذلك المؤتمر العلمي المهم لأسباب كثيرة، أهمها أن انعقاد هذا المؤتمر يجيء في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى أن نبعث من جديد صفحات طيبة من قصة العلاقات الطويلة والمتشابكة والمعقدة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، ولقد عرفت تلك العلاقات كثيرا من المواجهات العنيفة، وعرفت كذلك كثيرا من أوجه التعاون بصفة خاصة في الميدان العلمي، ومن مصلحة الطرفين الآن بعث وتزكية أوجه التعاون، وعلى الأخص صفحات إسهامات الحضارة العربية الإسلامية في إخراج أوربا من عصورها الوسطى المظلمة وتهيئتها لعصر النهضة، ولقد كانت «الأندلس» - أسبانيا والبرتغال- بلا جدال أهم حلقات الوصل والمعابر التي سلكتها الحضارة العربية الإسلامية إلى أوربا.
ومما يزيد من أهمية ذلك المؤتمر أنه يجيء في وقت يمر فيه العالم بظروف صعبة للغاية بل لا أبالغ إذا قلت: إن العالم لم يمر طوال تاريخه بظروف أقسى وأصعب من تلك الظروف التي يمر بها الآن ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين حيث تسيطر الأنانية والكراهية والأحقاد واستقواء الأقوياء على الضعفاء، وحيث تشن الحروب غير المشروعة وغير المبررة تارة بحجة تحرير الشعوب من حكامها الطغاة الظلمة، وتارة أخرى بحجة المحافظة على حقوق الإنسان، غير أن الأهداف الحقيقية الكامنة وراء تلك الحروب، وهي السيطرة على ثروات الشعوب والهيمنة وبسط النفوذ أظهر من أن تخفى على أحد.
في هذه الفترة العصيبة من تاريخ العالم ترتفع صيحات عجيبة وغريبة بنظريات أعجب وأغرب، مثل نظرية أو مقولة «صراع الحضارات» وليس في أدبيات التاريخ
стр. 291
البشري أكذب من هذه المقولة، لسبب بسيط، وهو أن كلمتي صراع وحضارة تتناقضان تمام التناقض، والمسافة بينهما أبعد مما بين المشرق والمغرب؛ لأن الحضارة تسامح وحب وعطاء، وكلها مفردات بعيدة كل البعد عن الصراع، فالإنسان المتحضر حضارة حقيقية لا يعرف إلا الحب والتسامح فإذا كان قويّا أخذ بيد الضعيف ورفع عنه الظلم، وإذا كان غنيّا عطف على الفقير وأعانه على أمره، وكذلك تفعل الدول القوية إذا كانت متحضرة حضارة حقيقية.
أما الصراع فلا يمكن أن يكون بين حضارات، وإنما يحدث الصراع من أجل السيطرة والهيمنة وفرض الإرادة ومن أجل المطامع الاقتصادية ... إلخ. ولقد شهد التاريخ صراعات ومصادمات عنيفة بين مسلمين ومسلمين، وهم أبناء حضارة واحدة، وحدث الشيء نفسه بين مسيحيين ومسيحيين وهم أبناء حضارة واحدة. فالحربان العالميتان الأولى (١٩١٤- ١٩١٨ م) والثانية (١٩٣٩- ١٩٤٥ م) اشتعلتا على الأرض الأوربية في أقل من ربع قرن والذين أشعلوها أبناء حضارة واحدة. بل إن المصالح الاقتصادية والأهداف السياسية كانت تتغلب حتى على الدين فرأينا تحالفا وتعاونا يقوم بين دولة مسيحية ودولة مسلمة ضد دولة مسيحية ودولة مسلمة أخرى، كما حدث بين الأمويين في الأندلس والبيزنطيين في القسطنطينية ضد العباسيين في بغداد ودولة الفرنجة في الغرب وما حدث بين الأخيرتين من تحالف وتعاون ضد الأمويين والعباسيين وكل هذه التحالفات وراءها مصالح اقتصادية وسياسية، لا أريد أن أطيل أكثر من هذا بين يدي ملخص البحث، لأني لم أرد إلا التنويه بأهمية ذلك المؤتمر الذي يعد من وجهة نظري- تحية واجبة للحضارة العربية الإسلامية- وهي تستحقها لدورها العظيم في خدمة الحضارة الإنسانية بصفة عامة، والحضارة الأوربية بصفة خاصة. كما أحب أن أنوه بأن أعظم هدية قدمتها الحضارة العربية الإسلامية للبشرية هي التسامح، فالتسامح الذي تحلى به المسلمون الفاتحون الأقوياء مع الشعوب المغلوبة لا نظير له باعتراف كثير من الباحثين المنصفين من الأوربيين أنفسهم، الذين نذكر منهم على سبيل المثال السير «توماس أرنولد» في كتابه «الدعوة إلى الإسلام» ، والعلامة «جوستاف لوبون» في كتابه «حضارة العرب» ، والدكتورة «سيجريد هونكه» في كتابتها «شمس العرب تسطع على الغرب» .
فقد أظهر هؤلاء العلماء كيف كان تسامح المسلمين الفاتحين مع المغلوبين وتركوا لهم الحرية الكاملة في مجال العقيدة وحافظوا على أرواحهم وممتلكاتهم وكرامتهم،
стр. 292
والتسامح من جانب المسلمين مع غير المسلمين ليس منحة وامتنانا وإنما هي أوامر إلهية؛ لأن الحضارة العربية الإسلامية حضارة إيمان، أي: تؤمن بالله ورسله وكتبه ولا يتسع المجال في هذه العجالة لإيراد الآيات والأحاديث النبوية التي تأمر المسلمين أمرا جازما بالإحسان والتسامح مع غير المسلمين.
هذا المؤتمر جاء في وقته عساه أن يذكرنا بجوانب العطاء الحضاري ويعلمنا أن الحضارة حب وتسامح واحترام وتبادل منافع في كل مجالات الحياة وليست صراعا وقهرا.
أعتذر عن الإطالة وأقدم نبذة عن أهم الموضوعات التي تناولتها في بحثي وهي كالآتي:
أولا: أعطيت فكرة عن الدور الذي قام به «بنو أمية» في التاريخ العالمي، وكيف كونوا دولتهم ووطدوا أركانها وطوروا أجهزتها السياسية والإدارية وأشاعوا جوّا من التسامح مع أبناء البلاد التي فتحوها، وأشركوهم في إدارة بلادهم، مما جعل الكثيرين منهم يعتنقون الإسلام عن طواعية واختيار، وكان الحديث عن دور «بني أمية» في التاريخ ضروريّا- من وجهة نظري- لمعرفة الشجرة التي انبثق منها الفرع الذي أقام الدولة الأموية الأندلسية، وهو «عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان» ، الذي قام بمغامرة شبه أسطورية- غير مسبوقة في التاريخ- وتخطى الأهوال والصعاب وحط على أرض الأندلس ليقيم دولة عظيمة استمرت ما يقرب من ثلاثة قرون (١٣٨- ٤٢٢ هـ/ ٧٥٦- ١٠٣١ م) . ولقد كانت تلك القرون باعتراف معظم الباحثين من أعظم عصور التاريخ الأندلسي.
ثانيا: نوهت عن دور الأمويين في المحافظة على التراث الحضاري الإنساني الذي وجدوه في البلاد التي فتحوها، فكما هو معروف فتح الأمويون مناطق شاسعة من العالم القديم في آسيا وإفريقيا وأوربا، وامتدت دولتهم من حدود الصين شرقا إلى الأندلس- شبه جزيرة أيبريا- غربا، ومن آسيا الوسطى شمالا إلى المحيط الهندي جنوبا. وهذه المناطق كانت تحتوي على التراث الحضاري للأمم القديمة، مثل الصينيين والهنود والفرس وأهل العراق وأهل الشام ومصر، فضلا عن التراث العظيم للحضارتين الإغريقية والرومانية، فلقد حافظ الأمويون على هذا التراث الإنساني العظيم محافظة المحب العارف بقيمته، واستمرت مراكز العلم والفكر تؤدي دورها
стр. 293
تحت الحكم الأموي وبتشجيع من الخلفاء والأمراء، فبقيت مدارس الإسكندرية وأنطاكية ودمشق والرها ونصيبين وحران وجنديسابور ... إلخ، تعمل كما كانت بل أكثر، وكان الأمويون يدخرون ذلك التراث ليوم يجيء بحيث يكونون فيه قادرين على ترجمته إلى اللغة العربية، ولكن سقوط دولتهم مبكرا ودون توقع حال دون ذلك، وكان شرف ترجمة ذلك التراث كما هو معروف من نصيب العباسيين، ورغم قصر مدة حكم الدولة الأموية فقد كانت لهم محاولات في الترجمة مبكرة ومبشرة وواعدة أشرت إليها في ثنايا البحث.
ثالثا: اقتضى هذا البحث حديثا موجزا عن الفتح الإسلامي للأندلس لبيان المسرح الذي أدى عليه الأمويون دورهم الحضاري العظيم، ونوهت بسياستهم التي خلقت الجو المناسب لنمو وازدهار الحضارة العربية الإسلامية على أرض الأندلس.
رابعا: تحدثت- بإيجاز- عن ازدهار الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس وكيف تألقت علوم كثيرة عربية إسلامية كالفقه والتفسير والحديث واللغة العربية وآدابها والتاريخ والجغرافيا، وهذه علوم أسسها العرب المسلمون منذ بداية الفتح، فقد كانت جيوش الفتح تضم كثيرا من التابعين وهم فقهاء في الشريعة الإسلامية وعلومها، ثم تألقت علوم الطب والرياضيات ... إلخ. وفي خلال ثلاثة القرون التي حكم فيها الأمويون الأندلس كانت هي البقعة الوحيدة المضيئة في غرب أوربا، وعاشت عصرها الذهبي، وكانت المدن الأندلسية أعمر المدن في القارة الأوربية من أقصاها إلى أقصاها فكثير من الباحثين يقولون: إن سكان قرطبة- عاصمة الأمويين- كانوا يفوقون المليون مواطن، وهذا في القرن الرابع الهجري- العاشر الميلادي- لم يتأت لمدينة في العالم ولا حتى بغداد نفسها. وكانت شوارع قرطبة وغيرها من كبريات المدن الأندلسية مبلطة وتضاء بالمصابيح ليلا وترش بالمياه نهارا، وكان بها سبعون مكتبة عامة؛ لأن الولع باقتناء الكتب لم يكن وقفا على العلماء، بل كان ولعا عامّا، ويتحدث المؤرخون عن أن محلّا واحدا من محلات نسخ الكتب كان يعمل به مائة وسبعون فتاة في نسخ الكتب، وهذا شيء مذهل حقّا ويعني أن التعليم كان للجنسين، الرجال والنساء، وكانت مكتبة الخليفة الحكم المستنصر (٣٥٠- ٣٦٦ هـ/ ٩٦١- ٩٧٦ م) تضم ستمائة ألف كتاب، وأنه قرأ
стр. 294
كثيرا من هذه الكتب وعلق عليها بخط يده، تتواتر المصادر في أخبارها أنه إلى قرطبة وغرناطة وإشبيلية وطليطلة ومالقة وغيرها من المدن الأندلسية في عصر بني أمية كانت تتجه وفود طلاب العلم من بعض البلاد الأوربية للتزود بالعلوم، وتتجه وفود العواهل الأوربيين في طلب الأدوية أو أدوات الترف والزينة، وحتى أدوات الموسيقى والغناء. وكان الأغنياء في البلاد الأوربية المجاورة يفاخرون بما يقتنونه من المنسوجات والمصنوعات المعدنية الأندلسية التي لا يجدون مثلها في بلادهم. والحديث في ذلك الميدان يطول وسيجد القارئ تفصيلات أكثر في البحث.
خامسا: كان من الضروري التنويه بالدور الخطير الذي قام به الأمويون في ازدهار الحضارة العربية الإسلامية على أرض الأندلس ونقلها إلى بقية دول أوربا. فالمصادر التي أرخت للأمراء والخلفاء الأمويين الأندلسيين أجمعت على أن معظمهم كانوا واسعي الثقافة محبين للعلم والعلماء، والناس على دين ملوكهم، فلولا تشجيع الأمويين للحركة العلمية في الأندلس لما بلغت ما بلغته من ازدهار وتوهج، ومما هو جدير بالذكر أن الأمويين في الأندلس رغم انفصالهم السياسي عن الدولة العباسية في المشرق بل رغم العداء الذي استمر بينهم إلى النهاية إلا أنهم لم ينفصلوا عن المشرق حضاريّا، بل كانوا يعدون أنفسهم لمنافسة خلفاء بغداد في مجال الاحتفاء بالعلم والعلماء ولقد اجتهدوا في أن يجعلوا عاصمتهم قرطبة ندّا لبغداد في النظافة والمرافق العامة.
ولقد كان الأمويون في الأندلس متابعين جيدين للحركة العلمية في المشرق بصفة عامة وفي بغداد بصفة خاصة، وكان لهم وكلاء مقيمون إقامة دائمة في المشرق للاطلاع على كل جديد وإرساله إلى قرطبة وكثير من مؤلفات المشرقيين كانت تعرف طريقها إلى قرطبة قبل أن تقرأ في بغداد نفسها، ومشهورة قصة كتاب «الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني» الذي وصل إلى الخليفة الحكم المستنصر في قرطبة ودفع فيه ألف دينار ذهبا قبل أن يطلع عليه أحد في موطنه الأصلي في بغداد. وهذا العاهل الأندلسي كان مولعا بجمع الكتب حتى من قبل أن يلي الخلافة، وتروي المصادر أنه جمع من الكتب وحده ما يضاهي ما جمعه خلفاء بني العباس مجتمعين. ولقد حذت الطبقة الأرستقراطية في قرطبة وغيرها حذو عاهلها العالم في جمع الكتب في قصورها، بل يقال: لا يكاد يخلو بيت في قرطبة من مكتبة
стр. 295
خاصة، ومما يلفت النظر أيضا في هذا المجال أن قنوات الأمويين الثقافية لم تكن مفتوحة على الشرق الإسلامي فقط. بل فتحوا قنوات مع الدولة البيزنطية التي عرف أباطرتها ولع الأمويين بالمخطوطات اليونانية القديمة فكانت أعظم هدية يقدمها العاهل البيزنطي في القسطنطينية إلى العاهل الأموي في قرطبة هي صناديق الكتب والمخطوطات اليونانية القديمة، ومن الأمثلة على ذلك الهدية الثمينة التي أرسلها الإمبراطور البيزنطي «قسطنطين السابع» إلى الخليفة الأموي «عبد الرحمن الثالث» وكان منها كتابان، أحدهما كتاب «الأدوية المفردة» ل «ديسقوريدس» وكان باللغة اليونانية، والثاني الكتاب المعروف ب «التواريخ السبعة» ل «أورسيوس» وهو باللغة اللاتينية. أظن أن هذا القدر يكفي في هذا الملخص وسيجد القارئ الكريم كثيرا من التفصيلات عن هذه الموضوعات في ثنايا البحث كاملا إن شاء الله تعالى.
ولا يسعني في ختام هذا الموجز إلا أن أتقدم بجزيل الشكر وعظيم التقدير لرابطة الجامعات الإسلامية ومعهد الفتح الإسلامي في دمشق وكلية الدراسات الأندلسية بغرناطة على التكرم بدعوتي للإسهام في هذا المؤتمر الهام، والله ولي التوفيق.
* بنو أمية في التاريخ:
ينتسب الأمويون إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، فهم أبناء عمومة بني هاشم، الجد الثاني للنبي محمد- ﵊ فهم جميعا يلتقون في عبد مناف، فهم عرب أقحاح، ومن أصرح العرب نسبا وأعلاهم شرفا في الجاهلية والإسلام.
ولقد قامت الدولة الأموية على يد مؤسسها معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف عام (٤١ هـ/ ٦٦١ م) وهو العام الذي أطلق عليه المؤرخون عام الجماعة؛ لأنه جاء بعد ما يقرب من عقد من الزمان من الفتن والمحن والحروب الأهلية الطاحنة في الجمل وصفين، فكأن هذا الوصف جاء يحمل استبشارا بالمستقبل وتعلقت الآمال بالخليفة الجديد ليضمد جراح الأمة ويعيد لها وحدتها وانسجامها، وقد كان عند حسن الظن به، فالمؤرخون يكادون يجمعون على أن معاوية كان رجلا عظيما، سياسيّا من الطراز الأول ومن بناة الدول الكبار، يتحلى بكل الصفات اللازمة لرجل الدولة، من حسن السياسة وتأليف القلوب
стр. 296
والتسامح والكرم «١» ... إلخ وكانت النتيجة أنه جلس على سدة الحكم ما يقرب من عشرين عاما أشاع خلالها الأمن والاطمئنان في ربوع الدولة، وجعلها دولة قوية متماسكة يهابها الأعداء ويرجو نفعها الأصدقاء.
استمرت الدولة الأموية في الحكم في الشرق إحدى وتسعين سنة هجرية (٤١- ١٣٢ هـ/ ٦٦١ م- ٧٥٠ م) تولى الحكم خلال هذه المدة من بني أمية أربعة عشر خليفة، أولهم معاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة، وآخرهم مروان بن محمد بن مروان (١٢٧- ١٣٢ هـ/ ٧٤٥- ٧٥٠ م) .
وكان من هؤلاء الخلفاء رجال عظاماء، سهروا على رعاية شؤون الدولة ومد حدودها وحماية تلك الحدود، وكان لديهم إحساس عميق بالمسؤولية، مثل معاوية بن أبي سفيان (٤١- ٦٠ هـ/ ٦٦١- ٦٨٠ م) وعبد الملك بن مروان (٦٥- ٨٦ هـ/ ٦٨٥- ٧٠٥ م) والوليد بن عبد الملك (٨٦- ٩٦ هـ/ ٧٠٥- ٧١٥ م) وسليمان ابن عبد الملك (٩٦- ٩٩ هـ/ ٧١٥- ٧١٨ م) وعمر بن عبد العزيز (٩٩- ١٠١ هـ/ ٧١٨- ٧٢٠ م) وهشام بن عبد الملك (١٠٥- ١٢٥ هـ/ ٧٢٤- ٧٤٣ م) .
وكان منهم رجال صغار- في الحقيقة لا يستحقون وصف الرجال- لأنهم لم يكونوا أكفاء لإدارة دولة اتسعت رقعتها وامتدت حدودها من الصين شرقا إلى جنوب غرب أوربا غربا، ومن آسيا الوسطى شمالا إلى المحيط الهندي جنوبا، ومن هؤلاء يزيد بن عبد الملك (١٠١- ١٠٥ هـ/ ٧٢٠- ٧٢٤ م) وابنه الوليد بن يزيد (١٢٥- ١٢٦ هـ/ ٧٤٣- ٧٤٤ م) وابنا عمه يزيد بن الوليد (١٢٦- ١٢٧ هـ/ ٧٤٤- ٧٤٥ م) وإبراهيم بن الوليد (١٢٧ هـ/ ٧٤٥ م) فقد أسهم هؤلاء بعجزهم السياسي والإداري في سقوط الدولة إلى جانب المشكلات الكثيرة والخطيرة التي تكالبت عليها، وعلى الرغم من أن الخليفة الأموي الأخير مروان بن محمد بن مروان (١٢٧- ١٣٢ هـ/ ٧٤٥- ٧٥٠ م) كان رجلا يعد من الكبار إلا أنه لم يستطع أن يوقف التدهور الذي أدى بالدولة إلى السقوط؛ لأن المشكلات كانت أكبر منه، وليس هنا مجال شرح الأسباب.
стр. 297
ومع أن هذا البحث ليس معنيّا بالتأريخ للدولة الأموية الأم في المشرق، إلا أنني رأيت أنه من الضروري أن تقال كلمة عن تلك الدولة، لنتعرف على أصل الشجرة التي انبثق منها الفرع الذي شاد الدولة الأموية في الأندلس، وهو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، ولنتعرف على الدور العظيم الذي قام به الأمويون في الشرق في الحفاظ على التراث الحضاري العالمي وصيانته، وهو التراث الذي نهلت منه الحضارة العربية الإسلامية في الشرق والغرب على السواء.
عند ما أسس معاوية الدولة الأموية سنة (٤١ هـ/ ٦٦١ م) . واتخذ من دمشق عاصمة لها، كانت تتكون من شبه جزيرة العرب بكاملها، والعراق وكل أراضي الدولة الساسانية القديمة والشام ومصر، بل امتد نفوذها إلى تونس الحالية، وقبل نهاية القرن الهجري الأول أوصل الأمويون حدودها إلى الصين شرقا وإلى شبه جزيرة إيبيريا غربا. فقد أكملوا فتح الشمال الأفريقي كله حتى المحيط الأطلسي، ثم عبروا مضيق جبل طارق وفتحوا الأندلس- شبه جزيرة إيبيريا- بل فتحوا جزآ لا بأس به من جنوب فرنسا، ثم فتحوا آسيا الوسطى، أو ما سماه المسلمون بلاد ما وراء النهر، ثم فتحوا إقليم السند في شبه القارة الهندية، وهو فتح لا يزال بعض المؤرخين في حيرة من أمره وفي ارتباك شديد في تفسير أسبابه وسرعته.
ولكن الأمر الذي يكاد يجمع عليه المؤرخون المنصفون في الشرق والغرب أن هذا الفتح لم يكن فتحا عسكريّا للسيطرة على الشعوب ونهب خيراتها وتدمير منشاتها بل كان فتحا دينيّا ولغويّا وثقافيّا، حيث بدأ الإسلام واللغة العربية ينتشران في البلاد المفتوحة بخطى حثيثة، والذي يدرس تاريخ البلاد التي فتحها المسلمون في قارات العالم القديم- آسيا وإفريقيا وأوربا- بحياد وإنصاف ونبذ للتعصب والحقد، يدرك الفرق بين ما كانت عليه تلك البلاد قبل الفتح من تخلف وما أصبحت فيه بعد الفتح من تقدم وازدهار ورقي حضاري غير مسبوق، ويدرك أن مجمل الأوضاع الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد المفتوحة قد تغيرت إلى الأحسن والأفضل وأن شعوب تلك البلاد شعرت بالأمن والاطمئنان، والكرامة الإنسانية.
ولا بأس من التذكير هنا بشهادة بعض أبناء البلاد التي فتحها المسلمون في العصر الأموي لمعرفة الفرق بين ما كانت عليه وما صارت إليه تحت الحكم العربي الإسلامي.
стр. 298
يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي عن السند قبل أن يدخلها الإسلام «١» : «كانت هذه البقعة من الأرض وما جاورها من البلدان تعيش في عزلة عن العالم يحكمها ولاة يعتبرون أنفسهم آلهة على الأرض، والناس كانوا يكفرون بين أيديهم ويقدسونهم كتقديس العبد لربه، وكانت الأرض وخيراتها ملكا لهم، والناس عبيد عندهم يفعلون ما شاؤوا ويحكمون بما أرادوا، الرقاب تحت سيوفهم، والأعراض رهينة شهواتهم، الضعيف المكافح كان أذل من الحيوان، ولم يكن الشرف إلا بالوراثة، أما من ناحية العقيدة فلم تكن هناك ديانة واحدة، بل ديانات متفرقة، ليس فيما بينها رابط جامع، وكل ما في الأمر أنهم كانوا يعتزون بطقوس وتقاليد ورثوها من آبائهم، وتمسكوا بها جهلا وغرورا. إن دخول الإسلام بلاد السند وبلاد الهند كان فاتحة عصر جديد، عصر علم ونور، وحضارة وثقافة ... » ثم يقول:
«لم يكن العرب المسلمون من طراز أولئك الغزاة، الذين إذا دخلوا قرية أفسدوها، واعتبروها بقرة حلوبا، أو ناقة ركوبا، يحلبون ضرعها، ويركبون ظهرها ويجزون صوفها، ثم يتركونها هزيلة عجفاء. ولا يعتبرون أنفسهم إلا كالإسفنج يتشرب الثروة من مكان ويصبها في مكان آخر، كما كان شأن الإنجليز في الهند، وفرنسا في الجزائر والمغرب الأقصى، وإيطاليا في طرابلس وبرقة، وهولندا في أندونيسيا. بل وهب العرب البلاد التي فتحوها أفضل ما عندهم، من عقيدة ورسالة وأخلاق وسجايا، ومقدرة وكفاية، وتنظيم وإدارة، أقبلوا عليها بالعقل النابغ والشعور الرقيق، والذوق الرفيع، والقلب الولوع، واليد الحاذقة الصنّاع، فنقلوها من طور البداوة إلى طور الحضارة، ومن عهد الطفولة إلى عهد الشباب الغض؛ فأمنت بعد خوف، واستقرت بعد اضطراب، وأخذت الأرض زخرفها، وبلغت المدنية أوجها، وتحولت الصحاري الموحشة والأرض القاحلة إلى مدن زاخرة وأرض خصبة، وتحولت الغابات إلى حدائق ذات بهجة، والأشجار البرية إلى أشجار مثمرة مدنية، ونشأت علوم لا علم بها للأولين، وفنون وأساليب في الحضارة لا عهد لهم بها في الماضي، وانتشرت التجارة وازدهرت الزراعة، فكأنما ولدت هذه البلاد في العهد الإسلامي ميلادا جديدا ولبست ثوبا قشيبا..» ا. هـ.
هذه شهادة واحد من أبناء الطرف الشرقي للدولة الإسلامية، وإليك شهادة
стр. 299
واحد من أبناء الطرف الغربي وهو العلامة المستشرق الفرنسي جوستاف لوبون الذي يوضح الفرق بين الأندلس- أسبانيا- قبل وبعد الفتح الإسلامي فيقول «١» : «كانت أسبانيا النصرانية ذات رخاء قليل وثقافة لا تلائم غير الأجلاف في زمن ملوك القوط، ولم يكد العرب يتمّون فتح أسبانيا حتى بدؤوا يقومون برسالة الحضارة فيها، فاستطاعوا في أقل من قرن أن يحيوا ميت الأرضين، ويعمروا خراب المدن، ويقيموا أفخم المباني، ويوطدوا وثيق الصلات التجارية بالأمم الآخرى، ثم شرعوا يتفرغون لدراسة العلوم والآداب، ويترجمون كتب اليونان واللاتين وينشؤون الجامعات، التي ظلت وحدها ملجأ للثقافة في أوربة زمنا طويلا، وأخذت حضارة العرب تنهض منذ ارتقاء عبد الرحمن الداخل- (١٣٨- ١٧٢ هـ/ ٧٥٦- ٧٨٨ م) - إلى العرش على الخصوص، أي منذ انفصال أسبانيا ... في سنة (١٣٨- ٧٥٦ م) فغدت قرطبة بالحقيقة أرقى مدن العالم القديم مدة ثلاثة قرون ... وكانت دارا للعلوم والفنون والصناعة والتجارة، وتستطيع أن تقابلها بعواصم دول أوربة العظمى الحديثة» ا. هـ.
هناك عشرات الشهادات لباحثين غربيين يعترفون بفضل العرب والإسلام وحضارته لا على أوربا وحدها، بل على العالم بأسره ويكفي أن يقرأ الإنسان كتاب جوستاف لوبون «حضارة العرب» أو كتاب آدم متز «الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري» ، أو كتاب توماس أرنولد «الدعوة إلى السلام» أو كتاب سيجريد هونكه «شمس العرب تسطع على الغرب» ليعرف الحقيقة الساطعة، والخلاصة أن الأمويين لم يكونوا فاتحين ورجال إدارة وسياسة بارعين فحسب، بل كانوا صناع حضارة بكل ما تعني الكلمة، كما أن عصرهم هو العصر الوحيد في التاريخ الإسلامي كله الذي كانت كلمة الدولة الإسلامية والعالم الإسلامي تؤدي معنى واحدا، أو بمعنى آخر كان العالم الإسلامي كله من حدود الصين إلى أسبانيا دولة واحدة يرأسها رجل واحد يحكمها من عاصمة واحدة- هي دمشق- جيش واحد وسياسة واحدة. وقانون واحد- مع مراعاة خصوصيات الشعوب المفتوحة مراعاة كاملة- بل على الرغم من قصر مدة حكم الدولة الأموية نسبيّا- أقل من قرن- إلا أن التسامح وحسن السياسة، والمعاملة الطيبة لأبناء الشعوب المفتوحة، وإشراكهم في حكم بلادهم ورعاية العهود والمواثيق معهم رعاية كاملة، والوفاء بها، كل ذلك
стр. 300
أدى إلى خلق مناخ صحي وهيأ الجو لأبناء البلاد المفتوحة للإقبال على اعتناق الإسلام «١» . بل أدى إلى تناسق في السلوك الأخلاقي وفي العادات والتقاليد في جميع البلاد المفتوحة وأصبح هناك عالم إسلامي واحد.
يقول الأستاذ جاك- ريسلر «٢» -: «في عصر الأمويين، في القرنين السابع والثامن الميلاديين- الأول والثاني الهجريين- وعلى الرغم من تنوع الأجناس والشعوب التي تشكل الإسلام، كان المسلمون، يبينون سلفا عن خصائص متشابهة، وعلى الرغم من كل ما يمكن أن يفرق بين حضر وبدو، أغنياء وفقراء، كانوا يسلكون تقريبا مسلكا واحدا، ذلك أن أية عقيدة تقوم على أسس ثابتة، وتحدث ردود فعل مماثلة عند أقوام متفاوتة. وقد وضع القرآن قواعد التصرفات اليومية للناس، وخلق الجو المعنوي للحياة، حتى تغلغل شيئا فشيئا في الأفكار، فانتهى بتشكيل متناسق للعقليات والأخلاق، كما كان تأثير الدين عظيما بسبب انتشار اللغة وبسبب نتائج السياسة الخارجية المشتركة وكذلك بسبب نظام اجتماعي معمم» ا. هـ.
هذا ما يمكن أن يقال بإيجار شديد عن الدولة الأموية في الشرق كتوطئة أو تمهيد لمعرفة الدور العظيم الذي قام به الفرع الأموي الذي أقام الدولة الأموية في أسبانيا- الأندلس أو شبه جزيرة إيبيريا- في النهضة الحضارية الهائلة التي قامت على تلك الأرض، ثم أفاضت على بقية دول أوربا وكانت من أهم روافد الحضارة التي قامت عليها النهضة الأوربية نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة.
* الأمويون والحضارة الإنسانية:
يعرف مؤرخو الحضارة العربية الإسلامية جهود العباسيين في ترجمة التراث العلمي العظيم الذي خلفه الأقدمون في كل اللغات التي كتب بها ذلك التراث، مثل اللغة الهندية والفارسية والسريانية والعبرية واليونانية واللاتينية ... إلخ يعرف مؤرخو الحضارة العربية الإسلامية ذلك الجهد العظيم للعباسيين ويشيدون به؛ لأنه إنقاذ للحضارة الإنسانية وحفظ لها من الضياع، فلولا ترجمة هذا التراث إلى اللغة العربية لضاع على الإنسانية كنز حضاري لا يعوض، واختفت علوم كثيرة مثل
стр. 301
الطب والهندسة والكيمياء والفيزياء والفلك والرياضيات والفلسفة ... إلخ تقول الدكتورة سيجريد هونكه «١» : «إن ما قام به العرب لهو عمل إنقاذي له مغزاه الكبير في تاريخ العالم، وإن حضارة قد هوت وتحطمت، وكانت على وشك الفناء أمام أعين خالقيها، الذين صار لهم الآن هدف آخر يسعون إليه، ولا يمت لهذا العالم بصلة، فما بقي من هذه الحضارة يجب أن تشكر عليه البشرية اليوم العرب وحبهم للعلم» ا. هـ.
ولقد أخذ العباسيون حقهم من الاعتراف والإشادة بعملهم العظيم في خدمة الحضارة الإنسانية بما ترجموا وبما ابتكر العلماء وأضافوا وبما صححوا من أخطاء السابقين ونقحوا، غير أن الأمويين لم يأخذوا حقهم في هذا المجال إلى الآن؛ لأن ما قاموا به من الحفاظ على التراث الحضاري الإنساني القديم وصيانته من الضياع لا يقل أبدا عما قام به العباسيون. لقد فتح الأمويون مناطق كثيرة في قارات العالم القديم- آسيا وإفريقيا وأوربا- وامتدت دولتهم من حدود الصين شرقا إلى شبه جزيرة أيبيريا غربا ومن آسيا الوسطى شمالا إلى المحيط الهندي جنوبا- كما سبقت الإشارة- وهذه المساحة الشاسعة من الأرض كانت تحتوي على الكنوز الحضارية التي تركتها الأمم القديمة، مثل الهنود والصينيين والفرس واليونانيين والرومان والمصريين ... إلخ. فماذا صنع الأمويون بهذا التراث الحضاري العظيم خلال ما يقرب من قرن من الزمان؟ لقد حافظوا عليه وصانوه صيانة كاملة فلم تمتد إليه يد التخريب والتدمير، ولم يسجل التاريخ حادثة واحدة أقدم فيها المسلمون خلال العصر الأموي على المساس عمدا بأي أثر حضاري «٢» ، رغم كثرة الحروب سواء مع غير المسلمين أو مع الثائرين عليهم من المسلمين الشيعة والخوارج والطامعين في الحكم من أمثال المختار بن أبي عبيد الثقفي وعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ويزيد بن
стр. 302
المهلب بن أبي صفرة وغيرهم ... إلخ.
والحروب عادة تكون مصحوبة بعمليات هدم وتدمير وإحراق وسلب ونهب، أما حروب المسلمين في العصر الأموي فقد برئت من هذا كله، وكانت حروبا نظيفة؛ لأن المسلمين قرؤوا كتاب ربهم وسنة نبيهم، وتوجيهاته في عدم المساس بالأهداف المدنية على إطلاقها، فقد نهى النبي ﷺ عن هدم المباني العامرة وحرق الزروع والأشجار؛ لأن الإسلام جاء ليعمّر الحياة لا ليهدمها ويدمرها. ولقد كان المسلمون يعون الإشارات التي كانت تصدر من النبي ﷺ في هذا المجال ويعملون بها، فعند ما فتح النبي ﷺ خيبر، كان ضمن الغنائم بعض صحائف من التوراة وقد طلب اليهود استثناءها من الغنائم التي حصل عليها المسلمون الفاتحون وتسليمها لهم لأهميتها عندهم، فأمر النبي ﷺ بتسليمها لهم، وهذا غاية الاحترام لتراث الآخرين حتى ولو كانوا مغلوبين.
ولقد كان الأمويون يعرفون قيمة العلوم القديمة- ولقد ترجمت في عهدهم بعض العلوم الطبية- كما سنشير إلى ذلك فيما بعد. ولكن وسائلهم لم تكن كافية للقيام بعملية ترجمة في كل العلوم على نطاق واسع، وسنعرف الأسباب بعد قليل، لكن الذي نؤكد عليه هنا أنهم يعرفون أن دينهم هو دين العلم والمدنية؛ لأن أول الآيات التي نزلت في القرآن الكريم على رسول الله ﷺ كانت أمرا صريحا بالقراءة؛ قال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١- ٥] ، ولقد أقسم الحق ﵎ بالقلم، فقال تعالى: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ [القلم: ١] ، وأقسم بالكتاب فقال تعالى:
وَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ [الطور: ١، ٢] ؛ وهذا أعظم تكريم لوسائل العلم. أما الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تحض على العلم، وترفع من شأنه وشأن العلماء فهي أكثر من الحصر «١» .
لكل هذا حافظ الأمويون على ذلك التراث العلمي العظيم الذي كان منتشرا في دولتهم من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، وبصفة خاصة في مواطن الحضارات القديمة، مثل مصر والشام وبين النهرين- العراق- وبلاد فارس ... إلخ.
стр. 303
فالعلم القديم لم ينقطع من هذه البلاد تحت الحكم الأموي، وبقي العلماء يعلمون، والتلاميذ يتعلمون تحت رعاية الخلفاء والأمراء وبفضل سخائهم معهم «١» ، وعند ما نتذكر مدنا كمدينة جندي سابور في إقليم خوزستان في بلاد فارس وكيف بقيت الحركة العلمية فيها حية، وبصفة خاصة في العلوم الطبية، وأنها أصبحت في العصر العباسي مركزا طبيّا هائلا، ولا يتسع المقام هنا لذكر سلسلة الأطباء الذين تخرجوا في هذه المدينة، وعند ما نتذكر مدينة كحران في إقليم الجزيرة في العراق والعلماء الذين برزوا فيها في عصر الترجمة في العصر العباسي في علوم الفلك والرياضيات، وعند ما نتذكر مدينة الإسكندرية «٢» وعلماءها الذين كانوا من أول من قام بالترجمة في العصر الأموي لواحد من أمراء البيت الأموي نفسه، وهو خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.
وكذلك كان الحال في بقية المدن في الشام والعراق وفارس، مثل أنطاكية والرها ونصيبين إلخ. وعند ما نعرف أن الأديرة المسيحية في مصر والشام والعراق كانت مراكز علمية وبها مكتبات لم تكن قاصرة على علوم اللاهوت باعتبار الأديرة قامت أصلا للعبادة، ولكن إلى جانب علوم اللاهوت كانت توجد في كل دير مكتبة فيها الكثير من الكتب التي تحتوي على علوم مدنية «٣» . وبقيت هي الآخرى تمارس عملها في حرية كاملة دون أي تضييق.
عند ما نعرف ذلك كله- وهو قليل من كثير- ندرك قيمة العمل الذي قام به الأمويون في حفظ التراث البشري وتسليمه للعباسيين الذين قاموا بترجمته إلى اللغة العربية. ولكن لا بد أن نعرف لماذا لم يقم الأمويون بعملية ترجمة على نطاق واسع؟.
стр. 304
أولا: كان الأمويون مشغولين بالفتوحات وتثبيت أركان الدولة وتوطيد أجهزتها ومؤسساتها المدنية والسياسية والإدارية وهذا كله كان يحتاج إلى جهد كبير فكان من الحكمة أن يعطوا الأولوية لهذا العمل، وهو عمل شاق ويحتاج إلى وقت طويل.
ثانيا: هذه العلوم الكثيرة التي تركها الأقدمون مثل الطب والهندسة والفلك والرياضيات والكيمياء والفيزياء والفلسفة تحتاج إلى استعداد كبير وإلى كتيبة كبيرة بل كتائب من المترجمين، وهذا لم يكن ميسرا للأمويين، لدرجة أنهم أبقوا على بعض اللغات الأجنبية مستخدمة في أهم أجهزة الدولة، وهي دواوين الخراج التي كانت تمثل وزارة الخزانة للدولة فقد بقيت اللغة الفارسية مستخدمة في ديوان الخراج في العراق وبلاد فارس وبقيت اللغة اليونانية مستخدمة في ديوان الخراج في مصر والشام وكانت تلك ضرورة تعامل معها الأمويون بذكاء وتسامح وسعة أفق ولكنهم أخذوا يستعدون ويعدّون الرجال الذين سينهضون بترجمة هذه الدواوين ونقلها إلى اللغة العربية واستغرق ذلك عشرات السنين، ولم تبدأ عملية التعريب إلا في منتصف خلافة عبد الملك بن مروان «١» نحو سنة (٧٤ هـ- ٦٩٣ م) واستغرقت نحو نصف قرن؛ لأن آخر ديوان تم تعريبه كان ديوان خراسان (١٢٩ هـ- ٧٤٦ م) فإذا كان تعريب الدواوين- وهي رغم أهميتها تعد محدودة- احتاج إلى هذا الوقت الطويل، فإن تعريب العلوم وهي كثيرة ومتنوعة لا بد أنه يحتاج إلى وقت أطول، ولو بقيت الدولة الأموية وعاشت فترة أطول لبدأت عملية ترجمة العلوم ربما في وقت أبكر من الوقت الذي بدأ فيه العباسيون عملية الترجمة؛ لأن كثيرين من الذين اضطلعوا بعبء الترجمة في العصر العباسي كانوا من الذين تعلموا اللغة العربية في العصر الأموي، فكثير من الموظفين غير العرب الذين كانوا يعملون في دواوين الخراج اضطروا لتعلم اللغة العربية عند ما عربت هذه الدواوين ليستمروا في عملهم، وهذا أدى إلى ذيوع اللغة العربية وانتشارها على نطاق واسع بين أبناء البلاد المفتوحة وهذا التطور الحضاري الكبير كان في مصلحة حركة الترجمة الواسعة النطاق للعلوم النقلية والفلسفية التي شهدها العصر العباسي.
خلاصة القول: أن الأمويين لم تكن تنقصهم الهمة ولا كانوا غافلين عن أهمية ترجمة تلك العلوم إلى العربية ولكن فقط كانت تنقصهم الوسائل وكانوا يحتاجون
стр. 305
إلى الوقت، وحسبهم أنهم حافظوا على هذا التراث البشري محافظة تامة وفي الوقت نفسه كانت لهم محاولات أولية في الترجمة «١» .
* الأمويون والترجمة:
قبل أن ننوه بدور الأمويين في ترجمة العلوم غير العربية الإسلامية لا بد من التنويه بدورهم في العلوم العربية الإسلامية؛ لأن الحركة العلمية التي بدأت منذ عهد الرسول ﷺ وفي مسجده وحمل لواءها بعده الصحابة والتابعون، وأخذت في الازدهار في العصر الأموي، بدأت تتبلور وتتميز كل العلوم العربية الإسلامية وتصبح لها مدارس مستقلة، فبعد أن كان الصحابي أو التابعي يجلس في المسجد- سواء المسجد الحرام بمكة المكرمة أو مسجد الرسول ﷺ أو مسجد الكوفة أو البصرة أو دمشق أو الفسطاط- ليعلم الناس ويتحدث في المجلس الواحد في علوم كثيرة كالتفسير والحديث والفقه واللغة العربية وآدابها ... إلخ؛ بدأت في أواخر العصر الأموي تنفصل هذه العلوم ويصبح هناك علماء للفقه وآخرون للتفسير وغيرهم للحديث ... إلخ. فمثلا اثنان من علماء أهل السنة في الفقه وهما الإمام أبو حنيفة النعمان (٨٠- ١٥٠ هـ/ ٦٩٩- ٧٦٧ م) وإمام دار الهجرة مالك بن أنس (٩٣- ١٧٩ هـ/ ٧١١- ٧٩٥ م) ولدا وتكونا علميّا وأصبحا علمين من علماء الإسلام في الفقه في العصر الأموي وقس على ذلك في بقية العلوم العربية والإسلامية.
ومما يذكر للأمويين بكل التقدير- خلفائهم وأمرائهم- أنهم لم يتدخلوا في تلك الحركة العلمية ولم يسجل التاريخ أن عالما في أي علم من العلوم ضيق عليه وسجن من أجل علمه، فقد تمتع العلماء بحرية كاملة في بحوثهم وعلومهم «٢» . هذا بإيجاز شديد هو دور الأمويين في الحركة العلمية العربية الإسلامية وليس هنا مقام الحديث عن ذلك تفصيلا.
أما فيما يتعلق بترجمة العلوم الأجنبية، مثل الطب والفلك والكيمياء ... إلخ.
فقد بدأت في أواخر العصر الأموي بداية متواضعة للأسباب التي سبق ذكرها، وأول علم اهتم به الأمويون هو علم الطب الذي لا يستغني عنه الناس في كل زمان ومكان
стр. 306
لعلاج أبدانهم، ولقد ظهر في العصر الأموي كثير من الأطباء، وكان معظمهم نصارى، ومن أوائلهم ابن أثال، الذي كان طبيبا خاصّا للخليفة الأموي الأول، معاوية بن أبي سفيان، والذي يقول عنه ابن أبي أصيبعة «١» : «كان طبيبا متقدما، من الأطباء المتميزين في دمشق، نصراني المذهب، ولما ملك معاوية بن أبي سفيان دمشق اصطفاه لنفسه وأحسن إليه، وكان كثير الافتقاد له والاعتقاد فيه، والمحادثة معه ليلا ونهارا، وكان ابن أثال خبيرا في الأدوية المفردة والمركبة وقواها» ا. هـ.
ومن الأطباء الذين اتصلوا بخلفاء بني أمية وخدموهم عبد الملك بن أبجر الكناني، وكان من الأطباء المشهورين في مدينة الإسكندرية، ولما فتحت مصر استمرت مدرسة الإسكندرية تؤدي دورها في العلوم بصفة عامة وفي الطب بصفة خاصة تحت الحكم الأموي- كما سبقت الإشارة- وقد أسلم الطبيب عبد الملك ابن أبجر على يد عمر بن عبد العزيز قبل أن يصبح خليفة فلما أفضت إليه الخلافة نقل بعض الأطباء من الإسكندرية إلى التدريس في أنطاكية وحران ومنهم عبد الملك ابن أبجر الذي أصبح طبيبه الخاص «٢» .
ومن الأطباء الذين برزوا في الدولة الأموية وترجموا بعض كتب الطب ماسرجويه اليهودي. يقول القفطي في اخبار الحكماء «٣» : «أن ماسرجويه الطبيب البصري كان إسرائيليّا في زمن عمر بن عبد العزيز، وربما قيل في اسمه:
ماسرجيس وكان عالما بالطب، وتولى لعمر بن عبد العزيز ترجمة كتاب أهرن القس في الطب «٤» ، وهو كناش فاضل من أفضل الكنانيش القديمة. وقال ابن جلجل الأندلسي: ماسرجويه كان سريانيّا يهودي المذهب وهو الذي تولى في أيام مروان في الدولة المروانية تفسير كتاب (أهرن القس بن أعين) إلى العربية ووجده عمر بن عبد العزيز في خزائن الكتب فأمر بإخراجه ووضعه في مصلاه واستخار الله في إخراجه إلى المسلمين لينتفع به فلما تم له ذلك في أربعين يوما أخرجه إلى الناس وبثه في أيديهم» ا. هـ.
إذن بدأت بذور حركة الترجمة إلى اللغة العربية- وبصفة خاصة الطب- في
стр. 307
وقت مبكر من الدولة الأموية في عهد مروان بن الحكم (٦٤- ٦٥ هـ/ ٦٨٤- ٦٨٥ م) أما أبرز رجال البيت الأموي والذي كرس حياته لترجمة العلوم الأجنبية إلى العربية فهو الأمير خالد بن يزيد بن معاوية. وهو حفيد الخليفة معاوية بن أبي سفيان مؤسس الدولة الأموية وكان من المفروض أن يصبح هو خليفة بعد مروان بن الحكم طبقا لما اتفق عليه الأمويون في مؤتمر الجابية في نهاية سنة (٦٤ هـ- ٦٦٧ م) «١» .
ولكن هذا لم يحدث وفاتت خالدا الخلافة فصرف همته للاشتغال بالعلم وبصفة خاصة ترجمة العلوم الأجنبية إلى اللغة العربية وأنفق على ذلك بسخاء كبير، يقول ابن النديم «٢» : «وكان خالد بن يزيد بن معاوية يسمى حكيم آل مروان، وكان فاضلا في نفسه، وله همة ومحبة للعلوم، وخطر بباله الصنعة- يقصد علم الكيمياء- فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممن كان ينزل مدينة مصر- يقصد الإسكندرية- وقد تفصح بالعربية وهذا كان أول نقل في الإسلام من لغة إلى لغة» ا. هـ.
هذه البدايات المتواضعة في مجال ترجمة العلوم الطبية وغيرها لو استمرت الدولة الأموية لرأيناها تزدهر وتؤتي ثمارها اليانعة ولكن ذلك كان من نصيب العباسيين.
* الفتح الإسلامي للأندلس:
ليس من شأن هذا البحث أن يؤرخ للفتح الإسلامي، ولا تقصي أسبابه ودوافعه وإنما هي إشارة موجزة لمعرفة المسرح الذي مثل عليه الأمويون دورهم- إن جاز هذا التعبير- في إيصال الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس ومن ثم إلى بقية دول أوربة، والذي يطالع معظم المؤلفات التاريخية التي أرخت للفتح الإسلامي للأندلس قديما وحديثا، وسواء أكتبها عرب مسلمون أم غربيون نصارى- يجدها تكاد تجمع على أمور أساسية منها «٣» :
стр. 308
أولا: فساد الأحوال في مملكة القوط يكاد يكون عامّا في شتى ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فكانت المنازعات والمنافسات على الحكم تكاد تمزق تلك المملكة، بل تتحدث المصادر التاريخية عن دور لبعض الشخصيات القوطية المؤثرة في تسهيل عملية الفتح للمسلمين وبصفة خاصة الأمير يوليان- أمير سبتة- ورئيس أساقفة إشبيلية، بل تتحدث المصادر عن انضمام أولاد الملك المخلوع) Witiza الذي تسميه المصادر العربية غيطشة) إلى طارق بن زياد أثناء المعركة الرئيسية مع روذريق Rodrigo في وادي شذونة، وكان انضمامهم ذلك من أسباب سرعة الفتح وسهولته.
يقول أبو بكر بن القوطية «١» : «فلما دخل طارق بن زياد الأندلس أيام الوليد ابن عبد الملك كتب روذريق Rodrigo إلى أولاد الملك غيطشة Witiza وقد ترعرعوا وركبوا الخيل يدعوهم إلى مناصرته وأن تكون أيديهم واحدة على عدوهم، فحشدوا الثغر وقدموا فنزلوا شقندة، ولم يطمئنوا إلى روذريق بدخول قرطبة فخرج إليهم ثم نهض للقاء طارق فلما تقاتلت الفئتان أجمع المند- ابن غيطشة- وأخوه على الغدر بروذريق، وأوصلوا في ليلتهم تلك إلى طارق يعلمونه أن روذريق إنما كان كلبا من كلاب أبيهم وأتباعه. ويسألونه الأمان على أن يخرجوا إليه في الصباح وأن يمضي لهم ضياع أبيهم بالأندلس، وكانت ثلاثة آلاف ضيعة، سميت بعد ذلك صفايا الملوك. فلما أصبحوا تحاشوا بمن معهم إلى طارق فكان ذلك سبب الفتح» ا. هـ.
ويتحدث ابن القرطبة عن وصول أولاد الملك غيطشة إلى الخليفة الوليد بن عبد الملك في دمشق حيث أنفذ لهم الوعد الذي كان قد أعطاهم إياه طارق بن زياد. وهذا يدل على حجم المنازعات والأحقاد التي كانت بين الطبقة القوطية الحاكمة في الأندلس. والتي كانت بدون شك من أسباب سهولة وسرعة الفتح الإسلامي لتلك البلاد.
стр. 309
ثانيا: الأمر الثاني الذي يكاد يجمع عليه مؤرخو الفتح الإسلامي للأندلس وهو ذو علاقة بالأمر الأول، سرعة الفتح وسهولته، فبينما أخذ فتح شمال إفريقيا نحو سبعين عاما من العرب لم يستغرق فتح الأندلس بكاملها تقريبا سوى ثلاث سنوات (٩٢- ٩٥ هـ/ ٧١١- ٧١٤ م) وهذه عجيبة من عجائب التاريخ، ولم ينافس الأندلس في سرعة وسهولة فتحها سوى الفتح الإسلامي لمصر، فقد استغرق هو أيضا نحو ثلاث سنوات (١٨- ٢١ هـ/ ٦٣٩- ٦٤٢ م) والسبب في ذلك تشابه الظروف في كل من مصر والأندلس؛ فكما كانت الأندلس تعاني من مفاسد ومظالم الحكم القوطي، كذلك كانت مصر تعاني من مفاسد ومظالم الحكم البيزنطي؛ الأمر الذي سهل مهمة المسلمين في فتح مصر.
ثالثا: الأمر الثالث الذي يكاد يجمع عليه مؤرخو الفتح الإسلامي للأندلس أن الفاتحين كانوا رحماء مع أهل الأندلس وعاملوهم بكل احترام وتسامح، وطبقوا معهم نفس السياسة التي اتبعوها مع كل البلاد التي فتحوها، فقد تركوا لهم أموالهم وكنائسهم وقوانينهم، وحق المقاضاة إلى قضاة منهم، ولم يفرضوا سوى جزية ضئيلة فرضي بذلك سكان أسبانيا طائعين وخضعوا للعرب دون مقاومة، ولم يبق على العرب إلا أن يقاتلوا الطبقة الأرستقراطية المالكة للأرضين «١» .
ولا بأس أن نؤكد هذا بما ذكره السيرتوماس أرنولد حيث يقول «٢» : «وإن سياسة التسامح الديني الذي سارت عليه الحكومة الإسلامية نحو رعاياها المسيحيين في أسبانيا، وحرية الاختلاط بين المتدينين قد أدت إلى شيء من التجانس والتماثل بين الجماعتين وقد كثر التصاهر بينهم، حتى أن أيذيدور الباجي قد دوّن مسألة زواج عبد العزيز بن موسى بن نصير من أرملة روذريق Rodrigo دون أن يذكر كلمة واحدة يستنكر فيها هذا الفعل، هذا إلى أن كثيرين من المسيحيين قد تسموا بأسماء عربية، وقلدوا جيرانهم المسلمين في إقامة بعض النظم الدينية، فاختتن كثير منهم، وساروا وفق المسلمين في أمور الطعام والشراب، وأن إطلاق لفظ مستعربين على الأسبان المسيحيين الذين عاشوا في ظل العرب ليدل دلالة ظاهرة على مدى الميول والاتجاهات التي كانت تعمل بنشاط وهمة في هذا السبيل، فسرعان ما أخذت دراسة اللغة العربية تحل محل اللاتينية في جميع أرجاء البلاد» ا. هـ.
стр. 310
ويقول في موضع آخر «١» : «أما عن حمل الناس على الدخول في الإسلام أو اضطهادهم بأية وسيلة من وسائل الاضطهاد في الأيام الأولى التي أعقبت الفتح العربي، فإننا لا نسمع عن ذلك شيئا. وفي الحق أن سياسة التسامح الديني التي أظهرها هؤلاء الفاتحون نحو الديانة المسيحية كان لها أكبر الأثر في تسهيل استيلائهم على هذه البلاد» ا. هـ.
قد يظن البعض أن في الحديث عن التسامح الذي سارت عليه الحكومة الأموية في الأندلس نحو رعاياها المسيحيين في أسبانيا نوعا من المبالغة وقد يستشهد ببعض الحوادث التي استخدمت فيها الحكومة الأموية القسوة، الأمر الذي ينقض حديث التسامح، ونحن في الحقيقة لا ندعي أن التسامح كقاعدة عامة لم تخترق أو لم تحدث تجاوزات. بل نعترف بحدوث تجاوزات كثيرة سجلها المؤرخون المسلمون قبل غيرهم سواء مع النصارى أو مع المسلمين، ولكنها تبقى تجاوزات محدودة ويبقى التسامح هو السياسة العامة المتبعة في الأوقات العادية.
فعلى سبيل المثال: عند ما حدث الهيج أو التمرد أو الثورة في الربض أيام الحكم الأول (١٨٠- ٢٠٦ هـ/ ٧٩٦- ٨٢٢ م) وهي حادثة مشهورة في التاريخ الأندلسي؛ عندئذ قضى عليها الحكم بقسوة شديدة وطرد آلافا من الناس من مساكنهم، فعبروا مضيق جبل طارق ومنهم من سكن مدينة فاس في المغرب الأقصى ومنهم عدد كبير- قيل خمسة عشر ألفا- ذهبوا إلى الإسكندرية ثم تركوها أو طردوا منها بالأحرى فذهبوا إلى جزيرة كريت وأقاموا لهم دويلة هناك سنة (٢١٢ هـ ٨٢٧ م) استمرت ما يقرب من قرن من الزمان ولقد أعفى الحكم المؤرخين من الدفاع عن تصرفه هذا؛ لأنه هو اعتذر عنه واعتبره ذنبا كبيرا ارتكبه ضد مواطنيه، وظل يستغفر الله منه طوال حياته «٢» .
الحادثة الثانية: وهي أيضا من أشهر الحوادث في التاريخ الأندلسي؛ قصة النصارى الانتحاريين، وهم مجموعة من المتعصبين الذين أخذوا- لأسباب غير مفهومة- يسبون ويشتمون النبي محمدا ﷺ علنا وأمام المساجد وفي أوقات الصلوات، وهو عمل استفزازي لم يحتمله المسلمون وقد حكم على بعضهم
стр. 311
بالإعدام مما جعل الأستاذ لين بول يطلق عليهم- المنتحرين- والعجيب أن هذه الحركة بدأت في عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦- ٢٣٨ هـ/ ٨٢٢- ٨٥٣ م) وهو ليس من الأمراء القساة بل كان يتحلى بالتسامح وحب العلم والثقافة.
على كل حال هذه الحركة أدانها النصارى أنفسهم في حينها «١» . وكذلك أدانها النصارى المعاصرون ولقد علق الأستاذ أميلو جارثيا جومث في مقدمته لكتاب الأستاذ ليفي بروفنسال بقوله «٢» : «وتتلخص أحداث تلك الأزمة في الحكم- خلال الفترة من (٢٣٦- ٢٤٥ هـ/ ٨٥٠- ٨٥٩ م) بمدينة قرطبة- على أربعين مستعربا بالإعدام؛ عقابا لهم على سبّ رسول الإسلام علانية. ألهذا يمكن الحديث عن الاضطهاد؟ كلّا ألف كلّا؛ لأن الدولة الإسلامية- وخاصة أثناء حكم الأمويين- كانت- على خلاف ما يعتقد غير العارفين- في منتهى التسامح مع المسيحيين واليهود، ولقد دان المستعربون للفاتحين نتيجة لهذا التعايش الإيجابي، وهذا ما أثار حفيظة المشتغلين منهم بالسياسة، فعلاوة على إبراز الوثائق التاريخية الكثيرة التي خلفها المستعربون لهذا التسامح- يعترف (سان ألوخيو) نفسه بأنه لا يشعر بين المسلمين بالدونية أو بالمضايقة، كما يشير آخر وهو (خوان دي جورز) إلى أن المسيحي يمارس شعائره بحرية تامة.. فلم يكن المسيحيون يرتدون ملابس خاصة ولا يحملون شارة معينة تميزهم، وكانوا في كثير من الأحيان يرتقون إلى أعلى المناصب المدنية والعسكرية، وكان القساوسة يغشون الأماكن العامة بزيهم التقليدي، كما كان من الممكن في بعض الأحيان تشييد كنائس جديدة» .
واعتمادا على ما سبق ذكره نقول: إنه لو وجدت حينذاك محاولة سلمية (الدعوة إلى الإسلام) تهدف إلى تالف النسيج الاجتماعي فليس من حقنا أن ندينها؛ لأن لكل تسامح حدوده ومن غير المعقول أن نطلب من المسلمين التساهل إلى الحد الذي يغضون فيه الطرف عن إهانة وسب الميسحيين لرسولهم علانية، في نفس الوقت الذي لا يسمح فيه لأحد بالتعريض بالعقيدة المسيحية ا. هـ.
стр. 312
* الدولة الأموية في الأندلس:
ظلت الأندلس منذ فتحها المسلمون (٩٢- ٩٥ هـ/ ٧١١- ٧١٤ م) ولاية أموية تتبع الدولة الأموية الكبرى في دمشق، ويحكمها وال كان يعينه في البداية والي القيروان، وقد تم تعيين ثلاثة ولاة بهذة الطريقة، وهم عبد العزيز بن موسى بن نصير، وأيوب بن حبيب اللخمي، والحر بن عبد الرحمن الثقفي «١» .
ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة (٩٩- ١٠١ هـ/ ٧١٨- ٧٢٠) رأى أن الأوضاع في الأندلس تقضي بأن تكون ولاية مستقلة عن ولاية شمال إفريقيا، فعيّن لها هو واليا من قبله مشهورا بالصلاح والتقوى وهو السمح بن مالك الخولاني.
ولكن بعد وفاة عمر بن عبد العزيز عادت الأندلس مرة أخرى لتصبح جزآ من ولاية شمال إفريقيا ويكون تعيين ولاتها من اختصاص أمير القيروان. واستمر ذلك الوضع إلى أن حدثت هزيمة المسلمين في موقعة بلاط الشهداء، أو تور بواتيه- كما يسميها الأوربيون- سنة (١١٤ هـ/ ٧٣٢ م) «٢» . فبدأت الأمور تضطّرب، وكثرت الفتن في الأندلس، وانشغلت الدولة الأموية بأمور المشرق وأحداثه الخطيرة انشغالا كاملا. عندئذ خشي زعماء القبائل والجماعات في الأندلس من انفلات الأوضاع واضطراب الأمن فولوا عليهم- بمبادرة منهم- يوسف بن عبد الرحمن الفهري «٣» ، دون تدخل من الدولة الأموية.
والحق أن الذي يتأمل الأوضاع في المشرق عند تولية يوسف بن عبد الرحمن الفهري على الأندلس سنة (١٢٩ هـ/ ٧٤٧ م) لا يستغرب أبدا غياب الدولة الأموية عن قرار خطير كهذا؛ لأن ذلك العام يعد من أهم الأعوام وأكثرها حسما في تاريخ الدولة الأموية ففيه تفجرت الثورة العباسية المسلحة من خراسان بقيادة أبي مسلم الخراساني «٤» ، واكتسحت في طريقها كل الجيوش الأموية التي تصدت لها ولم تتوقف إلا بعد أن أزالت الدولة الأموية العتيدة من الوجود، وذلك بمقتل مروان ابن محمد بن مروان آخر خلفاء بني أمية في المشرق في قرية بوصير جنوب الجيزة في
стр. 313
مصر نهاية سنة (١٣٢ هـ/ ٧٥٠ م) «١» .
إزاء هذا الانهيار والاختفاء المفاجئ للدولة الأموية كان من الطبيعي أن يستمر يوسف بن عبد الرحمن الفهري في حكم الأندلس، وقد حكمها نحو عشر سنين (١٢٩- ١٣٨ هـ/ ٧٤٧- ٧٥٧ م) . واستطاع أن يحقق قدرا لا بأس به من الاستقرار للأندلس، وظن أن الأيام قد صفت له، وأنه أصبح الحاكم المطلق لها، ولم يكن يدري- بل لعل أحدا في العالم غيره لم يكن يدري- أن القدر كان يدبر للأندلس مصيرا آخر تحت قيادة أخرى.
ذلك أن أحد أبناء البيت الأموي المنهار قد استطاع الإفلات بأعجوبة من سيوف العباسيين، وأن يعبر نهر الفرات سباحة ويخرج منه عريانا وهو في التاسعة عشرة من عمره، ثم أخذ يتنقل من بلد إلى آخر- مارّا بالشام ومصر وشمال إفريقيا- حتى وصل إلى أخواله من قبيلة نفزة البربرية وهي بالمصادفة القبيلة التي ينتمي إليها القائد البطل والفاتح العظيم- طارق بن زياد- ومن مكانه في العدوة المغربية أخذ يراقب الموقف في الأندلس مراقبة دقيقة، ولما تهيأت له الظروف عبر مضيق جبل طارق في شهر (ربيع الأول سنة ١٣٨ هـ/ مايو سنة ٧٥٦ م) «٢» وصل البطل الجديد إلى الأندلس متوجا رحلة من أعجب وأغرب رحلات المغامرة في التاريخ، لا لينجو من القتل فحسب- وربما كان هذا أمله الوحيد في البداية- ولكن ليقيم ملكا ويؤسس دولة وينشئ حضارة زاهرة وعامرة وناضرة على أرض الأندلس. ذلكم البطل هو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الذي استطاع بمقدرة سياسية فذة وعبقرية عسكرية وموهبة إدارية عالية أن يستخلص الأندلس من أميرها وحاكمها المطلق يوسف بن عبد الرحمن الفهري، بعد سلسلة من الحروب، كان النصر حليفه في نهايتها، وأن يؤسس على ذلك الركن القصي من العالم الإسلامي- آنذاك- دولة قوية فتية، حكمها هو وأولاده وأحفادهم نحوا من ثلاثة قرون (١٣٨- ٤٢٢ هـ/ ٧٥٦- ١٠٣١ م) كانت الأندلس خلالها من أعظم وأغنى وأقوى دول العالم «٣» .
стр. 314
ولقد حاولت الدولة العباسية انتزاع الأندلس من عبد الرحمن الداخل- وهذا أحد ألقابه- ولكنها فشلت «١» . مما جعل خصمه الخطير أبا جعفر المنصور يلقبه بصقر قريش ويثني عليه، والفضل ما شهدت به الأعداء.
فقد جاء في الأخبار أن أبا جعفر المنصور قال لجلسائه يوما: «أخبروني، من صقر قريش؟ قالوا: أمير المؤمنين- يقصدونه هو- الذي راض الملك، وسكّن الزلازل، وحسم الأدواء، وأباد الأعداء، فقال: ما صنعتم شيئا، قالوا: فمعاوية؟
قال: ولا هذا، قالوا: فعبد الملك بن مروان؟ قال: ولا هذا، قالوا: فمن يا أمير المؤمنين؟ قال: عبد الرحمن بن معاوية، الذي عبر البحر، وقطع القفر، ودخل بلدا أعجميّا مفردا. فمصّر الأمصار، وجنّد الأجناد، ودوّن الدواوين، وأقام ملكا بعد انقطاعه، بحسن تدبيره، وشدة شكيمته، إن معاوية نهض بمركب حمله عليه عمر وعثمان، وذللا له صعبه، وعبد الملك بن مروان ببيعة تقدم له عقدها، وأمير المؤمنين- يقصد نفسه- بطلب عشيرته، واجتماع شيعته، وعبد الرحمن منفرد بنفسه، مؤيد برأيه، مستصحب لعزمه» «٢» .
وقد حظيت الدولة الأموية في الأندلس بعدد لا بأس به من الأمراء الأقوياء الذين وطدوا أركانها، وطوروا أجهزتها، وواجهوا بشجاعة وجرأة كبيرة الفتن والاضطرابات والثورات الداخلية، وهي كثيرة وأثار بعضها ضدهم بعض أبناء البيت الأموي أنفسهم، كما ردّوا كيد أعدائها الخارجيين، فالأمراء الأربعة الأول وهم عبد الرحمن الداخل (١٣٨- ١٧٢ هـ/ ٧٥٦- ٧٨٨ م) وابنه هشام (١٧٢- ١٨٠ هـ/ ٧٨٨- ٧٩٧ م) وحفيده الحكم بن هشام (١٨٠- ٢٠٦ هـ/ ٧٩٧- ٨٢٢ م) وابنه عبد الرحمن بن الحكم (٢٠٦- ٢٣٨ هـ/ ٨٢٢- ٨٥٢ م) الذين حكموا قرنا كاملا من الزمان، كانوا رجال دولة أكفاء، بلغت الدولة في عهودهم مبلغا عظيما من القوة والازدهار، وحققت لنفسها هيبة في غرب أوربا في عيون أعدائها، وأضحى بلاط قرطبة يضاهي بلاط بغداد في القوة والأبهة والفخامة والهيبة والنفوذ «٣» .
стр. 315
وفي عهود الأمراء الثلاثة التالين لهؤلاء وهم: محمد بن عبد الرحمن وولداه المنذر وعبد الله والذين حكموا لمدة اثنين وستين عاما (٢٣٨- ٣٠٠ هـ/ ٨٥٢- ٩١٢ م) تعرضت الدولة خلالها للفتن والاضطرابات والثورات، وبات مصيرها مهددا، وضعفت سلطة الحكومة بقرطبة ضعفا شديدا، وكثر الطامعون والثائرون واستطاع بعضهم أن يحقق أطماعه وأن يقيموا لأنفسهم دولا مستقلة ومن هؤلاء:
بنو قسي أو بنو موسى الذين استقلوا بمنطقة الثغر الأعلى- سرقسطة- وبنو مروان الذين استقلوا بمنطقة بطليوس في الغرب وبنو حفصون وزعيمهم عمر بن حفصون الذين استطاعوا الاستقلال بمنقطة شاسعة في الجنوب من قاعدتهم في ببشنز، وقد استمرت ثورتهم ضد الدولة نحو نصف قرن. وبنو ذي النون الذين استقلوا بطليطلة.
وبنو حجاج بأشبيلية. وهكذا تمزقت الدولة التي شادها عبد الرحمن الداخل بكفاءته وجده واجتهاده، وعاشت الأندلس ما يقرب من ثلثي قرن في محن وخطوب، ولقد أطلق بعض المؤرخين على هذه الفترة عصر ملوك الطوائف الأول «١» .
لكن الله تعالى تدارك هذه الدولة في شخص عبد الرحمن الناصر (٣٠٠- ٣٥٠ هـ/ ٩١٢- ٩٦١ م) الذي استطاع أن ينتشلها من وهدتها، وأن يقضي على كل المناوئين في الداخل والخارج وأن يعيد لها وحدتها وقوتها وهيبتها، وواصل ابنه الحكم المستنصر (٣٥٠- ٣٦٦ هـ/ ٩٦١- ٩٧٦ م) سياسته، وبعد الحكم بدأ عهد العامريين (٣٦٦- ٣٩٩ هـ/ ٩٧٦- ١٠٠٩ م) فوصلوا بالدولة إلى أقصى قوتها العسكرية، وباختفائهم بعد مقتل عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر سنة (٣٩٩ هـ/ ١٠٠٩ م) عمت الفوضى والاضطرابات من جديد، وللأسف لم تجد الدولة هذه المرة رجلا في قوة شكيمة عبد الرحمن الناصر ومضاء عزيمته، فهوت إلى الحضيض، ثم لفظت أنفاسها الأخيرة سنة (٤٢٢ هـ/ ١٠٣١ م) .
والله يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء.
وقد مرت الدولة الأموية خلال حكمها للأندلس بمرحلتين متميزتين: مرحلة الإمارة، منذ تأسيسها على يد عبد الرحمن الداخل سنة (١٣٨ هـ/ ٧٥٦ م) وقد استمرت هذه المرحلة إلى سنة (٣١٦ هـ/ ٩٢٩ م) لتبدأ المرحلة الثانية بإعلان
стр. 316
عبد الرحمن الناصر نفسه خليفة صار يدعى بأمير المؤمنين.
في المرحلة الأولى كان الحكام من بني أمية يلقبون بالأمراء، وأحيانا كانوا يطلقون عليهم لقب أولاد الخلائف، وكانوا هم راضين بهذا الوضع تاركين لقب الخلافة وإمرة المؤمنين لبني العباس في بغداد، على الرغم من أن دولتهم في عصر الإمارة قد بلغت من القوة والثراء والحضارة مبلغا عظيما، وكان بلاطهم في عاصمتهم قرطبة لا يقل بهاء ورواء عن بلاط بغداد. ولكن منذ مطلع القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، رأى عبد الرحمن الثالث أن الأوضاع السياسية في العالم الإسلامي قد طرأ عليها تطور جديد وخطير في الوقت نفسه، فبعد أن كان في العالم الإسلامي خلافة واحدة هي الخلافة العباسية، ينظر إليها جميع المسلمين نظرة التقدير والاحترام، حتى الدويلات التي استقلت عنها في المشرق والمغرب كانت تعترف لها بالسيادة الاسمية وتخطب على منابرها باسم خلفائها.
وفجأة ظهرت خلافة أخرى في شمال إفريقيا، هي الخلافة الفاطمية الشيعية الإسماعيلية سنة (٢٩٦ هـ/ ٩٠٩ م) في مواجهة الدولة الأموية في الأندلس عندئذ أقدم عبد الرحمن الثالث على ذلك القرار الخطير، فحول الإمارة إلى خلافة، وأعلن نفسه خليفة وتلقب بأمير المؤمنين منذ نهاية سنة (٣١٦ هـ/ ٩٢٩ م) .
وفي عهده وعهد ابنه وخليفته الحكم المستنصر بلغت الدولة الأموية في الأندلس ذروة قوتها وعظمتها وحضارتها وهيبتها ونفوذها السياسي والأدبي.
وبوفاة الحكم المستنصر سنة (٣٦٦ هـ/ ٩٧٦ م) يمكن القول: إن الدولة الأموية قد انتهت فعلا في الأندلس؛ لأن ابن الحكم المستنصر هشام المؤيد الذي آلت إليه خلافة أبيه كان طفلا- فاستبد بالأمر المنصور بن أبي عامر، وأصبح الحاكم المطلق هو وأولاده من بعده لمدة ثلث قرن، وقد أطلق المؤرخون على الأندلس في تلك الفترة وصف الدولة العامرية نسبة إليهم «١» .
وبعد مصرع عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر- الملقب بشنجول سنة (٣٩٩ هـ/ ١٠٠٩ م) استطاع أحد أبناء البيت الأموي وهو محمد بن هشام أن يعتلي سدة الخلافة ولقب نفسه- أو لقبه الناس- بالمهدي، منتزعا حق الخليفة الشرعي هشام المؤيد بن الحكم المستنصر، وقد أمل الناس أن يكون في ذلك إقالة للخلافة من عثراتها، لكن الواقع أثبت أن
стр. 317
تلك المحاولة كانت بداية لمأساة دامية ومروعة استمرت ما يقرب من ربع قرن من الزمان، اضطربت فيها الأندلس بالفتن، وغدت السلطة الفعلية بأيدي الفتيان العامريين والبربر وغيرهم، وانتحل لقب الخلافة أكثر من طامع، ومن سخريات الأيام أن قامت في الأندلس- التي كانت في بداية عصر الولاة جزآ من ولاية شمال إفريقيا- في وقت واحد خلافة في قرطبة وأخرى في مالقة وثالثة في إشبيلية، وانتهى الأمر إلى زوال خلافة قرطبة العتيدة، وإلى تمزق الأندلس كلها إلى ولايات صغيرة وعديدة مستقلة يحكم كلّا منها زعيم أو أمير، وبدأ ما يسمى في التاريخ الأندلسي عصر ملوك الطوائف، الذين قال فيهم ابن رشيق القيرواني:
مما يزهدني في أرض أندلس ... أسماء معتضد بها ومعتمد
ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد
* مجمل الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية في الأندلس الأموية:
في الصفحات التالية موجز لمجمل الأوضاع السياسية والإدارية والعسكرية والاقتصادية للأندلس في العصر الأموي «١» لنعرف إلى أي مدى استطاع الأمويون أن يحققوا لدولتهم الاستقرار والازدهار في شتى الميادين، وأن يهيؤوها للقيام بالدور الحضاري العظيم الذي قيامت به في عالم العصور الوسطى.
قامت حكومة عبد الرحمن الداخل من البداية على غرار حكومة أسلافه في دمشق، حيث كان هو الرئيس الأعلى للدولة، يحكم من خلال مجلس استشاري ضم إليه خيرة الرجال المخلصين له ولدولتهم، لكن بمرور الزمن بدأت حكومة قرطبة- التي اتخذها عبد الرحمن عاصمة- تتميز عن حكومة المشرق في نظامها السياسي والإداري من ناحية الأسلوب والوظائف السياسية والإدارية، فعلى سبيل المثال كان لدى الأمويين في المشرق وظيفة الحاجب، ولم يكن دوره يتعدى تنظيم دخول الناس على الخليفة أو الأمير، حسب أهميتهم، فهو بمثابة السكرتير الخاص للخليفة، أما في الأندلس فكانت وظيفة الحاجب منذ إنشائها ذات أهمية كبيرة،
стр. 318
وأصبح الحاجب هو الرجل الثاني في الدولة بعد الأمير أو الخليفة، فهو بمثابة رئيس الوزراء. ولأهمية المنصب فقد كان الأمويون يختارون له أبناء البيوتات من ذوي الشرف، وظهرت أسماء كثيرة تنتمي إلى أسر مثل أسرة شهيرة بني مغيث وبني أبي عبدة وبني شهيد والمصحفي ... إلخ. والوزارة أيضا اختلف مضمونها ومؤداها عن سميتها في المشرق، حيث لم يكن سوى وزير واحد، يتلقى أوامره من الخليفة وينفذها، إذا كانت شخصية الخليفة قوية وكان يسمى وزير تنفيذ، وإذا كانت شخصية خليفة ضعيفة كان الوزير يستبد بمعظم الأمور، فهو الذي ينفذ وعندئذ كان يسمى وزير تفويض «١» .
أما في الأندلس فقد تعددت الوزارات- وكانت تسمى خطط- وأصبح لكل ناحية من نواحي الإدارة العامة وزير مختص، مثل وزارة المالية والترسيل والمظالم والثغور «٢» ... إلخ.
ولقد اهتم الأمويون اهتماما كبيرا بالقضاء، وكانوا يختارون له- بعد مشاورة كبار العلماء والوزراء- أصلح الناس من المشهورين بالنزاهة وتحري العدل، وكان القضاء مستقلّا ولم يكن القضاة يسمحون لأحد من الأمراء أو الخلفاء أن يتدخل في عملهم، وكانوا يحكمون طبقا لمبادئ الحق والعدل كما تقضي بذلك الشريعة الإسلامية حتى لو كان ذلك ضد رغبة صاحب السلطان، بل كان القضاة أحيانا يتعرضون بالنقد اللاذع للخلفاء في بعض التصرفات التي لا يرضون عنها، مع أنها كانت تخرج عن دائرة عملهم، كما حدث من القاضي منذر بن سعيد البلوطي، فقد انتقد الخليفة عبد الرحمن الناصر علنا في خطبة الجمعة- والخليفة يسمع- على إسرافه في النفقات التي أنفقها في بناء مدينة الزهراء بالقرب من العاصمة قرطبة، ومع أن الخليفة الناصر- وهو من هو- قد غضب غضبا شديدا من القاضي إلا إنه لم يتخذ ضده أي إجراء عقابي، وكل ما فعله أنه امتنع عن أن يصلي خلفه.
وقبل ذلك وفي بداية الدولة قضى القاضي عبد الرحمن بن طريف اليحصبي ضد رغبة وإرادة عبد الرحمن الداخل في قضية كانت موضع اهتمام الأمير، ومع ذلك
стр. 319
قضى القاضي طبقا للحق والعدل لا طبقا لرغبة الأمير، ولم يتعرض لأي أذى «١» .
ولقد اختلف القضاء الأندلسي في تنظيمه عن القضاء في المشرق الإسلامي، ففي الشرق استحدث العباسيون في عهد هارون الرشيد (١٧٠- ١٩٣ هـ/ ٧٨٦- ٨٠٨ م) منصب قاضي القضاة، الذي أصبح له حق اختيار قضاة الولايات والإشراف عليهم.
أما الأندلس فلم تعرف هذا المنصب بهذا المعنى، وإنما عرفت ما سمي بقاضي الجماعة أو قاضي الحضرة، والمقصود به قاضي العاصمة قرطبة وحدها، ولم يكن له حق تعيين القضاة في الأقاليم الآخرى أو الإشراف عليهم، وكان هؤلاء يعينهم الأمير أو الخليفة، وهم مستقلون في عملهم تماما مثل قاضي الجماعة، ومن الخطط التي اهتم بها الأمويون خطة الحسبة لمراقبة الأسواق والمرافق العامة، كما اهتموا بالشرطة لضبط الأمن في بلد متعدد الأعراق والأهواء.
ولقد استحدث الأمويون خطة سموها خطة الشورى وكانوا يسندونها إلى كبار العلماء من ذوي الشرف والهيبة «٢» .
وهكذا أصبح للنظام السياسي والإدارة في الأندلس طابع مميز، في الوقت الذي لم يتوقف فيه عن التأثر بما يحدث في المشرق، فقد أدخل الأمير عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦- ٢٣٨ هـ/ ٨٢٢- ٨٥٢ م) كثيرا من نظم العباسيين وطقوسهم وبصفة خاصة في قصر الحكم «٣» وأبهة البلاط.
وباختصار يمكن القول: إن الأندلس في العصر الأموي قد تمتعت في أغلب الأوقات بإدارة حسنة وشرطة فعالة ونظام قضائي محكم.
ويجدر بنا ونحن بصدد الحديث عن السياسة والإدارة الأموية في الأندلس أن ننوه بسياسة التسامح التي اتبعوها مع أهل الذمة من النصارى واليهود فقد كفلوا لهم الحرية الدينية والاجتماعية، وأنشؤوا منصبا خاصّا لإدارة شؤون أهل الذمة عرف صاحبه بالقومس، كما كان للنصارى المعاهدين قاض خاص، كما عين لهم مطران خاص، كان مركزه مدينة إشبيلية، وقد استمر هذا التسامح مع النصارى المعاهدين على الرغم مما كانوا يدبرونه في بعض الأحيان ضد الحكومة المسلمة من الدسائس
стр. 320
والمؤامرات، ويعقدون من الصلات المريبة مع نصارى الشمال «١» .
* الجيش:
كان من الطبيعي أن يكون الجيش وتنظيمه وتسليحه أول ما يهتم به مؤسس الدولة الأموية في الأندلس؛ لمواجهة الأخطار الداخلية والخارجية، وهي كثيرة، ولقد بلغ عدد الجيش في عهد عبد الرحمن الداخل أكثر من مائه ألف رجل، عدا حرسه الخاص الذي قدر بأربعين ألفا.
كذلك انتبه عبد الرحمن الداخل منذ وقت مبكر لأهمية الأسطول، وكان هذا أيضا أمرا طبيعيّا من أمير يحكم بلدا تحيط به المياه من ثلاث جهات، ويحيط به الأعداء من كل جانب.
ولقد بدأت أهمية الأسطول تزداد منذ ظهر الخطر النورماني على سواحل الأندلس الغربية، حيث غزوا إشبيلية في عهد عبد الرحمن الأوسط سنة (٢٣٠ هـ/ ٨٤٣ م) . وفتكوا بأهلها، فتصدى الأسطول الأموي لهذه الغزوات، بل أصبح للأمويين أسطولان، واحد في المحيط الأطلسي في الغرب لمواجهة الخطر النورماني، والآخر في البحر الأبيض المتوسط في الجنوب والشرق، لمواجهة أي خطر يأتي من هناك، وقد بلغ عدد سفن الأسطول، زهاء مائتي سفينة في عهد عبد الرحمن الناصر، وواصل العامريون سياسة الأمويين في الاعتناء بالجيش والأسطول.
* الأوضاع الاقتصادية في الأندلس الأموية:
تجمع المصادر القديمة والبحوث الحديثة على السواء على أن الأندلس شهدت ازدهارا اقتصاديّا خلال الحكم الأموي لم يسبق له مثيل في تاريخها، حيث أقبل العرب منذ البداية على الأرض وعمروها وأنتجوا منها أطيب الثمار فقد أقاموا مشاريع الري اللازمة لارتقاء الزراعة، وقد ظلت هذه المشاريع صالحة إلى ما بعد إخراج المسلمين من الأندلس بعدة قرون، حيث يقول جوستاف لوبون «٢» : «ولا يوجد في أسبانيا الحاضرة- في القرن التاسع عشر الميلادي- من أعمال الري خلا ما أتمه العرب» ا. هـ.