عبد الرحمن الناصر نفسه خليفة صار يدعى بأمير المؤمنين.
في المرحلة الأولى كان الحكام من بني أمية يلقبون بالأمراء، وأحيانا كانوا يطلقون عليهم لقب أولاد الخلائف، وكانوا هم راضين بهذا الوضع تاركين لقب الخلافة وإمرة المؤمنين لبني العباس في بغداد، على الرغم من أن دولتهم في عصر الإمارة قد بلغت من القوة والثراء والحضارة مبلغا عظيما، وكان بلاطهم في عاصمتهم قرطبة لا يقل بهاء ورواء عن بلاط بغداد. ولكن منذ مطلع القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، رأى عبد الرحمن الثالث أن الأوضاع السياسية في العالم الإسلامي قد طرأ عليها تطور جديد وخطير في الوقت نفسه، فبعد أن كان في العالم الإسلامي خلافة واحدة هي الخلافة العباسية، ينظر إليها جميع المسلمين نظرة التقدير والاحترام، حتى الدويلات التي استقلت عنها في المشرق والمغرب كانت تعترف لها بالسيادة الاسمية وتخطب على منابرها باسم خلفائها.
وفجأة ظهرت خلافة أخرى في شمال إفريقيا، هي الخلافة الفاطمية الشيعية الإسماعيلية سنة (٢٩٦ هـ/ ٩٠٩ م) في مواجهة الدولة الأموية في الأندلس عندئذ أقدم عبد الرحمن الثالث على ذلك القرار الخطير، فحول الإمارة إلى خلافة، وأعلن نفسه خليفة وتلقب بأمير المؤمنين منذ نهاية سنة (٣١٦ هـ/ ٩٢٩ م) .
وفي عهده وعهد ابنه وخليفته الحكم المستنصر بلغت الدولة الأموية في الأندلس ذروة قوتها وعظمتها وحضارتها وهيبتها ونفوذها السياسي والأدبي.
وبوفاة الحكم المستنصر سنة (٣٦٦ هـ/ ٩٧٦ م) يمكن القول: إن الدولة الأموية قد انتهت فعلا في الأندلس؛ لأن ابن الحكم المستنصر هشام المؤيد الذي آلت إليه خلافة أبيه كان طفلا- فاستبد بالأمر المنصور بن أبي عامر، وأصبح الحاكم المطلق هو وأولاده من بعده لمدة ثلث قرن، وقد أطلق المؤرخون على الأندلس في تلك الفترة وصف الدولة العامرية نسبة إليهم «١» .
وبعد مصرع عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر- الملقب بشنجول سنة (٣٩٩ هـ/ ١٠٠٩ م) استطاع أحد أبناء البيت الأموي وهو محمد بن هشام أن يعتلي سدة الخلافة ولقب نفسه- أو لقبه الناس- بالمهدي، منتزعا حق الخليفة الشرعي هشام المؤيد بن الحكم المستنصر، وقد أمل الناس أن يكون في ذلك إقالة للخلافة من عثراتها، لكن الواقع أثبت أن
стр. 317
تلك المحاولة كانت بداية لمأساة دامية ومروعة استمرت ما يقرب من ربع قرن من الزمان، اضطربت فيها الأندلس بالفتن، وغدت السلطة الفعلية بأيدي الفتيان العامريين والبربر وغيرهم، وانتحل لقب الخلافة أكثر من طامع، ومن سخريات الأيام أن قامت في الأندلس- التي كانت في بداية عصر الولاة جزآ من ولاية شمال إفريقيا- في وقت واحد خلافة في قرطبة وأخرى في مالقة وثالثة في إشبيلية، وانتهى الأمر إلى زوال خلافة قرطبة العتيدة، وإلى تمزق الأندلس كلها إلى ولايات صغيرة وعديدة مستقلة يحكم كلّا منها زعيم أو أمير، وبدأ ما يسمى في التاريخ الأندلسي عصر ملوك الطوائف، الذين قال فيهم ابن رشيق القيرواني:
مما يزهدني في أرض أندلس ... أسماء معتضد بها ومعتمد
ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد
* مجمل الأوضاع السياسية والعسكرية والاقتصادية في الأندلس الأموية:
في الصفحات التالية موجز لمجمل الأوضاع السياسية والإدارية والعسكرية والاقتصادية للأندلس في العصر الأموي «١» لنعرف إلى أي مدى استطاع الأمويون أن يحققوا لدولتهم الاستقرار والازدهار في شتى الميادين، وأن يهيؤوها للقيام بالدور الحضاري العظيم الذي قيامت به في عالم العصور الوسطى.
قامت حكومة عبد الرحمن الداخل من البداية على غرار حكومة أسلافه في دمشق، حيث كان هو الرئيس الأعلى للدولة، يحكم من خلال مجلس استشاري ضم إليه خيرة الرجال المخلصين له ولدولتهم، لكن بمرور الزمن بدأت حكومة قرطبة- التي اتخذها عبد الرحمن عاصمة- تتميز عن حكومة المشرق في نظامها السياسي والإداري من ناحية الأسلوب والوظائف السياسية والإدارية، فعلى سبيل المثال كان لدى الأمويين في المشرق وظيفة الحاجب، ولم يكن دوره يتعدى تنظيم دخول الناس على الخليفة أو الأمير، حسب أهميتهم، فهو بمثابة السكرتير الخاص للخليفة، أما في الأندلس فكانت وظيفة الحاجب منذ إنشائها ذات أهمية كبيرة،
стр. 318
وأصبح الحاجب هو الرجل الثاني في الدولة بعد الأمير أو الخليفة، فهو بمثابة رئيس الوزراء. ولأهمية المنصب فقد كان الأمويون يختارون له أبناء البيوتات من ذوي الشرف، وظهرت أسماء كثيرة تنتمي إلى أسر مثل أسرة شهيرة بني مغيث وبني أبي عبدة وبني شهيد والمصحفي ... إلخ. والوزارة أيضا اختلف مضمونها ومؤداها عن سميتها في المشرق، حيث لم يكن سوى وزير واحد، يتلقى أوامره من الخليفة وينفذها، إذا كانت شخصية الخليفة قوية وكان يسمى وزير تنفيذ، وإذا كانت شخصية خليفة ضعيفة كان الوزير يستبد بمعظم الأمور، فهو الذي ينفذ وعندئذ كان يسمى وزير تفويض «١» .
أما في الأندلس فقد تعددت الوزارات- وكانت تسمى خطط- وأصبح لكل ناحية من نواحي الإدارة العامة وزير مختص، مثل وزارة المالية والترسيل والمظالم والثغور «٢» ... إلخ.
ولقد اهتم الأمويون اهتماما كبيرا بالقضاء، وكانوا يختارون له- بعد مشاورة كبار العلماء والوزراء- أصلح الناس من المشهورين بالنزاهة وتحري العدل، وكان القضاء مستقلّا ولم يكن القضاة يسمحون لأحد من الأمراء أو الخلفاء أن يتدخل في عملهم، وكانوا يحكمون طبقا لمبادئ الحق والعدل كما تقضي بذلك الشريعة الإسلامية حتى لو كان ذلك ضد رغبة صاحب السلطان، بل كان القضاة أحيانا يتعرضون بالنقد اللاذع للخلفاء في بعض التصرفات التي لا يرضون عنها، مع أنها كانت تخرج عن دائرة عملهم، كما حدث من القاضي منذر بن سعيد البلوطي، فقد انتقد الخليفة عبد الرحمن الناصر علنا في خطبة الجمعة- والخليفة يسمع- على إسرافه في النفقات التي أنفقها في بناء مدينة الزهراء بالقرب من العاصمة قرطبة، ومع أن الخليفة الناصر- وهو من هو- قد غضب غضبا شديدا من القاضي إلا إنه لم يتخذ ضده أي إجراء عقابي، وكل ما فعله أنه امتنع عن أن يصلي خلفه.
وقبل ذلك وفي بداية الدولة قضى القاضي عبد الرحمن بن طريف اليحصبي ضد رغبة وإرادة عبد الرحمن الداخل في قضية كانت موضع اهتمام الأمير، ومع ذلك
стр. 319
قضى القاضي طبقا للحق والعدل لا طبقا لرغبة الأمير، ولم يتعرض لأي أذى «١» .
ولقد اختلف القضاء الأندلسي في تنظيمه عن القضاء في المشرق الإسلامي، ففي الشرق استحدث العباسيون في عهد هارون الرشيد (١٧٠- ١٩٣ هـ/ ٧٨٦- ٨٠٨ م) منصب قاضي القضاة، الذي أصبح له حق اختيار قضاة الولايات والإشراف عليهم.
أما الأندلس فلم تعرف هذا المنصب بهذا المعنى، وإنما عرفت ما سمي بقاضي الجماعة أو قاضي الحضرة، والمقصود به قاضي العاصمة قرطبة وحدها، ولم يكن له حق تعيين القضاة في الأقاليم الآخرى أو الإشراف عليهم، وكان هؤلاء يعينهم الأمير أو الخليفة، وهم مستقلون في عملهم تماما مثل قاضي الجماعة، ومن الخطط التي اهتم بها الأمويون خطة الحسبة لمراقبة الأسواق والمرافق العامة، كما اهتموا بالشرطة لضبط الأمن في بلد متعدد الأعراق والأهواء.
ولقد استحدث الأمويون خطة سموها خطة الشورى وكانوا يسندونها إلى كبار العلماء من ذوي الشرف والهيبة «٢» .
وهكذا أصبح للنظام السياسي والإدارة في الأندلس طابع مميز، في الوقت الذي لم يتوقف فيه عن التأثر بما يحدث في المشرق، فقد أدخل الأمير عبد الرحمن الأوسط (٢٠٦- ٢٣٨ هـ/ ٨٢٢- ٨٥٢ م) كثيرا من نظم العباسيين وطقوسهم وبصفة خاصة في قصر الحكم «٣» وأبهة البلاط.
وباختصار يمكن القول: إن الأندلس في العصر الأموي قد تمتعت في أغلب الأوقات بإدارة حسنة وشرطة فعالة ونظام قضائي محكم.
ويجدر بنا ونحن بصدد الحديث عن السياسة والإدارة الأموية في الأندلس أن ننوه بسياسة التسامح التي اتبعوها مع أهل الذمة من النصارى واليهود فقد كفلوا لهم الحرية الدينية والاجتماعية، وأنشؤوا منصبا خاصّا لإدارة شؤون أهل الذمة عرف صاحبه بالقومس، كما كان للنصارى المعاهدين قاض خاص، كما عين لهم مطران خاص، كان مركزه مدينة إشبيلية، وقد استمر هذا التسامح مع النصارى المعاهدين على الرغم مما كانوا يدبرونه في بعض الأحيان ضد الحكومة المسلمة من الدسائس
стр. 320
والمؤامرات، ويعقدون من الصلات المريبة مع نصارى الشمال «١» .
* الجيش:
كان من الطبيعي أن يكون الجيش وتنظيمه وتسليحه أول ما يهتم به مؤسس الدولة الأموية في الأندلس؛ لمواجهة الأخطار الداخلية والخارجية، وهي كثيرة، ولقد بلغ عدد الجيش في عهد عبد الرحمن الداخل أكثر من مائه ألف رجل، عدا حرسه الخاص الذي قدر بأربعين ألفا.
كذلك انتبه عبد الرحمن الداخل منذ وقت مبكر لأهمية الأسطول، وكان هذا أيضا أمرا طبيعيّا من أمير يحكم بلدا تحيط به المياه من ثلاث جهات، ويحيط به الأعداء من كل جانب.
ولقد بدأت أهمية الأسطول تزداد منذ ظهر الخطر النورماني على سواحل الأندلس الغربية، حيث غزوا إشبيلية في عهد عبد الرحمن الأوسط سنة (٢٣٠ هـ/ ٨٤٣ م) . وفتكوا بأهلها، فتصدى الأسطول الأموي لهذه الغزوات، بل أصبح للأمويين أسطولان، واحد في المحيط الأطلسي في الغرب لمواجهة الخطر النورماني، والآخر في البحر الأبيض المتوسط في الجنوب والشرق، لمواجهة أي خطر يأتي من هناك، وقد بلغ عدد سفن الأسطول، زهاء مائتي سفينة في عهد عبد الرحمن الناصر، وواصل العامريون سياسة الأمويين في الاعتناء بالجيش والأسطول.
* الأوضاع الاقتصادية في الأندلس الأموية:
تجمع المصادر القديمة والبحوث الحديثة على السواء على أن الأندلس شهدت ازدهارا اقتصاديّا خلال الحكم الأموي لم يسبق له مثيل في تاريخها، حيث أقبل العرب منذ البداية على الأرض وعمروها وأنتجوا منها أطيب الثمار فقد أقاموا مشاريع الري اللازمة لارتقاء الزراعة، وقد ظلت هذه المشاريع صالحة إلى ما بعد إخراج المسلمين من الأندلس بعدة قرون، حيث يقول جوستاف لوبون «٢» : «ولا يوجد في أسبانيا الحاضرة- في القرن التاسع عشر الميلادي- من أعمال الري خلا ما أتمه العرب» ا. هـ.
стр. 321
فبالإضافة إلى الارتقاء بالمحاصيل التقليدية التي كانت موجودة في الأندلس قبل الفتح الإسلامي؛ مثل الحبوب كالقمح والشعير وبعض أنواع الفواكه وغابات الأخشاب إضافة إلى هذا كله أدخل العرب معهم محاصيل كثيرة لم تكن معروفة في البلاد من قبل؛ مثل القطن وقصب السكر والأرز والتفاح والبطيخ والرمان الذي جلبه الأمويون من الشام، وخاصة رمان الرصافة الذي أحضره عبد الرحمن الداخل، ويروى أن الرجل الذي أحضره كان اسمه سفر بن عبيد التلاعي، فنسب إليه فقيل الرمان السفري «١» . وبهذا التنوع في المحاصيل الزراعية أصبحت الأندلس جنة واسعة، بفضل أساليب العرب الزراعية الفنية حسب تعبير جوستاف لوبون «٢» ولذلك تعد الأندلس في الأدبيات الإسلامية الفردوس المفقود.
* ازدهار الصناعة:
وكما ازدهرت الزراعة ازدهرت الصناعة بمختلف أنواعها؛ فظهرت صناعات النسيج الصوفية والقطنية والكتانية والحريرية وازدهرت صناعة الأسلحة، والسفن الحربية والتجارية، وصناعة السكر والورق والزجاج وحتى صناعة التماثيل والتحف المعدنية «٣» . والذي أدى إلى ازدهار الصناعة بهذا الشكل كثرة المعادن في باطن الأرض الأندلسية والتي بذل الأمويون جهودا كبيرة في استخراجها، مثل الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والزئبق ... إلخ وكانت النتيجة الطبيعية لازدهار الزراعة والصناعة أن تزدهر التجارة، وأصبح للأندلس أسطول تجاري بحري كبير يجوب المدن القريبة والبعيدة حاملا المنتجات الزراعية والصناعية الأندلسية، منطلقا من موانئ إشبيلية ومالقة ودانية وبلنسية والمرية، وقد اشتهرت العديد من المدن الأندلسية بنوع أو أكثر من المنتجات الصناعية، فقد اختصت جنجله Chinchila بالأغطية، وباسه Baza وكالسينه Calsena بالسجاد، وسرقسطه zaragoza بفراء السمور، ومالقه Malga بالخزف المذهب، وطليطله Toledo بالمجوهرات المرصعة والجلود المنقوشة، وكذلك السلاح، واختصت شاطبه jativa بصناعة الورق.
стр. 322
وخلاصة القول: أن الأندلس في العصر الأموي (١٣٨- ٤٤٢ هـ/ ٧٥٦- ١٠٣١ م) قد اجتمع لها من أسباب القوة ما بوأها مكان الصدارة بين الدول الإسلامية، وأصبحت قرطبة مركز الجاذبية السياسية في غرب أوربا، إليها تتجه الأنظار في طلب المودة ونشدان العلاقات الدبلوماسية «١» ، إلى قرطبة جاءت وفود الدول الكبرى من أوربا، من القسطنطينية وفرنسا وألمانيا، أما نصارى شمال أسبانيا فكانوا يعتبرون عبد الرحمن الناصر (٣٠٠- ٣٥٠ هـ/ ٩١٢- ٩٦١ م) مرجعهم وحكمهم في خلافاتهم.
وخير ما نختم به هذه السطور قول العلامة أميلوجارثيا جومث: «لقد كانت الخلافة القرطبية بناء هائلا، لم يولد صدفة؛ لأنه أتى ليتوج فترة طويلة من التشكل ومن السعي لتحقيق التوازن والتالف بين السلالات والعناصر المختلفة للمجتمع، فقد قامت على هدف وغاية سامية، وتشبعت بالتراث، وكان لها فن مميز ... وكان لديها نظم إدارية فعالة، وفي خدمتها عائلات متمرسة لعدة أجيال على السياسة، واقتصادها- حسبما نعلم- كان ينعم بالازدهار والصحة؛ والدليل على ذلك أن الحكم الثاني (٣٥٠- ٣٦٦ هـ/ ٩٦١- ٩٧٦ م) قام قبل موته بقليل بتخفيض الأعباء الضريبية على رعاياه، لقد كانت باختصار دولة قوية متحضرة، لا منافس لها على الإطلاق في عالم الغرب» «٢» ا. هـ.
يروي المقري أن عبد الرحمن الناصر ترك في خزائنه عند وفاته ما يقرب من عشرين مليون دينار ذهبا «٣» . إذا أخذنا في الاعتبار أن هذا الذي تركه عبد الرحمن الناصر، وهو مبلغ هائل بحساب تلك الأيام- كان فائضا بعد سلسلة المشاريع العمرانية الكثيرة التي قام بها مثل مدينة الزهراء والإنفاق العسكري والمدني الهائل- إذا أخذا ذلك في الاعتبار أدركنا درجة الثراء والرخاء الاقتصادي الذي كانت تتمتع به الأندلس في العصر الأموي، والذي انعكس بدوره على الحياة الاجتماعية.
* دور الأمويين في نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس:
في الصفحات السابقة قدمنا صورة موجزة للغاية عن الأمويين في التاريخ
стр. 323
ودورهم في الحفاظ على التراث الحضاري العظيم الذي ورثوه عن الدول السابقة في فارس والعراق والشام ومصر ... إلخ، وبدء ترجمة بعض هذا التراث إلى العربية، ودورهم في وضع أسس العلوم العربية والإسلامية ومفردات الحضارة الآخرى، ثم أوجزنا القول في الفتح الإسلامي للأندلس وظروفه، وأعطينا صورة مجملة عن الأوضاع السياسية والإدارية والعسكرية والسياسية في دولة الأمويين في الأندلس.
وفي الصفحات التالية نحاول إعطاء صورة مجملة أيضا- لأن المقام لا يتسع للتطويل- عن دور الأمويين- أمرائهم وخلفائهم- في نقل الحضارة العربية الإسلامية من المشرق إلى الأندلس، فهذا الدور هو أعظم وأخلد أدوارهم في التاريخ فقد ذهبوا وذهبت دولتهم، وبقيت آثارهم التاريخية والحضارية التي لا زالت ظاهرة- بعضها على الأقل الذي نجا من التخريب والتدمير الذي دفعت إليه روح التعصب المسيحي على أيدي محاكم التفتيش- وما عصفت به روح التعصب وضاع من الآثار المعمارية الخالدة في قرطبة والزهراء والزاهرة وغرناطة وإشبيلية.. إلخ «١» .
حفظته بطون الكتب، فقد عكفت طائفة من المستشرقين- أسبان وفرنسيين وهولنديين وألمان وإنجليز وغيرهم- على هذا التراث ودراسته، إضافة إلى العلماء العرب مثل محمد عبد الله عنان في دراسته الموسوعية عن دولة الإسلام في الأندلس والدكتور السيد عبد العزيز سالم والدكتور أحمد مختار العبادي والدكتور عبد الرحمن الحجي والدكتور حسين مؤنس والدكتور حسين دويدار، كل أولئك وهؤلاء درسوا التراث الحضاري العربي الإسلامي في الأندلس وقدموا للفكر الإنساني خدمة جليلة، ووضحوا بالأدلة والبراهين، كم كانت الحضارة العربية الإسلامية متألقة ومتوهجة على أرض الأندلس التي كانت هي البقعة الوحيدة المضيئة في أوربا الغربية في ذلك الزمان الخالد والتي عم ضوؤها على بعض دول القاهرة الأوربية فأخرجتها من عصورها الوسطى المظلمة وفتحت أمامها أبواب النهضة، وكانت قرطبة وغيرها من مدن الأندلس مقصد من يطلب العلم في مدارسها ومعاهدها، ومن يطلب العلاج في مستشفياتها، بل من يطلب أدوات الزينة ووسائل الترفيه كالموسيقى والغناء.. إلخ «٢» .
стр. 324
تتحدث كل المصادر القديمة والمراجع الحديثة التي أرخت لحياة أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس مجمعة على أنهم كانوا في معظمهم علماء وأدباء وفقهاء وشعراء، الأهم من هذا أنهم كانوا مشجعين كبارا للعلم والعلماء «١» ، مولعين بجمع الكتب- ولعا قل أن تجد له نظيرا- في سبيل الحصول عليها، واحترامهم للعلماء أشادت به كل المصادر والمراجع.
وقد سلكوا في سبيل النهوض بالأندلس والوصول بها إلى أعلى مراتب الحضارة نفس الطرق التي تسلكها الآن الدول التي تحاول اللحاق بركب الدول المتقدمة التي تملك ناصية العلم والقوة بكل ما تحمل كلمة القوة من معنى، فهذه الدول الآن- وبصفة خاصة الدول العربية- في سعيها الدؤوب نحو التقدم تسلك ثلاث طرق رئيسية:
أولا: بعث أبنائها إلى الدول المتقدمة مثل أمريكا وأوربا لتحصيل العلم والعودة إلى بلادهم مزودين بكل جديد قدر استطاعتهم.
ثانيا: استقدام علماء من الدول المتقدمة كأساتذة زائرين لتعليم أبنائهم في موطنهم الأصلي.
ثالثا: محاولة ترجمة كل جديد في مختلف العلوم إلى اللغة العربية ليكون في متناول أيدي أبنائها، وهذه الطرق ذاتها سلكها الأمويون عند ما قامت دولتهم في الأندلس سنة (١٣٨ هـ- ٧٥٦ م) . فقد كانوا على وعي كامل بكل الظروف المحيطة بدولتهم، سواء في القارة الأوربية، أو في محيط العالم الإسلامي الفسيح الأرجاء، وأدركوا أنهم بدون قوة عسكرية لا تدوم لهم دولة فالأعداء كثر ومتربصون دائما، فحاولوا- ونجحوا- في تحقيق قوة عسكرية برية وبحرية- كما سبقت الإشارة- حافظت على كيان دولتهم طالما وجد القائد التاريخي البطل الذي يستطيع استثمار تلك القوة، في الحفاظ على أمن وسلامة الدولة، وأدرك الأمويون في الوقت نفسه أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لبناء المجد بل لا بد من العلم،
стр. 325
والعلم آنئذ كان موجودا في الشرق، أي على الأرض التي يسيطر عليها العباسيون، الأعداء الألداء للأمويين، والذين كانت علاقاتهم بهم من أسوأ العلاقات.
فالأمويون في الأندلس أقاموا علاقات ودّ وحسن جوار، بل تعاون وتحالف مع كثير من أعدائهم التقليديين السابقين، والنموذج الواضح على ذلك علاقاتهم بالرستميين في المغرب الأوسط- الجزائر الحالية- فدولة الرستميين قامت على أساس المذهب الأباضي وهو أحد مذاهب الخوارج، والعداء بين الأمويين والخوارج من أبرز ظواهر التاريخ الإسلامي، بل إن الخوارج الذين أقاموا دولا في المغرب الإسلامي- الرستميون في تاهرت وبنو مدرار في سجلماسة في جنوب المغرب- جاؤوا إلى هنا فرارا من ملاحقة الأمويين لهم في المشرق.
ومع ذلك وحّد العداء للعباسيين، أو قل: دفع العداء المشترك للعباسيين كلّا من الأمويين في الأندلس والرستميين في المغرب الأوسط إلى التعاون والتحالف في شتى الميادين، وقد يتسع الوقت لإعطاء لمحة عن ذلك التعاون فهو جزء مكمل لإبراز دور الأمويين في سعيهم لنقل الحضارة العربية الإسلامية إلى الأندلس.
لم يكن هناك سبيل إذن لإقامة أي نوع من العلاقات السياسية بين الأمويين والدولة العباسية في المشرق، التي أسقطت دولتهم وقامت ضدهم بحركة إبادة لم ينج منها إلا أفراد قلائل كان منهم عبد الرحمن الداخل مؤسس دولة الأمويين في الأندلس.
العلاقات السياسية لا سبيل إليها، أما العلم وكل مفردات الحضارة العربية الإسلامية التي بدأت في التألق والازدهار في المشرق فلا بد من إحضارها كاملة غير منقوصة، فبذل الأمويون في ذلك كل جهد ممكن، وسلكوا- كما أشرنا قبل قليل- كل الطرق الممكنة، ومنها:
أولا: تسهيل ارتحال أبناء الأندلس إلى المشرق لتحصيل العلوم، والرجوع إلى الأندلس لنشر ذلك العلم بين أهله، ولقد وفرت فريضة الحج فرصة نادرة للارتحال إلى المشرق لأداء تلك الفريضة في مكة المكرمة وزيارة مسجد الرسول ﷺ في المدينة المنورة، وقلما جاء عالم أو طالب علم من الأندلس إلى المشرق لأداء تلك الفريضة وعاد إلى بلاده دون أن يطوف بكل أو بعض مراكز العلم في المشرق، سواء في الحجاز أو العراق أو الشام أو مصر، وحتى في شمال إفريقيا، وبصفة خاصة مدينة
стр. 326
القيروان التي أصبحت- منذ أسسها القائد الفاتح الكبير عقبة بن نافع (٥٠- ٥٥ هـ/ ٦٧٠- ٦٧٤ م) مركزا علميّا كبيرا «١» .
هذه الرحلة التي كان يقوم بها أهل الأندلس كانت آمنة وميسرة إلى حد كبير حسب أسلوب ذلك العصر في السفر والشد والترحال؛ لأن حكام الدول الإسلامية على اختلاف سياساتهم وأوطانهم كانوا يهتمون غاية الاهتمام بتعبيد الطرق التي تربط مكة المكرمة والمدينة المنورة بأطراف العالم الإسلامي، من الأندلس غربا إلى حدود الصين شرقا ومن آسيا الوسطى شمالا إلى المحيط الهندي جنوبا، بل كان الحكام المسلمون يتبارون ويتنافسون في تمهيد الطرق وتوفير الأمن والراحة للحجاج بإقامة الخانات والفنادق على كل تلك الطرق وكانوا يتقربون إلى شعوبهم بهذا العمل الذي ييسر للمسلمين الوصول إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة ومسجد رسوله- ﵊ في المدينة المنورة.
ومما سهل مهمة طلاب العلم من أهل الأندلس إلى المشرق لأداء فريضة الحج والتزود بكل جديد من العلم في شتى الميادين؛ حرية التنقل بين أقطار العالم الإسلامي، فعلى الرغم من الخلافات السياسية بين الأمويين في الأندلس والعباسيين في بغداد المسيطرين على الحجاز- موطن الحرمين الشريفين- فإن العباسيين لم يستطيعوا منع أي إنسان أندلسي من أن يجوب البلاد التي تحت سيطرتهم والالتقاء بالعلماء، حتى في بغداد نفسها، وقضية حرية التنقل تلك وعدم وضع موانع في طريق المسافرين يعد من أهم وسائل ازدهار الحضارة العربية الإسلامية في المشرق والمغرب على السواء.
ولا بأس ونحن نتحدث عن الحج وأثره في جذب أبناء الأندلس إلى المشرق أن نشير إلى واحدة من أبرز البعثات التي جاءت من الأندلس لأداء فريضة الحج ونقلت علما كان له أعظم الأثر في دولة الأمويين في الأندلس وحياة شعبها تلك هي بعثة أو رحلة يحيى بن يحيى الليثي وزملائه إلى الحج، وتتلمذهم على الإمام مالك (٩٣- ١٧٩ هـ/ ٧١١- ٧٩٥ م) وأخذ كتابه «الموطأ» ، ثم لقاؤهم بفقهاء مصر-
стр. 327
الليث بن سعد وعبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم- وعودتهم إلى بلادهم حيث نشروا المذهب المالكي الذي سيطر على الحياة الفقهية في الأندلس، سيطرة تكاد تكون تامة، وانفرد أتباعه بالمناصب الدينية العليا وبصفة خاصة مناصب القضاء، ونحّى فقهاء المالكية مذهب الأوزاعي الذي كان المذهب الأول والوحيد الذي عرفه أهل الأندلس؛ لأنه شامي، والأمويون يعدون شاميين في ميولهم، فالشام موطنهم ومستقر ملكهم ومجدهم.
لكن المذهب المالكي استطاع أن يسيطر على الحياة الفقهية، ولذلك قصة ينبغي أن تعرف؛ لأنها ذات دلالة على أثر السياسة في العلم وعلى دور الأمويين باعتبارهم أصحاب السلطة في نصرة مذهب على مذهب. فالإمام مالك بن أنس (٩٣/ ١٩٧ هـ) «١» المشهور بإمام دار الهجرة، كان الود مفقودا بينه وبين العباسيين، بسبب فتواه الشهيرة التي أفتاها لأهل المدينة عندما سألوه: إن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب- المشهور بالنفس الذكية- يطالبنا ببيعته بالخلافة، ونحن سبق منا بيعة لأبي جعفر المنصور، فأفتاهم فتوى حللتهم من بيعة المنصور حيث قال لهم: «لقد بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين» «٢» . وبناء على هذه الفتوى الخطيرة هرع الناس إلى بيعة محمد النفس الذكية؛ لما للإمام مالك من مكانة ومصداقية وهيبة في عيون الناس، وكانت حروب راح ضحيتها عشرات الآلاف من أرواح المسلمين، فالعباسيون لم ينسوا هذا أبدا للإمام وناله منهم أذى كثير.
كل هذا أدى إلى تنافر شديد بين الإمام مالك وبين بني العباس، ويبدو أن ذلك مرتبط بما كان يكنه مالك من ودّ قديم لبني أمية في المشرق، بل تتحدث بعض الدراسات عن ميل مالك إلى الأمويين ومجافاته عن العلويين، يقول الشيخ أمين الخولي «٣» : «إنه- الإمام مالك- ليس علويّا في شيء ما، وليس له ميل سياسي نحو هذا الحزب المعارض- الحزب العلوي- المتطرف في عهد الدولتين- الأموية والعباسية- جميعا، وهو لا يقول بتفضيل علي ﵁ حين يتحدث غير مرة عن أفضل
стр. 328
الناس، وحين يسأله علوي عن هذا التفضيل ولا يفضل عليّا، يقول له العلوي: والله لا أجالسك أبدا، فيقول له مالك: فالخيار لك» ا. هـ.
ويقول في موضع آخر «١» : «يمكن القول: إن مالكا كان ذا ميل سياسي هادئ للأمويين- يقصد الدولة الأموية الكبرى في المشرق- هذا مالك مع أموي المشرق وأما الداخلون منهم إلى الأندلس بعد سقوط دولتهم بالمشرق، فقد أشرنا قبل الآن إلى أن للإمام مالك ميلا واضحا إليهم، وأنه تمنى أن يزيّن الله الحرم بمثل عبد الرحمن- الداخل- وتتكرر الحكاية عن هشام بن عبد الرحمن الذي كان يتشبه بعمر بن عبد العزيز، وأن مالكا قال فيه مثل الذي قال في أبيه من التمني، وقد تجاوب الأمويون مع مالك، فتعصبوا لعلمه تعصبا قويّا حين جاء الراحلون من الأندلسيين به إلى بلادهم، وأخذ هشام المذكور الناس جميعا بالتزام مذهب مالك وصيّر القضاء والفتيا عليه في حياة مالك نفسه ... وحين أدخل قوم من الرحالين إلى الأندلس شيئا من مذهب الشافعي وأبي حنيفة وداود الظاهري، لم يتمكنوا من نشره، فمات بموتهم على اختلاف أزمانهم ... وكذلك أميت ما كان بالأندلس من علم- في مجال الفقه- غير علم مالك من قبله كعلم الأوزاعي، الذي كان أسبق إلى الأندلس من فقه مالك كذلك عمل الترغيب في نشر علم مالك إذ كان يحيى ابن يحيى مكينا عند الأمويين ولا يولّى قاض إلا بمشورته، وهو لا يشير إلا بأصحابه ومن على مذهبه، وكما قالت الرواية القديمة نفسها: الناس سراع إلى الدنيا فأقبلوا على ما يرجون بلوغ أغراضهم منه» ا. هـ.
ولكن رغم هذا النفوذ الكبير الذي تمتع به علماء المالكية في الأندلس فإن أمراء بني أمية كانوا يتدخلون عندما تدعو الضرورة إذا تجاوز هذا النفوذ حده في الحجر على الأفكار الآخرى ومصادرتها وغلق الساحة الفقهية على فقههم وحده. فعندما أحضر أحد علماء الأندلس- وهو بقي بن مخلد- مصنف أبي بكر بن أبي شيبة من المشرق في رحلته العلمية وقرئ في الأندلس أنكر عليه علماء المالكية ذلك «٢» ، بل شنعوا عليه، وسلطوا العامة عليه، ومنعوه من قراءته مع أن الكتاب ليس كتابا في الزندقة والإلحاد ولكنه مصنف في الحديث والفقه يحمل أفكارا قد تخالف ما عليه المالكية لذلك وقفوا ضده بقوة، ليس إلا لإثبات الهيمنة على الساحة الفقهية، فلما
стр. 329
وصل الأمر إلى سمع الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم (٢٣٨- ٢٧٣ هـ/ ٨٥٢- ٨٨٦ م) طلب حضور «بقي» ومعه الكتاب، وطلب حضور معارضيه من فقهاء المالكية، وأمر بقيّا أن يتصفح الكتاب جزآ جزآ إلى أن أتى على آخره، وقد ظن علماء المالكية أن الأمير قد وافقهم على إنكارهم على صاحب الكتاب وأنه سيأمر بمصادرته أو منعه من القراءة والتداول، ولكنهم فوجئوا بالأمير يقول لخازن الكتب: «هذا كتاب لا تستغني خزانتنا عنه، فانظر في نسخه لنا ثم قال لبقي بن مخلد: انشر علمك وارو ما عندك من الحديث، واجلس للناس حتى ينتفعوا بك ... ونهاهم أن يتعرضوا له» «١» ا. هـ.
بعض أولئك الذاهبين إلى المشرق للحج وطلب العلم لم يعودوا إلى الأندلس مزودين بالعلم في صدورهم فقط، بل كانوا يعودون بأعداد من الكتب، جمعوها في سنين عددا، وإليك أنموذجا من هؤلاء ذكره ابن بشكوال في كتاب الصلة وهو «سلمة بن سعيد بن سلمة الأنصاري» رحل إلى المشرق وحج وأقام بالمشرق ثلاثا وعشرين سنة وأدب في بعض أحياء العرب ولقي أبا بكر محمد بن الحسين الآجري، وسمع منه بعض مصنفاته، وأجاز له أيضا حمزة بن محمد الكناني، والحسن بن رشيق، وابن مسرور الدباغ، والحسن بن شعبان وغيرهم، ولقي أيضا أبا الحسن الدارقطني وأخذ عنه وأبا محمد بن أبي زيد الفقيه، وكان رجلا فاضلا ثقة فيما رواه، راوية للعلم، حدث وسمع الناس منه كثيرا، ذكره الخولاني وقال: كان حافظا للحديث، يملي من صدره، يشبه المتقدمين من المحدثين، وكانت روايته واسعة وعنايته ظاهرة، ثقة فيما نقل وضبط، ... ثم يصل ابن بشكوال إلى ما نريد التنويه به، وهو أن سلمة حمل معه من المشرق ثمانية عشر حملا مشدودة من الكتب، ثم يقول: وسافر من اتجه إلى المشرق، واتخذ مصر موئلا واضطرب- أي: تجول- في المشرق سنين كثيرة جدّا يجمع في الآفاق كتب العلم، فكلما اجتمع من ذلك مقدار صالح نهض به إلى مصر، ثم انزعج- أي: رجع- بالجميع إلى الأندلس، وكانت في كل فن من العلم، ولم يتم له ذلك إلا بمال كثير حمله
стр. 330
إلى المشرق، هذا نموذج تكرر كثيرا «١» .
وإلى جانب هذه الأعداد الكبيرة التي لا يكاد سيلها ينقطع ترحالا إلى المشرق، كان الأمراء أيضا يبعثون بعض رجالهم في مهمات علمية خاصة، كالذي ذكره ابن سعيد عن إرسال الأمير عبد الرحمن الأوسط- ابن الحكم (٢٠٦- ٢٣٨ هـ/ ٨٢٢- ٨٥٢ م) - عباس بن ناصح إلى العراق في التماس الكتب القديمة فأتاه بالسند هند- وهو من أقدم الكتب التي ترجمت من الهندية إلى العربية، ومنه تعلم العرب الحساب والأعداد الهندية المعروفة- وغيره، وهو أول من أدخلها إلى الأندلس وعرف أهلها بها، ونظر هو فيها «٢» .
ثانيا: من الطرق التي سلكها الأمويون في الأندلس للنهوض بدولتهم وبناء حضارة مزدهرة فيها، استقدام علماء من المشرق من المبرزين لنشر علمهم في الأندلس، وهؤلاء أيضا أعدادهم كبيرة، حفلت بها المصادر الأندلسية مثل كتاب تاريخ علماء الأندلس لابن الفرضي الذي كان ينص على من وفد من المشرق إلى الأندلس، فعقب أن يترجم لعلماء الأندلس في آخر كل حرف يقول: ومن الغرباء في هذا الباب: فلان وفلان، ويعد من وفد من المشرق إلى الأندلس والمشرق عنده متسع جدّا، فهو يشمل علماء القيروان وصقلية.. إلخ وإذا رجعنا إلى نفح الطيب للمقري نجد أعدادا هائلة من علماء المشرق الذين رحلوا إلى الأندلس واستوطنوها ونشروا علمهم فيها، ولا شك أن سمعة أمراء بني أمية الطيبة في الأندلس وحبهم للعلم واحترامهم الكبير للعلماء وسخائهم معهم لا شك أن كل ذلك جذب كثيرين من علماء المشرق- وبصفة خاصة من العراق- إلى الأندلس؛ لأنهم أدركوا أن أمراء بني أمية في الأندلس من شدة تنافسهم مع العباسيين في المشرق في مضمار الحضارة والعلوم يبذلون كل ما في وسعهم لإكرام العلماء، فكان من الطبيعي أن يشد هؤلاء رحالهم إلى الأندلس؛ لأن السلطان كما يقال في المثل: «سوق يذهب إليه ما يروج فيه» .
والحق أن إكرام أمراء بني أمية وخلفائهم للعلماء كان شيئا نادرا عز مثاله في غير
стр. 331
دولتهم، فعلى كثرة ما نسمع عن سماحة الخليفة العباسي المأمون (١٩٨- ٢١٨ هـ/ ٨١٣- ٨٣٣ م) وإكرامه للعلماء فإن ما نقرأه عن احترام الخليفة الأموي الحكم المستنصر بن عبد الرحمن الناصر (٣٥٠- ٣٦٦ هـ/ ٩٦١- ٩٧٦ م) يفوق كل ما سمعناه عن المأمون، فقد ذكر المقري في «نفح الطيب» حكاية لذلك الخليفة الأموي مع أحد العلماء ينبغي أن تروى ليعرف الناس كيف كان بعض حكام المسلمين يعاملون العلماء، يقول المقري ما ملخصه: يروي الفقيه أبو القاسم بن مفرج: كنت أختلف إلى الفقيه أبي إبراهيم- رحمه الله تعالى- فيمن يختلف إليه للتفقه والرواية، فإني لعنده بعض الأيام في مجلسه بالمسجد المنسوب لأبي عثمان الذي كان يصلي به قرب داره، ومجلسه حافل بجماعة الطلبة، وذلك بين الصلاتين، إذ دخل عليه خصيّ من أصحاب الرسائل، جاء من عند الخليفة الحكم، فوقف وسلم، وقال له: يا فقيه، أجب أمير المؤمنين- أبقاه الله- فإن الأمر خرج فيك، وها هو قاعد ينتظرك، وقد أمرت بإعجالك، فالله الله- كأنه يستعجله- فقال له الفقيه أبو إبراهيم: سمعا وطاعة لأمير المؤمنين، ولا عجلة، فارجع إليه، وعرفه- وفقه الله- عني أنك وجدتني في بيت من بيوت الله تعالى مع طلاب العلم، أسمعهم حديث ابن عمه، رسول الله ﷺ ، فهم يقيدونه عني، ليس يمكنني ترك ما أنا فيه حتى يتم المجلس المعهود لهم في رضى الله وطاعته، فذلك أوكد من مسيري إليه الساعة، فإذا انقضى أمر من اجتمع إلي من هؤلاء المحتسبين في ذات الله، الساعين لمرضاته مشيت إليه إن شاء الله تعالى ثم أقبل على شأنه، ومضى الخصي يهينم متضاجرا من توقفه، فلم يك إلا ريثما أدى جوابه، وانصرف سريعا ساكن الطيش، فقال له: يا فقيه أنهيت قولك على نصه إلى أمير المؤمنين أبقاه الله، فأصغى إليه، وهو يقول لك: جزاك الله خيرا عن الدين وعن أمير المؤمنين، وجماعة المسلمين وأمتعهم بك، وإذا أنت أوعيت- انتهيت- فامض إليه راشدا إن شاء الله تعالى، وقد أمرت أن أبقى معك حتى ينقضي شغلك وتمضي معي.
فقال له: - أبو إبراهيم- حسن جميل، ولكني أضعف عن المشي إلى باب السدّة ويصعب عليّ ركوب دابتي لشيخوختي، وضعف أعضائي، وباب الصناعة الذي يقرب إليّ من أبواب القصر المكرم أحوط وأقرب وأرفق بي، فإن رأى أمير المؤمنين- أيده الله تعالى- أن يأمر بفتحه لأدخل إليه منه، هون على المشي، وودع جسمي، وأحب أن تعود وتنهى إليه ذلك عني، حتى تعرف رأيه فيه وكذلك حتى
стр. 332
تعود إلى فيه، فإني أراك فتى سديدا، فكن على الخير معينا.
ومضى عنه الفتى، ثم رجع بعد حين وقال: يا فقيه أجابك أمير المؤمنين إلى ما سألت، وأمر بفتح باب الصناعة وانتظارك من قبله، ومنه خرجت إليك، وأمرت بملازمتك مذكرا بالنهوض عند فراغك قال: افعل راشدا وجلس الخصي جانبا حتى أكمل أبو إبراهيم مجلسه كأفسح ما جرت به عادته، غير منزعج ولا قلق، فلما انفضضنا عنه قام إلى داره، فأصلح من شأنه، ثم مضى إلى الخليفة الحكم، فوصل إليه من ذلك الباب، وقضى حاجته من لقائه، ثم صرفه على ذلك الباب، فأعيد إغلاقه على أثر خروجه.
قال ابن مفرج ولقد تعمدنا في تلك العشية إثر قيامنا عن الشيخ أبي إبراهيم المرور بهذا الباب المعهود بإغلاقه بدبر القصر، لنرى تجشم الخليفة له، فوجدناه كما وصف الخصي مفتوحا، وقد حفه الخدم والأعوان منزعجين، ما بين كناس وفراش، متأهبين لانتظار أبي إبراهيم، فاشتد عجبا لذلك، وطال تحدثنا عنه.
ويعلق المقري على الرواية مأخوذا بروعة هذا الكبرياء، فيقول «١» : «هكذا تكون العلماء مع الملوك، والملوك مع العلماء قدس الله تلك الأرواح» ا. هـ.
ليست هذه مجرد حكايات تروى، وإنما هي ترجمة لسلوك ملوك كبار عرفوا قيمة العلم فاحترموا العلماء، وأحلوهم منهم المكان الذي يليق بهم، وبعلمهم.
وبهذا قامت الحضارة وتأثل المجد. وبنفس هذه الروح استقبلت الأندلس أحد أبرز علماء المشرق في اللغة والأدب، وهو أبو علي القالي، هذه كنيته واسمه إسماعيل ابن القاسم، وقد استدعاه الخليفة عبد الرحمن الناصر لعلمه وفضله، وليكون معلما لابنه وولي عهده الحكم المستنصر، وندع الحميدي يروي لنا قصة القالي ومجيئه إلى الأندلس، فيقول «٢» : «إسماعيل بن القاسم، أبو علي القالي اللغوي، ولد بمنازجرد من ديار بكر، فنشأ بها، ورحل منها إلى العراق في طلب العمل، فدخل بغداد في سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وسمع من أبي القاسم عبد الله بن عبد العزيز البغوي، وأبي سعيد الحسن بن علي بن زكريا بن يحيى بن صالح بن عاصم
стр. 333
ابن زفر العدوي، وأبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد، وأبي بكر محمد بن السري، المعروف بابن السراج، وأبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج.. وغيرهم، وقيل: إنه سمع من أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، ومال بطبعه إلى اللغة وعلوم الأدب، فبرع فيها، واستكثر منها، وأقام ببغداد خمسا وعشرين سنة، ثم خرج منها قاصدا إلى المغرب في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، في أيام عبد الرحمن الناصر، وكان ابنه الأمير أبو العاص الحكم بن عبد الرحمن أحب ملوك الأندلس للعلم، وأكثرهم اشتغالا به، وحرصا عليه، فلتقاه بالجميل، وحظي عنده وقرب منه، وبالغ في إكرامه، يقال: إنه هو كان قد كتب إليه، ورغبه في الوفود عليه، واستوطن قرطبة، ونشر علمه بها، وكان إماما في علم اللغة متقدما فيها، متقنا لها، فاستفاد الناس منه، وعولوا عليه، واتخذوه حجة فيما نقله، وكانت كتبه على غاية التقييد والضبط والإتقان، وقد ألف في علمه الذي اختص به تواليف مشهورة، تدل على سعة روايته، وكثرة إشرافه، وأملى كتابا سماه «النوادر» يشتمل على أخبار وأشعار ولغة، وسمع منه جماعات وحدثوا عنه، منهم: أبو محمد عبد الله بن الربيع بن عبد الله التميمي ... » ا. هـ. فنجتزئ بهذا القدر من ترجمة الحميدي لأبي علي القالي؛ لأنها طويلة حيث جاءت في نحو خمس صفحات. مما يدل على أهمية القالي وأهمية علمه؛ لأن الحميدي من أصحاب الإيجاز في الترجمة، فبعض الترجمات عنده لا تزيد على بضعة سطور، وخلاصة ما تبقى من الترجمة أن أبا علي القالي جمع عالم المشرقيين في اللغة والأدب وسافر بعلمه إلى الأندلس، فنشر ما شاء الله أن ينشر في الأندلس، واشتهر بأماليه «١» . وكان أثيرا لدى الخليفة الحكم المستنصر.
قوائم العلماء المشرقيين الذين ارتحلوا إلى الأندلس طويلة، لا في العلوم العربية والإسلامية فحسب، بل في العلوم الطبية وغيرها «٢» .
ولا يتسع المقام هنا لإيراد المزيد، ولكن لا يتم الكلام في هذا المجال دون إشارة
стр. 334
إلى شخصية مشرقية قدمت إلى الأندلس في مطلع ولاية الأمير عبد الرحمن الأوسط ابن الحكم (٢٠٦- ٢٣٨ هـ/ ٨٢٢- ٨٥٢ م) وحظيت باهتمام قلما حظيت به شخصية أخرى.
وهي شخصية الموسيقي والمغني المشهور «زرياب» صاحب التأثير الكبير في حياة الأندلسيين بصفة عامة، وأهل قرطبة بصفة خاصة، ولم يكن تأثيره في مجال الموسيقى والغناء وإدخاله وترا خامسا للعود فحسب، إنما كان في مجالات عديدة في ألوان الطعام، ونظام الموائد، وحتى في الملابس وما يصلح منها لكل فصل من الفصول، وحتى تصفيف الشعر، وباختصار كل ما يدخل في ما يسميه الناس الآن فن (الإتيكيت) والأناقة ولذلك أطلقوا عليه ملك الأناقة، وقالوا عنه: كأنه نقل بغداد بكل ما فيها إلى الأندلس.
والذي أعطى «زرياب» - واسمه علي بن نافع- هذه الأهمية أنه جاء إلى الأندلس في مطلع حكم الأمير عبد الرحمن الأوسط، وتروي المصادر أن الذي استدعاه كان الأمير الحكم بن هشام، ولكنه عندما وصل إلى الأندلس كان الأمير الحكم قد فارق الحياة، وأصبح ابنه عبد الرحمن الأوسط هو الأمير فاستقدم (زرياب) واحتفى به احتفاء عظيما وأغدق عليه الأموال، ذلك أن عبد الرحمن بن الحكم عاصر المأمون العباسي في نحو اثني عشر عاما من حكمه وكان بلاط بغداد في عهد المأمون قد بلغ الغاية في الفخامة والبهاء وكان عبد الرحمن الأوسط شديد الولع بكل ما هو شرقي، وكان يريد لبلاطه أن يكون مثل بلاط بغداد أو أبهى منه، من هنا كان ترحيبه بفنان ضاقت عنه قصور بغداد بسبب المنافسة بينه وبين أستاذه إسحاق الموصلي الذي ضاق به ذرعا وحسده لما رأى إعجاب الرشيد به فكان هذا مما حمله على ترك بغداد والرحيل إلى الأندلس، ولا بد أنه كان على ثقة من حسن استقباله والاحتفاء به، وهذا هو السبب المشهور، أما أبو بكر بن القوطية فيروي سببا آخر لهجرة زرياب من بغداد إلى الأندلس فيقول «١» : «وقدم زرياب على عبد الرحمن بن الحكم ﵀، وكان- زرياب- بالمحل القريب من الأمين بن هارون- الرشيد- وكان المأمون الوالي بعد الأمين، فعد عليه- على زرياب- أشياء، فلما خذل الأمين فرّ زرياب إلى الأندلس، فحل من عبد الرحمن بكل محل، وكان أهلا لذلك في أدبه
стр. 335
وروايته وتقدمه في الصناعة التي كانت بيده» ا. هـ.
ويضيف ابن القوطية خبرا له مغزاه، ينبغي ذكره، ملخصه أن «زرياب» غنى الأمير عبد الرحمن صوتا استحسنه، فأمر خزان بيت المال أن يدفعوا له ثلاثين ألف دينار، ولكنهم رفضوا، وقالوا: نحن وإن كنا خزان الأمير أبقاه الله فنحن خزان بيت مال المسلمين، نجبي أموالهم وننفقها في مصالحهم، ولا والله ما ينفذ هذا ولا منا من يرضى أن يرى هذا في صحيفته غدا أن نأخذ بثلاثين ألفا من أموال المسلمين، وندفعها إلى مغنّ في صوت غناه، يدفع إليه الأمير أبقاه الله مما عنده- أي: من ماله الخاص وليس من مال المسلمين- فلما أخبر الأمير بذلك كان «زرياب» حاضرا فقال: ما هذه طاعة- كأنه يحرض الأمير على خزان بيت المال؛ لأنهم عصوا أوامره- أما الأمير عبد الرحمن فقال: هذه الطاعة، ولأولينهم الوزارة على هذا الأمر، وصدقوا فيما قالوا، ثم أمر بدفعه إلى «زرياب» مما عنده.
ما أجمل الأمراء عندما يستجيبون لنصح الناصحين!
ثالثا: في الصفحات السابقة وضحنا أن الأمويين في الأندلس سلكوا في بناء نهضة حضارية عربية إسلامية على أرض الأندلس ثلاث طرق، تحدثنا عن اثنتين منها وهما: بعث طلاب العلم والعلماء إلى المشرق الإسلامي للتزود بكل جديد في كل العلوم العربية الإسلامية وعلوم الطب والفلك والكيمياء والفيزياء ... إلخ والعودة بهذا الحصاد إلى الأندلس وكانوا مدركين أنه بدون هذا التواصل العلمي مع المشرق فلن يتأتى لهم بناء الحضارة التي يتوقون إليها ويطمحون أن تضاهي حضارة بغداد.
والطريق الثاني: استقدام علماء من المشرق إلى الأندلس للانتفاع بعلمهم، وفي الصفحات التالية نوجز القول في الطريق الثالث الذي سلكه الأمويون في الأندلس لبناء نهضتهم الحضارية؛ وهو الكتاب، فالكتاب هو سيد الموقف في الفكر الإنساني بلا خلاف، فمهما تقدمت وسائل التعليم سيبقى هو في مكانته ليس له بديل في ملء العقول بالعلم والفكر، من هنا أعطى الأمويون قضية الكتاب وإحضاره من الشرق والغرب أيضا إلى الأندلس أهمية قصوى، وفي هذه المسألة ربما كانت مهمتهم أسهل نسبيّا من مهمة العباسيين؛ لأن العباسيين اضطلعوا بعبء الترجمة من اللغات الأجنبية، وبصفة خاصة الهندية والفارسية واليونانية إلى اللغة العربية، وهو عبء ثقيل ومكلف ماديّا، ففوق ما وجده العباسيون على الأرض التي
стр. 336
كانوا يسيطرون عليها من ثراث تلك الأمم، وهو التراث الذي أشدنا أكثر من مرة بدور الأمويين في الحفاظ عليه وصيانته وتركه للعباسيين ليقوموا بترجمته إلى اللغة العربية، غير أن العباسيين لم يقنعوا بما وجدوه على الأرض التي كانوا يسيطرون عليها، والتي تمتد حدودها من المحيط الأطلسي غربا إلى حدود الصين شرقا، وإنما دفعهم النهم العلمي والرغبة الصادقة في بناء صرح حضاري يتناسب مع عظمة الدولة العباسية وثرائها إلى البحث عن زخائر الفكر الإنساني التي لم تكن في متناول أيديهم، وحاولوا الحصول عليها بكل الطرق، وتعددت وسائلهم في الحصول على المخطوطات في مختلف العلوم الأجنبية فأحيانا عن طريق المعاهدات مع أباطرة الدولة البيزنطية، التي كانوا يشترطون فيها تسليمهم كميات من المخطوطات اليونانية «١» أو عن طريق الهدايا.
ويقول صاعد الأندلسي في هذا الصدد «٢» : «ثم لما أفضت الخلافة إلى الخليفة السابع منهم عبد الله المأمون ... فأقبل على طلب العلم في مواضعه واستخرجه من معادنه بفضل همته الشريفة، وقوة نفسه الفاضلة، فراسل ملوك الروم، وأتحفهم بالهدايا الخطيرة، وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلاسفة، فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب أفلاطون، وأرسطوطاليس، وأبقراط، وجالينوس، وأوقليدس، وبطليموس وغيرهم من الفلاسفة، فاستجاد لها مهرة التراجمة، وكلفهم إحكام ترجمتها، فترجمت له على غاية ما أمكن، ثم حض الناس على قراءتها ورغبهم في تعليمها، فنفقت سوق العلم في زمانه وقامت دولة الحكمة في عصره» ا. هـ. وأحيانا عن طريق البعثات العلمية التي كانوا يرسلونها إلى أراضي تلك الدولة للحصول على المخطوطات، عن طريق الشراء، وكتاب الفهرست لابن النديم زاخر بأخبار تلك البعثات. والكتب التي كانوا يعودون محملين بها.
لقد حصل العباسيون على عدد هائل من المخطوطات، ولم يحصلوا عليه ليحبس في خزائن الكتب، وإنما ليترجم إلى اللغة العربية، ويبعث من جديد، ينقح ويصحح ويضاف إليه جديد من قرائح العلماء وعبقرياتهم، وقدموه للعالم وبصفة خاصة إلى أوربا، التي قامت نهضتها في مطلع العصر الحديث على أساس علوم العرب
стр. 337
ومعارفهم، كما يشهد بذلك كل المنصفين من الأوربيين أنفسهم، ولقد سبق أن اقتبسنا كثيرا من مؤلفاتهم التي ورد ذكرها في هذا البحث، مما يؤيد ما نقول.
لذلك أنشأ الخليفة هارون الرشيد (١٧٠- ١٩٣ هـ/ ٧٨٦- ٨٠٨ م) بيت الحكمة في بغداد ليكون أول مؤسسة علمية أكاديمية تضطلع بهذا الدور في التاريخ، وهو دور الترجمة، وكان أول رئيس لهذه المؤسسة العلمية العظيمة هو يوحنا بن ماسويه، وكان نصراني الديانة سريانيّا، يقول ابن أبي أصيبعة «١» : «قلده الرشيد ترجمة الكتب القديمة، مما وجده بأنقرة وعمورية وسائر بلاد الروم، حين سباها المسلمون، ووضعه أمينا على الترجمة، وخدم هارون الرشيد- والأمين والمأمون، وبقي على ذلك إلى أيام المتوكل» ا. هـ. هل يحتاج هذا الخبر إلى تعليق ولفت الأنظار إلى هذا التسامح الإسلامي من أعظم ملوك الدنيا عندئذ وهم يضعون عالما نصرانيّا على رأس أهم مؤسسة علمية في دولتهم؟!.
وإذا كان الرشيد قد أسس بيت الحكمة فقد بلغت ذروة مجدها وعصرها الذهبي في عهد المأمون، الخليفة العالم، الذي كان يكافئ المترجمين- فوق رواتبهم الرسمية- بوزن الكتاب المترجم ذهبا خالصا، مما جعل المترجمين يبذلون أقصى طاقاتهم في نقل كنوز العلم القديم كله إلى اللغة العربية، وحديثنا عن الترجمة في المشرق المقصود به أن نوضح أن ما قام به العباسيون من ترجمة كان فيه خدمة هائلة للأمويين- بل للإنسانية جمعاء- لأنهم لم يضطروا إلى الترجمة فقد وجدوا كل شيء جاهزا ومعدّا، ففي نهاية عهد المأمون (١٩٨- ٢١٨ هـ/ ٨١٣- ٨٣٣ م) كان معظم التراث القديم قد ترجم وأصبح يقرأ في اللغة العربية، وهذه خدمة جليلة للعلم بصفة عامة وللأمويين بصفة خاصة، سيما وأن اللغة اليونانية المكتوب بها معظم هذا التراث لم تكن معروفة في الأندلس إلا في أضيق الحدود «٢» . ولذلك لم تشهد الأندلس حركة ترجمة كالتي حدثت في بغداد، واكتفوا بهذا وكان فيه الغناء.
ولما كان الأمويون في الأندلس- وبصفة خاصة آخر العظماء منهم، وهو الحكم المستنصر- لا يقلون رغبة عن العباسيين في التعلم والتحضر فقد بذلوا أقصى طاقاتهم في إحضار كل ما كان يؤلف أو يترجم في المشرق، في أي علم من العلوم،
стр. 338
ولم يمنعهم بعد الشقة ولا كثرة التكاليف عن الوصول إلى غاياتهم، وقد بدؤوا في تحقيق تلك الغاية ربما في الوقت نفسه التي بلغت فيه الترجمة ذروتها في عهد المأمون، فأول من أرسل بعثة رسمية إلى المشرق لإحضار الكتب القديمة والحديثة هو الأمير عبد الرحمن الأوسط بن الحكم (٢٠٦- ٢٣٨ هـ/ ٨٢٢- ٨٥٢ م) وهو كما سبقت الإشارة عاصر المأمون لمدة اثني عشر عاما من حكمه، وسبق أن ذكرنا أنه أرسل عباس بن ناصح للبحث عن الكتب فجاءه بعدد منها، كان من بينها كتاب «السند هند» وكان قد ترجم إلى العربية في بغداد.
ولما كان هذا البحث قد تجاوز الحيز المقدر له فلن نستطيع تتبع جهود كل أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس في إحضار الكتب من كل الأقطار وفي كل العلوم، ولذلك سنقصر الحديث تقريبا على أكثرهم حبّا للعلم والعلماء والقراءة، وهو الحكم المستنصر العظيم (٣٥٠- ٣٦٦ هـ/ ٩٦٢- ٩٧٦ م) الذي يقول عنه أحد الباحثين: إنه كان بمثابة وزير التعليم في عهد والده الناصر «١» . فهو فارس هذا الميدان بدون منازع، وعنه يقول صاعد الأندلسي «٢» : «ثم لما مضى صدر من المائة الرابعة انتدب الأمير الحكم المستنصر بالله بن عبد الرحمن الناصر لدين الله، وذلك في أيام أبيه إلى العناية بالعلوم وإيثار أهلها، واستجلب من بغداد ومصر وغيرهما من ديار الشرق عيون التواليف الجليلة والمصنفات الغريبة في العلوم القديمة- يقصد العلوم التي سماها المسلمون علوم الأوائل مثل الطب والهندسة والفلك والرياضيات والكيمياء والفيزياء وغيرها- والحديثة- ويقصد العلوم العربية والإسلامية مثل الفقه والحديث والتفسير وعلوم اللغة العربية وآدابها.. إلخ- وجمع منها في بقية أيام أبيه، ثم في مدة ملكه من بعده ما كاد يضاهي ما جمعته ملوك بني العباس في الأزمان الطويلة، وتهيأ له ذلك لفرط محبته للعلم. وبعد همته في اكتساب الفضائل، وسمو نفسه إلى التشبه بأهل الحكمة من الملوك، فكثر تحرك الناس في زمانه إلى قراءة كتب الأوائل، وتعلم مذهبهم» ا. هـ.
الحق لم نقرأ في التاريخ الإسلامي على امتداده شرقا وغربا أن خليفة أبدى من الاهتمام بجمع الكتب والتعليم بصفة عامة مثل الخليفة الحكم المستنصر، وهو لم يجمع الكتب ليخزنها وإنما تفيض المصادر بالأخبار المتواترة أنه قرأ كثيرا من
стр. 339
محتويات مكتبته التي كان بها ستمائة ألف كتاب ووجدت له تعليقات على بعض هذه الكتب بخط يده، كانت موضع ثقة العلماء مما يدل على أنه قرأ وفهم، يقول ابن سعيد في كتاب «المغرب في حلى المغرب» عن الحكم المستنصر ما يلي «١» :
«كان له إذ ولي بعد أبيه سبع وأربعون سنة وكان حسن السيرة جامعا للعلوم، محبّا لها مكرما لأهلها، وجمع من الكتب في أنواعها ما لم يجمعه أحد من الملوك قبله، وذلك بإرساله فيها إلى الأقطار واشترائه لها بأعلى الأثمان ... ووجه لأبي الفرج الأصبهاني ألف دينار على أن يوجه له نسخة من كتاب الأغاني، وباسمه حرر أبو علي البغدادي كتاب الأمالي، فأحمد وفادته» ا. هـ.
ومن حبه للعلم ونشره بين أبناء الأمة الأندلسية فإنه بنى على نفقته الخاصة سبعا وعشرين مدرسة لتعليم الفقراء، مما يدل على أن القادرين كانوا ينفقون على تعليم أنفسهم.
ولقد فشا التعليم في الأندلس بصفة عامة وفي العاصمة قرطبة بصفة خاصة إلى الحد الذي جعل بعض الباحثين يقول: إن غالبية السكان كانوا يجيدون القراءة والكتابة ولذلك كان أصحاب المصانع لا يقبلون عاملا في مصانعهم إلا إذا كان يجيد القراءة والكتابة، حتى ولو كان العمل لا يتطلب ذلك، ومعنى ذلك أن المجتمع والرأي العام هو الذي جعل التعليم إجباريّا وليس عملا قامت به السلطة وحدها «٢» .
والتعليم شمل الجنسين، الذكور والنساء على السواء، يقول الأستاذ خوليان ريبيرا «٣» : «وبلغ تعليم المرأة حدّا واسعا من الانتشار يمكن أن نستنتجه مما ذكره ابن فياض في تاريخه أخبار قرطبة قال: كان بالربض الشرقي من قرطبة مائة وسبعون امرأة كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي، هذا في ناحية من نواحيها، فكيف بجميع النواحي، وتزاحم الطلاب على الدراسة جعل المرأة أيضا تقبل عليها، وتفتح المدارس تلقي فيها الدروس، كما يصنع الرجال، وكان لبني حزم «٤» - وهي أسرة اشتهرت بالأساتذة- مدرسة من أشهر مدارس قرطبة، يدرس فيها الأب للصبيان،
стр. 340
والابن للفتيان، والبنت للفتيات» ا. هـ. ولقد اشتهرت نساء كثيرات وصلن إلى مكانة عالية في دنيا الثقافة؛ مثل «لبنى» كاتبة الخليفة الحكم، التي يقول عنها ابن بشكوال «١» : «كانت حاذقة بالكتابة، نحوية، شاعرة، بصيرة بالحساب، مشاركة في العلم، لم يكن في قصرهم أنبل منها، وكانت عروضية خطاطة جدّا» ا. هـ.
والقوائم طويلة ولا يتسع الوقت للمزيد.
نعود إلى الخليفة الحكم وأثره في إثراء عالم الكتب في الأندلس وإنفاقه بسخاء على جمع الكتب من كل مراكز العلم من المشرق، حيث كان له وكلاء فنيون يقيمون إقامة تكاد تكون دائمة في مدن المشرق، مزودين بأموال طائلة للحصول على الكتب بأي ثمن، وكان حريصا على أن يدخل مكتبته أي كتاب يصدر في المشرق ليقرأه قبل أن يقرأ في بلد المنشأ، والقصة المتواترة في ذلك المجال كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني الذي ينتمي إلى أصول أموية فقد دفع أحد وكلاء الحكم ألف دينار لأبي الفرج ليحصل على نسخة من الكتاب، قبل أن يصدر في بغداد وسبق أن اقتبسنا ذلك من ابن سعيد «٢» .
وشاع بين رعايا الحكم الثاني أن أقصر الطرق إلى قلبه وأفضل وسيلة لإقناعه واستمالته للحصول على خير أو بلوغ منصب أن يقدم له كتاب ليس عنده في مكتبته، ولهذا أخذوا يخصونه بمؤلفاتهم، أو يهدون إليه نسخا من كتب نادرة، ونجد ذلك حتى بين الأساقفة المسيحيين في قرطبة، فقد ألف الأسقف ربيع بن زيد، واسمه اللاتيني رثموندو Recemundo كتاب الأنواء، واشتهر باسم تقويم قرطبة، وأهداه إلى الحكم الثاني، وهو كتاب طريف ومثير، ولحسن الحظ وصلنا كاملا، واشتهر بيننا ونشر أخيرا «٣» .
هذه المكتبة الضخمة التي ارتبطت باسمه في الحقيقة لم تكن نتيجة جهوده وحده، وإنما بذل أسلافه جهودا كبيرة أيضا في جمع الكتب وأسسوا المكتبة ليصل بها هو إلى هذا المستوى العالي الذي وصلت إليه.
فالأسرة الأموية في الأندلس أظهرت- طبقا لكل المصادر التي تحدثت عنهم-
стр. 341
حبّا للتعليم منذ عهد عبد الرحمن الداخل، فقد كان هو نفسه شاعرا وأديبا وفقيها، وفي عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن (٢٣٨- ٢٧٣ هـ/ ٨٥٢- ٨٨٦ م) بدأ المؤرخون يتحدثون عن المكتبة الملكية كواحدة من خيرة مكتبات قرطبة، واشتهر عبد الرحمن الناصر نفسه بحب الكتب شهرة وصلت إلى بيزنطة وحين أراد الإمبراطور قسطنطين السابع أن يتقرب إلى الناصر أهداه بعض الكتب، منها كتاب ديسقوريدس في الطب في مجلد رائع كتب بحروف مذهبة ... وفي ذلك الوقت بدأ اثنان من أبناء الناصر- وهما الحكم ومحمد- دراستهما تحت إشراف مؤدبين من أسبانيا والشرق، واستيقظت هوايتهما للكتب في قوة، حتى أن مكتبة والدهما لم تعد تشبع نهمهما، وتنافس كلاهما، أيهما يستطيع أن يسبق الآخر في تكوين مكتبة أدق اختيارا وأكثر عددا؟ وبعد فترة توفي الأمير محمد وورث أخوه الحكم مكتبته، وجمع الثلاث في واحدة، وأصبحت هذه مكتبة القصر ... وكان يعمل فيها دون توقف أمهر المجلدين في أسبانيا، إلى جانب آخرين جيء بهم من صقلية وبغداد، ومعهم جمهرة من الفنانين، رسامين ومزوقين ومنمقين، يزخرفون الكتب بالصور الجميلة، بعد أن نسخها أدق الخطاطين لتقديمها إلى لجنة من كبار العلماء، تقوم بمعارضتها وتصحيحها، وتدفع لهم الدولة مرتباتهم في سخاء «١» .
إن هذا الولع الملكي بالكتب انتقل إلى الشعب، حتى لم يكد يخلو بيت من مكتبة، وهناك أسر كبيرة جمعت كميات هائلة من الكتب وكونت مكتبات كبيرة، مثل أسرة ابن فطيس وغيرهم.
ولا يتسع المكان للحديث عن بقية مكتبات قرطبة فضلا عن غيرها من مكتبات المدن الأندلسية الآخرى، مثل مكتبات إشبيلية والمرية ومالقة وبطليوس وطليطلة وسرقسطة وبلنسية.. إلخ ولا يتسع الحديث كذلك عن المكتبات التي كان الأثرياء يوقفونها على الفقراء من طلبة العلم، فالكتب التي تجمعت في المكتبات الأندلسية، سواء التي ألفها علماء الأندلس أنفسهم، أو التي جاءت من المشرق الإسلامي أعدادها تفوق الحصر، فكل عالم جاء من الأندلس إلى المشرق ودرس وتعلم وعاد إلى الأندلس عاد ومعه كتب، بل رأينا فيما سبق عالما واحدا وهو سلمة بن سعيد جاء من المشرق إلى الأندلس بثمانية عشر حملا من الكتب، والمقصود بالحمل
стр. 342
حمل بعير، وحمل البعير من الكتب يكفي لتكوين مكتبة محترمة، فما بالنا بثمانية عشر حملا جاء بها عالم واحد؟ والعلماء الذي رحلوا من المشرق إلى الأندلس حملوا معهم أيضا كثيرا من الكتب، وعند ما ألف ابن عبد ربه تحفته الأدبية الرائعة- «العقد الفريد» - دل على أن علم المشرق كان معروفا كله عند علماء الأندلس، ولذلك عندما قرأ الوزير البويهي الشهير الصاحب بن عباد ذلك الكتاب قال عبارته المشهورة: «هذه بضاعتنا ردت إلينا» .
وخلاصة القول: أن أمراء وخلفاء بني أمية في الأندلس بذلوا أقصى طاقاتهم ولم يدخروا وقتا ولا جهدا ولا مالا، وسلكوا كل السبل لبناء حضارة عربية إسلامية على الأرض الأندلسية التي كانت من قبل ذات حضارة متواضعة بالقياس إلى الحضارة في أقطار المشرق، مثل مصر والشام والعراق وفارس ... إلخ وهذا يشهد للأمويين بالعبقرية «١» ، فقد فتحوا قنوات ثقافية مع العديد من الدول الإسلامية والنصرانية على السواء، وسبق ذكر الهدية التي أهداها الإمبراطور قسطنطين السابع إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر من الكتب القيامة. وكذلك أقام الأمويون علاقات طيبة وودية مع الرستميين في الجزائر الحالية. وهم خوارج إباضية- كما أشرنا من قبل- وأصبحت تاهرت عاصمتهم أحد روافد العلوم التي كانت تمد قرطبة بكل ما يأتيها من الشرق، وتتلقى منها كذلك «وشهدت عاصمتا الدولتين العديد من الزيارات المتبادلة بين العلماء كما أصبحت الدولة الرستمية الجسر الذي ضمن استمرار التدفق الحضاري من المشرق إلى الأندلس؛ لذا حرص الأمويون على استغلال هذا الجسر رغبة منهم في ربط إمارتهم البعيدة بتيار الحضارة الإسلامية في المشرق، وعن طريق الرستميين نجح أمراء بني أمية في الأندلس في الحصول على ما يحتاجون إليه من كنوز المشرق العربي ومؤلفاته ومخطوطاته وكذلك علمائه، وكانت لدى الرستميين مكتبتهم الضخمة التي عرفت بالمعصومة والتي حوت عددا ضخما من الكتب والمؤلفات في مختلف العلوم والفنون بالإضافة إلى جهود العلماء المحليين.
وبذا يكون الرستميون قد قاموا بدور الوسيط الثقافي، كما قاموا من قبل بدور الوسيط التجاري، فأخذوا من المشرق وأعطوا الأندلس، فكانت بلادهم ماء الحياة
стр. 343
الذي جدد انطلاق الإسلام إلى غرب أوربا عن طريق الأندلس «١» .
لقد بذل الأمويون جهودا كبيرة طوال نحو ثلاثة قرون- عمر دولتهم في الأندلس- لبناء نهضة حضارية عربية إسلامية عظيمة، ولم يدخروا جهدا في نقل العلوم العربية الإسلامية، من المشرق الإسلامي من فقه وتفسير وحديث وأدب ... إلخ.
وظهر في كل تلك العلوم علماء مبرزون وضعوا مؤلفات خلدت أسماءهم، وكذلك نقلوا العلوم التي ترجمت في المشرق، مثل الطب والهندسة والفلك والرياضيات والكيمياء والفيزياء ... إلخ. وظهر كذلك في كل تلك العلوم علماء كان لهم شأن عظيم، ولا يتسع المجال حتى لضرب الأمثلة؛ لأن تلك الأسماء فوق الحصر، ويتضح ذلك لمن يطالع بعض أمهات الكتب الأندلسية مثل «تاريخ علماء الأندلس» لابن الفرضي، و «جذوة المقتبس» للحميدي، و «الصلة» لابن بشكوال، و «نفح الطيب» للمقري، و «الإحاطة في أخبار غرناطة» لابن الخطيب، و «فهرس ابن خير» ، و «الزخيرة» لابن بسام ... إلخ.
ولقد نجح الأمويون في تحقيق ما قصدوا إليه من بناء نهضة حضارية عربية إسلامية عظيمة على أرض الأندلس وجعلوا منها البقعة الوحيدة المضيئة في غرب أوربا في عصورها الوسطى المظلمة، ولا أدل على ذلك من كثرة المؤلفات التي وضعها الأوربيون أنفسهم إشادة بهذه الحضارة والتي وردت بعض أسمائهم في ثنايا هذا البحث ولا نريد التكرار خوف الملال على القارئ.
المهم أن الناس هناك في الأندلس في ذلك الزمان البعيد عاشوا تلك الحضارة العظيمة واستمتعوا بخيراتها وثمارها وبركاتها فسكنوا أجمل المدن، حيث كانت المدن الأندلسية في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي- وهو عصر الأندلس الذهبي في تاريخها كله- أعمر المدن في القارة الأوربية من أقصاها إلى أقصاها، فبيوتها وشوارعها نظيفة، مبلطة ومضاءة بالمصابيح ليلا وترش بالمياه نهارا، وكان سكان مدينة قرطبة- عاصمة الأمويين- وحدها يزيدون على مليون مواطن، وقلما عرفت مدينة في الشرق والغرب مثل هذا العدد من السكان في ذلك الزمان، والناس كلهم تقريبا يتعلمون أفضل تعليم وكان التعليم مجانيّا لغير القادرين، وإجباريّا
стр. 344
بضغط الرأي العام والمجتمع لا بضغط الحكومة وحدها.
ويتلقى السكان أفضل علاج ويستمتعون بحياة طيبة فيها كل ما يصبو إليه الإنسان من رفاهية وإلى قرطبة وغرناطة وإشبيلية وطليطلة ومرسية ومالقة والمرية وسرقسطة ... إلخ كانت تأتي وفود العواهل الأوربيين في طلب الأدوية والتحف، وأدوات الترف والزينة، وفرق الموسيقى والغناء، وإلى تلك المدن أيضا كان يهرع طلاب العلم للتعلم في مدارسها ومعاهدها.
ألا حيّ الله تلك الأيام الخالدة، وبارك وقدس أرواح أولئك الرجال من الأمراء والخلفاء والعلماء الذين أبدعوا تلك الحضارة العظيمة.
стр. 345
بحوث في السّيرة النّبويّة والتّاريخ الإسلاميّ قراءة ورؤية جديدة
[البحث الثاني عشر] واقع الإنسان في المجتمعات الإسلامية المعاصرة
стр. 346
واقع الإنسان في المجتمعات الإسلامية المعاصرة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، وبعد؛ فإن هذا الملتقى «واقع الإنسان في المجتمعات الإسلامية المعاصرة» الذي ينظمه المعهد العالي الوطني للدراسات الحضارية بوهران يأتي في موعده تماما، فالعالم الإسلامي في مسيس الحاجة إلى من يشخص ويحدد ويصف له أوجاعه وأوضاعه وأحواله من جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.. إلخ وإلى من يصف له العلاج الناجع، والمحور الأول من محاور هذا الملتقى «واقع الإنسان في المجتمعات الإسلامية المعاصرة» يعد محور التشخيص والتوصيف للعلل والأوجاع التي يعاني منها العالم الإسلامي؛ وبقية المحاور بمثابة وصفات العلاج وتحديد الدواء، كل في مجاله وتخصصه وهذا المحور الأول موضوعه كبير وواسع، وكان وحده يحتاج إلى ملتقى خاص به؛ لأن واقع العالم الإسلامي مرير، ومليء بالمشكلات الصعبة والمعقدة والمتداخلة وتكتنفه أخطار جمة، بعضها خارجي وهو الأخطر والأشد شراسة؛ لأن وراءه قوى عالمية تملك إمكانات هائلة، وهي تكره الإسلام والمسلمين وتكيد لهم كيدا عظيما، وبعض تلك الأخطار داخلي، والأيدي الخارجية فيها ليست خافية، ولا يستطيع باحث بمفرده ولا بحث بذاته أن يغطي جوانب هذا الموضوع الكبير المعقد، والذي يحتاج إلى تخصصات كثيرة حتى يكون الكلام علميّا وموضوعيّا ودقيقا ومفيدا، وأنا لا أستطيع الادعاء بأنني قادر على تغطية موضوع كهذا، وكل ما في وسعي أن أحاول إلقاء الضوء على بعض أوضاع وأحوال واقع العالم الإسلامي في وقتنا الحاضر، ذلك الواقع الذي وصفته في مطلع حديثي وصفا بدهيّا بالمرير- وهو فعلا كذلك- فلا أظن أن العالم الإسلامي مرت به فترة من فترات تاريخه أحس فيها بالمهانة والذلة وضياع الحقوق وفقدان الهيبة، كما يحس الآن، ومن يقول غير ذلك أظنه مغالطا ومجافيا للواقع، وإذا أراد الإنسان أن يضرب أمثلة على ذلك ويقدم نماذج فسيجد مئات الأمثلة والنماذج التي تؤكد ما أقول، هل أضرب أمثلة مما يجري للمسلمين في فلسطين المحتلة؟ أم ما جرى لهم في إقليم كوسوفا أم ... إلخ؟.
стр. 347
أم نتحدث عما يجري من حصار قاتل لبلاد عربية إسلامية، مثل العراق وليبيا بحجة أنهما لا ينفذان قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، في الوقت الذي صدرت فيه ضد إسرائيل قرارات من هاتين الهيئتين- تقارب المائتين- لم تنفذ منها قرارا واحدا، ولم يستطع أحد حتى أن ينقدها أو يوجه لها لوما، لهذا نقول: إن واقع العالم الإسلامي واقع مرير حتى وإن بدا أن كل دولة مستقلة، وأن معظم رؤسائها يقولون: إنهم أحرار في اتخاذ قرارهم، فلهم أن يقولوا ما يشاؤون ولعلهم صادقون من وجهة نظرهم، ومن حق غيرهم أن يختلف معهم فيما يقولون، والخلاف كما يقولون لا يفسد للود قضية، فالعالم الإسلامي من وجهة نظرنا يمر اليوم- ونحن نعيش في نهاية الربع الأول من القرن الخامس عشر الهجري ونهاية القرن العشرين- بمرحلة لعلها الأسوأ في كل تاريخه منذ ظهر على وجه الأرض.
ونحن لا ننكر أن العالم الإسلامي قد مر قبل ذلك بأزمات، بل بنكبات كثيرة في مسيرته التاريخية، ولكنه كان في كل مرة يخرج منها سليما معافى، ويستأنف سيره المعتاد، ولعل تعرض العالم الإسلامي للغزو الصليبي من الغرب، والغزو المغولي من الشرق، فيما بين نهاية القرنين الخامس والسابع الهجريين/ الحادي عشر والثالث عشر الميلاديين، لعل ذلك كان أشد وأقسى النكبات التي حاقت به حتى بدا كأن العالم الإسلامي صائر إلى زوال «١» .
غير أن النتيجة كانت خلاف ذلك؛ فقد انتصر الإسلام في النهاية على هذين العدوين الخطيرين، ورد الصليبيين إلى بلادهم مهزومين مدحورين، يجرون أذيال الخيبة والخسران.
أما المغول فبعد هزيمتهم عسكريّا- لأول مرة منذ خروجهم من بلادهم غازين مدمرين- على أيدي المسلمين في موقعة عين جالوت الخالدة على أرض فلسطين العربية الإسلامية سنة (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) . بعد هزيمتهم تلك أتبع الإسلام نصره العسكري عليهم نصرا آخر أعظم فقد أدخلهم سلما وطواعية في عقيدته وأذابهم في
стр. 348
بوتقته وحضّرهم، بل حولهم هم أنفسهم- وهم الذين بلغوا درجة من الوحشية والهمجية لم يبلغها أحد قبلهم- إلى بناة حضارة، فقد شاد المغول باسم الإسلام حضارة راقية ارتبطت باسمهم وبصفة خاصة في الهند- ظلت قائمة حتى دهمها الاستعمار الأوربي منذ مطلع القرن السادس عشر الميلاد، ولا تزال آثارها شاهدة على ازدهارها ورقيها وتلك هي عظمة الإسلام، التي حولت المتوحشين إلى متحضرين.
كانت هزيمة المسلمين في البداية أمام الصليبيين والمغول وانتصارهم في النهاية سنة من سنن الله الكونية التي لا تتبدل ولا تتغير، ولا تجامل أحدا من خلقه؛ «فقد كان واقع المسلمين- عند ما داهمهم الصليبيون والمغول- سيئا مليئا بالمعاصي والبدع والانحرافات والشتات والفرقة، والاشتغال بذلك كله عن نصرة دين الله، والتمكين له في الأرض، ولذلك اجتاحت جيوش الأعداء أراضي الإسلام، وأزالت سلطانهم إلى حين، ولكن جذوة العقيدة كانت ما تزال حية في النفوس وإن غشيتها غاشية من التواكل والسلبية، أو الانشغال بشهوات الأرض.
فما أن جاء القادة الذين يردون الناس إلى الجادة، بدعوتهم للرجوع إلى حقيقة الإسلام، حتى صحت الجذوة واشتعلت، فجاء على أثرها النصر؛ فحين قام صلاح الدين الأيوبي يقول للناس: «لقد هزمتم لبعدكم عن طريق الله، ولن تنتصروا حتى تعودوا إلى الطريق.. وحين صاح السلطان قطز صيحته الشهيرة: واإسلاماه، وتبعتهم جماهير الأمة المسلمة فصدقت الله في عقيدتها وسلوكها؛ جاء نصر الله، وتغلب المسلمون على أضعافهم من المشركين والكفار» . «١»
فهل هناك أمل أن يجتاز العالم الإسلامي محنته الحالية، وأن يخرج من هذا الحصار العالمي القاسي وأن يملك زمام نفسه، وأن يستمتع بثرواته ويسخرها لمصلحة أبنائه؟ علم ذلك عند ربي؛ لأن أعداء الإسلام اليوم أقوى بكثير من أعداء الأمس، ووحشيتهم وقوتهم في عداوتهم ربما لا تقل عن وحشية المغول والصليبيين وأدواتهم في الكيد والقهر والإذلال بغير حدود، ولكن على الرغم من كل ذلك فلا ينبغي للمسلمين أن يفقدوا الأمل في نصر الله الذي وعد به عباده المؤمنين، حيث قال تعالى: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
[الروم: ٤٧] ، بشرط أن يكونوا مؤمنين حقّا، وأن يحضروا أنفسهم للخلاص من السيطرة والهيمنة الغربية الجهنمية.
стр. 349
* جر العالم الإسلامي إلى أحلاف تخدم الأهداف الاستعمارية:
معظم بلاد العالم الإسلامي وقعت فريسة للاستعمار الغربي، وبصفة خاصة قطبي هذا الاستعمار- أو الاستدمار- كما سماه مالك بن نبي- إنجلترا وفرنسا، ولا نريد أن نتحدث هنا عن الحقبة الاستعمارية وماسيها وفظائعها، فهذا الحديث ليس هذا مكانه، وإنما نريد الحديث عن فترة ما بعد الاستعمار، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية سنة (١٩٤٥ م) وحتى استقلال آخر الدول العربية والإسلامية في مطلع السبعينيات من هذا القرن العشرين، لقد خرج الحلفاء الغربيون ومعهم الاتحاد السوفيتي منتصرين في هذه الحرب على دول المحور- ألمانيا وإيطاليا واليابان- ولكنهم خرجوا أعداء، فإذا كان التصدي لخطر النازية قد وحدهم، فقد كان ذلك ضرورة زالت بزوال الخطر، وأصبح حلفاء الأمس أعداء اليوم، وبدأ بينهم ما عرف بسنوات الحرب الباردة، وانقسموا إلى كتلتين متعاديتين عقائديّا وسياسيّا واقتصاديّا، كتلة غربية رأسمالية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وكتلة شرقية شيوعية بقيادة الاتحاد السوفيتي. وقد حاولت كل من القوتين استخدام العالم الإسلامي ورقة رابحة في صراعها مع الآخرى. ولما كان معظم بلدان العالم الإسلامي لا يزال تحت سيطرة الاستعمار الغربي، وكان يعاني من ذلك الأهوال ويحاول جاهدا التخلص من تلك السيطرة البغيضة، فقد انتهز الاتحاد السوفيتي الفرصة ورفع شعار مناصرة البلاد المستعمرة المتطلعة إلى الحرية والاستقلال، ووقف بالفعل مع بعض البلاد العربية والإسلامية، وقدم لها مساعدات لا تنكر حتى نالت استقلالها «١» . ومن ثم فقد استطاع استقطاب عدد لا بأس به من تلك الدول وجعلها تتعاطف معه في كل موقف دولي يواجه به الولايات المتحدة الأمريكية، وأبرز مثال على قدرة الاتحاد السوفيتي في استقطاب بعض الدول العربية والإسلامية وجعلها تدور في فلكه ما حدث وسط حركة عدم الانحياز التي أسسها ثلاثة من كبار الشخصيات العالمية في تلك الفترة سنة (١٩٦١ م) وهم رئيس وزراء الهند الراحل جواهر لال نهرو، والزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر، والزعيم اليوغسلافي الراحل جوزيف تيتو، وهذا الأخير مع انتمائه عقائديّا إلى الكتلة الشرقية الشيوعية إلا أنه لم يطق
стр. 350
الهيمنة السوفيتية على هذه الكتلة وتمرد عليها وتخلص منها مبكرا، وأصبح واحدا من أقطاب حركة عدم الانحياز، غير أن تلك الحركة لم تستطع المحافظة على شعارها- وهو عدم التحايز إلى أي من الكتلتين المتصارعتين- قط، فالمصالح والأيدلوجيات، كانت تجذب هذه الدولة أو تلك إلى الكتلة التي تحقق لها مصالحها، ومن أبرز الأمثلة على ذلك «كوبا» ، التي تعد من أبرز دول كتلة عدم الانحياز، إلا أنها لم تخف أبدا انحيازها إلى الاتحاد السوفيتي في تلك الفترة، الأمر الذي جعلها في عداء دائم مع جارتها القريبة، الولايات المتحدة الأمريكية، بل إن جمال عبد الناصر أحد المؤسسين للحركة، لم يستطع أبدا أن يكون غير منحاز بالمعنى الذي تفرضه الحركة، وكان الامتحان العسير له في ذلك عند ما اجتاحت القوات السوفيتية تشيكوسلوفاكيا سنة (١٩٦٨ م) فيما يسمى بربيع براغ، وطلب منه صديقه وزميله في قيادة الحركة تيتو أن يندد بهذا الاجتياح أو حتى ينتقده، لكن عبد الناصر لم يستطع أن يفعل ذلك لضرورات سياسية قدّرها وقتها، فقد كان خارجا لتوه من هزيمة سنة (١٩٦٧ م) القاسية، وكان في حاجة إلى الدعم العسكري والسياسي من الاتحاد السوفيتي، فلم يستطع أن يندد ولا أن ينتقد، وهذا الموقف تسبب في جفوة بينه وبين صديقه الحميم تيتو، لكنه كان من الموقف أو الأمثلة التي برهنت على أن المصالح أقوى من المبادئ ولها الأولوية عليها.
هذه بعض الأمثلة على اختراق الاتحاد السوفيتي لحركة عدم الانحياز ونفوذه داخلها، فماذا عن الولايات المتحدة وكتلتها الغربية؛ لا شك أن هذه الكتلة كان تأثيرها أكبر وأخطر على دول عدم الانحياز وبصفة خاصة على الدول العربية والإسلامية داخل تلك الحركة. وذلك بحكم القوة الهائلة والثروة الكبيرة التي تتمتع بها هذه الكتلة الغربية والنفوذ الطاغي في الميادين الدولية على المؤسسات السياسية والمالية، مثل مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ... إلخ وكل الدول تحتاج إلى هذه المؤسسات، ومن يخرج على إرادة أمريكا وحلفائها، فالويل له ثم الويل، بل وحتى قبل قيام حركة عدم الانحياز سنة (١٩٦١ م) استطاعت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون أن تجنّد كثيرا من الدول الإسلامية لخدمة مصالحها وتحقيق أهدافها في صراعها مع الكتلة السوفيتية الشيوعية، وقد استثمرات العداء العقائدي بين الإسلام والشيوعية، كمذهب إلحادي ينكر وجود الله ، ونجحت في تخويف الدول الإسلامية، وبصفة خاصة المتاخمة
стр. 351
لحدود الاتحاد السوفيتي من المد الشيوعي الملحد، ومن العجيب أن النفاق السياسي والجري وراء تحقيق الأهداف والمصالح السياسية والاقتصادية جعل الغرب الاستعماري المسيحي يعمل على إحياء مبدأ الجهاد الإسلامي واستنفاره لمقاومة الشيوعية، من منطلق وحدة الأديان السماوية ضد الإلحادية اللادينية، وأن على العالم الإسلامي أن يجمع قواه في جبهة مع العالم المسيحي ضد الشيوعية، «في هذا السبيل شهدت تلك الفترة حركات فكرية، ومؤتمرات دعائية، ولقاآت لاهوتية عديدة، بدرجة لافتة للنظر، وتضرب كلها على نغمة التقارب بين الإسلام والمسيحية، وعلى وحدة الرسالات السماوية» «١» وقبل أن نمضي في بيان الإجراآت التي اتخذتها الكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة لجر العالم الإسلامي وراءها في أحلاف عسكرية للوقوف في وجه العالم الشيوعي، يجب أن نسجل حقيقة يعلمها الجميع، وهي أن الكتلة الغربية الاستعمارية المسيحية طالما حملت على الإسلام وشهرت به، وسخرت منه، وألصقت به كل الجرائم والكرائه، وبصفة خاصة مبدأ الجهاد، الذي كان دائما يفسر عند الغرب على أنه دعوة عدوانية دموية متعصبة، ويهاجم بحسبانه دعوة إلى حروب دينية. أما الآن فعندما ما احتاج الغرب إلى سيوف المسلمين لمقاومة الشيوعية فقد رضي فجأة عن مبدأ الجهاد، وعرف قيمته وأخذ يسخره لحسابه الخاص في صراعه مع العالم الشيوعي، بل راح الغرب على لسان أكبر ساسته يكيل المديح للجهاد الإسلامي ويعترف بأن مقاومة المسلمين للشيوعية كانت أنجح وأقوى وأكثر تأثيرا من مقاومة الغرب، والسبب في ذلك يعود- حسب كلامهم- إلى أن مقاومة المسلمين للشيوعية كانت تنبع من دافع عقائدي، بينما الدافع الغربي للمقاومة كان من موقع المصلحة النفعية الرأسمالية.
ومن يطالع كتاب الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون- «انتهزوا الفرصة» - يجد كلاما كثيرا في هذا المجال، بل أكثر من ذلك فإن الغرب الاستعماري المسيحي كان إذا خير بين السيطرة الإسلامية على منطقة من المناطق وبين السيطرة الشيوعية، فإنه كان يختار السيطرة الإسلامية، وإليك هذا المثل:
يذكر الدكتور محمود حب الله، وهو أزهري مصري كان مديرا للمركز الإسلامي
стр. 352
في واشنطن في مطلع الستينيات: أنه دعا إلى المركز أحد العلماء الأمريكيين، الذين كانوا عائدين من زيارة إلى إفريقيا. لكي يحاضر في المركز عن مستقبل تلك القارة السمراء بعد خروج الاستعمار منها، فذكر ذلك العالم الأمريكي في محاضرته: أنه وجد أن إفريقيا بعد خروج الاستعمار منها بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يجتاحها الإسلام أو الشيوعية؛ لأن إفريقيا كرهت الدول الاستعمارية، ولا تريد أن ترى لها ظلّا في إفريقيا. وأن إفريقيا لم تعد بعد زوال الاستعمار مكانا خصبا للمسيحية، ثم تساءل- العالم الأمريكي- ما موقفنا نحن في أمريكا؟ هل نناصر الشيوعية أم نناصر الإسلام؟ فإذا لم يسيطر الإسلام- ووسائل سيطرته سهلة ميسورة- فستسيطر الشيوعية، وبناء على هذا أعلن الرجل في محاضرته أنه ينبغي على أمريكا ألا تقف في سبيل ما يقوم به المسلمون لنشر الإسلام في إفريقيا؛ لأنهم ينشرون مع الدين الخلق والفضيلة، ويباعدون بيننا وبين الشيوعية «١» .
* الأحلاف الغربية الإسلامية:
في خضم صراعه مع الشيوعية، في فترة الحرب الباردة، أقدم الغرب على إنشاء عدد من الأحلاف العسكرية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية سنة (١٩٤٥ م) حتى أن أحد الباحثين سمى هذه الفترة بفترة صناعة الأحلاف.
ففي غضون عشرين عاما قدمت ونفّذت ستة مشاريع أحلاف متعاقبة؛ إما كأحلاف عسكرية دفاعية، أو كأحلاف دينية سياسية وكان مهندس هذه الأحلاف الولايات المتحدة وبريطانيا «٢» . وتم جر كثير من الدول الإسلامية إليها وإجبارها على الانضمام إليها. وقد امتدت هذه الأحلاف من الباكستان شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، وقد كان من أول وأبرز هذه المشروعات مشروع ظهر على مسرح السياسة العالمية في الأربعينيات المتأخرة والخمسينيات الباكرة، لإنشاء تجمع أو حلف أو جامعة إسلامية يتلخص هدفه- كما قدموه- في الوقوف كلحلف مقدس في وجه الشيوعية ليدافع عن الإسلام، ويواجه خطر الإلحاد، ويبدأ المشروع كما رسموه من موقع العالم الإسلامي الجغرافي والأيديولوجي في عالم بعد الحرب،
стр. 353
فبالموقع الجغرافي توضح الخريطة السياسية حقيقة مهمة، وهي أن أطول حدود مشتركة مباشرة للاتحاد السوفيتي هي مع الدول الإسلامية، ابتداء من الباكستان وأفغانستان، عبر إيران وتركيا، هذا فضلا عن أن جسم العالم الإسلامي الأساسي في مجموعه بعد هذا ظهير ضخم للكتلة الشيوعية، وإذا نحن حللنا جوهر الحلف على ضوء هذه الحقائق فسنجد أنه أساسا وفي الدرجة الأولى جزء لا يتجزء من استراتيجية الغرب لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ أعني إستراتيجية «الإحاطة والتطويق» المشهورة، التي تهدف إلى حصار الكتلة الشرقية عامة والاتحاد السوفيتي خاصة بسلسلة متصلة الحلقات من الأحلاف السياسية والعسكرية؛ تبدأ من النرويج حتى اليابان والحلف بهذا موجه إلى الخارج، أعني أنه يجند العالم الإسلامي ككل لينظر إلى خارج حدوده، وبالتحديد نحو تخومه الشمالية، وبعبارة أخرى- ورغم المخاطرة بالتكرار- ينبغي أن نصرّ على أن الحلف كان تعبيرا عن استراتيجية الكتلتين، وانعكاسا لمنطق الاستقطاب الثنائي، والحلف بهذا ليس حلفا دينيّا، رغم الاسم، ولكنه حلف سياسي عسكري «١» .
هذا الحلف لم يكتب له النجاح بل مات بالسكتة القلبية لكن الغرب لم ييأس، وإنما فكر على الفور في بدائل له، تخلو من القناع الديني، وتكون سياسية وعسكرية، وكان أولها هو ما يسمى بمنظمة الدفاع عن الشرق الأوسط «٢» أو الميدو Medo التي تمتد من تركيا حتى الباكستان ومن إيران حتى مصر. «وقدم الغرب بنفسه هذا المشروع.. لكل من العرب وإسرائيل، فكانت تلك الخطوة القاتلة التي أودت بالمشروع في مهده. ومن هذه التجربة الحرجة بدأ الغرب يعدل تكتيكه- الغزو من الداخل- بدلا من أن يفرض الحلف نفسه من الخارج، والتمويه- هذه المرة- بمواجهة إسرائيل، بدلا من المشاركة معها، ومن هنا كان حلف بغداد؛ الذي دعت إليه- شكليّا- دول في منطقة الشرق الأوسط، للدفاع والأمن المشترك، وروجت له- تضليلا- على أساس أنه دفاع وحماية ضد إسرائيل والصهيونية. وقد تألف الحلف من باكستان وإيران والعراق وتركيا،
стр. 354
وانضمت إليه بريطانيا وأمريكا، وقد كانت الضغوط لحشد الدول العربية في حظيرة الحلف ملحمة تاريخية فاشلة «١» . غير أن الحلف في نطاقه الضيق الذي انتهى إليه، فقد فعاليته وبدأ البحث عن وريث له وهو على قيد الحياة» «٢» .
كان حلف بغداد قد أنشئ سنة (١٩٥٥ م) ، وبعد قيام ثورة العراق سنة (١٩٥٨ م) انسحبت منه، وتحول اسمه إلى الحلف المركزي، ثم سقط وانتهى إلى الإهمال كما يقول الرئيس نيكسون «٣» .
وكان البديل الذي قدمته أمريكا لهذه الأحلاف السابقة الفاشلة هو ما سمي بمشروع أيزنهاور، الذي قدم سنة (١٩٥٧ م) لملأ الفراغ الذي قيل: إنه نشأ في الشرق الأوسط بعد هزيمة بريطانيا وضياع هيبتها بعد حرب السويس سنة (١٩٥٦ م) وخروجها من المنطقة، بيد أن مصير هذا المشروع لم يكن أحسن حظّا من سابقه، فلقي المصير نفسه، ودفن المورث والموروث معا في وقت واحد، على حد تعبير الدكتور جمال حمدان «٤» .
خلاصة ما تقدم: أن الكتلة الغربية بزعامة الولايات المتحدة قد حاولت باستماتة حشد العالم الإسلامي خلفها في صراعها مع الكتلة الشرقية الشيوعية، واستثمرات في ذلك مبدأ الجهاد الإسلامي- الذي طالما شوهته وأدانته- وجاءتها فرصة أخرى من الفرص التاريخية النادرة، التي غيرت التاريخ، وذلك حين اجتاحت القوات السوفيتية- نحو مائة ألف جندي- أفغانستان في نهاية سنة (١٩٧٩ م) ، بهدف إيقاف المد الإسلامي، الذي بدأ ينطلق من أفغانستان، بتأثير الثورة الإسلامية التي تفجرت في إيران في مطلع سنة (١٩٧٩ م) ذلك أن الاتحاد السوفيتي خشي من ذلك المد الإسلامي على الجمهوريات السوفيتية الإسلامية في آسيا الوسطى «٥» .
والحقيقة أن الاتحاد السوفيتي كان أقام سلسلة من الانقلابات العسكرية في أفغانستان منذ بداية السبعينيات من هذا القرن ونصب عليها عددا من عملائه
стр. 355
الشيوعيين، ولما تبين لهم عجزهم عن السيطرة على ذلك البلد المسلم، المتمسك بإسلامه، وبعد قيام الثورة الإيرانية، أدرك أنه لا بد له أن يتدخل تدخلا سافرا إذا أراد أن يحمي مستعمراته في آسيا الوسطى، ولكنه بدلا من أن يحمي تلك المستعمرات فقد لقي هو نفسه حتفه هناك؛ لأن الولايات المتحدة لم تترك تلك الفرصة النادرة تفلت من يديها، وقررت أن تجعل من أفغانستان مقبرة تدفن فيها الاتحاد السوفيتي، أو كما سماه الأمريكان إمبراطورية الشر «١» . كانت تلك بالفعل فرصة نادرة لتثأر لنفسها من الاتحاد السوفيتي عما صنعه معها في حربها في فيتنام في حقبة الستينيات وبداية السبعينيات، فقد أحرجها وأزرى بهيبتها وجعلها تخرج من فيتنام ذليلة، وهو دولة عظمى، لقد رأى الناس في كل مكان السفير الأمريكي وهو يخرج مذعورا من سايجون متخفيا- حقّا كان موقفا مزريا بزعيمة العالم الحر.
الآن جاءت الفرصة للولايات المتحدة على طبق من ذهب، فرصة لم تكن من تخطيطها ولا من تفكيرها، فلم تدّع الولايات المتحدة أن غزو القوات السوفيتية لأفغانستان كان من تدبيرها ولا من تفكيرها ولا من تخطيطها، ولكنها إرادة الله التي عجلت بزوال دولة الكفر والإلحاد، وكان غزو القوات السوفيتية لأفغانستان هو القشة التي قصمت ظهر البعير- كما يقول المثل العربي- صحيح أن زوال الاتحاد السوفيتي كان حتما مقضيّا، وزوال الشيوعية كان آتيا لا محالة؛ لأنه نظام ضد الفطرة الإنسانية، وأي نظام أو فكر أو مذهب يضاد الفطرة الإنسانية لا بد من سقوطه في نهاية المطاف حتى لو بدا أنه ناجح في البداية؛ لأن الزبد لا بد أن يذهب جفاء ولا يبقى في الأرض إلا ما ينفع الناس، كما أخبر بذلك الحق ﵎ في كتابه العزيز.
ولقد توقع الكثير من المفكرين الغربيين، وفيهم روس، بزوال الشيوعية، وتفكك الاتحاد السوفيتي، قبل نهاية القرن العشرين بل كان أسبق من هؤلاء جميعا المفكر العربي العملاق عباس محمود العقاد فقد توقع في كتابه «لا استعمار ولا شيوعية» «٢» توقع سقوط الشيوعية وزوالها، وزوال الاتحاد السوفيتي قبل نهاية