стр. 106
← Секты и опровержения следующие страницы →
Секты и опровержения · id 98
جامع الورع وقامع البدع
أبو بكر الدشتي
Полный текст (266 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 107
وعكرمة والحسن البصري وقتادة وإبراهيم النخعي رضوان الله عليهم، وفي لفظ لابن عبّاس ﵁: "الباطلُ والغناء" (١). ولا شكّ ولا مرية عند ذوي البصائر والعقول أن لعب القضيب والرقص من اللهو ومن الباطل وسئل ابن مسعود ﵁ عن معنى هذه الآية فقال: "هو والذي لا إله إلا هو الغناء"، وفي لفظ قال: "والذي لا إله إلا هو الغناء، والذي لا إله إلا هو الغناء" (٢). وقال مجاهد: لهو الحديث الغناء والمغنية بالمال الكثير والاستماع إليها وإلى مثلها من الباطل، فذلك لهو الحديث يتخذها هزوًا ولحديث مجاهد طرق كثيرة، وبه يقول جماعة آخرون من أئمة الإسلام وعلمائهم أن لهو الحديث الغناء. وأكذب الله أهل الرقص والسماع بقوله: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] وبقوله [ق ٤٣ / ب] : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وبقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] إلى غير ذلك من الآيات الناطقة بتكذيب من أحدث في دين الله ما لم يأذن به الله تعالى ولا رسوله ﷺ .
стр. 108
وعمل هذه الطائفة الخبيثة شرع في دين الله غير مأذون به من الله وكل ما كان كذلك فهو مردود ومذموم لقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] فمن زعم أنَّ ما تفعل هذه الطائفة المحدثة من ضرب القضيب والتواجد والرقص واستماع الغناء والشبابات حسن ومندوب إليه يكون قد شرع في دين الله ما لم يأذن به الله ، والله قد منع ذلك وأبين من هذا أن من شرع شرعًا لم يأذن به فهو صاحب شرك؛ لأن اتّباع الشرع عبادة والمعبود رب فمن لا رب له إلا الله فهو لا يتبع إلا لربّه ، ولماء جاء عنه وعن رسوله ﷺ ، ومن له ربّ غير الله تعالى فإنّه متّبع له، ولما شرع عنه فمعبود أهل الرقص والسماع من شرع لهم الرقص والسماع أعاذنا الله وإيّاكم [ق ٤٤ /أ] من ذلك. وقد جاء في القرآن النهي عن الرقص قال الله : ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧] وقد ذمّ الله المختال ونهى عن الرقص أشد من الخيلاء وأشدّ من المرح والبطر. أولسنا قسنا النبيذ على الخمر لاتفاقهما في السكر، فما لنا لا نقيس القضيب وتلحين الشعر معه على الطنبور والمزمار والطبل؛ لاجتماعهم في الإطراب وهل يحسن يا إخواني بمن يريد الموت والسؤال والحشر والصراط، ثم صائر إلى إحدى الدارين أن يشمص بالرقص تشميص البهائم (١)، ويصفق تصفيق النسوة عند حضور المرد ألا وهل شيء يرزي (٢)
стр. 109
بذوي العقل والوقار ويخرجهم عن سمت الحلم والأدب بأقبح من ذي لحية أن ينفذ كالدب عند استماع الأغاني خصوصًا إذا كان ذا شيبة على وقاع الألحان مع الاستماع إلى أصوات الأغاني من النساء والمرادان فإذا تمكن الطرب منهم في حال رفضهم جذب أحدهم بعد الجلوس ليقوم معه ولا يجوز على مذهبهم الخبيث للمجذب أن يقعد، فإذا قام قام الباقون تبعًا له، وإذا كشف رأسه كشف الباقون رؤوسهم موافقة له، وهذا قبيح وجهل منهم [ق ٤٤ / ب] شرع لهم هذا القبيح ولا يخفى على عاقل أن كشف الرأس مستقبح، وفيه إسقاط مروءة وترك أدب، وما ذاك إلا من هوى نفوسهم الخبيثة استحوذ عليهم، فاستفزهم، أعاذنا الله إيّاكم يا إخواني مما يصم وبصرنا وإياكم بما يعصم (١)، وأقول شعرا:
شيوخ الخبز باللهو استطالوا ... وأمكنهم مقالهم فقالوا
وكثر من سوادهم أناس ... دعاهم حظّ أنفسهم فمالوا
قد اتبعوا شيوخ الخبز قومًا ... إذا رأوا الطبيخ عليه صالوا
تراهم دائرين على القُرايَا ... إذا ما جال أشقاهم وجالوا
على هوائهم تبعوه طرا ... وكل مآل جهل فيه آلوا
أطاعوه على فعل المناهي ... وطال بهم وهم إذ ذاك طالوا
غدوا سكرى خَبارَى تابعوه ... قد ارتكبوا الحرام ولم يبالوا
بما تبعوا لدجال كذوب ... عليهم مستحيل ما استحالوا
وقد خسروا به ما لم يتوبوا ... نصوحًا توبة لله نالوا
стр. 110
فصل
وأما من قول النبي ﷺ في الرد على هذه الطائفة الخبيثة أخبار كثير فمنها ما صح وثبت عن أمّ المؤمنين عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال: "من دخل ديننا ما ليس منه فهو ردٌّ" وفي لفظ [ق ٤٥ /أ] قال: "مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ" وفي لفظ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (١). ألا والذي أنكرناه على هذه الطائفة الخبيثة حدث وفعل وأمر وعمل قد أدخل في ديننا ما ليس منه [ولا] (٢) عليه أمر نبينا ﷺ لما دانوا ما أنكرناه على الطائفة الخبيثة، وهذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما وهو أحد الأحاديث الأربعة التي قال أبو داود مدار الإسلام عليها. ألا فكلما أحدثه لما أحدثه (٣) لم يسنده إلى نصٍّ كتاب منزل أو إلى أمر رسول مرسل فهو مردود على محدثه مذموم بإحداثه ذلك، متهم في دينه ساقط العدالة بفعله، ممقوت عند ربه، وعند صالحي [المؤمنين] وصح وثبت أن رسول الله ﷺ [قال]: "لعن الله من آوى محدثا" (٤)،
стр. 111
وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم في صحيحه من حديث علي بن أبي طالب ﵁ ألا فهذا رسول الله ﷺ لعن من آوى محدثا، فلا شك ولا ريبة أن من أحدث حدثاً أو ابتدع بدعة أكبر جرمًا وألعن وأضلّ ممن آوى محدثًا، وعن علي بن أبي طالب ﵁ أن النبي ﵇ [ق ٤٥ / ب] قال: «كَسْبُ الْمُغَنِّي وَالْمُغَنِّيَةِ حَرَامٌ» (١)
стр. 112
وعن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كلما يلهو به المرء باطل إلا رمية بقوس وتأديب فرس وملاعبة أهله، فإنهن من الحق" (١) هذا حديث رواه الدارمي في مسنده وأبو داود والنسائي وابن ماجة في سننهم والترمذي في جامعة وقال: حديث حسن.
стр. 113
وروي أن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمر ﵃ يرتميان فملّ أحدهما فقال الآخر: أكسلت؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل شيء ليس من ذكر الله فهو لَغْو وسهو إِلَّا أَربع خِصَال: مشي الرجل بين الغرضين وتأديب فرسه وملاعبته أَهله وتعلّم السباحة" (١). ألا فقد نصّ عن النبي ﷺ أن هذه الأربع خصال حقّ وما سواهنّ مما يلهو به الرجل المسلم فهو باطل، فلا شك ولا مرية عند ذوي العقول والبصائر أن اللعب بالشطرنج والقضيب واستماع الغناء والشبابات والرقص الذي هو ضرب الأرض بالأرجل من الباطل، وليس من الحق في شيء؛ لأن رسول الله ﷺ جعل جميع اللهو من الباطل، ثم استثناء أربع خصال [ق ٤٦ /أ] وجعلهنّ من الحقّ وما أنكرناه خارجًا مما استثناه وقال الله : ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢]، فالعاقل المسلم الذي لا يرضى لنفسه أن يفعل الباطل ولا أن يستمع الباطل إنما يستمعه ويفعله سفيه جاهل مغرور خبيث متبع هواه، وفي كتاب الرسالة في ذمّ الغناء والنفير والرقص والنظر إلى أحداث المرد للقاضي الإمام أبي الحسين الفرار (٢)
стр. 114
رحمة الله عليه أنه قال: وروى أبو هريرة وجابر بن عبد الله وابن عمرو وعمران بن حصين ومعقل بن يسار [وعبد الله بن عمر] وأنس بن مالك ﵃ عن النبي ﵇: "أنه نهى عن الرقص ونهى عن الاستماع إلى المغنية ونهى عن الغناء" (١)، وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يغني من الليل، فقال رسول الله ﵇: "ولا صلاة له" حتى قال ذلك ثلاث مرات (٢)، هذا حديث رواه أبو يعقوب محمد بن إسحاق النيسابوري في كتاب "المناهي وعقوبات المعاصي" (٣)، وذكر القاضي أبو الحسين محمد بن أبي الحسن المنيحي الشافعي رحمة الله عليه في كتاب "فضائل الفقراء" وذمّ المتشبهين بهم، وليسوا منهم بصفة، قال: وروي الواحدي ﵀ في تفسير الوسيط بسنده إلى رسول الله ﵇ أنه قال: "من [ق ٤٦ / ب] علا مسامعه من الغناء لم يؤذن له أن يسمع صوت الروحانيّين يوم القيامة" قيل: وما الروحانيون يا رسول الله ﵇؟ قال: قراء أهل الجنة" (٤).
стр. 115
وروى أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ﵀ في ذكر تلبيس إبليس اللعين على هذه الطائفة بإسناده عن أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ما من رجل يرفع عقيرة صوته بالغناء إلا بعث الله تعالى إليه شيطانين يرتدفانه فردف هذا من هذا الجانب وذا من ذا الجانب، فلا يزالان يضربانه بأرجلهما في صدره حتى يسكت" (١).
стр. 116
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﵇: "إنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوتٍ عند نعمة لهو ولعب مزامير الشيطان وصوت عند مصيبة خمس وجوه وشق جيوب أو رنة شيطان" (١). هذا حديث رواه البغوي في شرح السنة وقال حديث حسن. وروي أن امرأة غنت فقال رسول الله ﵇: "نفخ الشيطان في منخريها" (٢). هذا حديث أخرجه النسائي في سننه. وروي صفوان بن أميّة ﵀ قال: كنا جلوس عند رسول الله ﵇، فجاء عمرو بن فرقد (٣)،
стр. 117
وفي رواية عمرو بن قرة فقال: يا رسول الله ﵇ [ق ٤٧ /أ] إن الله قد كتب عليّ الشقوة فما أراني أرزق إلا من دُفِّي بكفّي، فائذن لي يا رسول الله الغناء من غير فاحشة! فقال رسول الله ﵇: "لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة، كذبت أي عدوّ، والله لقد رزقك الله حلالاً طيِّبًا فاخترت ما حرّم الله عليك من رزقه مكان ما أحلّ الله لك من حلاله، ولو كنت تقدمتُ إليك لفعلت بك، قم عنِّي وتبرأ إلى الله، أما [إنك إن] فعلت بعد التقدمة ضربتك ضربًا وجيعًا وحلقت رأسك مثله، ونفيتك من أهلك وأحللت سلبك نُهْبَةً لفتيان أهل المدينة"، فقام عمرو مرعوبًا وبه من الحزن والشرّ والخزي ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فلما ولى قال رسول الله ﵇: "هؤلاء العصاة من مات منهم على غير توبة حشره يوم القيامة كما كان في الدنيا مخنثًا لا يستره من الناس بِهُدْبَةٍ، كلما قام صرع" (١) هذا حديث أخرجه الأئمة أبو القاسم الطبري وأبو بكر الآجري رحمة الله عليهما في كتاب "المسألة في تحريم الغناء والرقص" [و] أبو عبد الله القزويني رحمة الله عليه في سننه وترجم عليه وسمّاه باب المخنثين، وهذا مبالغة عن النبي ﵇ في تحريم هذا الفعل والزجر عنه وعن [ق ٤٧ / ب] استماعه. وفي كتاب "الأربعين" للقاضي أبي بكر محمد بن الحسين الآجري ﵀ قال: حدثنا إبراهيم بن موسى الجوزي قال: حدثنا داود بن رشيد حدثنا الوليد (٢) بن مسلم عن ثور بن يزيد عن خالد عن (٣) عبد الرحمن بن عمرو السلمي وحجر الكلاعي قال: "دخلنا على العرباض بن سارية وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ... ﴾
стр. 118
الآية [التوبة: ٩٢] وهو مريض فقلنا: جئناك زائرين وعائدين ومقتبسين، فقال عرباض: إن رسول الله ﵇ صلى بنا صلاة الغداة، ثم أقبل علينا بوجهه الكريم، فوعظنا موعظة بليغة زرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله إن هذه موعظة مودّع فما تعهد إلينا، فقال ﵇: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي سيرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ» (١). قال القاضي بو بكر رحمة الله عليه: "في هذا الحديث [ق ٤٨/ ١ مكرر /أ] علوم كثير [ة] يحتاج إلى علمها جميع المسلمين ولا يسعهم جهلها منها: أنه ﷺ أمرهم بما أمره الله تعالى به من تقواه ولا يعملون بتقواه إلا بالعلم، قال بعض الحكماء: وكيف يكون متقيًا من لا يدري ما يتقي. قال عمر بن الخطاب ﵁: "لا يتّجر في أسواقنا إلاّ من فقه، وإلا أكل الربا شاء أو أبى" (٢). قلت: فعلى جميع المسلمين أن يتقوا الله تعالى في أداء فريضته واجتناب محارمه.
стр. 119
ومنها: أنه ﷺ أمرهم بالسمع والطاعة لكلّ من ولى عليهم من عبد أسود وغير أسود ولا يكون الطاعة إلا في معروف؛ لأنه ﷺ قد أعلمهم في غير موضع إنما الطاعة المعروف (١). ومنها: أنه ﵇ أعلمهم أنه سيكون بعده اختلاف كثير بين الناس فأمرهم صلى الله ﵇ بلزوم سنته وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وحثهم على أن يتمسكوا بها التمسك الشديد مثل ما يعضّ الإنسان بأضراسه على الشيء يريد أن لا ينفلت منه، فواجب على كل مسلم أن يتّبع سنة النبي ﵇ ولا يعمل شيئًا إلا بسنته ﵇ وسنة الخلفاء الراشدين بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم، وكذلك [ق ٤٨/ ١ مكرر / ب] وكذلك لا يخرج عن قول صحابته فإنه يرشد إن شاء الله تعالى.
стр. 120
ومنها: أنه ﷺ حذّرهم البدع وأعلمهم أنها ضلالة، فكل من عمل عملاً أو تكلَّم بكلام لا يوافق كتاب الله تعالى وسنة رسول الله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين وأقوال الصحابة رضوان الله عليه فهو بدعة وضلالة، ومردود على فاعله لقوله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (١)، ومنها أن عرباض بن سارية ﵁ قال: "وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ» ميّزوا هذا الكلام لا قال صرخنا من موعظة ولا زعقنا ولا طرقنا على رؤوسنا ولا ضربنا على صدورنا ولا زَفَنَّا ولا رقصنا كما يفعل كثير من الجهّال يصرخون عند المواعظ ويتغاشون ويتماوتون، وهذا من فعل الشيطان؛ لأنه يلعب بهم، وهذا كله بدعة وضلالة يقال لمن فعل هذا: اعلم أن النبيَّ ﵇ كان أصدق الناس موعظة وأنصح الناس لأمته وأرق الناس قلبًا وأصحابه رضوان الله عليهم أرقّ الناس قلوبًا وأخير الناس ممن جاء بعدهم لا يشك في هذا عاقل، ما صرخوا [ق ٤٨/ ٢ مكرر /أ] عند موعظته ﷺ ولا زعقوا ولا رقصوا ولو كان هذا صحيحًا كانوا حقّ الناس به من أن يفعلوه بين يدي رسول الله ﵇، ولكنه بدعة وضلالة وباطل ومنكر، فاعلم ذلك فتمسكوا رحمكم الله بكتاب الله وسنة نبيه ﵇ وسنة الخلفاء الراشدين، وأقوال الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وأرفض ما سوى ذلك". ألا فاعتبروا وتدبروا ما ذكرناه وما نذكره الآن من قول نبيكم ﵇ إن كنتم من أمته فتدبروا أمره؛ حيث قال: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين" معناه: فاقتدوا بي واسلكوا طريقي وطريق أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم أجمعين واقتدوا بهم، وأقول شعرا:
تدبر كلام الله واتبع الخبر ... ودع عنك رأيًا لا يلائمه أثر
ولا تعدلنّ عن شرع دين محمد ... وكن تبعًا للمصطفى سيد البشر
ومن بعده صّديقه خير صحبه ... ومن بعده الفاروق أعني به عمر
ومن بعده قول ابن عفان فاتبع ... وقول علي وامتثل ما به أمر
وقول إمام قد تبعت طريقه ... ومذهبه فاتبع لما عنه قد ظهر
ونهج الهدى فالزمه واقتد بالأولى ... هم شهدوا التنزيل تنجو (٢) من الضرر
[ق ٤٨/ ٢ مكرر / ب]
стр. 121
ولا تعدّ عن نهج الصواب فإنه ... سبيل لأرباب البصائر مختبر
وإياك أن تصغي (١) إلى قول جاهل ... كذوب فتلقى في حسابك في سقر
أحذّركم قول السفيه وفعله ... وبدعته يا صاحبي الحذرَ الحذرَ
وفي كتاب "الأمر بإتباع السنن واجتناب البدع" تصنيف شيخنا الحافظ أبي عبد الله المقدسي رحمة الله عليه ورضي الله عنه بإسناده أن أبا سعيد الخراز قال: رأيت أبا القاسم الجوعي ﵀ في المنام بعد وفاته فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: وبخني وأقامني. قلت: بماذا؟ فقال: قال لي : "تقعد وتسمع وتتواجد وتقيسني بليلي وسلمى" (٢). وفيه بإسناده (٣) أن أبا برزة ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فسمع رجلان يغنيّان قال: فقال رسول الله ﷺ : "من هذان؟ " فقيل له: فلانٍ وفلان. فقال: "اللهم اركسهما في الفتنة ودعهما إلى النار دعًّا" (٤).
стр. 122
وفيه بإسناده عن معاوية بن أبي سفيان ﵁ وعن والديه أن النبي ﷺ قال: "لست من دد ولا دد مني" (١) هذا حديث أخرج الإمام أبو القاسم الطبري. قال الإمام [ق ٤٩ /أ] مالك بن أنس رحمة الله عليه ورضي الله عنه: الدد اللعب واللهو، وقال الخليل بن أحمد رحمة الله عليهما في كتاب "العين": الدد النقر بالأنامل في الأرض، فإذا كان نبينا ورسوله ﷺ تبرأ ممّن ينقر الأرض بأنامله، فما ظنكم يا ذوي البصائر والعقول باللعب بالشطرنج وبطقطقة وضرب الأرض بالأرجل، ثم ما علمت (٢) هذه الطائفة الخبيثة أن ما أنكرناه عليهم لو كان مباحًا، ولهم فيه رخصة، فإنه لعب ولهو ووسيلة إلى الغفلة والنسيان والخلاعة. وروي أن رسول الله ﷺ قال: "ما من ساعة تمرّ على ابن آدم لا يذكر الله تعالى فيها إلا كانت عليه حسرةً يوم القيامة" (٣).
стр. 123
وقد تقدم آنفًا أن النبي ﵇ وقال: "كل شَيْء لَيْسَ من ذكر الله فَهُوَ لَغْو وسهو إِلَّا أَربع خِصَال" (١)، والشطرنج والرقص والسماع وغيرهما خارج عنها. وروى نافع عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﵇ فقد رجلاً من أصحابه فقال: "أين فلان؟ " قاله له رجل: ذهب يلعب. فقال رسول الله ﵇: "ما لنا واللعب؟ فقال رجل: ذهب يرمي بقوسه؟ فقال رسول الله ﵇: "ليس الرمي من اللعب الرّمي من خير [ق ٤٩ / ب] ما لهوتم به" (٢). ألا فهل قال رسول الله ﵇ أو أحد من أصحابه رضوان الله تعالى أو أحد من السلف الصالح مثل هذا في اللعب شيء مما أنكرناه. ألا فالكذب على الله وعلى رسوله ﵇ وعلى أئمة المسلمين وعلمائهم ليس بجائز. وذكر أبو محمد بن أبي حاتم رحمة الله عليه من طريق كيسان مولى معاوية رحمهما الله أن رسول الله ﵇ نهى عن تسع: "فذكر فيهنَّ الغناء والنوح" (٣). وقد روى أبو هريرة ﵁ أن رسول الله ﵇ قال له: "علم الناس سنتي وإن كرهوا وإن أردت أن لا توقف على الصراط طرفة، فلا تحدثن في الدين حدثًا برأيك" (٤).
стр. 124
وروي أن النبي ﵇ قال: "لا يقبل الله عمل مبتدع ولو عمل بعمل أهل السماء والأرض من صلاة وصيام وصدقة وتهليل وتسبيح وأدخله النار إلا أن يتوب" قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢] " (١). قال ابن عباس ﵄: "الغربة (٢) هي البدعة" (٣). والحدث والبدعة هما كل شيء ابتدأ المرء ما ليس في الكتاب ولا في سنة أمرًا يزعم أنه يتديّن ويتقرّب به إلى الله [ق ٥٠ /أ] وهو أن يحرم ما لم ينه الله عنه ولا رسوله ﵇ أو يوجب ما لم يأمر به الله ولا رسوله ﵇ أو يسقط وجوب ما أوجبه الله تعالى أو رسوله ﵇ فيلقى الله إذا فارق الدنيا يوم القيامة مبتدعًا كافرًا عاصيًا لله مخالفًا لأمره محدثًا في دينه ما ليس منه شارعًا في الدين ما لم يأذن به الله تعالى قائلاً على الله ما لا علم له به وعلى رسوله ﷺ ما لم يقله حاكمًا بالظنّ الذي أكذبه القرآن ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨]، وأكذبه الخبر قوله ﷺ : "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (٤)، واعلموا أرشدنا وإياكم أن الحوادث والبدع هما كل شيء ابتدعه المرء من نفسه ما لم يكن في عصر النبي ﵇ ولا ما فعله وأقرّ عليه أو عُلم من قواعد شرعية الإذن فيه وعدم النكير عليه ولا في سنة الخلفاء الراشدين من الذين قضوا بالحقّ وبه كانوا يعدلون ولا في أثر من آثارهم أمرًا يزعم أنه يتديّن ويتقرّب إلى الله تعالى [به] كالرقص واستماع الأغاني والشبابات.
стр. 125
قال الإمام أبو الوفاء بن عقيل (١) رحمة الله عليه: البدع كل قول في الدين [ق ٥٠ / ب] مات الصحابة على السكوت عنه. وقال ابن عبد البر (٢) ﵀: ما جاء عن النبي ﵇ من نقل الثقات وجاء عن الصحابة رضوان الله عليهم فهو علم يدان به وما أحدث بعدهم فبدعة وضلالة وما جاء في أسماء الله تعالى وصفاته سلم إليه ولم يناظر فيه. وقال الشعبي ﵀ لابن أبجر: "ما حدثوك عن أصحاب محمد علي السلام فخذه، وما قالوا برأيهم فبُل عليه" (٣).
стр. 126
وروينا عن رسول الله ﵇ أنه قال: "ما وجدتم في كتاب الله تعالى فالعمل به لازم لا عذر لأحد في تركه ولا في ترك شيء منه، فإن لم يكن في كتاب الله فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني فما قال أصحابي، فإنهم الأنجم بأيّهم اقتديتم اهتديتم" (١). قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾ [المائدة: ٣]. قال الإمام أحمد بن الحسين البزاز ﵀: "كل ما أحدث بعد نزول هذه الآية فهو فضلة (٢) وزيادة وبدعة" (٣). قال الجوهري ﵀ في صحاح اللغة: "البدعة: الحدث في الدين بعد الإكمال". وري أن أبا سليمان الدارني ﵁ قال: "ليس لمن ألهم شيء من الخير [ق ٥١ /أ] أن يعمل حتى يسمعه من الأثر، فإذا سمعه من الأثر عمل به وحمد الله حين توافق ما في قلبه" (٤). وقال: "إذا أردت عملاً تزعم أنه طاعة فانظر فإن وردت به السنة وإلا فدعه" أو كما قال.
стр. 127
وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وروي عن الإمام أبو عبد الله بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح رحمة الله عليه أنه قال: "لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم وكانوا ينهون عن البدع ما لم يكن عليه النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] ويحثون على ما كان عليه النبي ﷺ وأتباعه؛ لقوله : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] " (١)، وقال: قال وكيع بن الجراح ﵀: "من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنّة، ومن طلب الحديث ليقوّي به هواه فهو صاحب بدعة" (٢). وقال البخاري (٣) ﵀: ينبغي أن يلقي الرجل رأيه بحديث رسول الله ﵇؛ حيث ثبت الحديث ولا يعلّله بعلل لا تصحّ؛ [ق ٥١ / ب] ليقوي به هواه، فقد ذكر عن البني ﵇ أنه قال: "لا يؤمن أحدكم بالله حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (٤).
стр. 128
قلت: فهوانا بحمد الله ومنّه تبعًا لما جاء به نبيّنا ﷺ (١) وأهل الحوادث والبدع هواهم تبعًا لما لجاء به الجهّال أهل الابتداع والضلال وأهل الرقص واستماع المحال من غلاتهم المخالفون للكبر المتعال، وسيندمون إذا حلّ بهم النكال وعجزوا عن جواب السؤال وغضب عليهم من تفرّد بالعزّة والجلال وآلوا من غضبه إلى شرّ مآل مضوا مع المقرنين إلى شياطينهم في السلاسل والأغلال. وأقول شعرا:
سيندم كل مبتدع إذا ما ... أقيم حسابه ممّا أتى به
ويندم من ذنوب موبقاتٍ ... رآها مثبتات في كتابه
يقوم مناقشًا منها حزينًا ... إذا أخذ المهيمن في حسابه
ولا مال لديه ولا بنون ... له نفع به غير اكتسابه
وليس له صديق أو حميم ... ليوم الحشر ينجى من عذابه
إذا جوزي بما اكتسبت يداه ... من الأعمال عدا عن صوابه
فيا من ضمر العصيان بادر ... وتب قبل الممات من ارتكابه
فإن الله تواب رحيم ... يحبّ بأن يرى الخاطي ببابه [ق ٥٢ /أ]
ويقبل توبة العاصي إذا ما ... رآه إليه أقبل في انصبابه
وبادر قبل تدركك المنايا ... ويأتيك المؤجل باقترابه
سيندم من يموت على المعاصي ... إذا وافى القيامة في انقلابه
стр. 129
وروي أن أبا القاسم بن أبي عبد الله بن منده (١) ﵀ قال: ليس في الحديث والحكم محاباة، فمن جار في الحكم خرج عن جملة المقسطين، ومن مال إلى مذهب بتأويل حديث خرج عن جملة أصحاب الحديث. وقال: كان مذهب السلف ظاهر كتاب الله بلا تأويل وظاهر أخبار رسول الله ﵇ بلا تبديل، وقبول قوليهما بلا حجة ولا تعطيل. وقال: ولا يخرج من النار عند أهل الأثر من يخرج على الله ورسوله برأيه وهواه (٢).
стр. 130
قلت: فأهل البدع هم الذين يخرجون على الله وعلى رسوله ﷺ بآرائهم وأهوائهم، وأهل الرقص والسماع من غلاتهم (١) تعالى عمّا يقولون علوًّا كبيرًا، وقال إبراهيم النخعي رحمة الله عليه: "لو أن أصحاب محمد ﷺ مسحوا على ظفرٍ لما غسلته ألتمس الفضل في إتباعهم" (٢). وفي لفظ قال: "لو بلغني أنّهم لم يجاوزوا ظفرًا لما جاوزته وكفى بقوم وزرًا (٣) أن يخالفوا أعمالهم" (٤). [ق ٥٢ / ب] وروي عن عبد الله بن عمرو بن عوف [عن أبيه] ﵀ أن النبي ﵇ قال: "مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمِيتَتْ بَعْدِي كَانَ لَهُ الأَجْرُ مِثْلَ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٍ" (٥).
стр. 131
وروي أن النبي ﷺ قال: يا أيها الناس إيّاكم والبدع إيّاكم ومخالفة السنة، والذي نفسي بيده لا يبتدع رجل شيئًا ليس في سنتي ولا في سنّة أصحابي إلا كان ما خالف خيرًا له ممّا ابتدع، ولا تزال به بدعة حتى يجحد جميع ما جئت به" (١). وقال ﷺ : "ما ابتدع بدعة إلا رفع مثلها من السنة" (٢)، وقال ﵇: "شَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا" (٣) وقال ﵇: "كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٍ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ" (٤) قال ابن عمر ﵁: "كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة" (٥).
стр. 132
فصل
وقد ذكر بعض الملحدين (١): الرقص واحتج بحديث لعب الحبشة بالحراب، وإن في بعض الألفاظ: "يزفنون" (٢) والزفن الرقص. وجوابه: أن زفنهم نوع من المشي بثوبين يفعل ذلك عن الحرب ولقاء الأعداء، فأين هو من رقص هؤلاء المخانيث تواجدا ولهم حركات وانخلاعات ولا تقاس حالهم بأولئك، فإنّهم لعبوا بآلة [ق ٥٣ /أ] الحرب، وقد أبيح فيها ما لا يباح في غيرها. قال بعض العلماء: احتج بعضهم بقوله تعالى لأيوب المبتلى صلوات الله وسلامه على نبيّنا وعليه: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]، وقال: هذا احتجاج بارد؛ لأنه لو كان أمر بضرب الرِّجل فرحًا لكان حالهم فيه شبهة، وإنما أمر بضرب الرِّجل لينبع له الماء. قال ابن عقيل ﵀: أين الدلالة في مبتلى أمر عند كشف البلاء بأن يضرب الأرض برجله لينبع الماء إعجازا الرقص، ولئن جاز أن يكون تحريك رجل قد انحلّها تحكم الهوام دلالة على جواز الرقص في الإسلام جاز أن يجعل قوله لموسى بن عمران ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [البقرة: ٦٠] دلالة على ضرب المحاد بالقضبان -نعوذ بالله من التلاعب بالشرع والخذلان. واحتج الآخر بأن رسول الله ﷺ قال لعلي ﵁: "أَنْتَ مِنِّي" فحجل، وكذلك جعفر وزيد ﵄ (٣)
стр. 133
стр. 134
وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵁ روى حديث منكر، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به. قال ابن حبّان: كان لا يدري ما يقول جعل أبا سفيان أبا الزبير. وقد احتج الملحد أن سعيد بن المسيّب ﵀ سمع غناء فضرب برجله الأرض (١)،
стр. 135
وهذا حديث موضوع على ابن المسيب وكذب عليه، ثم لو قدّرنا أنه ضرب رجله الأرض فليس في ذلك حجة على جواز الرقص، فإن الإنسان قد يضرب رجله أو يدق بيده لشيء يسمعه ولا يسمى ذلك رقصًا، فما أقبح هذا التعلّق وأين ضرب الأرض بالقدم مرة أو مرتين من رقصهم الذي يخرجون به عن سيمة العقلاء، فسكرهم من أصوات الأغاني ولمشاهدتهم المردان، وقد قيل أن الغزالي ﵀ قال: "الرقص حماقة بين الكتفين لا تزول إلا بالتعب"، ثم إنّ كثيرًا من المنتمين إلى رؤساء الجهّال المشتغلين بالرقص والسماع ينزّهون أنفسهم عن المباحات والقربات، ويزهّدون في زينة الدنيا، ويؤثرون الانقطاع عن أهلها، ويتركون الشبهات من المطاعم وغيرها [ق ٥٤ /أ] ولا يتركون هذا السماع ولا يتحققون الأمر فيه، بل تغلبهم نفوسهم الخبيثة عليه فيتسامحون ويتأولون بأفعالهم مع وجود من يغنيهم عليه؛ لما يوقعون من العوام وغيرهم، ومع ما يتطرّق إليهم من المفسدة ويفضي الحال بين الطائفتين إلى نزاع وفتنة، ولو اتبعوا ما روى الترمذي وصححه عن أبي الحوراء ربيعة بن شيبان ﵀ قال: قلت للحسن بن علي ﵄: ما حفظت من رسول الله ﷺ قال: حفظت منه "دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يُرِيبُكَ" (١)؛ لكان أولى بهم، وقد روي عن أبي عمر الزجاجي (٢)
стр. 136
رحمه الله أحد المحققين من شيوخ الصوفية المتقدمين أنه سئل عن السماع فقال: "ما أدون حال من يحتاج إلى مزعج يزعجه السماع من ضعف الحال ولو قوي لاستغنى عن السماع والأسباب" (١). وعن أكتم بن أكتم (٢) الصوفي ﵀ قال: قلت لراهب: أوصني، فقال: إنّ الثكلاء (٣) إذا اشتغلت بميتها انقطع عنها كل بث (٤) إلا بث مصيبتها فاشتغل بنفسك وأقم في قلبك مأتمها عليها وابك طول سفرها [ق ٥٤ / ب] وسرعة انتقالها إلى قبرها. وروي أن أبا علي الثقفي أحد الشيوخ ﵀ قال: "ليس شيء أولى بأن تمسكه من نفسك ولا شيء أولى بأن تغلبه من هواك" (٥). وقال محمد بن خفيف (٦): "ليس لشيء أضرّ على المريد من ركوب الرخص وقبول التأويلات" (٧). قلت: ولا على الشيخ وأصحابه. وقال محمد بن يحيى القطان ﵀: "لو أن رجلاً عمل بكلّ رخصة بقول أهل الكوفة في النبيذ وأهل المدينة في السماع - يعني الغناء - وأهل مكة في المتعة أو كما قال: لكان به فاسقًا" (٨). قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليهما: وجدت في كتاب أبي: حدثنا أبو معاوية الغلابي حدثنا خالد بن الحرث قال: قال سليمان التيمي ﵀: "لو أخذت رخصة كل عالم أو زلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله" (٩).
стр. 137
قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر قال: "لو أنّ رجلاً أخذ بقول أهل المدينة في السّماع - يعني الغناء- وإتيان النساء في أدبارهن وبقول أهل مكة في المتعة والصرف وبقول أهل الكوفة في المسكر؛ لكان شر عباد الله" (١). قال إبراهيم بن أدهم ﵁: "من حمل شاذّ العلماء فقد حمل شرًّا كثيرًا" (٢). وروي عن سفيان [ق ٥٥ /أ] بن عيينة ﵁ أنه قال: "من رأى أنه خير من غيره فقد استكبر، وذلك إبليس اللعين إنما منعه من السجود استكباره" (٣)، وقال: "من كانت معصيته في شهوته فأرجوا له التوبة، فإنّ آدم ﷺ عصى مشتهيًا فغفر له، ومن كانت معصيته كبرًا فأخشى عليه اللعنة، فإن إبليس عصى متكبرًا فلعن" (٤). ألا فهذه الطائفة التي زعمت أن الرقص واستماع الغناء والشبابات حسنًا تستحق من الله تعالى اللعنة، ومن أوليائه كما يستحق إبليس وحزبه على ما قاله سفيان ﵁؛ لأنهم يفعلون ذلك كبرًا ويزعمون أنهم خير ممن أنكر عليهم هذه الأفعال المذمومة، والأقوال الفاحشة الباطلة المبثوثة. وقال أبو علي الروذباري (٥) رحمة الله عليه: "هذا مذهب كله جد فلا تخلطوه بشيء من الهزل" (٦)،
стр. 138
وروى أن بعض الحكماء أوصى رجلا فقال: "آمرك في حاجة نفسك بمجاهدة هواك، فإنه يقال الهوى مفتاح السيئات وخصيم الحسنات، وكل أهوائك لك عدو وأعداها لك هوى يكتمك نفسه، وأعدى لك من ذلك هوى يمثل لك الإثم في صورة التقوى" (١).
ألا فهذه الطائفة الخبيثة تمثل لهم الآثام والمعاصي والحوادث والبدع والأهواء في صورة التقوى [ق ٥٥ / ب]
ألا فاحذروهم فإنهم زنادقة ومردة، لا ينقادون إلى الحق، ولا يلوون عليه، ولا يتبعون الصدق، ولا يستمعون إليه، ولا يخشون من الله الوقوف بين يديه، وأقول شعرا:
يا سالِكي سُبُلَ العُدوانِ وَالتُهَمِ ... وَبِائعي نِعَمِ الرَحمَنِ بِالنِقَمِ
خالفتم الله في آياتٍ منزلة ... ثم الرسول بما المسنون مرتسم
أَلبَستُمُ الدينَ عاراً مِن فِعالِكُم ... ما ليسَ يَحسُنُ مِن عربٍ ولا عَجَمِ
سَمّيتُمُ الرّقص مِن لهوٍ ومِن لَعبٍ ... دِيناً وقُربى إلى الرَحمَنِ ذِي الكَرمِ
يا مُشبهي حُمُرَ الصَحراءِ رائحةً ... لمّا تَمَلّت مِن الخضراءِ والدّيمِ
هل كَان فِيما مَضَى مِن فِعلِ سَيّدكُم ... ضَربُ القَضِيب وركضُ الأرض بِالقَدمِ
لا والذي خلق الأشياءَ مُقتدِراً ... إلا الصّيَامَ وحجَ البيتِ ذي الحَرمِ
ثُم الصلاةَ وإيتاءَ الزكاةِ معاً ... ثُم القيامَ لربِ العَرشِ فِي الظُلَمِ
ثُم الجِهادَ وتعليمَ الفروضِ وَمَا ... يحتاجُه الناسُ مٍن قَوْلٍ ومٍن كَلِمِ
هَلا اعتبرتُم بِما سَمّتُه أمّتُكُم ... إن كُنتُم مِن بينها يا أولي التُهَمِ
جعلتُم قصةَ الحُبشَان حجّتكُم ... ولم تعوجوا على الأحكامِ والحِكَمِ
سمته لهوًا ولعبًا في الحديث وما ... سمته دينًا فكنتم من أولي الصمم
ولم يُكن فِعلُهم شبهاً لِفعلِكُم ... لكنكُم زِدتُم [ق ٥٦ /أ] بالأكلِ والبَشمِ (٢)
جعلتُمُوه لأكل الخُبزِ مصيدة ... وللفَسادِ مع الأحرارِ والخدمِ
جعلتُم الشيخَ هاديكُم فقادَكُمُ ... إلى الضّلالِ وكُنتُم مِن أولي البَكَمِ
стр. 139
فصل
وقد ذكر بعض الملحدين جواز الغناء، واحتج بحديث روي عن أم المؤمنين عَائِشَةَ ﵂ وهو ما خرجه مسلم من حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، وفي رواية قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ: أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا" (١).
стр. 140
وجوابه: أن يقال له يمكن أن يكون هذا كقوله ﵇ من حديث أبي هريرة ﵁ أن أعرابيًّا قام فبال ناحية المسجد فيتناوله الناس فقال لهم رسول الله ﵇: "دعوه" (١). وفي حديث أنس ﵁: "أن أعرابيًّا جاء فبال في طائفة [المسجد] فرجزه الناس فنهاهم النبي ﵇" (٢) فلا فرق بين إنكاره على أبي بكر ﵁ وبين إنكاره على الصحابة رضوان الله عليهم في إنكارهم على الأعرابي حين بال في المسجد، فإن أبحتم الغناء بهذا، فيلزمكم أن تبيحوا البول في [ق ٥٦ / ب] المساجد والسلام. وأحد الوجوه في الردّ عليهم أن يُعرف أوَّلاً حقيقة الغناء، ثم يفسر عليه الحديث، وذلك لأن العناء في لغة العرب رفع الصوت، تقول العرب: غنى فلان. إذا رفع صوته حكى الخطابي عن أبي عاصم قال: أخذ بيدي ابن جريح فوقف بي على أشعب الطامع فقال: غنِّ ابن أخي بما بلغ من طمعك! فقال بلغ من طمعي أنّه لم يزف بالمدينة عروسًا إلا كنست بابي طمعًا أن تهدى إليّ" (٣). يعني بقوله غنّ، معناه أخبرني جاهرًا ومصرحًا، ثم اقترن به عرف الاستعمال فصار المفهوم من هذه اللفظة التلحين والتطريب، فإذًا للفظ الغناء مفهومان لغوي وعرفي، فيحمل الخبر على اللغوي، فقولها تغنيان أي ترفعان أصواتهما بالشعر ونحن لا نذمّ إنشاد الشعر ولا نحرّمه؛ لأنه كلام. وأعدل قول وصف بالشعر قول النبي ﷺ : "إن من الشعر لحكمة" (٤)، وفي لفظ: لحكمًا (٥). والشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح (٦)،
стр. 141
وأيضًا قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمة الله عليه، فإنّه قال: والشعر كالكلام حسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه، وإنما يصبر غناء مذمومًا إذا [ق ٥٧ /أ] لُحِنَ وصنع صنعة تورث الطرب وتزعج القلوب وهي شهوة طبيعته. إنما ذمّ أبو بكر الصديق ﵁ رفع أصواتهما في مجلس النبي ﵇ وبين يديه؛ لأن خفض الصوت عند النبيّ ﵇ مأمور به وليس كل من رفع صوته بالغناء لَحَّنَ، وَلَذّ وأطرب، فالممنوع المكروه إنما هو الملذّ أو المطرب. فافهمه، ولم يُعقل من هذا الحديث أن صوتهما كان ملذا، وهذا سرّ المسألة فافهمه. والدليل على صحة هذا أن أبا بكر ﵁ زجرها وأنكر عليهما، ولولا أنه كان يعلم من دين النبي ﵇ ذم الغناء ما كان ليفتات (١) وبين يديه، وبقوله: بمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ وإنما وجه الحديث أن عائشة ﵂ كانت طفلة، وكنت صبايا الأنصار وجوازهم يجتمعون إليها يلعبن عندها، ولا سيّما في الأعياد والفصول، وهذا نحو ما روى أبو داود بإسناده عن عائشة ﵂ قَالَتْ: «كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ فَرُبَّمَا دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي الْجَوَارِي» (٢)، "فقدم عن غزوة تبوك وفي سهوتي ستر فهبَّب ريح [ق ٥٧ / ب] فَكشفت السّتْر عَن بَنَاتٍ لعَائِشَة فَقَالَ النبي ﷺ : "مَا هَذَا يَا عَائِشَة" فَقُلْتُ: بَنَاتِي، وَرَأى بَينهُنَّ فرسا لَهَا جَنَاحَانِ من رقاع فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي أرى وسطهن. قَالَت: فرس. قَالَ: "وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟ " قُلْتُ: جَنَاحَانِ. فَقَالَ: "فرس لَهُ جَنَاحَانِ". قُلْتُ: أما سَمِعت أَن لِسُلَيْمَان خيلاً لَهَا أَجْنِحَة. فَضَحِك النبي ﷺ حَتَّى بدت نَوَاجِذه" (٣).
стр. 142
قَالَتْ: "فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نزلنا في بني الخزرج، قالت: فوالله إني أَلْعَبُ عَلَى أُرْجُوحَةٍ، بين عذقين فجاءتني أمي فأنزلتني ولي جميمة (١) " (٢)، ثم إن اللعب التي كانت تلعب بها عائشة ﵂ لم تكن لها أوجه مقدرة على محاسن الحيوان؛ لأن النبي ﵇ لعن المصوّرين (٣)، وإنما وجهه إنها كانت تربط خشبة على خشبة على هيئة الصليب، ثم تكسوهنّ الخرق، فكذلك إنشاده هذا الشعر إنما كان بغير تلحين بدليل قولها: "وليستا بمغنيتين"، فنفت الغناء عنهما، وبعاث يوم مشهور كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج، وبقيت الحرب بينهم قائمة مائة وعشرون سنة (٤) إلى أن قام الإسلام على ما ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره، وكان [ق ٥٨ /أ] الشعر الذين يتغنيان به في وصف الشجاعة والحرب وإنشاده حثّ على جهاد الكفّار ومعونة للدّين سيّما إذا كان المنشد حسن الصوت.
стр. 143
قالت عائشة ﵂: فغمزت الجاريتين فخرجتا (١) وفي لفظ: أن أبا بكر ﵁ غمزهما فخرجتا، فأما الغناء بذكر الفواحش والإشهاد بالحرم والمجاهرة بالمنكر من القول فهو المحظور من الغناء والحرام وحاشا أن يجري شيء من ذلك بحضرة النبي ﷺ ، فيغفل النكير عليه وهو الذي روي في الحديث "لعن الله المغني والمغنَّى له" (٢) وكل من رفع صوته بشيء جاهرًا به ومصرحًا باسمه لا يستره ولا يكني عنه، فقد غنى به بدليل قولها وليستا بمغنيتين، وقوله ﵇: "هذا عيدنا" يعتذر عنهما أن إظهار السرور في العيدين من شعائر الدين، وليس هو كسائر الأيام وهو أن النبيّ ﵇ علّل إباحة ذلك بكونه في العيد، ولو صحّ ما قالوا ما اختصت (٣) الإباحة بيومٍ، فإنه ﵇ قال: "دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قومٍ عيدًا، وهذا عيدنا" تقديره دعهما تغنيان؛ لكونهما في يوم عيد، وهذا ما قاله أحد. ويحتمل [ق ٥٨ / ب] أن يكون نهي النبي ﷺ معروفًا إلى أبي بكر ﵁ لتغليظه على الصبايا وزجرهنّ، والنبي ﷺ كان رفيقًا، فكأنّه قال: دعهن اليوم يلغين ويناشدن الأشعار؛ لأنه يوم عيد وسرور، والدليل على هذا أنه ما نقل عن عائشة ﵂ بعد بلوغها إلا ذمّ الغناء والمعازف (٤)
стр. 144
على ما قد بيّن العلماء في مصنفاتهم، وقد كان ابن أخيها القاسم بن محمد ﵁ وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة يذمّ الغناء (١)، وقد أخذ العلم عنها وتأدب بآدابها، فبطل ما قال الأغمار الضلال ورؤساء الجهّال، وصحّ ما قلناه والحمد لله رب العالمين، فإن عارضنا بعض من افتتن بسماع الغناء، وقال: وقد روي أنه وقد رخص في الغناء في العرس مع ضرب الدفوف. قيل له حجة لك في هذا بل الحجة عليك إن أنصفت من نفسك. فإن قال بماذا؟ قيل له: قولك رخّص في الغناء في العرس دليل على تحريم الغناء في الأصل، ثم جاءت الرخصة في العرس لمعنى لا تعقله ولا تميّزه، فإن قال: فبينة. قيل له: كان الرجل إذا وجد مع المرأة، فأنكر عليه. قال: هي زوجتي. فقيل لهم: أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدفوف، واظهروا عليه [ق ٥٩ /أ] الغناء حتى يعلم أن فلانًا قد تزوّج فلانة، ويسقط عنهما سوء الظن، ولم يكن الدفوف التي كانت يضرب بها مثل هذه الدفوف التي استعملها الفسّاق وممن يغني يضربها إنما كانت مثل الغرابيل الواسعة إذا ضربت المرأة بها ليس لصوتها لذة تطرب ولا تفتن إنما لها صوت ليعلم أنه تزويج، ولم يكن ذلك الغناء الذي ذكر مثل هذا الغناء القبيح الذي يذكر فيه عشق الجواري وصفتهنّ وعشق الغلام الأمرد حتى يوصف بكلّ معنى لا يحلّ وصفه ويوصف الخمر بكل ما فيه وكلّ ذلك فتنة على السّامع مما يذمّه العلماء وينكرونه على من نطق به وعلى من يسمعه. فإن قال قائل: فاذكر بعض ما كان يغنّي به في الأعراس التي زعم من زعم أنه رخّص فيه أن يغنى به في الأعراس، قيل له: قد تأدّى إلينا منها أشياء إذا سمعها أهل عصرنا هذا لم يكن لهم فيها لذّة ولا يحبّونه نعم، وعندهم الذي يغنّي به أحمق، والذي يسمعه أحمق منه، فأما الحديث الذي فيه الرخصة، فقد روي أبو عبيد القاسم ﵀ بإسناده عن محمد بن حاطب الجمحي ﵀ قال: قال رسول الله: "فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدفوف في النكاح" (٢) قال [ق ٥٩ / ب] قال أبو عبيدة (٣):
стр. 145
قوله الصوت، فإنّ الناس يختلفون فيه، فبعض الناس يذهب إلى السماع، وهذا خطأ فاحش في التأويل على رسول الله ﷺ ، إنما معناه عندنا إعلان النكاح واضطراب الصوت به، والذكر في [الناس] كما يقال فلان: ذهب صوته في الناس أي ذكره ولذلك قال عمر ﵁: "أعلنوا هذا النكاح وحصِّنوا هذه الفروج" (١). وروي أن عائشة ﵂: "أنكحت ابنة عمٍّ لها الرجل من الأنصار فجاء النبي ﷺ ، فقال: أهديتم الفتاة؟ قالت: نعم. قال: أرسلتم معها من يغنّي؟ قالت: لا. قال: "فإن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو أرسلتم معها من يقول آتيناكم آتيناكم فحيانا وحياكم" (٢) وصح وثبت أن عائشة ﵂ زفّت امرأةً من الأنصار إلى رجل من الأنصار فقال النبي ﷺ : "يا عائشة أما كان معكم من لهوٍ، فإن الأنصار يعجبهم اللهو"، هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (٣). وروي أن أهل النكاح كانوا يقولون:
ألا أحسن ما جئتم ... فحيّونا نحييكم
لولا الذهب الأحمـ ... ر ما حلّت بواديكم
لولا الحنطة الصفرا ... ء لم تسمن عذاريكم (٤).
وروى صفوان بن عمرو عن أمّه قالت: كان ممّا يفتخر به أهل الناكحة على أهل الناكح [ق ٦٠ /أ] ليلة البناء تالله ما كنت بأهل لها لولا كتاب القدر السابق (٥). قالت: وكان ممّا يقال ليلة البناء
«أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ ... فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ
لَوْلَا الذَّهَبُ الْأَحْمَـ ... رُ مَا حَلَّتْ بِوَادِيكُمْ