← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 98

جامع الورع وقامع البدع

أبو بكر الدشتي

Полный текст (266 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وأيضًا قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمة الله عليه، فإنّه قال: والشعر كالكلام حسنه كحسنه وقبيحه كقبيحه، وإنما يصبر غناء مذمومًا إذا [ق ٥٧ /أ] لُحِنَ وصنع صنعة تورث الطرب وتزعج القلوب وهي شهوة طبيعته. إنما ذمّ أبو بكر الصديق ﵁ رفع أصواتهما في مجلس النبي ﵇ وبين يديه؛ لأن خفض الصوت عند النبيّ ﵇ مأمور به وليس كل من رفع صوته بالغناء لَحَّنَ، وَلَذّ وأطرب، فالممنوع المكروه إنما هو الملذّ أو المطرب. فافهمه، ولم يُعقل من هذا الحديث أن صوتهما كان ملذا، وهذا سرّ المسألة فافهمه. والدليل على صحة هذا أن أبا بكر ﵁ زجرها وأنكر عليهما، ولولا أنه كان يعلم من دين النبي ﵇ ذم الغناء ما كان ليفتات (١) وبين يديه، وبقوله: بمزمور الشيطان في بيت رسول الله ﷺ وإنما وجه الحديث أن عائشة ﵂ كانت طفلة، وكنت صبايا الأنصار وجوازهم يجتمعون إليها يلعبن عندها، ولا سيّما في الأعياد والفصول، وهذا نحو ما روى أبو داود بإسناده عن عائشة ﵂ قَالَتْ: «كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ فَرُبَّمَا دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي الْجَوَارِي» (٢)، "فقدم عن غزوة تبوك وفي سهوتي ستر فهبَّب ريح [ق ٥٧ / ب] فَكشفت السّتْر عَن بَنَاتٍ لعَائِشَة فَقَالَ النبي ﷺ : "مَا هَذَا يَا عَائِشَة" فَقُلْتُ: بَنَاتِي، وَرَأى بَينهُنَّ فرسا لَهَا جَنَاحَانِ من رقاع فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي أرى وسطهن. قَالَت: فرس. قَالَ: "وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ؟ " قُلْتُ: جَنَاحَانِ. فَقَالَ: "فرس لَهُ جَنَاحَانِ". قُلْتُ: أما سَمِعت أَن لِسُلَيْمَان خيلاً لَهَا أَجْنِحَة. فَضَحِك النبي ﷺ حَتَّى بدت نَوَاجِذه" (٣).

стр. 142

قَالَتْ: "فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نزلنا في بني الخزرج، قالت: فوالله إني أَلْعَبُ عَلَى أُرْجُوحَةٍ، بين عذقين فجاءتني أمي فأنزلتني ولي جميمة (١) " (٢)، ثم إن اللعب التي كانت تلعب بها عائشة ﵂ لم تكن لها أوجه مقدرة على محاسن الحيوان؛ لأن النبي ﵇ لعن المصوّرين (٣)، وإنما وجهه إنها كانت تربط خشبة على خشبة على هيئة الصليب، ثم تكسوهنّ الخرق، فكذلك إنشاده هذا الشعر إنما كان بغير تلحين بدليل قولها: "وليستا بمغنيتين"، فنفت الغناء عنهما، وبعاث يوم مشهور كانت فيه مقتلة عظيمة للأوس على الخزرج، وبقيت الحرب بينهم قائمة مائة وعشرون سنة (٤) إلى أن قام الإسلام على ما ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره، وكان [ق ٥٨ /أ] الشعر الذين يتغنيان به في وصف الشجاعة والحرب وإنشاده حثّ على جهاد الكفّار ومعونة للدّين سيّما إذا كان المنشد حسن الصوت.

стр. 143

قالت عائشة ﵂: فغمزت الجاريتين فخرجتا (١) وفي لفظ: أن أبا بكر ﵁ غمزهما فخرجتا، فأما الغناء بذكر الفواحش والإشهاد بالحرم والمجاهرة بالمنكر من القول فهو المحظور من الغناء والحرام وحاشا أن يجري شيء من ذلك بحضرة النبي ﷺ ، فيغفل النكير عليه وهو الذي روي في الحديث "لعن الله المغني والمغنَّى له" (٢) وكل من رفع صوته بشيء جاهرًا به ومصرحًا باسمه لا يستره ولا يكني عنه، فقد غنى به بدليل قولها وليستا بمغنيتين، وقوله ﵇: "هذا عيدنا" يعتذر عنهما أن إظهار السرور في العيدين من شعائر الدين، وليس هو كسائر الأيام وهو أن النبيّ ﵇ علّل إباحة ذلك بكونه في العيد، ولو صحّ ما قالوا ما اختصت (٣) الإباحة بيومٍ، فإنه ﵇ قال: "دعهما يا أبا بكر، فإن لكل قومٍ عيدًا، وهذا عيدنا" تقديره دعهما تغنيان؛ لكونهما في يوم عيد، وهذا ما قاله أحد. ويحتمل [ق ٥٨ / ب] أن يكون نهي النبي ﷺ معروفًا إلى أبي بكر ﵁ لتغليظه على الصبايا وزجرهنّ، والنبي ﷺ كان رفيقًا، فكأنّه قال: دعهن اليوم يلغين ويناشدن الأشعار؛ لأنه يوم عيد وسرور، والدليل على هذا أنه ما نقل عن عائشة ﵂ بعد بلوغها إلا ذمّ الغناء والمعازف (٤)

стр. 144

على ما قد بيّن العلماء في مصنفاتهم، وقد كان ابن أخيها القاسم بن محمد ﵁ وهو أحد الفقهاء السبعة بالمدينة يذمّ الغناء (١)، وقد أخذ العلم عنها وتأدب بآدابها، فبطل ما قال الأغمار الضلال ورؤساء الجهّال، وصحّ ما قلناه والحمد لله رب العالمين، فإن عارضنا بعض من افتتن بسماع الغناء، وقال: وقد روي أنه وقد رخص في الغناء في العرس مع ضرب الدفوف. قيل له حجة لك في هذا بل الحجة عليك إن أنصفت من نفسك. فإن قال بماذا؟ قيل له: قولك رخّص في الغناء في العرس دليل على تحريم الغناء في الأصل، ثم جاءت الرخصة في العرس لمعنى لا تعقله ولا تميّزه، فإن قال: فبينة. قيل له: كان الرجل إذا وجد مع المرأة، فأنكر عليه. قال: هي زوجتي. فقيل لهم: أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدفوف، واظهروا عليه [ق ٥٩ /أ] الغناء حتى يعلم أن فلانًا قد تزوّج فلانة، ويسقط عنهما سوء الظن، ولم يكن الدفوف التي كانت يضرب بها مثل هذه الدفوف التي استعملها الفسّاق وممن يغني يضربها إنما كانت مثل الغرابيل الواسعة إذا ضربت المرأة بها ليس لصوتها لذة تطرب ولا تفتن إنما لها صوت ليعلم أنه تزويج، ولم يكن ذلك الغناء الذي ذكر مثل هذا الغناء القبيح الذي يذكر فيه عشق الجواري وصفتهنّ وعشق الغلام الأمرد حتى يوصف بكلّ معنى لا يحلّ وصفه ويوصف الخمر بكل ما فيه وكلّ ذلك فتنة على السّامع مما يذمّه العلماء وينكرونه على من نطق به وعلى من يسمعه. فإن قال قائل: فاذكر بعض ما كان يغنّي به في الأعراس التي زعم من زعم أنه رخّص فيه أن يغنى به في الأعراس، قيل له: قد تأدّى إلينا منها أشياء إذا سمعها أهل عصرنا هذا لم يكن لهم فيها لذّة ولا يحبّونه نعم، وعندهم الذي يغنّي به أحمق، والذي يسمعه أحمق منه، فأما الحديث الذي فيه الرخصة، فقد روي أبو عبيد القاسم ﵀ بإسناده عن محمد بن حاطب الجمحي ﵀ قال: قال رسول الله: "فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدفوف في النكاح" (٢) قال [ق ٥٩ / ب] قال أبو عبيدة (٣):

стр. 145

قوله الصوت، فإنّ الناس يختلفون فيه، فبعض الناس يذهب إلى السماع، وهذا خطأ فاحش في التأويل على رسول الله ﷺ ، إنما معناه عندنا إعلان النكاح واضطراب الصوت به، والذكر في [الناس] كما يقال فلان: ذهب صوته في الناس أي ذكره ولذلك قال عمر ﵁: "أعلنوا هذا النكاح وحصِّنوا هذه الفروج" (١). وروي أن عائشة ﵂: "أنكحت ابنة عمٍّ لها الرجل من الأنصار فجاء النبي ﷺ ، فقال: أهديتم الفتاة؟ قالت: نعم. قال: أرسلتم معها من يغنّي؟ قالت: لا. قال: "فإن الأنصار قوم فيهم غزل، فلو أرسلتم معها من يقول آتيناكم آتيناكم فحيانا وحياكم" (٢) وصح وثبت أن عائشة ﵂ زفّت امرأةً من الأنصار إلى رجل من الأنصار فقال النبي ﷺ : "يا عائشة أما كان معكم من لهوٍ، فإن الأنصار يعجبهم اللهو"، هذا حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (٣). وروي أن أهل النكاح كانوا يقولون: ألا أحسن ما جئتم ... فحيّونا نحييكم لولا الذهب الأحمـ ... ر ما حلّت بواديكم لولا الحنطة الصفرا ... ء لم تسمن عذاريكم (٤). وروى صفوان بن عمرو عن أمّه قالت: كان ممّا يفتخر به أهل الناكحة على أهل الناكح [ق ٦٠ /أ] ليلة البناء تالله ما كنت بأهل لها لولا كتاب القدر السابق (٥). قالت: وكان ممّا يقال ليلة البناء «أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ ... فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُمْ لَوْلَا الذَّهَبُ الْأَحْمَـ ... رُ مَا حَلَّتْ بِوَادِيكُمْ

стр. 146

لَوْلَا الْحَبَّةُ السَّمْرَا ... ءُ لَمْ تَسْمَنْ عَذَارِيكُمْ» (١) وروي عن عمرة بنت عبدالرحمن قالت: كانوا إذا زوّجوا المرأة للرّجل خرج جواري الأنصار يتغنين ويلعبن. قالت: فمررن معًا حتى جلسن بمجلس فيه رسول الله ﵇ وهنّ يتغنّين ويقلن: أهدى لها زوجها كبشا (٢) ... يبحبحن (٣) في المربد وزوجها في النادي

стр. 147

حتى قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غدٍ"، وأن النبي ﷺ قام إليهنّ وقال: "سبحان الله لا يعلم ما في غدٍ إلا الله لا تقولوا هذا وقولوا: «أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم» (١)، فهذا الذي رخص فيه إنّما فيه مدح الزوج والزوجة لا غير وليس فيه ما يبعث (٢) على عشق الغلمان المرد ولا النساء الفواسد وصفة الخمور وأشباه ذلك. وروي عن أنس بن مالك ﵁ قال: "مرّ رسول الله ﵇ بجوارٍ من بني نجّار وهنّ يضربن بدفٍّ لهن ويقلن: نحن جوارٍ من بني نجّار ... يا حبّذا محمد من جار فقال النبي ﵇: "الله يعلم [ق ٦٠ / ب] أني أحبكم" (٣) -يعني يحبّ الأنصار-. وروي أنّه لما قدم النبي ﵇ المدينة مهاجرًا تلقاه أولاد الأنصار وجواريهم سرورًا به وقالوا: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع

стр. 148

وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع (١) فبالله عليكم يا ذوي العقول والبصائر أين هذا السماع من هذا السماع الذي يشرب فيه الخمور التي هي من ورق القنب ويغني فيه أجمل الصبيان بأطيب الألحان بأشعار موزونة مشتملة على ذكر الخمر وأوصافها وتأثيرها، وذكر القدود والخدود والحواجب والدعج (٢) والكحل وغير ذلك من الأوصاف المشتهات وذكر الأحوال من العشق والمحبّة والصد والوصل والفرقة والاجتماع، والآلات المطربة كالدفوف المزوقة بالجلاجل والشبابات المصنوعة المحكمة والتصفيق بتصنيع. ومن غنائهم: شُمّ (٣) الحاجب المقرون والمقلّة الكحلا ... وقل لي فدتك النفس أيّهما أحلا (٤)

стр. 149

بحيث إذا سمع ذلك الشيخ الكبير الضعيف النفس البعيد عن الميل إلى هذه الأشياء تغير حاله واضطربت جوارحه، فكيف يكون حال شاب عنده قوة نفس وميل وطبع لا يخلو من هوى وغلبة بشرية، أيليق بمن عنده أدنى [ق ٦١ /أ] نظرٍ أن يقيس على تلك الأحوال هذه الأحوال، ثم إنهم لم يكتفوا بفعلهم حتى اعتقدوه طاعةً وقربةً، وأشاعوا فعله في المساجد والمشاهد والبقاع الشريفة [وذلك] مخالف لإجماع علماء المسلمين والسلف الصالح؛ إذ ليس فيهم من جعل ذلك طاعة ولا قربة أصلاً، ولا رأى إعلانه في هذه الأماكن التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها بالغدو والآصال رجال فنعتهم بالتسبيح لا بالغناء والتصفيق والرقص والفرقعة بالأصابع ودقّ الأرض بالأرجل بعد أن يسكروا من الحشيشة التي هي ورق القنب، فنعوذ بالله ونسأله التوفيق.

стр. 150

فصل ومنهم من يقول أنه مباح وينقلون عن مشايخ السلف كالجنيد وذي النون المصري وبندار بن الحسين (١) وغيرهم في ذلك أقوالاً وأفعالاً لم يُبحث أنّها صحيحة أم لا، فإنّها لو صحّت ما كانت حجة إذا الحجة قول الله وقول رسوله ﵇ وفعله وإقراره أو ما أستند إلى ذلك. والصحابة رضوان الله عليهم مع أخبار الله بالرضاء عنهم وثناء رسول الله ﵇، فالمشهور عند جماعة من العلماء أن قول بعضهم وفعله ليس [ق ٦١ / ب] بحجة، فكيف بمن بعدهم. ولا يليق بمسلم يعدّ نفسه من المتدينين والفقراء المشهورين أن يمهّد لنفسه الخبيثة وطبعه الرديء عذرًا، ويقيم لهما حجة بأن ينسب إلى من اشتهر من شيوخ السلف ما يوجب إساءة الظنّ بهم من فعل السماع الرديء، والكتاب والسنّة وأقاويل الصحابة والتابعين وإجماع العلماء على تحريمه وصرّح بذمه شيوخ السلف. قال أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (٢) ﵀: "اعلم أنّ سماع الغناء يجمع شيئين: أحدهما أنه يلهي القلب عن التفكر في عظمة الله تعالى والقيام بخدمته. والثاني أنه يميله إلى اللّذات العاجلة ويدعوه إلى استيفائها من جميع الشهوات الحسية ومعظمها الزنا، وليس تمام لذّته إلا في المتجددات ولا سبيل إلى كثرة المتجددات من الحلّ، فلذلك يحث على الزنا، فبين الغناء والزنا تناسب من جهة أن الغناء لذّة الروح والزّنا أكبر لذات النفس، ولهذا جاء في الحديث" "الغناء [رقية الزنا" (٣)].

стр. 151

[كتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده: من عبد الله عمر أمير المؤمنين , إلى سهل مولاه أما بعد: «فإني اخترتك على علم مني بك لتأديب ولدي وصرفتهم إليك عن غيرك من موالي وذوي الخاصة لي , فخذهم بالحفا فهو أمعر لأقدامهم (١) , وترك الصبحة (٢) , فإن عادتها تكسب الغفلة , وقلة الضحك؛ فإن كثرته تميت القلب , وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي , التي بدؤها من الشيطان , وعاقبتها سخط الرحمن , فإنه بلغني عن الثقات من حملة العلم أن حضور المعازف واستماع الأغاني واللهج بهما ينبت النفاق في القلب , كما ينبت العشب الماء ولعمري لتوقي ذلك بترك حضور تلك] (٣) المواطن أيسر على ذي الذهن من الثبوت على النفاق في قلبه. وهو حين يفارقها لا يعتمد مما سمعت أذناه على شيء ينتفع به وليفتتح كل غلام [ق ٦٢ /أ] منهم بجزئه من القرآن يتثبت في قراءته، فإذا فرغ منه أخذ بقوسه ونبله ورمي سبعة أرشاق (٤)، ثم انصرف إلى القائلة، فإن ابن مسعود ﵁ كان يقول: "قيلوا، فإن الشياطين لا تقيل"، والسلام». هذا حديث رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ذمّ الملاهي (٥) الحفا المقصور هو من المشي والممدود المشي بغير نعل (٦)، ذكره ابن دريد، قوله: "أمعر لأقدامهم" أي أصلب وهي الأرض العر التي لا نبات فيها، والصبحة نوم الغداة، والله أعلم.

стр. 152

واعلموا أنّ المؤمن العاقل من الناس من لا يحبّ أن يسمع ما يكون مثله ينبت في قلبه النفاق من جارية ولا من غلام ولا من غيرهما، قد نزّه الله تعالى أهل الستر والعقل عن هذه الغفلة التي قد افتتن بها خلق كثير من الجهّال وأئمتهم الضلال نعم، ولا يسمعون من جارية قراءة القرآن صيانة لدينهم ومن اتّقى الله زجر نفسه عن هواها، وإن كان يحبّ ذلك ويميل إليه ويزيّن له الشيطان ما يهوى ممّا لا يحل له. قال الله تعالى : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠، ٤١] [ق ٦٢ / ب]، وقال رسول الله ﵇: «لَيْسَ الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ النَّاسَ وَلَكِنَّ الشَّدِيدَ مَنْ غَلَبَ نَفْسَهُ وَهَوَاهُ» (١)، وأقول شعرا: يا أولى العلم وأرباب الحجا ... اسمعوا تكونوا مرشدين لا تكون كقوم أحدثوا ... بدعة الرقص بما اختاروه دين ويقولون بأن قد سلكوا ... مسلك الحق سبيل المهتدين كذبوا، والله فيما يدعوا ... إنّما هم قوم سوء مفسدين أفسدوا لم يصلحوا بل أصبحوا ... عن طريق الحق جمعًا حائدين خالفوا الشرع الذي جاء به ... سيّد المرسلين وليسوا مقتدين ويلهم لو علموا ما أحدثوا ... ندموا تلك العصاة المعتدين لسوف يشقى من يخالف شرعنا ... في جزائه بجزاء (٢) المبعدين يا لها من بدعة قد أحدثوا ... عن رواة الجهل فيها مُسْنَدين

стр. 153

فصل عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: "إنّ الله أنزل الحق ليذهب به الباطل ويبطل به اللعب والزفن والزمارات والمزاهر والكِنارات" (١). هذا حديث رواه أبو عبيد القاسم بن سلام، وقال الزفن شبيه بالرقص، والكنارات قيل أنّها العيدان التي يضرب بها، وقيل أنّها الدفوف. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩]. وروي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لأن يَمْتَلِئَ [ق ٦٣ /أ]

стр. 154

جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» (١). هذا حديث أخرجه أبو داود في سننه. وروي أن عوف بن مالك الأشجعي قال: "لأن يمتلئ ما يبن عانتي إلى رهابتي قيحًا ينخفض مثل السقاء أحب إليّ من أن يمتلئ شعرًا" (٢). الرهابة عظم مشرّف على رأس المعدة يسميه الناس لسان الكلب. وروي أن رسول الله ﷺ كان يقول بعد أن يفتتح الصلاة: "أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْثِهِ وَهَمْزِهِ" (٣). وقال ﷺ (٤): "نَفْثُهُ: الشِّعْرُ، وَنَفْخُهُ: الْكِبْرُ، وَهَمْزُهُ: الْمُوتَة -يعني الجنون-. وروي بإسناده إلى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أنه قال: "لما أهبط إبليس اللعين قال: ربّ إنّك قد لعنت إبليس فما علمه؟ قال: السحر. قال: فما قرآنه؟ قال: الشعر. قال: فما كتابه؟ قال: الوشم. قال: فما طعامه؟ قال: كل ميّت وما لم يذكر اسم الله عليه. قال: فما شرابه؟ قال: كلّ مسكر. قال: فأين مسكنه؟ قال: الحمام. قال: فأين مجلسه؟ قال: الأسواق. قال: فما صوته؟ قال: المزمار. قال: فما مصائده؟ قال: النساء" (٥).

стр. 155

أخبرنا الحافظ أبو العباس أحمد بن إبراهيم الأبلي بقرائتي عليه أنه قال: وروي في الأثر أن رجلاً من الصحابة رأى إبليس اللعين في المنام وقد جمع عفاريته حوله [ق ٦٣ / ب] فقال لهم: قولوا شيئًا فأنشدوا أبياتًا وأشعارًا، فقام اللعين ورقص وهم ينشدون ويصفقون حتى تعب ووقع مغشيًا عليه، فلما أفاق قال لأصحابه: عليكم بهذه الحيلة فقد درت شرقًا وغربًا على حيلةٍ أدخل بها على أمة محمد، فما رأيت مثلها ولا أحسن منها (١). هذا حديث رواه أبو محمد الدارمي في مسنده وأبو داود والنسائي في سننهما والترمذي في جامعه نحوه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ (٢)، وذكره الحافظ أبو العباس في كتاب: لزوم السنة وطريق أهل التحقيق والنهي عن الغناء والتصفيق كما ذكرنا. أخبرنا الإمام الحافظ الناقد محمد بن عبدالواحد قراءه عليه وأنا أسمع أبنا (٣) أبو القاسم بن أبي الوفاء البيهقي قرآه عليه وأنا أسمع بمرو أبنا الجنيد بن القاويني (٤) الصوفي أبنا محمد بن أحمد الطبسي أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبيد الله بن باكويه الشيرازي الصوفي في نيسابور قال: سمعت أبا الطيب بن الفرحان يقول: سمعت أحمد بن محمد الصوفي يقول: سمعت علي بن إسحاق الصوفي يقول: سمعت أبا الحارث الأولاسي يقول: رأيت إبليس اللّعين [ق ٦٤ /أ] في النوم بأولاس وهو جالس وعن يمينه جماعة وعن شماله جماعة، فقال إبليس لطائفة منهم: قولوا شيئًا وكانوا على شيء من السماع، فأخذوا في القول. قال أبو الحارث: فاستغرقني طيبة حتى كدت أن أطرح نفسي من السطح لولا تمسكتُ بالقرآن، ثم التفت إلى الطائفة الأخرى، فقال لهم: ارقصوا. قال: فرأيتهم يرقصون ويشيرون في الرقص إشارات حسنة حتى تخيرت، ثم قال لي إبليس: يا أبا الحارث أليس هذا حسنًا! فقلت: بلى. قال: ما أصبت شيئًا؛ أدخُل به عليكم ليكون لي سبيلاً إلا بهذا. فخرجت شهوة السماع من قلبي فما سمعتُ بعدها (٥).

стр. 156

وروى هذه القصة أيضًا أبو القاسم القشيري عن أبي عبد الله السلمي قال: سمعت محمد بن عبيد الله بن شاذان يقول: سمعت أبا بكر النهاوندي يقول: سمعت عليًّا السائح يقول: سمعت أبا الحارث الأولاسي يقول: رأيت إبليس اللعين في المنام على بعض سطوح أولاس، وأنا على سطح وعلى يمينه جماعة وعلى يساره جماعة وعليهم شباب لطاف، فقال لطائفة منهم: قولوا شيئًا، فقالوا: غنوا فاستفزعتني [ق ٦٤ / ب] طيّبة حتى هممت أن أطرح نفسي من أنسها، ثم قال: ارقصوا فرقصوا أطيب ما يكون، ثم قال لي: يا أبا الحارث! ما أصبت شيئًا أدخلُ به عليكم إلا هذه" (١). ألا وقد رويتُ هذا المنام بالإسناد؛ لأنه رواه الصوفية من المشايخ والفقراء ولو رواه من ينكر السماع والرقص لتطرّقت عليه التّهمة، وأبو الحارث ممّن أراد الله هدايته. وقد روي ما يؤيّد هذا أنّ إبليس اللّعين يبدو لجماعة من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، فأخبرهم بطرقٍ يدخل بها على الخلق، وذلك تسخير من الله إلا فحسب أقوام ضلالة أن يتبعوا طرق الشيطان التي يدخل بها على الخلق، وقد رأى بعض الصالحين سيّدنا المصطفى ﷺ في المنام فذم ما يضع هؤلاء القوم ونورده، وإن كان منامًا؛ لأنه ﷺ قال: "مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي حقًّا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ بِي" (٢)، وفي لفظ قال: "لا يتشبه بي" (٣). ويروى بالإسناد أن أبا الحسن جميل بن نجيح الخروجي ﵁، وكان كثيرًا مما يرى النبي ﵇ في المنام أنّه تمارى هو وقوم [ق ٦٥ /أ] في القضيب والرقص، فرأى النبي ﷺ من ليلة، فقال له في ذلك النبي ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].

стр. 157

فهل وردَ عنّي أو عن أحد من أصحابي أنه فعل ذلك أو نحو هذا؟ " (١) ووجدت بخطّ الإمام العلامة الموفق عبد الله بن قدامة المقدسي (٢) رحمة الله عليه أن الشريف محمد بن الحسن بن علي الحسني رضوان الله عليهم حدّثهم، قال: رأيت النبي ﷺ كأنّه جالس وبين يديه شيخ، وأنا أقول للنبي ﷺ : صلوات الله عليك يا جُدي، فسمعته يقول لشيخ بين يديه كلمة كأنّه يسبّه بها، ثم جعل يقول له: أَثبَتَ أننّي رقّاص أوَرَدَ أنني أرقص؟ وكرّر ذلك عليه مرارًا وانتبهت وهو يقولها (٣) وفي ذلك أقول شعرا: يا حائدين عن الصواب أما لكم ... ما تتّقون الله حق تقاته وتصدّقون إلهكم في قوله ... وتسارعون معًا إلى مرضاته وتطاوعون الهاشمي محمدًا ... وتراقبون الله في أوقاته أحدثتم للرقص بعد خموده ... وتبعتم الشيطان في خطواته أترى بذا قال النبي محمد ... والسادة الخلفاء بعد وفاته؟ والقس ليس [ق ٦٥ / ب] يراه في إنجيله ... والحبر ليس يراه في توراته وكتابنا هذا فما من آيةٍ ... نطقَتْ بفضل الرقص من آياته بل بدعة ظهرت فيالك بدعة ... : ملت الشام على ضرار قضاته ما بالهم لا ينطقون كأنّما ... أخذوا بقول شريح في إصماته فبذلك القسيس يضحك شامتًا ... قد برّح الديّوث (٤) في إشماته. والشارع الحنفي أصبح خائفًا ... قد كذّبوه القوم في فتواته

стр. 158

لا يستطيع إلى الجدال طريقة ... حذر أتيك فداله برواته (١) قد زيّفوه فحسبه محرابه ... وغدا الفقير موَلّهٌ بخواته يرخي عمامته ويسدل ثوبه ... يظل معتمداً على منساته يا هؤلاء ألا فقيه عالم ... ورع يقوم مع الصحيح نداته (٢) ويزيد في توبيخ كلّ مذبذب ... حتى يزيد [الله] في حسناته لا تصفقّن وتصعقنّ ولا تكن ... ممّن يطيع هواه في خلواته فالله يبغض كل صوت نابيًا ... لا يبغضن الشيخ من أصواته يا من يشاورني ويقبل من فتى ... مستغفرا لله من زلاته إيّاك تتبعهم وتسمع قولهم ... وتطيع ذا الدعوى على دعواته كن ما حييت على الشريعة ثابتًا ... واحفظ وصية من نصحك رواته واحفظ وقيت وصية من عالم ... ودع الغبي يغوص في عثراته وكن الحريص على اتّباعك للهدى ... بصحيح ما تروي ثقات رواته

стр. 159

وروي أن رجلاً قال لمعافي بن عمران (١) ما تقول في الرجل يقول الشعر ويلهج به (٢)؟ قال هو عمرك فأفنه كيف شئت (٣). وروي أن هلال بن العلاء قال: كتب إليّ حسين بن عياش: عافانا الله وإيّاك وعفا عنَّا وعنك أنت حفظكم الله تعلم موقعك من قلوبنا وحالك عندنا، وقد شكاك إلي أبوك لتشاغلك بطلب الشعر عن معاشك، فتعلم وفقك الله أن إغراقك في هذا الذي أنت فيه يدعوا إلى تعلّق القلب بالملاهي وبقول الأشعار بعدها، وقد يقال إن أدنى مروءة العاقل قول الشعر، وأن أشرف مروءة الأحمق بالشعر فعليك من هذا الأمر بالضحضاح (٤)، وإيّاك والغمر (٥) والسلام، ألا والذي أعرفكم أن الخفيف من الشعر واليسير منه نحو البيت والبيتين للتمثيل ونحوه غير حرام، ولا مذموم عند العلماء، وقد استعمله غير واحد من السلف وهو ما كان في معنى قوله ﷺ "وإن من الشعر لحكمة" (٦)، وفي لفظ [ق ٦٦ / ب] قال: "حكما" و "الشعر كالكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح".

стр. 160

وقد روى الشافعي ﵀ نحو هذا فأمّا الشعر وروايته والإكثار منه فهو الذي جاء فيه الإنكار والنهي وحسبك من ذمّ الشعر وإسقاط مرتبته تنزيه الله نبيّه ﷺ عنه وعن قوله وروايته، وقد زعم بعض أهل البدع والضلال ممن لا خلاق لقوله أنه ﵇ كان يقدر على قول الشعر المنظوم كما يقدر على الكلام المنثور، إلا أنه كان يتحاشاه ويتنزه عنه، وليس الأمر في هذا كما زعمه بجهله وتوهّمه بقلة عقله، ويدلّ على فساد ما قاله [من] هذا الزعم قول الله : ﴿عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، فثبت أنّه ﵇ لو رام أن يقوله لم يتأت له من أمه، وإنما قطعه عن الشعر، وقوله واقتنائه صيانة للقرآن وقطعًا لدعوى من ينحل النبي ﷺ صنعة الشعر، فكيف يجوز أن يكون مع ذلك قادرًا عليه متسعًا له، وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: "ما تغنيت" (١). فتبرأ من التغنّي وتبحح (٢) بتركه وتنزه عن فعله. هذا حديث رواه ابن ماجة في سنه. وروي عن ابن [ق ٦٧ /أ] مسعود ﵁ وغيره أنه قالوا: "الغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل" (٣).

стр. 161

وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "الغناء ينبت النفاق في القلب" (١)، وعن جابر بن عبد الله، ﵁، مثله، وفي رواية جابر "كما ينبت الماء الزرع" (٢). وفي رواية "كما ينبت الماء العشب" (٣)،

стр. 162

وعن ابن مسعود ﵁ أنّه قال: "إذا ركب الرجل دابّته ولم يسمّ الله ردفه الشيطان، فقال له: تغنّ وإن كان لا يحسن" (١). وروي أن ابن عمر ﵁ مرّ على قوم محرمين ومعهم رجل يتغنّى، فقال ابن عمر: "ألا لا سمع الله لكم ألا لا سمع الله لكم (٢) " (٣)، وأنّه مرّ بصبيّة صغيرة وهي تغنّى، فقال: "لو ترك الشيطان أحدًا لترك هذه" (٤). هذا حديث رواه أبي الدنيا في كتاب ذمّ الملاهي، ورواه غيره من الحفاظ، ألا فهذا ابن عمر ﵁ جعل قول الصبيّة من فعل الشيطان، فكيف به لو وقف على شيوخ سمانٍ لا عقولاً ولا أذهان من رؤساء الجهّال وأئمة الضلال دأبهم الرقص واستماع الأغاني وصحبة أحداث المرد والنسوان، وذلك بعد ما ملئوا بطونهم من ألوان الطعام وجعلوا ذلك قربة إلى الرحمن وما هم إلاّ في طاعة [ق ٦٧ / ب] الشيطان.

стр. 163

وروي عن مسروق الأجدع ﵁ أنه تمثّل ببيت من الشعر فقطعه، فقيل: لو أتممت البيت! فقال: "أكره أن أجد في صحيفتي بيتًا من الشعر" (١). وسئل القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أحد فقهاء المدينة السبعة ﵃ عن الغناء فقال لسائله: أنهاك عنه وأكره. وقال أحرام هو؟ قال: انظر يا ابن [أخي] إذا ميز الله الحق من الباطل من أيّهما يجعل الغناء (٢). وفي لفظ ففيم يجعل؟ قال: مع الباطل. قال: فأفتِ نفسك. وفي لفظ أن رجلاً قال له: ما تقول في الغناء أحرام هو؟ فسكت، فأعاد عليه ثلاثًا، فقال له في الرابعة: أخبرني إذا كان يوم القيامة، فأتى الحق والباطل فأين يكون الغناء؟ قال: مع الباطل. قال له القاسم ﵁: فأفت نفسك. وأقول شعرا: إذا وضع الحق في كفة ... وفي أختها وضع الباطل وجوزي العباد بأعمالهم ... وكلهم دمعه هاطل فأيتهما كفة الراقصين ... أجيبوا فقد جاءكم سائل وردّوا الجواب ولا تعجزوا ... وعالمكم عنه لا غافل فشرط الفقيه يردّ الجواب ... صوابًا ولا دونه حائل يردّ جوابًا وافيًا بما ... يراه الصحيح به فاصل ولا يتوانى يردّ الجواب [ق ٦٨ /أ] ... ويهدي به السائل الجهال (٣)

стр. 164

وقد ذكرنا فيما تقدم أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ قال: بلغني عن الثقات أن حضور المعازف واستماع الأغاني ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء العشب (١). عن الأوزاعي ﵁ قال: "كتب عمر بن عبد العزيز ﵁ في كتاب إلى عمر بن الوليد فما أكثر خصماء أبيك يوم القيامة، فكيف ينجو من كثرت خصماؤه وإظهارك المعازف والقينات بدعة في الإسلام" (٢). وأخبرنا أبو الحسن علي بن المُقَيَّر البغدادي ﵀ فيما كتب لنا بدمشق عن أبي الفضل بن ناصر أنا ثابت بن بندار أنا أبو الحسين محمد بن عبد الواحد بن رزمة أنا أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي قال: حدثني محمد بن منصور بن مرشد النحوي أنا الزبير بن بكّار حدثني محمد بن يحيى عن معن بن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: كان سليمان بن عبدالملك ﵏ في ادية له، فسمر (٣) ليلة على سطح من الأرض، ثم تفرق جلساؤه فدعي بوضوء، فجاءت به جارية، فبينما هي تصبّ عليه إذا استمدها بيده وأشار إليها (٤)،

стр. 165

فإذا هي ساهية مصغية بسمعها مائلة بجسدها كله إلى صوت غناء تسمعه في ناحية العسكر فأمرها فتنحت [ق ٦٨ / ب] واستمع هو الصوت، فإذا هو صوت رجل يغنّي، فأنصت حتى فهم ما يغنّي من الشعر، ثم دعا بجارية من جواريه غيرها، فتوضأ، فلما أصبح أذن للناس [إذنا] عامًا، فلما أخذوا مجالسهم أجرى ذكر الغناء، ومن كان يسمعه وليّن فيه حتى ظنّ القوم أنه يشتهيه، فأفاضوا [في التليين والتحليل والتسهيل فقال هل بقي أحد يسمع منه فقام رجل من القوم فقال يا أمير المؤمنين عندي رجلان من أهل أيلة حاذقان قال وأين منزلك من العسكر فأومى إلى الناحية التي كان الغناء منها فقال سليمان يبعث إليهما فوجد الرسول أحدهما فأقبل به حتى أدخله على سليمان فقال له ما اسمك قال سمير فسأله عن الغناء كيف هو فيه فقال حاذق محكم قال ومتى عهدك به قال في ليلتي هذه الماضية قال وفي أي نواحي العسكر كنت فذكر له الناحية التي سمع منها الصوت قال فما غنيت فذكر الشعر الذي سمعه سليمان فأقبل سليمان فقال هدر الجمل فضبعت الناقة وهب التيس فشكرت الشاة وهدل الحمام فزافت الحمامة وغنى الرجل فطربت المرأة ثم أمر به فخصي وسأل عن الغناء أين أصله وأكثر ما يكون قالوا بالمدينة وهو في المخنثين وهم الحذاق به والأئمة فيه فكتب إلى عامله على المدينة وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أخصي من قبلك من المخنثين المغنين] (١). لا يفعلون ذلك إلا وهم كافرون لما يعتقدون (٢) أنهم يتقرّبون إلى الله بأعمال يفسق بها غيرهم. وفي لفظ: سئل مالك بن أنس ﵁ عن الرجل يشتري الجارية يعلمها الغناء يريد بها التجارة، فقال: "لو أن لهؤلاء سلطانًا لكانوا أهلاً أن ينكل بهم". وفي لفظ قال: "ما أحوج هؤلاء إلى سلطان يقيم فيهم حدود الله تعالى هم أهل [أن] ينكل بهم (٣) "، فقيل له: هل رأيت أحدًا يسمعه أو يجلس إليه.

стр. 166

قال: "لا، بل رأيت الناس يمنعون أبناءهم وسفهاءهم عن الجلوس إلى المغنّي وعن استماعه"، وهذا حديث صحيح عن مالك ﵁؛ لأنه روي بأسانيد صحاح، وقال القاضي أبو الطيب الطبري ﵀: "أمّا مالك ﵀ فإنه نهى عن الغناء واستماعه"، وقال: "إذا اشترى جارية فوجدها مغنّية كان له ردّها بالعيب"، وهو [ق ٦٩ /أ] مذهب سائر أهل العلم إلا إبراهيم بن سعد (١) فإنه حكى زكريا الساجي أنه كان لا يرى به بأسًا. قال الشيخ أبو بكر الطرطوشي (٢) ﵀: إبراهيم بن سعد ليس هو من أهل الاجتهاد والفتوى في الدين، ثم لم يوضح الراوي صفة ما أجازه من الغناء، فلعلّه ينشد القصائد التي لا تطرب ولا تلحن على النغمات الموسيقية، ومثل ذلك فإنه مباح، وهذا الخلاف من هذين الرجلين (٣)

стр. 167

المطعون على أحدهما والآخر معذور في استماع صوت الغناء فحسب، وأما استماع الأغاني المحرّمة الملحنة والدفوف والشبابات والطنبور والعود وسائر الملاهي فحرام ومستمعها فاسق إن اعتقد تحريمها، وإلا فهو كافر (١)، وأما ما حكى بعض الملحدين عن الإمام مالك ﵀ ورضي الله عنه أنه سئل عن السماع، فقال أهل العلم ببلدنا لا يقعدون عنه ولا ينكرونه (٢)، وذمّ من ينكره، وهذه حكاية منقطعة لا يصحّ إسنادها، يقول فيها الدرستي: بلغني عن مصعب، وأنها معارضة بما هو أصحّ منها، وهو أذكرناه آنفًا. وحكى ابن (٣)

стр. 168

طاهر المقدسي وهو [ق ٦٩ / ب] رجل كذّاب ليس ثقة ولا مأمون عن الإمام مالك بن أنس ﵁ وغيره من فقهاء المدينة، قال: ومالك كان أقلهم في فقهه وقدره، وإنهم كان معهم دفوف وعيدان ومعازف يغنون ويلعبون ومع مالك دفّ مربّع وهو يغنّي: سليمى أزمعت (١) بينا ... وأين لقاؤها أينا وقد قالت (٢) لأتراب ... لها زهر (٣) تلاقينا تعالين فقد طاب ... لنا العيش تعالينا

стр. 169

وما تكلم بعدها زور وباطل موضوع، وفي رواتها من لا يعتمد عليهم وعبيد الله بن سعيد بن كثير (١) قال فيه أبو حاتم بن حيان: لا يشبه حديثه حديث الثقات وأبوه ليس من شرطه (٢). قال السعدي: فيه كلام، وأما فساد متن هذه الحكاية فظاهر لا يخفى إلا على الجهّال، وقد نزّه الله تعالى فقهاء أهل المدينة عن ذلك، وقد أسلفنا ما يعارضه مما صحّ وثبت من قول مالك وابن المنذر وغيرهما، ولعلّ بعض الأغبياء الجهّال يتوهم أن السماع المذكور هاهنا هو ما تستعمله هذه الطائفة الضالة اليوم، كلا، بل هو سماع الغناء نقل عن بعض أهل المدينة أنه كان يسمع جاريته أو غيرها تغنّي، والذي نقل عنهم من أهل المدينة [ق ٧٠ /أ] (٣) أكثر الأئمة في ذلك الزمان منهم خط قاضي القضاة الشامي (٤) يقول: وأمَّا إمامنا الشافعي رجع عن الغناء واعتقد تحريمه وفي كتاب المسألة في الرد على من يقول بجواز الغناء والرقص والتغبير على مذهب الإمامين مالك والشافعي رحمهما الله للقاضي الإمام أبو الطيب طاهر بن الطبري الشافعي المذهب ﵀ (٥)

стр. 170

قال: وروى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "كان إبليس أوّل من ناح وأوّل من غنى" (١)، فأعلمنا رسول الله ﷺ أن إبليس قدوة أهل الرقص والسماع في الغناء وأستاذهم وشيخهم في ذلك وحسبك فجورًا في قوم يقتدون بإبليس في أفعالهم وأقوالهم ولا يقتدون بالصالحين من العلماء والعبّاد. قال أبو القاسم الجنيد (٢) رحمة الله عليه: "علمنا هذا مضبوط بالكتاب والسنة من لم يحفظ الكتاب والسنة، ولم يكتب الحديث لا يقتدي به"، ألا فهذا أبو القاسم الجنيد شيخ من المشايخ قد حذّر الناس أن يقتدي بكل شيخ لا يحفظ القرآن ولا يحفظ أحاديث النبي ﷺ ولا يتفقه، فما بال جهّال زماننا لا يقبلون من الله ولا من رسوله ﵇، ولا [ق ٧٠ / ب] من الصحابة رضوان الله عليهم ولا من أئمة المسلمين وعلمائهم، ولا من شيوخ الصالحين العبّاد، بل يتبعون أقوامًا جهلة لا يدينون الله بدين، ولا يعرفون تفسير القرآن ولا أحاديث النبي ﷺ ، ويقتدون بهم، واتخذوا الشياطين من الإنس أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون.

стр. 171

وقرأت في كتاب تحريم الغناء والرقص واللهو والردّ على المشتغلين بذلك على مذهب الإمام الشافعي ومالك رحمة الله عليهما الإمام أبي بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي المالكي (١) المذهب ﵀ قال: وروى عطاء بن يسار ﵀ أن كعب الأحبار ﵁ قال: وجدت في التوراة "إنا أنزلنا الحق ليذهب الباطل ويبطل اللعب والرقص والزمر والزمارات والشعر والمزامير والقيثارات (٢) والخمر مرّة لشاربها" (٣). قال: وروى أبو أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمَرَنِي أنْ أمحق الْمَزَامِيرِ والقيثارات (٤) وَالْمَعَازِفِ وَالْأَوْتار (٥) وَأَقْسَمَ رَبِّي بِعِزَّتِهِ: أَنْ لَا يَشْرَبُ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي جَرْعَةً مِنْ خَمْرٍ، إِلَّا سَقَيْتُهُ مكانها [ق ٧١ /أ] مِنَ حَمِيمِ (٦) جَهَنَّمَ مُعَذبًا أَوْ مَغْفُورًا لَهُ، ولا يدعها عبد من عبيدي مَخَافَتِي إِلَّا سَقَيْتُهُ إياها في حظيرة القدس (٧)، وَلَا يَحِلُّ بَيْعُهُنَّ وَلَا شِرَائِهُنَّ، وَلَا تَعْلِيمُهُنَّ وَلَا تِجَارَةٌ فِيهِنَّ، وإثمانهنَّ حَرَامٌ" للمغنيات (٨) (٩).

стр. 172

قال: وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﵇ قال: «يُمْسَخُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَيْسَ يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: «بَلَى وَلَكِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الْمَعَازِفَ وَالْقَيْنَاتِ (١) وَالدُّفُوفَ فَبَاتُوا عَلَى لَهْوِهِمْ وَشُرْبِهِمْ فَأَصْبَحُوا وَقَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ» (٢). وصحّ وثبت عن أبي مالك الأشجعي (٣) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا وَتُضْرَبُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ، وَيَخْسِفُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمُ الْأَرْضَ وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ». هذا حديث صحيح رواه البخاري في صحيحه بنحوه (٤). وروى أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﵇ قال: "من جلس إلى قينة يستمع منها صبّ في أذنيه الآنك" (٥)

стр. 173

-يعني الرصاص المذاب- عقوبة لاستماع لما حرّمه الله تعالى، وقال مكحول رحمة الله عليه: "من مات وعنده مغنّية لا يصلي عليه" (١) ألا فقل لمن أباح سماع الغناء واتبع نفسه هواها [ق ٧١ / ب] وأعطاها من هذا الأمر لذتها ومناها دعواك القبيحة على مالك وعلى الشافعي ﵄ أقبح [و] أفحش من فعلك واحتجاجك أفحش [و] أقبح من ذنبك؛ لأنك تريد أن تخرج الباطل في صورة الحقّ، وترى الناس معاصيك لله ليست بمعصية، بل هي طاعة اتبعت فيها الأثر، فأنت في هذا أضرّ على أمّة محمد ﷺ من إبليس في بعض تحسينه؛ لأن إبليس إذا حسّن للعبد المعصية وحبّب إليه الفاحشة قال له: إنّ الله وعد بقبول التوبة والمغفرة والرضوان لمن تاب، فإذا قضيتم لذّتكم وبلغتم شهوتكم، وتبتم غفر الله لكم وأنت أيّها الجاهل المتعالم المتغافل المتظالم الغمر المتغاشم تقول لهم إنكم عاملون بعلم، ومتبعون مذهب الإمامين مالك والشافعي رحمهما الله وغيرهما من العلماء المحققين والعبّاد الصادقين، وأنتم عاملون بالعلم وعابدون لله ، وأنتم المتبعون العاملون. فنقول له: على زعمك (٢) لا تحتاج مع فتياك هذه متاجرة لله ولا معاملة هي أربح لك من استماع الغناء والطرب، فاعمل الآن مجلسًا تعلم فيه الناس الرقص واستماع الغناء والشبابات التي تزعم أنه مذهب مالك والشافعي رحمة [ق ٧٢ /أ] الله عليهما ترجوا بذلك الفوز غدًا كما أن أهل العلم يعلمون الناس مذهبهما في علم الكتاب والسنة ما أنت إلا كما قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] ما أنت في أمة محمد ﷺ إلا كالطاغوت الذي يخرج الناس من النور إلى الظلمات. وسئل الإمام مالك رحمة الله عليه عن اللعب بالشطرنج فقال للسائل (٣):

стр. 174

أحق هو؟ قال: لا فقال الإمام: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (١) وكذلك نقول لهذه الطائفة الخبيثة. وقال الإمام أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي رحمة الله عليه: من تكلم بكلام الدين، أو في شيء من هذه الأحوال ليس له فيه إمام متقدّم من النبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم فقد أحدث في الإسلام، حدثنا وقد قال رسول الله ﷺ : "من أحدث حدثًا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفًا (٢) ولا عدلاً (٣) " (٤).

стр. 175

وأما الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ فنصّ على تحريمه في روايات كثيرة. وقد سئل عن القصائد واستماعها، فقال: "هي بدعة ولا يجالسون". وقال عبد الرحمن المتطبب: سألت أحمد بن حنبل وقلت له: ما تقول في القصائد؟ قال: "بدعة ولا يجالَسون"، وقال: "الغناء ينبت النفاق في القلب". وروى ابن (١) طاهر [ق ٧٢ / ب] سامحه الله (٢) حكايتين (٣) عن الإمام أحمد من استماعه إلى ابن الخبازة (٤) لما كان ينشد القصائد وما تلاه، فالجواب بأن الأولى منها وهي رواية صالح التي نقلها عن أحمد بن علي: محمد بن الحسين الصوفي عن الحسين بن أحمد عن أبي العبّاس الفرغاني عن صالح طريق مظلم ومحمد بن الحسين، فقد نقل كذبه وأنّه كان يضع للصوفيّة الأحاديث، وأما الثانية فالقواس (٥) يقول: أظنّه عن عبد الله بن أحمد والظنّ ليس بكاف في الرواية دون القطع ولم ينقل عن عبد الله بن الإمام أحمد رحمة الله عليهما أنّ أباه كان يستمع الغناء ولا يقاربه وقد كان ملازمًا لأبيه مقتديًا به في كثير من أخلاقه، والصحيح عن صالح ما روى أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال رحمة الله عليه الذي جمع علم أحمد وأخباره وتتبّعها التتبع الشديد، فإنه ذكر في كتاب الجامع قال: أخبرنا زهير بن صالح بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: "كان عندي من يقرأ ويقول قصائد، فقيل لي: إن الشيخ قائمًا يستمع فخرجت فإذا أبي قائمًا يستمع فقال لي: من عندك؟ قلتُ: فلان وفلان [وظل] قائمًا يستمع حتى مضى"، فهذا الطريق بين لكم رحمكم الله أن تلك التي ذكرها عن صالح ليس بصحيحة فإنّها [ق ٧٣ /أ] قضية واحدة وليس في ذلك أكثر من أن الإمام أحمد استمع شعرًا غير مقترن بما يذمّ من الملاهي ونحوها، ولم يستحضره ولا جلس إليه، بل كان واقفًا، والظاهر أنه استمع هل ينظر شيء يريبه فيمنع منه، فلمّا لم يسمع إلا قرآنًا، ثم شعرًا في زهد سكت عنه، وهذا أليق بحاله في علمه وورعه، فأمّا ما زاده المتصوفة فيما نقلوه من التبختر وقولهم كأنّه يرقص فكذب منهم ومحال، يطلبون المعنى تصحيحًا لمذهبهم في الرقص (٦)، قد أعاذه الله من ذلك.

стр. 176

قال الإمام أبو الفرج عبدالله بن علي ﵁ (١): أما مذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه فإنه كان الغناء في زمانه قصائد الزهد لأنهم لما كانوا يلحنونها اختلفت الرواية عنه، فروي عن ابنه عبد الله ﵀ أنه قال: "الغناء ينبت النفاق في [القلب] ولا يعجبني". وروى عنه إسماعيل بن إسحاق الثقفي أنه سئل عن استماع القصائد. فقال: "أكرهها هو بدعة ولا يجالَسون". وروى عنه يعقوب الهاشمي أنه قال: "التغبير (٢) بدعة محدث". وقال الحافظ أبو بكر الأثرم: سمعت الإمام أحمد بن حنبل ﵀ يقول التغبير محدث. وروى عنه يعقوب بن بختان أنه قال: أكره التغبير، وأنه (٣) نهي استماعه، فهذه الروايات كلها دليل على تحريم الغناء، وقال أبو بكر الخلال [ق ٧٣ / ب] ﵀ إنما كره أحمد القصائد لما قيل له إنهم يتماجنون ويتصافقون (٤)، ثم روي عنه أنه يدل على أنّه لا بأس بها. قال المروزي: سألت أبا عبد الله عن القصائد فقال: بدعة. فقلت له: يهجرون، فقال: لا يبلغ بهذا كلّه، وقد روينا أن الإمام أحمد ﵀ سمع قوالاً عند ابنه صالح فلم ينكر عليه، وإنما أشار إلى ما كان في زمانهم من القصائد الزهديات ينشدونها بغير تلحين، وعلى هذا يحمل ما لا يكرهه أحمد، ويدل على ما قلت (٥)

стр. 177

أن أحمد ﵀ سئل عن رجل مات وخلف ولدًا وجاريةً مغنّية، فاحتاج الصبيّ إلى بيعها، فقال: تباع على أنّها ساذجة لا على أنّها مغنّية، فقيل له: أنها تساوي ثلاثين ألفًا ولعلّها أن بيعت ساذجة تساوي عشرين دينارًا. قال: لا تباع إلا على أنها ساذجة. فقال ابن عقيل: وهذا فقه حسن من أحمد ﵀؛ لأن الغناء في الجارية كالتالف في آلة اللهو، وذلك لا يقوّم له في الغصب جارية مغنّية، فنسيت الغناء لم يغرم (١) قال: وهذا دليل على أن الغناء محظور؛ إذ لو لم يكن محظورًا ما أجاز تفويت المال على اليتيم، وصار هذا كقول أبي طلحة ﵁ للنبي ﵇: عندي [ق ٧٤ /أ] خمر لأيتام فقال: "ارقها" (٢). فلو جاز استصلاحها لما أمره بتضييع مال اليتيم. وروى المروزي عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: كسب المخنّث خبيث، وكسبه بالغناء. فبان من هذه الجملة أن الرّوايتين عن أحمد بالكراهية وعدمها يتعلّق بالزهديات الملحنة، فأما الغناء المعروف اليوم فمحظور عنده كيف ولو علم ما أحدث الناس فيه من الزيادات، وقد كان الإمام أحمد ﵀ كثير الإتباع شديد الكراهية للمحدثات واللّهو والبطالات، والروايات المشهورة عنه على ذمّ الغناء والتغبير وكسر الملاهي والطنابير. وروي عن الإمام أحمد ﵁ قال: ما كتبت حديثًا عن النبي ﷺ إلا وقد عملت به حتّى مرّ بي في الحديث "أن النبي ﷺ احتجم (٣)

стр. 178

وأعطى أبا طيبة دينارًا (١)، فأعطيتُ للحجام دينارًا حين احتجمتُ" (٢)، وقال ﵀: "كتبت بخطي ألف ألف حديث سوى ما كتب لي". وروى ابنه عبد الله رحمهما الله قال: "نظرت بالحزر (٣)

стр. 179

مني فإذا قد كتب أبي مقدار ألف ألف حديث وترك لقوم لم يحدث عنهم فترك حديثهم مقدار مائة ألف وخمسين ألفًا أخرى"، ألا والذي أقول لأهل البصائر والعقول أنّ هذه الطائفة الضالة ضلّت عن طريق الصواب وخالفت السنة والكتاب على ما قاله [ق ٧٤ / ب] أبو الليث السمرقندي الحنفي المذهب في كتابه في الردّ على هذه الطائفة وعلى ما قاله أبو الحسين بن القاضي أبي يعلى بن الفراء (١) وأبو المحاسن الحراني (٢) الحنبليان المذهب في كتابيها في الردّ على هذه الطائفة، وبه قال خلق كثير غيرهم (٣)

стр. 180

أنّ هذه الطائفة خالفت الإجماع على ما زعمت في زمانهم، وذكر القاضي أبو الطيب الطبري الشافعي المذهب في كتابه (١) قال: "إن اعتقاد هذه الطائفة مخالف لإجماع علماء المسلمين؛ لأنه ليس فيهم من جعله دينًا وطاعةً ولا أرى إعلانه في المساجد والجوامع، وحيث كان من البقاع الشريفة والأماكن والمشاهد الكريمة، فكان مذهب هذه الطائفة مخالف لما اجتمعت العلماء عليه". وهذا قول العلماء الشافعية وأهل التدين منهم، ولا يرخّص في ذلك إلاّ من قلّ علمه. وذكر الإمام أبو بكر الطرطوشي المالكي المذهب ﵀ قال: "وهذه الطائفة خالفت جماعة المسلمين؛ لأنهم جعلوا الغناء دينًا وطاعةً، ورأوا إعلانه في الجوامع والمساجد وسائر البقاع الشريفة والمشاهد الكريمة، وليس في الأمّة من رأى هذا الرأي وقد كان أولى الناس بالاحتياط لدينه هذه الطائفة؛ لأنهم يتلبّسون [ق ٧٥ /أ] بالدين ويدعون الورع والزهد حتى يوافق باطنهم ظاهرهم". وذكر الإمام أبو الليث السمرقندي تحريم الغناء والرقص قال: "والدليل على تحريم الغناء والرقص وغيرهما من اللهو الكتاب والسنة وإجماع الأمة. وذكر في كتابه الوجوه الثلاثة (٢)، وذكر أبو المحاسن الحراني الحنبلي المذهب ﵀ في كتابه قال: "والدليل على تحريم السماع والغناء واللّعب بالقضيب من ثلاثة أوجه: الكتاب، والسنة، وأقاويل العلماء. وذكر في كتابه الوجوه الثلاثة"، ثم قال: فهذه آيات القرآن وأخبار رسول الله ﷺ وآثار الصّحابة والتابعين وأقوال الأئمة الأربعة أئمة الدين في الإسلام، فقد صار تحريمه إجماعًا منعقدًا، فمن خالفه خرج عن الإجماع وفارق الجماعة ومات ميتة جاهلية واتّبع غير سبيل المؤمنين فـ ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] ".
следующие страницы →