وبعد واو عينت مفهوم مع ... كمثل كل صانع وما صنع (١)
وقبل حال لا يكون خبرا ... عن الذي خبره قد أضمرا (٢)
كضربي العبد مسيئا وأتم ... تبينى الحق منوطا بالحكم (٣)
стр. 247
حاصل ما في هذه الأبيات أن الخبر يجب حذفه في أربعة مواضع:
الأول: أن يكون خبرا لمبتدأ بعد لولا نحو لولا زيد لأتيتك التقدير لولا زيد موجود لأتيتك واحترز بقوله غالبا عما ورد ذكره فيه شذوذا كقوله:
لولا أبوك ولولا قبله عمر ... ألقت إليك معد بالمقاليد
فعمر مبتدأ وقبله خبر.
стр. 248
_________
= معد زائد بدليل إدغام الدال في الدال، والتزموا أن يكون تمعدد على زنة تمفعل مع قلته، وانظر الجزء الثاني من كتابنا دروس التصريف " المقاليد ": هو جمع لا مفرد له من لفظه، وقبل: مفرده إقليد - على غير قياس - وهو المفتاح، وقد كنى الشاعر بإلقاء المقاليد عن الخضوع والطاعة وامتثال أمر الممدوح.
المعنى: يقول: أنت خليق بأن يخضع لك بنو معد كلهم، لكفايتك وعظم قدرك وإنما تأخر خضوعهم لك لوجود أبيك ووجود جدك من قبل أبيك.
الاعراب: " لولا " حرف يدل على امتناع الثاني لوجود الاول، مبني على السكون لا محل له من الاعراب " أبوك " أبو: مبتدأ، وأبو مضاف والكاف مضاف إليه، والخبر محذوف وجوبا " ولولا " الواو عاطفة كالاول، لولا: حرف امتناع لوجود " قبله " قبل: ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، وقبل مضاف والضمير البارز مضاف إليه " عمر " مبتدأ مؤخر " ألقت " ألقى: فعل ماض، والتاء تاء التأنيث " إليك " جار ومجرور متعلق بألقت " معد " فاعل ألقت، والجملة من الفعل الماضي وفاعله لامحل لها جواب لولا " بالمقاليد " جار ومجرور متعلق بألقت.
الشاهد فيه: قوله " ولولا قبله عمر " حيث ذكر فيه خبر المبتدأ وهو قوله
" قبله " مع كون ذلك المبتدأ واقعا بعد لولا التي يجب حذف خبر المبتدأ الواقع بعدها لانه قد عوض عنه بجملة الجواب، ولا يجمع في الكلام بين العوض والمعوض عنه.
وفي البيت توجيه آخر، وهو أن " قبله " ظرف متعلق بمحذوف حال، والخبر محذوف، وعلى هذا تكون القاعدة مستمرة، ولا شاهد في البيت لما أتى به الشارح من أجله.
ومثله في كل ذلك قول الزبير بن العوام ﵁: ولولا بنوها حولها لخبطتها كخبطة عصفور ولم أتلعثم فإن " لولا " حرف امتناع لوجود، و" بنوها " مبتدأ مرفوع بالواو نيابة عن الضمة لكونه جمع مذكر سالما، والضمير البارز مضاف إليه، و" حول " ظرف متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، وحول مضاف والضمير البارز مضاف إليه، وعلى هذا يكون فيه شاهد لما جاء الشارح ببيت أبي عطاء من أجله، ويجوز أن يكون " حول " متعلقا بالخبر المحذوف على رأي الجمهور، وعلى ذلك لا يكون شاهدا لما ذكره الشارح.
стр. 249
وهذا الذي ذكره المصنف في هذا الكتاب من أن الحذف بعد لولا واجب إلا قليلا هو طريقة لبعض النحويين والطريقة الثانية أن الحذف واجب دائما (١) وأن ما ورد من ذلك بغير حذف في الظاهر مؤول والطريقة الثالثة أن الخبر إما أن يكون كونا مطلقا أو كونا مقيدا فإن كان كونا مطلقا وجب حذفه نحو لولا زيد لكان كذا أي لولا زيد موجود وإن كان كونا مقيدا فإما أن يدل عليه دليل أولا فإن لم يدل عليه دليل وجب ذكره نحو لولا زيد محسن إلى ما أتيت وإن دل عليه دليل جاز إثباته وحذفه نحو أن يقال هل زيد محسن إليك فتقول لولا زيد لهلكت أي لولا زيد محسن إلي فإن شئت حذفت الخبر وإن شئت أثبته ومنه قول أبي العلاء المعري:
стр. 250
٥٧ - يذيب الرعب منه كل عضب ... فلولا الغمد يمسكه لسالا
стр. 251
وقد اختار المصنف هذه الطريقة في غير هذا الكتاب.
الموضع الثاني: أن يكون المبتدأ نصا في اليمين (١) نحو لعمرك لأفعلن التقدير لعمرك قسمي فعمرك مبتدأ وقسمي خبره ولا يجوز التصريح به قيل ومثله يمين الله لأفعلن التقدير يمين الله قسمي وهذا لا يتعين أن يكون المحذوف فيه خبرا (٢) لجواز كونه مبتدأ والتقدير قسمي يمين
стр. 252
الله بخلاف لعمرك فإن المحذوف معه يتعين أن يكون خبرا لأن لام الابتداء قد دخلت عليه وحقها الدخول على المبتدأ.
فإن لم يكن المبتدأ نصا في اليمين لم يجب حذف الخبر نحو عهد الله لأفعلن التقدير عهد الله علي فعهد الله مبتدأ وعلي خبره ولك إثباته وحذفه.
الموضع الثالث: أن يقع بعد المبتدأ واو هي نص في المعية نحو كل رجل وضيعته فكل مبتدأ وقوله وضيعته معطوف على كل والخبر محذوف والتقدير كل رجل وضيعته مقترنان ويقدر الخبر بعد واو المعية وقيل لا يحتاج إلى تقدير الخبر لأن معنى كل رجل وضيعته كل رجل مع ضيعته وهذا كلام تام لا يحتاج إلى تقدير خبر واختار هذا المذهب ابن عصفور في شرح الإيضاح.
فإن لم تكن الواو نصا في المعية لم يحذف الخبر وجوبا (١) نحو زيد وعمرو قائمان.
الموضع الرابع: أن يكون المبتدأ مصدرا وبعده حال سدت مسد الخبر وهي لا تصلح أن تكون خبرا فيحذف الخبر وجوبا لسد الحال مسده وذلك نحو ضربي العبد مسيئا فضربي: مبتدأ والعبد معمول
стр. 253
له
ومسيئا: حال سدت مسد الخبر والخبر محذوف وجوبا والتقدير ضربي العبد إذا كان مسيئا إذا أردت الاستقبال وإن أردت المضي فالتقدير ضربي العبد إذ كان مسيئا فمسيئا حال من الضمير المستتر في كان المفسر بالعبد وإذا كان أو إذ كان ظرف زمان نائب عن الخبر.
ونبه المصنف بقوله وقبل حال على أن الخبر المحذوف مقدر قبل الحال التي سدت مسد الخبر كما تقدم تقريره واحترز بقوله لا يكون خبرا عن الحال التي تصلح أن تكون خبرا عن المبتدأ المذكور نحو ما حكى الأخفش ﵀ من قولهم زيد قائما فزيد مبتدأ والخبر محذوف والتقدير ثبت قائما وهذه الحال تصلح أن تكون خبرا فتقول زيد قائم فلا يكون الخبر واجب الحذف بخلاف ضربي العبد مسيئا فإن الحال فيه لا تصلح أن تكون خبرا عن المبتدأ الذي قبلها فلا تقول ضربي العبد مسيء لأن الضرب لا يوصف بأنه مسيء.
والمضاف إلى هذا المصدر حكمه كحكم المصدر نحو أتم تبييني الحق منوطا بالحكم فأتم مبتدأ وتبييني مضاف إليه والحق مفعول لتبييني ومنوطا حال سدت مسد خبر أتم والتقدير أتم تبييني الحق إذا كان أو إذ كان منوطا
بالحكم.
ولم يذكر المصنف المواضع التي يحذف فيها المبتدأ وجوبا وقد عدها في غير هذا الكتاب أربعة: (١)
стр. 254
الأول: النعت المقطوع إلى الرفع في مدح نحو مررت بزيد الكريم أو ذم نحو مررت بزيد الخبيث أو ترحم نحو مررت بزيد المسكين فالمبتدأ محذوف في هذه المثل ونحوها وجوبا والتقدير هو الكريم وهو الخبيث وهو المسكين.
الموضع الثانية: أن يكون الخبر مخصوص نعم أو بئس نحو:
نعم
стр. 255
الرجل زيد وبئس الرجل عمرو فزيد وعمرو خبران لمبتدأ محذوف وجوبا والتقدير هو زيد أي الممدوح زيد وهو عمرو أي المذموم عمرو.
الموضع الثالث: ما حكى الفارسي من كلامهم في ذمتي لأفعلن ففي ذمتي خبر لمبتدأ محذوف واجب الحذف والتقدير في ذمتي يمين وكذلك ما أشبهه وهو ما كان الخبر فيه صريحا في القسم.
الموضع الرابع: أن يكون الخبر مصدرا نائبا مناب الفعل نحو صبر جميل التقدير صبري صبر جميل فصبري مبتدأ وصبر جميل خبره ثم حذف المبتدأ الذي هو صبري وجوبا (١) .
وأخبروا باثنين أو بأكثرا ... عن واحد كهم سراة شعرا (٢)
стр. 256
اختلف النحويون في جواز تعدد خبر المبتدأ الواحد بغير حرف عطف نحو زيد قائم ضاحك.
فذهب قوم منهم المصنف إلى جواز ذلك سواء (١) كان الخبران في معنى خبر واحد نحو هذا حلو حامض أي مز أم لم يكونا في معنى خبر واحد كالمثال الأول.
وذهب بعضهم إلى أنه لا يتعدد الخبر إلا إذا كان الخبران في معنى خبر واحد فإن لم يكونا كذلك تعين العطف فإن جاء من لسان العرب شيء بغير عطف قدر له مبتدأ آخر كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ وقول الشاعر:
٥٨ - من يك ذابت فهذا بتي ... مقيظ مصيف مشتي
стр. 257
_________
= أخذته من نعجات ست وزاد على ذلك كله في موضع آخر قوله: سود نعاج كنعاج الدشت اللغة: بت " قال ابن الاثير: البت الكساء الغليظ المربع، وقيل: طيلسان من خز، وجمعه بتوت، وقوله " مقيظ، مصيف، مشتي " أي: يكفيني للقيظ وهو زمان اشتداد الحر، ويكفيني للصيف، وللشتاء " الدشت " الصحراء، وأصله فارسي، وقد وقع في شعر الاعشى ميمون بن قيس، وذلك قوله: قد علمت فارس وحمير والاعراب بالدشت أيكم نزلا قال أهل اللغة: " وهو فارسي معرب، ويجوز أن يكون مما اتفقت فيه لغة العرب
ولغة الفرس ".
المعنى: هذا البيت في وصف كساء من صوف كما قال الجوهري وغيره، ويريد الشاعر أن يقول: إذا كان لاحد من الناس كساء فإن لي كساء أكتفى به في زمان حمارة القيظ وزمان الصيف وزمان الشتاء، يعني أنه يكفيه الدهر كله، وأنه قد أخذ صوفه الذي نسج منه من نعجات ست سود كنعاج الصحراء.
الاعراب: " من " يجوز أن يكون اسما موصولا، وهو مبتدأ مبني على السكون في محل رفع، ويجوز أن تكون اسم شرط مبتدأ أيضا، وهو مبني على السكون في محل رفع أيضا " يك " فعل مضارع ناقص مجزوم بسكون النون المحذوفة للتخفيف، فإن قدرت " من " شرطية فهذا فعل الشرط، واسم يك على الحالين ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " من " ولا إشكال في جزمه حينئذ، وإن قدرتها موصولة فإنما جزم - كما أدخل الفاء في " فهذا بتي " لشبه الموصول بالشرط " ذا " خبريك، منصوب بالالف نيابة عن الفتحة لانه من الاسماء الستة، وذا مضاف و" بت " مضاف إليه، مجرور بالكسرة الظاهرة، والجملة من " يك " واسمها وخبرها لا محل لها صلة الموصول إذا قدرت " من " موصولة " فهذا " الفاء واقعة في جواب الشرط إذا قدرت " من " اسم شرط، وإن قدرتها موصولة فالفاء زائدة في خبر المبتدأ لشبهه بالشرط في عمومه، =
وزعم بعضهم أنه لا يتعدد الخبر إلا إذا كان من جنس واحد كأن يكون الخبران مثلا مفردين نحو زيد قائم ضاحك أو جملتين نحو زيد قام ضحك فأما إذا كان أحدهما مفردا والآخر جملة فلا يجوز ذلك فلا تقول زيد قائم ضحك هكذا زعم هذا القائل ويقع في كلام المعريين للقرآن الكريم وغيره تجويز ذلك كثيرا ومنه قوله تعالى: ﴿فَإذَا هِيَ حيَّةٌ تَسْعَى﴾ جوزوا كون تسعى خبرا ثانيا ولا يتعين ذلك لجواز كونه حالا. (١)
стр. 260
كان وأخواتها
ترفع كان المبتدا اسما والخبر ... تنصبه ككان سيدا عمر (١)
ككان ظل بات أضحى أصبحا ... أمسى وصار ليس زال برحا (٢)
فتىء وانفك وهذي الأربعة ... لشبه نفي أو لنفي متبعه (٣)
ومثل كان دام مسبوقا بما ... كأعط ما دمت مصيبا درهما (٤)
стр. 261
لما فرغ من الكلام على المبتدأ والخبر شرع في ذكر نواسخ الابتداء وهي قسمان أفعال وحروف فالأفعال كان وأخواتها وأفعال المقاربة وظن وأخواتها والحروف ما وأخواتها ولا التي لنفي الجنس وإن وأخواتها.
فبدأ المصنف بذكر كان وأخواتها وكلها أفعال اتفاقا إلا ليس فذهب الجمهور إلى أنها فعل وذهب الفارسي في أحد قوليه وأبو بكر بن شقير - في أحد قوليه - إلى أنها حرف. (١)
стр. 262
وهي ترفع المبتدأ وتنصب خبره ويسمى المرفوع بها اسما لها والمنصوب بها خبرا لها.
وهذه الأفعال قسمان منها ما يعمل هذا العمل بلا شرط: وهي كان وظل وبات وأضحى وأصبح وأمسى وصار وليس.
ومنها: ما لا يعمل هذا العمل إلا بشرط وهو قسمان:
أحدهما: ما يشترط في عمله أن يسبقه نفي لفظا أو تقديرا أو شبه نفي وهو أربعة زال وبرح وفتىء وانفك فمثال النفي لفظا ما زال زيد قائما ومثاله تقديرا قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي لا تفتؤ ولا يحذف النافي معها إلا بعد القسم كالآية الكريمة وقد شذ الحذف بدون القسم كقول الشاعر:
стр. 263
٦٠ - وأبرح ما أدام الله قومي ... بحمد الله منتطقا مجيدا
стр. 264
أي لا أبرح منتطقا مجيدا أي صاحب نطاق وجواد ما أدام الله قومي وعنى بذلك أنه لا يزال مستغنيا ما بقي له قومه وهذا أحسن ما حمل عليه البيت.
ومثال شبه النفي والمراد به النهي كقولك لا تزل قائما ومنه قوله:
٦١ - صاح شمر ولا تزل ذاكر المو ... ت فنسيانه ضلال مبين
والدعاء كقولك لا يزال الله محسنا إليك وقول الشاعر:
٦٢ -
стр. 265
ألا يا اسلمي يا درامي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر
стр. 266
وهذا هو الذي أشار إليه المصنف بقوله وهذي الأربعة إلى آخر البيت.
القسم الثاني: ما يشترط في عمله أن يسبقه ما المصدرية الظرفية وهو دام كقولك أعط ما دمت مصيبا درهما أي أعط مدة دوامك مصيبا درهما ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ أي مدة دوامي حيا
стр. 267
ومعنى ظل اتصاف المخبر عنه بالخبر نهارا ومعنى بات اتصافه به ليلا وأضحى اتصافه به في الضحى وأصبح اتصافه به في الصباح وأمسى اتصافه به في المساء ومعنى صار التحول من صفة إلى صفة أخرى ومعنى ليس النفي وهي عند الإطلاق لنفي الحال نحو ليس زيد قائما أي الآن وعند التقييد بزمن على حسبه نحو ليس زيد قائما غدا ومعنى زال وأخواتها ملازمة الخبر المخبر عنه على حسب ما يقتضيه الحال نحو ما زال زيد ضاحكا وما زال عمرو أزرق العينين ومعنى دام بقي واستمر.
وغير ماض مثله قد عملا ... إن كان غير الماض منه استعملا (١)
هذه الأفعال على قسمين (٢) : أحدهما: ما يتصرف، وهو ما عدا ليس ودام.
стр. 268
والثاني: ما لا يتصرف، وهو ليس ودام فنبه المصنف بهذا البيت على أن ما يتصرف من هذه الأفعال يعمل غير الماضي منه عمل الماضي وذلك هو المضارع نحو يكون زيد قائما قال الله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ والأمر نحو كونوا قوامين بالقسط وقال الله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً﴾ واسم الفاعل نحو زيد كائن أخاك وقال الشاعر:
٦٣ - وما كل من يبدي البشاشة كائنا ... أخاك إذا لم تلفه لك منجدا
стр. 269
والمصدر كذلك واختلف الناس في كان الناقصة هل لها مصدر أم لا؟ والصحيح أن لها مصدرا ومنه قوله:
٦٤ - ببذل وحلم ساد في قومه الفتى ... وكونك إياه عليك يسير
стр. 270
وما لا يتصرف منها وهو دام وليس (١) وما كان النفي أو شبهه شرطا فيه وهو زال وأخواتها لا يستعمل منه أمر ولا مصدر.
وفي جميعها توسط الخبر ... أجز وكل سبقه دام حظر (٢)
стр. 271
مرده أن أخبار هذه الأفعال إن لم يجب تقديمها على الاسم ولا تأخيرها عنه يجوز توسطها بين الفعل والاسم (١) فمثال وجوب تقديمها على الاسم قولك كان في الدار صاحبها فلا يجوز ههنا تقديم الاسم على الخبر لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة ومثال وجوب تأخير الخبر
عن الاسم
стр. 272
قولك كان أخي رفيقي فلا يجوز تقديم رفيقي على أنه خبر لأنه لا يعلم ذلك لعدم ظهور الإعراب ومثال ما توسط فيه الخبر قولك كان قائما زيد قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
وكذلك سائر أفعال هذا الباب من المتصرف وغيره يجوز توسط أخبارها بالشرط المذكور ونقل صاحب الإرشاد خلافا في جواز تقديم خبر ليس على اسمها والصواب جوازه قال الشاعر:
٦٥ - سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم ... فليس سواء عالم وجهول
стр. 273
وذكر ابن معط أن خبر دام لا يتقدم على اسمها فلا تقول لا أصاحبك ما دام قائما زيد والصواب جوازه قال الشاعر:
٦٦ - لا طيب للعيش ما دامت منغصة ... لذاته بادكار الموت والهرم
стр. 274
وأشار بقوله وكل سبقه دام حظر إلى أن كل العرب أو كل النحاة منع سبق خبر دام عليها وهذا إن أراد به أنهم منعوا تقديم خبر دام على ما المتصلة بها نحو لا أصحبك قائما ما دام زيد فمسلم وإن أراد أنهم منعوا تقديمه على دام وحدها نحو لا أصحبك ما قائما دام زيد وعلى ذلك حمله ولده في شرحه - ففيه
نظر والذي يظهر أنه لا يمتنع تقديم خبر
стр. 275
دام على دام وحدها فتقول لا أصحبك ما قائما دام زيد كما تقول لا أصحبك ما زيدا كلمت.
كذاك سبق خبر ما النافية ... فجيء بها متلوة لا تاليه (١)
يعني أنه لا يجوز أن يتقدم الخبر على ما النافية ويدخل تحت هذا قسمان أحدهما ما كان النفي شرطا في عمله نحو ما زال وأخواتها فلا تقول قائما ما زال زيد وأجاز ذلك ابن كيسان والنحاس والثاني ما لم يكن النفي شرطا في عمله نحو ما كان زيد قائما فلا تقول قائما ما كان زيد وأجازه بعضهم (٢) .
ومفهوم كلامه أنه إذا كان النفي بغير ما يجوز التقديم فتقول قائما لم يزل زيد ومنطلقا لم يكن عمرو ومنعهما بعضهم. (٣)
стр. 276
ومفهوم كلامه أيضا جواز تقديم الخبر على الفعل وحده إذا كان النفي بما نحو ما قائما زال زيد وما قائما كان زيد ومنعه بعضهم.
ومنع سبق خبر ليس اصطفى ... وذو تمام ما برفع يكتفي (١)
وما سواه ناقص والنقص في ... فتىء ليس زال دائما قفي (٢)
اختلف النحويون في جواز تقديم خبر ليس عليها فذهب الكوفيون
стр. 277
والمبرد والزجاج وابن السراج وأكثر المتأخرين ومنهم المصنف إلى المنع وذهب أبو علي الفارسي وابن برهان إلى الجواز فتقول قائما ليس زيد واختلف النقل عن سيبويه فنسب قوم إليه الجواز وقوم المنع ولم يرد من لسان العرب تقدم خبرها عليها وإنما ورد من لسانهم ما ظاهره تقدم معمول خبرها عليها كقوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ وبهذا استدل من أجاز تقديم خبرها عليها وتقريره أن يوم يأتيهم معمول الخبر الذي هو مصروفا وقد تقدم على ليس قال ولا يتقدم المعمول إلا حيث يتقدم العامل. (١)
стр. 278
وقوله وذو تمام إلى آخره معناه أن هذه الأفعال انقسمت إلى قسمين أحدهما: ما يكون تاما وناقصا والثاني: ما لا يكون إلا ناقصا والمراد بالتام: ما يكتفي بمرفوعه وبالناقص: ما لا يكتفي بمرفوعه بل يحتاج معه إلى منصوب.
وكل هذه الأفعال يجوز أن تستعمل تامة إلا فتىء وزال التي مضارعها يزال لا التي مضارعها يزول فإنها تامة نحو زالت الشمس وليس فإنها لاتستعمل إلا ناقصة.
ومثال التام قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ أي إن وجد ذو عسرة وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ .
ولا يلي العامل معمول الخبر ... إلا إذا ظرفا أتى أو حرف جر (١)
стр. 279
يعني أنه لا يجوز أن يلي كان وأخواتها معمول خبرها الذي ليس بظرف ولا جار ومجرور وهذا يشمل حالين: أحدهما: أن يتقدم معمول الخبر وحده على الاسم ويكون الخبر مؤخرا عن الاسم نحو كان طعامك زيد آكلا وهذه ممتنعة عند البصريين وأجازها الكوفيون.
الثاني: أن يتقدم المعمول والخبر على الاسم ويتقدم المعمول على الخبر نحو كان طعامك آكلا زيد وهي ممتنعة عند سيبويه وأجازها بعض البصريين ويخرج من كلامه أنه إذا تقدم الخبر والمعمول على الاسم وقدم الخبر على المعمول جازت المسألة لأنه لم يل كان معمول خبرها فتقول كان آكلا طعامك زيد ولا يمنعها البصريون. فإن كان المعمول ظرفا أو جارا ومجرورا جاز إيلاؤه كان عند البصريين والكوفيين نحو كان عندك زيد مقيما وكان فيك زيد راغبا.
ومضمر الشأن اسما انو إن وقع ... موهم ما استبان أنه امتنع (١)
стр. 280
يعني أنه إذا ورد من لسان العرب ما ظاهره أنه ولي كان وأخواتها معمول خبرها فأوله على أن في كان ضميرا مستترا هو ضمير الشأن وذلك نحو قوله:
٦٧ - قنافذ هداجون حول بيوتهم ... بما كان إياهم عطية عودا
стр. 281
_________
= ارتعاش، وباب فعله ضرب، ويروى " قنافذ دراجون " والدراج: صيغة مبالغة أيضا من " درج الصبي والشيخ " - من باب دخل - إذا سار سيرا متقارب الخطو " عطية " هو أبو جرير.
المعنى: يريد وصفهم بأنهم خونة فجار، يشبهون القنافذ حيث يسيرون بالليل طلبا للسرقة أو للدعارة والفحشاء، وإنما السبب في ذلك تعويد أبيهم إياهم ذلك.
الاعراب: " قنافذ " خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هم قنافذ، وأصله هم كالقنافذ، فحذف حرف التشبيه مبالغة " هداجون " صفة لقنافذ، مرفوع بالواو نيابة عن الضمة لانه جمع مذكر سالم، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد " حول " ظرف مكان متعلق بهداجون، وحول مضاف، وبيوت من " بيوتهم " مضاف إليه، وبيوت مضاف والضمير مضاف إليه " بما " الباء حرف جر، وما: يحتمل أن تكون موصولا اسميا، والاحسن أن تكون موصولا حرفيا " كان " فعل ماض ناقص " إياهم " إيا: مفعول مقدم على عامله، وهو عود، وستعرف ما فيه، وقوله " عطية " اسم كان " عودا " فعل ماض، مبني على الفتح لا محل له من الاعراب، والالف للاطلاق، والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على عطية، وجملة الفعل والفاعل في محل نصبخبر " كان ".
وهذا الاعراب إنما هو بحسب الظاهر، وهو الذي يعرب الكوفيون البيت عليه ويستدلون به، وهو إعراب غير مرضي عند جمهرة علماء النحو من البصريين، وستعرف الاعراب المقبول عندهم عند بيان الاستشهاد بالبيت.
الشاهد فيه: قوله " بما كان إياهم عطية عودا " حيث إن ظاهره يوهم أن الشاعر قد قدم معمول خبر كان وهو " إياهم " على اسمها وهو " عطية " مع تأخير الخبر وهو جملة " عود " عن الاسم أيضا، فلزم أن يقع معمول الخبر بعد الفعل ويليه، هذا هو ظاهر البيت، والقول بجواز هذا الظاهر هو مذهب الكوفيين، وهم يعربون البيت على الوجه غير المرضي الذي ذكرناه في الاعراب، والبصريون يأبون ذلك ويمنعون أن يكون " عطية " اسم كان، ولهم في البيت ثلاثة توجيهات: أحدها: وهو الذي ذكره الشارح العلامة تبعا للمصنف، أن اسم كان ضمير الشأن وقوله " عطية " مبتدأ، وجملة " عودا " في محل رفع خبر المبتدأ، وإياهم: =
стр. 282
فهذا ظاهره أنه مثل كان طعامك زيد آكلا ويتخرج على أن في كان ضميرا مستترا هو ضمير الشأن وهو اسم كان
стр. 283
ومما ظاهره أنه مثل كان طعامك آكلا زيد قوله:
٦٨ - فأصبحوا والنوى عالي معرسهم ... وليس كل النوى تلقي المساكين
стр. 284
_________
= أما رواية رفع " كل " - سواء أكانت " وليس كل النوى يلقي المساكين " - أم كانت " وليس كل النوى تلقي المساكين " فليس فعل ماض ناقص، وكل: اسم ليس، وكل مضاف، والنوى: مضاف إليه، ويلقي أو تلقي: فعل مضارع، والمساكين: فاعله، وجملة الفعل والفاعل في محل نصب خبر ليس، ولا شاهد في هذا البيت على هاتين الروايتين لما نحن فيه، وليس فيه إيهام لامر غير جائز، غير أن الكلام يحتاج إلى تقدير ضمير يربط جملة خبر ليس باسمها، وأصل الكلام: وليس كل النوى يلقيه المساكين، أو تلقيه المساكين.
فإن قلت: كيف جاز أن يروى " تلقيه المساكين " بتأنيث الفعل مع أن فاعله مذكر، إذ المساكين جمع مسكين.
فالجواب عن ذلك: أن المساكين جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز في فعله التذكير والتأنيث بإجماع النحاة بصريهم وكوفيهم، سواء أكان مفرد جمع التكسير مذكرا أم كان مفرده مؤنثا، ومن ورود فعله مؤنثا - مع أن مفرده مذكر - قول الله تعالى: (قالت الاعراب آمنا، قل لم تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا) فإن مفرد الاعراب أعرابي.
وأما رواية نصب كل والفعل " يلقي " بياء المضارعة، فليس: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير شأن محذوف، وكل مفعول مقدم ليلقي، وكل مضاف والنوى: مضاف إليه، ويلقي: فعل مضارع، والمساكين: فاعله، والجملة من الفعل والفاعل في محل نصب خبر ليس، ولا يجوز في البيت على هذه الرواية غير هذا الوجه من الاعراب، نعني أنه لا يجوز أن يكون قوله المساكين اسم ليس مؤخرا، ويلقي فعلا مضارعا فاعله ضمير مستتر يعود إلى المساكين، وجملة يلقي وفاعله في محل نصب خبر ليس تقدم على اسمها.
فإن قلت: فلم لا يجوز أن يكون المضارع مسندا إلى ضمير مستتر يعود إلى المساكين إذا روى البيت " وليس كل النوى يلقي المساكين " بنصب كل؟ فالجواب أن ننبهك إلى أن الفعل المسند إلى ضمير يعود إلى جمع التكسير لا يجوز أن يكون كفعل الواحد المذكر، فأنت لا تقول: الاعراب قال، ولا تقول: المساكين يلقي، وإنما يجوز فيه حينئذ أن يكون ضمير الجماعة: فتقول: الاعراب قالوا، وتقول =
стр. 285
_________
المساكين يلقون، ويجوز فيه أن يكون مثل فعل الواحد المؤنث، فتقول: الاعراب قالت: أو تقول: المساكين ألقت أو تلقي، وكذا إذا تقدم الفعل وأسند إلى ضمير جمع التكسير المؤخر عنه يجب أن تقول: يلقون المساكين، أو تقول: تلقون المساكين، أو يقول تلقي المساكين، فلما لم يقل شيئا من ذلك علمنا أنه أسنده إلى الاسم الظاهر بعده.
وأما رواية نصب " كل " والفعل " تلقي " بالتاء الفوقية فالكوفيون يعربونها هكذا - كل: مفعول مقدم لتلقي، وكل مضاف والنوى: مضاف إليه، وتلقي: فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى المساكين، والجملة من الفعل وفاعله المستتر فيه في محل نصب خبر ليس تقدم على اسمه، والمساكين: اسم ليس تأخر عن خبره، ويستدل الكوفيون بهذا البيت - على هذا الاعراب - على أنه يجوز أن يقع بعد ليس وأخواتها معمول خبرها إذا كان خبرها مقدما على اسمها، كما في البيت.
والبصريون يقولون: إن هذا الاعراب غير لازم في هذا البيت، وعلى هذا لا يكون البيت دليلا على ما زعمتم، والاعراب الذي نراه هو أن يكون ليس فعلا ناقصا، واسمه ضمير شأن محذوف، وكل: مفعول مقدم لتلقي، والنوى: مضاف إليه، وتلقي فعل مضارع، والمساكين: فاعله، والجملة من الفعل والفاعل في محل نصب خبر ليس، والتقدير: وليس (هو: أي الحال والشأن) كل النوى تلقي المساكين، فلم يقع بعد
ليس معمول خبرها عند التحقيق، بل الواقع بعدها هو اسمها المحذوف وموضعه بعدها وإذا علمت هذا فاعلم أن ابن الناظم قد استشهد بهذا البيت لمذهب الكوفيين على الوجه الذي ذكرناه عنهم من الاعراب، فأنكر العيني عليه ذلك، وقال: وهذا وهم منه، لانه لو كان المساكين اسم ليس لقال " يلقون المساكين " كما تقول: قاموا الزيدون، على أن الجملة من الفعل وفاعله خبر مقدم، والاسم بعدها مبتدأ مؤخر، والبيت لم يرو إلا " يلقي المساكين " بالياء التحتية، واسم ليس في هذا البيت ضمير الشأن عند الكوفيين والبصريين، اه كلامه بحروفه.
والعبد الضعيف غفر الله له ولوالديه! - يرى أن في كلام العيني هذا تحاملا على ابن الناظم لا يقره الانصاف، وأن فيه خللا من عدة وجوه.
=