وأما إن النافية فمذهب أكثر البصريين والفراء أنها لا تعمل شيئا ومذهب الكوفيين خلا الفراء أنها تعمل عمل ليس وقال به من البصريين أبو العباس المبرد وأبو بكر بن السراج وأبو علي الفارسي وأبو الفتح بن جني واختاره المصنف وزعم أن في كلام سيبويه رحمه الله تعالى إشارة إلى ذلك وقد ورد السماع به قال الشاعر:
٨١ - إن هو مستوليا على أحد ... إلا على أضعف المجانين
стр. 317
وقال آخر:
٨٢ - إن المرء ميتا بانقضاء حياته ... ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا
стр. 318
وذكر ابن جني في المحتسب أن سعيد بن جبير ﵁ قرأ إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم بنصب العباد ولا يشترط في اسمها وخبرها أن يكونا نكرتين بل تعمل في النكرة والمعرفة فتقول إن رجل قائما وإن زيد القائم وإن زيد قائما.
وأما لات فهي لا النافية زيدت عليها تاء التأنيث مفتوحة ومذهب الجمهور أنها تعمل عمل ليس فترفع الاسم وتنصب الخبر لكن اختصت بأنها لا يذكر معها الاسم والخبر معا بل إنما يذكر معها أحدهما والكثير في لسان العرب حذف اسمها وبقاء خبرها ومنه قوله تعالى: ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ بنصب الحين فحذف الاسم وبفي الخبر والتقدير ولات الحين حين مناص فالحين اسمها وحين مناص خبرها وقد قرئ شذوذا ولات حين مناص برفع الحين على أنه اسم لات والخبر محذوف والتقدير ولات حين مناص لهم أي ولات حين مناص كائنا لهم وهذا هو المراد بقوله وحذف ذي الرفع إلى آخر البيت.
وأشار بقوله وما للات في سوى حين عمل إلى ما ذكره سيبويه
من أن
стр. 319
لات لا تعمل إلا في الحين واختلف الناس فيه فقال قوم المراد أنها لا تعمل إلا في لفظ الحين ولا تعمل فيما رادفه كالساعة ونحوها وقال قوم المراد أنها لا تعمل إلا في أسماء الزمان فتعمل في لفظ الحين وفيما رادفه من أسماء الزمان ومن عملها فيما رادفه قول الشاعر:
٨٣ - ندم البغاة ولات ساعة مندم ... والبغي مرتع مبتغيه وخيم
стр. 320
وكلام المصنف محتمل للقولين (١) وجزم بالثاني في التسهيل (٢) ومذهب الأخفش أنها لا تعمل شيئا وأنه إن وجد الاسم بعدها منصوبا فناصبه فعل مضمر والتقدير لات أرى حين مناص وإن وجد مرفوعا فهو مبتدأ والخبر محذوف والتقدير لات حين مناص كائن لهم والله أعلم.
стр. 321
أفعال المقاربة
ككان كاد وعسى لكن ندر ... غير مضارع لهذين خبر (١)
هذا هو القسم الثاني من الأفعال الناسخة للابتداء وهو كاد وأخواتها وذكر المصنف منها أحد عشر فعلا ولا خلاف في أنها أفعال إلا عسى فنقل الزاهد عن ثعلب أنها حرف ونسب أيضا إلى ابن السراج (٢)
стр. 322
والصحيح أنها فعل بدليل اتصال تاء الفاعل وأخواتها بها نحو عسيت وعسيت وعسيتما وعسيتم وعسيتن.
وهذه الأفعال تسمى أفعال المقاربة وليست كلها للمقاربة بل هي على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما دل على المقاربة وهي كاد وكرب وأوشك
والثاني: ما دل على الرجاء وهي عسى وحرى واخلولق
والثالث: ما دل على الإنشاء وهي جعل وطفق وأخذ وعلق وأنشأ.
فتسميتها أفعال المقاربة من باب تسمية الكل باسم البعض.
وكلها تدخل على المبتدأ والخبر فترفع المبتدأ اسما لها ويكون خبره خبرا لها في موضع نصب وهذا هو المراد بقوله ككان كاد وعسى لكن الخبر في
стр. 323
هذا الباب لا يكون إلا مضارعا نحو كاد زيد يقوم وعسى زيد أن يقوم وندر مجيئه اسما بعد عسى وكاد كقوله:
٨٤ - أكثرت في العذل ملحا دائما ... لا تكثرن إني عسيت صائما
стр. 324
وقوله:
٨٥ - فأبت إلى فهم وما كدت آئبا ... وكم مثلها فارقتها وهي تصفر
стр. 325
وهذا هو مراد المصنف بقوله لكن ندر إلى آخره لكن في قوله غير مضارع إيهام فإنه يدخل تحته الاسم والظرف والجار والمجرور والجملة الاسمية والجملة الفعلية بغير المضارع ولم يندر مجيء هذه كلها خبرا عن عسى وكاد بل الذي ندر مجيء الخبر اسما (١) وأما هذه فلم يسمع مجيئها خبرا عن هذين.
وكونه بدون أن بعد عسى ... نزر وكاد الأمر فيه عكسا (٢)
стр. 326
أي اقتران خبر عسى ب أن كثير (١) وتجريده من أن قليل وهذا مذهب سيبويه ومذهب جمهور البصريين أنه لا يتجرد خبرها من أن إلا في الشعر ولم يرد في القرآن إلا مقترنا ب أن قال الله تعالى: ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ وقال : ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ ومن وروده بدون أن قوله:
٨٦ - عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
стр. 327
_________
روى أكثر هذه القصيدة أبو علي القالي في أماليه، وروى أبو السعادات ابن الشجري في حماسته منها أكثر مما رواه أبو علي، وأول هذه القصيدة قوله: طربت، وأنت أحيانا طروب وكيف وقد تعلاك المشيب؟ يجد النأي ذكرك في فؤادي إذا ذهلت على النأي القلوب يؤرقني اكتئاب أبي نمير فقلبي من كآبته كئيب فقلت له: هداك الله! مهلا وخير القول ذو اللب المصيب عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب اللغة: " طربت " الطرب: خفة تصيب الانسان من فرح أو حزن " النأي " البعد " الكرب " الهم والغم " أمسيت " قال ابن المستوفى: يروى بضم التاء وفتحها، والنحويون إنما يروونه بضم التاء، والفتح عند أبي حنيفة أولى، لانه يخاطب ابن عمه أبا نمير كما هو ظاهر من الابيات التي رويناها، وكان أبو نمير معه في السجن.
الاعراب: " عسى " فعل ماض ناقص " الكرب " اسم عسى مرفوع به " الذي " اسم موصول صفة للكرب " أمسيت " أمسى: فعل ماض ناقص، والتاء اسمه " فيه "
جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر أمسى، والجملة من أمسى واسمه وخبره لا محل لها صلة الموصول " يكون " فعل مضارع ناقص، واسمه ضمير مستتر فيه " وراءه " وراء: ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم، ووراء مضاف والهاء مضاف إليه " فرج " مبتدأ مؤخر " قريب " صفة لفرج، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب خبر " يكون " والجملة من " يكون " واسمها وخبرها في محل نصب خبر " عسى ".
الشاهد فيه: قوله " يكون وراءه - إلخ " حيث وقع خبر " عسى " فعلا مضارعا مجردا من " أن " المصدرية، وذلك قليل، ومثله الشاهد الذي بعده (ش ٨٧) وقول الآخر: عسى الله يغني عن بلاد ابن قادر بمنهمر جون الرباب سكوب (المنهمر: أراد به المطر الكثير، والجون: الاسود، والرباب: السحاب، والسحاب الاسود دليل على أنه حافل بالمطر) ومثل هذه الابيات قول الآخر: فأما كيس فنجا، ولكن عسى يغتر بي حمق لئيم
стр. 328
وقوله:
٨٧ - عسى فرج يأتي به الله إنه ... له كل يوم في خليقته أمر
وأما كاد فذكر المصنف أنها عكس عسى فيكون الكثير في
стр. 329
خبرها
أن يتجرد (١) من أن ويقل اقترانه بها وهذا بخلاف ما نص عليه الأندلسيون من أن اقتران خبرها ب أن مخصوص بالشعر فمن تجريده من أن قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وقال ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ (١) ﴾ ومن اقترانه ب أن قوله ﷺ : "ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب" وقوله:
٨٨ - كادت النفس أن تفيض عليه ... إذ غدا حشو ريطة وبرود
وألزموا اخلولق أن مثل حرى ... وبعد أوشك انتفا أن نزرا (١)
يعني أن حرى مثل عسى في الدلالة على رجاء الفعل لكن يجب اقتران خبرها ب أن نحو حرى زيد أن يقوم ولم يجرد خبرها من أن لا في الشعر ولا في غيره وكذلك اخلولق تلزم أن خبرها نحو اخلولقت السماء أن تمطر وهو من أمثلة سيبويه وأما أوشك فالكثير اقتران خبرها بأن ويقل حذفها منه فمن اقترانه بها قوله:
٨٩ - ولو سئل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا
стр. 332
ومن تجرده منها قوله:
٩٠ - يوشك من فر من منيته ... في بعض غراته يوافقها
стр. 333
ومثل كاد في الأصح كربا ... وترك أن مع ذي الشروع وجبا (١)
كأنشأ السائق يحدو وطفق ... كذا جعلت وأخذت وعلق (٢)
стр. 334
لم يذكر سيبويه في كرب إلا تجرد خبرها من أن وزعم المصنف أن الأصح خلافه وهو أنها مثل كاد فيكون الكثير تجريد خبرها من أن ويقل اقترانه بها فمن تجريده قوله:
٩١ - كرب القلب من جواه يذوب ... حين قال الوشاة: هند غضوب
وسمع من اقترانه بها قوله:
٩٢ - سقاها ذوو الأحلام سجلا على الظما ... وقد كربت أعناقها أن تقطعا
стр. 335
_________
= ابن إسماعيل بن هشام بن المغيرة، والى المدينة من قبل هشام بن عبد الملك بن مروان وكان قد مدحه من قبل فلم ترقه مدحته، ولم يعطه، ولم يكتف بالحرمان، بل أمر به فضرب بالسياط، وأول هذه الكلمة قوله:
مدحت عروقا للندى مصت الثرى حديثا، فلم تهمم بأن تترعرعا نقائذ بؤس ذاقت الفقر والغنى وحلبت الايام والدهر أضرعا اللغة: " مصت الثرى حديثا " أراد أنهم حديثو عهد بنعمة، فكنى عن ذلك المعنى بهذه العبارة، ولما عبر عنهم أولا بالعروق جعل الكناية من جنس ذلك الكلام " بأن تترعرعا " يروى براءين مهملتين بينهما عين مهملة، ويروى " تتزعزها " بزاءين معجمتين بينهما عين مهملة كذلك، ومعناه تتحرك، يريد أنهم حدثت لهم النعمة بعد البؤس والضيق، فليس لهم في الكرم عرق ثابت، فهم لا يتحركون للبذل، ولا تهش نفوسهم للعطاء " نقائذ " جمع نقيذ، بمعنى اسم المفعول، يريد أن ذوي قرابة هؤلاء أنقذوهم من البؤس والفقر " أضرع " هو جمع ضرع، والعبارة مأخوذة من قول العرب: حلب فلان الدهر أشطره، يريدون ذاق جلوه ومره " ذوو الاحلام " أصحاب العقول، ويروى " ذوو الارحام " وهم الاقارب من جهة النساء " سجلا " - بفتح فسكون - الدلو ما دام فيها ماء قليلا كان ما فيها من الماء أو كثيرا، وجمعه سجال، فإن لم يكن فيها ماء أصلا فهي دلو لا غير.
ولا يقال حينئذ سجل، والغرب - بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة، وكذلك الذنوب - بفتح الذال المعجمة - مثل السجل، يريد أن الذي منحه ذوو أرحام هؤلاء إياهم شئ كثير لو وزع على الناس جميعا لوسعهم وكفاهم، ولكنهم قوم بخلاء ذوو أثرة وأنانية، فلا يجودون وإن كثر ما بأيديهم وزاد عن حاجتهم.
المعنى: إن هذه العروق التي مدحتها فردتني إنما هي عروق ظلت في الضر والبؤس حتى أنقذها ذوو أرحامها بعد أن أوشكت أن تموت، ويقصد بذوي أرحامها بني مروان.
=
стр. 336
والمشهور في كرب فتح الراء ونقل كسرها أيضا.
ومعنى قوله وترك أن مع ذي الشروع وجبا أن ما دل على الشروع في الفعل لا يجوز اقتران خبره بأن لما بينه وبين أن من المنافاة لأن المقصود به الحال وأن للاستقبال وذلك نحو أنشأ السائق يحدو وطفق زيد يدعو وجعل يتكلم وأخذ ينظم وعلق يفعل كذا.
واستعملوا مضارعا لأوشكا ... وكاد لا غير وزادوا موشكا (١)
стр. 337
أفعال هذا الباب لا تتصرف إلا كاد وأوشك فإنه قد استعمل منهما المضارع نحو قوله تعالى: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ وقول الشاعر:
يوشك من فر من منيته (١)
وزعم الأصمعي أنه لم يستعمل يوشك إلا بلفظ المضارع ولم يستعمل أوشك بلفظ الماضي وليس بجيد بل قد حكى الخليل استعمال الماضي وقد ورد في الشعر كقوله:
ولو سئل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا (٢)
نعم الكثير فيها استعمال المضارع وقل استعمال الماضي.
وقول المصنف وزادوا موشكا معناه أنه قد ورد أيضا استعمال اسم الفاعل من أوشك كقوله:
٩٣ - فموشكة أرضنا أن تعود ... خلاف الأنيس وحوشا يبابا
стр. 338
وقد يشعر تخصيصه أوشك بالذكر أنه لم يستعمل اسم الفاعل من كاد وليس كذلك بل قد ورد استعماله في الشعر كقوله:
٩٤ - أموت أسى يوم الرجام وإنني ... يقينا لرهن بالذي أنا كائد
وقد ذكر المصنف هذا في غير هذا الكتاب.
стр. 339
وأفهم كلام المصنف أن غير كاد وأوشك من أفعال هذا الباب لم يرد منه المضارع ولا اسم الفاعل وحكى غيره خلاف ذلك فحكى صاحب
стр. 340
الإنصاف استعمال المضارع واسم الفاعل من عسى قال عسى يعسي فهو عاس وحكى الجوهري مضارع طفق وحكى الكسائي مضارع جعل.
بعد عسى اخلولق أوشك قد يرد ... غنى ب "أن يفعل" عن ثان فقد (١)
اختصت عسى واخلولق وأوشك بأنها تستعمل ناقصة وتامة فأما الناقصة فقد سبق ذكرها.
وأما التامة فهي المسندة إلى أن والفعل نحو عسى أن يقوم واخلولق أن يأتي وأوشك أن يفعل ف أن والفعل في موضع رفع فاعل عسى واخلولق وأوشك واستغنت به عن المنصوب الذي هو خبرها.
وهذا إذا لم يل الفعل الذي بعد أن اسم ظاهر يصح رفعه به فإن وليه نحو عسى أن يقوم زيد فذهب الأستاذ أبو علي الشلوبين إلى أنه يجب أن يكون الظاهر مرفوعا بالفعل الذي بعد أن ف أن وما بعدها فاعل لعسى وهي تامة ولا خبر لها وذهب المبرد والسيرافي والفارسي إلى تجويز
стр. 341
ما ذكره الشلوبين وتجويز وجه آخر وهو أن يكون
ما بعد الفعل الذي بعد أن مرفوعا بعسى اسما لها وأن والفعل في موضع نصب بعسى وتقدم على الاسم والفعل الذي بعد أن فاعله ضمير يعود على فاعل عسى وجاز عوده عليه وإن تأخر لأنه مقدم في النية.
وتظهر فائدة هذا الخلاف في التثنية والجمع والتأنيث.
فتقول على مذهب غير الشلوبين عسى أن يقوما الزيدان وعسى أن يقوموا الزيدون وعسى أن يقمن الهندات فتأتي بضمير في الفعل لأن الظاهر ليس مرفوعا به بل هو مرفوع ب عسى.
وعلى رأى الشلوبين يجب أن تقول عسى أن يقوم الزيدان وعسى أن يقوم الزيدون وعسى أن تقوم الهندات فلا تأتي في الفعل بضمير لأنه رفع الظاهر الذي بعده.
وجردن عسى أو ارفع مضمرا ... بها إذا اسم قبلها قد ذكرا (١)
стр. 342
اختصت عسى من بين سائر أفعال هذا الباب بأنها إذا تقدم عليها اسم جاز أن يضمر فيها ضمير يعود على الاسم السابق وهذه لغة تميم وجاز تجريدها عن الضمير وهذه لغة الحجاز وذلك نحو زيد عسى أن يقوم فعلى لغة تميم يكون في عسى ضمير مستتر يعود على زيد وأن يقوم في موضع نصب بعسى وعلى لغة الحجاز لا ضمير في عسى وأن يقوم في موضع رفع بعسى.
ونظهر فائدة ذلك في التثنية والجمع والتأنيث؟
فتقول على لغة تميم: هند عست أن تقوم والزيدان عسيا أن يقوما والزيدون عسوا أن يقوموا والهندان عستا أن تقوما والهندات عسين أن يقمن وتقول على لغة الحجاز: هند عسى أن تقوم والزيدان عسى أن يقوما والزيدون عسى أن يقوموا والهندان عسى أن تقوما والهندات عسى أن يقمن وأما غير عسى من أفعال هذا الباب فيجب الإضمار فيه فتقول الزيدان جعلا ينظمان ولا يجوز ترك الإضمار فلا تقول الزيدان جعل ينظمان كما تقول الزيدان عسى أن يقوما.
والفتح والكسر أجز في السين من ... نحو عسيت وانتقا الفتح زكن (١)
стр. 343
إذا اتصل بـ"عسى" ضمير موضوع للرفع وهو لمتكلم نحو عسيت أو لمخاطب نحو عسيت وعسيت وعسيتما وعسيتم وعسيتن أو لغائبات نحو عسين جاز كسر سينها وفتحها والفتح أشهر وقرأ نافع فهل عسيتم إن توليتم بكسر السين وقرأ الباقون بفتحها.
стр. 344
إن وأخواتها
لإن أن ليت لكن لعل كأن ... عكس مالكان من عمل (١)
كإن زيدا عالم بأني ... كفء ولكن ابنه ذو ضغن (٢)
هذا هو القسم الثاني من الحروف الناسخة للابتداء وهي ستة أحرف. (٣)
стр. 345
إن وأن وكأن ولكن وليت ولعل وعدها سيبويه خمسة فأسقط أن المفتوحة لأن أصلها إن المكسورة كما سيأتي. ومعنى إن وأن التوكيد ومعنى كأن التشبيه ولكن للاستدراك وليت للتمني ولعل للترجي والإشفاق والفرق بين الترجي والتمني أن التمني يكون في الممكن نحو ليت زيدا قائم وفي غير الممكن نحو ليت الشباب يعود يوما (١) وأن الترجي لا يكون إلا في الممكن فلا تقول لعل الشباب يعود والفرق بين الترجي والإشفاق أن الترجي يكون في المحبوب نحو لعل الله يرحمنا والإشفاق في المكروه نحو لعل العدو يقدم.
وهذه الحروف تعمل عكس عمل كان فتنصب الاسم وترفع الخبر (٢)
стр. 346
_________
= ذلك قوله ﷺ : " إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون " فإن: حرف توكيد ونصب، واسمها ضمير شأن محذوف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، والمصورون: مبتدأ مؤخر، وجملة المبتدأ وخبره في محل رفع خبر إن، وهذا هو الراجح في إعراب هذا الحديث على هذه الرواية، ومنهم من جعل من في قوله " من أشد " زائدة على مذهب الكسائي الذي يجيز زيادة من الجارة في الايجاب، ويجعل " أشد " اسم إن.
و" المصورون " خبرها وهو مبني على رأي ضعيف، ولا تدخل هذه الحروف على جملة يكون الخبر فيها طلبيا أو إنشائيا، فأما قوله تعالى (إنهم ساء ما كانوا يعملون) وقوله سبحانه (إن الله نعما يعظكم به) وقول الشاعر: إن الذين قتلتم أمس سيدهم لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما فإنها على تقدير قول محذوف يقع خبرا لان، وتقع هذه الجمل الانشائية معمولة له، فيكون الكلام من باب حذف العامل وإبقاء المعمول، والتقدير: إن الذين قتلتم سيدهم مقول في شأنهم لا تحسبوا إلخ، وكذلك الباقي، هكذا قالوا، وهو عندي تكلف والتزام ما لا لزوم له.
ويستثنى من ذلك عند هم أن المفتوحة، فإنها انفردت بجواز وقوع خبرها جملة إنشائية، وهو مقيس فيما إذا خففت نحو قوله تعالى (وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم) وقوله جل شأنه: (والخامسة أن غضب الله عليها) .
الامر الثاني: أن جماعة من العلماء - منهم ابن سيده - قد حكوا أن قوما من
العرب ينصبون بإن وأخواتها الاسم والخبر جميعا، واستشهدوا على ذلك بقول (وينسب إلى عمر بن أبي ربيعة، ولم أجده في ديوانه) : إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن خطاك خفافا، إن حراسنا أسدا ويقول محمد بن ذؤيب العماني الفقيمي الراجز يصف فرسا: كأن أذنيه إذا تشوفا قادمة أو قلما محرفا ويقول ذي الرمة: كأن جلودهن مموهات على أبشارها ذهبا زلالا ويقول الراجز: =
стр. 347
نحو إن زيدا قائم فهي عاملة في الجزأين وهذا مذهب البصريين
وذهب الكوفيون إلى أنها لا عمل لها في الخبر وإنما هو باق على رفعه الذي كان له قبل دخول إن وهو خبر المبتدأ.
وراع ذا الترتيب إلا في الذي ... كليت فيها أوهنا غير البذي (١)
أي يلزم تقديم الاسم في هذا الباب وتأخير الخبر إلا إذا كان الخبر ظرفا أو جارا ومجرورا فإنه لا يلزم تأخيره وتحت هذا قسمان:
أحدهما: أنه يجوز تقديمه وتأخيره وذلك نحو: ليت فيها غير البذي
стр. 348
أو ليت هنا غير البذي أي الوقح فيجوز تقديم فيها وهنا على غير وتأخيرهما عنها.
والثاني: أنه يجب تقديمه نحو ليت في الدار صاحبها فلا يجوز تأخير في الدار لئلا يعود الضمير على متأخر لفظا ورتبة ولا يجوز تقديم معمول الخبر على الاسم إذا كان غير ظرف ولا مجرور نحو إن زيدا آكل طعامك فلا يجوز إن طعامك زيدا آكل وكذا إن كان المعمول ظرفا أو جارا ومجرورا نحو إن زيدا واثق بك أو جالس عندك فلا يجوز تقديم المعمول على الاسم فلا تقول إن بك زيدا واثق أو إن عندك زيدا جالس وأجازه بعضهم وجعل منه قوله:
٩٥ - فلا تلحنى فيها فإن بحبها ... أخاك مصاب القلب جم بلابله
стр. 349
وهمز إن افتح لسد مصدر ... مسدها وفي سوى ذاك اكسر (١)
إن لها ثلاثة أحوال: وجوب الفتح ووجوب الكسر وجواز الأمرين.
فيجب فتحها إذا قدرت بمصدر كما إذا وقعت في موضع مرفوع فعل (٢)
стр. 350
نحو: يعجبني أنك قائم أي قيامك أو منصوبة نحو: عرفت أنك قائم أي قيامك أو في موضع مجرور حرف نحو عجبت من أنك قائم أي من قيامك (١) وإنما قال لسد مصدر مسدها ولم يقل لسد مفرد مسدها لأنه قد يسد المفرد مسدها ويجب كسرها نحو ظننت زيدا إنه قائم فهذه يجب كسرها وإن سد مسدها مفرد لأنها في موضع المفعول الثاني ولكن لا تقدر بالمصدر إذ لا يصح ظننت زيدا قيامه. (٢)
فإن لم يجب تقديرها بمصدر لم يجب فتحها بل تكسر وجوبا أو جوازا على ما سنبين وتحت هذا قسمان أحدهما وجوب الكسر والثاني جواز الفتح والكسر فأشار إلى وجوب الكسر بقوله:
стр. 351
فاكسر في الابتدا وفى بدء صله ... وحيث إن ليمين مكمله (١)
أو حكيت بالقول أو حلت محل ... حال كزرته وإني ذو أمل (٢)
وكسروا من بعد فعل علقا ... باللام كأعلم إنه لذو تقى (٣)
стр. 352
فذكر أنه يجب الكسر في ستة مواضع:
الأول: إذا وقعت إن ابتداء أي في أول الكلام نحو إن زيدا قائم ولا يجوز وقوع المفتوحة ابتداء فلا تقول أنك فاضل عندي بل يجب التأخير فتقول عندي أنك فاضل وأجاز بعضهم الابتداء بها.
الثاني: أن تقع إن صدر صلة نحو جاء الذي إنه قائم ومنه قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ﴾ الثالث: أن تقع جوابا للقسم وفي خبرها اللام نحو والله إن زيدا لقائم وسيأتي الكلام على ذلك.
الرابع: أن تقع في جملة محكية بالقول نحو قلت إن زيدا قائم قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ﴾ فإن لم تحك به بل أجرى القول مجرى الظن فتحت نحو أتقول أن زيدا قائم أي أتظن.
الخامس: أن تقع في جملة في موضع الحال كقوله زرته وإني ذو أمل ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ وقول الشاعر:
٩٦ - ما أعطياني ولا سألتهما ... إلا وإني لحاجزى كرمي
стр. 353
السادس: أن تقع بعد فعل من أفعال القلوب وقد علق عنها باللام نحو علمت إن زيدا لقائم وسنبين هذا في باب ظن فإن لم يكن في خبرها اللام فتحت نحو علمت أن زيدا قائم.
هذا ما ذكره المصنف وأورد عليه أنه نقص مواضع يجب كسر إن فيها:
الأول: إذا وقعت بعد ألا الاستفتاحية نحو ألا إن زيدا قائم ومنه قوله تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾
стр. 354
الثاني: إن وقعت بعد حيث نحو اجلس حيث إن زيدا جالس.
الثالث: إذا وقعت في جملة هي خبر عن اسم عين نحو زيد إنه قائم.
ولا يرد عليه شيء من هذه المواضع لدخولها تحت قوله فاكسر في الابتدا لأن هذه إنما كسرت لكونها أول جملة مبتدأ بها.
بعد إذا فجاءة أو قسم ... لا لام بعده بوجهين نمي (١)
مع تلو فا الجزا وذا يطرد ... في نحو خير القول إني أحمد (١)
стр. 355
يعني أنه يجوز فتح إن وكسرها إذا وقعت بعد إذا الفجائية نحو خرجت فإذا إن زيدا قائم فمن كسرها جعلها جملة والتقدير خرجت فإذا زيد قائم ومن فتحها جعلها مع صلتها مصدرا وهو مبتدأ خبره إذا الفجائية والتقدير فإذا قيام زيد أي ففي الحضرة قيام زيد ويجوز أن يكون الخبر محذوفا والتقدير خرجت فإذا قيام زيد موجود (١) ومما جاء بالوجهين قوله:
٩٧ - وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا ... إذا أنه عبد القفا واللهازم